– دراسة مقارنة-([·])

د. أكرم محمود حسين البدو

أستاذ القانون المدني المساعد

كلية الحقوق/ جامعة الموصل

المستخلص

العقود إنما شرعت للحاجة والمصلحة لا لمحض العبادة، وما يدل على ذلك وجودها قبل الشرع، حيث كان التعاقد معروفاً عند العرب قبل الإسلام، فكانوا يعرفون عقود المعاوضات المالية من بيع وإجارة واستصناع ونحوها، وما يدل على أنها وجدت للحاجة والمصلحة أن الشرع أقرها على وجه جعلها كفيلة بأن تحقق للناس مصالحهم وتوفر لهم رغائبهم وحاجاتهم، كما أقر للناس أن ينشؤوا العقود بإرادتهم، وجعل لهذه الإرادة دوراً مهماً في تحديد آثار تلك العقود بشرط ألا تتجاوز الحدود التي بينها ورسمها، وألزم المتعاقدين بآثارها بإيجاب منه، فالعقود ليست من الأسباب العقلية التي تترتب عليها آثاراً ترتباً لازماً بمقتضى العقل، وإنما هي أسباب جعلية شرعية، بمعنى أن الشارع جعلها كذلك، أو أقر ما درج الناس عليه من اعتبارها أسباباً لأثار معينة محددة أرادها الناس منها، ثم بينها الشارع وفصلها، فجعل لكل عقد آثاراً خاصة به، تتحقق به الأغراض الصحيحة التي يقصدها العاقدان من إنشائه، فللبيع مثلا آثار خاصة به، وللإجارة آثار لازمة لها وهكذا، وآثار كل عقد تسمى حكمه، ولكن ما المقصود بتلك الآثار أو ذلك الحكم على وجه التحديد والتفصيل؟ وهل أن تلك الآثار هي ذاتها الالتزامات والحقوق التي يوجبها العقد على المتعاقدين ؟ وهل أن حكم العقد هذا يترتب دائما في جميع العقود؟ أم أن هناك أسباب تمنع ترتبه أو تعرقله أو تعترضه؟

إن جميع التساؤلات المتقدمة سنحاول الإجابة عليها في محورين، الأول نتناول فيه التعريف بحكم العقد وتمييزه عما يشتبه به، أما المحور الثاني فسيكون حول حكم العقد في الفقه الإسلامي آخذ البيع نموذجاً لدراستنا هذه في ضوء المنهج التحليلي المقارن.

Abstract

Contracts only prescribed the need for and interest not to pure worship, and what is indicated by the presence before Shara, where he was hired known among the Arabs before Islam, were known decades offsets financial sale and leasing and Istisna and the like, and what evidence they found the need and interest that Islam endorsed on the face of them are bound to check for people their interests and provide them Rgauْbhm and needs, also approved for people to establish contracts willingly, and make of this will play an important role in determining the effects of those contracts provided that exceed the limits between them and painted, and committed contractors effects favorably of it, Valacod not reasons mentality that entail effects Tertba required under the mind, but they are reasons Jalih legitimacy, in the sense that the street make it so, or approved Maderj people it considered reasons for the effects of certain specific willed people from, and then including the street and separated, and started each contract effects of its own, achieved its purpose correct destination Akdan from its inception, Vllabie for example, the effects of its own, and the effects of leasing needed her and so on, and the implications of each contract called his reign, but what is meant by these effects or that provision specifically detail? Does that those effects are the same obligations and rights which یوجبھ ا contract on contractors? Does that rule always entail the decade in all contracts? Or that there are reasons why arranged or hampered or hindered?     The advanced all questions we’ll try to answer it in two axes, the first dealing with the definition by virtue of the contract and to distinguish it from what is suspected, The second axis will be on the rule of contract in Islamic jurisprudence, taking sales model for this study in light of comparative analytical approach

المقدمة

فإن العقود إنما شرعت للحاجة والمصلحة لا لمحض العبادة، وما يدل على ذلك وجودها قبل الشرع، إذ كان التعاقد معروفاً عند العرب قبل الإسلام، فكانوا يعرفون عقود المعاوضات المالية من بيع وإجارة واستصناع ونحوها، وما يدل على أنها وجدت للحاجة والمصلحة أن الشرع أقرها على وجه جعلها كفيلة بأن تحقق للناس مصالحهم وتوفر لهم رغباتهم وحاجاتهم، وما أقر للناس أن ينشؤوا العقود بإرادتهم، وجعل لهذه الإرادة دوراً مهماً في تحديد آثار تلك العقود بشرط ألا تتجاوز الحدود التي بينها ورسمها، وألزم المتعاقدين بآثارها بإيجاب منه، فليست العقود من الأسباب العقلية التي تترتب عليها آثاراً ترتباً لازماً بمقتضى العقل، وإنما هي أسباب جعلية شرعية، بمعنى أن الشارع جعلها كذلك، أو أقر ما درج الناس عليه من اعتبارها أسبابا لأثار معينة محددة أرادها الناس منها، ثم بينها الشارع وفصلها، فجعل لكل عقد آثاراً خاصة به، تتحقق به الأغراض الصحيحة التي يقصدها العاقدان من انشائه، فللبيع مثلا آثار خاصة به، وللإجارة آثار لازمة لها وهكذا، وآثار كل عقد تسمى حكمه، ولكن ما المقصود بتلك الآثار أو ذلك الحكم على وجه التحديد والتفصيل؟ وهل أن تلك الآثار هي ذاتها الالتزامات والحقوق التي يوجبها العقد على المتعاقدين؟ وهل أن حكم العقد هذا يترتب دائماً في جميع العقود؟ أم أن هناك أسباب تمنع ترتبه أو تعرقله أو تعترضه؟

إن التساؤلات المتقدمة جميعها سنحاول الإجابة عليها في محورين، الأول نتناول فيه التعريف بحكم العقد وتمييزه عما يشتبه به، أما المحور الثاني فسيكون حول حكم العقد في الفقه الإسلامي آخذين البيع نموذجا لدراستنا هذه في ضوء المنهج التحليلي المقارن .

وعلى ذلك ستكون هيكلية بحثنا على وفق الأتي:

المبحث الأول: التعريف بحكم العقد وتمييزه عما يشتبه به.
المطلب الأول: التعريف بحكم العقد.
المطلب الثاني : تمييز حكم العقد عما يشتبه به.
المبحث الثاني: حكم العقد في الفقه الإسلامي.
المطلب الأول: حكم العقد وما يتعلق به.
المطلب الثاني: موانع حكم العقد الشرعية.
المطلب الثالث: موانع حكم العقد غير الشرعية.

المبحث الأول

التعريف بحكم العقد وتمييزه عما يشتبه به

الكلام في حكم العقد يتوجب ابتداء التعريف بحكم العقد، ولاسيما عقد البيع بوصفه أهم وأبرز عقود المعاوضة من جهة، ومن جهة ثانية لأن الفقهاء المسلمون لا يصوغون نظريات لكل نظام، إنما يعنون بالتطبيقات العملية، لذا نجدهم قد فصلوا في نظام العقد وحكمه في معرض كلامهم في عقد البيع. ويتطلب التعريف بحكم العقد بدوره التعريف بالحكم، والتعريف بالعقد، ومن ثم التعريف بالبيع كونه عقداً نموذجياً في هذا البحث، إلا أن ذلك لا يكفي للدخول في هذا الموضوع بل يجب أيضاً التمييز بين حكم العقد وبين المصطلحات التي قد تشتبه به. ولذا سنوزع هذا البحث على مطلبين:
الأول : نخصصه للتعريف بحكم العقد.
والثاني: نميز فيه حكم العقد عن الأوضاع التي يشتبه بها.

المطلب الأول

التعريف بحكم العقد

عبر عنوان هذا المطلب نرى أنه يتضمن مصطلحات عديدة ينبغي التوقف عند كل واحد منها لغرض بيان المراد منه، ثم بعد ذلك نحاول التعريف بحكم العقد بوصفه مصطلحاً مركباً، من عبر العرض الآتي:
الحكم لغة: هو مصدر حكم بينهم بحكم أي قضى([1]) أما الحكم في الاصطلاح الفقهي فله أطلاقات ([2]) ثلاث هي:
1- إما أن يراد به الحكم التكليفي: وهو أما الوجوب أو الندب أو الإباحة أو التحريم أو الكراهية فيقال: حكم الصوم الوجوب، وحكم السرقة التحريم وهكذا.
2- أو يراد به الوصف الشرعي، من إذ الصحة واللزوم وعدم اللزوم، فيقال مثلا حكم العقد المستوفي لأركانه وشرائطه أن صحيح لازم .
3 أو يراد به الأثر المترتب على التصرف كالوصية إذا استوفت شرائطها وأركانها، ترتبت عليها آثار تتعلق بالموصى له، وآثار تتعلق بالموصى به

والمقصود من الحكم في دراستنا هذا المعنى الثالث له، أي الحكم الشرعي الثابت للعقد وأثره المترتب عليه، فأثر عقد البيع مثلا: هو ثبوت الملك ([3])، في المبيع للمشتري، وثبوت الملك في الثمن للبائع، إذا كان البيع لازماً لا خيار فيه([4]).

أما العقد فهو في اللغة: من عقدت الحبل والبيع والعهد فانعقد([5]). وهو الاصطلاح الفقهي: ارتباط القبول بالإيجاب شرعاً، على وجه يثبت أثره في المعقود عليه([6]) أما البيع فهو لغة: مصدر بعت الشيء: شريته، أبيعه بيعاً ومبيعاً، وبعته أيضاً: اشتريته، وهو من الأضداد، أما البيع اصطلاحاً فهو على وفق أرجح التعريفات: “عقد معاوضة، على غير منافع، ولا متعة لذة، ذي مكايسة، أحد عوضيه غير ذهب ولا فضة، معين غير العين فيها ([7]) و قال بهذا التعرف فقهاء المالكية.

  وبعد هذا العرض يبقى علينا التعريف بحكم العقد بوصفه مصطلحاً مركباً.

أن حكم العقد هو الحكم الأصلي له ([8]). أو هو الأثر الأصلي له ([9])، أو هو الغرض والغاية منه ([10]) أو هو الأثر الذي يترتب على العقد شرعاً، وهذا الأثر هو الغرض المقصود من شرعية العقد ([11])
فالأثر الذي يترتب على عقد البيع مثلا نقل ملكية البائع للمبيع إلى المشتري، ونقل ملكية المشتري للثمن إلى البائع، وحل تصرف البائع بالثمن، وحل تصرف المشتري بالمبيع ([12])

المطلب الثاني

تمييز حكم العقد عن الأوضاع التي يشتبه بها

قد يشتبه حكم العقد مع بعض المصطلحات الفقهية، ومن هذه المصطلحات ؟ حقوق العقد وأحكام العقد، وحكمة العقد على وفق ما يأتي:
أولاً: حكم العقد وحقوق العقد: يمكن تمييز العقد من حقوق العقد من عبر النقاط الآتية:
1. أن حكم العقد هو الحكم الأصلي له، أما حقوق العقد فهي أحكام تبعية، فحكم عقد البيع مثلا هو ثبوت الملك في البلدين للبائع والمشتري كليهما في بدل، فقد جاء في حاشية أبن عابدين : “وحكمه (أي البيع ) ثبوت الملك : أي في البلدين لكل منها في بدل، وهذا حكمه الأصلي “، أما حقوق العقد فهي وجوب تسليم المبيع والثمن، كما ذكر ذلك ابن عابدين بعد قوله المار ذكره : وهذا حكمه الأصلي، والتابع وجوب تسليم المبيع والثمن ([13])
2. أن حكم العقد الأثر الأصلي منه، أما حقوق العقد فهي الأعمال التي لابد منها للحصول على حكمه ([14]) أو هي الالتزامات والمطالبات التي تتعلق بتنفيذ حكم العقد، من المطالبة بالتسلم والتسليم، وحق خيار العيب، أو الرؤية وغير ذلك، بعبارة أخرى هي ما يترتب على حكم العقد ([15])
3. أن حكم العقد هو الهدف، وحقوق العقد هي الوسائل المطلوبة للوصول إلى ذلك الصرف، فالأثر المترتب على عقد البيع مثلا ملكية المبيع للمشتري، وملكية الثمن للبائع، ولاشك أن ذلك هو الهدف من العقد، أما حقوق العقد، في الالتزامات المترتبة على البائع والمشتري كي يصلوا إلى ذلك الحكم، وهو الهدف من العقد ([16])

4. يترتب حكم العقد فضلا عن نقل الملكية حل تصرف البائع بالثمن، وحل تصرف المشتري بالمبيع، وهذا ما لا ترتبه حقوق العقد ([17])

5 . أن حكم العقد هو احد أطلاقات الحكم في الفقه الإسلامي – سبق ذكرها- وليس الأمر كذلك بالنسبة لحقوق العقد

وتكمن أهمية التمييز بين حكم العقد وحقوقه في الأثر الذي يترتب على كل منهما، فحكم العقد يفيد جواز أو حل التصرف بمحل العقد (المبيع والثمن مثلا) قبل قبضه أو انتقاله ماديا إلى المتعاقد، إذ يصح تصرفه بالمبيع بمجرد العقد أن لم يكن فيه خيار عن بعض المذاهب كما سنجد فيما يأتي، قل أن تحقق حقوق العقد أي قبض المبيع، من جهة ثانية أن حقق العقد مهمة في تحقيق حكم العقد، فقد يصبح حكم العقد هو أثرا جعليا، أي يترتب تلقائيا بإدارة الشارع ([18]) ولا يحتاج إلى تدخل من المتعاقدين كي يتحقق، بخلاف حقوق العقد التي تحتاج إلى ذلك التدخل، ومع ذلك فأن حكم العقد حتى أن كان تحقق حكما، فإنه من الناحية العملية قد يتوقف على تدخل المتعاقدين
ثانياً: حكم العقد وأحكام العقد: علمنا فيما سبق المقصود بحكم العقد، أما أحكام العقد فنقصد منها هنا هي الأحكام المتعلقة بالصحة والبطلان، وهي بذاتها تمثل أحد اطلاقات الحكم التي ذكرناها فيما سلف، وهو الوصف الشرعي للفعل (العقد)، والعقود تبطل إذا خلت من هذه الأحكام، ولا تبطل إذا خلت من الحكم ([19])
ثالثاً: حكم العقد وحكمة العقد: حكمة العقد هي إطلاق الانتفاع بمحل العقد ([20]) وحكمة عقد البيع بقاء نظام المعاش والعالم، فأنه تعالى خلق العالم على أتم نظام وأحكم أمر معاشه أحسن أحكام، ولا يتم ذلك إلا بالبيع والشراء؟ إذ لا يقدر أحد أن يعمل لنفسه ما يحتاجه كله، ولو لا الشراء لكان يأخذ ما يحتاجه بالقهر، أو السؤال إن أمكن، وإلا قاتل صاحبه عليه، ولا يتم مع ذلك بقاء العالم ([21])

وحكمة البيع كما قال المالكية أيضاً تمام نظام، فأن الإنسان لا يمكن الانفراد بما يحتاج إليه، وربما لا يسمح له به من هو في يده، فشرع البيع لبلوغ المراد بسلام، وحكمة مشروعة: الوصول إلى ما في يد الخير على وجه الرضا، لعدم حدوث المنازعة والمقاتلة والسرقة والخيانة والحيل وغير ذلك ([22])

المبحث الثاني

حكم العقد في الفقه الإسلامي

بعد أن تناولنا التعريف بحكم العقد بشكل عام، وميزناه عن غيره من المصطلحاًت القريبة منه، سنتكلم الأن في حكم العقد، أخذين البيع أنموذجا للعقد وحكمه أنموذجا لحكم العقد، على أنه يجب التنبيه إلى أنه ليس في الأحوال جميعها يترتب حكم العقد، حيث أن ذلك أنما يكون في العقد اللازم، أما العقد غير اللازم فإن حكمه قد يتأخر أو يمنع ببعض الموانع أو المؤجلات إذا صح التعبير، وهذه الموانع هي الخيارات التي تشترط في عقد البيع، وهي موانع شرعية، ولكن قد يكون هناك من الموانع ما لا تمنع وقوع الحكم، وإنما تعترض إعماله، أو تعرقله إذا جاز التعبير، التي يمكن تسميتها عوارض أو موانع حكم العقد غير الشرعية.
وعلى ذلك سنوزع الكلام في هذا المبحث إلى ثلاثة مطالب:
الأول : نتكلم فيه في حكم العقد وما يتعلق به.
والثاني: نخصصه لموانع حكم العقد أو مؤجلاته الشرعية.
والثالث : نفرده لموانع أو عوارض حكم العقد غير الشرعية.
وهذا التأصيل والتقسيم إنما استوحيناه من نصوص كتب الفقه الإسلامي، وبعد قراءة لتلك النصوص وتمحيصها.

المطلب الأول

حكم العقد وما يتعلق به

إذا انبرم العقد (البيع) وكان صحيحا ترتبت أثاره، ولزمت أحكامه بصورة تلقائية من غير حاجة إلى التنصيص على ذكرها في صلب العقد ([23])، ومن تلك الأثار ([24])

1- لزوم العقد: إذ الأصل في عقد البيع اللزوم (وهو أثر بديهي ).
2- نقل الملك في الاعواض : وهذا هو الأثر الأصلي للعقد.
3- نقل الضمان : والمقصود به ضمان العين المعقود عليها إذا كانت متعينة وقت العقد (وهذا الأثر ينتقل مع الملكية ).
4- تسلم الأعواض: أو تبادل نقل الاعواض من حيازة أحد المتعاقدين إلى حيازة الآخر (وهذه هي حقوق العقد).
فيترتب على انعقاد البيع حكمه، وهذا الحكم هو نقل الملكية في المبيع من البائع إلى المشتري، ونقل ملكية الثمن من المشتري إلى البائع.
ولحكم العقد الذي لا خيار فيه صفتان ([25])
1- اللزوم : حتى لا ينفرد أحد العاقدين بالفسخ.
2- الحلول : وهو ثبوت الملك في البلدين للحال، لأنه تمليك بتمليك، وهو إيجاب الملك من الجانبين للحال، فيقضي ثبوت الملك في البدلين للحال .
ولكن ما حكم التصرف بالمبيع أو الثمن قبل القبض ؟ سنجيب عن هذا التساؤل في الفقرات الآتية:

أولا: حكم التصرف بالمبيع قبل القبض:
قيل بأنه لا يجوز التصرف في المبيع المنقول قبل القبض بلا خلاف، لأن النبي (صلى الله عليه وسلم) نهى عن بيع ما لم يقبض، والنهي يوجب فساد المنهي عنه، أما العقار فيجوز التصرف فيه قبل القبض عند أبي حنيفة وأبي يوسف استحسانا استدلالا بعموم آيات البيع من غير تخصيص، ولا يجوز تخصيص عموم الكتاب بخبر واحد، ولا غرار ([26]) في العقار، إذ لا يتوهم هلاك العقار، ويندر هلاكه في الغالب، وقال محمد وزفر: لا يجوز بيع العقار قبل القبض لعموم النهي عن البيع قبل القبض، ولعدم وجود القدرة على التسليم، ولتحقيق الغرر ([27])
أما عند المالكية فيجوز التصرف بالمبيع قبل قبضه، بشرط تفادي الوقوع في بيوع الآجال الممنوعة في المذهب المالكى، باستثناء الطعام، إذ يقول مالك: “من ابتاع طعاما فلا يبعه حتى يستوفيه ([28])، والمقصود من الطعام : ” المواد الغذائية “، لأن الأحاديث والآثار كلها تنص على الطعام حصرا ([29])

وقال الشافعية : “لا يجوز بيع المبيع فبل القبض عقارا كان أو منقولا، لا بأذن البائع ولا دون إذنه، لا قبل أداء الثمن، ولا بعده ([30]) وقد استندوا إلى حديث النهي عن بيع الطعام السابق ذكره في معرض كلامنا في موقف المالكية، والحديث الذي رواه البيهقي عن حكيم بن خزام قال: قلت يا رسول الله أني ابتاع هذه البيوع فما يحل لي وما يحرم علي؟ قال: “يا ابن أخي لا تبيعن شيئا حتى تقبضه ” ([31])

أم الحنابلة فقد أجازوا التصرف في المبيع قبل قبضه فقد جاء في الشرح الكبير: “ولأنه أحد نوعي المعقود عليه فجاز التصرف فيه قبل قبضه كالمنافع في الإجازة، يجوز له إجازة العين المستأجرة قبل المنافع، ولأنه مبيع لا يتعلق به حق…” ([32]) وقد استندوا إلى ما روي عن الرسول (صلى الله عليه وسلم) أنه قال في البكر ([33]) :” هو لك يا عبد الله بن عمر فأصنع به ما شئت ” ([34]) فالرسول (صلى الله عليه وسلم) اشترى البكر من عمر بن الخطاب (رضي الله عنه) ثم وهبه لعبد الله بن عمر قبل أن يقبضه . ولكن الحنابلة استثنوا من ذلك المبيع بكيل، أو وزن، أو عد، أو ذرع ([35])

نستخلص مما سبق أن هناك رأيان في حكم الصرف بالمبيع قبل قبضه في الفقه الإسلامي هما:

الأول : يجوز التصرف بالمبيع قبل قبضه بوصفه قاعدة عامة، واستثناء لا يجوز بيع المواد الغذائية ولا المبيع بالكيل، أو الوزن، أو العد، أو الذرع، وهذا رأي المالكية والحنابلة.
الثاني: لا يجوز بوصفه قاعدة عامة بالمبيع قبل قبضه، واستثناء يجوز عند انعدام الغرر، ويكون هذا في العقار الذي لا يخشى عليه الهلاك – وهو قول أبي حنيفة وأبي يوسف -، وهذا الرأي هو رأي الحنفية والشافعية.

ثانيا: حكم بالثمن قبل قبضه:
يلزم ابتداء التعريف بالثمن وتمييزه عن القيمة، فالثمن هو ما تراضى عليه المتعاقدان سواء زاد على القيمة أو نقص، أما القيمة ما قوم به الشيء بمنزلة المعيار من غير زيادة ولا نقصان ([36])
أما حكم التصرف بالثمن قبل قبضه، فقد اتفق الحنفية والمالكية والحنابلة على جوز التصرف بالثمن قبل قبضه استنادا إلى ما روي عن عمر أنه قال: ” كنا نبيع الإبل بالنقيع ([37])، بالدراهم فنأخذ عنها الدنانير وبالعكس فسألنا رسول الله (صلى الله عليه وسلم ) فقال: “لا بأس أن تأخذ بسعر يومها مالم تفرقا وبينكما شيء ([38]). وهذا نص على جواز استبدال ثمن المبيع ([39])

وقال الشافعية لا يجوز التصرف بالثمن قبل القبض لعموم النهي عنه الوارد في حديث النهي عن بيع الطعام المتقدم ذكره ([40])
نخلص مما تقدم إلى أن جمهور الفقهاء أجاز التصرف بالثمن قبل قبضه، وخالفهم في ذلك الشافعية بعدم إجازتهم لذلك.

المطلب الثاني

موانع حكم العقد الشرعية

إما أن يكون العقد لازماً، وأما أن يكون غير لازم، والعقد غير اللازم هو ما كان فيه خيار لأحد العاقدين، والخيار معناه: طلب خير الأمرين منهما: والأمر أن في البيع الفسخ والإمضاء فالعاقد مخير بين هذين الأمرين ([41])، والحكمة من الخيار هي مصلحة العاقدين فقد أباحه الشارع استيفاء للمودة بين الناس، ودفعاً للضغائن والأحقاد من أنفسهم، إذ قد يشتري الواحد سلعة يبيعها لظرف خاص يحيط به، إذ لو ذهب ذلك الظرف لندم على بيعها أو شرائها، ويعقب ذلك، الندم غيط فضغينة وحقد ونخاصم وتنازع، إلى غير ذلك من الشرور والمفاسد ([42])

ومن أهم الخيارات التي ترد في عقد البيع، خيار الشرط وخيار التعيين، وخيار الرؤية، وخيار العيب، وسنقوم بالتعريف بكل منها وبيان أثرها في حكم العقد (البيع) عند المذاهب الفقهية.

أولاً: خيار الشرط: ويسمى بتعريف كل خيار التروي، وهو الخيار الذي يوجبه أحد العاقدين، أو كليهما، لنفسه بإنفاذ البيع والرجوع فيه إيجابا شرطياً يتفقان عليه في العقد ([43])، كأن يقول المشتري للبائع: أشتري منك هذه السلعة بما ذكرت من الثمن على أنني بالخيار يوماً أو يومين، والأصل فيه هو حديث أبن عمر (رضي الله عنهما) أن رجلاً ذكر لرسول الله (صلى الله عليه وسلم) أنه يخدع في البيوع، فقال رسول الله (صلى الله عليه وسلم) :” إذا بايعت فقل: لا خلابة ” قال: فكان الرجل إذا بايع يقول : لا خلابة ([44])
قال الحنفية أن خيار الشرط يمنع الحكم ابتداء أن كان للبائع، أو للبائع والمشتري معا، أما أذا كان الخيار للمشتري فلا يمنع حكم العقد، فيخرج المبيع من ملك البائع. فلا يخرج المبيع عم ملك البائع خياره أو خيارهما، لأنه يمنع الحكم ([45]) ولا يقصد بمنع الحكم عند الحنفية أعداده لأن العدم هو حكم العقد الباطل كما هو معلوم .
   وقال المالكية أن خيار الشرط يمنع تمام الحكم، فلا تزول ملكية المبيع من ذمة البائع، سواء تم قبضه أم لا، لأن نقل الملك يوجبه العقد، وهو بحال الخيار غير مكتمل بل متعلق على النتيجة التي يسفر عنها من جعل له الخيار ([46])

أما الشافعية فلهم في المسألة ثلاثة أقوال ؟ أحدها: أن خيار الشرط لا يمنع حكم البيع، فالملك للمشتري في زمن الخيار، والثاني: للبائع، والثالث: حكم موقوف ([47])، ولكن النووي حدد طرقاً لهذه الأقوال فقال: ” أن كان الخيار للبائع، فالملك له، وأن كان للمشتري، فله، وأن كلن لهما فموقوف” ([48])، إذ نستنبط من ذلك أن خيار الشرط يمنع حكم البيع عندما يكون للبائع ويوقفه عندما يكون لهما معاً.
     لا يتأثر العقد بخيار الشرط عند الحنابلة، فلا يمنع خيار الشرط نقل الملك ([49])
     يستفاد مما سبق أن خيار الشرط يمنع حكم العقد، أو يمنع تمامه كمال قال المالكية، إذا كان للبائع أو للبائع والمشتري معاً عند جمهور الفقهاء، وخالفهم في ذلك الحنابلة، إذ لا يمنع الخيار عندهم من نقل الملك، أي لا يمنع حكم العقد.
ثانياً: خيار التعيين: هو أن يشتري الإنسان واحدا من شيئين مختلفين يخير بينهما، ويكون الثمن المعلن واحداً كأن يقول له أبيعك إحدى هاتين الشاتين بألف، وأختر منهما ما يعجبك.

   وحكم خيار التعيين عند الحنفية هو منع حكم البيع ابتداء، كما هو خيار الشرط لأنه أيضاً مؤقت بمدة محددة هي ثلاثة عند أبي حنيفة ([50])، ويكون العقد عند المالكية لازماً للمشتري مع خيار التعيين فلا يستطيع فسخه، ولكن يكون حكم العقد ممنوعاً حتى يتعين أحد المبيعين، فإذا أنقضت المدة ولم يختر لزمه النصف من كل منهما، فتحصل شركة ملك بينهما ([51])

أما الشافعية فأنهم لم يذكروا خيار التعيين في كتبهم، لأن الخيار عندهم ضربان: خيار نقص، وهو خيار العيب، وخيار شهوة ول سببان: المجلس، والشرط ([52])
   والحنابلة كالشافعية لم يذكروا خيار التعيين ضمن الخيارات التي قالوا بها، والسبعة خيارات هي: خيار المجلس، وخيار الشرط، وخيار الغبن، وخيار التدليس، وخيار العيب، وخيار الخلف في الصفة، وخيار خلف في قدر الثمن ([53])
    نستخلص مما سبق أن خيار التعيين يمنع الحكم أيضاً عند الحنفية والمالكية، ولا ذكر له عند الشافعية والحنابلة

ثالثاً:خيار الرؤية: يقصد به ثبوت الخيار للمشتري فيما إذا اشترى عيناً غائبة عند رؤيتها وقبضها، وأنه أمضى البيع، وأن شاء فسخه، بصرف النظر عن كون العين قد وجدت مطابقة للوصف الذي رسمه البائع في مخيلته المشتري أو غير مطابقة
    ويمنع خيار المطابقة عند الحنفية تمام الحكم، ولا يمنعه ابتداء كخيار الشرط والتعيين، فلا يمنع من وقوع الملك للمشتري، وأن كان هذا الوقوع غير مكتمل، و يثبت خيار الرؤية حكماً ([54])، فهو يثبت بنص الحديث:” من اشترى شيئاً لم يراه فهو بالخيار إذا رآه، أن شاء أخذه، وأن شاء تركه ([55])، ولا يثبت بالشرط
    ولا يمنع خيار الرؤية عند المالكية حكم البيع، وإنما يمنع لزومه أي لزوم البيع، فينتقل الملك للمشتري، ولكن هذا الانتقال غير لازم، وأساس خيار الرؤية عند المالكية هو الشرط لا النص، لأنهم لم يأخذوا بالحديث الذي استند إليه الحنفية الذي مر ذكره، لضعفه ([56])
    أما الشافعية فأنهم لم يعرضوا لخيار الرؤية؛ لأنهم قالوا بخيار النقيصة الذي يعوض عنه ([57])، وكذلك الأمر بالنسبة للحنابلة؛ إذ أخذوا بخيار فوات الوصف (خيار الخلف في الصفة ) الذي يعوض عن خيار الرؤية ([58])، ولأن كل من الشافعية والحنابلة لم يعملوا بالحديث السابق ذكره المالكية.

رابعاً: خيار العيب: وقال بهذا الحنفية والحنابلة وبهذا الاسم، ويقابله عند المالكية والشافعية خيار النقيصة، لأن يتضمنه هذا الأخير في الحقيقة خيار العيب وخيار الوصف المرغوب، وهذا الأخير بدوره يقابل خيار الرؤية عند الحنفية والمالكية أو يجزي عنه كما ذكرنا.

    وخيار العيب هو الخيار الذي يثبت للمشتري لنقص بسبب مخالف لما التزامه البائع شرطاً أو عرفاً في زمان ضمانه . وخيار العيب أو النقيصة بمنع من لزوم العقد، ولا يمنع حكه بالاتفاق .

المطلب الثالث

موانع حكم العقد غير الشرعية

نقصد بموانع حكم العقد غير الشرعية أفعال البائع والمشتري كليهما المتعلقة بحقوق العقد، أو بعبارة أخرى عدم الإيفاء بالالتزامات المترتبة على حكم العقد.

    فقد جاء في الفقه الحنفي:” أن أحضر البائع السلعة شرط لإلزام المشتري بتسليم الثمن …. وأفاد أن للبائع حبس المبيع حتى يستوفي كل الثمن 0000 ” ([59])
     وجاء في الفقه المالكي:” يجب على البائع أن يسلم المبيع الذي تم العقد عليه فور العقد، لأنه إذا تم نقل الملك والضمان لم يبق إلا تسليم العين، وليس هناك ما يدعو إلى استبقائها إلا أن يرضى المشتري بإيداعها عند البائع، أو يمتنع المشتري من تسليم الثمن فيعد حجر المبيع حينئذ مرهوناً بالثمن، ولا يستطيع المشتري أن يحتج بأنه هو الأخر مستحق لقبض المبيع على البائع، قال أبن الحاجب: وإذا أختلف في البداية أجبر المشتري وقيل يخليان فمن سلم أجبر له الآخر، وإنما أوجبنا على المشتري الدفع أولاً فيما إذا كان الثمن نقوداً؛ لأن الثمن لما وجب في ذمة المشتري بالعقد صار مدينا به للبائع، فجاز للبائع أن يستوثق لدينه بحسب المبيع .0 ([60])، و يتبين من النص أن تصرف البائع في منحه للمبيع يكون مشروعاً إذا كان بسبب تصرف المشتري غير المشروع وهو امتناعه غير المسوغ من دفع الثمن.
     وورد في الفقه الشافعي من أنه:” يلزم كل واحد من المتبايعين تسليم العوض الذي يستحقه الآخر، فأن قال كل: لا أسلم حتى أقبض ما استحقه، فأربعة أقوال: أحدهما: يلزم الحاكم كل واحد بإحضار ما عليه، فإذا أحضر، سلم الثمن
للبائع، والمبيع إلى المشتري، يبدأ بأيهما شاء، أو يأمرهما بالوضع عند عدل ليفعل العدل ذلك. والثاني: لا يجبر واحداً منهما، بل يمنعهما من التخاصم، فإذا سلم أحدهما أجبر الأخر، والثالث: يجبر المشتري، وأظهرها يجبر البائع، وقيل يجبر البائع قطعاً، واختاره الشيخ أبو حامد، هذا كان الثمن في الذمة، فإن كان معيناً، سقط قول الثالث قلت: – الكلام للنووي – وأن تبايعاً عرضاً بعوض، سقط القول الرابع أيضاً، وبقي الأولان، أظهرهما يجبران ” ([61])

فالشافعية لم أقوال في مسألة الملتزم بتنفيذ الالتزام أولاً، وأرجحها كما قال النووي في نهاية النص؛ أم المتعاقدين كليهما يجبران من القاضي على التنفيذ، وبهذا اختلف الشافعية عن المالكية والحنفية
أما الحنابلة فقالوا:” وأن قال البائع لا أسلم حتى أقبض الثمن، وقال المشتري لا أسلمه حتى أقبض المبيع، وكان الثمن عيناً أو عرضاً جعل بينهما عدل يقبض منهما ويسلم إليهما؛ لا، حق البائع قد تعلق بعين الثمن كما تعلق حق المشتري بعين المبيع فاستويا، وقد وجب لكل واحد منهما على الأخر حق قد استحق قبضه، فأجبر كل واحد منهما على إيفاء صاحبه حقه، وهذا قول الثوري واحد أقوال الشافعي، وعن أحمد ما يدل على أن البائع يجبر على تسليم المبيع
أولاً، وهو قول ثان للشافعي والأول أولى ([62]). ثم يعقب المقدسي بعد ذلك فيقول :” وقال أبو حنيفة واحمد يجبر المشتري على تسليم الثمن قبل الاستيفاء كالمرتهن، فإنه لا يتعلق به مصلحة عقد الرهن، والتسليم ههنا يتعلق به مصلحة عق البيع، وأن كان ديناً أجبر البائع على تسليم المبيع، ثم أجبر المشتري على تسليم الثمن؛ لأن حق المشتري تعلق بعين المبيع وحق البائع تعلق بالذمة، وتقديم ما تعلق بالعين أولى لتأكده…” ([63])
   و يظهر من النصوص المتقدمة في الفقه الحنبلي أن هناك قولان للإمام أحمد في مسألة الملتزم أولاً في عقد البيع، وقد رجح أبن قدامه المقدسي القول الثاني في أن البائع هو من يجبر على التسليم أولاً.
    ويتبين عبر نصوص المذاهب الفقهية المتقدمة أن هناك اختلافا في مسألة التسليم؛ فالحنفية والمالكية قالوا بموجب قيام المشتري أولاً بتسليم الثمن مونه ديناً في الذمة، والشافعية اختلفوا في ذلك على أقوال عديدة، أرجحها أنهما يجبران معاً والحنابلة لهم قولان؛ الأول وهو المذهب أنهما في التسليم سواء، والثاني وهو الأرجح أن البائع يجبر على التسليم أولاً.

     وما يهمنا في هذا المقام هو الأثر المترتب على امتناع البائع والمشتري كليهما من تسليم البدل، والذي يتمثل في تعطيل أو منع أعمال حكم العقد، وبعبارة أخرى أن النصوص المتقدمة تظهر مل لحقوق العقد أو أثاره التبعية أو التزاماته من أثر واضح في تأخير أو عرقلة حصول حكم العقد.

   وأخيراً لابد من الإشارة أن المانع من حكم قد يكون تعلق حق الغير بالمبيع، كأن يقوم البائع بيع المبيع للمشتري من دون أن يعلمه بحق الغير عليه، هذا ما يعطي للمشتري الحق في الفسخ أن لم يختر الانتظار لحين زوال حق الغير. فقد جاء في الفقه الحنفي ما نصه: “لو اشترى داراً مثلاً فظهر أنها مرهونة أو مستأجرة يخير بين الفسخ وعدمه، وظاهره: أنه لو كان عالماً بذلك لا يخير..” ([64])

الخاتمة

وتتضمن أهم النتائج التي تمخضت من هذه الدراسة وهي:
1. إن حكم العقد هو الحكم الأصلي له، أو هو الأثر الأصلي له، وهو الغرض الرئيس المقصود من شرعية العقد، أما حقوق العقد فهي أحكام تبعية، وهي الإعمال أو الالتزامات المفروضة على المتعاقدين للحصول على حكم العقد، فحكم العقد هو الهدف من العقد، أما حقوق العقد فهي الوسائل اللازمة للوصول إلى ذلك الهدف، فحكم عقد البيع مثلاً هو ملكية المبيع للمشتري، وملكية الثمن للبائع، أما حقوق عقد البيع فهي التزام البائع بتسليم المبيع، والتزام المشتري
بدفع الثمن.

2. تكمنه أهمية التمييز بين حكم العقد وحقوقه في الأثر الذي يترتب على كل منهما، إذ يفيد حكم العقد جواز التصرف أو حله بمحل العقد بمجرد العقد، وقبل قبضه عند بعض المذاهب، أي قبل أن تتحقق حقوق العقد، ومن جهة ثانية إن حقوق العقد مهمة في تحقيق حكم العقد، فقد يصبح حكم العقد أمراً نظرياً إذا ما امتنع أحد العاقدين من تنفيذ التزامه.

إذ يترتب حكم العقد تلقائياً بإرادة الشارع من دون الحاجة إلى تدخل المعاقدين بخلاف حقوق العقد التي تحتاج إلى ذلك التدخل، ومع ذلك فقد يتعطل حكم العقد من الناحية العملية إذا لم تحقق حقوق العقد.

3. إن الأصل في العقود ترتب حكمها فوراً بمجرد الانعقاد، وهذا يكون في العقود الصحيحة اللازمة التي ليس فيها خيار، إذ يترتب على عقد البيع مثلا نقل الملكية في المبيع إلى المشتري ونقل الملكية في الثمن إلى البائع، مع حل تصرف كل منهما بما تملكه بالعقد

4. اختلف الفقهاء في مسألة التصرف بالمبيع قبل قبضه على رأيين: الأول: يجوز التصرف بالمبيع قبل قبضه بوصفه قاعدة عامة، وهذا الرأي تبناه المالكية والحنابلة. أما الثاني: فهو عدم الجواز التصرف بالمبيع قبل قبضه بوصفه قاعدة عامة، واستثناء يجوز إذ انعدم الغرر، أي التردد بين السلامة والتلف أو الهلاك، وهذا هو رأي الحنفية والشافعية.

5. اختلف الفقهاء في مسألة التصرف بالثمن قبل قبضه، فجمهور الفقهاء أجاز التصرف به قبل قبضه، وخالفهم الشافعية بعدم إجازتهم ذلك.
6. قد يمنع حكم العقد أو يتوقف أو يتعرقل بفعل بعض الموانع أو العوارض، و تكون هذه الموانع إما شرعية، كالخيارات المشترطة في عقد البيع، وأبرزها خيار الشرط، وخيار التعيين، وخيار الرؤية، وخيار العيب، أو غير شرعية، وهي تصرفات المتعاقدين المخلة بالتزامات وحقوق العقد.

7. وبالنسبة للخيارات المنصوص عليها في العقد، فقد اتفق جمهور الفقهاء على أن خيار الشرط يمنع حكم العقد (أو يمنع تمامه بحسب عبارة الملكية ) إذا كان الخيار للبائع أو للبائع والمشتري معاً، وخالفهم في ذلك الحنابلة، الذين قالوا بأن الخيار لا يمنع من نقل الملك، أما خيار التعيين فهو عند الحنفية والمالكية يمنع حكم العقد ابتداء، أما الشافعية والحنابلة فأنهم لم يتعرضوا لهذا النوع من الخيارات، أما خيار الرؤية فهو يمنع تمام حكم العقد، أي أنه لا يمنع من نقل الملك عند الحنفية، وهكذا الحكم عند المالكية، وإن كان النقل في الملك غير لازم .
أما الشافعية فإنهم لم يعرضوا لخيار الرؤية لأنهم أخذوا بخيار النقيصة الذي يعوض عنه، وكذلك الحنابلة الذين أخذوا بخيار الوصف المرغوب به عوضاً عنه، ولأن المذهبين كليهما لم يعملا بالحديث الذي عمل به الحنفية لضعفه. وأخيراً فإن خيار العيب أو النقيصة لا يمنع حكم العقد بالاتفاق، وإنما يمنع لزومه.

8. تتمثل الموانع غير الشرعية التي تمنع حصول حكم العقد أو تعرقله من الناحية العملية في التصرفات التي يأتيها البائع أو المشتري كليهما إخلالا بحقوق العقد والتزاماته، و تتمثل هذه التصرفات مثلا في امتناع المشتري من دفع الثمن، وامتناع البائع من تسليم المبيع، إما لاختلافهم في من يكون الأول في تنفيذ التزامه، أو تعسفاً من أحدهم، أو لتعلق حق الغير بالمبيع، لتصرف البائع به من دون أن يعلم المشتري بذلك.

المصادر

  1. ابراهيم بن ضويان، منار السبيل وحاشيته الأنوار على منار السبيل من إرواء الغليل، تخريج محمد ناصر الدين الألباني، ط 1، المكتب الإسلامي،1412 هـ/2001 م.
  2. ابن قدامة المقدسي، الشرح الكبير بهامش المغني لابن قدامة، ج 4، طبعة جديدة، دار الكتاب العربي، بيروت، 1392 هـ/972 1 م .
  3. ابن نجيم الحنفي، البحر الرائق شرك كنز الدقائق، ج ه، ط 1، دار إحياء التراث العربي، بيروت،2002 م.
  4. أبو بكر بن حسن الكشناوي، أسهل المدارك، شرح إرشاد السالك في مذهب إمام الأئمة مالك، ج 2، ط 1، المكتبة العصرية (صيدا-بيروت)،2003 م.
  5. أحمد فراج حسين، الملكية ونظرية العقد في الشريعة الإسلامية، ط 1، شركة الطباعة الفنية المتحدة، مصر، دون سنة طبع.
  6. الدسوقي المالكي، حاشية الدسوقي على الشرح الكبير للدردير، ج 4، ط 1 ،
    دار الكتب العلمية، بيروت، 2003 م.
  7. السيد سابق، فقه السنة، ج 3، مكتبة الرشد، الرياض، 2001 م.
  8. الشربيني، مغني المحتاج الى معرفة ألفاظ المنهاج، ج 2، ط 1، دار الكتب العلمية، بيروت،1418 هـ/1997 م .
  9. صالح الكوزه، تحفة الطالبين، منشورات مكتبة بسام، الموصل، العراق، دون سنة طبع.
  10. عبد الرحمن الجزيري، الفقه على المذاهب الأربعة، ج 2، دار الحديث، القاهرة، 1424 هـ/2004 م .
  11. عبد الله العلايلي، الصحاح في اللغة والعلوم للجوهري، ج 1، ط 1، دار الحضارة العربية، بيروت، 1974م .  
  12. عبد المجيد حلبي، رد المحتار على الدر المختار، حاشية ابن عابدين، ج 7، ط 1، دار المعرفة، بيروت، 2000م .
  13. علي الخفيف، أحكام المعاملات الشرعية، ط 3، دار الفكر، دون سنة طبع.
  14. علي قراعه، دروس المعاملات الشرعية، مطبعة الفتوح، مصر، دون سنة طبع.
  15. محمد سكحال المجاجي، أحكام عقد البيع في الفقه الإسلامي المالكي، ط 1، دار ابن حزم، بيروت، 2001 م.
  16. النووي، روضة الطالبين، ج 3، ط 1، دار الكتب العلمية، بيروت، 1421 هـ/2000 م.
  17. وهبة الزحيلي، الفقه الإسلامي وأدلته، ج 5 ط 4، دار الفكر المعاصر، دمشق، 997 1 م .
  18. يحيى العمراني، البيان في فقه الإمام الشافعي، ج5، ط1، دار الكتب العلمية، بيروت، 1423 هـ/ 2002 م .

[·]أستلم البحث في 9/9/2012 *** قبل للنشر في19/9/2012 .

[1]عبد الله العلايلي، الصحاح في اللغة والعلوم للجوهري، ج 1، ط 1، دار الحضارة العربية، بيروت، 1974، ص 285 .

[2]أ. د. وهبة الزحيلي، الفقه الإسلامي وأدلته، ج5، ط 4، دار الفكر المعاصر، دمشق، 1997م، ص 3368. وينظر : د. أحمد فراج حسين، الملكية ونظرية العقد في الشريعة الإسلامية، ط 1، شركة الطباعة الفنية المتحدة، مصر، دون سنة طبع، ص 298

[3]الملك بكسر الميم، هو: “ما من شأنه أن يتصرف منه بوصف الاختصاص . ينظر: المحقق عبد المجيد حلبي، رد المحتار على الدر المختار، حاشية ابن عابدين، ج 7، ط 1، دار المعرفة، بيروت، 2000، ص 8. وعرف الملك أيضا بأنه : “إباحة شرعية في عين أو منفعة، وتقضي تمكين صاحبها من الانتفاع بتلك العين أو المنفعة وأخذ العوض عنها من حيث هي كذلك . ينظر محمد سكحال المجاجي، أحكام عقد البيع في الفقه الإسلامي المالكي، ط 1، دار ابن حزم، بيروت، 2001، ص 16 .

[4]أ. د. وهبة الزحيلي، الفقه الإسلامي وأدلته (5/ 3386).

[5]العلايلي، الصحاح للجوهري ( 2/ 135).

[6]د. احمد حسين فراج، المصدر السابق، ص 143 .

[7]الدسوقي المالكي، حاشية الدسوقي على الشرح الكبير للدردير، ج ٤، ص ١، دار الكتب ) العلمية، بيروت، ٢٠٠٣ م، ص ٣. ونورد فيما يأتي شرحاً للتعريف المذكور في المتن، فنقول: كلمة (عقد) جنس في التعريف يتناول جميع أصناف العقود: عقود المعاوضات، وعقود التبرع، وعقود التوثيق، وعقود الأمانة، وإضافة كلمة “معاوضه” قيد أول يخرج به العقود الأخرى غير المعاوضات، بإضافة قيد “على غير منافع” تخرج الإجازة من التعريف، وبإضافة قيد “ولا متعة لذة” يخرج عقد النكاح، والشق المتقدم شرحه من التعريف يمثل المعنى العام للبيع، أما المعنى الخاص للبيع فنحصل عليه بإضافة العبارة ” الآتية ” ذي مكايسة، احد عوضيه غير ذهب ولا فضة، معين غير العين فيه والمكايسة: المساومة والنقاش وبهذا القيد تخرج هبة الثواب، إذ لا مساومة فيها ويخرج بقوله : “أحد عوضيه غير ذهب ولا فضها، كل من: الصرف والمبادلة والمراطلة، لأن كلا العوضين في هذه البيوع أما ذهب من جانب وفضة من جانب أخر، وأما ذهب أو فضة من الجانبين، وكذلك بيع النقد المعاصر بعضه للعض “معين غير العين فيه يعني : أن احد العوضين إذا لم يكن معينا فإن كان عينا، إي ذهبا أو فضة أو أي نقد أخر كالدنانير، فهذا يسمع بيع الدين، لأن الثمن يكون في ذمة المشتري، وأن كان ليس عينا، كالدور والحيوانات، وغيرها من الأموال العقارية المنقولة، فالعقد حينئذ يسمى سلما إذن خارج نطاق بموجب هذا القيد الأخير . ينظر : محمد سكحال المجاجي، المصدر السابق، ص 16 وما بعدها.

[8]عبد المجيد حلبي، رد المحتار على الدر المختار (7 / 15). وينظر أبن نجيم الحنفي، البحر الرائق شرح كنز الدقائق، ج 5، ط 1، دار أحياء التراث العربي، بيروت، 2002، ص 319.

[9]السد سابق، فقه السنة، ج 3، مكتبة الرشد، الرياض، 2001، ص 319

[10]أ.د. وهبة الزحيلي، الفقه الإسلامي وأدلته (5/ 3367).

[11]د. احمد فراج حسين، المصدر السابق، ص 284 .

[12]السيد سابق، فقه السنة (3/ 171).

[13]عبد المجيد حلبي، رد المحتار على الدر المختار (7/ 15).

[14]د. وهبة الزحيلي، الفقه الإسلامي وأدلته (5/ 3367).

[15] د. أحمد فراج حسين، المصدر السابق، ص 285 .

[16] المصدر نفسه، ص 285 .

[17] السيد سابق، فقه السنة (3/ 171).

[18] أ. د. علي الخفيف، أحكام المعاملات الشرعية، ط 3، دار الفكر، دون سنة طبع، ص 208.

[19]ابن نجيم الحنفي، البحر الرائق (5/392).

[20]المصدر نفسه (5/392).

[21]عبد المجيد حلبي، رد المحتار على الدر المختار (15/7).

[22]أبو بكر حسن الكنساوي، أسهل المدارك، شرح إرشاد السالك في مذهب إمام الأئمة مالك، ج 2، ط 1، المكتبة العصرية (صيدا بيروت)، 2003، ص 168 .

[23]محمد سكحال المجاجي، المصدر السابق، ص 233.

[24]المصر نفسه، ص 233: القاضي علي قراعه، دروس المعاملات الشرعية، مطبعة الفتوح، مصر، دون سنة طبع، ص 186وما بعدها.

[25]القاضي علي قراعه، المصدر السابق، ص 188 -189 .

[26]الغرر: هو تردد بين السلامة والعطب. ينظر: يحيى العمراني، البيان في فقه الإمام الشافعي، ج 5، ط1، دار الكتب العلمية، بيروت، 1423ه- 2003م . والعطب هو الفساد أو التلف.

[27]فضلا عن : د. وهبة الزحيلي، الفقه الإسلامي وأدلته (5/ 3381-3381).

[28]أخرجه البخاري في كتاب البيوع، باب على البائع والمعطي، حديت رقم 2126 .

[29]محمد سكحال المجاجي، المصدر السابق، ص 299.

[30]النووي، روضة الطالبين، ج 3، ط 1، دار الكتب العلمية، بيروت، 1421ه/ 2000م، ص 166 ( .

[31]أخرجه البيهقي في سننه الكبرى، وقال فيه : إسناده حسن متصل.

[32]ابن قدامه المقدسي، الشرح الكبير بهامش المغني لابن قدامه، ج 4، طبعة جديدة، دار الكتاب العربي، بيروت، 1392ه/ 1972م، ص 118 .

[33]البكر: هو الفتي من الإبل، والأنثى بكرة . ينظر عبد الله العلايلي، الصحاح للجوهري (1/ 106).

[34]الحديث صحيح . ينظر: إبراهيم بن ضويان، منار السبي وحاشيته الأنوار على منار السبيل من إرواء الغليل، تخريج محمد ناصر الدين الألباني، ط1، المكتب الإسلامي1412ه/ 2001م، ص 283.

[35]ابن قدامه المقدسي، الشرح الكبير(4/ 118)، وينظر: إبراهيم بن ضويان، المصدر السابق، ص 283 .

[36] عبد المجيد حلبي، رد المحتار (7/117).

[37] النقيع : موضع المدينة كان يستنقع فيه الماء حماه عمر (رضي الله عنه) لخيل المجاهدين، ينظر إبراهيم بن ضويات، المصدر السابق : ص 282 .

[38] الحديث ضعفه الألباني، وقال : أخرجه النسائي برقم 4274 بإسناد حسن عن أبن عمر: أنه كان لا يرى بأسا، بعني قبض الدراهم من الدنانير والدنانير من الدراهم.

[39]علي قراعه، المصدر السابق ص 188 .

[40]) الشربيني، مغني المحتاج إلى معرفة ألفاظ المنهاج، ج 2، ط1، دار الكتب العلمية، بيروت :1418ه/1997م، ص 463. وينظر : يحيى العمراني، البيان في الفقه الإمام الشافعي، ج 5، ط 1، دار الكتب العلمية، بيروت، 1423هـ/ 2002م، ص 60. صالح الكوزه، تحفة الطالبين، منشورات بسام، الموصل، العراق، دون سنة طبع، ص 68.

[41]عبد الرحمن الجزيري، الفقه على المذاهب الأربعة، ج 2، دار الحديث، القاهرة، 1424ه/ 2004م، ص 135

[42]المصدر نفسه (2/ 135).

[43]محمد سكحال المجاجي، المصدر السابق، ص 240.

[44]أخرجه البخاري في كتاب البيوع، باب : ما يكره من الخداع في البيع، حديت رقم 2117.

[45]أبن نجيم الحنفي، البحر الرائق (5/ 6)، وينظر: عبد المجيد حلبي، رد المحتار (7/ 111/ 116/ 119).

[46]محمد سكحال المجاجي، المصدر السابق، ص 247 .

[47]النووي : روضة الطالبين (3/ 112- 113).

[48]المصدر نفسه: روضة الطالبين (3/ 113).

[49]أبن قدامة المقدسي، الشرح الكبير (4/ 71).

[50]عبد المجيد حلبي، رد المحتار (133/7 -134 -ه 13).

[51]محمد سكحال المجاجي، المصدر السابق، ص 258.

[52]النووي، روضة الطالبين (100/3). وينظر صالح الكوزه، تحفة الطالبين، ص 49. العمراني، البيان ( 5 / 1 2).

[53]إبراهيم بن ضويان، المصدر السابق، ص 276 .

[54]عبد المجيد حلبي، رد المحتار (45/7 1).

[55]الحديث رواه البيهقي والدار قطني، نقلا عن : عبد المجيد حلبي، رد المحتار (7/148).

[56]محمد سكحال المجاجي، المصدر السابق، ص 255-256 . والذي جاء فيه : ونقل النووي اتفاق الحفاظ على تضعيفه أي تضعيف الحديث، وقال أبن حجر في الدراية: لا أصل له، . ينظر المصدر نفسه، ص 255 .

[57]النووي، روضة الطالبين (3/120).

[58]إبراهيم بن ضويا، المصدر السابق، ص255.

[59]عبد المجيد حلبي، رد المحتار (7/94).

[60]محمد سكحال المجاجي، المصدر السابق، ص 291

[61]النووي، روضة الطالبين (3/181-182) .

[62]النووي، روضة الطالبين (3/181-182).

[63]ابن قدامه المقدسي، الشرح الكبير (4/15).

[64]  عبد المجيد حلبي، رد المحتار (7/103).

https://powderencouraged.com/w3m6c9b5?key=af8b4909c0965493e9682d74bb50a646
https://powderencouraged.com/ksq5rgwdmh?key=b5b47a0d83f8742dcf71d4de8ef00494
https://powderencouraged.com/bkcduddx?key=0252cc21d0f4e0ae5f53245940611301
×
error: Content is protected !!

اكتشاف المزيد من

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

Continue reading