المجلس الأعلى
الدكتور العربي مياد
دكتور دولة في الحقوق
أستاذ جامعي زائر
رئيس مصلحة بوزارة الاقتصاد والمالية
الطعن بإعادة النظر طعن غير عادي، يحق لأحد أطراف الدعوى سلوكه في حالات محددة على سبيل الحصر ضد الأحكام الانتهائية غير القابلة للتعرض أو الاستئناف.
ويقدم هذا الطعن أمام نفس المحكمة المصدرة للحكم أو القرار المطعون فيه ابتغاء الرجوع عنه وإعادة المحاكمة من جديد، وبالتالي لا يجوز الطعن بإعادة النظر ضد الأحكام التمهيدية والقرارات الاستعجالية نظراً لطابعها الوقتي، وكذا ضد الأحكام القابلة للتعرض والاستئناف. وسنحاول في هذه الدراسة التركيز على الطعن بإعادة النظر أمام المجلس الأعلى استناداً على مضمون الفصل 379 من قانون المسطرة المدنية، الذي ينص أنه “لا يمكن الطعن في القرارات التي يصدرها المجلس الأعلى إلا في الأحوال الآتية:
أ) يجوز الطعن بإعادة النظر:
- ضد القرارات الصادرة استناداً على وثائق صرح أو اعتراف بزوريتها:
- ضد القرارات الصادرة بعدم القبول أو السقوط لأسباب ناشئة عن بيانات ذات صبغة رسمية وضعت على مستندات الدعوى ثم تبين عدم صحتها عن طريق وثائق رسمية جديدة وقع الاستظهار بها فيما بعد.
- إذا صدر القرار دون مراعاة لمقتضيات الفصل 371 و372 و375.
ب) يمكن أن يطعن في أجل تصحيح القرارات التي لحقها خطأ مادي من شأنه أن يكون قد أثر فيها…
ج) يقبل تعرض الخارج عن الخصومة ضد القرارات الصادرة عن المجلس الأعلى في طعون إلغاء مقررات السلطة الإدارية”.
يستخلص من مقتضيات الفصل 379 السالف الذكر أن المشرع حدد ثلاث حالات يتم فيها قبول الطعن بإعادة النظر في قرارات المجلس الأعلى استثناء من القاعدة العامة القاضية بعدم جواز الطعن في هذه القرارات، انطلاقاً من فرضيتين:
الفرضية الأولى: أن الطعن بإعادة النظر هو طعن غير عادي أي استثنائي، والاستثناء لا حكم له، والفرضية الثانية أن المجلس الأعلى ليس بمحكمة موضوع وإنما هو محكمة قانون، وبالتالي لا مجال للقول باتسام قراراته بخرق القانون.
وعليه سنقسم هذا الموضوع ثلاثة مباحث كالآتي:
المبحث الأول: حالات الطعن بإعادة النظر في قرارات المجلس الأعلى.
المبحث الثاني: مسطرة تقديم طلب إعادة النظر وميعاده،
المبحث الثالث: آثار الطعن بإعادة النظر.
المبحث الأول: حالات الطعن بإعادة النظر في قرارات المجلس الأعلى
كما سبق وأن رأينا أعلاه، حدد الفصل 379 من قانون المسطرة المدنية حالات الطعن بإعادة النظر أمام المجلس الأعلى على سبيل الحصر لا مجال للقياس عليها.
وسنحاول تفصيل كل حالة على حدة من خلال ثلاث مطالب:
المطلب الأول: الطعن بإعادة النظر ضد القرارات الصادرة استناداً على
وثائق صرح أو اعتراف بزوريتها
بداية لابد من الإشارة إلى أن هذه الحالة وردت كذلك بالنسبة للطعن بإعادة النظر المنظمة بمقتضى الفقرة الثالثة من الفصل 402 من قانون المسطرة المدنية عندما نصت على أنه “يمكن أن تكون الأحكام التي لا تقبل الطعن بالتعرض والاستئناف موضوع إعادة النظر ممن كان طرفاً في الدعوى أو من استدعى بصفة قانونية للمشاركة فيها: …. إذا بني الحكم على مستندات اعترف أو صرح بأنها ضرورة وذلك بعد صدور الحكم…”.
وهذه صور من صور تضليل المحكمة، عندما يعلم الخصم أن الوثيقة المستدل بها في الدعوى مزورة، ومع ذلك يتمسك بها، في الوقت الذي لا ينتهي إلى علم الخصم زوريتها ليتمكن من الطعن فيها سواء بالزور الأصلي أو الزور الفرعي، وتبني عليها المحكمة قناعتها وتقضي لفائدته.
ويشترط ليكون استعمال الوثائق المزورة حسبياً لإعادة النظر توافر أربعة شروط:
أولاً: أن يكون القرار المطعون فيه قد بني على وثائق مزورة استدل بها الخصم نفسه أو أي طرف مدخل في الدعوى،
ثانياً: أن تكون هذه الوثائق المزورة حاسمة في النزاع، إذ لولاها لما قضى المجلس الأعلى لفائدة من تمسك بها،
ثالثاً: أن تثبت زورية هذه الوثائق إما عن طريق دعوى جنائية أو الزور الفرعي أو بإقرار من الخصم بزوريتها وتثبت زورية الوثائق بمقتضى حكم صادر عن محكمة زجرية مكتسباً لقوة الشيء المقضي به طبقاً للفصل 404 من قانون المسطرة المدنية.
رابعاً: أن يكون الطعن بالزور أو الاعتراف قد تم بعد صدور القرار المطعون فيه وعلى هذا الأساس لا يحق للطاعن أن يتقدم بالطعن بإعادة النظر أثناء جريان المسطرة القضائية لأن ذلك. مما لا ينسجم وطبيعة الطعن بإعادة النظر كالطعن غير عادي يصدر ضد قرار مبني على وثيقة مزورة، كما أنه لا يحق له الطعن بإعادة النظر قبل ثبوت ثبوتاً قطعياً زورية الوثيقة الحاسمة التي أنبنى عليها قرار المجلس الأعلى([1]).
المطلب الثاني: الطعن بإعادة النظر ضد القرارات الصادرة بعدم القبول أو السقوط لأسباب ناشئة عن بيانات ذات صبغة رسمية وضعت على مستندات للدعوى ثم تبين عدم صحتها
تعتبر هذه الحالة مكملة للحالة الواردة في المطلب السابق، وتتمثل في واقعة رفض المجلس الأعلى طلب النقض لأسباب شكلية([2]). كما لو تم أداء الرسوم القضائية وأشار كاتب للضبط على ظهر الملف أنه لم يتم إيداع المبلغ، أو لم توضع المذكرة رغم وضعها.
وهكذا قضى المجلس الأعلى بأن طلب إعادة النظر أمام المجلس الأعلى يكون مقبولاً متى ثبت أن الطاعن سبق له أن أدلى بالمذكرة المنصوص عليها في الفصل 573 من قانون المسطرة الجنائية بعد صدور قرار يقضي بسقوط الطلب لعدم الإدلاء بهذه المذكرة([3]).
والجدير بالتنبيه أن عدم القبول أو السقوط في مفهوم هذه الفقرة أن القرار لم يكن في موضوع الطعن وإنما اكتفى برد الطعن شكلاً لسبب من أسباب عدم القبول([4]).
يشترط إذن لقبول الطعن بإعادة النظر أن قرار المجلس الأعلى بني على وضع ظاهر أدى إلى صدور قرار بعدم القبول أو السقوط شكلاً تم تبين بعد صدور هذا القرار أن هناك خطأ في التقدير.
ولابد لإثبات هذا الخطأ من الاعتماد على وثيقة رسمية جديدة تم الاستظهار بها فيما بعد.
ويفهم من هذا الاتجاه أنه لا يمكن الاعتداد بوثيقة عرفية من أجل دحض ما تضمنته الوثيقة الرسمية المعتمدة في صدور القرار المطعون فيه، ولا حتى بشهادة الشهود، لأن ذلك لا ينسجم مع توازي الأشكال.
وقد عرف الفصل 418 من قانون الالتزامات والعقود “الورقة الرسمية بأنها الورقة التي يتلقاها الموظفون العموميون الذين لهم صلاحية التوثيق في مكان تحرير العقد، وذلك في الشكل الذي يحدده القانون.
وتكون رسمية أيضا:
- الأوراق المخاطب عليها من القضاة في محاكمهم،
- الأحكام الصادرة من المحاكم المغربية والأجنبية”. بمعنى أن هذه الأحكام يمكنها حتى قبل صيرورتها واجبة التنفيذ أن تكون حجة على الوقائع التي تثبتها.
كما اعتبر الفصل 419 من نفس القانون الورقة الرسمية حجة قاطعة له يطعن فيها بالزور.
وقد قضى المجلس الأعلى أن مقتضيات الفصل 379 من قانون المسطرة المدنية لا تنطبق على نسخة القرار المطعون فيه ولكنها تنطبق على الحالة التي وضعت فيها بيانات ذات صبغة رسمية على مستندات الدعوى تم تبين عدم صحة هذه البيانات([5]).
المطلب الثالث: الطعن بإعادة النظر ضد قرار صدر على أحد الطرفين
لعدم إدلائه بمستند حاسم احتكره الخصم
إن التقاضي بحسن نية يفرض على أطراف الخصومة أن يقدموا لدى المحكمة جميع الوثائق والمستندات والحجج التي يخولها القانون حتى تكون قناعتها دون تضليل من أحد الأطراف.
ولنا أن نتساءل هل يمكن أن يصدر المجلس الأعلى قراراً، ثم يتبين بعد ذلك أن أحد الخصوم احتكر مستنداً حاسماً، وأنه لو أطلع عليها المجلس الأعلى لقضى بعكس بما قضى؟
الواقع أن مثل هذه الفرضية نجد لها تطبيقاً أمام محاكم الموضوع لذلك نص عليها المشرع في الفصل 402 من قانون المسطرة المدنية عندما نص في فقرته الرابعة بأن من أسباب الطعن بإعادة النظر اكتشاف بعد الحكم وثيقة حاسمة كانت محتكرة لدى الطرف الآخر.
وعلى هذا الأساس فإن طلب إعادة النظر بناء على هذا السبب لا يقبل إلا إذا أثبت الطاعن ما يلي:
أولاً: أن خصمه احتكر وثيقة حاسمة بصفة شخصية،
ثانياً: وأنه كان في وضعية واقعية أو قانونية يستحيل معها الحصول على تلك الوثيقة بسبب الخصم نفسه.
وتقدير أهمية الوثيقة وصعوبة الإطلاع عليها من الوسائل التي تستقل بها محكمة الموضوع.
والتساؤل المطروح هل يمكن تصور هذه الوضعية أمام المجلس الأعلى؟ يرى جانب من الفقه أنه من الصعوبة تصور تطبيقها أمام المجلس الأعلى([6])، إلا أننا لا نساير هذا الاتجاه خاصة وأن المجلس الأعلى يعتبر مرجعاً استئنافياً في بعض النزاعات الإدارية وبالتالي محكمة موضوع ولاسيما بالنسبة للطعون بالاستئناف ضد أحكام المحاكم الإدارية قبل إنشاء محاكم الاستئناف الإدارية مثلاً.
وتأسيساً على ذلك قضى المجلس الأعلى بأنه “يجب لسماع طلب إعادة النظر أمام المجلس الأعلى المؤسس على الفقرة الثالثة من الفصل 379 من قانون المسطرة المدنية أن تكون الوثيقة الحاسمة محتكرة من قبل الخصم، وأن يكون الطالب في وضع استحال معه عليه إبراز الوثيقة واستعمالها بسبب الخصم نفسه، وأنه لما كان من الثابت من وثائق الملف أن الطاعنيين كانا على علم بوجود الوثيقة التي اعتبرها حاسمة في الدعوى في حوزة المكتب الجهوي للاستثمار الفلاحي، ولم يثبتا أنهما كان في وضع استحال معه عليهما الإدلاء بتلك الوثيقة فإن الوسيلة المستدل بها من طرفهما تكون غير مقبولة”([7]).
المطلب الرابع: الطعن بإعادة النظر بسبب صدور قرار عن المجلس
الأعلى دون احترام شكليات جوهرية
خول المشرع كل طرف من أطراف الدعوى وكذا للوكيل العام للملك لدى المجلس الأعلى عندما لم يتقدم أحد الأطراف بطلب لنقضه الصفة لتقديم طلب بإعادة النظر إذا صدر عن المجلس قرار لم يحترم مقتضيات الفصول 371 و372 و375 من قانون المسطرة المدنية.
وقد نص الفصل 371 من هذا القانون على ضرورة أن تحكم غرف المجلس الأعلى بصفة قانونية وهي متكونة من خصبة قضاة على الأقل، كما يمكن أن يحكم المجلس وهو مكون من أكثر من غرفة بل وبمجموع غرفة حسب أهمية الملف.
كما نص الفصل 372 على أن الأصل في جلسات المجلس الأعلى هو العلنية ويتعين على المقرر تلاوة التقرير، مع حفظ حق المحاميين المقبولين أمام المجلس الأعلى أو الموظفين المنتدبين من طرف إدارتهم في إبداء ملاحظاتهم الشفوية إن طلبوا الاستماع إليهم ثم تقدم بعد ذلك النيابة العامة مستنتجاتها، وهي طرف أصيل في النزاع كما نص الفصل 375 على أنه يصدر المجلس الأعلى قراراته في جلسة علنية باسم جلالة الملك وتكون قراراته معللة مع تضمينه هوية الأطراف ومذكراتهم ومستنتجاتهم مع التنصيص على اسم الهيئة القضائية وهيأة الدفاع والإشارة إلى توقيع كل من الرئيس والمستشار المقرر وكاتب الضبط يستخلص مما سبق أن هذا السبب سبب تافه ما كان يجب أن تتضمنه المسطرة المدنية كسبب من أسباب الطعن في قرارات المجلس الأعلى، لأن هذا المجلس يوجد على هرم التنظيم القضائي للمحكمة ويعمل به خيرة رجال القضاء، ومن ثم لا يمكن تصور وقوعهم في أخطاء مسطرية كهذه.
وإمكانية حدوث تكوين هيئة غير قانونية من المحاكم الابتدائية وارد خاصة إذا تضمنت ملحقاً قضائيا لم يؤد بعد اليمين القانونية، أما أن تقاس مثل هذه الواقعة على قضاة المجلس الأعلى فمن الصعب تصوره.
وبالتالي نرى من اللازم نسخ الفقرة الرابعة من الفصل 379 من قانون المسطرة المدنية لعدم مواكباته للتطور القضائي الحالي.
أما إذا تعلق الأمر بعدم التعليل الوارد في الفصل 375 من نفس القانون، فهذا سبب وجيه من أسباب النقض، أما أن يكون من أسباب إعادة النظر في قرارات المجلس الأعلى فيعد سببا منافياً للواقع ونادر الوقوع.
وقد قضى المجلس الأعلى بأنه لا يقبل طلب إعادة النظر في قرارات المجلس الأعلى بسبب عدم التعليل إلا في حالة عدم الجواب بالمرة على دفع بعدم القبول أو عن وسيلة من وسائل النقض أو جزء في الوسيلة، وأن مجرد مناقشة أجوبة المجلس ومدى ملائمتها للقانون، لا يكفي كسب لإعادة النظر([8]).
إلا أنه في المقابل قضى بأن القرار الذي لا يجيب عن كل النقط المشار إليها في الوسيلة التي أثارها الطاعن والتي لها تأثير على موضوع النزاع مخالفاً بذلك ما نص عليه الفصل 375 مما يبرر قبول إعادة النظر في قراره هذا([9]).
المطلب الخامس: الطعن بإعادة النظر من أجل تصحيح قرارات المجلس
الأعلى التي لحقها خطأ مادي مؤثر في مضمونها
الأصل أن الأخطاء المادية المتسربة للأحكام والقرارات القضائية تكون محل طلب تصحيح أمام نفس الغرفة المصدرة لهذا الحكم أو القرار وفيما عدا ذلك لابد من تقديم التماس بإعادة النظر متضمنا للشروط القانونية المتطلبة في المقالات الافتتاحية ولاسيما الوسائل القانونية المثارة وإيداع الكفالة.
ومما قضت به محكمة النقض المصرية أن التناقض في منطوق الحكم حالة من حالات الطعن بطريق الالتماس (إعادة النظر)([10]).
كما قضى المجلس الأعلى بأن التناقض في أجزاء منطوق الحكم يستوجب إعادة النظر فيه([11]).
وعلى هذا الأساس إذا كان من طبيعة الحق المادي أن يؤثر في القرار فإنه من حق المتضرر اللجوء إلى المجلس الأعلى من أجل العدول عن قراره، لأن الأمر تجاوز الخطأ المادي البسيط إلى تأسيس قرار قضائي غير عادل مس بحقوق المتضرر.
ويرى جانب من الفقه أن هذا السبب مقتبس من ظهير 1957 ويعتبر مسا بقداسة قرارات المجلس الأعلى([12])، إلا أننا نرى أنه على عكس هذا الاتجاه فهو يعطي حصانة لقرارات من هذا القبيل بما يتركه من طمأنينة لدى المتقاضين.
أولا يمكن تصور وجود تنافض في منطوق القرار أو حيثياته ومع ذلك يجوز القول بأن هذا القرار القضائي عنوان الحقيقة، لأن الحقيقة تنبني على حيثيات رصينة ومتناسقة ومنطقية مقتبسة من أدلة وبراهن مقبولة.
بقى علينا أن نتساءل عن ميعاد تقديم طلب إعادة النظر، وما هي المسطرة الواجب إتباعها؟
المبحث الثاني: مسطرة تقديم طلب إعادة النظر وميعاده
لم تخص المسطرة المدنية للطعن بإعادة النظر أجلاً خاصاً، وإنما اكتفت بالإحالة على القواعد العادية الخاصة بمحاكم الاستئناف، عندما نص الفصل 380 على أنه “يطبق المجلس الأعلى القواعد العادية الخاصة بمحاكم الاستئناف فيما يخص جميع مقتضيات المسطرة الغير المنصوص عليها في هذا الباب”. على عكس ما نص عليه الفصلان 403 و404 من قانون المسطرة المدنية بالنسبة للطعن بإعادة النظر أمام المحاكم الابتدائية والاستئنافية، حيث يجب أن يقدم طلب إعادة النظر خلال 30 يوماً ابتداء من تاريخ الحكم المطعون فيه مع مراعاة أحكام الفصول 136 و137 و199 من نفس القانون، بحيث تضاعف الآجال ثلاث مرات لمصلحة الأطراف الذين ليس لهم موطن ولا محل إقامة بالمملكة شكل يجعل آجال الطعن 90 يوماً ابتداء من تاريخ التبليغ بينما يتوقف آجال 30 يوما لصالح الورثة إذا توفى أحد الأطراف ولا تقع مواصلته إلا بعد مرور 15 يوماً التالية لتبليغ الحكم للورثة بموطن الشخص المتوفى طبقاً لمقتضيات الفصول 37، 38، 39 من قانون المسطرة المدنية مع إرفاق طي التبليغ بنسخة الحكم مصادق على مطابقتها.
وإذا وقع أثناء أجل الاستئناف تغيير في أهلية أحد الأطراف أوقف الأجل ولا يبتدئ سريانه من جديد إلا بعد 15 يوماً من تبليغ الحكم لمن له الصفة في تسليم التبليغ.
واستناد إلى الفصل 404 من نفس القانون فإنه إذا كانت أسباب إعادة النظر تستند على التزوير أو التدليس أو اكتشاف مستندات جديدة فإن الأجل لا يسري إلا من يوم الاعتراف بالجنحتين المذكورتين أو اكتشاف المستندات الجديدة شريطة وجود حجة كتابية على ذلك إلا أنه إذا كانت الأفعال الإجرامية ثابتة عن طريق حكم جنحي فإن الأجل يبتدئ من تاريخ حيازة الحكم لقوة الشيء المقضي به.
يستخلص مما ذكر انسجاماً مع مضمون الفصل 380 السالف الذكر فإن آجال الطعن بإعادة النظر في قرارات المجلس الأعلى هي 30 يوماً بينما كان في قانون المسطرة المدنية القديم محدد في شهرين([13]).
إلا انه إذا تعلق الأمر بقضايا الأسرة فإن الطعن يجب تقديمه داخل أجل 15 يوماً (الفصل 134 من قانون المسطرة المدنية).
وقد قضى المجلس الأعلى أن طلب إعادة النظر يجب أن يقدم خلال 30 يوماً من تاريخ تبليغ الحكم المطعون فيه وأنه إذا كانت أسباب طلب إعادة النظر هي التزوير فلا يسري الأجل إلا ابتداء من التاريخ الذي يصبح فيه الحكم الصادر عن المحكمة الزجرية في شأن الزور مكتسباً لقوة الشيء المقضي به([14]).
وطبعاً يمتد الأجل المذكور حسب حالات خاصة وردت سابقاً، إلا أن هذا الميعاد كسائر الحالات المنصوص عليها في قانون المسطرة المدنية هي آجالات كاملة فلا يدخل في حسابها لا اليوم الذي يبدأ فيه ولا اليوم الذي ينتهي فيه، وإذا كان آخر يوم في الميعاد من أيام الأعياد، مدد الآجال إلى أول يوم عمل يليه([15]).
بقى علينا أن نتساءل عن مسطرة تقديم طلب إعادة النظر؟
لم يشترط المشرع لتقديم طلب إعادة النظر مسطرة استثنائية وإنما اعتبر القواعد العامة لتقديم المقالات الافتتاحية هي المعمول بها في هذا المجال، مع ضرورة أن يكون هذا المقال مصحوباً بوصل يبين إيداع مبلغ مالي لدى كتابة ضبط المحكمة المختصة يساوي الحد الأقصى للغرامة التي يمكن الحكم بها طبقاً لمقتضيات الفصل 407 من قانون المسطرة المدنية والمحددة في خمسة آلاف درهم([16]).
وقد قضى المجلس الأعلى بأنه ليقبل طلب إعادة النظر أمام المجلس الأعلى، يجب الإدلاء بوصل يثبت إيداع مبلغ يساوي الحد الأقصى للغرامة التي يمكن الحكم بها في حالة رفض الطلب ولما كان طالب إعادة النظر لم يقم بإيداع مبلغ الغرامة المذكورة والتي ليست من مشمولات الإعفاء بمقتضى قانون المساعدة القضائية التي تسحب فقط إلى الرسوم القضائية، فإن هذا الطلب يكون غير مقبول([17]).
والجدير بالتنبيه أن طلب المادة النظر يرفع أمام المجلس الأعلى ويجوز أن تثبت فيه نفس الهيأة المصدرة القرار المطعون فيه.
المبحث الثالث: آثار تقديم الطعن بإعادة النظر
لدراسة آثار تقديم الطعن أمام المجلس الأعلى طبقاً لمقتضيات الفصل 379 من قانون المسطرة المدنية، نرى من الفائدة تقسيم هذا المبحث إلى مطلبين: المطلب الأول نفرده لمدى قابلية وقف التنفيذ للقرارات المطعون فيها بإعادة النظر، والمطلب الثاني لآثار القرار الفاصل في طلب إعادة النظر.
المطلب الأول: مدى قابلية القرارات القضائية لوقف التنفيذ بسبب
الطعن فيها بإعادة النظر
كما سبق وأن قلنا فإن الطعن بإعادة النظر كالتعرض الخارج عن الخصومة في الطعون غير العادية، حدد المشرع حالاتها على سبيل الحصر لا يجوز الطعن خارجها الهدف منه التصدي إلى التدليس والزور والحيل الرامية إلى تضليل العدالة.
وعلى هذا الأساس فإن المشرع لم يرتب عليه نفس آثار الطعن العادي بحيث اعتبر أن طلب إعادة النظر لا يوقف التنفيذ.
وقد قضى المجلس الأعلى بأن الطعن بإعادة النظر لا يترتب عنه وقف تنفيذ الحكم أو القرار المطعون فيه، لأنه إذا كان المشرع قد سن مقتضيات لوقف تنفيذ الأحكام المشمولة بالنفاذ المعجل المطعون فيها الاستئناف ومقتضيات لوقف تنفيذ الأحكام الانتهائية والقرارات المطعون فيها بالنقض وكذا المقررات الإدارية المطعون فيها بالشطط في استعمال السلطة، فإن لم ير من المناسب سن مسطرة لإيقاف تنفيذ القرارات الصادرة عن المجلس الأعلى([18]) في إطار إعادة النظر.
إلا أن هذه القاعدة قد تصطدم بحالات معينة كما هو الشأن مثلاً بالنسبة للحالة التي يصدر قرار بعدم القبول أو السقوط لأسباب ناشئة عن بيانات رسمية تبين مدع صحتها عن طريق وثائق رسمية جديدة، فإن الأمر يتطلب إيقاف التنفيذ، لأن من شأن ذلك أن يلحق ضررا بالطاعن قد يكون من العسير تلافيه.
المطلب الثاني: آثار القرار الفاصل في طلب إعادة النظر
يختلف آثار القرار القضائي الفاصل في طلب إعادة النظر حسبما تم الاستجابة للطب أو رفضه.
الفقرة الأولى: آثار قبول الطعن بإعادة النظر
إذا قضى المجلس الأعلى بقبول طلب إعادة النظر، فإن الوضع الطبيعي أن يعود الأطراف إلى الوضع الذي كانوا عليه قبل صدور القرار المطعون فيه.
وهذا ما أشار إليه الفصل 408 من قانون المسطرة المدنية عندما نص علي أنه “إذا قبلت إعادة النظر وقع الرجوع في الحكم ورجع الأطراف إلى الحالة التي كانوا عليها قبل صدور هذا الحكم وردت المبالغ المودعة وكذا الأشياء التي قضى بها والتي قد يكون تم تسلمها بمقتضى الحكم المرجوع فيه”.
وعليه فإن أحكام الفصل 408 المذكور قابلة للتطبيق حتى بالنسبة للقرارات الصادرة عن المجلس الأعلى، وعلى هذا الأساس يحق لطالب إعادة النظر إرجاع مبلغ الكفالة المحددة في 5000 درهم وكذا الأشياء التي قضي بها.
وقد قضى المجلس الأعلى بأنه بقبول طلب إعادة النظر والرجوع عن القرار المطلوب إعادة النظر فيه، فإن الطرفين “قد رجعا إلى الحالة التي كانا عليها قبل صدوره ويتعين البت في طلب النقض”([19]).
الفقرة الثانية: آثار رفض طلب إعادة للنظر
إذا لم يستجب المجلس الأعلى للطلب إعادة النظر قضى المجلس على الطاعن بالمصاريف وبغرامة محددة في 5000 درهم، مع إمكانية الخصم بالمطالبة بالتعويض عن الضرر عند الاقتضاء.
والجدير بالتنبيه بأنه في ظل قانون المسطرة المدنية القديم حدد المشرع حدا أدنى وآخر أقصى، بحيث خول المحكمة سلطة تقديرية لتحديد الغرامة ضمن هذه الحدود([20]).
وفي اعتقادنا فإن هذا الاتجاه كان سليما بحيث يبقى للمجلس الأعلى وكذا المحاكم الدنيا سلطة تقديرية لإصدار العقوبة المدنية حسب الأحوال وظروف الطاعن وأسباب رد طلبه.
وخلاصة القول فإن الطعن بإعادة النظر في قرارات المجلس الأعلى إنما رخص به المشرع من أجل إشاعة اطمئنان المتقاضين في قضائهم لا فرق بين أن تكون المحكمة محكمة موضوع أو محكمة قانون، واعتبر هذا النوع من الطعون طعوناً غير عادية إن لم نقل استثنائية، تفتح المجال حتى لمستشاري المجلس الأعلى أن يعاودوا مراجعة قراراتهم متى اتسمت بعدم الانصاف نتيجة تضليل أو غش أو خروقات مسطرية جوهرية، لأن هذا النوع من الطعون يبقى نادراً على مستوى الممارسة بالمقارنة مع الطعن بالنقض.
وقد حدد المشرع الحالات المبررة لطلب إعادة النظر على سبيل الحصر، إلا أنه عندما قيدها بأداء مبلغ 5000 درهم كضمانة قابلة للمصادر لفائدة الخزينة العامة لم يجعل لهذا الطعن من أهمية إلا بالنسبة للمتقاضين الميسورين أمام ذوي الدخل المحدود، الذين قد يفكروا ويقدروا قبل اللجوء إلى التماس إعادة النظر مخافة ضياع الجهد والمال المتمثلة في الكفالة والرسوم القضائية وأتعاب الدفاع.
[1] قرار المجلس الأعلى بغرفتيه الغرفة الإدارية وغرفة الأحوال الشخصية والميراث ملف إداري عدد 00/10/92 بتاريخ 15 أكتوبر 1992 منشور بمجلة الإشعاع عدد 13 ص 122.
[2] أدولف رييولط تعريب وتحيين إدريس ملين: قانون المسطرة المدنية في شروح، منشورات جمعية تنمية البحوث والدراسات القضائية، وزارة العدل طبعة 1996، ص 311.
[3] قرار عدد 151 بتاريخ 25 يونيو 1987 ملف إداري عدد 7232- 85 منشور بمجلة المحاكم المغربية عدد 52 ص 89. انظر كذلك الحسن البوعيسي كرونولوجيا الاجتهاد القضائي في قانون المسطرة المدنية، مطبعة النجاح الجديدة الدار البيضاء، طبعة 2002 ص4.
[4] قرار المجلس الأعلى عدد 127 بتاريخ 16 يناير 1985 منشور بمجلة المحاكم المغربية عدد 43 ص 66.
[5] قرار رقم 1809 بتاريخ 4 أبريل 1995 في الملف 2940/91 منشور من طرف عبد العزيز توفيق، التعليق على قانون المسطرة المدنية بقرارات المجلس الأعلى ومحاكم النقض العربية، مطبعة النجاح الجديدة للدار البيضاء، طبعة 2000، ص 244.
[6] رييولط: المرجع السابق ص 31.
[7] قرار عدد 2905 بتاريخ 6 ماي 1998 في الملف 3571/99 مشار إليه من طرف عبد العزيز توفيق التعليق على قانون المسطرة المدنية المرجع السابق، ص 246.
[8] قرار رقم 202 بتاريخ 7 مارس 1979 منشور بمجلة قضاء المجلس الأعلى/ طبعة 1985 ص 56.
انظر كذلك قرار المجلس الأعلى عدد 19 بتاريخ 27 يناير 1986 المجلة المغربية للقانون عدد 5 السنة 1986 ص287.
[9] قرار عدد 1036 صادر بتاريخ 25 ماي 1983 ملف مدني عدد 2441 منشور بمجلة رابطة القضاة عدد 12-13 ص48.
[10] قرار رقم 601 بتاريخ 12 مارس 1975 أشار إليه عبد العزيز توفيق، المرجع السابق، ص 262.
[11] قرار عدد 776 بتاريخ 8 نونبر 1978 في الملف المدني عدد 66831 منشور بمجلة المحاكم المغربية عدد 35 ص 71.
[12] أودلف رييولط: المرجع السابق ص 312.
[13] راجع الفصل 42 من قانون المسطرة المدنية القديم.
[14] قرار صادر عن المجلس الأعلى في الملف الجنائي عدد 5466/93 بتاريخ 27 دجنبر 1997 منشور بمجلة الإشعاع عدد 21 ص 126 أشار إليه الحسن البوعيسي المرجع السابق ص 44.
[15] راجع الفصل 511 من قانون المسطرة المدنية.
[16] كان المبلغ محدداً في ظل أحكام الفصل 407 المذكور قبل تعديله بمقتضى المادة 14 من القانون المالي رقم 97. 14 الصادر بمقتضى الظهير الشريف رقم 1. 97. 153 بتاريخ 30 يوليوز 1997، في 200 درهم أمام المحكمة الابتدائية و500 درهم أمام المحكمة الاستئناف و1000 درهم أمام المجلس الأعلى.
[17] قرار عدد 1280 بتاريخ 29 يونيو 1983 منشور بمجلة قضاء المجلس الأعلى عدد 37/38 ص 49.
[18] قرار رقم 1550 بتاريخ 24 دجنبر 1985 منشور بمجلة القضاء القانون عدد 131، مشار إليه من طرف عبد العزيز توفيق، المرجع السابق ص 243.
[19] قرار الغرفة الإدارية عدد 155 بتاريخ 30 ماي 1991 منشور بالمجلة المغربية للإدارة المحلية والتنمية عدد 9 ص 145.
[20] المادة 239 والمادة 246.


