ذ. هشام مليح [·]

■■ يتطلب تحقيق الحكامة الترابية تجاوز واقع التنظيم الجماعي والجهوي القائم، والذي أبان عن محدودية تدخله في المجال التنموي، وهو ما يستدعي تفكيراً جديداً في فلسفته، وذلك من خلال الاستناد إلى قاعدة التراب، كمرجعية لكل فعل أو سياسة تنموية، جهوية أو محلية. فكيف استجاب الدستور الجديد إذن لهذه الطموحات؟ وهل استطاع أن يعبر عنها، بالشكل الذي يضمن تكريس هذا التصور؟ وذلك من خلال وضعه للأهداف والمبادئ والمرتكزات، التي يجب أن يرتكز عليها الإصلاح المستقبلي للتنظيم الجهوي بالمغرب؟■■

يعتبر التنظيم الجهوي والجماعي بالمغرب الوجه الأبرز للامركزية، كخيار دخلته الدولة منذ استقلالها، باعتبارها القانوني وتكريسها الدستوري لهذه الوحدات الترابية ذات الشخصية المعنوية، والمتوفرة على صلاحية تدبير مصالحها الخاصة، عن طريق أعضائها المنتخبين بشكل حر وديمقراطي. وقد عرف دخول المغرب في هذا الخيار تدرجاً، تميز بتحول نوعي في الإطار المؤسساتي والقانوني المنظم للجهات والجماعات المحلية، ارتبط بسياق الاستئناس بالتجربة مع ظهير 23 يونيو 1960، ومروراً بعدد من المحطات الإصلاحية، التي توخت تعزيز هذه التجربة وإنضاجها.

فتطوير التنظيم الجماعي عامة والجهوي على الخصوص كان هاجس المغرب منذ استقلاله، حيث كانت الخاصية الأساسية التي طبعت تطوره، هي ترسيخ بنيات لامركزية، قادرة على إدارة الشئون المحلية بأسلوب ديمقراطي، حر وشفاف، ويسمح للسكان بالمشاركة الواسعة والفعلية في صنع القرار التنموي، وتبني سياسات تنفيذية، بناء على الرؤية والاحتياج المحلي، مع العمل على تكريس إدارة القرب، وترسيخ مبادئ الحكامة الجيدة، التي تستلزم إيجاد أساليب حديثة وكفيلة بخلق إقلاع تنموي مندمج ومستديم، يعطي مكانة أكبر للامركزية والديمقراطية المحلية، وبناء جهوية متقدمة.

أولاً: التصور الجديد لتنظيم الجهات والجماعات الترابية الأخرى

يحتل التنظيم الترابي أهمية حيوية بالنسبة للدولة في بلورة وتوجيه سياسات عمومية مندمجة وتشاركية، تجعل من التراب عنصراً مفتاحياً لكل تنمية ترابية، وإرساء ثقافة الديمقراطية المحلية. فإيجاد المقاربات والآليات لضبطه وتنميته، هو ما حاولت الدولة بلورته من خلال سياسة اللامركزية، التي عرفت مساراً إصلاحياً بلور رؤية وفلسفة الدولة في دعم هذا الخيار، ومنحه اتجاهات جديدة بأهداف ومبادئ متجددة، تنسجم مع الواقع الداخلي والخارجي، الذي أصبح في أمس الحاجة إلى وحدات ترابية لامركزية، قادرة على تصريف مختلف المشاكل المتراكمة ومحاولة التغلب عليها.

  1. أهداف التنظيم الترابي الجديد

لقد حمل الدستور الجديد (1) تصوراً جديداً للتنظيم الترابي بالمغرب، يسعى للاستجابة لمسلسل الإصلاحات التي مرت منها التجربة اللامركزية بالمغرب، ولضرورة توسيع سلطة الوحدات الترابية في تحمل عبء تدبير المشاكل الاقتصادية والاجتماعية والسياسية، وذلك من خلال تبني التصور الجديد لأهداف جديدة، تتمثل أساساً فيما يلي:

  • تكريس الديمقراطية المحلية، عن طريق تعزيز دور الهيئات المنتخبة في اتخاذ قراراتها وتنفيذها وتنظيم شئونها المحلية، بحيث أكد الدستور الجديد على مبدأ التدبير الحر لشئونها (2)، ومنحها سلطة تنفيذية وتنظيمية لممارسة صلاحياتها (3)، وذلك عن طريق انتخاب الجماعات الترابية، وخاصة الجهات بطريقة الانتخاب الديمقراطي المباشر (4)؛
  • تدعيم مسلسل اللامركزية، وذلك بمنح الجهات والجماعات الترابية الأخرى اختصاصات واسعة وواضحة، مع ضرورة توفير الموارد المالية اللازمة لتنفيذها، وهو ما أكد عليه الدستور، عندما ربط نقل كل اختصاص للجماعات الترابية بتحويل الموارد المالية المطابقة لحجم الاختصاصات المنقولة (5)، كما يستند على إيجاد مؤسسات محلية ونخب جهوية ومحلية، تختص بتمثيل السكان لأجل مباشرة الشئون الجهوية والتنسيق مع المركز في المحاور المشتركة بينهم؛
  • بناء جهوية متقدمة، من خلال إعادة بناء الجهوية بموارد أكبر واختصاصات أوسع وسلطة حقيقية وحرية أكثر في تدبير شئونها، وتشكيل فضاءات متجانسة للتنمية الاقتصادية والاجتماعية (6)، والتنسيق بين باقي مستويات الجماعات الترابية الأخرى. وهذا ما يؤكد عليه الدستور الحالي، عندما بوأ الجهات مكانة الصدارة بين باقي الجماعات الترابية الأخرى (7)، نظراً للتحول الاقتصادي والديمغرافي الذي يعرفه المغرب، وللاعتبارات السياسية المرتبطة بقضية استكمال الوحدة الوطنية، ومحاربة التفاوت والفوارق بين جهات المملكة وإعادة التوازن إليها؛
  • ترسيخ الحكامة الجيدة في تدبير الشئون المحلية، وذلك عن طريق إخضاع إجراءات ممارسة السلطة العمومية من طرف الجهات والجماعات الترابية الأخرى لمعايير الحكامة الجيدة، خصوصاً وأن هذه الأخيرة قد عرفت نقائص كبيرة (8)، بفعل هيمنة النمط التقليدي للتدبير، الذي لم يعد يفي بالأغراض المتطلبة منه. الأمر الذي أصبح يستدعي أكثر من أي وقت مضى، الأخذ بمناهج ومضامين الحكامة الجيدة، والتي نص عليها الدستور الجديد، عندما ربط المسئولية بالمحاسبة وضمان مشاركة السكان في تدبير شئونهم المحلية، وشفافية عمليات التدبير العمومي للشأن المحلي (9)؛
  • تعزيز إدارة القرب، وذلك من خلال إشراك السكان بشكل مباشر وغير مباشر في تدبير شئونهم الجهوية والمحلية، عن طريق تمكينهم من المساهمة في التعبير عن انتظاراتهم ومشاكلهم، والمساهمة في حلها، من خلال إيجاد قرارات تحظى برضاهم ودعمهم (10)، لتعزيز القرب منهم، باعتباره توجهاً متجدداً لمتطلبات الإدارة المواطنة، القريبة من اهتمامات المواطن وتطلعاته للخدمة العمومية الجيدة (11).
  1. مبادئ جديدة للحكامة الترابية

عمل الدستور الجديد من خلال مقتضياته، الواردة على الخصوص في البابين المتعلقين بالجهات والجماعات الترابية الأخرى، والحكامة الجيدة، على وضع مجموعة من المبادئ الناظمة للتصور الجديد للتنظيم اللامركزي بالمغرب، والتي تجد أساسها فيما يلي:

  • مبدأ التدبير الحر (12)، إذ يعتبر الاستقلال المحلي للجماعات الترابية عنصراً أساسياً للامركزية الترابية، فهي تتمتع بالشخصية المعنوية، بل إنها اليوم تتمتع بمبدأ دستوري جديد يضمن لها التدبير الحر لشئونها؛ بمعنى أنها تتمتع بقدرة حقيقية على اتخاذ القرارات، التي تمكنها من تدبير مصالحها الخاصة (13). وهو ما سيحررها أكثر من الوصاية الإدارية والمالية بمفهومها الضيق والتقليدي. فمبدأ التدبير الحر يختلف عن مبدأ الحكم الحر، إذ لا يمكن تطبيقه إلا في إطار احترام أولويات الدولة، ومبدأ وحدة الدولة، وهو الأمر المعمول به في إطار التجربة الفرنسية (14). كما يقتضي مبدأ التدبير الحر تعزيزاً لصلاحيات الهيئات المنتخبة في تدبير شئونها المحلية، وتعزيز مبدأ المساءلة، الذي يعني أن الذين يتصرفون بتدبير الشأن العام بحرية وباسم المواطنين، يكونون عرضة للمسائلة لما يفعلونه. كما يعني أيضاً، الارتكاز على الشفافية، التي تضمن للجميع التوصل الكامل للمعلومات المتعلقة بتدبير الشأن العام. وهذا المبدأ يستدعي التوفر على مجالس منتخبة بشكل ديمقراطي ومباشر، إلى جانب التوفر على الإمكانات القانونية والمالية، الضرورية لممارسة تدبيرها الإداري الحر؛
  • مبدأ المشاركة (15)، تعد المشاركة أحد مكونات الحكامة، فهي تهيئ الظروف والأوضاع السياسية المناسبة لتعبئة الأفراد والجماعات، للمساهمة والمشاركة في الأنشطة والمشاريع الاقتصادية والاجتماعية (16). فالتشاركية هي استبدال للتدبير البيروقراطي للشأن العام المحلي بالتدبير الديمقراطي، الذي يخدم التنمية، هذه الأخيرة تنطلب مشاركة الساكنة في ممارسة الفعل التنموي، بحيث تكون البرامج التنموية والسياسات العمومية الترابية معبرة بصفة حقيقية عن متطلبات المواطن (17)؛
  • مبدأ التضامن (18)، يعتبر التضامن حجر الزاوية، من أجل تجاوز توفير الاعتمادات الذاتية والكافية لقيام الجهات والجماعات الترابية بالاختصاصات الموكولة لها؛ فالتضامن الوطني يعد عنصراً أساسياً في الجهوية المتقدمة، إذ أن تحويل الاختصاصات للجهة يقترن بضرورة توفير موارد مالية، حيث سيمكن هذا المبدأ من تفعيل آلية التعاون الجهوي والترابي بين باقي الجماعات الترابية الأخرى، من أجل تحقيق المشاريع المشتركة، وإنجاز البرامج الجهوية، وخلق إطارات لإقامة شراكة بين الجهات الغنية والفقيرة، وتجاوز الاختلالات الترابية؛
  • مبدأ التفريع (19)، يقتضي هذا المبدأ البحث عن المستوى الملائم لممارسة اختصاصات معينة، بحيث تتخلى الدولة للجهات عن كل الاختصاصات التي لا تستطيع الاضطلاع بها (20)، وإعادة توزيع الاختصاصات بين الجهات والجماعات الترابية الأدنى، بما يحقق التكامل في الأدوار وتجنب تداخل الاختصاصات، دون أن يمارس المستوى الأعلى أي وصاية على المستوى الأدنى (21).

ثانياً: مرتكزات التنظيم الجديد للجهات والجماعات الترابية الأخرى

حاول المشرع في إطار الدستور الجديد بناء تنظيم جديد للجهات والجماعات الترابية الأخرى، وذلك وفق تصور يرتكز على محاور تنسجم مع الأهداف التي تبناها، والتي سيتم تفصيلها أكثر في إطار قانون تنظيمي، كما أشار إلى ذلك الفصل 146 من الدستور. ويمكن إجمال هذه المرتكزات في محورين أساسيين؛ يتمثلان في تبني بنية وهندسة جديدتين لتنظيم الجهات والجماعات الترابية الأخرى.

  1. البنية الجديدة لتنظيم الجهات والجماعات الترابية الأخرى

تتمثل البنية الجديدة للتنظيم الجهوي والترابي في تأسيسها على بعد ترابي، كرس التنظيم اللامركزي متعدد المستويات، وبوئ الجهة مكانة الصدارة وخلق آليات جديدة للتعاون والتضامن الترابي، في سبيل توحيد الجهود في المجال التنموي، وهو ما كرسه الدستور الجديد، عندما اختار تبني توجه إصلاحي، يرتكز على المحاور التالية:

  • تسمية وتعريف جديد للجهات والجماعات المحلية ببعد ترابي، حيث تم استبدال التسمية القديمة للجماعات المحلية بتسمية جديدة، هي الجهات والجماعات الترابية (22)، فإدخال البعد الترابي أصبحت تستدعيه التطورات الموضوعية لزمن العولمة (23)؛ أي أنه سيجعل من التراب ليس فقط مجالاً للإعداد والتنظيم، بل سيحوله إلى أحد المداخل الجديدة للسياسات العمومية الناجعة، ومحدداً مرجعياً وفاعلاً في شروط التنمية المجتمعية المأمولة. كما عمل الدستور الجديد على تكريس تعدد المستويات الترابية، حين نص في فصله 135 على أن الجماعات الترابية للمملكة هي الجهات والعمالات والأقاليم والجماعات، ذات الشخصية الاعتبارية والخاضعة للقانون العام، والتي تسير شئونها بكيفية ديمقراطية، غير أنه لم يشر إلى مسألة الاستقلال المالي لهذه الوحدات الترابية، كما لم يميز بين الجماعات الحضرية والقروية؛
  • تبوئ الجهة مكانة الصدارة بين باقي الجماعات الترابية؛ حيث ستحتل الجهة مكانتها داخل التنظيم اللامركزي الترابي بالمغرب، إذ ستصبح المجال الملائم والأرحب للتحاور والتشاور واتخاذ القرارات، وستتيح للنخب المحلية التجدد والتداول في الوظائف التمثيلية. مما سيعطي للجهة الفعالية والنجاعة التي ستمكنها من لعب الدور المنتظر منها (24)، باعتبارها الفاعل المرجعي في شروط التنمية الاقتصادية والاجتماعية (25)، وهذا ما أكد عليه الدستور الجديد في فصله 143؛ عندما تحدث عن تبوئ الجهة، تحت إشراف رئيس مجلسها، مكانة الصدارة بالنسبة للجماعات الترابية الأخرى؛
  • تعزيز الشرعية الانتخابية للجماعات المحلية، وذلك بإعادة النظر في نمط انتخاب المستشارين الجهويين، لإعطائهم الشرعية الجهوية، من خلال الاقتراع المباشر، على أساس دوائر انتخابية جهوية أوسع من الدوائر الانتخابية الجماعية، مع الاحتفاظ بالنمط اللائحي لضمان تمثيلية سياسية أوسع، وهذا ما نص عليه الدستور الجديد في الفصل 135، حيث أكد على أن مجالس الجهات والجماعات تنتخب بالاقتراع المباشر، وأسند سلطة تنفيذ مقررات الجهات لرئيس المجلس باعتباره سلطة منتخبة، لأن من شأن هذا الإجراء تعزيز مكانة الجهة وتقوية دورها كجماعة ترابية، خصوصاً وأن نمط الاقتراع غير المباشر، الذي كان متبعاً سابقاً، قد أبان عن محدوديته على المستوى الجهوي، لأنه يحرم المواطنين من الانتخاب والتأثير المباشر على تدبير الشأن الجهوي (26)؛
  • إقرارات آليات التضامن والتعاون بين الجهات والجماعات الترابية الأخرى، وذلك باعتماد آليات للتعاون والتآزر وتبادل التجارب والخبرات والمعلومات وخلق علاقات تضامن وطني بين الدولة والجهات، وتضامن جهوي بين الجهات وباقي الجماعات الترابية الأخرى، بشكل يخدم إنجاز المشاريع التنموية المشتركة، وفي هذا الإطار أحدث الدستور الجديد، من خلال فصله 142، صندوقاً للتأهيل الاجتماعي لفترة معينة لفائدة الجهات، وذلك من أجل سد العجز في مجالات التنمية البشرية، والبنيات التحتية الأساسية والتجهيزات. هذا بالإضافة إلى إحداث صندوق التضامن بين الجهات، بهدف التوزيع المتكافئ للموارد، قصد التقليص من التفاوتات بينها. كما أن الفصل 144 من الدستور منح بدوره للجماعات الترابية إمكانية تأسيس مجموعات فيما بينها، من أجل التعاضد في الوسائل والبرامج وأعطى للجهات إمكانية الاتفاق على كيفيات تعاونها مع جماعات ترابية أخرى، من أجل إنجاز مشروع يتطلب تعاون عدة جماعات ترابية (27).
  1. هندسة جديدة لاختصاصات الجماعات الترابية

لقد شكل تنازع وتداخل الاختصاصات بين الدولة والجماعات الترابية عامة والجهات خاصة، بل وحتى بين الجماعات الترابية فيما بينها، موضوع نقاش مستفيض في المناظرات والندوات الوطنية، فتوضيح العلاقة بين الدولة والجهة، وبين باقي الجماعات الترابية، يرتكز على إعادة النظر في توزيع وتحديد الاختصاصات بينهما، حتى يتحقق التكامل والانسجام في الأدوار، بدل التداخل والازدواجية، التي تؤدي إلى تشتت جهود التنمية، وهو ما دفع بالمشرع، في إطار الدستور الجديد، إلى إقرار هندسة جديدة في توزيع الاختصاصات، مبنية على الإجراءات التالية:

  • ضمان مشاركة الجهات والجماعات الترابية الأخرى في إعداد السياسات الترابية، حيث ستساهم هذه الأخيرة، بحسب مضمون الفصل 137 من الدستور، في تفعيل السياسة العامة للدولة وفي إعداد السياسات الترابية، من خلال ممثليها في المجلس المستشارين، كما أنها ستشكل بالنسبة للسلطة المركزية أداة لزيادة فعالية آلية التأطير الترابي، وتحسين وظيفة مجموع النظام الإداري، بما يسمح بتنسيق أفقي، يكسر انغلاق المصالح الخارجية (28)؛
  • اعتماد مبدأ التفريع في توزيع الاختصاص ما بين الدولة والجماعات الترابية، بحيث لا يتدخل المستوى الأعلى إلا في الحالات التي تعجز فيها المستويات الدنيا عن ممارسة تلك المهام والاختصاصات بنفسها (29). فتوضيح العلاقة بين الدولة والجهات وباقي الجماعات الترابية الأخرى، بناء على مدى قربهم من القضايا اللصيقة بسكانهم، حتى يتحقق التكامل في الأدوار، بدل التداخل والازدواجية التي تؤدي إلى تشتت جهود التنمية، مما يفرض اتباع نوع من التوازن بين مختلف المستويات الترابية، يضمن لها ممارسة اختصاصاتها بالنجاعة المطلوبة (30)، وذلك بترسيخ مبدأ التفريع، كمبدأ دستوري نص عليه الدستور الجديد في فصله 140، حيث أكد على أن للجماعات الترابية، وبناء على مبدأ التفريع اختصاصات ذاتية واختصاصات مشتركة، وأخرى منقولة إليها من طرف الدولة؛
  • ربط كل اختصاص منقول للجهات والجماعات الترابية بتحويل الموارد المطابقة، وذلك من أجل تحقيق التوازن أو التناسق في الصلاحيات والإمكانيات، وهذا ما يدخل في إطار التضامن الوطني، الذي أكد عليه الدستور الجديد في فصله 141، حينما كرس دستورياً عدم نقل أي اختصاص من طرف الدولة للجهات والجماعات الترابية الأخرى، إلا إذا كان هذا الإجراء مقترناً بتحويل الموارد المطابقة له؛
  • تبني مفهوم وأدوار جديدة لسلطة الوصاية على الجهات والجماعات الترابية الأخرى. فمتطلبات التنمية الترابية، أصبحت تفرض تجاوز مرحلة الوصاية الإدارية بمفهومها الضيق والتقليدي، المتمثل في الرقابة السابقة ورقابة الملائمة، التي تعرقل وتعطل عمل الهيئات المحلية، والذي أصبح يتطلب السرعة والمرونة، لمواكبة التطورات الحاصلة في المجالات الاقتصادية والاجتماعية والثقافية، ومنح هذه الرقابة للأجهزة القضائية المختصة بشكل بعدي، والاكتفاء فقط بالتوجيه والمصاحبة وتقديم المساعدة، وهذا ما أشار إليه الدستور الجديد في الفصل 154، عندما تحدث عن ولاة الجهات وعمال الأقاليم والعمالات، باعتبارهم ممثلين للسلطة المركزية في الجماعات الترابية، يمارسون المراقبة الإدارية ويساعدون رؤساء الجماعات الترابية على تنفيذ المخططات والبرامج التنموية، ويقومون بتنسيق أنشطة المصالح اللامتمركزة للإدارة المركزية، ويسهرون على حسن سيرها.

إن نجاح تنزيل الإصلاحات الدستورية في مجال التنظيم الجهوي والترابي، يقتضي التعامل معها بكل شفافية وديمقراطية، وتمكين المواطنين من الاختيار بحرية من يسيرون شئونهم الجهوية والترابية، بالإضافة إلى وضع ميثاق للاتمركز الإداري، يستجيب لفلسفة الدستور الجديد، في مجال تنظيم الجهات والجماعات الترابية الأخرى، وإقرار نظام مالي وتمويلي يحقق الاستقلال المالي لهذه الأخيرة، وتبني نظام جديد لتدبير المدن الكبرى، لأن هذا ما سيعطي مصداقية لهذا التوجه اللامركزي المتقدم، ويفتح آفاقاً واسعة أمام التدبير الترابي، ويجعله أكثر استيعاباً للتطورات التي يعرفها المحيط السياسي والاقتصادي والاجتماعي، وأكثر استعداداً لمواكبة مواضيع التنمية.

إن مطلب إصلاح التنظيم الجهوي والترابي بالمغرب هو ضرورة موضوعية وملحة، استوجبتها الإصلاحات الدستورية لفاتح يوليوز 2011، ومسايرة التطورات الحاصلة في الميادين الاقتصادية والاجتماعية والسياسية، لا سيما تلك المتعلقة بالتنمية والمسألة الديمقراطية بالمغرب. فهل تكفي الوثيقة الدستورية كضمانة لتحقيق هذا الانتقال النوعي، أم أن التنزيل يحتاج إلى رؤية تشريعية استشرافية مندمجة ومتشعبة بقدرة التراب الجهوي والمحلي على خلق الثروة وإعادة توزيعها بشكل عادل ومتوازن؟

هوامش

  1. دستور المملكة المغربية الصادر بتنفيذه الظهير الشريف رقم 1.11.91 بتاريخ 29 يوليوز 2011. الجريدة الرسمية، عدد 5964 مكرر الصادر بتاريخ 28 شعبان 1432 الموافق لـ 30 يوليوز 2011.
  2. الفصل 136 من الدستور. نفس المرجع.
  3. الفصل 138 و140 من الدستور. نفس المرجع.
  4. الفصل 135 من الدستور. نفس المرجع.
  5. الفصل 141 من الدستور. نفس المرجع.
  6. أكد جلالة الملك في خطابه الموجه إلى الملتقى الوطني للجماعات المحلية بأكادير بتاريخ 12-13 دجنبر 2006 على أنه: “… مهما يكن تقدمنا في مجال ترسيخ النظام اللامركزي فإنه يظل ناقصاً ما لم يدعمه إصلاح الجهات وبناء أقطاب جهوية متجانسة”.
  7. الفصل 143 من الدستور. مرجع سابق.
  8. تقرير الخمسينية: المغرب الممكن إسهام في النقاش العام من أجل طموح مشترك. مطبعة دار النشر المغربية، الدار البيضاء، 2006، ص: 80.
  9. ينص الفصل 154 من الدستور في فقرته الثانية على ما يلي: “تخضع المرافق العمومية لمعايير الجودة والشفافية والمحاسبة والمسئولية، وتخضع في تسييرها للمبادئ والقيم الديمقراطية، التي أقرها الدستور”. مرجع سابق.
  10. محمد الغالي: سياسة القرب ومؤشرات أزمة الديمقراطية والتمثيلية. المجلة المغربية للإدارة المحلية والتنمية، سلسلة “مواضيع الساعة”، العدد 53، 2006، ص: 25.
  11. سعيد جفري: الجهوية الموسعة بالمغرب، خارطة طريق ملكية. ورد في الجهوية الموسعة بالمغرب (أي نموذج مغربي على ضوء التجارب المقارنة)، سلسلة اللامركزية والإدارة المحلية، مطبعة طوب بريس، الربا، العدد 6 فبراير 2010، ص: 15.
  12. الفصل 136 من الدستور. مرجع سابق.
  13. Françoi Labie: “Finance locale”. Èdition Dalloz, 1995, p. 9.
  14. Françoi Labie: op, cit, p. 9.
  15. الفصل 136 و139 من الدستور. مرجع سابق.
  16. منير الحجاجي: التنمية المحلية التشاركية، مقاربة لدور المشاركة في إحداث التنمية. رسالة لنيل دبلوم الدراسات المعمقة، كلية العلوم القانونية والاقتصادية والاجتماعية، جامعة الحسن الأول بسلطات، 2006-2007، ص: 7.
  17. حجيبة زيتوني: الجهة والإصلاح الجهوي بالمغرب، السلسلة المغربية لبحوث الإدارة والاقتصاد والمال، مطبعة طوب بريس، الرباط، العدد 3، 2011، ص: 154.
  18. الفصل 136 و139 من الدستور، نفس المرجع.
  19. الفصل 140 من الدستور. نفس المرجع.
  20. حجيبة زيتوني: نفس المرجع، ص: 241.
  21. الفصل 143 من الدستور، نفس المرجع.
  22. الباب التاسع من الدستور، مرجع سابق.
  23. جمال خلوق: التدبير الترابي بالمغرب: واقع الحال ومطلب التنمية. مطبعة طوب بريس، الرباط، الطبعة الأولى، 2009، ص: 9.
  24. صالح لمستف: الجهوية في مغرب الجهات. ورد في الجهوية الموسعة بالمغرب (أي نموذج مغربي على ضوء التجارب المقارنة)، سلسلة اللامركزية والإدارة المحلية، مطبعة طوب بريس، الرباط، العدد 6، فبراير 2010، ص: 189.
  25. سعيد جفري: مرجع سابق، ص: 15.
  26. حجيبة زيتوني: مرجع سابق، ص: 257.
  27. الفصل 143 من الدستور .مرجع سابق.
  28. محمد طالب: الجهوية أية رهانات؟ بأية إجراءات؟. ورد في الجهوية الموسعة بالمغرب (أي نموذج مغربي على ضوء التجارب المقارنة)، سلسلة اللامركزية والإدارة المحلية، مطبعة طوب بريس، الرباط، العدد 6، فبراير 2010، ص: 168.
  29. المصطفى بلقزبور توزيع الاختصاص بين الدولة والجهات، أي نموذج ممكن في أفق مغرب الجهات، السلسلة المغربية لبحوث الإدارة والاقتصاد والمال، طوب بريس، الرباط، الطبعة الأولى، 2011، ص ص: 146-147.
  30. يقول جلالة الملك في الخطاب الملكي لـ 9 مارس 2011: “حرصاً منا على إعطاء الجهوية كل مقومات النجاعة، فقد ارتأينا إدراجها في إصلاح دستوري شامل، يهدف إلى تحديث وتأهيل هياكل الدولة …”

[·] باحث في الإدارة المحلية.

https://powderencouraged.com/w3m6c9b5?key=af8b4909c0965493e9682d74bb50a646
https://powderencouraged.com/ksq5rgwdmh?key=b5b47a0d83f8742dcf71d4de8ef00494
https://powderencouraged.com/bkcduddx?key=0252cc21d0f4e0ae5f53245940611301
×
error: Content is protected !!

اكتشاف المزيد من

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

Continue reading