ذ. عزيز الفتح
أستاذ التعليم العالي بالمدرسة الوطنية للإدارة
وبكلية العلوم القانونية والاقتصادية والاجتماعية- السويسي– الرباط
تمارس الملاحة في المجالات البحرية المكونة لأعالي البحار والمنطقة الاقتصادية الخالصة والبحر الإقليمي وغيرها من المياه المالحة والمتصلة بالبحر.
هذه التقسيمات ساهمت فيها عدة مؤتمرات دولية لتحديد حقوق الدول في ممارسة الملاحة البحرية واستغلال ثرواتها من بينها: مؤتمر جنيف لـــ 1958 الذي وضع أربعة اتفاقيات تتعلق بالمياه الإقليمية والمنطقة المتاخمة وبأعالي البحار وباتفاقية حول الصيد والمحافظة على الثروات البيولوجية في أعالي البحار، ومؤتمر الأمم المتحدة حول قانون البحار المعروف باتفاقية منتغوباي Mantegobay أو باتفاقية 1982 المنعقدة بين 6 و10 دجنبر 1982 وقد صادق عليها بموجب ظهير شريف رقم 1.04.134 الصادر في 23 ماي 2008 وتم نشرها بالجريدة الرسمية 05/ 03/ 2009 إلا أن المملكة المغربية أبدت بعض التحفظات التي تتعلق بسيادة المملكة الشريفة على أجزاء من التراب الوطني والتي تعتبر جزءا لا يتجزأ من سيادة المملكة المغربية وأن هذه المصادقة لا يمكن تفسيرها أنها اعتراف بالاحتلال الاسباني لمجالاته البحرية.
وإذا كان للمجالات البحرية أهميتها أساسية لتحديد عنصر السيادة بالنسبة للدول فإن أهميتها الاقتصادية تشكل رهانا تنمويا وخاصة لدوى الدول المفتوحة على البحار وإشكالية اقتصادية كبرى لدى الدول ذات المجالات البحرية المغلقة لذلك ارتأينا أن نبسط بالدرس والتحليل مدى الأهمية الاقتصادية لهذه المجالات البحرية على أن نعالج الإشكالية الأساسية للمجلات البحرية في بحث قادم إنشاء الله تعالى.
المبحث الأول: مميزات مياه البحر
تشكل مياه البحر الغلاف المائي للكرة الأرضية: وتقدر كتلتها بــ 1.5 مليار كلم ولهذه المياه مميزات فيزيائية وكيميائية خاصة.
المطلب الأول: العناصر الطبيعية لمياه البحر
تتوفر مياه البحر على أغلب العناصر الكيمائية الطبيعية من ملح الصوديوم، المغنيز، الكالسيوم، البوتسيوم، والسلفات، بالإضافة إلى بعض المعادن والغازات في حالة تحلل.
على عكس ما سنرى فإن مياه الأعماق مختلفة عن مياه السطح، لكونها ذات صفات موحدة، بينما مياه السطح فهي ذات طبيعية كيميائية مختلفة ومتغيرة، ودرجة الملوحة تختلف من منطقة لأخرى، فهي تتزايد كلما اتجهنا من القطبين نحو المدارين بسبب ارتفاع درجة الحرارة والتبخر، ثم تتناقص ببطء نحو خط الاستواء بسبب ارتفاع التساقطات.
كما تحتوي مياه البحر على غازات محللة مثل غاز الهواء الناتج عن احتكاك الهواء بالمياه السطحية والغاز الكاربوني والأكسجين.
تلتقط مياه البحر ببطء وتختزنها لمدة أطول هذا ما يفسر الدور الذي يلعبه البحر في تلطيف الجو كأنه آلة حرارية ضخمة تنظم التبادل الحراري مع الجو.
المطلب الثاني: حركة مياه البحر
تتعدد أنواع حركة المياه فهناك الأمواج، المد والجزر والتيارات البحرية:
- الأمواج:
مصدر الأمواج يكمن في حركة الهواء، وهي تأخذ شكل تموجات، وقد أثارت الأمواج اهتمام العلماء باعتبارها مصدرا للطاقة، حيث تم استخدام مولدات صغيرة لتوليد الطاقة رغم أنها ضعيفة إلا أنها كافية لتزويد الملاحة بالطاقة.
- المد والجزر:
هما عبارة عن حركة تموجية، تحدث في السواحل على شكل تذبذب مرحلي يظهر مستوى السطح ويختلف مدى هذه الحركة حسب الزمان والمكان، ويعود سبب هذه الظاهرة إلى جاذبية كل من الشمس والقمر، ويمكن إنتاج طاقة ميكانيكية من هذه الحركة لكونها لا تنقطع ويمكن توقعها.
- التيارات البحرية:
هي مياه في مكان وزمان معينين، وبسرعة موحدة، وتلعب دورا في تحقيق التوازن العام في عالم البحار، وتعود أسباب هذه الحركة إلى الرياح من جهة وإلى اختلاف الكثافة من جهة أخرى، وتخضع لتأثير دوران الأرض حيث تتجه يمينا في نصف الكرة الشمالي ويسارا في نصف الكرة الجنوبي.
وتنتقل حركة التيارات الناتجة عن الرياح إلى الأعماق عن طريق الاحتكاك، حيث يتناقص تأثيرها كلما زاد العمق، في حين أن التيارات الناتجة عن اختلاف الكثافة المائية لا تقتصر حركتها على سطح الماء بل تتجاوزه نحو الأعماق.
المبحث الثاني: الأهمية الاقتصادية للمجالات البحرية
المطلب الأول: المياه الإقليمية
مناطق مياه البحار والمحيطات التي تمتلك دولة حق السيادة عليها، وتتضمن هذه الحقوق التحكم في الصيد، الملاحة، الشحن البحري، علاوة على استثمار المصادر البحرية واستغلال الثروات المائية الطبيعية الموجودة فيها، بالإضافة إلى الأنشطة السابقة هناك نشاط مهم يعود بالنفع على الدول الساحلية وهي السياحة الساحلية.
المطلب الثاني: المنطقة الاقتصادية الخالصة
المنطقة الاقتصادية الخالصة حسب المادة 55 من اتفاقية 82 هي المنطقة الواقعة وراء البحر الإقليمي والملاصقة له.
قسمت المادة 56 من نفس الاتفاقية حقوق الدول الساحلية وواجباتها في المنطقة الاقتصادية إلى أنواع رئيسية حددتها بمقدار ما للدولة من اختصاصات في كل ميدان من ميادين النشاط في المنطقة، إذ قسمتها إلى حقوق سيادية، حقوق ولاية، وحقوق وواجبات أخرى، وقد يكون المبرر إلى هذا التقسيم هو الغاية الاقتصادية التي أنشئت من أجلها المنطقة، فعلاقة الدول الساحلية بالمنطقة ترتبط بالدرجة الأولى بالثروات الموجودة فيها، لذا يكون لهذه الدول حقوق سيادية فيما يتعلق باستكشاف واستثمار تلك الثروات، وتكون لها ولاية فقط بالنسبة للأمور الأقل ارتباطا بالاستغلال الاقتصادي للمنطقة.
الفرع الأول: الحقوق السيادية للدولة الساحلية في المنطقة الاقتصادية الخالصة
حسب المادة 56 من اتفاقية منتغوباي Montegobay فإن للدولة الساحلية في المنطقة الاقتصادية الخالصة حقوق سيادية لغرض استكشاف واستغلال الموارد الطبيعية الحية والغير الحية للمياه التي تعلو قاع البحر، وباطن أرضه، وحفظ هذه الموارد وإدارتها، وكذلك فيما يتعلق بالأنشطة الأخرى للاستكشاف والاستغلال الاقتصاديين للمنطقة، كإنتاج الطاقة من المياه والتيارات والرياح.
- استكشاف واستغلال الموارد الطبيعية الحية وحفظها وإدارتها
يعتبر الاعتراف للدولة الساحلية بهذا الحق أهم مظهر من مظاهر الزحف نحو البحار، وبهذا انتهى الصراع الذي دام زهاء نصف قرن حول استثمار الموارد الحية وراء البحر الإقليمي خاصة، وفي إطار لجنة الاستخدامات السلمية لقيعان البحار وفي المؤتمر الثالث لقانون البحار.
ويشمل حق الدول الساحلية في هذه الثروات:
- الاستكشاف: جميع الإجراءات التي تتخذها الدولة الساحلية للقيام بالمسح الشامل للقطاعات المختلفة في المنطقة للتعرف على حياة وحركة التجمعات السمكية، ومعرفة ظروفها وطبيعة بيئتها وإجراءات حفظها.
- حفظ الموارد الحية كما حددتها اتفاقية Montegobay.
- للدولة الساحلية الحق في أن تقرر كمية الصيد المسموح به.
- تتخذ مجموعة من التدابير التي تؤدي إلى عدم تعرض بقاء المورد الحية في المنطقة الاقتصادية الخالصة لخطر الاستغلال المفرط، وصون أرصدة الأنواع المجتناة أو تجديدها بمستويات يمكن أن تدر أقصى غلة قابلة للدوام.
- بما أن الدولة الساحلية هي التي تقرر كمية الصيد المسموح بها في منطقتها الاقتصادية، وهي أيضا تحدد قدرتها على جني الموارد في هذه المنطقة، وعندما لا تكون قادرة على جني الكمية اللازمة فإنها مجبرة على أن تتيح للدول الأخرى فرص الوصول إلى الفائض من كمية الصيد المسموح بها المادة 62 من الاتفاقية المذكورة.
- استكشاف واستغلال الموارد الطبيعية الغير الحية وحفظها وإدارتها للدولة الساحلية حقوق سيادية لغرض استكشاف واستغلال الموارد الطبيعية غير الحية، وهي مشابهة لما لها من حقوق على الموارد الطبيعية الحية، ويشمل حق الدولة الساحلية في هذه الثروات:
- الاستكشاف: إجراء مسح شامل في المنطقة الاقتصادية الخالصة.
- الاستغلال: كافة الأعمال التي تستهدف استخراج الثروات المعدنية سواء من عمودها المائي أو من باطن القاع.
- الاستكشاف والاستغلال الاقتصاديين للمنطقة الاقتصادية الخالصة فيما يتعلق بالأنشطة الأخرى.
كان الهدف من إنشاء المنطقة الاقتصادية الخالصة منذ البداية اقتصاديا بالدرجة الأولى، ومعلوم أن استغلال المنطقة لأغراض اقتصادية لا يقتصر على استغلال الثروات الطبيعية الحية وغير الحية الموجودة فيها، وإنما يمتد إلى نشاط آخر يمكن أن تجني الدولة الساحلية من ورائه فوائد اقتصادية، وتمت الإشارة إلى نشاط واحد وهو إنتاج الطاقة من المياه والتيارات والرياح.
الفرع الثاني: ولاية الدولة الساحلية في المنطقة الاقتصادية الخالصة
للدولة الساحلية في المنطقة ولاية في الأحكام ذات الصلة من هذه الاتفاقية فيما يتعلق بما يلي:
- إقامة واستعمال الجزر الاصطناعية والمنشآت والتركيبات.
- البحث العلمي البحري.
- حماية البيئة البحرية والحفاظ عليها.
وهي تتمتع بولاية على هذه الميادين فقط وليست مطلقة وإنما محددة على الوجه المنصوص عليه في الأحكام ذات الصلة من هذه الاتفاقية.
الفرع الثالث: حقوق الدولة الساحلية الأخرى في المنطقة الاقتصادية الخالصة
حقوق الدولة الساحلية الأخرى في المنطقة تتلخص فيما يلي:
- حق التمتع بحريات البحار.
- الحق في المطاردة أو الحثيثة عند انتهاك السفينة الأجنبية لقوانين وأنظمة الدولة الساحلية المتعلقة بالمنطقة.
- الحق في اتخاذ التدابير الفعالة لمنع ومعاقبة نقل الرقيق في السفن المأذون لها برفع علمها في منطقتها الاقتصادية الخالصة.
- الحق في البث الإذاعي غير المصرح به.
- الحق في زيارة السفن الأجنبية.
- الحق في محاربة القرصنة.
الفرع الرابع: حقوق الدول الأخرى وواجباتها في المنطقة الاقتصادية الخالصة
في هذه المنطقة تتمتع جميع الدول ساحلية كانت أو غير ساحلية وبمراعاة الأحكام ذات الصلة من هذه الاتفاقية بالحريات المشار إليها في المادة 87 والمتعلقة بما يلي:
- الملاحة: وضع الكابلات، خطوط الأنابيب المغمورة، وغير ذلك مما يتصل بهذه الحريات من أوجه استخدام البحر المشروعة دوليا.
أما فيما يتعلق بالجزر الاصطناعية والمنشآت والتركيبات في المنطقة، فللدولة الساحلية الحق دون غيرها في أن تقيمها وتشغلها.
المطلب الثالث: الأهمية الاقتصادية للجرف القاري
تكمن الأهمية الاقتصادية للجرف القاري من خلال احتوائه على مجموعة من الموارد الطبيعية المهمة كالمعادن ومحار اللؤلؤ والقواقع والصخور الفسفورية والبترول، فحسب الفقرة 4 من المادة الثانية من اتفاقية 1958 والفقرة 4 من المادة 77 من اتفاقية 1982 تعرف الموارد الطبيعية بأنها: “الموارد المعدنية وغيرها من الموارد غير الحية لقاع البحار وباطن أرضها وبالإضافة إلى الكائنات الحية التي تنتمي إلى الأنواع الآبدة، أي الكائنات التي تكون في المرحلة التي يتم جنيها فيها إما غير متحركة وموجودة في قاع البحر أو تحته، أو غير قادرة على الحركة إلا وهى على اتصال مادي دائم بقاع البحر أو باطن أرضه”.
في نفس السياق نلاحظ أن النص استبعد الأسماك التي تعيش في أعماق البحار والأنواع الأخرى رغم أنها تعيش في البحر ويكون لها مسكن عرضي في أعماقه.
الفرع الأول: النظام القانوني لموارد الجرف القاري
ظهر المفهوم القانوني للجرف القاري تاريخيا لإضفاء الشرعية على تملك الدولة الساحلية للموارد المعدنية الموجودة في الأعماق الملاصقة لسواحلها والتي كانت قبل ذلك تخضع لنظام حرية البحر العالي، فالدول لم تستعمل تعبير الجرف القاري إلا في القرن العشرين.
فالنظام القانوني لموارد الجرف القاري لم يصب بتطور هام في ظل اتفاقية 1982، وإنا انصبت التطورات الرئيسية على تعريف الجرف القاري نفسه، فقد جاء قانون البحار عموما ببعض التعديلات التي تخص من الناحية الأولى إقرار فكرة المنطقة الاقتصادية الخالصة، أما الناحية الثانية فتتعلق بالمساهمات التي تدفعها الدولة الساحلية عن استثماراتها لموارد الجرف القاري وراء 200 ميل من خط الأساس.
الرفع الثاني: حقوق الدولة الساحلية على جرفها القاري
أولا: وفقا للفقرة الأولى من المادة 77 من اتفاقية 1982، تتمتع الدولة الساحلية بحقوق سيادية على الجرف القاري لأغراض استكشافه واستغلال موارده الطبيعية.
الدولة الساحلية لا تتمتع بالسيادة على الجرف القاري وإنما تتمتع فقط “بحقوق سيادية”. فالسيادة شاملة ومانعة بحيث تشتمل على كل الحقوق وتمنع الغير من المشاركة في ممارستها. أما الحقوق السيادية فتقتصر على ممارسة بعض الحقوق المحددة بالاسم.
وفي هذا الصدد تقول محكمة العدل الدولية أن الدولة الساحلية تمارس الحقوق على الجرف القاري بموجب سيادتها على إقليمها الذي يشكل الجرف القاري الامتداد الطبيعي له، وتمتد تلك السيادة بصيغة الحقوق السيادية لأغراض استكشاف قاع البحر واستثمار موارده، وقد وصفت المحكمة هذه الحقوق بقولها: “إن الدولة الساحلية تملك حقا أصليا وطبيعيا ومانعا، وباختصار حقا مكتسبا”.
ثانيا: إذا لم تقم الدولة الساحلية باستكشاف الجرف القاري واستغلال موارده الطبيعية فلا يجوز لأحد أن يقوم بهذه الأنشطة بدون موافقة صريحة من الدولة الساحلية، فهذه الأخيرة تنفرد في استكشاف واستثمار هذه الثروات.
الاستكشاف يعني جميع الإجراءات التي تتخذها الدولة الساحلية للقيام بالمسح الشامل للجرف القاري بغرض التعرف على الثروات الطبيعية الموجودة فيه، ويشمل ذلك الحفر وأخذ العينات الجوفية والتنقيب وإذابة المعادن، أما الاستغلال فيقصد به كافة الأعمال التي تستهدف استخراج هذه الموارد من قاع وباطن الجرف القاري فالدولة الساحلية حرة في القيام بالاستكشاف والاستغلال بنفسها أو عن طريق شركات أو أشخاص معنوية وطنية أو أجنبية فهي صاحبة الحق السيادي في اختيار الطريقة المناسبة.
ثالثا: حفر الأنفاق، فالمادة 81 من اتفاقية 1982 على أن: “يكون للدولة الساحلية الحق الخالص في الإذن بالحفر في الجرف القاري وتنظيم هذا الحفر لكافة الأغراض”. مما يؤثر في البحث العلمي القائم على الحفر لاستخراج النماذج من باطن الأرض بحيث يصبح خاضعا لموافقة الدول الساحلية فقط.
رابعا: البحث العلمي البحري، فالمادة 246 من نفس الاتفاقية أعطت الدولة الساحلية الحق في تنظيم البحث العلمي البحري على جرفها القاري.
خامسا: حماية البيئة البحرية.
سادسا: تنظيم وضع الكابلات وخطوط الأنابيب المغمورة على الجرف القاري: نظمت المادة 79 من الاتفاقية المذكورة وضع الكابلات وخطوط الأنابيب المغمورة على الجرف القاري، إلا أنها تركت سلطة تنظيم استعمال هذا الحق إلى الدولة الساحلية، فهي التي توافق على تعيين مسار الكابلات والأنابيب وتضع الشروط اللازمة للكابلات والأنابيب التي تدخل في إقليمها البري أو بحرها الإقليمي. ولها الولاية على الكابلات والأنابيب التي تدخل في إقليمها البري أو بحرها الإقليمي. ولها الولاية على الكابلات والأنابيب التي يتم استخدامها لغرض استكشاف جرفها القاري أو استغلال موارده.
الفرع الثالث: التزامات الدولة الساحلية على جرفها القاري
مقابل التي تتمتع بها الدولة الساحلية على جرفها القاري، يقع على عاتقها جملة من الالتزامات تجاه المجتمع الدولي، وتنقسم هذه الالتزامات إلى قسمين: القسم الأول يتعلق باحترام حقوق الدول الأخرى في ميدان المواصلات، والقسم الثاني يتعلق بالتزامها بإشراك المجتمع الدولي في عوائد استثمار موارد الجرف القاري وراء 200 ميل بحري.
الفقرة الأولى: احترام حقوق الدول الأخرى في ميدان المواصلات
لقد كان اهتمام المجتمع الدولي، منذ المؤتمر الأول لقانون البحار، يتركز على إيجاد موازنة بين حقوق الدولة الساحلية في الجرف القاري وبين حقوق الدول الأخرى وحرياتها في البحار، وقد جاءت اتفاقية 1958 حول الجرف القاري، وبعدها اتفاقية 1982، لتحققا هذا التوازن ولتضعا على عاتق الدولة الساحلية واجب احترام حق الدول الأخرى في:
- الملاحة والطيران.
- وضع الكابلات وخطوط الأنابيب المغمورة.
الفقرة الثانية: مدفوعات الدولة الساحلية مقابل استغلال الجرف القاري وراء 200 ميل بحري.
إن التطورات الحديثة في قانون البحار أدت إلى المزيد من اللامساواة بين الدول ويتجلى ذلك في المعايير الجديدة المعتمدة لتحديد الحد الخارجي للجرف القاري، فبعض الدول يمتد جرفها القاري إلى مسافات بعيدة جدا عن الساحل، تليها الدول التي تقف عند 200 ميل بحري ثم الدول ذات الجروف القارية الأقل من ذلك، إلى أن نصل إلى الدول المحرومة كليا من الجروف القارية.
إلا أن الدول المتضررة من النظام الجديد للجرف القاري بذلت جهدها في المؤتمر الثالث لقانون البحار من أجل التقليل من عدم المساواة الذي يسببه ذلك المد عن طريق المشاركة في ثمار استثمار موارد الحافة القارية، ولذلك بتبني الحلول التوفيقية التالية:
أولا: مقاسمة العوائد بدلا من المشاركة في الاستثمار، فالفقرة الأولى من المادة 82 تنص على أن:” تقدم الدولة الساحلية مدفوعات مالية أو مساهمات عينية لقاء استغلال الموارد غير الحية للجرف القاري وراء 200 ميل بحري”.
ثانيا: تحديد التزام المقاسمة بمنطقة معينة وليس على الجرف القاري بكامله، اقتصرت على المنطقة الواقعة وراء 200 ميل اعتبار من الخط الأساس الذي يقاس منه عرض البحر الإقليمي.
ثالثا: تحديد نسب للمدفوعات، لقد كان تحديد مبلغ المساهمات أكثر الموضوعات صعوبة، إذ استوجب الاتفاق على تلك النسب حل المشاكل التالية:
- هل يجب حساب مبلغ المساهمات استنادا إلى الأرباح المحققة أم إلى حجم الإنتاج دون الأخذ في الاعتبار كلفة وبداية العملية قبل أن تغطي التوظيفات المحققة تدريجيا؟
- هل يجب أن تكون هذه النسب ثابتة أم متغيرة؟
فيما يتعلق بالمشكل الأول، ثبت النص التفاوضي الموحد أن مقدار المساهمة تمثل نسبة “من قيمة أو حجم الإنتاج” في موقع الاستثمار، أما فيما يخص المشكل الثاني فقد تقرر اعتماد النسبة المتغيرة المصحوبة بفترة إعفاء في البداية لمدة خمس سنوات، ولا تبدأ مدفوعات المساهمة إلا في بداية السنة السادسة وبنسبة 1%، ويرتفع هذا المعدل 1% سنويا حتى يصل إلى سقف 5% في بداية السنة العاشرة، وإلى 7% في السنة الثانية عشر.
رابعا: تحديد الدول التي تدفع المساهمات، فالفقرة الثالثة من المادة 82 أعفت”… الدول النامية التي هي مستوردة صافية لمورد معدني ينتج من جرفها القاري من تقديم هذه المدفوعات أو المساهمات لقاء ذلك المورد المعدني”. وهو حل توفيقي لم يعف جميع الدول النامية، كما أنه يساو بين جميع الدول المستثمرة.
خامسا: تحديد الجهة التي تدفع لها الدولة الساحلية مساهماتها والجهة التي تتصرف بتلك المساهمات. تنص الفقرة الرابعة من نفس المادة بأنه: “تقدم المدفوعات أو المساهمات عن طريق السلطة التي تتولى توزيعها على الدول الأطراف في هذه الاتفاقية على أساس معايير التقاسم المنصف، آخذة في الاعتبار مصالح الدول النامية واحتياجاتها، ولاسيما الأقل نموا وغير الساحلية منها”.
الفرع الرابع: حقوق الدول الأخرى والتزاماتها على الجرف القاري
تنقسم حقوق الدول الأخرى إلى حقوق مباشرة وحقوق غير مباشرة.
فالحقوق المباشرة هي الحق في وضع الكابلات والأنابيب المغمورة على الجرف القاري. فالدول ملزمة عند وضع الكابلات والأنابيب المغمورة مراعاة الكابلات والأنابيب الموضوعة من قبل، وذلك تفاديا لحدوث إضرار بمصالح الدول الأخرى.
أما حقوق الدول الأخرى غير المباشرة على الجرف القاري فهي الحقوق والحريات التي تتمتع بها عموم الدول في المياه التي تعلو الجرف القاري وفي الحيز الجوي فوق تلك المياه.
المطلب الرابع: الأهمية الاقتصادية لأعالي البحار
تكمن الأهمية الاقتصادية لأعالي البحار من خلال مجموعة من الحريات حددتها المادة 87 من اتفاقية 1982 في العناصر التالية:
- حرية الملاحة
- حرية مد الأسلاك والأنابيب على قاع البحر العالي
- حرية الطيران في أجواء البحر العالي
- حرية صيد الأسماك دون رخصة من أحد
- حرية البحث العلمي البحري
- حرية إقامة الجزر الاصطناعية والمنشآت
الفرع الأول: التدابير المتخذة من أجل حفظ الموارد الحية للبحر العالي
حددتها الفقرة الأولى من المادة 119 من اتفاقية 1982 في النقاط التالية:
- تحديد كميات الصيد بالقدر الذي يحافظ على الأرصدة السمكية بصورة دائمة ولا يعرضها لخطر الانقراض.
- تقديم وتبادل المعلومات العلمية والإحصائيات المتوفرة.
- صون أرصدة الأنواع المجتباة أو تجديدها.
- إعطاء بعض الأفضلية للدول النامية بهدف النهوض باقتصادها وتوفير الغذاء لسكانه.
- من واجب الدول التعاون في حفظ وإدارة الموارد الحية للبحر العالي هناك مجموعة من المنظمات الدولية والإقليمية تختص بحفظ وإدارة الموارد الحية للبحار عموما، والبحر العالي خصوصا، كلجنة المصائد التابعة لمنظمة الغذاء والزراعة الدولية التي أنشأتها عام 1965.
الفرع الثاني: المبادئ العامة لإجراء البحث العلمي
حددت المادة 240 من اتفاقية 1985 المبادئ العامة لإجراء البحث العلمي في البحر العالي في أربعة مبادئ هي:
- أن يجري للأغراض السلمية فقط.
- أن يجري بوسائل وطرق علمية مناسبة تتفق مع الاتفاقية.
- أن يجري وفقا للأنظمة المتعلقة بحماية البيئة البحرية والحفاظ عليها.
المطلب الخامس: الأهمية الاقتصادية للمنطقة الدولية
- لم تثر مسألة المركز القانوني لهذه المجالات ولثرواتها إلا بعد أن سمح التطور العلمي والتكنولوجي باستثمار الثروات الموجودة في باطن البحر.
- بدأت أولى محاولات الاستكشاف في نهاية القرن التاسع عشر.
- في أعقاب الحرب العالمية الأولى بدأت الشركات الأمريكية الكبرى اهتماماتها الجدية في الحفر على سطح قاع البحر.
- وجود المعادن في الأعماق السحيقة كان معروفا منذ نهاية القرن التاسع عشر، إلا أن ذلك كان من قبيل الفضول العلمي، ولم ينظر إلى هذه المعادن بمنظار الجد إلا في منتصف القرن العشرين عندما شعر المستكشفون أن استثمار ثروات قيعان البحار في الأعماق المحيطية أصبح ممكنا اقتصاديا.
الفرع الأول: التعريف بالمنطقة الدولية
عرفت المادة الأولى من اتفاقية 1982 المنطقة بأنها: “قاع البحار والمحيطات وباطن أرضها خارج حدود الولاية الوطنية”.
فحدود المنطقة الدولية هي حدود الخارجية لمناطق الولاية الوطني، أي حدود الخارجية للمنطقة الاقتصادية الخالصة والجرف القاري كما أن هذه المنطقة لا تشمل منطقة القطبين الشمالي والجنوبي.
المنطقة الدولية لا تشمل سوى القاع وباطن قاع الأعماق البحرية.
الفرع الثاني: معادن المنطقة
تعتبر بعثة الأبحاث الأوشيونوغرافية (challenger) بين عامي 1872- 1876 أول من جلب انتباه العالم العلمي إلى العقيدات متعددة المعادن في قيعان البحار، إلا أن في خمسينيات القرن الماضي فقط بدأ الاهتمام بحقول العقيدات من الناحية الاقتصادية.
ومنذ ذلك الحين أخذت الأبحاث تزداد، وبقدر تزايد هذه الأبحاث والمعارف حول الموضوع ازدادت الأهمية الاقتصادية للمورد المعدني الجديد.
فمن أهم معادن المنطقة نجد:
- عقيدات المنغنيز: تمثل الموارد المعدنية الأكثر أهمية على الأرض بفضل كلفة استثمارها نسبيا.
- ثاني أوكسيد المنغنيز، الحديد، التيتان، النكيل، الكوبلت، النحاس، الزنك، سلفور الكبريت…
- بالإضافة إلى هذه المعادن هناك إمكانيات لاكتشاف النفط في الأعماق السحيقة.
- هناك نوعين من الأعماق: تلك التي تحتوي على الصلصال الأحمر والأخرى التي تحتوي على حل أوكسيد السليوم، هذه الأخيرة هي التي تحتوي على العقيدات الغنية بالمعادن.
الفرع الثالث: بعض المبادئ التي تحكم الأنشطة في المنطقة
- المنطقة وثرواتها تراث مشترك للإنسانية.
- تنمية موارد المنطقة.
- تخصيص المنطقة للأغراض السليمة.
- إدارة موارد المنطقة إدارة آمنة ورشيدة، بما في ذلك تيسير الأنشطة في المنطقة بطريقة كفؤة وتجنب أي تبذير، وفقا لمبادئ الحفظ السليمة.
حماية الدول النامية من الآثار الضارة باقتصادها أو بحصيلة صادرتها الناجمة عن انخفاض في أسعار معدن متأثر، أو في حجم الصادرات من ذلك المعدن.


