من المنتجات البديلة إلى البنوك التشاركية
ذة. فاطمة آيت الغازي
باحثة في صف الدكتوراه بكلية الحقوق السويسي -سلا-
تقديم:
شهدت الصناعة المالية الإسلامية تطورا ملحوظا ونموا متزايدا حتى فرضت المؤسسات المالية الإسلامية نفسها في البيئة المالية العالمية، وأصبح التمويل الإسلامي واقعا ملموسا تسعى إليه العديد من مؤسسات التمويل على المستوى المحلي والدولي، وتشير التقديرات إلى أن حجم سوق التمويل الإسلامي عالميا يقدر في الوقت الحالي بنحو تريليون دولار، ويتوقع وصوله إلى ثلاثة أضعاف هذا الرقم خلال الخمس سنوات المقبلة، ليحقق معدل نمو يصل من 20% إلى 30%، ليكون بذلك من أسرع معدلات النمو المالي في العالم ([1]).
وقد انعكست أهمية التمويل الإسلامي من خلال قدرته على جذب اهتمام العديد من المصارف والمؤسسات المالية العالمية التقليدية للاعتماد عليه، لتحقيق ما تصبو إليه من ربحية، وفي مقدمة ذلك مجموعة هونج كونج شنجاهاي المصرفية، وتشيس مانهاتن، وافتتحت بنوك مثل أتش أس بيس HSBC، وستي بنك CITY BANK فروعا إسلامية في الشرق الأوسط، كما طرحت مؤسسة سكسوني أنهلت SAXONY ANHAIT منتجات إسلامية خارج العالم الإسلامي، وتم إطلاق مؤشرات داوجونز الإسلامية Islamic Dow jones في العديد من الأسواق المالية العربية الإسلامية، كما قام سوق دبي المالي بإنشاء سوق مالي إسلامي عالمي.
لقد أصبح التمويل الإسلامي أسلوبا مهما، وقيمة مضافة للواقع الاقتصادي العالمي وجسرا للترابط بين العالم الإسلامي والعالم الغربي حتى إن جامعة هارفرد الأمريكية -على سبيل المثال لا الحصر- وضعت مقررا علميا خاصا بالتمويل الإسلامي وتنظم مؤتمرا سنويا بذات الخصوص، كما صرح جوردن براون رئيس الوزراء البريطاني في عام 2006 خلال توليه وزارة المالية قائلا: “إنه يريد أن يجعل من المملكة المتحدة مركزا للاستثمار الإسلامي وان تكون بوابة لهذه الصناعة التي تنمو بسرعة”.
وواقع اقتصاد المغرب يقول إننا لا نستطيع إنشاء بنك إسلامي لمجموعة من المعيقات الواهية، فكل ما استطعنا القيام به سنة 2007 هو إصدار البنك المركزي لتوصية شملت ثلاث صيغ عقيمة هي (المرابحة، المشاركة، الإجارة) تتداولها بعض البنوك التقليدية أو في إطار نافذة دار الصفاء التابعة للتجاري وفا بنك والتي لم تسوق لها بالشكل المطلوب، مما أدى إلى فشلها حتى بعد مرور أزيد من خمس سنوات، الأمر الذي دفع السلطات الحكومية وبخاصة حزب العدالة والتنمية إلى الإلحاح بتعديل القانون البنكي بإضافة باب خاص بما أسموه البنوك التشاركية.
لذلك نتساءل، لماذا المغرب وهو بلد يدين بالإسلام كما جاء في دساتيره لا يرخص بإنشاء بنك إسلامي في ضل ما تعرفه الصيرفة الإسلامية من ازدهار، لماذا لا يتبنى ضوابط الاقتصاد الإسلامي للنهوض باقتصادنا بشكل حقيقي، ولماذا الاكتفاء بمنتجات بديلة وفي حال فشلها التفكير فقط في تأسيس بنوك تشاركية؟ ما الجدوى والغاية من ذلك؟
كل هذه الأسئلة وغيرها سنحاول الإحاطة بها في هذا المقال من خلال تقسيمه إلى مطلبين: الأول نخصصه بداية إلى تعريف التمويل الإسلامي وتحديد ضوابطه، لننتقل للحديث عن تطبيقاته في المغرب في المطلب الثاني.
المطلب الأول: مفهوم التمويل الإسلامي وضوابطه
يشمل هذا المطلب فقرتين، نخصص الأولى منها لتحديد تعريف للتمويل الإسلامي لغة واصطلاحا ثم اقتصاديا، لننتقل بعد ذلك لتحديد الضوابط الفقهية التي تؤطره.
الفقرة الأولى: مفهوم التمويل الإسلامي
- لغة: ([2]) جاء في قاموس المحيط: ملت، مال، وملت، وتمولت. كثر مالك وملته (بالضم) أعطيته المال، بمعنى أن التمول (كسب المال)، وتمولت كثر مالك.
فالتمويل هو: إنفاق المال. وأموله تمويلا. أي أزوده بالمال.
- اقتصاديا ([3]): جاء في القاموس الاقتصادي عندما تريد المنشأة زيادة طاقتها الإنتاجية أو إنتاج مادة جديدة أو إعادة تنظيم أجهزتها، فإنها تضع برنامجا يعتمد على الناحيتين التاليتين:
- الناحية المادية: وذلك بإحضار وتجهيز كل الوسائل المادية لإنجاح المشروع.
- الناحية المالية: تتضمن تكلفة ومصدر الأموال وكيفية استعمالها، وهذه الناحية هي التي تسمى تمويلا.
ويمكن استخلاص أن مفهوم التمويل اقتصاديا هو مصدر الأموال وتكلفته، وكيفية الحصول عليه، وطريقة استخدامه، وسبل إنفاقه وتسييره.
أما مفهوم التمويل في الاقتصاد الإسلامي، فقد عرفه د. منذر قحف ([4]) بأنه “تقديم ثروة عينية أو نقدية بقصد الاسترباح من مالكها إلى شخص يديرها ويتصرف فيها لقاء عائد تبيحه الأحكام الشرعية”
ويلاحظ أن هذا التعريف اقتصر على تقديم المال بغرض الربح الشرعي دون النظر إلى الجوانب التنموية، أو إلى أسلوب تقديم هذا التمويل.
ويعرفه رياض الخليفي ([5]) على أنه: “تملك موضوع التمويل ثم إعادة تمليكه إلى المستفيد حالا أو مؤجل بعوض معلوم وشروط معينة تتفق مع أحكام ومبادئ الشريعة الإسلامية”.
فهذا التعريف قد حدد التمويل الإسلامي في عمليات البيع والشراء، أي أنه حصر كل العمليات التمويلية في التجارة سواء حالا أو أجلا.
وعرفه أيضا محي الدين القرة داغي ([6]) على أنه: “إعطاء المال من خلال إحدى صيغ الاستثمار الإسلامي من مشاركة أو مضاربة أو نحوه”، وهذا التعريف يبين أن التمويل الإسلامي هو إعطاء المال هن خلال صيغة معينة دون النظر إلى العوائد التنموية من العملية التمويلية.
في حين يعرفه د. محمد البلتاجي ([7]) على أنه “تقديم تمويل عيني أو معنوي إلى المنشآت المختلفة بالصيغ التي تتفق مع أحكام ومبادئ الشريعة الإسلامية، ووفق معايير وضوابط شرعية وفنية لتساهم بدور فعال في تحقيق التنمية الاقتصادية والاجتماعية”.
وفي ختام تحديد مفهوم التمويل الإسلامي نورد تعريف خبير المحاسبة الفرنسي جون أرتون -عضو حزب الاتحاد من أجل الديمقراطية الفرنسية (UDF)، ورئيس لجنة المالية بمجلس الشيوخ الفرنسي- التمويل الإسلامي بأنه “مجموعة من المنتجات المالية المتوافقة مع الشريعة الإسلامية ([8]).
لذلك نخلص إلى أن التمويل الإسلامي هو مجموعة من المنتجات المالية المتوافقة مع أصول الشريعة الإسلامية الكلية ومقاصدها العامة، وأحكامها المفصلة”.
الفقرة الثانية: ضوابط التمويل الإسلامي
- الضابط الأول: الأصل في المعاملات هو الحل.
دليل هذا الضابط هو قوله تعالى:
(هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ فَسَوَّاهُنَّ سَبْعَ سَمَوَاتٍ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ) (البقرة، الآية 29)،
(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا) (النساء، الآية 29)،
(وَمَا لَكُمْ أَلَّا تَأْكُلُوا مِمَّا ذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَقَدْ فَصَّلَ لَكُمْ مَا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ إِلَّا مَا اضْطُرِرْتُمْ إِلَيْهِ وَإِنَّ كَثِيرًا لَيُضِلُّونَ بِأَهْوَائِهِمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِالْمُعْتَدِينَ) (سورة الأنعام، الآية 119)،
وقوله صلى الله عليه وسلم: “إن الله فرض فرائض فلا تعتدوها، وحدود فلا تعتدوها، وحرم أشياء فلا تنتهكوها، وسكت عن أشياء رحمة بكم بغير نسيان، فلا تبحثوا عنها” حديث حسن رواه الدار قطني.
- الضابط الثاني: الأصل في الشروط والمعاملات الحل
ما يشترطه احد المتعاقدين من الشروط، سواء كان شرطا يقتضيه العقد أو كان شرطا من مصلحة العقد أو كان شرطا وصف أو شرط منفعة، جائز وليس فيه محذور شرعي.
ودليل هذا الضابط قوله تعالى: (وَلَا تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ حَتَّى يَبْلُغَ أَشُدَّهُ وَأَوْفُوا بِالْعَهْدِ إِنَّ الْعَهْدَ كَانَ مَسْئُولًا) (الإسراء، الآية 34)، وقوله صلى الله عليه وسلم: “المسلمون على شروطهم إلا شرطا أحل حراما أو حرم حلال”.
- الضابط الثالث: منع الظلم.
ودليل هذا الضابط قوله تعالى:
(وَلَا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ وَلَا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ) (الشعراء، الآية 183)،
(وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ وَتُدْلُوا بِهَا إِلَى الْحُكَّامِ لِتَأْكُلُوا فَرِيقًا مِنْ أَمْوَالِ النَّاسِ بِالْإِثْمِ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ) (البقرة، الآية 188)،
وقوله صلى الله عليه وسلم “كل المسلم على المسلم حرام، دمه وماله وعرضه”، والحديث القدسي: “يا عبادي إني حرمت الظلم على نفسي وجعلته بينكم محرما فلا تظالموا”.
- الضابط الرابع: منع الضرر.
والضرر هو ما لا يعرف حصوله أولا، يعرف حقيقته ومقدارها، ودليل هذا الضابط حديث ابن عمر أن النبي صلى الله عليه وسلم “نهى عن بيع الضرر، وكذلك أحاديث النهي عن بيع الملامسة والمنابذة والحصاة”.
- الضابط الخامس: منع الربا ([9]).
وهو على قسمين:
- ربا الفضل: وهو الزيادة في أحد الربويين المتحدي الجنس الحالين.
- ربا النسيئة: وهو تأخير القبض في أحد الربويين المتحدي العلة
ودليل هذا الضابط قوله تعالى:(الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبَا لَا يَقُومُونَ إِلَّا كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبَا وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا فَمَنْ جَاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّهِ فَانْتَهَى فَلَهُ مَا سَلَفَ وَأَمْرُهُ إِلَى اللَّهِ وَمَنْ عَادَ فَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ) (البقرة، الآية 275)، وقوله صلى الله عليه وسلم: “لعن الله آكل الربا وموكله وكاتبه وشاهديه”.
- الضابط السادس: منع الميسر.
الميسر هو كل معاملة يدخل فيها الأمران، وهو إما غانم أو غارم.
ودليل هذا الضابط هو قوله تعالي: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ) (المائدة، الآية 90)، وقوله صلى الله عليه وسلم: “من قال لصاحبه تعالى أقامرك فليتصدق”.
- الضابط السابع: الصدق والأمانة.
دليل هذا الضابط، قوله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ أُحِلَّتْ لَكُمْ بَهِيمَةُ الْأَنْعَامِ إِلَّا مَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ غَيْرَ مُحِلِّي الصَّيْدِ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ إِنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ مَا يُرِيدُ) (المائدة، الآية 1)، وقوله تعالى: (إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ إِنَّ اللَّهَ نِعِمَّا يَعِظُكُمْ بِهِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ سَمِيعًا بَصِيرًا) (سورة النساء، الآية 58)، وقوله صلى الله عليه وسلم: “البيعان بالخيار ما لم يتفرقا، فإن بينا وصدقا بورك في بيعهما، وإن كذبا وكتما محقت بركة بيعهما”.
- الضابط الثامن: ضابط سد الذرائع.
ويقصد به سد الوسائل المفضية إلى الحرام. ([10])
ودليل هذا الضابط قوله تعالى: (وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلَا كَاشِفَ لَهُ إِلَّا هُوَ وَإِنْ يَمْسَسْكَ بِخَيْرٍ فَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ) (الأنعام، الآية 17).
بعدما قمنا باستعراض أهم الضوابط الشرعية التي تؤسس للتمويل الإسلامي، فإننا نتساءل عن الوضع الاقتصادي والمالي بالمغرب، وما محل التمويل الإسلامي المشار إليه آنفا ضمن منظومة التمويل بالمغرب، هذا ما سنحاول أن نتطرق إليه في المطلب الموالي.
المطلب الثاني: تطبيقات أولية للتمويل الإسلامي بالمغرب
ظل مطلب إقامة ابناك على الطريقة الإسلامية بالمغرب أمرا ملحا مباشرة بعد الاستقلال، لكن الحكومة المغربية وبضغط خارجي ارتأت تأجيل الموضوع، إلا أن الحديث حوله ظل يشكل موضوعا للعديد من الندوات والأيام الدراسية التي دشنها عدد من العلماء خاصة المنتمين إلى التيار الإسلامي المحافظ، وخاصة المنتمين إلى حزب الاستقلال المغربي آنذاك.
وقد كان أول من أسس للنقاش حول أهمية تأسيس بنك مغربي إسلامي الأستاذ بلبشير الحسن” حين كان يمثل رئيس شعبة الدراسات الإسلامية، والذي أسهم في تنظيم ندوة دولية حول الاقتصاد الإسلامي وحلقات دراسية منذ 1986 بكلية الآداب بالرباط، وكان من أبرز من حضورها الشيخ يوسف القرضاوي واتبعها بسلسلة من المقالات والدراسات الفقهية نشر جزء منها في الصحافة وعلى الجرائد الوطنية المغربية.
واستمر الإلحاح الشعبي بهدوء نحو إقامة أبناك على الطريقة الإسلامية بالمغرب إلى أن أصبح تداوله داخل البرلمان المغربي قويا وتكررت مداخلات البرلمانيين المنتمين لحزب العدالة والتنمية بإقامة أبناك على الطريقة الإسلامية خاصة بعد أن تعددت تجارب إنشائها في الدول الأوربية وأثبتت نجاعتها بعد الأزمة المالية العالمية، كما هو الحال في بلدان الشرق الأوسط وتونس، حيث حقق بنك الزيتون أرقام معاملات مرتفعة خلال سنتين من إنشائه، كما أن بعض الدول الأوربية سمحت بهذا النوع من التعامل المصرفي كبريطانيا وفرنسا وحتى الولايات المتحدة الأمريكية لما رأت في تطبيق الاقتصاد الإسلامي حلا أكيدا للخروج من الأزمة العالمية التي تتخبط فيها منذ 2007 إلى الآن.
ويؤكد عدد من الخبراء أن الاقتصاد الإسلامي من القطاعات الأكثر نموا في العالم، إذ يعرف تطورا سنويا في حدود 20%، وقد تتساءل بعض الفقه ومنهم الأستاذ عمر الكتاني أستاذ الاقتصاد عن السبب الرئيسي وراء رفض أشياء تقبل عليها الدول الغربية مضيفا أن المنطق الاقتصادي يؤكد أن الأبناك الإسلامية ستدعم نسبة الادخار والاستبناك والاستثمار.
ويستغرب بعض الاقتصاديين المنتمين للتيار الإسلامي افتقاد المغرب إلى رؤية مستقبلية، حيث جاء قرار ترخيصه للأبناك ذات الصيغ الإسلامية جد متأخر، وذلك بعد مشاورات مع المجموعة المهنية لبنوك المغرب وهي حسب المتتبعين نتيجة طبيعية لحاجة عبرت عنها شرائح عريضة من المستهلكين الرافضين لأي نوع من التعامل بالمنتجات الكلاسيكية المخالفة للضوابط الشرعية، وهي أيضا استجابة لضغط بعض البرلمانيين خاصة المنتمين لحزب العدالة والتنمية الذي اكتسح الانتخابات التشريعية لسنة 2011، بالإضافة إلى إلحاح عدد كبير من المستثمرين الخارجيين خاصة المنتمين إلى دول الخليج، وشرق آسيا.
وتجب الإشارة إلى أن عملية إخراج هذه المنتوجات (الإجارة، المرابحة، المشاركة) سبقتها مشاورات ودراسات امتدت على مدى قرابة سنتين وتم استقدام مجموعة من الخبراء من عدد من البنوك من ماليزيا والهند، وبعض دول الخليج لدراسة إمكانية وضع منتوجات جديدة بهدف استقطاب شريحة واسعة من المغاربة التي لا تهتم بالعمل البنكي في صيغته الكلاسيكية بمبرر تعامله الربوي، وكان الهدف منها قطع الطريق على أي محاولة، ورغم أن المبادرات الشفوية لإطلاق نظام المصرفية الإسلامية بالمغرب لقيت تأييدا شعبيا كبيرا، إلا أنها تلقى تحديات ومعارضة هائلة داخليا وخارجيا تحول دون إخراجها إلى الواقع.
لذلك نتساءل ما المانع من تجسيد رغبة الشعب المغربي على أرض الواقع للعمل بنظام المصرف الإسلامي ومن يقف حائلا دون ذلك؟، وإلى متى سيظل المغاربة والمسلمون كافة عالة على موائد الفكر والنظريات السياسية والاقتصادية التي نشئت في بيئات غربية غريبة عنهم وعن دينهم، وهل من المعقول في بلد دستوره ينص على أن الإسلام هو الدين الرسمي أن لا يوفر لأزيد من ثلاثين مسلما مصرفا واحدا إسلاميا مؤسسا على قواعد الشرع وأصوله مرجعيته هيئة شرعيه تستمد قانون المصرف ونظامه ومعاملاته من الإسلام.
والمعضلة ليست مقتصرة على النظام المصرفي الإسلامي فحسب بل هي معضلة جل المعاملات الأخرى.
والجدلية المستعصية التي تغلق أذهان مسئولي القطاع المصرفي ببلدنا وسائر المؤسسات الفاعلة في الميدان الاقتصادي أن لا شيء يصلح للتطبيق إلا النموذج الغربي، ويتعامون عن النظام الإسلامي لأنه لا يحقق لهم جشعهم الربوي ونهمهم المادي.
بينما الحقيقة التي أثبتها العلم والواقع والتجربة أن النظام المصرفي الوحيد القادر على مواجهة المشكلات على علاتها هو النظام المصرفي الإسلامي، ومما لا شك فيه أن تطبيق النظام المصرفي سيمكن من التقدم والنمو وتحقيق العدالة الاجتماعية بحيث تتميز المؤسسات المصرفية الإسلامية، وتلتزم بمفاهيم الإسلام الحنيف في أنشطتها وتتكيف تلك المؤسسات تكيفا إسلاميا يجعلها قادرا على مواجهة التحديات الداخلية والخارجية.
تبعا لذلك، أصدر البنك المركزي المغربي بتاريخ 13 شتنبر 2007 توصية سمح بموجبها لمؤسسات الائتمان المغربية تداول ثلاث صيغ مالية إسلامية هي على التوالي:
الإجارة والمرابحة والمشاركة.
وقد أشارت هذه التوصية بأن هذه الصيغ سيتم تداولها تحت مسمى: “تمويلات بديلة” وبأن اعتمادها يندرج في إطار إستراتيجية مالية وطنية ترغب في ممارسات مالية منسجمة مع قناعاتها الدينية وكذا لاستقطاب الاستثمارات المالية الخليجية دونما خلخلة للنظام المالي القائم.
وبعد مرور أكثر من خمس سنوات على اعتمادها واقع الحال يشير إلى فشل هذه الإستراتيجية في تلبية حاجيات المواطنين المالية من جهة، وكنا فشلها في استقطاب الاستثمارات المالية الإسلامية من جهة أخرى.
أذن ما هي الأسس الشرعية القانونية التي بنيت على أساسها هذه التمويلات؟ وما هي مكامن الضعف حتى لا تستطيع تلبية حاجات المواطنين وكذا جلب الاستثمارات المالية وما السبيل لتقويمها كي تدمج التمويل الإسلامي كرافعة للتنمية الاقتصادية والاجتماعية بالبلاد؟
وللإحاطة ببعض من عناصر الإجابة عن هذه الإشكاليات ارتأيت التطرق للتمويلات “الإسلامية” التي جاءت بها توصية والي بنك المغرب (الفقرة الأولى)، قبل الانتقال إلى تحديد أسباب فشل تداولها وبالتالي التفكير في إنشاء البنوك التشاركية (الفقرة الثانية).
الفقرة الأولى: التمويلات الإسلامية التي جاءت في توصية والي بنك المغرب
أصدر بنك المغرب بتاريخ 13 شتنبر 2007، توصية متعلقة بمنتجات الإجارة والمشاركة والمرابحة وشروطها العامة بناء على مقتضيات القانون المتعلق بمؤسسات الائتمان والهيئات المعتبرة في حكمها، وخاصة تلك المرتبطة بالمادة 19 بعد الإطلاع على رأي لجنة مؤسسات الائتمان الصادر بتاريخ 14 مارس 2007.
وتتضمن هذه التوصية الصيغ المالية التالية:
- الصيغة الأولى: الإجارة ([11]).
بين بنك المغرب مفهوم الإجارة المرخص بها، فنص على أنها “كل عقد تضع بموجبه مؤسسات الائتمان عن طريق الإيجار منقولات أو عقارات معلومة ومحددة ومملوكة لها تحت تصرف أحد العملاء لاستعمال مسموح به قانونا”.
والإجارة نوعان:
- النوع الأول: “الإجارة التشغيلية”، وهي عقد يتضمن إيجارا بسيطا لا ينتهي بالتمليك.
- النوع الثاني: “إجارة واقتناء”، وذلك عندما يكون العقد مصحوبا بالتزام قاطع يتعهد فيه المستأجر بشراء المنقول أو العقار المتأجر بعد انقضاء مدة يتم الاتفاق عليها مسبقا، ويمكن لمؤسسات الائتمان أن تعرض على الجمهور أحد هذين النوعين أو هما معا.
ويشترط في عقد الإجارة توفر مجموعة من الشروط والشكليات مجتمعة، وهي كالتالي:
- وجوب توقيع الطرفين: المؤجر والمستأجر على عقد “إجارة تشغيلية”، وعقد “إجارة واقتناء”. ([12])
- ألا يكون محل الإجارة أموالا معنوية كبراءة الاختراع وحقوق المؤلف، أو حقوق استغلال الموارد الطبيعية كالمعادن والغاز ([13]).
- يجب أن يحدد عقد الإجارة بكيفية دقيقة واجبات الطرفين وحقوقهما وجميع الشروط العامة المنظمة لعلاقتهما، وعلى الخصوص ([14]):
- نوع الإجارة المتعاقد عليها: “إجارة تشغيلية”، أو “إجارة اقتناء”.
- تحديد المنقول أو العقار محل الإجارة، وكذا هدف المستأجر من العقد.
- إذا تعلق الأمر بعقد “إجارة واقتناء”، فيجب قطعا أن يلتزم المستأجر باقتناء المنقول أو العقار المتعاقد عليه.
- يجب تحديد مدة الإيجار.
- يجب تحديد قيمة “الإيجار وكيفية الأداء وتواريخ الاستحقاق”.
- تحديد مصاريف الإصلاح والصيانة.
- تحديد مصاريف التأمين.
- تحديد حالات فسخ العقد أو شروط تحديدها.
ومن حيث تطبيق هذا العقد فهو يكون حسب الصيغة التالية:
- يقوم البنك الإسلامي “المؤجر” بشراء أصول ثابتة محددة بطلب من العميل (المستأجر).
- يقوم البنك الإسلامي بتأجير هذه الأصول إلى العميل.
- تحتسب الدفعات الإيجارية على فترة التعاقد وتأخذ بعين الاعتبار ثمن الشراء وهامش الربح المناسب.
- يبقى البنك الإسلامي مالكا للأصول المؤجرة طيلة فترة الإيجار حتى تمام سداد أقساط الإجارة، ثم تنتقل الملكية للعميل.
ويبقى مبدأ الإيجار والاقتداء منتوجا قيد التفعيل، خاصة لكونه يلزم المؤسسة المالية اقتناء أصول عقارية قصد إيجارها للزبناء، مع التزامهم بالتمليك نهاية العقد، مما يجعل الأمر من منظور مالي صعبا في البداية، لما قد يسببه من إثقال أصول المؤسسة ([15]).
- الصيغة الثانية: المشاركة.
يراد بالمشاركة في توصية بنك المغرب أكل عقد يكون الهدف منه اشتراك مؤسسة الائتمان بمساهمة في رأس مال شركة موجودة أو قيد الإنشاء من اجل تحقيق ربح” ([16]).
ويشارك المتعاقدين في الأرباح حسب نسب محددة مسبقا بينهما، كما يشاركان أيضا في تحمل الخسائر في حدود مساهمة كل منهما.
وقد اقترحت التوصية على مؤسسات الائتمان صيغتين للمشاركة وهما:
- المشاركة الثابتة: والمقصود بها بقاء مؤسسة الائتمان والعميد شريكين داخل الشركة إلى حين انقضاء مدة العقد.
- المشاركة المتناقضة بحيث تنسحب مؤسسة الائتمان من رأسمال الشركة تدريجيا حسب ما اتفق عليه في العقد ([17]).
ويشترط في عقد المشاركة ما يلي:
- عدم امتلاك مساهمات من نوع المشاركة إلا في شركات الرساميل ([18]).
- أن يحدد في عقد المشاركة بشكل دقيق حقوق المتعاقدين وواجباتهما بكيفية لا بأس فيها، وكذا الشروط المرتبطة بالعقد، وهي على الخصوص:
- نوع عقد المشاركة.
- الهدف من عملية المشاركة.
- تحديد رأس مال الشركة والبنية التي يملكها كل متعاقد.
- مدة عملية المشاركة.
- بيان طريقة توزيع الأرباح وفق النسب المتفق عليها في العقد.
- الضمانات الممنوحة إن اقتضى الحال لمؤسسة الائتمان من قبل العميل الذي يتولى وحده تسيير الشركة، وذلك من أجل تغطية الخسائر الناتجة عن الإهمال والأعمال والمماثلة الأخرى.
- شروط وكيفيات حل المشاركة وتوزيع الأصول.
- طريقة استرجاع مؤسسة الائتمان لمساهمتها في المشاركة المتناقصة.
- تغبير مواد القانون الأساسي للشركة لمطابقته مع بنوك عقد المشاركة ([19]).
لا يجوز الاتفاق على ما يضمن لأحد المتعاقدين قيمة مساهمته في رأس المال بغض النظر عن نتائج الشركة ([20]).
والمشاركة من صيغ التمويل المشروعة، وتعد من البدائل الإسلامية للتمويل بالفوائد، وفي إطار البنوك الإسلامية، يقوم التمويل بالمشاركة على أساس تقديم البنك الإسلامي التمويل الذي يطلبه العملاء دون اشتراط الفائدة، وإنما يشارك البنك العملاء في نتائج الاستثمار، ففي حالة الربح يتقاسم البنك مع العملاء الربح حسب النسبة المتفق عليها، وفي حالة الخسارة يتم توزيعها حسب حصص المساهمين في رأس المال.
- الصيغة الثالثة: المرابحة
حددت توصية والي بنك المغرب مفهوم عقد المرابحة بأنه :عقد يقتني بموجبه مؤسسة الائتمان على سبيل التمليك، وبناء على طلب أحد العملاء منقولا أو عقارا من أجل إعادة بيعه له بتكلفة الشراء مع زيادة ربح معلوم يتم الاتفاق عليه مسبقا” ([21]).
ويتضمن العقد طرفين :
- العميل الآمر بالشراء ويدفع الثمن دفعة واحدة أو موزعة على أقساط متفق عليها.
- مؤسسة الائتمان التي تقتني المنقول أو العقار بناء على طلب العميل وتبيعه له بربح متفق عليه مسبقا ([22]).
ويشترط فيها حسب بنك المغرب التالي:
- يتدرج ربح مؤسسة الائتمان على مدى مدة العقد.
- لا يجوز العقد مرابحة على ممتلكات غير موجودة عند تاريخ توقيع العقد.
- أن يتضمن عقد المرابحة بشكل دقيق واجبات كل طرف وحقوقه، والشروط العامة للعقد، وعلى الخصوص:
- المنقول أو العقار موضوع العقد.
- ثمن الشراء.
- المصاريف والرسوم التي أدتها مؤسسة الائتمان من أجل شراء الملك الذي طلبه العميل، وتلك التي يتعين عليه أداؤها.
- ربح مؤسسة الائتمان.
- مدة العقد.
- كيفية أداء الثمن.
- الضمانات التي قدمها العميل.
- قيمة التسبيق الذي دفعه العميل عند الاقتضاء ([23]).
- لا يجوز لمؤسسة الائتمان مراجعة هامش الربح المتفق عليه ([24]).
هذه الصيغة هي ما يطلق عليها لدى البنوك الإسلامية “المرابحة للأمر بالشراء”، وهي أحد بيوع الأمانة، وتقوم أساسا على كشف البائع الثمن الذي اشتريت به السلعة، وتعرف بأنها بيع السلعة بالثمن الذي اشتريت به مع زيادة ربح معلوم.
وتبقى المرابحة المنتوج البديل الوحيد المعتمد حاليا من طرف المؤسسات البنكية، وكذا في المؤسسة المالية الوحيدة التي أحدثت مؤخرا في المغرب، وهي “دار الصفاء” التابعة لبنك التجاري وفابنك.
وقد ذيلت توصية والي بنك المغرب هذه الصبغ ببيان أمور أربعة، هي:
- يمكن للبنوك أن تقترح على الجمهور هذه الصيغ، أما شركات التمويل فلا تعرض إلا التي تدخل ضمن اختصاصاتها المبنية في الاعتماد الممنوح لها ([25]).
- يجب أن تتأكد مؤسسات الائتمان التي تقدم هذه التمويلات من مطابقتها للمقاييس المعمول بها دوليا ([26]).
- تخضع العقود المذكورة للقواعد المحاسبة التي وضعها بنك المغرب ([27]).
- يعتبر الأول من أكتوبر عام 2007 بداية دخول هذه التوصية حيز التطبيق ([28]).
وبعدما استعرضنا صيغ التمويل التي جاءت في توصية والي بنك المغرب لسنة 2007، فإن التساؤل الأكبر الذي يطرح نفسه بإلحاح هو إلى غاية 2012، أي أزيد من 5 سنوات على دخول هذه المنتجات مجال التداول في البنوك المغربية، هل حققت النجاح الذي كان متوقعا لها، أم أن معيقات كثيرة حالت دون ذلك؟
هذا ما سنحاول الإجابة عنه قبل أن نتنقل للحديث عن الحلول والبدائل المقترحة.
تلكم هي الصيغ المالية الثلاث التي جاءت في توصية بنك المغرب، لتكون منتجات بديلة عن المنتجات الكلاسيكية التي ألفت البنوك المغربية التعامل بها منذ رحيل المستعمر في منتصف القرن العشرين، فما هي الموانع التي تحد من الأثر الإيجابي المتوقع لها؟
على الرغم مما قد يبدو من السلامة الشرعية لعموم التمويلات التي أذن بنك المغرب بعرضها على الجمهور تبعا للرأي الفقهي الذي يجيزها، وكنا لعمل المصاريف الإسلامية بها ([29]).
إلا أن هناك العديد من التساؤلات الملحة التي تثار بخصوص الشروط التي اشترطتها البنوك على عملائها الذين يفضلون التعامل بهذه التمويلات بديلا عن المعاملات الربوية التقليدية، ومن قبيل هذه الإشكالات إشكالية التأمين وغرامة التأخير.
- الإشكال الأول: التأمين
اشترطت توصية والي البنك، ضرورة إبرام عقد التأمين في عقد الإجازة بنوعيها:
الإجازة التشغيلية، وإجازة، واقتناء، ولم يشر إليها عند ذكرها لشروط عقدي المشاركة والمرابحة.
في حين أن البنك خصص للتأمين بنودا صريحة في كل من عقد الإجارة، وعقد المرابحة، مميزا بين نوعين من التأمين:
- التأمين الأول اختياري: يمكن للمتعاقد معه أن يبرمه إن أراد من غير إلزام، وهو التأمين على الوفاة والمرض.
- التأمين الثاني إجباري: يتعهد المتعاقد بإبرامه وهو التأمين على المعقود عليه ضد الحوادث.
ويلتزم المتعاقد أن يعين في التأمين نوعية البنك مستفيدا وحيدا من تعويضات التأمين بصفة حصرية لا يشاركه أحد في هذا الامتياز.
وتجدر الإشارة إلى أن البنك قد لجأ للتأمين في المعاملات البديلة لحماية أمواله من كل الطوارئ التي يتعرض لها المعقود عليه أو من تعاقد معه سيرا على النهج المألوف في المعاملات البنكية الكلاسيكية.
وهذا الإجراء هو ما يثير التساؤل حول مدى سلامة التأمين من الناحية الشرعية؟
للإجابة على هذا التساؤل، لابد بادئ ذي بدء من الإشارة إلى أن التأمين الذي ورد في عقدي الإجارة والمرابحة، هو التأمين التجاري “لأن الشركات أو المؤسسات التي تقوم به لا تقصد سوى الربح عن طريق بيع التأمين للناس، وقد عرفه المسلمون بسبب المعاملات التجارية القائمة بينهم وبين الغرب في القرن 13، ويصطلح عليه آنذاك بـــــ “السوكرة”، والتي تعني باللاتينية: “الأمان والحماية” ([30]).
وقد اختلفت أنظار العلماء والباحثين في الفقه الإسلامي حول مشروعة التأمين لغياب نصوص صريحة في الموضوع، ويمكن إجمال ما قيل فيه منعا وإباحة في الآتي:
- الرأي الأول: لا يجوز التعامل بالتأمين
وممن قال به ابن عابدين والشيخ محمد أبو زهرة، ود. يوسف القرضاوي، وغيرهم من جملة المانعين الذين ينتمون إلى المذاهب الفقهية الأربعة، والمذهب الشيعي، والإباضي ([31]).
ويستدل هذا الرأي على أن التأمين يتضمن أمورا حرمتها الشريعة الإسلامية، من ذلك:
- اشتمال التأمين التجاري على الربا بنوعيه:
النسيئة والفضل، جاء في قرار مجمع الفقه الإسلامي المنعقد بمكة 10 شعبان 1398 ه “عقد التأمين التجاري يشتمل ربا الفضل والنساء، فإن الشركة إذا دفعت للمستأمن أو لورثته أو للمستفيد أكثر مما أدخله من النقود لها فهو ربا فضل. والمؤمن يدفع ذلك للمستأمن بعد مدة فيكون ربا نساء.
وإذا دفعت الشركة للمستأمن مثل ما دفعه لها يكون ربا نساء فقط، وكلاهما محرم بالنص والإجماع” ([32]).
فضلا عن كون شركات التأمين لا تتورع في استثمار أموال المؤمنين في معاملات ربوية، فيكون المؤمن بذلك معينا على محرم، وإن كان لم يقترفه بصفة مباشرة.
- وجود الغرر المنهي عنه في عقود التأمين:
الغرر في لغة العرب يدل على الخديعة والخطر، وهو إقدام على الاحتمالات غير اليقينية، وقد نهى عنه الشرع لما ينتج عنه من النزاعات والمفاسد.
والغرر من حيث أثره في العقود ينقسم إلى غرر يسير غير مؤثر معفو عنه للضرورة، وغرر كثير أو فاحش، وهو الذي يؤثر في العقد، مثل ما نجده في عقود التأمين “لأن المنازعات تأتي عند عدم قيام شركة بما اشترط عليها القيام به، وتعسفها في تفسير بنود العقد، ومحاولاتها التهرب بأسباب واهية من دفع مبلغ التأمين تزيد مرات على المنازعات التي ترجع إلى عدم قيام المستأمن بما اشترط عليه من شروط” ([33]).
وقد استند مجمع الفقه الإسلامي في قراره المشار إليه سابقا على الغرر لتحريم إبرام عقود التأمين جاء فيه: “عقد التأمين التجاري من عقود المعاوضات المالية الاحتمالية المشتملة على الغرر الفاحش، لأن المستأمن لا يستطيع أن يعرف وقت العقد مقدار ما يعطي أو يأخذ، فقد يدفع قسطا أو قسطين تم تقع الكارثة، فيستحق ما التزم به المؤمن، وقد لا تقع الكارثة أصلا، فيدفع جميع الأقساط ولا يأخذ شيئا، وكذلك المؤمن لا يستطيع أن يحدد ما يعطي ويأخذ بالنسبة لكل عقد بمفرده” ([34]).
- وجود شبه قوى بين التأمين التجاري والقمار:
القمار هو اللعب يتضمن المراهنة، وهو أسلوب من الأساليب التي تسلك للحصول على المال عن طريق الصدفة والحظ، وحكمه التحريم لقوله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ) (المائدة، الآية 90).
وبما أن المؤمن قد يدفع أقساطا ثم يتحقق الخطر، فيأخذ أضعاف ما أعطى، أو لا يتحقق فتفز شركة التأمين بالأقساط كلها دون بذل أي مجهود أو بذل عوض، فالمكسب المادي غير محقق لدى الطرفين، ولابد من أن يكون أحدهما غانما والآخر غارما تبعا لخطر يقع حالا أو يقع آجلا أو لا يقع أصلا.
- مصادمة التأمين التجاري لقواعد الإرث والوصية:
ففي التأمين التجاري مخالفة القواعد المعروفة في الإرث والوصية، ذلك أن الشرع الحكيم بين مصير التركة بعد موت الموروث قال تعالى: (يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ فَإِنْ كُنَّ نِسَاءً فَوْقَ اثْنَتَيْنِ فَلَهُنَّ ثُلُثَا مَا تَرَكَ وَإِنْ كَانَتْ وَاحِدَةً فَلَهَا النِّصْفُ وَلِأَبَوَيْهِ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ مِمَّا تَرَكَ إِنْ كَانَ لَهُ وَلَدٌ فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ وَلَدٌ وَوَرِثَهُ أَبَوَاهُ فَلِأُمِّهِ الثُّلُثُ فَإِنْ كَانَ لَهُ إِخْوَةٌ فَلِأُمِّهِ السُّدُسُ مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِي بِهَا أَوْ دَيْنٍ آَبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ لَا تَدْرُونَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ لَكُمْ نَفْعًا فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا) (النساء، الآية 11)، وإذا عين المتوفى شخصا بعينه مستفيدا من تعويضات التأمين وهو غير وارث، وإذا نزلناه منزلة الوصية فقد يكون المبلغ الذي يأخذه من تعويضات التأمين أكثر من ثلث التركة، فيخالف بذلك سنة النبي صلى الله عليه وسلم، القاضية بعدم جواز أكثر من الثلث إلا برضا الورثة.
- الرأي الثاني: عقود التأمين جائزة
ومما قال به مصطفى الزرقاء وعلي الخفيف ومحمد الحجوي الثعالبي وعبد الوهاب خلاف.
ويستند هذا الرأي على ما يراه أصحابه حججا دالة على الجواز، منها:
- دليل القياس: قياس التأمين على الجعالة، وعلى الوديعة بأجرة، وعلى حارس الممتلكات.
- دليل الاستصحاب.
- دليل المصلحة.
- الإشكال الثاني: غرامة التأخير
يعتبر التأخير في الأداء وعدم احترام المواعيد المتفق عليها للاستحقاق مشكلة اقتصادية تعرقل السير الطبيعي للبنوك، ولقد اختارت البنوك التقليدية معالجة هذه المشكلة باللجوء إلى غرامات مالية تفرض على من تأخر في السداد، فضلا عن الفوائد التي تترتب عنها.
ومع أن البنوك الإسلامية تنأى بنفسها عن أخذ الفوائد الربوية، عدا أنها اختارت علاج مشكلة التأخير بفرض الغرامات المالية كما هو الشأن في الصيغ البديلة التي رأينا بعض تطبيقاتها في المغرب، ذلك أن عقدي الإجارة والمرابحة يتضمنان صراحة شرط أداء الغرامة عند كل تأخير في أداء الثمن المتفق عليه، فضلا عن حق البنك في فسخ العقد بعد مرور ثمانية أيام من توصل المتعاقد معه برسالة إنذارية ولم يستجب لها، وهذا ما يدفعنا إلى البحث عن مدى شرعية هذا الإجراء.
إن بيان الحكم الشرعي في غرامة التأخير عن الأداء يستدعي الفصل بين المدين الموسر، والمدين المعسر.
- المدين المعسر:
العسر (بالضم) ضد الصر، ويدل في لغة العرب على الشدة والضيق، وقد ورد في القرآن الكريم في مقابلة اليسر، قال تعالى: (سَيَجْعَلُ اللَّهُ بَعْدَ عُسْرٍ يُسْرًا) (سورة الطلاق، الآية 7).
والعسر في عرف الشرع “عجز الإنسان عن أداء ما عليه من التزامات مالية” ([35]).
أو هو العاجز عن أداء الحقوق المالية الثابتة في ذمته، وهو يفرق المفلس، لأن الإفلاس هو استغراق الديون جميع ممتلكات المدين.
وقد نطق القرآن الكريم بحكم المدين المعسر فقال تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ * فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَإِنْ تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَالِكُمْ لَا تَظْلِمُونَ وَلَا تُظْلَمُونَ * وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ وَأَنْ تَصَدَّقُوا خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ) (البقرة، الآية 278 إلى 280)، وقد نزلت في دين الربا كما هو واضح من سياقها، لكنها عامة في جميع الديون.
وفي السنة أحاديث تؤكد هذا الحكم القرآني منها، قوله صلى الله عليه وسلم “كان تاجر يداين الناس فإذا رأى معسرا قال لفتيانه: تجاوزوا عنه لعل الله أن يتجاوز عنا فتجاوز الله عنه”، ([36]) وقوله “من انظر معسرا أو وضع له أظله الله في ظل عرشه”، ([37]) وقوله صلى الله عليه وسلم “من سره أن ينجيه الله من كرب يوم القيامة فلينفس عن معسر أو يضع عنه”، ([38]) وعند أحمد “وقاه الله من فيح جهنم”.
قال ابن حجر: “إذا أعسر المديون وجب أنظاره، ولا سبيل إلى ضربه ولا إلى حبسه” ([39]).
- المدين الموسر:
اختلف العلماء في ضبط مفهوم الموسر، فقيل: من عنده مؤونة ومؤونة عياله، وقيل يرجع في ذلك إلى عرف كل بلد، قال الحافظ ابن حجر: “و هذا هو المعتمد، وما قبله إنما هو في حد من تجوز له المسألة والأخذ من الصدقة” ([40]).
ولما كان تأخير الموسر في قضاء دين حل أجله يلحق الضرر بالدائن، ويعد به مماطلا فإن الإسلام حكم عليه بوصف ينبهه على خطورة فعله، فقد خلع عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم صفة الظالم، ويفهم منه أن الدائن مظلوم، ولا تخفى أحكام المظلوم في الشرع، وما خص به دون عموم الناس، قال صلى الله عليه وسلم “مطل الغني ظلم، وإذا اتبع أحدكم على ملئ فليتبع”، ([41]) قال ابن حجر: “وفي الحديث الزجر عن المطل، واختلف هل يعد فعله عمدا كبيرة أم لا؟ فالجمهور على أن صاحبه يفسق… ويستدل به على أن العاجز عن الأداء لا يدخل في الظلم” ([42]).
وذكر ابن العربي في عارضة الأحوذي: “إن المدين الواجد لجنس ما عليه من الحق إن تأخر ساعة يمكنه فيها الأداء يعد ظالما” ([43]).
ومقتضى الحديث أن الدائن له حق دفع ما حل به من ظلم بسبب تأخير الأداء، وذلك بعرض الموضع على القضاء، وهو السلطة الشرعية التي لها النظر في التأكد من يسر الدائن أو عسره ثم تحكم عليه تبعا لذلك.
وقال صلى الله عليه وسلم : “لي الواجد يحل عرضه وعقوبته” ([44]).
غير أن الإسلام ندب الدائن إلى انتظار المماطل الموسر ففي الحديث “أن حذيفة رضي الله عنه قال، قال النبي: “تلقت الملائكة روح رجل ممن كان قبلكم قالوا: أعملت من الخير شيئا؟ قال : كنت آمر فتياني أن ينظروا ويتجاوزوا عن الميسور، قال: فتجاوزوا عنه” ([45]).
وهذا من باب شرع من كان قبلنا لكنه خرج مخرج التحسين النبوي.
أما إذا طلب منه الدائن الوفاء فيمكن اللجوء إلى أساليب مختلفة لجبره على الأداء منها:
- الحكم عليه قضائيا: ببيع بعض ممتلكاته التي يستوفي من ثمنها الدين الواجب عليه، مع تحميله تكليف الدعوى حتى لو سدد ما عليه قبل النطق بالحكم ([46]).
وسئل ابن تيمية رحمه الله عمن عليه دين فلم يوفه حتى طولب به عند الحاكم وغيره، وغرم أجرة الرحلة هل الغرم على المدين أم لا؟
فأجاب: الحمد لله، إذا كان الذي عليه الحق قادرا على الوفاء ومطله أحوجه إلى الشكاية، فما غرمه بسبب ذلك فهو على الظالم المماطل إذا غرمه على الوجه المعتاد، ([47]) وإلغاء عدالته.
- الحبس والضرب: قال ابن المنذر: “أكثر من تحفظ عنه من علماء الأمصار وقضاتهم يرون الحبس في الدين” ([48]).
وأفتى ابن تيمية بعقوبة الضرب للمماطل الذي له مال ظاهر وأصر على الحبس، قال: “فإنه يعاقب بالضرب حتى يقوم بالواجب عليه في ذلك في مذهب عامة الفقهاء، وقد صرح بذلك أصحاب مالك والشافعي من العراقيين والخراسانيين وأصحاب الإمام أحمد وغيرهم، ولا نعلم في ذلك نزاعا، بل كرروا هذه المسالة في غير موضع من كتبهم”. ([49]) وجعلوها أصلا يقاس عليه ضرب من أسلم وتحته أكثر من أربع نسوة وامتنع من الاختيار، قالوا: يضرب حتى يختار قياسا على من منع الدين الواجب.
وقال ابن القيم: “لا نزاع بين العلماء في أن من وجب عليه حق من عين أو دين وهو قادر على أدائه وامتنع منه أنه يعاقب حتى يؤديه ونصوا على عقوبته بالضرب” ([50]).
- فسخ العقد الذي كان سبب الدين.
- ملازمة المدين لحمله على الوفاء وإن اختلفت أقوالهم في كيفية هذه الملازمة.
بل يجوز للحاكم أن يمنعه تعزيرا من فضول بعض المباحات من الأكل والنكاح.
هذا مجمل ما عليه الفقه الإسلامي فيمن حل عليه الأجل، ولم يؤد الحق الذي عليه، أما إلزامه بالغرامة المالية عن التأخير، وشرطها في العقد فينازعه قولان:
الأول: جواز إلزام المدين بأداء قدر مالي تعويضا للدائن عما لحقه من الضرر بسبب التأخير في الأداء، لكن هذا الإلزام ينبغي أن يكون قضائيا لأنه الجهة المخولة شرعا بالتأكد من كون المدين المماطل معسرا أم موسرا؟ ثم تقدر الضرر الذي لحق الدائن، ثم تحكم بالتعويض تبعا لذلك.
ويشهد لذلك عموم قوله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ)، والأحاديث التي تقدم ذكرها في مطل الغني، والأحاديث التي تقدم ذكرها في مطل الغني، وتطبيقا للقاعدة الأصولية: “الضرر يزال”.
الثاني: غرامة التأخير غير جائزة لأنها تفضي إلى الربا النسيئة المحرم، ولوجود بدائل شرعية يمكن بها إلزام المدين بالوفاء.
ومن ثم فإن ضمان حسن تقبل الزبناء لهذه المنتجات الجديدة رهين بسلامتها شرعا، ولا يتم ذلك إلا بوجود جهاز للرقابة الشرعية لدى الأبناك التي تتعامل بها، ويجب أن يكون متخصصا في الاقتصاد الإسلامي، ذا دراية بالعلم الشرعي، وتكون مهمته مراجعة العقود التي هيأتها الأبناك للصيغ الإسلامية وفحصها والتنبيه على ما يخالف فيها الرأي الشرعي الراجح، وتكون قراراته ملزمة مع تعميمها على الجمهور ليكون على بينة من أمره.
وتجد التمويلات الإسلامية في المغرب نفسها في وضع إداري لا يشجع على تسويقها بالسرعة المطلوبة، فهي نافذة فتحت في البنوك التقليدية استجابة لتوصية بنك المغرب رغبة في استقطاب أموال باهظة داخليا وخارجيا ظلت تتحرك خارج التعاملات الكلاسيكية، ومع ذلك لم يتم تهيئ الأطر البنكية في مجال الاقتصاد الإسلامي تهيئا يؤهلهم لمعرفة تفاصيل المنتجات الجديدة، بل إن الزائر لهذه الأبناك المستفسر عنها يفاجأ بقلة المعلومات وندرتها، وهذا ما حصل لي شخصيا أثناء محاولة جمع المادة لهذا البحث.
هذا وإن التكلفة المالية لهذه المنتجات أغلي من المعاملات الكلاسيكية، ويرى البعض أن القروض الربوية “أرحم” ماليا بهم من التمويلات البديلة، وكانوا يعولون عليها كثيرا لاقتناء مساكن لهم في ظل الارتفاع الصاروخي الذي تشهده أسعار العقارات بالمغرب.
الفقرة الثانية: من المنتجات البديلة إلى البنود التشاركية
(قراءة في الباب الثالث من مشروع من 03- 34 المتعلق بمؤسسات الائتمان والهيئات المعتبرة في حكمها)
أصدرت وزارة الاقتصاد والمالية مشروع قانون خاص بالبنوك التشاركية، إذ تم إدراج فصل كامل في الباب الثالث أطلق عليه بالبنوك التشاركية لمشروع القانون رقم 34- 03 المتعلق بمؤسسات الائتمان والهيئات المعتبرة في حكمها.
وحسب مسودة المشروع، فإن وضع إطار قانوني يحكم نشاط البنوك التشاركية يأتي وعيا من السلطات العمومية بما يمكن أن تقدمه المنتوجات والخدمات المالية التشاركية، فيما يخص تعبئة الادخار والتمويل الإضافي للاقتصاد الوطني، فإنه أصبح من الضروري وضع قانوني يحكم المالية التشاركية، ومن أبرز العناصر التي تم أخذها بعين الاعتبار من أجل إدخال مقتضيات تهم البنوك التشاركية نذكر على وجه الخصوص:
- نضج النظام المالي الوطني.
- آفاق الاستثمار والتمويل التي يختزلها هذا المجال ببلادنا.
- إحداث قطب مالي يتميز بإشعاع على المستوى الجهوي والعالمي، والذي يستوجب توافر هذه الفئة من المالية العالمية.
- ضرورة توفير منتوجات وخدمات مالية لفائدة المواطنين المقيمين، وكذلك الجالية المغربية المقيمة بالخارج التي يوفر لها القطاع المالي لبك إقامتها منتوجات منبثقة عن المالية التشاركية.
وتكمن أهم المحاور التي يضمنها هذا المشروع في الآتي:
- المبادئ الأساسية:
- التعريف بالمفاهيم وصيغ العقود.
- مجال التطبيق والأنشطة المسموح بمزاولتها.
- الإطار المؤسساتي:
وفقا لمقتضيات الظهير الشريف المتعلق بإعادة تنظيم المجالس العلمية، سيتم إنشاء لجنة تسمى “لجنة الشريعة المالية” المخول لها البث في ما يلي:
- البث في مطابقة العمليات والمنتوجات المقدمة للجمهور للشريعة، كما تضمن مشروع القانون مقتضيات تتعلق بإلزامية وضع لجنة إفتحاص من طرف البنوك التشاركية، يعهد إليها بالتأكيد من مطابقة ممارسة الأنشطة البنكية لأحكام الشريعة.
- ممارسة الرقابة من طرف بنك المغرب على البنوك التشاركية.
- حماية المستهلك
وتكون الآراء المنبثقة عنها قابلة للاحتجاج بالنسبة للبنوك التشاركية، ولكل مؤسسة مالية تقدم منتجات وخدمات مطابقة للشريعة.
إن الترخيص بإنشاء بنوك تشاركية بالمغرب تمثل خطوة إيجابية ورائدة تعكس مطالب شريعة كبيرة من المغاربة الذين يرفضون المعاملات الربوية لما فيها من الظلم والاستغلال.
لهذا فإن التطور التشريعي المهم يعتبر الأساس واجبا شرعيا ومطلبا شعبيا قبل أن يكون ضرورة اقتصادية خاصة في ظل تداعيات الأزمة الاقتصادية العالمية وما خلفه من آثار على جميع المستويات.
وعلى الرغم من كونه خطوة إيجابية مبدئيا كتدرج لإدخال التمويلات الإسلامية في الاقتصاد المغربي، إلا أن هناك مجموعة من الملاحظات:
- إن تخصيص باب يتم وسط قانون تعديل للنظام البنكي بالمغرب، أي بنسبة 10% من المواد المشكلة للقانون غير كاف للإحاطة التشريعية بعمل مصرف إسلامي يمارس لأول مرة بالمغرب.
- كان على المشروع ألا يقتصر في تقديمه على 4 منتوجات تمويلية فقط، لأن قوة المصارف الإسلامية في تنوع منتوجاتها، وفي الاجتهاد الشرعي في إيجاد الحلول المناسبة للمواطنين والفاعلين الاقتصاديين لتمويل احتياجاتهم، فمثلا المضاربة أنواع والمرابحة كذلك أنواع، والبيوع أنواع، والمشروع لم يأطر هذه الأصناف أبدا.
إضافة إلى غياب تمويلات مهمة مناسبة أكثر للاقتصاد المغربي باعتباره بلد فلاحي كصيغ المزارعة والمغارسة وبيع السلم، وغياب الحديث عن الاستصناع، وعن عقود التوريد، وعن صيغة الصكوك التي أبانت عن نجاحها في جلب أموال ضخمة لتمويل اقتصاديات عدة دول إسلامية (ماليزيا، السعودية، قطر…)، والمغرب هو أحوج من غيره لهذا الصنف من التمويلات.
- تطرق المشروع لهيئة الرقابة الشرعية تحت مسمى “لجنة الشريعة للمالية”، وربطها بالمجلس العلمي الأعلى، باعتباره الضامن لمؤشر الاطمئنان لتجربة “البنوك التشاركية”، وبالتالي فأصحاب رؤوس الأموال الراغبين في تطبيق شرع الله في أموالهم ينتظرون إشارة قوية تخص الدور المنوط بهذه المؤسسة ودرجة استقلالها في اتخاذ قراراتها في توجيه المعاملات المعرفية للبنك التشاركي، بما يتوافق مع الشريعة الإسلامية.
- فمشروع القانون مطالب بالتنصيص على هذه الأمور، وكل المقتضيات الضرورية المتعلقة بتكوين هذه اللجنة، وضمان استقلاليتها الكاملة في مهام الرقابة المسندة إليها.
- لا يجب ربط تنزيل مضامين هذا القانون على أرض الواقع بعدة مراسيم تطبيقية، والتي غالبا ما تتأخر، وبتأخرها يصبح المشروع حاملا في طياته بوادر الفشل، وعلى العكس يجب أن يكون متضمنا كافة التفاصيل والمقتضيات الضرورية للانطلاقة وسد باب التأويل والانتظارات.
- يجب العمل على ملائمة الإطار التشريعي والتنظيمي مع عمليات البنوك التشاركية بصفة كاملة لا جزئية، خصوصا فيما يتعلق بالمدونة العامة للضرائب، ومدونة التأمينات، ومدونة التجارة، ومدونة تحصيل الديون العمومية، وقانون المنافسة، والقوانين المنظمة للسوق المالية، وتلك المعمول بها في مجال التحفيظ العقاري، لأن الغاية من هذه الملائمة هي ضمان تنافسية متكافئة مع مؤسسات الائتمان الأخرى.
- تمت ملاحظة غياب أي إشارة إلى المعايير المحاسباتية الخاصة بالبنوك التشاركية في المسودة، على الرغم من كون بنك المغرب قد سبق وأن نشر مذكرة خاصة بالمعايير المحاسباتية فيما يتعلق بالمنتوجات البديلة.
وعلى العموم، فعلى الرغم من كل هذه الملاحظات فإن ما يمكن أن نختم به هذا البحث هو ضرورة الإشارة إلى النقط التالية:
- إن إنشاء البنوك الإسلامية لا شيء يقف أمامها إلا الانضباط بالمقتضيات والمساطر القانونية لممارسة المهنة البنكية في المغرب، وبذلك فلا مكان للقول بوجود المانع لأنه لا يوجد أي مقتضى قانوني يميز بين بنوك إسلامية وأخرى غير إسلامية، فالاحتكام للقانون في دولة الحق هو الأوجب.
- إن إعمال الصيغ الإسلامية يجب أن يكون في أحضان بنك يتطابق معها في المرجعية أي يتوافق مع أحكام الشريعة الإسلامية.
- إن من شأن وجود بنك ذي طبيعة إسلامية بالمغرب أن ينهض بالاقتصاد الوطني وتحقيق التنمية المستدامة بصفة عامة.
- أن ما يجب علينا في نهاية هذا البحث على العموم هو التنويه بخطوة تأسيس البنوك التشاركية، لعلها تكون هي البداية لكل خير.
[1] أشرف محمد دوابة: “دراسات في التمويل الإسلامي”، دار السلام للطباعة والنشر والتوزيع والترجمة، الطبعة الأولى، 2008، ص 7.
[2] سليمان ناصر: “تطوير صيغ التمويل، قصر الأجل للبنوك الإسلامية مع دراسة تطبيقية حول مجموعة من البنوك الإسلامية، جمعية التراث، غرداية، الجزائر، السنة 2002، ص 27.
[3] سليمان ناصر، المرجع السابق، ص 27.
[4] منذر قحف: “مفهوم التمويل في الاقتصاد الإسلامي، بحث رقم 13، البنك الإسلامي للتنمية، جدة، السعودية، السنة 1998، ص 72.
[5] محمد البلتاجي: “صيغ مقترحة لتمويل المنشآت الصغيرة والمعالجة للمحاسبة لصيغة المشاركة المنتهية بالتمليك”، المؤتمر السنوي الثاني عشر للأكاديمية العربية للعلوم المالية والمعرفية، أيام 29، 31 ماي 2005، عمان، الأردن، ص 14.
[6] محمد البلتاجي: المرجع السابق، ص 15.
[7] نفس المرجع السابق، ص 15.
[8] عبد الرزاق سعيد بلعباس: “التمويل الإسلامي في فرنسا”، مجلة جامعة الملك عبد العزيز، الاقتصاد الإسلامي، مجلة 21، العدد 2، السنة 2008، ص 99- 116.
[9] للمزيد من التوسع في موضوع الربا هناك العديد من المراجع نذكر منها على سبيل المثال لا الحصر:
* أحمد الخمليشي: “الربا بين النصوص وتفسيرها وبين ما آل إليه التنظير والممارسة “الجزء الثامن، سلطة وجهة نظر،
* عائشة الشرقاوي: “البنوك الإسلامية، التجربة بين الفقه والقانون والتطبيق”، المركز الثقافي العربي، الطبعة الأولى، السنة 2000.
* مريد جواد: “البنوك الإسلامية في ضوء المستجدات التنظيمية للمنتجات التنظيمية التمويلية بالمغرب”، مطبعة المتقي برينتر المحمدية، الطبعة الأولى 2012،
* أحمد سالم ملحم: “المعاملات الربوية في ضوء القرآن والسنة”، دار الثقافة للنشر والتوزيع، الطبعة الأولى، السنة 2000،
* يونس المصري: “الإعجاز الاقتصادي للقرآن والسنة في تحريم الربا”، مجلة الملك عبد العزيز، جدة، العدد 21، السنة 2001.
* أبي عبد الله فيصل بن محمد السلفي المغربي: “قاعدة في تحقيق حديث الربا” دار الكتب العلمية، الطبعة الأولى، السنة 2009.
[10] انظر للمزيد من التوسع:
* عبد الله بن بيه: “سد الذرائع وتطبيقاته في مجال المعاملات البنك الإسلامي للتنمية”، المعهد الإسلامي للبحوث والتدريب، ص 23 وما يليها.
* علاء الدين خروفة: “عقد القرض في الشريعة الإسلامية، دراسة مقارنة مع القانون الوضعي”، مؤسسة نوفل، الطبعة الأولى، 1999، ص 298 وما بعدها.
[11] المادة 1 من توصية والي بنك المغرب.
[12] المادة 2 من توصية بنك المغرب.
[13] المادة 3 من توصية بنك المغرب.
[14] المادة 4 من توصية بنك المغرب.
[15] عقيدي محمد عصام: مجلة المذهب المالكي، العدد 13، السنة 2011، ص 61.
[16] المادة 5 من توصية والي بنك المغرب.
[17] المادة 5 من توصية والي بنك المغرب.
[18] المادة 6 من توصية والي بنك المغرب.
[19] المادة 7 من توصية والي بنك المغرب.
[20] المادة 8 من توصية والي بنك المغرب.
[21] المادة 8 من توصية بنك المغرب.
[22] المادة 9 من توصية بنك المغرب.
[23] المادة 11 من توصية والي بنك المغرب.
[24] المادة 13 من توصية والي بنك المغرب.
[25] المادة 14 من توصية والي بنك المغرب.
[26] المادة 15 من توصية والي بنك المغرب.
[27] المادة 16 من توصية والي بنك المغرب.
[28] المادة 17 من توصية والي بنك المغرب.
[29] العربي البوهالي: نافدة التمويلات الإسلامية في البنوك المغربية- خطوة نحو مصرف إسلامي مأمول، بحث مقدم إلى مؤتمر المعارف الإسلامية بين الواقع والمأمول، دائرة الشؤون الإسلامية والعمل الخيري، دبي من 31 ماي إلى 3 يونيو 2009، ص 30.
[30] قال محمد بن عابدين الحنفي، المتوفى عام 1252ه “جرت العادة أن التجار إذا استأجروا موكبا من حربي يدفعون له أجبته، ويدفعون مالا معلوما لرجل فرنسي مقيم في بلاده، يسمى ذلك المال “سوكرة”. العربي البوهالي، المرجع السابق؛ ص 31.
على أنه مهما هلك من المال الذي في المركب يحرق أو نهب أو غيره، فذلك الرجل ضامن له مقابلة ما يأخذه منهم، وله وكيل عنه مستأمن في دارنا يقيم في بلاد الساحل.
[31] انظر عقد التأمين حقيقته ومشروعيته : 305 إلى 308، والتأمين على رخصة قيادة السيارات للدكتور سعد بن ناصر الشتري، مقال منشور بمجلة البحوث الفقهية المعاصرة، عده 60، ص 105.
[32] عقود التأمين وعقود ضمان الاستثمار: 208.
[33] عقد التأمين ومدى مشروعيته في الفقه الإسلامي: 172.
[34] ينظر: عقد التأمين حقيقته ومشروعيته: 337.
[35] حاشية ابن عابدين: 3/ 267.
[36] الحديث أخرجه البخاري في صحيحه كتاب البيوع، باب ك من انظر معسرا.
[37] الحديث أخرجه مسلم في صحيحه
[38] الحديث أخرجه مسلم في صحيحه
[39] فتح الباري: 4/ 329.
[40] فتح الباري: 4/ 428.
[41] الحديث في صحيح البخاري، كتاب الحوالة، باب الحوالة، وهل يرجع في الحوالة، وكتاب: الاستقراض وأداء الديون والحجر والتفليس، باب: مطل الغني ظلم، وأخرجه مسلم في صحيحه كتاب البيوع باب في انتظار المعسر والتجاوز عنه ومطل الغني ظلم.
[42] فتح الباري: 4/ 225.
[43] ينظر عارضة الأحوذي : 2/ 32.
[44] الحديث أخرجه أبو داوه في سننه والنسائي وأحمد في المسند والحاكم في المستدرك.
[45] الحديث أخرجه البخاري في صحيحه: كتاب البيوع، باب من أنظر موسرا، وأخرجه مسلم في صحيحه في كتاب المساقاة باب فضل أنظار المعسر والتجاوز عنه.
[46] ينظر “الفتاوى الشرعية في المسائل الاقتصادية لبيت المال الكويتي” نقلا عن “الائتمان والمداينات في البنوك الإسلامية”: 223.
[47] فتاوى ابن تيمية: 30/ 24، 25.
[48] المغني ك 4/ 499.
[49] فتاوي ابن تيمية: 30/ 22.
[50] الطرق الحكمية في السياسة الشرعية: 92.


