في تحديد نفقة الأبناء
ذ. الأمراني أحمد
منتدب قضائي بمديرية الشؤون المدنية
وزارة العدل والحريات
تعد النفقة من أهم الالتزامات التي تعمر ذمة المنفق، وقد أفردت لها مدونة الأسرة القسم الثالث المتكون من أربعة عشر مادة، وتعتبر نفقة الأبناء من أهم أنواعها، وقد خول المشرع المغربي للقاضي سلطة تقديرية واسعة وهو ينظر في دعاوي النفقة لطابعها الاجتماعي، ولارتباطها بمعيشة الأولاد، الذين قد يجدون أنفسهم بين عشية وضحاها بدون مورد عيش، وذلك أمام تقلص التكافل الاجتماعي، مما جعل المبالغ المحكوم بها في الموضع تختلف من محكمة إلى أخرى، بل من قضية إلى أخرى، وهذا ما حذا بي في هذا المقال إلى معالجة هذه الإشكالية من خلال الوقوف على مقاصد النفقة على الأبناء، وعلى وسع المنفق الذي يجب مراعاته أثناء تقديرها، وعلى مدى تضامن الأم مع الأب في الإنفاق على الأبناء، خاتما برصد تجليات السلطة التقديرية للقاضي في النفقة على الأبناء من خلال العمل القضائي.
المبحث الأول: النفقة على الأبناء في الشريعة الإسلامية
المطلب الأول: تعريف النفقة لغة واصطلاحا
النفقة لغة: الإخراج والذهاب، يقال: نفقت الدابة إذا خرجت من صاحبها بالبيع والهلاك، كما يقال: نفقت السلعة إذا راجت بالبيع، وأنفق المال: إذا صرفه، والنفقة ما أنفق، والجمع نفاق. حكى اللحياني: نفدت نفاق القوم ونفقاتهم، بالكسر: إذا نفدت وفنيت، والنفاق بالكسر: جمع النفقة من الدراهم، ونفق الزاد يتفق نفقا أي نفقا أي نفد، وقد أنفقت الدراهم من النفقة، ورجل منفاق أي كثير النفقة. والنفقة: ما أنفقت، واستنفقت على العيال وعلى نفسك ([1]).
والنفقة اصطلاحا عرفها المالكية بقولهم: “ما به قوام معتاد حال الآدمي دون سرف” ([2])، وقوله: قوام بكسر القاف، وهو نظام الشيء وعماده،… وقوله: دون سرف، أخرج به السرف لأنه ليس بنفقة شرعا، ولا يحكم الحاكم به، المراد هنا النفقة التي يحكم بها الحاكم ([3]).
وعرفها صاحب سبل السلام بقوله: “الشيء الذي يبذله الإنسان فيما يحتاجه هو أو غيره من الطعام والشراب وغيرهما” ([4]).
وهذا أكده الفقيه التسولي حين اعتبر النفقة شاملة للكسوة والطعام والسكني ([5]).
والحنفية يطلقون النفقة في الغالب على الطعام والكسوة والسكني، ويعرفونها أيضاً بأنها الإدرار على الشيء بما به بقاؤه ([6]).
والملاحظ أن المعنى الشرعي للنفقة هو أخص من المعنى اللغوي، فالفقهاء استعاروا معنى لغويا واحدا هو إنفاق المال وكل ما هو متقوم بمال من طعام وكسوة ومسكن، وأبعدوا سائر معاني النفقة الأخرى.
المطلب الثاني: مقاصد النفقة
لقد حث الشرع الحكيم الأب على الإنفاق على الأبناء بقوله تعالى: (وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ) ([7])، وبما روى عن أبي هريرة رضي الله عنه: (أن النبي صلى الله عليه وسلم أمر بالصدقة فقال رجل: يا رسول الله عندي دينار؟ فقال: تصدق به على نفسك، قال عندي آخر؟ قال: تصدق به على ولدك، قال عندي آخر؟ قال تصدق به على زوجك، قال عندي آخر؟ قال: أنت أعلم به) ([8]).
يقول ابن العربي: “قوله تعالي: (وعلى المولود له)… دليل على وجوب نفقة الولد على والده لعجزه وضعفه، فجعل الله تعالى ذلك على يدي أبيه لقرابته منه وشفقته عليه” ([9])، ويقول القرطبي في تفسيره للآية السابقة: “أي على الأب… الطعام الكافي، وفي هذا دليل على وجوب نفقة الولد على الوالد لضعفه وعجزه” ([10])، ويقول الطاهر بن عاشور: “وعبر عن الولد بالمولود له، إيماء إلى أنه الحق بهذا الحكم، لأن منافع الولد منجزة إليه، وهو لاحق به ومعتز به في القبيلة حليب مصطلح الأم، فهو الأجدر بإعاشته، وتقديم وسائلها” ([11])، ويقول وهبة الزحيلي: “أرشدت الآية ( وعلى المولود له…) إلى وجوب نفقة الولد على الوالد لضعفه وعجزه…” ([12]).
يقول الشاطبي: “تكاليف الشريعة ترجع إلى حفظ مقاصدها في الخلق، وهذه المقاصد لا تعدو ثلاثة أقسام: أحدها: أن تكون ضرورية. والثاني: أن تكون حاجية. والثالث: أن تكون تحسينية.
فأما الضرورية: فمعناها أنه لا بد منها في قيام مصالح الدين والدنيا، بحيث إذا فقدت لم تجر مصالح الدنيا على استقامة… والحفظ يكون لها بأمرين: “أحدها” ما يقيم أركانها ويثبت قواعدها. وذلك عبارة عن مراعاتها من جانب الوجود… والعادات راجعة إلى حفظ النفس والعقل من جانب الوجود أيضا، كتناول المأكولات والمشروبات، والملبوسات، والمسكونات، وما أشبه ذلك” ([13])، ويقول ابن عاشور: “وحفظ الأنساب -بمعنى إلحاق الأولاد بآبائهم- من الحاجي للأولاد والآباء: فللأولاد للقيام عليهم فيما يحتاجون ولتربيتهم النافعة لهم، وللآباء لاعتزاز العشيرة وحفظ العائلة” ([14]).
وربط الدكتور عبد المجيد النجار حفظ الولد بالإنفاق عليه بحفظ مقصد الكيان الاجتماعي، حين قال: “لقد أوجبت الشريعة التكافل الاجتماعي في دائرة الأسرة، فأيما فرد من أفراد الأسرة الموسعة التي تشمل كل من له حق الوراثة مسته الحاجة، فإن على أسرته سد حاجته الأقرب منها فالأقرب نفقة مفروضة كنفقة الولد على والده… فإن تخلفت الأسرة عن هذا الواجب الاجتماعي باءت بإثم التقصير، وأجبرت بالقضاء على أدائه” ([15]).
يقول السرخسي: “يجبر الرجل على نفقة أولاده الصغار، والكبار إذا كن إناثا، لأن النساء عاجزات عن الكسب، واستحقاق النفقة اعجز المنفق عليه” ([16]).
فللنفقة على الأولاد إذا مقصد حاجي يتمثل في القيام عليهم فيما يحتاجون من طعام وكسوة ومسكن وغيرها، وذلك لضعفهم وعجزهم، وهو حافظ لكلية النسل من جانب الوجود، لينشأ النسل معافا في بدنه ونفسه، وبرورا بوالديه عند كبره.
وتحقيقا للمقاصد السابقة اشترط الفقهاء عدة شروط لينال الولد ذكرا كان أو أنثى نفقته، وهي فقر المولود، وصغره أو بلوغه مريضا، وتنفرد الأنثى بأحقيتها في النفقة إلى زواجها، يقول النفراوي: “ولا يلزم الرجل النفقة إلا… وعلى صغار ولده الذين لا مال لهم: على الذكور حتى يحتلموا ولا زمانة بهم، وعلى الإناث حتى ينكحن ويدخل بهن أزواجهن” ([17])، وقال النووي: “تجب على الوالد نفقة أولاده لصغرهم، وتسقط بالبلوغ ما لم يكن الولد زمنا أو مجنونا، سواء كان ذكرا أو أنثى، فإذا حاضت الجارية وبلغ الغلام سقطت النفقة، لأن القدرة على الكسب تمنع من وجوب النفقة على الغلام، وإذا كانت لهم أموال فقد قال الشافعي: فنفقتهم في أموالهم” ([18])، وقال ابن نجيم الحنفي: “تجب النفقة والسكني والكسوة لولده الصغير والفقير” ([19]) وقال ابن قدامة: “ولا تسقط نفقة الجارية حتى تتزوج” ([20])، وهذا ما ذهب إليه الحنفية.
المطلب الثالث: وسع الرجل وتضامن المرأة في النفقة
الفرع الأول: وسع الرجل في الشريعة الإسلامية
تتعدد الآيات الحاثة الرجل على الإنفاق على زوجته وعلى أبنائه، غير أنها تتضمن كلها عنصرا يشير إلى عدم تكليف الرجل بما لا يطيق، وبعبارة أدق إلى تكليفه في الإنفاق بما هو في مقدوره ووسعه، فما هو وسع الرجل في الشريعة الإسلامية؟
يقول الله عز وجل: (لِيُنْفِقْ ذُو سَعَةٍ مِنْ سَعَتِهِ وَمَنْ قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ فَلْيُنْفِقْ مِمَّا آَتَاهُ اللَّهُ لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا مَا آَتَاهَا سَيَجْعَلُ اللَّهُ بَعْدَ عُسْرٍ يُسْرًا) ([21])، قال ابن العربي: “هذا يفيد أن النفقة ليست مقدرة شرعا، وإنما تتقدر بحسب الحالة من المنفق عليه، فتقدر بالاجتهاد على مجرى العادة: وينظر المفتي إلى قدر حاجة المنفق عليه ثم ينظر إلى حالة المنفق، فإن احتملت الحالة الحاجة أمضاها عليه وإن قصرت حالته على حالة المنفق عليه ردها إلى قدر احتمال حاله” ([22])، وقال القرطبي: “قوله تعالى: (لينفق) أي لينفق الزوج على زوجته وعلى ولده الصغير على قدر وسعه حتى يوسع عليهما إذا كان موسعا عليه، ومن كان فقيرا فعلى قدر ذلك” ([23]).
قال الطاهر بن عاشور: “ولم يختلف العلماء في أن النفقات لا تتحدد بمقادير معينة لاختلاف أحوال الناس والأزمان والبلاد، وإنما اختلفوا في التوسع في الإنفاق في مال الموسر هل يقضي عليه بالتوسعة على من ينفق هو عليه، ولا أحسب الخلاف في ذلك إلا اختلافا في أحوال الناس وعوائدهم ولابد من اعتبار حال المنفق عليه ومعتاده، كالزوجة العالية القدر وكل ذلك داخل تحت قول النبي صلى الله عليه وسلم لهند: (خذ ما يكفيك وولدك بالمعروف) ([24]) ([25]).
ويقول الله تعالى: (وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلَادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يُتِمَّ الرَّضَاعَةَ وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ لَا تُكَلَّفُ نَفْسٌ إِلَّا وُسْعَهَا لَا تُضَارَّ وَالِدَةٌ بِوَلَدِهَا وَلَا مَوْلُودٌ لَهُ بِوَلَدِهِ وَعَلَى الْوَارِثِ مِثْلُ ذَلِكَ فَإِنْ أَرَادَا فِصَالًا عَنْ تَرَاضٍ مِنْهُمَا وَتَشَاوُرٍ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا وَإِنْ أَرَدْتُمْ أَنْ تَسْتَرْضِعُوا أَوْلَادَكُمْ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِذَا سَلَّمْتُمْ مَا آَتَيْتُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ) ([26]) يقول الشوكاني: “والمراد بالرزق هنا: الطعام الكافي المتعارف به بين الناس، والمراد بالكسوة: ما يتعارفون به أيضا…” وقوله: “لا تكلف نفس إلا وسعها” هو: تقييد لقوله: (بالمعروف) أي: هذه النفقة، والكسوة الواجبتان على الأب بما يتعارفه الناس لا يكلف منها إلا ما يدخل تحت وسعه وطاقته لا ما يشق عليه، ويعجز عنه، وقيل: المراد: تكلف المرأة الصبر على التقتير في الأجرة، ولا يكلف الزوج ما هو إسراف، بل يراعى القصد” ([27])، ويقول الألوسي: “بالمعروف” أي بلا إسراف ولا تقتير أو حسب ما يراه الحاكم ويفي به وسعه، (ولا تكلف نفس إلا وسعها) تعليل لإيجاب المؤن بالمعروف أو تقسير بالمعروف ولهذا فصل وهو نص على أنه تعالى لا يكلف العبد بما لا يطيقه” ([28])، وأكد ابن عاشور على أن الآية تتضمن أصلان عظيمان يعتبران قاعدتان كليتان في الشريعة، وأصولا عظيمة للتشريع ونظام الاجتماع، وهما نفي الإضرار، ونفي التكليف بما لا يطاق، في تحديد مقدار النفقة” ([29]).
ومن خلال أقوال المفسرين أستنبط أن النفقة الواجبة على الوالد لولده يراعي فيها يسر الوالد وعسره من جهة، وعادات الناس وأعرافهم في الطعام والكسوة والسكني وباقي مشمولات النفقة، بنفقة الأم على ولدها، وكل ما هو ضروري للولد، فقد اتفق الفقهاء على أن النفقة تشمل الكسوة والطعام والسكنى والتعليم ([30])، وزاد الشافعي تطبيب الولد ([31])، وبذلك فإن للقاضي سلطة تقديرية واسعة في تقدير نفقة الأولاد الواجبة على أبيهم، وأكد أبو زيد الحائك على أن تقدير النفقة: “موكول إلى اجتهاد القاضي… غير أنه يتبع فيه الأعراف بحسب ما تقتضيه حالة البلد، وحال الرجل المنفق وسن المنفق عليه” ([32]).
الفرع الثاني: تضامن الأم مع الأب في النفقة
إن المذاهب الفقهية تناولت حكم إنفاق المرأة على أبنائها عند عجز الأب.
فالمالكية في المشهور من المذهب أن النفقة واجبة على الأب بحسب يسره وعسره، والأم غير ملزمة بالنفقة على أبنائها جاء في المدونة: “قلت أرأيت الأب إذا كان معسرا والأم موسرة أتجبر على نفقة ولدها وهم صغار في قول مالك؟ قال: لا تجبر على نفقة ولدها” ([33])، وقال القرطبي في تفسيره لقوله تعالي: (لينفق ذو سعة من سعته): “هذه الآية أصل في وجوب النفقة للوالد على الولد دون الأم، خلافا لمحمد بن المواز يقول: إنما على الأبوين على قدر الميراث، ابن العربي: ولعل محمد أراد أنها على الأم عند عدم الأب” ([34]).
والحنابلة الظاهرية: ألزموا الأم بالإنفاق متى عجز الأب أو توفي ولم يكن للأبناء مالا ينفقون منه، يقول صاحب المغني: “فإن الأم تجب نفقتها ويجب عليها أن تنفق على ولدها إذا لم يكن له أب، لأنها أحد الوالدين فأشبهت الأب، ولأن بينهما قرابة توجب رد الشهادة… فأشبهت الأب، فإن أعسر الأب وجبت النفقة على الأم، ولم ترجع بها عليه إن أيسر… لأن من وجب عليه الإنفاق للقرابة لم يرجع به كالأب” ([35])، وقال ابن الحزم: “ويلزم المرأة كل ما ذكرنا كما يلزم الرجل إلا نفقة الولد، فما دام الأب قادرا عليها فليس على المرأة من ذلك شيء، هذا على جميع أهل الإسلام قديما وحديثا، فإن عجز الأب عن ذلك أو مات ولا مال لهم فحينئذ يقضي بنفقتهم وكسوتهم على أمهم لقول الله عز وجل: (لَا تُضَارَّ وَالِدَةٌ بِوَلَدِهَا وَلَا مَوْلُودٌ لَهُ بِوَلَدِهِ) ([36])، وليس في المضارة شيء أكثر من أن تكون غنية وهم يسألون على الأبواب، ولأن الأوامر المنذرة جاءت مجيئا واحد لم يخص بها ورجل من امرأة” ([37]). والشافعية فرضوا نفقة الولد على الأب، فإذا أعسر أو مات ووجد الجد أبو الأب فنفقة الولد عليه، ولا تنتقل النفقة إلى الأم إلا إذا انعدم الأب وآباؤه، قال النووي: “فإذا أعسر الأب أو مات فمذهب الشافعي أنها تجب على الجد أبي الأب، وإن علون دون الأم… ثم تنتقل بعدهم إلى الأم” ([38]).
والحنفية اختلفت أقوالهم إلى أربعة أقوال، فالقول الأول: إن النفقة واجبة على الجد أو الأم أو الخال إذا كانوا موسرين، والثاني: اعتبر الأم أولى من الجد بالإنفاق على ولدها، ثم ترجع على الأب إذا أيسر، والثالث: ألزم الجد بالإنفاق ولا يرجع على الأب، والرابع: وزع النفقة بين الجد والأم على قدر الميراث ([39]).
وفي ختام هذا الفرع تجدر الإشارة إلى أن السلطة التقديرية الواسعة للقاضي في تقدير النفقة الواجبة على الأب، تبقى سارية المفعول بالنسبة للأم.
المبحث الثاني: نفقة الأبناء من خلال العمل القضائي
المطلب الأول: خصائص أحكام النفقة
تكتسي دعاوي النفقة طابعا اجتماعيا، لارتباطها بمعيشة الأولاد، الذين قد يجدون أنفسهم بين عشية وضحاها بدون مورد عيش، وذلك أمام تقلص التكافل الاجتماعي، لهذا كله جعلت مدونة الأسرة الأحكام الصادرة بشأنها مشمولة بالنفاذ المعجل بقوة القانون إلى حين سقوط الفرض شرعا.
ولتميز أحكام النفقة بعدة خصائص فإنني سأقف عليها من خلال المواد والفصول التي تناولتها في مدونة الأسرة، وق. ل. ع، و ق. م. م، وسأناقش عناصر تقديرها، وطرق استيفائها من خلال العمل القضائي.
الفرع الأول: خصائص أحكام النفقة
الفقرة الأولى: الصبغة الاستعجالية لأحكام النفقة
ينص الفصل 179 مكرر من ق. م. م على أنه: “يبت في طلبات النفقة باستعجال وتنفذ الأوامر والأحكام في هذه القضايا رغم كل طعن.
ريثما يصدر الحكم في موضوع دعوى النفقة للقاضي أن يحكم بنفقة مؤقتة لمستحقيها في ظرف شهر من تاريخ طلبها مع اعتبار صحة الطلب والحجج التي يمكن الاعتماد عليها.
وينفذ هذا الحكم قبل التسجيل وبمجرد الإدلاء بنسخة منه”، ونصت المادة 190 من مدونة الأسرة في فقرتها الثانية على أنه: “يتعين البت في القضايا المتعلقة بالنفقة في أجل أقصاه شهر واحد”، جاء في الدليل: وللإسراع في توفير النفقة الضرورية للمحضون جاءت المادة بتحديد الآجل الأقصى للفصل في قضايا النفقة وحددته في شهر” ([40])، ولكن الواقع العملي بأقسام قضاء الأسرة يشهد على عكس هذا، لأن التقييد بأجل الشهر بالنسبة لقضايا النفقة عملا بالمادة 190 من المدونة، يؤدي أحيانا إلى عدم احترام الآجال المحددة قانونا للاستدعاء حسب الفصلين 40 و41 من ق. م. م. والتي قد يترتب عن مخالفتها البطلان عند التمسك به من ذي المصلحة، ولتجاوز هذا الإشكال اقترح أنه “يمكن لذي المصلحة أن يطلب الحكم بنفقة مؤقتة وتبت المحكمة وفق مقتضيات الفصل 179 من ق. م. م.” ([41]).
ويمكن لكل ذي مصلحة أن يلتمس إيقاف التنفيذ المعجل، على اعتبار أن الفصل 179 من ق م م نص على ما يلي: “… مع اعتبار صحة الطلب والحجج التي يمكن اعتمادها”.
كما يمكن لكلا الطرفين إذا لم يقبلا بالنفقة التي يحددها القضاء الفدي… أن يطلبا مراجعتها مباشرة بعد صدور قرار القاضي وذلك طبقا للمادة 128 من مدونة الأسرة، كما أن الحكم الصادر بتقدير النفقة يبقى ساري المفعول إلى أن يصدر حكم آخر يحل محله، أو يسقط حق المحكوم له في النفقة طبقا للمادة 191 من المدونة، وذلك “ضمانا لاستمرار أداء النفقة ودرء لانقطاع أسباب العيش عن مستحقها وتخفيفا عنه من أعباء ما تقتضيه المطالبة كل مرة من إجراءات ومصاريف” ([42])، وهذا مادة 192 على أنه لا يقبل طلب الزيادة في النفقة المتفق عليها أو المقررة قضائيا أو التخفيض منها قبل مضي سنة، إلا في ظروف استثنائية، وشرح الدليل الظروف الاستثنائية ب : “كتغيير دخل المكلف بالنفقة خلال السنة أو المستفيد منها، أو حدوث تقلبات وتغييرات في الأسعار من الرخص إلى الغلاء أو العكس” ([43]).
لهذا أصدرت المحكمة الابتدائية بالحسيمة -قسم قضاء الأسرة- حكمها رقم 334 في الملف رقم: 793/ 2007 جاء فيه: “… في الموضوع… وحيث أن الفرض مر على تقديره عدة سنوات مما تكون معه المدعية محقة في طلب الزيادة فيه طبقا للمادة 192 من المدونة، ذلك أن مؤشر الأسعار وتكلفة المعيشة عرفا خلال هاته الفترة اتجاها ظاهر نحو الارتفاع. وحيث ارتأت المحكمة مراعاة لكون البنت شهرزاد تتابع دراستها حسب ما هو ثابت من الشهادة المدرسية طي الملف مما يتطلب نفقات إضافية، ومراعاة لكون المدعي عليه عامل بالخارج ولمستوى الأسعار بمدينة الحسيمة مع التوسط… حكمت المحكمة بجلستها العلنية وابتدائيا غيابيا للمدعي عليه حضوريا للمدعية… في الموضوع: بالزيادة في نفقة البنت شهرزاد من المبلغ 500 درهم إلى مبلغ 700 درهم شهريا” ([44]).
الفقرة الثانية: النفقة دين بمواصفات خاصة
تعتبر النفقة دينا في ذمة المطلق لا يسقط بالتقادم لصريح المادة 195 من مدونة الأسرة، والتي جاء فيها: “ولا تسقط بمضي المدة”، وأن هذا النوع من الديون لا يقبل الحجز لدي الغير، حيث نجد الفصل 488 من ق. م. م. ينص على أنه: “لا يمكن لكل دائن ذاتي أو اعتباري يتوفر على دين ثابت إجراء حجز بين يدي الغير بإذن من القاضي على مبالغ ومستندات لمدينه والتعرض على تسليمها له.
غير أنه لا يقبل التحويل والحجز فيما يلي: ثانيا: النفقات “ولا يقبل كذلك الصلح والمقاصة، فبعد أن قرر المشرع المغربي في الفصل 1098 من ق.ل.ع بأن الصلح هو عقد بمقتضاه يحسم الطرفان نزاعا قائما، أو يتوقعان قيامه، وذلك بتنازل كل منهما للآخر عن جزء مما يدعيه لنفسه أو بإعطائه مالا معينا أو حقا، نص في الفصل 1102 من ق. ل. ع على أنه: “لا يجوز الصلح على حق النفقة، وإنما يجوز على طريقة أدائه أو على أداء أقساطه التي استحقت فعلا”.
وفي الفصل 365 من ق. ل. ع، الذي نص على أنه: “لا تقع المقاصة: أولا: إذا كان سبب أحد الدينين نفقة أو غيرها من الحقوق التي لا يجوز الحجز عليها”، فلا يستطيع المطلق في هذه الحال أن يتمسك في مواجهة مطلقته المدينة بالمقاصة بدعوى أنه دائن لها مال ما كذلك.
وفي هذا المقام تجدر الإشارة إلى أن دين النفقة يعد دينا ممتازا، حيث يحتل المرتبة الثالثة بعد مصروفات الجنازة، والديون الناشئة عن مصروفات مرض الموت، وذلك حسب الفصل 1248 من ق. ل. ع.
الفقرة الثالثة: الحماية الجنائية للنفقة
نصت مدونة الأسرة في 202 على أن كل توقف ممن تجب عليه النفقة عن الأداء لمدة أقصاها شهر دون عذر مقبول، تطبق عليه أحكام إهمال الأسرة لأن الأولاد الذين يستحقون النفقة غالبا ما يكونون قاصرين عاجزين عن المطالبة بحقهم في النفقة، ولتوفير الحماية لهم نصت هذه المادة على أن مجرد التوقف عن أداء نفقتهم من الأب أو الأم لمدة أقصاها شهر دون عذر مقبول يشكل جريمة إهمال الأسرة” ([45])، ونظم المشرع المغربي جريمة إهمال الأسرة في الفصول 479- 482 من القانون الجنائي، فبعد أن بين الفصل 479 إهمال الأسرة والعقوبة المخصصة لها أضاف الفصل 480 ما يلي: “يعاقب بنفس العقوبة من صدر عليه حكم نهائي أو قابل للتنفيذ المؤقت بدفع نفقة إلى زوجة أو أحد أصوله أو فروعه وأمسك عمدا عن دفعها في موعدها المحدد.
وفي حالة العود يكون الحكم بعقوبة الحبس حتميا.
والنفقة التي يحددها القاضي تكون واجبة الأداء في محل المستحق لها ما لم ينص الحكم على خلاف ذلك”
الفرع الثاني: مشمولات النفقة وعناصر تقديرها
الفقرة الأولى: مشتملات النفقة
تنص المادة 189 من المدونة على أن: “تشمل النفقة الغذاء والكسوة والعلاج، وما يعتبر من الضروريات والتعليم للأولاد” يقول الدكتور أحمد الخمليشي: “فمن ناحية يدخل في كل عنصر منها ما يعتبر من مكملاته وتوابعه مثل ما يتبع المسكن من فراش، وماء وإنارة، وتدفئة، وتنظيف، وتهيئ الطعام عند الحاجة وكذا تنظيف الفراش والكسوة” ([46])، وكذلك تشمل النفقة توسعة الأعياد الدينية والتي يمكن الحكم بها مستقلة أو مدمجة، وتلافيا لكل إبهام فإن العمل القضائي يحكم بالنفقة وبتوسعة الأعياد في حكم واحد ولكن بشكل واضح يجلي قيمة كل واحد منهما.
وهذا ما أكده المجلس الأعلى في قراره 225 المؤرخ في 5/ 4/ 2006: “وبعد إجراء بحث وانتهاء الردود قضت المحكمة الابتدائية بتاريخ 10/ 12/ 03 بالملف 636/ 03 على المدعي عليه بالزيادة في واجب نفقة ابنيه فيصل وخليل من مبلغ 2100 درهم شهريا لهما معا إلى مبلغ 2500 درهم شهريا لهما معا ابتداء من 17/ 6/ 03 وعلى المدعي عليه بأدائه للمدعية واجب توسعة الأعياد الدينية عن الابنين المذكورين أعلاه بحساب مبلغ 800 درهم سنويا لكل واحد منهما ابتداء من 17/ 6/ 03 إلى حين سقوط الفرض شرعا وشمول الحكم بالنفاذ المعجل ورفض الطلب المضاد، واستئنافه الطرفان استئنافا أصليا… قضت محكمة الاستئناف… وبتأييد الحكم المستأنف مع تعديله وذلك بالرفع من نفقة والتوسعة المحكوم بهما إلى مبلغ 3000 درهم شهريا للولدين معا بدلا من 2500 درهم شهريا، وإلى 1000 درهم سنويا توسعة لكل من الولدين… وهذا هو القرار المطلوب نقضه من طرف الطالب… قضى المجلس الأعلى برفض الطلب وتحميل الطاعن المصاريف” ([47]). كما اعتبر المجلس الأعلى العلاج والتمدرس من مشمولات النفقة في قراره عدد 613 المؤرخ في 21/ 12/ 2005: “إن العلاج والتمدرس يعتبران من مشتملات النفقة التي تم الاتفاق على تحديدها في مبلغ 800 درهم شهريا بموجب الطلاق الخلعي، عملا بالمادة 189 من مدونة الأسرة وأن المحكمة لما أيدت الحكم الابتدائي القاضي على الطالب بأداء واجب النفقة بحسب المبلغ المتفق عليه، بالإضافة إلى واجب العلاج والتمدرس اللذان يعتبران من مشتملات النفقة طبقا لمقتضيات المادة المذكورة، ودون الرد بمقبول على الدفع المتعلق بالتنازل المشار إليه فإنها تكون قد خرقت مقتضيات الفصل 230 من ق. ل. ع، وكان قرارها ناقص التعليل وهو بمثابة انعدامه ومعرضا للنقض” ([48])، وإن تكاليف سكني المحضون تعتبر من مشمولات النفقة بصريح المادة 189: “تشمل النفقة الغذاء والكسوة… مع مراعاة أحكام المادة 168 أعلاه”، وإن العمل القضائي يثبتها مستقلة تطبيقا للمادة 168 من المدونة التي نصت على أن: “تكاليف سكني المحضون مستقلة في تقديرها عن النفقة وأجرة الحضانة وغيرهما.
يجب على الأب أن يهيئ لأولاده محلا لسكناهم، أو أن يؤدي المبلغ الذي تقدره المحكمة لكرائه مراعية في ذلك أحكام المادة 191 بعده.
لا يفرغ المحضون من بيت الزوجية إلا بعد تنفيذ الأب للحكم الخاص بسكني المحضون”.
ولقد حسمت هذه المادة بنص صريح في إخراج تكاليف سكني المحضون من مشمولات النفقة وأجرة الحضانة، وغيرها وأوجبت أن تكون مستقلة في تقديرها عن هذه الالتزامات وفي ذلك مراعاة لحقوق المحضون… وكلما كان هناك حكم خاص بسكني المحضون، فعلى الأب تنفيذه أولا قبل المطالبة بإفراغ المحضون من بيت الزوجية.
وجاء في الدليل: “أما تكاليف سكني المحضون فتعتبر من واجبات النفقة لكنها مستقلة في تقديرها عن النفقة” ([49]).
لهذا نقض المجلس الأعلى القرار الاستئنافي الذي لم يستجب لطلب الحاضنة الحكم لها بتكاليف السكني بعد مراعاتها في تقدير النفقة المحددة قبل دخول المدونة حيز التنفيذ: “إن المادة 168 من مدونة الأسرة اعتبرت تكاليف سكني المحضون مستقلة في تقديرها عن النفقة وأجرة الرضاعة والمحكمة لما رفضت طلب أداء واجب سكني المحضون الذي تقدمت به الطاعنة بتاريخ 7/ 5/ 2004 أي بعد دخول مدونة الأسرة حيز التنفيذ بتاريخ 5/ 2/ 2004 بعلة أن المادة 399 من المدونة لا تسعفها والحال أن مقتضيات هذه المادة محصورة في الطعون وآجالها تكون قد بنت قرارها على غير أساس مما يعرض قرارها للنقض الجزئي” ([50]).
كما نقض المجلس الأعلى في قراره 1245 المؤرخ في 2 / 4/ 2004، القرار الاستئنافي الذي قضى بإفراغ الأم الحاضنة لأولادها بيت والدهم بعلة الاحتلال بدون سند: “وحيث صح ما عابته الطاعنة على القرار، ذلك أن الحضانة فقها تتمثل في حفظ المحضون في مبيته ومؤونته ولباسه ومضجعه…، ولا يمكن تحقيق ما ذكر إلا بتوفير مسكن للمحضون وباتفاق الفقهاء فإن أجرة هذا المسكن يتحملها كباقي الواجبات الأخرى والد المحضون الذي يجب الحكم عليه بها منذ بداية الحضانة وحسب أحواله المادية،… فإن بقاءها بمنزل مطلقها باعتبارها حاضنة لمحضونيها لا يمكن أن يوصف بالاحتلال، دون التحقق سلفا من أن قاضي التوثيق قد حدد سلفا في أمره بالنفقة مبلغا خاصا بأجرة السكني للمحضونين أو أن الزوج المطلق قد هيأ لهما ولحضانتهما بالتبعية مسكنا مناسبا لحالته المادية الأمر الذي ليس بالملف ما يثبته، ولذلك ونظرا لما تكتسبه الحضانة من بعد اجتماعي يجب مراعاته حتى لا يقع الإضرار بالمحضون… فإن المحكمة عندما أمرت بإفراغ الطاعنة كحاضنة من المنزل الذي تسكنه مع محضونيها، بعلة الاحتلال بدون سند دون مراعاة ما ذكر أعلاه، تكون قد عللت قرارها تعليلا خاطئا الموازي لانعدامه وتعرض قرارها لنقض” ([51]).
الفقرة الثانية: عناصر تقدير النفقة
صرحت المادة 85 من المدونة بأن: “تحدد المستحقات الأطفال الملزم بنفقتهم طبقا للمادتين 190، 168 بعده، مع مراعاة الوضعية المعيشية والتعليمية التي كانوا عليها قبل الطلاق”، وجاء في الدليل: “ويجب أن تتركز العناصر المعتمدة في تحديد مستحقات الأطفال، على الوضعية التي كانوا يعيشون عليها قبل وقوع الطلاق معيشة وتعليما وصحة، انطلاقا من معايير موضوعية.
وعلى المحكمة أن تتأكد بكل الوسائل الممكنة كالخبرة للتعرف على وضعية الزوج المادية سواء تعلق الأمر بالراتب أو الريع أو مداخيل أخرى” ([52]).
وتنص المادة 189 من مدونة الأسرة على أنه: “يراعى في تقدير كل ذلك التوسط ودخل الملزم، وحال مستحقيها ومستوى الأسعار والأعراف والعادات السائدة في الوسط الذي تفرض فيه النفقة”.
لقد رفض المجلس الأعلى في قراره عدد 23 المؤرخ في 12/ 1/ 05 طلب الطاعنة في المبلغ المحكوم به استئنافيا كنفقة لعلة الهزال في التقدير وعدم تغطيته لحاجات المنفق عليها، وجاء فيه: “لكن حيث إن تقدير مبلغ النفقة يرجع على سلطة المحكمة ولا رقابة عليها مادام قرارها مؤسسا على أسباب سائغة والبين من القرار المنتقد أنه راعى عناصر الإنفاق منها دخل الملزم بها وحال مستحقها ومستوى الأسعار والعادات مع اعتبار التوسط المادة 189 من مدونة الأسرة فالوسيلة لذلك غير معتبرة” ([53]).
كما أن المجلس الأعلى نقض القرار الاستئنافي الذي لم يستند إلى إجراء بحث حول وضعية الزوج المالية وحالة الزوجة الاجتماعية، واكتفى بتبني الأمر الصادر عن السيد قاضي التوثيق: “حيث صح ما عابه الطاعن على القرار… والمحكمة لما تبنت الأمر بتحديد الالتزامات المترتبة عن الطلاق القاضي على الطاعن بأدائه للمطلوبة 13700 درهم عن نفقتها أثناء العدة و20000 درهم عن المتعة و2300 درهم شهريا عن نفقة ابنته منها إضافة إلى مبلغ 200 درهم شهريا عن واجب الحضانة و2000 درهم شهريا عن توسعة الأعياد معللة قرارها بأن المبالغ التي حددها السيد قاضي التوثيق في أمره المذكور بني تقديرها على البحث الذي أجراه في إطار محاولات الصلح بين الطرفين قبل إصداره الإذن بالطلاق وراعى فيه المقتضيات الموضوعية دون أن تتضمن محتويات الملف أي دليل على هذا البحث ودون أن تبرز عناصر اعتماد تقدير ما يجب على الطاعن لمطلقته يكون قرارها بذلك ناقص التعليل الذي هو بمثابة انعدامه، مما يعرضه للنقض” ([54]).
الفرع الثالث: تضامن الوالدين في النفقة
تعتبر المساواة بين الزوجين هي الفلسفة التي صرح المشرع القانوني تبنيها في صياغته لبنود مدونة الأسرة، سواء عند بداية إبرام عقد الزواج أو أثناء قيام الزوجية أو عند انتهائها.
وأوجبت على الوالدين المادة 54 معا مجموعة من الواجبات نحو أطفالهما منذ الولادة إلى سن الرشد القانوني.
وفي حال افتراق الزوجين فإن المدونة ألزمت الأب بالنفقة بجميع مشمولاتها على أبنائه كما هو منصوص عليه في المواد 167 و168 و198 غير أنها في المادة 199 فرضت النفقة على الأم إذا كانت موسرة والأب عجز كليا أو جزئيا وهذا ما أكد الدليل: “لقد تقدم التأكيد على أن نفقة الأولاد على أبيهم، إلا أنه قد يحدث أن يصبح الأب في حالة عجز كلي أو جزئي ففي هذه الحالة تجب نفقة الأولاد على الأم الموسرة وذلك بمقدار ما عجز عنه الأب” ([55]).
وفي شرحه للمادة 201 من المدونة أكد تضامن الأم في أجرة الرضاع: “وتجب أجرة الرضاع على المكلف بنفقة الرضيع قانونا والأب هو أول من تجب عليه هذه النفقة ثم أم الصغير في حالة عجز الأب” ([56]).
وفي ختام هذا المطلب أشير إلى أن للحاضنة أن تطالب بتحويل التعويضات العائلية التي يتقاضاها المحضون له عن الولد المحضون، وهذا ما قضت به المحكمة الابتدائية بطانطان -قسم قضاء الأسرة- في ملف رقم 20/ 2005، جاء فيه: “وحيث أن استمرار المدعي عليه في استخلاص مبلغ التعويضات العائلية الخاصة بالطفلين بناهي وحورية رغم أنهما ليستا تحت رعايته وحضانته من شأنه أن يشكل إثراء بلا سبب على حساب الغير مما ارتأت معه المحكمة إلى الاستجابة للطلب… في الموضوع: أمر رئيس المجلس البلدي لبلدية الوطية بتحويل مبلغ التحويلات العائلية التي يتقاضاها المدعي عليه الجندوري رحال عن الابنين بناهي وحورية من ميزانية البلدية وأدائها لفائدة المدعية السالكة الزيعر مع شمول الحكم بالنفاذ المعجل” ([57]).
المطلب الثاني: تنفيذ الأحكام المتعلقة بالحقوق المالية للأبناء
الفرع الأول: طرق استيفاء الحقوق المالية للأبناء
لقد أسندت المدونة المحكمة تحديد وسائل تنفيذ الحكم الصادر بجميع الحقوق المالية للأبناء بعد الطلاق عند النطق بالحكم في قضاء الموضوع وذلك في المادتين 168 و191، ولأهمية تنفيذ هذه الأحكام لكونها تكتسي الطابع الاستعجالي والاجتماعي، وتعدد استيفاء نفقة الأبناء، فمنها الأداء بواسطة الحوالات البريدية، والإيداع في صندوق المحكمة، والحجز التحفظي، والحجز لدى الغير، غير أن المدونة نصت على مستجد تشريعي يهم تنفيذ النفقة، ويتمثل في الاقتطاع من المنبع، وسأكتفي في هذا المقام بالحديث عن هذا المستجد، إضافة إلى الحجز لدى الغير.
الفرع الثاني: الاقتطاع من المنبع
نصت المادة 191 من المدونة على أن للمحكمة تحديد: “وسائل تنفيذ الحكم بالنفقة، وتكاليف السكن على أموال المحكوم عليه، أو اقتطاع النفقة من منبع الريع أو الأجر الذي يتقاضاه”، لهذا فإن قضاء الموضوع ملزم بالاستجابة للطلب الذي حدد وسيلة الاقتطاع من المنبع لاستيفاء نفقة الأبناء، وإذا لم يذكر صاحب الطلب هذه الوسيلة، يمكن لقضاء الموضوع الحكم بها في إطار السلطة التقديرية الممنوحة له، وإذا صدر الحكم ولم يبين الوسيلة التي تؤدي بها الحقوق المالية للأبناء بعد الطلاق، أمكن تدارك هذا الإجراء بأمر استعجالي مبني على طلب، أو باستئناف الحكم، وذلك تفاديا لانقطاع النفقة عن الأبناء الذين هم في أمس الحاجة إليها، وتجنبا لاقتطاع شهري قد يستغرق كافة الراتب أو الأجر، ويؤدي إلى حرمان المنفق من النفقة، وقد يكون هذا الأخير يعيل أسرة أخرى بعد الطلاق.
ويمكن للحاضن مباشرة التنفيذ بعد حصوله على النسخة التنفيذية للحكم، والتوجه بها إلى الخازن العام إذا كان المنفذ عليه موظفا أو عامل بالقطاع الخاص وله رقم تأجير، أو إلى صناديق التقاعد إذا كان المنفذ عليه متقاعد.
وتعد هذه الوسيلة جد فعالة خصوصا إذا علمنا أن المبالغ المحكوم بها تدوم مدة طويلة، وأنها تجنب المنفق والمنفق عليه عواقب وخيمة، حيث تجنب الأول تبعات دعوى إهمال الأسرة، والثاني تقيه حدوث اضطرابات في حياته اليومية، مما يفقده ضروريات العيش الكريم فيصبح عرضه للتسول أو في أحسن الأحوال الدخول إلى عالم الشغل في سن جد مبكرة.
لكن الاقتطاع من المنبع قد تشوبه بعض الشوائب إذا كان المنفذ عليه متقاعد، تتمثل في نظام الأداءات للصندوق المغربي للتقاعد أو الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي، والذي يصرف رواتب المتقاعدين عند نهاية كل ثلاثة أشهر، وهو ما يتسبب في مشاكل حقيقية للأبناء في المناسبات الدينية، وعند الدخول المدرسي، وفي حالة مرض أحد الأبناء.
ومن خلال زيارة العديد من أقسام قضاء الأسرة، والجمعيات العاملة في مجال الأسرة والمرأة والطفل، اتضح استحسانهم لهذا المستجد التشريعي، ومنبهين إلى أن بعض ممثلي الخازن العام لا زالوا لم يستوعبوا هذا الإجراء، بدليل أنه يطالب المنفذ بالمصادقة على الحكم القاضي بالاقتطاع من المنبع، مع أن هذا الإجراء خاص بمسطرة الحجز لدى الغير.
[1] لسان العرب، مادة: نفق. والقاموس المحيط، مادة: نفق. ومجمل اللغة، ابن فارس، مادة: نفق.
[2] شرح حدود ابن عرفة، ص: 227.
[3] نفس المرجع، ص: 228.
[4] سبل السلام، 3/ 218.
[5] البهجة في شرح التحفة، 1/ 607.
[6] رد المحتار على الدار المختار، 2/ 886. وبدائع الصنائع، 4/ 31. والبحر الرائق، 4/ 188.
[7] البقرة، جزء من الآية: 233.
[8] سنن أبي داود، كتاب الزكاة، رقم الحديث: 1691. وسنن النسائي، كتاب الزكاة، رقم الحديث: 2535. وسنن ابن حبان، كتاب النفقة، رقم الحديث: 4235.
[9] أحكام القرآن، ابن العربي، 1/ 203.
[10] الجامع لأحكام القرآن، 3/ 108.
[11] التحرير والنوير، 3/ 429.
[12] التفسير المنير، 2/ 364.
[13] الموافقات، 2/ 8.
[14] مقاصد الشريعة الإسلامية، ص: 306- 307.
[15] مقاصد الشريعة بأبعاد جديدة، عبد المجيد النجار، ص: 178.
[16] المبسوط، 5/ 223.
[17] الفواكه الدواني، 2/ 74.
[18] المجموع شرح المهذب، 19/ 402.
[19] البحر الرائق شرح كنز الدقائق، 4/ 188.
[20] المغني، 7/ 398.
[21] الطلاق، جزء من الآية: 7.
[22] أحكام القرآن، ابن العربي، 4/ 1841.
[23] الجامع لأحكام القرآن، 18/ 112
[24] صحيح البخاري، البخاري، في كتاب النفقات، رقم الحديث: 5364، وصحيح مسلم، مسلم، كتاب الأقضية، رسم الحديث: 1714.
[25] التحرير والتنوير، 28/ 331.
[26] البقرة، جزء من الآية: 233.
[27] فتح القدير، الشوكاني: 1/ 218.
[28] روح المعاني، 2/ 146.
[29] التحرير والتنوير، 2/ 412.
[30] البهجة شرح التحفة، 1/ 607، والمغني، 7/ 349.
[31] مغني المحتاج، 3/ 448.
[32] النوازل الصغرى، المهدي الوزاني، 2/ 228.
[33] المدونة الكبرى، 2/ 357.
[34] الجامع لأحكام القرآن، 18/ 113.
[35] المغني، 7/ 395.
[36] البقرة، جزء من الآية: 233.
[37] المحلي، 9/ 277.
[38] المجموع شرح المهذب، 19/ 400.
[39] المبسوط، 5/ 223، وبدائع الصنائع، 5/ 41، وحاشية ابن عابدين، 4/ 10.
[40] دليل عملي لمدونة الأسرة، ص: 117.
[41] الأيام الدراسية 4- 15 أكتوبر و20– 21 دجنبر 2004 المنظمة من طرف وزارة العدل بالمعهد العالي للقضاء لمناقشة الإشكالات العملية لمدونة الأسرة
[42] دليل عملي لمدونة الأسرة، وزارة العدل، ص: 118.
[43] نفس المرجع.
[44] حكم رقم: 334 مؤرخ في: 2 جمادي الأولى 1427 موافق 30- 5- 2006 في الملف عدد: 793/ 2005.
[45] دليل عملي لمدونة الأسرة، ص: 120.
[46] التعليق على قانون الأحوال الشخصية، 2/ 192.
[47] قرار المجلس الأعلى عدد 225، الصادر في 5/ 4/ 06 في الملف الشرعي عدد: 617/ 2/ 1/ 2005.
[48] قرار المجلس الأعلى عدد 613، الصادر في 21/ 12/ 05 ملف شرعي عدد: 267/ 2/ 1/ 05.
[49] دليل عملي لمدونة الأسرة، ص: 106.
[50] قرار المجلس الأعلى عدد 261، الصادر في 26/ 4/ 2006 في الملف المدني عدد: 314/ 2/ 1/ 2005.
[51] قرار المجلس الأعلى عدد 1245، الصادر في 2/ 4/ 4 في الملف المدني عدد: 2000/ 2/ 3/ 2039.
[52] دليل عملي لمدونة الأسرة، ص: 67.
[53] قرار المجلس الأعلى عدد 23، الصادر في 12/ 1/ 2005 في الملف الشرعي عدد: 586/ 2/ 1/ 2004.
[54] قرار المجلس الأعلى عدد 17، الصادر في 4/ 1/ 2006 في الملف الشرعي عدد: 420/ 2/ 1/ 2005.
[55] دليل عملي لمدونة الأسرة، ص: 122.
[56] نفس المرجع، ص: 123.
[57] حكم عدد 73، صادر في 19/ 4/ 2005، في الملف رقم: 20/ 2005.


