في ضوء القانونين المقارن والمغربي
ذ. ناصر بلعيد
باحث بمركز دراسات الدكتوراه بكلية الحقوق بسلا،
جامعة محمد الخامس –السويسي-
يعاني الأطفال عادة من ضعف قدراتهم الجسمية والعقلية إذا ما قورنت بتلك التي يتمتع بها البالغون، الشيء الذي قد يساهم في تسهيل المأمورية على الغير الذي يرغب في الاعتداء على حقهم في سلامتهم الجسدية، ولكون هذا الأخير يعد من بين أسمى الحقوق التي يتمتع بها الطفل، فإنه أصبح في الوقت المعاصر مهددا أكثر في عدة اتجاهات، منها ذات الصلة بالنزاعات السياسية والعرقية كالحروب، ومنها تلك المتصلة بالإهمال واللامبالاة نتيجة سوء التغذية والعناية والتطبيب التي تؤدي في غالب الأحيان إلى وفاة الطفل، ومنها على الخصوص المرتبطة بالأعمال الإجرامية الصرفة الرامية إلى سلب حياة الطفل لتحقيق مصالح ثانوية ([1]).
وتمثل صفة الطفولة عموما إما عنصرا تكوينيا في التجريم، أو ظرفا مشددا في تحديد العقوبة وذلك لما تتميز به المرحلة التي تمر منها من ميزات خاصة لاسيما إذا كان الطفل طفلا حديث العهد بالولادة، ولاعتبار أن هذا الأخير يعد إنسانا بالدرجة الأولى فإنه يستفيد من الحماية الجنائية العامة المقررة للإنسان لضمان تمتعه بما يعرف بحقوق الإنسان كما هي متعارف عليها كونيا، فضلا عن استفادته من الحماية الجنائية الخاصة المقررة له كطفل وليد، التي تمليها ظروفه الخاصة المتمثلة بضعف إدراكه وعجزه عن الدفاع عن نفسه في حال الاعتداء عليه.
وسينحصر نطاق هذه الدراسة على الحماية الجنائية المتعلقة بالأطفال حديثي الولادة، دون الغوص في جوانب هذه الحماية المرتبطة بمبادئ حقوق الإنسان، التي تدخل في إطار الحماية الجنائية العامة، وبذلك فلن نتناول جرائم القتل الخطأ وجرائم الضرب المفضي إلى الموت وعموما غيرها من الجرائم غير العمدية.
وتبقى من بين أهم الجرائم الواقعة على الطفل الوليد جرائم القتل العمد التي يراد من ورائها تحقيق نتائج غير قانونية ترتبط غالبا في مهدها بارتكاب جرائم أخلاقية. وقد حاول جانب من الفقه وضع تعريف قانوني لمفهوم القتل العمد في معناه العام، فالبعض اعتبره “الاعتداء الإرادي والباغي على حياة إنسان بفعل إنسان أخر” ([2])، وهناك من عرفه بأنه “صدور فعل أو ترك من إنسان بقصد إزالة حياة إنسان أخر بغير حق ويؤدي ذلك إلى وفاته” ([3])، أما التعريف القانوني الذي وضعه المشرع المغربي للقتل في إطار الفصل 392 من القانون الجنائي فهو “كل من تسبب عمدا في قتل غيره يعد قاتلا”، أو كما عبر عنه القانون الفرنسي في المادة 221 من القانون الجنائي أن القتل هو “إزهاق الروح المرتكب إراديا” ([4]).
وبالرغم من كون جل التشريعات المقارنة تعتمد نفس مفهوم القتل، الذي يقتضي أن يكون محل الجريمة إنسانا على قيد الحياة، وأن يتم إزهاق روحه بشكل غير شرعي على أساس أن القتل قد يكون في بعض صوره شرعي كتنفيذ حكم الإعدام في حق شخص مدان بحكم جنائي حائز لقوة الشيء المقضي به، وبأن يكون هذا السلوك صادرا عن شخص أخر، فإن القليل من هذه التشريعات من خصص لجريمة قتل الطفل بشكل عام والطفل حديث الولادة بشكل خاص مقتضيات قانونية خاصة في منظوماتها الجنائية، ومن ذلك نذكر قانون العقوبات اللبناني الذي نص على تشديد عقوبة قتل الطفل الذي لم يكمل خمس عشرة سنة من العمر؛ إذ أن غالبية التشريعات اعتبرت جريمة قتل الأطفال حديثي الولادة مثلها مثل باقي الجرائم المرتكبة ضد الإنسان البالغ. بحيث أنها لم تفرد لها أي نص قانوني خاص وهذا ما سار عليه قانون العقوبات المصري وقانون الجزاء الكويتي.
ومن هذا المنطلق نورد أن جريمة قتل الأطفال حديثي الولادة تتكون من نفس الأركان القانونية التي تقوم عليها جرائم القتل المرتكبة في حق الرشداء، مع فارق أساسي يتعلق بصفة المجني عليه الذي هو الطفل حديث الولادة باعتباره يؤثر في تقدير العقوبة.
ويقصد بمفهوم حداثة الولادة حسب بعض الفقهاء تلك المدة الزمنية الواقعة بين فترة الولادة سواء كانت طبيعية أو قيصرية أو اصطناعية كتلك الواقعة على أطفال الأنابيب المزدادين قبل التاريخ الطبيعي للولادة لأسباب تتعلق بصحة الأم، وبين فترة ما قبل إتمام الطفل سنته الأولى من العمر ([5]).
وقد يثور الإشكال بخصوص مسألة تحديد فترة هذه المدة الزمنية التي تعتمد بشكل أساسي في تكييف الفعل الجرمي باعتباره واقع على طفل حديث الولادة من عدمه، بحيث اختلف حول مداها بين من يناصر جعلها مدة طويلة ومن يناشد بتقليصها، إلا أن التيار الغالب قد استقر على اعتبر الطفل حديث الولادة بمجرد ولادته بفترة زمنية قصيرة جدا ([6]). وهذا فيه إجحاف في حق الوليد لأن الحماية الجناية المقررة لصالحه ستضيف من الناحية الزمنية.
وبوجود هذا التباين الفقهي حول المرحلة العمرية التي يكون فيها الطفل حديث الولادة كان لابد من تدخل القوانين من أجل تحديد هذه المرحلة الفاصلة بين الولادة والقتل، والتي يعتبر فيها الطفل وليدا، فمن جانبه فقد حدد المشرع البلجيكي هذه الفترة في يوم واحد فقط من تاريخ الولادة ([7])، بينما جعلها المشرع الدنمركي في يومين من تاريخ الولادة حسب ما جاء بمقتضيات المادة 234 من قانون العقوبات ([8]). بينما هناك من القوانين من حصرها في مدة ثلاثة أيام من تاريخ الولادة كالتشريع الفرنسي ([9])، إلا أن تحديد هذه المدة كان بصورة ضمنية بعدما استنتجها القضاء الفرنسي باعتبارها المدة اللازمة التي يجب خلالها تقييد المواليد بسجلات الحالة المدنية ([10]).أما التشريع المصري فقد حددها هو الأخر بشكل غير مباشر وجعلها في حدود خمسة عشر يوما من تاريخ الولادة، وهي المدة التي استشفها القضاء المصري باعتبارها الفترة القصوى لتسجيل الطفل بسجلات الحالة المدنية. في حين حددها القانون الإنجليزي الصادر سنة 1952 في مدة زمنية طويلة شيئا ما مقارنة بالمدد السالفة الذكر، وجعلها تمتد إلى بلوغ الطفل سنة كاملة من تاريخ ولادته ([11]).
وبخصوص معالجة القانون المغربي لهذه الفترة فبالرجوع إلى مقتضيات الفصل 397 ([12]) من القانون الجنائي نجده لم يحددها على غرار ما ذهبت إليه التشريعات المقارنة المذكورة، وإن كان بعض الفقه المغربي قد اعتبر أن الفصل المذكور وإن لم يحدد صراحة هذه الفترة فإنه حسب رأيه قد جعل هذه الفترة قصيرة عندما استعمل المشرع مصطلح “وليد”. ولم يوظف مصطلح “ولد” في ذات الفصل ([13]).
وأمام سكوت المشرع عن تحديد النطاق الزمني لحداثة العهد بالولادة، وكذا أمام غياب اجتهاد قضائي يقضي بتحديد هذه المدة الزمنية، نرى أن الأمر يبقى متروكا للسلطة التقديرية لقضاة الموضوع على أساس أن تكون المدة بين واقعة القتل ولحظة الميلاد قصيرة.
ويلاحظ أن ارتكاب جريمة قتل الطفل الوليد تتم عادة إما من قبل الأم بنفسها رغبة منها في اتقاء العار، لاسيما في حالة ما إذا كان ازدياد هذا الوليد نتيجة علاقة جنسية غير شرعية (المطلب الأول)، أو يتم قتله من طرف الغير نتيجة أسباب اجتماعية مختلفة (المطلب الثاني).
المطلب الأول: قتل الأم لطف لها الوليدات قاءل لعار
يكون غالبا إقدام الأم على قتل وليدها بسبب الضغوط الاجتماعية والظروف النفسية والبيولوجية التي تتحملها، سيما في الحالات التي يكون فيها حملها ناتجا عن علاقة جنسية غير شرعية، فبدافع هذه الظروف الصعبة قامت التشريعات الجنائية في العديد من دول العالم على تمتيع الأم التي تزهق روح وليدها نتيجة هذه العوامل بتخفيف العقوبة في حقها ([14]).
وسعيا لتسليط الضوء على جريمة قتل الأم لوليدها لكونها تعد جريمة استثنائية ضمن جرائم القتل العمد العادية، كان لابد من إبراز المبررات القانونية والواقعية التي دفعت التشريعات الجنائية لتخفيف العقوبة في حق الأم، وذلك سواء كان الهدف في قتل وليدها هو اتقاء العار، أو كان بدافع أخر، سعيا من هذه التشريعات المذكورة إلى منح فرص أخرى للأم للمساهمة في تكوين أسرة مستقبلية عمادها الاستقرار لأداء أدوارها الأساسية في بناء المجتمع بصفة عامة.
وانطلاقا من ذلك نشير إلى أن السياسات الجنائية لبعض الدول تنقسم في شأن معالجة جريمة قتل الأم لوليدها إلى أربع اتجاهات أساسية، اتجاه أول يأخذ بالعذر المخفف للعقوبة في حق الأم ([15])، وذلك اعتبارا للباعث وراء إقدامها على ارتكاب هذه الجريمة الذي غالبا ما يكون بدافع اتقاء العار ومن أجل التستر على الفضيحة، إذ يمثل هذا الاتجاه التشريع الإيطالي وقانون العقوبات السوري في مادته 537 ([16])، وقانون العقوبات اللبناني في المادة 551، وقانون الجزاء الكويتي في مادته 159، وقانون العقوبات العراقي في المادة 408 ([17]). بينما الاتجاه الثاني فإنه لا يشترط لقيام الجريمة المذكورة سوى نية إزهاق الروح، دونما تطلبه في ذلك توفر القصد الجنائي الخاص الذي قوامه اقتراف الجريمة بغرض التستر على الفضيحة ،ويمثل هذا التيار القانون الفرنسي القديم ([18]).
وبخلاف ذلك هناك اتجاه ثالث والذي جعل من قتل الأم لوليدها لا تستفيد وهذه الحالة من أي عذر قانوني مخفف للعقوبة، إذ يمثل هذا الاتجاه التشريع المصري، بحيث لم يقرر أي حكم خاص يتعلق بقتل الطفل حديث الولادة سواء كان مرتكب هذا القتل الأم كيفما كان دافعها في ذلك، أو من قبل الغي.
أما الاتجاه الرابع وإن كان متشابه في نتائجه مع الاتجاه الثاني إلا أن أساسه مغاير، ويعود السبب في ذلك إلى اختلاف دافع قتل الأم لوليدها بين الاتجاهين، ويمثل هذا الاتجاه جانب من التشريعات كالقانون الفرنسي الجديد والقانون الإنجليزي، التي خففت العقوبة في حق الأم أيا كان غرضها من قتل ابنها حديث العهد بالولادة، ولو لم يكن الهدف هو اتقاء العار، بحكم أن هذا الأخير جعل جريمة قتل الأم لوليدها الذي لم يكمل سنته الأولى متى كانت حالتها النفسية متدهورة بسبب الأعراض الناتجة عن الولادة شبيهة بجريمة القتل غير العمدي في أحكامها القانونية.
ومن أجل فهم الغرض من تمتيع الأم بعذر مخفف للعقوبة كان لابد من الوقوف على الأسباب والمبررات الدافعة إلى اعتماد هذا التساهل التشريعي (الفقرة الأولى)، مع ضرورة التطرق إلى دراسة الأركان القانونية المتطلبة من أجل تفعيل العذر السالف الذكر لاسيما في التشريع الجنائي المغربي (الفقرة الثانية).
الفقرة الأولى: مبررات تمتيع الأم الجانية بعذر مخفف للعقوبة
لقد صدرت في مطلع القرون الوسطى عدة قوانين صارمة تجرم قتل الطفل من طرف أية جهة كانت بما فيهم والديه، إذ كانت تنفذ على الجاني المدان من أجل هذا القتل عقوبة الإعدام. ويعود سبب هذا التشديد في العقاب إلى إقرار اهتمام خاص بالأطفال لاعتبارهم، حسب هذه القوانين يشكلون طرفا ضعيفا تجب حمايته جنائيا ([19]). وقد امتد هذا التوجه القانوني في الزمان إلى أن برز تيار فقهي يتزعمه جانب من الفلاسفة والمفكرين الذين انتقدوا هذا النهج المتشدد في العقاب مع مرتكبي جرائم القتل في حق الأطفال بصفة عامة، لاسيما إذا كان الجناة من بين والدي هؤلاء الأطفال، بحيث نادوا بضرورة تخفيف عقوبة هذه الجرائم لاعتبارات متعددة منها ذات الصلة بالجانب الاجتماعي للجاني، وأخرى ترتبط بالضغوط والإكراهات التي ترمي إلى حماية شرف العائلة ([20]).
ومن بين أهم دوافع إقدام الأمهات على ارتكاب جرائم القتل في حق أطفالهم حديثي الولادة هو دافع إنقاذ سمعة العائلة، خاصة إذا كان الطفل المجني عليه قد ولد في إطار غير شرعي سواء كان ذلك برضا الأم أو نتيجة فعل إجرامي كما لو نتج حملها بسبب جريمة اغتصاب. ولكي يتم اعتبار قتل الأم لوليدها يعود أساسه إلى رغبتها في اتقاء العار، وبالتالي إمكانية استفادتها من العذر المخفف للعقوبة، يجب توفر ركنين أساسيين، وهما:
أولا: أن يكون المحيط الأسري للأم التي أزهقت روح وليدها يستنكر الحمل متى كان ناتجا عن علاقة جنسية غير شرعية.
ثانيا: أن تتقاسم الأم مع محيطها الأسري نفس الاستنكار اتجاه حملها غير الشرعي، مع استحضار أن هذا الشرط لا يسري في حال كون الأم تمتهن الدعارة مثلا، لأنها في هذه الحالة لا تشارك محيطها الاجتماعي قيمه المتعارف عليها ([21]).
ويرجع كذلك تبرير تخفيف العقاب عن الأم للظروف النفسية الصعبة والمتردية التي تكون عليها لحظة وضعها مولودا يكون ثمرة علاقة غير شرعية، لأنها في هذه اللحظة تعاني من لعنة العار التي تلاحقها، ويظهر ذلك جليا من خلال علاقتها بمحيطها الأسري والخارجي وكذا من خلال علاقتها بنفسها. الشيء الذي يولد لديها رغبة كبيرة في التخلص السريع من وليدها قصد تجنب الفضيحة ([22]).
ويستنتج من خلال ما سبق ذكره أن وضعية الأم في هذه المرحلة تشبه وضعية الشخص الواقع تحت تأثير إكراه معنوي كبير، الشيء الذي تكون معه جريمة قتل وليدها أقل خطورة من جميع صور القتل العادية الأخرى التي قد ترتكب لأتفه الأسباب، بخلاف جريمة القتل التي تقدم عليها الأم وهي خاضعة لمشاكل نفسية وظروف فيزيولوجية استثنائية ([23]).
وهناك من يعتبر أن إقدام الأم على هذا القتل يبرره عدم علم المجتمع والسلطات العامة بواقعة وضعها لمولود خارج الإطار الشرعي، وذلك نتيجة تسترها المستمر قبل وبعد هذه الواقعة، متوقعة أن ارتكابها لهذه الجريمة لن يكتشفها أحد. وأن قتل الطفل حديث العهد بالولادة في مراحله الأولى من العمر يكون عادة أقل خطورة من غيره من الجرائم، لكون المجني عليه يكون في هذه المرحلة من حياته في غاية من العجز والضعف والإدراك، ولم تتكون له بعد أية قيمة اجتماعية حقيقية تستوجب حمايتها جنائيا، بل وربما كونه غير صالح حتى للحياة بسبب مشكل صحي لا ينفع معه علاج أو تشوه خلقي خطير ([24]).
الفقرة الثانية: أركان جريمة قتل الأم لوليدها في التشريع المغربي
لقد عالج المشرع المغربي موضوع قتل الأم لوليدها من خلال نصه في الفقرة الثانية من الفصل 397 من القانون الجنائي على أنه: “إلا أن الأم سواء كانت فاعلة أصلية، أو مشاركة في قتل وليدها تعاقب بالحبس من خمس سنوات إلى عشر، ولا ينطبق هذا النص على مشاركيها ولا على المساهمين معها” ([25]). فمن خلال وضع المشرع لهذه المقتضيات يكون قد نحى منحى التشريعات الجنائية التي لم تقرن استفادة الأم التي أزهقت روح وليدها من العذر القانوني المخفف للعقوبة، وذلك متى كان غرض هذا القتل هو اتقاء العار، وإنما متعها بهذا العذر لمجرد كون القتيل يعد ابنها.
ومن أجل تحقق جريمة قتل الأم لوليدها يتعين قبل كل شيء توفر الأركان العامة للجريمة شأنها في ذلك شأن باقي الجرائم الأخرى ([26])، بحيث تتطلب قيام الركن المادي والمتمثل في إتيان الأم لفعل أو الامتناع عن فعل يؤديان إلى إزهاق روح الطفل حديث الولادة ([27])، وموازاة مع ذلك يجب توفر الركن المعنوي الذي يترجم في نية إزهاق الأم لروح وليدها بشكل عمدي دون وجوب انحصار القصد الجنائي في صورة معينة، أي دون التقيد بتحقق قصد جنائي خاص.
وبالإضافة إلى تحقق الأركان العامة يتعين لقيام هذه الجريمة توفر شروط خاصة أخرى تستشف من مضمون الفقرة الثانية من الفصل 397 المذكور، والتي يمكن حصرها فيما يلي:
أولا: صفة الجاني:
بقراءة مقتضيات الفقرة الثانية من الفصل المذكور نجدها تنص على ضرورة أن تكون صفة الجاني هي أم الطفل الوليد، بحيث استثنت غيرها من الإعفاء بما في ذلك أقاربها مهما كانت درجة قرابتهم من جهتها أو من جهة الوليد المجني عليه. كما أن صفة الأم التي أشارت إليها هذه المقتضيات لا تنطبق على الأم بالتبني أو الأم المرضعة للوليد وذلك تطبيقا لقاعدة عدم جواز التوسع في تفسير النص الجنائي. وعلى خلاف من ذلك نجد بعض التشريعات المقارنة كالتشريع الإيطالي قد وسع من دائرة الأشخاص الذين يشملهم العذر المخفف للعقوبة في حال قتل احدهم لطفل حديث العهد بالولادة بدافع إنقاذ شرفه، وهم الأب والأم والعم والخال، أو أي شخص أخر تربطه بالأم علاقة قرابة مباشرة ([28]).
ثانيا: صفة المجني عليه:
يتعين أن يكون المجني عليه طفلا حديث الولادة، وهذا مع ضرورة استحضار أن الفصل 397 من القانون لم يحدد بشكل دقيق السن الذي يعتبر فيه الطفل طفلا حديث الولادة وذلك كما فعلت بعض التشريعات المقارنة التي حددته قانونا كما أشرنا سابقا.
وجدير بالذكر أن المجني عليه لا يهم جنسه سواء كان ذكرا أو أنثى، وأيا كانت عليه حالته الصحية، ولو كان يعاني من أمراض الخطيرة كالأورام في مراحلها الأخيرة، أو العاهات قاتلة التي تتسبب بشكل كبير في الحد من فرص البقاء على قيد الحياة.
ثالثا: شرعية الطفل حديث الولادة
إن مقتضيات الفصل 397 من القانون الجنائي لم تتناول بالتحليل الإطار الذي ازداد فيه الوليد المجني عليه، وإنما جاءت هذه المقتضيات القانونية بشكل مبهم، بحيث نصت بشكل عام على تجريم إقدام الأم على قتل وليدها دون تحديدها فيما إذا كان يتعين لتفعيل هذه المقتضيات حصريا أن تكون الضحية نتاج علاقة جنسية غير شرعية.
ومن هذا المنطلق، وتفعيلا لمبدأ ضرورة تفسير النص الجنائي تفسيرا ضيقا، يمكن القول أن هذا التجريم ينتج جميع آثاره القانونية، وذلك سواء كان هذا الطفل مزدادا في إطار شرعي أو غير شرعي لعمومية السياق الذي جاء فيه النص القانوني، وسواء كان نتيجة تغرير أو اغتصاب، وبغض النظر فيما إذا كانت الأم الجانية عازبة أو متزوجة ([29])، إذ يبقى الأمر خاضعا في جميع الأحوال إلى السلطة التقديرية للمحكمة.
رابعا: القصد الجنائي:
يتبين من خلال مقتضيات الفصل 397 من القانون الجنائي أنه لم يتطلب أي قصد جنائي خاص لقيام جريمة قتل الأم لوليدها، فلا يهم سبب إقدام الأم على اقتراف جريمتها، سواء كان ذلك لاتقاء العار، أو لصون شرفها، أو للحفاظ على سمعة عائلتها، أو كان بدافع العوز أو الفقر، أو لكون الوليد ازداد مشوه الخلقة، أو مريضا مرضا خطيرا ([30]).
المطلب الثاني: جريمة قتل الطفل حديث الولادة من غير الأم
قد لا تنحصر صفة الفاعل على الأم التي تقدم على قتل وليدها، وإنما يمكن أن تنصرف هذه الصفة إلى الغير كذلك، إذ قد يكون هذا الغير إما قريبا من ناحية القرابة الدموية للطفل حديث الولادة المجني عليه بنفس درجة قرابة الأم له كالأب الذي يزهق روح وليده لسبب من الأسباب (الفقرة الأولى)، وإما أن يكون هذا الغير بعيدا عن الأسرة (الفقرة الثانية).
الفقرة الأولى: جريمة قتل الأب لطفله الوليد
لقد عالجت أحكام الشريعة الإسلامية جريمة قتل الأب لابنه عمدا، إذ يعود أساس مشروعية تحريم هذه الجريمة من الكتاب والسنة، وبعدهما من الأحكام المستخلصة من الإجماع والعقل.
وفي هذا الإطار جاء في قوله عز وجل في كتابه الجليل (وَإِنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا فَابْعَثُوا حَكَمًا مِنْ أَهْلِهِ وَحَكَمًا مِنْ أَهْلِهَا إِنْ يُرِيدَا إِصْلَاحًا يُوَفِّقِ اللَّهُ بَيْنَهُمَا إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا خَبِيرًا) ([31])، وقوله تعالى (وَآَتُوا الْيَتَامَى أَمْوَالَهُمْ وَلَا تَتَبَدَّلُوا الْخَبِيثَ بِالطَّيِّبِ وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَهُمْ إِلَى أَمْوَالِكُمْ إِنَّهُ كَانَ حُوبًا كَبِيرًا) ([32]) وقوله تعالى (بَدِيعُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَنَّى يَكُونُ لَهُ وَلَدٌ وَلَمْ تَكُنْ لَهُ صَاحِبَةٌ وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ) ([33]).
ومن بين أسس تحريم القتل في السنة النبوية قوله صل الله عليه وسلم “أول ما يقتضي بين الناس يوم القيامة في الدماء”، وقوله عليه الصلاة والسلام “لا تقتل نفسا ظلما إلا كان على ابن ادم الأول كفل من دمها لأنه كان أول من سن القتل”، وقوله في حجة الوداع “فإن دماءكم وأموالكم وأعراضكم عليكم حرام كحرمة يومكم هذا في شهركم هذا في بلدكم هذا فليبلغ الشاهد الغائب” ([34]).
أما عن الإجماع فقد كان قائما على تحريم القتل العمد عموما، والعقل والحكمة يقضيان كذلك بشرعية تحريمه لأنه يفضي إلى الفناء وانتشار الفساد في الأرض، لأن المحافظة على النفس من أوكد الضروريات التي راعتها كافة الشعوب والأديان. ولم يكتف عز وجل على تحريم صور القتل على وجه العموم وإنما عمد إلى تحريم كافة صور قتل الأب لابنه، وما ذلك إلا لتجنب سفك الدماء بدون مبرر أو وجه شرعي، سيما وأن جرائم قتل الآباء لأبنائهم كانت تقترف بالكثرة على اختلاف المراحل التاريخية المتعاقبة، إذ كانت أسبابها تعود إما إلى فساد الطباع أو لانتشار العادات والتقاليد التي تشجع هذا القتل.
ومن خلال ما سبق حري بنا ذكر الأدلة الشرعية التي جاء بها سبحانه وتعالى لتأكيد تحريم قتل الأبناء، وهكذا جاء في القرآن الكريم قوله تعالى (قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ أَلَّا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُمْ مِنْ إِمْلَاقٍ نَحْنُ نَرْزُقُكُمْ وَإِيَّاهُمْ وَلَا تَقْرَبُوا الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَلَا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ) ([35]) وقوله تعالى (وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُمْ خَشْيَةَ إِمْلَاقٍ نَحْنُ نَرْزُقُهُمْ وَإِيَّاكُمْ إِنَّ قَتْلَهُمْ كَانَ خِطْئًا كَبِيرًا) ([36])، وقوله عز وجل: (وَإِذَا الْمَوْءُودَةُ سُئِلَتْ (8) بِأَيِّ ذَنْبٍ قُتِلَتْ (9)) ([37])، وقوله تعالى (وَإِذَا بُشِّرَ أَحَدُهُمْ بِالْأُنْثَى ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدًّا وَهُوَ كَظِيمٌ (58) يَتَوَارَى مِنَ الْقَوْمِ مِنْ سُوءِ مَا بُشِّرَ بِهِ أَيُمْسِكُهُ عَلَى هُونٍ أَمْ يَدُسُّهُ فِي التُّرَابِ أَلَا سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ (59)) ([38])، قوله تعالى (وَكَذَلِكَ زَيَّنَ لِكَثِيرٍ مِنَ الْمُشْرِكِينَ قَتْلَ أَوْلَادِهِمْ شُرَكَاؤُهُمْ لِيُرْدُوهُمْ وَلِيَلْبِسُوا عَلَيْهِمْ دِينَهُمْ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا فَعَلُوهُ فَذَرْهُمْ وَمَا يَفْتَرُونَ) ([39])،
وقد أرجع سبحانه وتعالى سبب قتل الآباء لأبنائهم إلى حالة التخلف التي كانت غالبة على تقاليدهم وعاداتهم وطباعهم، وبذلك يقول عز وجل في هذا الموضوع (قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ قَتَلُوا أَوْلَادَهُمْ سَفَهًا بِغَيْرِ عِلْمٍ وَحَرَّمُوا مَا رَزَقَهُمُ اللَّهُ افْتِرَاءً عَلَى اللَّهِ قَدْ ضَلُّوا وَمَا كَانُوا مُهْتَدِينَ) ([40]). وإذا ما تأملنا في الحالات التي أوردها الله سبحانه وتعالى في القرآن الكريم والتي تتعلق بقتل الأب لابنه نجدها لا تخرج عن الحالات التالية:
- الحالة الأولى القتل بسبب الفقر :
إن سبب القتل في هذه الحالة يعود إلى فقر الأب وخشيته من عدم القدرة على الإنفاق على أولاده، فالأب هنا وتجنبا لذلك يقوم بقتل ابنه الوليد بالرغم من كون هذا الفعل متعارضا مع القيم الإسلامية السمحة مصداقا لقوله تعالى (إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُولَئِكَ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ كَبِيرٌ) ([41]).
- الحالة الثانية: القتل بسبب جنس الوليد:
ويعود سبب القتل في هذه الحالة إلى كون الوليد من جنس أنثى، بحيث كان الآباء في عهد الجاهلية يقومون بقتل المولود الأنثى وذلك بدفنها حية فور ولادتها ([42])، إذ كانوا يعتبرون أنه إذا ما رزقوا بمولود أنثى فإن الحظ السيئ سيخيم عليهم، و بأن آلهتهم التي كانوا يعبدونها ستغضب عليهم. كما كانوا يعتقدون أنه إذا أزداد فراشهم أنثى سيعتبرون ناقصي الفحولة، الشيء الذي قد يؤثر سلبا على مكانتهم الاجتماعية داخل قبائلهم.
- الحالة الثالثة: القتل بسبب ديانة الابن:
وبخصوص هذه الحالة فلا يمكن تصور حدوثها لأن الوليد لا يمكنه الخروج عن دين والده نظرا لعدم نضجه العقلي والفكري. ويمكن تلخيص هذه الحالة أن دافع قتل الأب لابنه يرجع إلى اعتناق هذا الأخير للدين الإسلامي، خلافا للديانة الوثنية التي يدينها أبويه، إذ يعود ذلك إلى الإلحاد والكفر الذين غشي الآباء فحادوا بالتالي عن الطريق المستقيم ([43]).
هذا عن موقف الشريعة الإسلامية من قتل الأب لوليده، أما بخصوص مقاربة القانون الوضعي للموضوع، فإن التشريعات المقارنة قد تناولت موضوع قتل الأب لطفله الوليد من زاوية أخرى لا تتعلق بمدى تمتعه بعذر مخفف للعقاب من عدمه، ولكن بمدى تشديد العقوبة في حقه من عدمه، بحيث انقسمت هذه التشريعات حول طبيعة العقوبة المقررة للأب الذي يقتل ابنه، فمنها القوانين العربية على سبيل المثال كالقانون السوري والعماني واللبناني والليبي والتشريع الجزائري الذي اتجه نحو تشديد هذه العقوبة إذا ما وقع القتل العمد ضد أحد الفروع، بينما هناك من التشريعات من لم يرى على ضرورة لتشديد هذه العقوبة معتبرا إياها جريمة عادية، وهذا ما أخذ به كل من التشريع المصري والعراقي والتونسي والقطري والقانون الاتحادي الإماراتي ([44]).
وهناك من يعتبر ظرف تشديد العقوبة في حق الأب مبنيا على أساس رابطة القرابة التي تجمع الجاني بالمجني عليه، وأن تبرير هذا التشديد هو إقدامه على قتل ولده فهو بذلك يدخل في دائرة المجرمين الذين لا أمل في إصلاحهم، لكونه تنكر لأعمق الوشائح وأقوى الأواصر البشرية ألا وهي أواصر الدم، وخرق حرمة مشاعر الأبوة، وهي مشاعر إنسانية متجدرة، إذ ينعدم فيه حنان الأصل نحو الفرع ([45]).
ولتفعيل ظرف تشديد العقوبة في حق الأب في بعض التشريعات يتعين توفر أركان خاصة يمكن إجمالها فيما يلي:
- توفر الركن المادي من خلال إزهاق روح الطفل الوليد:
إذ يتعين أن يقوم الأصل الجاني بارتكاب الفعل المادي، أي أن يقوم بفعل من أفعال الاعتداء قصد إزهاق روح الفرع، وذلك بصفة عمدية.
- تحقق وصف القرابة التي تربط الجاني بالمجني عليه:
ويتحقق هذا الشرط من خلال كون المجني عليه أحد فروع الجاني، فالقرابة التي يجب توافرها بين الأصل والفرع لتشديد العقوبة المقررة للقتل العمد هي القرابة المباشرة، وبذلك فلا يجوز التوسع في مفهوم هذه القرابة لتشتمل غير الآباء، فبمفهوم النص لا يجوز مثلا أن يشتمل الأصل الجاني الجد الذي يأتي بعد مرتبة الأب وإن على. وذلك تماشيا مع القواعد العامة المنصوص عليها في القانون الجنائي والتي لا تجير التوسع في تفسير مقتضياتها ([46]).
- توفر القصد الجنائي بشقيه العام والخاص :
إن القصد الجنائي المتطلب في جريمة قتل الأصل للفرع يثير بعض الإشكاليات القانونية، فالقصد الجنائي أو النية الإجرامية الواجب توفرها في هذا النوع من القتل العمدي ينبغي أن يكون مزدوجا أو مضاعفا، بمعنى أخر يجب توفر قصد جنائي عام وقصد جنائي خاص، فالأول يقصد به أن يقرر الجاني بصفة إرادية إزهاق روح الضحية، بينما الثاني يعني علم هذا الجاني أن الضحية المراد قتلها تربطه بها علاقة قرابة الأبوة، بحيث يستحضر خلالها الجاني في صميم شعوره الذاتي ووجدانه هذه الرابطة التي تصله بالمجني عليه أثناء قتل هذا الأخير ([47]).
هذا عن معالجة بعض القوانين المقارنة لموضوع قتل الأب لابنه حديث الولادة، أما بخصوص موقف القانون المغربي من هذه الجريمة، فمن خلال استقراء الفقرة الثانية من الفصل 397 من القانون الجنائي المذكور سالفا يتبين أن المشرع المغربي لم يمتع الأب الذي يزهق روح ابنه الوليد عمدا بأية مقتضيات زجرية خاصة يستفيد منها في تخفيف العقوبة، وإنما اعتبره بمثابة الشخص الذي لا تربطه أية علاقة بالضحية في تقدير العقوبة الجنائية ([48]).
وبصفة عامة فإن أب الطفل الضحية لا يستفيد مثل الأم من ظروف التخفيف التي قررها القانون الجنائي لفائدتها للمبررات التي سبق شرحها، وذلك مهما كان دوره في تنفيذ جريمته في حق الابن، سواء كان فاعلا أصليا فيها أو مساهما أو مشاركا.
الفقرة الثانية: جريمة قتل الطفل الوليد من طرف الغير
لقد تعامل المشرع المغربي مع الجناة من الغير في جرائم القتل العمد التي يرتكبونها في حق الطفل الوليد بصرامة ملحوظة، وذلك بمناسبة تحديده عقوباتها، بالرغم من عدم وجود أية علاقة قرابة عائلية تجمعهم بهذا الطفل. ويتجلى ذلك من خلال معاقبته على هذه الجرائم بنفس العقوبات المخصصة لجرائم القتل المرتكبة ضد الراشدين. وهذا ما تترجمه الفقرة الأولى من الفصل 397 من القانون الجنائي التي تحيل على مقتضيات الفصلين 392 و 393 من نفس القانون بخصوص العقوبة المقررة لهذه الجرائم ([49]).
وبالرجوع إلى مقتضيات الفصلين 392 و 393 المذكورين نجد أن المشرع قد عاقب كل من تسبب عمدا في قتل غيره بعقوبة تتراوح ما بين السجن المؤبد والإعدام، وذلك حسب مدى توفر ظروف التشديد المشار إليها في الفصلين المذكورين.
وجدير بالذكر أن المشرع المغربي لما جرم القتل العمد المرتكب ضد الأطفال حديثي الولادة لم يجعل من الدافع لارتكاب هذه الجريمة معيارا يعتمد في تفريد العقوبة، إذ أنه مهما كانت دوافع الجاني لإزهاق روح الطفل الوليد فإنه يعاقب في جميع الأحوال بنفس العقوبة المقررة قانونا، ولو كانت هذه الدوافع ذات أبعاد إنسانية أو اجتماعية كما لو كان المجني عليه يعاني من تشوهات خلقية تعيق نموه بشكل خطير ومثالنا في هذه الحالة القتل الرحيم ([50]) وإن كانت إرادة الوليد منعدمة في هذه الحالة لصغر سنه، أو كما لو تم ارتكاب القتل بدافع اتقاء العار والفضيحة عن العائلة في الحالة التي يزداد فيها الوليد خارج الإطار الشرعي لظروف اجتماعية استثنائية.
وبخلاف التشريع المغربي الذي لم يقم بتمتيع الجناة بأي ظرف من ظروف التخفيف بمناسبة ارتكابهم للجريمة السالفة الذكر، ما عدا الأعذار القانونية المخففة للعقوبة والتي يتوقف إعمالها على توفر شروطها، فإن هناك من التشريعات المقارنة من قام بتوسيع دائرة الأشخاص المستفيدين من ظروف التخفيف الذين ارتكبوا جرائم قتل في حق الأطفال حديثي الولادة، فبالإضافة إلى الأم تسري هذه الظروف كذلك على كل من الأب والأخ والأخت والعم والخال بشرط أن يتم اقترافهم لهذه الجرائم من أجل حماية شرف العائلة وعرض الأم. و هذا أخذ به كل من التشريع الجنائي الليبي ([51])، والتشريع الجنائي الإيطالي ([52])، بحيث خفف هذا الأخير العقوبة في حق الغير متى قاموا بإزهاق روح طفل وليد مزداد في إطار غير شرعي شريطة أن يكون هدفهم من ذلك هو التخلص من العار الذي نجم عن ولادته ولحق بشرف العائلة، إذ أفرد لهم في هذه الحالة عقوبة الأشغال الشاقة المؤقتة تتراوح من ثلاثة إلى عشر سنوات سجنا ([53])، وذلك بدلا من العقوبة المقررة في جريمة القتل العادية المحددة في الأشغال المؤبدة.
وكما سبقت الإشارة فإن نفس المنحى سار عليه التشريع الجنائي الليبي بتخفيفه عقوبة قتل الوليد في حق ذوي القربى من جهة الأم، الذين ارتكبوا هذه الجريمة بدافع المحافظة على عرض الأم وشرف العائلة، إلا أن الملاحظ هو أنه لم يمدد هذا العذر المخفف للعقوبة ليشمل الأب أيضا بخلاف التشريع الإيطالي ([54]).
خلاصة لما سبق يتبين أن الطفل الوليد قد استفاد من حماية جنائية قانونية تبقى في عموميتها غير كافية في نظري، إذ ما يؤكد ذلك هو تفاقم عدد وفيات الأطفال حديثي الولادة نتيجة جرائم القتل العمد المقترفة في حقهم، والراجع بشكل غير مباشر إلى كون العقوبات التي تم وضعها لهذا الغرض غير رادعة مقارنة مع الأضرار الوخيمة التي تلحق بهؤلاء الأطفال حديثي الولادة، والتي تمس أساسا حقهم في الحياة. لذا يستحسن إخضاع المقتضيات القانونية الحمائية للطفولة عموما إلى إعادة النظر من أجل وضع عقوبات مشددة في حق كل من يعبث بها، ترجمة للاتفاقيات والمعاهدات الدولية المتعلقة بحقوق الطفل التي صادق عليها المغرب.
[1] من أجل تعزيز حماية الطفولة من الجرائم التي ترتكب في حقها، انشغلت غالبية الدول إلى اليوم بالاهتمام بحقوق الطفل وذلك سواء على المستوى الدولي أو على المستوى الوطني، فعلى الصعيد الدولي صدرت العديد من الإعلانات الدولية لحقوق الطفل، كما أبرمت اتفاقيات دولية جماعية وثنائية لكفالة الحماية الجنائية لحقوق الطفل، وأعلنت الأمم المتحدة أن سنة 1979 تعتبر سنة الطفل بامتياز. أما على المستوى الوطني فقد نصت في دساتيرها وتشريعاتها الداخلية على حقوقه التي يتعين توفيرها له وكفالة الحماية القانونية له، وهذا ما أخذ به المغرب من خلال دستوره الجديد الصادر سنة 2011 وما ترجمه في التشريعات الجنائية في شقيها العامة والخاصة.
[2] راجع حميد السعدي، جرائم الاعتداء على الأشخاص، مطبعة المعارف، بغداد، 1965، ص 31.
[3] راجع ماهر عبد شويش، شرح قانون العقوبات، القسم الخاص، مديرية دار الكتب للطباعة والنشر، الموصل، 1988، ص 115.
[4] Jean larguien Ann Mari larguier, Droit Penalspesial Mementos, Dalloz, 10 edition, Paris, 1998, p 08.
[5] راجع ممدوح خليل البحر، الجرائم الماسة بحق الطفل في الحياة والسلامة الجسدية، مجلة الحقوق، العدد الثالث، السنة السابعة والعشرون، سبتمبر 2003، ص 217.
[6] راجع محمد أبو العلا عقيلة، المجني عليه ودوره في الظاهرة الإجرامية، الطبعة الثانية، دار الفكر العربي، 1991، ص 61.
[7] المادة 296 من قانون العقوبات البلجيكي.
[8] Anderoes (J) et Wooben (D), le Droit Pénal des payes Scandinaves, 1960, p 72 et 73.
[9] المادة 55 من قانون القيد المدني.
[10] راجع حسني الجدع، المجني عليه في جرائم الاعتداء على الحياة وسلامة الجسم، مجلة الشريعة والقانون، ص.420
[11] Dumont (H) La protection de lénant en pénal, rapport Canien Henri Capitan, Tome XXX, 1979, p 247.
[12] وينص الفصل 397 من القانون الجنائي على أنه: “من قتل عمدا طفلا وليدا يعاقب بالعقوبات المقررة في الفصلين 392 و393، حسب الأحوال المفصلة فيهما.
إلا أن الأم، سواء كانت فاعلة أصلية أو مشاركة في قتل وليدها، تعاقب بالسجن من خمس إلى عشر. ولا يطبق هذا النص على مشاركيها ولا على المساهمين معها”.
[13] راجع عبد الواحد العلمي، شرح القانون الجنائي المغربي، مرجع سابق، ص 273.
وفي نفس الإطار فقد طالب الأستاذ عبد الواحد العلمي ضرورة تدخل محكمة النقض المغربية بصفتها أعلى هيئة قضائية من أجل تحديد الفترة الزمنية التي يعتبر خلالها الطفل لازال حديث الولادة حسب مفهوم الفصل 373 من القانون الجنائي.
[14] وتعتبر جريمة قتل الوليد من أشد الجرائم ارتباطا بأوضاع المجتمعات، سواء من جهة العادات والمعتقدات السائدة، أو من جهة القوانين السارية، ويشار إلى أن القانون الروماني الذي كان يعترف لرب الأسرة بسلطة مطلقة على أفراد أسرته لم يتضمن نصوصا محددة بشأن جريمة قتل الوليد، كما أن هذه الظاهرة لم تحظى باهتمام خاص من لدن بعض الدول الأوروبية الواقعة تحت تأثير القانون الجرماني إلا مع بداية العصور الوسطى، إذ بدأ النظر إليها باعتبارها صورة مشددة للقتل العمد ومعاقبا عليها بعقوبة الإعدام بالحرق.
إلا أن جانب من الفلاسفة والمفكرين في عصر الأنوار قد نددوا بهذه المعاملة العقابية الرهيبة، إذ ابدوا ملاحظاتهم بخصوص الوضعية البدنية والنفسية الحرجة للمرأة خلال فترة الوضع والنفاس، وبالتالي مدافعين عن ضرورة شمولها بعين من الرأفة والإشفاق من خلال تمتيعها بعذر مخفف من العقوبة.
وفي هذا السياق قال بيكاريا الماركيز أنه: “ليس قتل الطفل الوليد إلا نتيجة ورطة لا يمكن دفعها. حيث تكون المرأة المستسلمة لحظة ضعف أو الواقعة تحت وطأة إكراه، قد وجدت نفسها أمام الاختيار المرير بين القبول بواقع العار والهوان أو إزهاق روح كائن لما يتولد لديه الإحساس بعد بألم فراق الحياة، فكيف لها إذا إن تتجنب الانحياز للحل الثاني الذي من شأنه تجنيبها هي وطفلها سيء الحظ مغبة الشفاء المحتم؟” مأخوذ عن الأستاذ عبد الحفيظ بالقاضي، جريمة قتل الأم لطفلها الوليد في القانون المغربي، مجلة المحاكم المغربية، العدد 88، ص 78.
[15] ويتم تخفيف العقوبة في هذه الحالة لاعتبارات محددة مؤداها الحرج الاجتماعي الكبير وكذا الشقاء النفسي اللذان تقع فيهما الأم التي تضع مولودا غير شرعي، الشيء الذي يدفعها للتخلص منه تحريرا لنفسها من الشعور بالخطأ.
[16] وتنص هذه المادة على أنه: “تعاقب بالاعتقال المؤقت الوالدة التي تقدم اتقاء للعار، على قتل وليدها الذي حبلت به سفاحا”.
[17] بحيث نصت المادة 408 من قانون العقوبات العراقي على أنه: “يعاقب بالسجن مدة لا تزيد على عشر سنين أو بالحبس مدة لا تقل عن سنة الأم التي تقتل طفلها حديث العهد بالولادة اتقاء للعار إذا كانت قد حملت به سفاحا”.
[18] راجع عبد الحفيظ بالقاضي، جريمة قتل الأم لطفلها الوليد في القانون المغربي، مرجع سابق، ص 61.
[19] عادة ما يجد سند تشديد العقوبة في جريمة قتل الوليد في ذلك الشعور بالاستنكار الذي يتولد تجاه من لا يتردد في إزهاق روح طفل ضعيف ومجرد تماما من وسائل الدفاع من النفس، مما يتحمل معه المجتمع واجب القيام بتوفير أسباب الحماية والرعاية الخاصة من خلال وضع عقوبة رادعة في حق الجناة كتدبير وقائي.
[20] راجع عبد الواحد العلمي، مرجع سابق، ص 271.
[21] راجع نجيب حسني، القسم الخاص، مرجع سابق، ص180 و181.
[22] Back (G), op cit, p 233 et 247.
[23] Garroud, Traité théorique et pratique de droit penal français, 1924, part v, p 189, n 179.
[24] راجع محمد نجيب، القسم الخاص، مرجع سابق، ص176 و177.
[25] يعود أصل الفصل 397 من القانون الجنائي إلى القانون الجنائي الفرنسي القديم بكل ما وقع على هذا الأخير من تعديلات تشريعية متلاحقة، ابتداء من القانون الصادر في 21 نونبر 1901، بحيث أن هذا القانون كان يميز في العقوبة المقررة لقتل الوليد بين حالتين: الأولى تخص ارتكاب هذه الجريمة من قبل الغير الذي تطبق عليه عقوبة القتل العمد البسيط، أو القتل العمد المقترن لأحد ظروف التشديد. والثانية تتعلق بحالة ارتكاب الجريمة من قبل الأم إذ تطبق عقوبة مخففة تتمثل في صورة أولى الأشغال المؤبدة بدلا من عقوبة الإعدام إذا ما اقترن القتل بظرف سبق الإصرار أو بصورة الأشغال الشاقة المؤقتة بدلا من الأشغال الشاقة المؤبدة إذا اتخذ القتل صورة بسيطة.
وبالرغم من صدور القانون المذكور لم يفلح في الحد من استمرار المحاكم الفرنسية آنذاك في التصريح ببراءة المتهمات أو مجرد النطق بعقوبات بسيطة في حقهن، بحيث وأمام هذا الوضع تدخل المشرع الفرنسي ثانية من خلال القانون الصادر في 2 شتنبر 1941 الذي أعاد وصف جريمة قتل الوليد من جناية إلى جنحة معاقب عليها بالحبس من ثلاث إلى عشر سنوات مع حرمان مرتكبها من الاستفادة من وقف التنفيذ ومن الظروف القضائية المخففة كذلك. ومع ذلك فإن هذا التعديل كان محطة نقد كبير من جانب الأوساط المعنية بالشأن القانوني على اعتبار أنه يتنافى مع الاعتبارات الأخلاقية والقانونية من خلال نزوله بهذه الجريمة الخطيرة إلى مستوى الجنح، ليكون هذا النقاش سببا مباشرا في صدور تعديلات أخرى جاءت بصدور قانون 11 فبراير 1951 الذي أعيد بمقتضاه للقضاء الزجري حريته الكاملة في تحديد العقوبات الشيء الذي أفسح المجال للمتهمين في جريمة قتل الوليد الاستفادة من ظروف التخفيف، واستقر الوضع على ذلك إلى حين صدور قانون 13 أبريل 1954 الذي تم من خلاله الرجوع إلى النظام العقابي الذي كان مقررا بمقتضى قانون 21 نونبر 1901 مع فارق واحد تجسد في إخضاع الأم القاتلة لوليدها لعقوبة مخففة واحدة وهي السجن من عشر إلى عشرين سنة سجنا بغض النظر عن دافع ارتكابها لهذه الجريمة. راجع عبد الحفيظ القاضي، جريمة قتل الأم لطفلها الوليد في القانون المغربي، مجلة المحاكم المغربية، العدد 88، ص 78.
[26] أنظر ممدوح خليل البحر، الجرائم الماسة بحق الطفل في الحياة والسلامة البدنية، مجلة الحقوق، مرجع سابق، ص 218.
[27] يعتبر قتل الوليد كغيره من صور القتل العمد، إذ يرتبط وجوده ماديا بإتيان الفاعل نشاطا يتحقق به فعل الاعتداء، ونتيجة إجرامية تؤدي إلى إزهاق روح الضحية، ورابطة سببية تحكم الصلة بين هذين العنصرين. ويثور تساؤل قانوني هنا يتعلق بمدى التساوي في القيمة القانونية بين تحقيق الجريمة عن طريق الامتناع وتحقيقها بفعل الارتكاب، ويمكن صياغة هذا التساؤل بشكل أخر يتعلق بمدى اعتبار التسبب في النتيجة الإجرامية بالوسائل الإيجابية كإزهاق روح الوليد خنقا أو غرقا أو بإحدى الآلات القاطعة أو الواخزة متساويا في الأثر القانوني لإحداثها بالوسائل السلبية كعدم ربط الحبل السري للوليد، أو الامتناع عن إرضاعه وتغذيته، أو عدم بذل العناية الضرورية لاستمرار بقائه على قيد الحياة.
ونرى أن تفسير المقتضيات القانونية المتعلقة بالقتل العمدي للوليد التي جاء بها الفصل 397 من القانون الجنائي، على نحو يؤدي إلى شمول صوره المادية للفعل الإيجابي والامتناع السلبي يتضمن خروجا عن مبدأ شرعية الجرائم والعقوبات، وتجاوزا لسلطات القاضي الجنائي في التفسير، فضلا عن استحالة إثبات العلاقة السببية بين الامتناع والنتيجة.
راجع عبد الحفيظ بلقاضي، القانون الجنائي الخاص، مكتبة دار الأمان، الرباط، 2001، ص 33 وما بعدها.
[28] أنظر نفس المرجع السابق، ص 218.
ويقتصر نطاق الأعذار القانونية الخاصة على جريمة معينة أو عدد محدد من الجرائم نص عليها القانون صراحة. ويستفيد منها الجاني إذا توافرت شروطها فيه، وهذا النوع من الأعذار هو تجسيد لفكرة التفريد التشريعي للعقوبة، بحيث يمنح المشرع مرتكبي بعض الجرائم فرصة الاستفادة منها في بعض الحالات وفي نطاق بعض الظروف التي قد تحيط بالجريمة أو بشخص مرتكبها. وفي التشريع المغربي مثلا توجد أمثلة كثيرة على الأعذار المخففة الخاصة نذكر منها العذر المخفف الذي يمنح للمرأة التي تجهض نفسها للمحافظة على شرفها أو لسبب أخر، إذ لا يستفيد من هذا العذر من يرتكب فعل الإجهاض على امرأة حامل من طرف الغير. إلا أنه في تشريعات عربية مقارنة يستفيد هذا الغير من هذا العذر المخفف للعقوبة متى كان الفعل من أجل المحافظة على شرف المرأة الحامل، شريطة أن تكون هذه المرأة إحدى فروعه أو إحدى قريباته حتى الدرجة الثالثة.
راجع سيد مصطفى محقق داماد، الظروف المخففة في قانون العقوبات الأردني، مجلة العلوم الإنسانية العدد 12، السنة 2005، ص63.
[29] إن المشرع الجنائي المغربي لم يميز بين قتل الأم لوليدها الشرعي وغير الشرعي لأن النص جاء عاما ومن ثم فالأم تستفيد من عذر التخفيف سواء كان الوليد شرعيا أو غير شرعي. وبذلك يكون المشرع الجنائي المغربي قد ساير التشريع الجنائي الفرنسي الذي يقرر هذا العذر سواء كان قتل الأم لوليدها اتقاء للعار أو غيره، ومهما كانت البواعث دنيئة على خلاف بعض التشريعات العربية التي تمتع الأم بهذا العذر متى كان القتل اتقاء للعار فقط، كما هو الشأن بالنسبة لقانون العقوبات السوري والكويتي واللبناني. راجع في هذا الصدد رجاء ناجي، “قتل الرأفة والخلاص”، رسالة لنيل دبلوم الدراسات العليا في الحقوق، كلية الحقوق أكد أل الرباط، السنة الجامعية 1999- 2000، ص 180.
[30] بحيث لا يلزم أن يتوافر قصد جنائي خاص ممثلا في الباعث على القتل، كأن يكون من أجل اتقاء العار مثلا كما اشترطت بعض التشريعات العربية المقارنة، وبالتالي فإن الأم تستفيد من ظروف التخفيف في هذه الجريمة ولو كان القتل لأسباب متنوعة كالخوف من العسر أو الفقر أو الخوف من المستقبل المجهول .
[31] سورة المائدة، الآية 35.
[32] سورة النساء، الآية 02.
[33] سورة الأنعام، الآية 101.
[34] راجع صحيح مسلم بشرح النووي، المطبعة المصرية بالأزهر، القاهرة، الطبعة الأولى 1347- 1969، الجزء العاشر، ص 166- 180.
راجع ذلك طاهر صالح العبيدي، جريمة قتل الأب ابنه عمدا وعقوبتها في الشريعة والقانون -دراسة مقارنة-، المجلة العربية للدراسات الأمنية والتدريب، عدد خاص، السنة 15، المجلد 15- العدد 30، ص 138.
[35] سورة الأنعام، الآية 151.
[36] سورة الإسراء، الآية 31.
[37] سورة التكوير، الآيتان 8 و9.
[38] سورة النحل، الآيتان 58 و59.
[39] سورة الأنعام، الآية 137.
[40] سورة الأنعام، الآية 140.
[41] سورة هود، الآية 11.
[42] يعتبر قتل الأبناء ظاهرة اجتماعية قديمة قدم المجتمعات البشرية، لها مرجعيا متعددة، إما أنها تدخل ضمن تقديم القرابين للإله أو تدخل ضمن وأد البنات في القبائل العربية قديما خوفا من العار، لكن الملاحظ حاليا أن هذه الظاهرة بدأت تتفشى نسبتها في المجتمعات المعاصرة بشكل ملحوظ تحت ترسانة القوانين وبنود حقوق الإنسان، ومن هنا فإن هذه الجريمة انحراف عن القيم الإنسانية، والنظام الاجتماعي القائم، والقوانين الوضعية السائدة في المجتمع. فقتل الأبناء هو في الأصل خلل نفسي واجتماعي، ولهذا تبدو هذه الظاهرة مرضية وشاذة وتخرج عن إطار القوانين الوضعية والتشريع الإسلامي.
[43] راجع ذلك طاهر صالح العبيدي، جريمة قتل الأب ابنه عمدا وعقوبتها في الشريعة والقانون -دراسة مقارنة-، مرجع سابق، ص144.
[44] راجع عبد العزيز بن محمد أحمد منصور، جرائم الأب نحو أبنائه بين الشريعة الإسلامية والقوانين الوضعية، دراسة مقارنة، دراسة للحصول على شهادة الماجستير، أكاديمية نايف للعلوم الأمنية، 2001، الرياض، ص 76.
[45] راجع نفس المرجع السابق، ص76.
[46] انظر محمد الفاضل، المبادئ العامة للقانون الجزائري، مرجع سابق، ص350 و351.
ونشير إلى أن القانون المدني السوري في مادته 37 قد عرف “القرابة المباشرة”, بأنها هي الصلة بين الأصول والفروع، أما قرابة الحواشي فقد عرفها في الفقرة الثانية من نفس المادة أنها الرابطة بين أشخاص يجمعهم أصل مشترك.
[47] راجع لوليد عدي، قانون العقوبات، الطبعة الثالثة، 1986، ص207 و208.
[48] ويعود سبب إقدام الآباء على قتل أبنائهم بالأساس إلى أسباب نفسية منها الأمراض النفسية التي تصيب الآباء والتي تدفعهم إلى قتل أبنائهم دون الوعي بعملية القتل نفسها، فمرتكبها سواء كان امرأة أو رجلا مختل نفسيا، فلا يمكن لشخص سليم من الناحية النفسية أن يرتكب جريمة القتل ضد الأبناء، لأن عاطفة الأبوة تمنع أي ضرر من المحتمل أن يضر بالأبناء، وهذا الاختلال النفسي يظهر عند هؤلاء في ما يسمي في علم النفس المرضي “التبلد العاطفي”، الذي تكون وراءه الكثير من الأسباب النفسية، والذي يجعلهم لا يحسون بأي عاطفة إنسانية نبيلة تجاه الأقارب. كما أن قاتل الأبناء يعتبر شخصا مشحونا بالحقد والعداء للآخرين نتيجة الرغبات العدوانية المكبوتة لديه، والتي ولدها لديه العنف المادي والمعنوي الذي مورس عليه من طرف أسرته، فيسقط كل ساديته العدوانية على ضحيته من أجل الانتقام منه، ومن خلاله من ماضيه في شخص الأبناء، من أجل إشباع رغبات عدوانية مكبوتة. ويعتبر كذلك قاتل الأبناء شخصا معاقا نفسيا بسبب العاهة النفسية التي اكتسبها من جراء الحرمان العاطفي الذي عاشه في طفولته ونتيجة القسوة والإقصاء والنبذ الذي تعرض لهما، فهو لا يعرف معنى الحنان والإشفاق على الآخرين، وبالتالي فهو لم يشعر بأدنى ذنب أو تأنيب ضمير أو مسؤولية أثناء ارتكاب جريمة القتل، وهذا ما يحدث غالبا في جرائم قتل الأبناء، ويعد الإدمان على المخدرات وتناول جرعة مفرطة يؤدي بالشخص إلى فقدان وعيه يقبل على قتل أبنائه دون أن يعي بذلك، أما المشاكل الزوجية الكثيرة فإنها قد تؤدي إلى تراكم الحقد عند أحد الشريكين تجعله ينتقم من شريكه بواسطة قتل أبنائه. كما أن هناك أسبابا أخرى لا علاقة لها بما هو نفسي، ويتعلق الأمر بالعلاقات الجنسية خارج مؤسسة الزواج التي تؤدي إلى الحمل الذي يدفع الأبوين إلى قتل جنينهما قبل أن يولد نتيجة نظام القيم الذي يدين هذا النوع من الحمل، ثم الفقر الذي يدفع الوالدين في حالة اليأس المطلق والاكتئاب إلى قتل أبنائهما.
راجع عبد الجبار شكري أستاذ باحث في علم النفس والاجتماع، حوار منشور بجريدة الصباح بتاريخ 09 غشت 2011.
[49] وينص هذا الفصل على أنه “من قتل عمدا طفلا وليدا يعاقب بالعقوبات المقررة في الفصلين 392 و393، على حسب الأحوال المفصلة فيها…”
[50] القتل الرحيم كلمة يونانية الأصل تعني الموت الجيد أو الموت اليسير أو الموت الكريم. فالقتل الرحيم يكافئ الموت الرحيم وهو التعبير الطبي العلمي المعاصر وتعني تسهيل موت الشخص المريض الميئوس من شفائه بناء على طلب مقدم من طبيبه المعالج. وللقتل الرحيم أشكال الأول هو القتل الفعال أو المباشر كإعطاء المريض جرعة قاتلة من دواء معد لذلك على ثلاثة أحوال الحالة الاختيارية أو الإرادية وتكون بناء على وصية مكتوبة مسبقا الحالة اللا إرادية مريض عاقل فاقد للوعي يقوم الطبيب بتقدير حالة المريض وحالة لا إرادية المريض يكون غير عاقل وتتم بناء على قرار من الطبيب المعالج أما الشكل الثاني هو المساعدة على الانتحار والشكل الثالث القتل غير المباشر إعطاء المريض عقاقير لتهدئة الآلام وبمرور الوقت يكون من مضاعفات هذه العقاقير إحباط التنفس وتثبيط عمل عضلة القلب وفي النهاية الموت والشكل الرابع للقتل الرحيم هو القتل غير الفعال أو المنفعل ويتم ذلك برفض علاج المريض أو إيقاف العلاج اللازم كالأجهزة الحيوية للمحافظة على الحياة..
[51] المادة 373 من قانون العقوبات الليبي.
[52] راجع محمود أحمد طه، الحماية الجنائية للطفل المجني عليه، أكاديمية نايف العربية للعلوم الأمنية، الطبعة الأولى، الرياض، 1999، ص 41.
[53] المادة 578 من التشريع الجنائي الإيطالي.
[54] راجع نفس المرجع، ص 42.


