ذ. محمد لمسلك
باحث في سلك الدكتوراه بكلية الحقوق سلا
مقدمة:
إن عالم اليوم والذي دخل ألفيته الثالثة يشهد ثورة شاملة في مجالات علمية مختلفة ومتباينة هي الثورة المعلوماتية، مبنية على تطورات كمية ونوعية هائلة في مجال الحواسيب والاتصال، مست جميع جوانب الحياة الإنسانية الاجتماعية والاقتصادية والثقافية والقانونية، وساهمت في تسريع وثيرة التطور العلمي ودعم التبادل التجاري والإعلامي بين الدول والأشخاص والمشروعات، وأصبحت جزءا من النظام الاقتصادي العالمي بما توفره من قدرات من التخزين والمعالجة والتبادل، وأضفت الصفة النسبية على مفاهيم اعتبرت إلى زمن قريب مفاهيم مطلقة، ومن بينها فكرة الحدود الجغرافية للدول، الواقع المادي والتواصل المباشر، الزمن والمسافة، وبالتالي شكل ذلك تمردا على القيم الكلاسيكية الكونية.
ونتيجة لهذه التطورات التكنولوجية وما صاحبها من تطور في الاتصالات، ظهرت التجارة الإلكترونية commerce électronique كإحدى روافد ثورة المعلومات، ووصلت شبكة الإنترنت إلى كل منزل ومتجر وشركة، حتى غدت العمود الفقري في الدول المتقدمة للمعاملات الاقتصادية والعلاقات المالية وعقد الصفقات وإبرام العقود الإلكترونية.
ومن الطبيعي في بيئة التجارة الإلكترونية أن تظهر المنازعات تماما كما هو الحال في العالم غير الإلكتروني، منازعات قد تتصل بإبرام العقد أو تنفيذه أو تفسيره، وأخرى قد تتصل بالعناصر المرتبطة بالتجارة الإلكترونية وما ينتج عنها من أضرار.
وأن الاختصاص للبت في هذه المنازعات يثير موضوعات مزدوجة: تشريعية وقضائية، وأن إشكالية التنازع تظل قائمة رغم الحلول المقدمة على مستوى قواعد القانون الخاص الدولي.
وسنقتصر في هذه الدراسة على ما يثيره الاختصاص التشريعي في منازعات التجارة الإلكترونية من إشكاليات، وذلك نظرا لطبيعة البيئة الرقمية التي يجري من خلالها التعامل، وخصوصيات المنازعات المثارة، وطبيعة المعايير التقليدية لفض التنازع القانوني، من حيث كونها ضوابط مادية مرتكز على روابط مكانية لا تستجيب لطبيعة المعاملات التي تجري من خلال الشبكات الإلكترونية والتي تقوم على معطيات افتراضية غير مادية.
إزاء تلك الصعوبات، وانتهى جانب من الفقه إلى التسليم بعدم صلاحية المنهج التنازعي للتطبيق على منازعات التجارة الإلكترونية([184])، بينما حول جانب آخر تفادي الصعوبات والمشاكل التي تعترض تطبيق منهج التنازع على تلك المنازعات([185]).
بالمقابل، استطاعت القواعد المادية للتجارة الإلكترونية كتنظيم ذاتي للبيئة الرقمية تجاوز قصور المنهج التنازعي، فهل حقا يمكن أن تشكل هذه القواعد أساسا صالحا لتسوية منازعات التجارة الإلكترونية؟.
لذلك فتناولنا لموضوع الاختصاص التشريعي في منازعات التجارة الإلكترونية، سيتم على الشكل التالي:
- المطلب الأول: إعمال منهج قاعدة الإسناد.
- المطلب الثاني: إعمال منهج القواعد المادية للتجارة الإلكترونية.
المطلب الأول:
إعمال منهج قاعدة الإسناد
معلوم أن ضابط الإسناد المتعلق بالجوانب الموضوعية التي تحكم العقد، هو قانون الإرادة([186]). وفي حال غياب هذه الإرادة فعلى القاضي (أو المحكم إن أعمل المنهج التنازعي) أن يقرر أي ضابط من ضوابط الإسناد سيطبق، وهو في ذلك إنما يبحث عن الإرادة المفترضة([187]).
وبذلك تكون الإشكالية التي يمكن أن تثور بصدد منازعات العقود الإلكترونية متعلقة بالتحقق من قيام إرادة الأطراف الصريحة أو الضمنية([188])، أو أن تكون متعلقة بافتراض وجود هذه الإرادة.
الفقرة الأولى:
الإرادة الصريحة والضمنية للمتنازعين في مجال العقود الإلكترونية
إذا كان مبدأ حرية الأطراف في اختيار القانون الواجب التطبيق هو مبدأ أساسي في جل العقود الدولية([189])، فإن العقود التجارية الإلكترونية لا تحيد عنه. فلقد أدى الترابط بين التجارة الدولية والتكنولوجية الحديثة إلى أن يشكل السوق الإلكتروني أرضا خصبة لممارسة الحرية التعاقدية، والسبب في ذلك هو أن الإرادة بسبب طبيعتها غير المادية هي الوحيدة القادرة على مواجهة الافتراضية التي تلازم إبرام وتنفيذ هذه العقود، فضلا على قدرتها على التغلب على العديد من الصعوبات المتعلقة بافتراضية الأدوات وافتراضية محل العقد.
ويظهر التطبيق العملي أن كثيرا من الشركات التي تمارس التجارة إلكترونيا تضع ضمن شروط التعاقد شرط خاص بتحديد القانون الواجب التطبيق، والذي يكون غالبا قانون مركز إدارة الشركة. فعلى سبيل المثال([190]) نجد شركة Apple Stor في موقعها على شبكة الأنترنت، تنص الشروط العامة المضمنة في العقد على أنه: “تخضع كل عقود البيع التي يكون Apple Stor طرفا فيها لقانون كاليفورنيا”، ثم أضيف بعد ذلك “دون أي أثر لنصوص التنازع الواردة به”. هذا التحديد للقانون واجب التطبيق على العقد بنص صريح هو إجراء متبع في أغلب العقود الدولية، إلا أنه يكتسب أهمية كبرى في التعاقد الإلكتروني.
فالمتعاقدون يرغبون عادة بمعرفة هذا القانون قبل الدخول في العلاقة العقدية لمعرفة حقيقة التزاماتهم، أو للتأكد من مشروعية سبب ومحل العقد ومدى صحة انعقاده. أضف إلى ذلك أن من المعوقات الحالية لعمليات التجارة الإلكترونية عدم اعتراف بعض التشريعات بعقود التجارة الإلكترونية، وبالتالي فاختيار الأطراف للقانون الذي يحكم العقد يجنبهم مغبة أن يكون القانون الواجب التطبيق لا يعترف بالعقود التي تبرم إلكترونيا.
ومسألة صحة القبول بالشرط الوارد في العقد الموجود على موقع البائع كانت محل تساؤل وتشكيك عند جانب من الفقه([191])، خاصة بالنسبة للعلاقات العقدية بين التاجر والمستهلك. فما الذي يؤكد قراءة المستهلك للعقد النموذجي المعروض على صفحة الموقع التجاري؟، وهل تتاح له إمكانية التفاوض حول أحكام العقد ومن ضمنها القانون الواجب التطبيق؟، أو هل يعد مجرد الضغط على “الأيقونة” كافيا للتعبير عن القبول؟.
لا شك أن تفاوت الآراء في هذه المسألة أو تفسير النصوص التشريعية أحيانا سينعكس بشكل مباشر على تحديد القانون واجب التطبيق أو اختياره.
وجدير بالذكر أن الصعوبات الحقيقية تثور حين تكون الإرادة ضمنية، فهذه تستخلص من نصوص العقد بإثبات اتجاه إرادة المتعاقدين لتطبيق قانون معين دون النص عليه صراحة، وهي مسألة قد لا تكون في مجال التعاقد الإلكتروني بالسهولة نفسها التي كانت بها وفق طرق التعاقد التقليدية. فالمعايير التي تناولها الفقه أو جاءت بها الأحكام إنما ارتكزت على توطين العقد أو تركيزه مكانيا([192])، في حين أن العمل على توطين العقد وفق هذه المعايير في العالم الافتراضي (Cyberspace) لن يكون يسيرا، بل ربما كان افتراضيا كما هو العالم نفسه، ومن تم تقترب الإرادة الضمنية في هذا المجال من الإرادة المفترضة.
الفقرة الثانية:
الإرادة المفترضة للمتنازعين في مجال العقود الإلكترونية
يثير البحث عن الإرادة المفترضة للمتنازعين إشكاليات أكثر تعقيدا، حين يتم التعاقد إلكترونيا، من تلك التي يمكن أن تثور في التعاقد التقليدي، فالإرادة المفترضة تعتمد على مؤشرات ارتباط موضوعية تشير إلى القانون الذي يرتبط بالعقد ارتباطا وثيقا. ويقوم القاضي (أو المحكم) بتعيين القانون الأوثق صلة بالرابطة العقدية إما بإسناد تلك الرابطة لضوابط جامدة ومعلومة سلفا للمتعاقدين كمكان إبرام العقد أو تنفيذه، أو الجنسية المشتركة أو الموطن المشترك للمتعاقدين، أو بإسنادها لضوابط مرنة تستمد من الطبيعة الذاتية للعقد ومن بينها، ضابط الأداء المميز للعقد([193]).
فحسب الفصل 13 من ظهير 12 غشت 1913 م بشأن الوضعية المدنية للفرنسيين والأجانب بالمغرب، هناك ثلاث ضوابط للإسناد: الأول هو الموطن المشترك للمتعاقدين، الثاني هو القانون الوطني المشترك، والثالث هو قانون الدولة التي تم فيها العقد([194])، وفي جميع الحالات نحن أمام إشكالية تحديد المكان وإن اختلفت الأحكام والآثار.
يثير تحديد المكان في العالم الافتراضي صعوبة عملية في تجاوز شبكة الانترنت كل حدود الدول، وهي في الوقت ذاته مفتوحة للاستخدام للكافة دون ارتباط بأي مكان. فليس هناك أي حدود تحول دون استخدام الشبكة بين مقدمي الخدمة أو المستفيدين أو المستهلكين، ويبدوا عنصر المكان غائبا فعليا على الشبكة. فقد يكون مقر إدارة الشبكة في مكان ومقدم خدمة الإنترنت في مكان آخر، وصاحب المتجر الافتراضي في مكان ثالث، في حين يتوطن المشتري في بلد رابع، ويتم تنفيذ العقد في دولة أخرى، ورغم ذلك فإن المسألة تبدوا كما لو كانت تتم في مكان واحد. هذه الصعوبة نواجهها كلما ارتبط الإسناد بضابط مكاني.
وإسناد الرابطة العقدية إلى قانون دولة الجنسية المشتركة هو إسناد منتقد يصعب التعويل عليه في مجال التجارة الإلكترونية لضعف الصلة بين القانون الواجب التطبيق والعقد. ويؤكد الفقه أن الجنسية الأجنبية للمتعاقدين لا تعد عنصرا مؤثرا في عقود المعاملات الدولية، ولا تصلح وحدها أساسا لإضفاء الطابع الدولي على هذه العقود. وعلاوة على ذلك فإن الاعتداد بجنسية المتعاقدين يتطلب التحقق من هوية الأطراف وتحديد أماكن تواجدهم لحظة إبرام العقد، وهو أمر لا تأبه به التجارة الإلكترونية.
ومن تم، فإعمال منهج قاعدة الإسناد يثير الكثير من الصعوبات أمام القاضي (أو المحكم) حال تطبيقه على منازعات العقود الإلكترونية، وقد استطاعت القواعد المادية للتجارة الإلكترونية كتنظيم ذاتي للبيئة الرقمية تجاوز قصور منهج قاعدة الإسناد.
المطلب الثاني:
إعمال منهج القواعد المادية للتجارة الإلكترونية
بظهور قواعد موحدة دولية Règles uniformes internationals خاصة بالانترنت والتجارة الإلكترونية، تتميز عن القانون الدولي العام، والقوانين الوطنية، وقواعد القانون الدولي الخاص([195])، كثرت التساؤلات عن المصادر التي يمكن أن تستقي منها هذه القواعد أحكامها، والوسائل التي يمكن عن طريقها تحقيق التوحيد والانسجام في قواعدها.
ويمكن تعريف القواعد المادية للتجارة الإلكترونية ([196]) lex électronica بأنها مجموعة من القواعد التلقائية ذات طبيعة موضوعية تقدم تنظيما مباشرا وخاصا ليحكم المعاملات والروابط التي تتم عبر الشبكات الإلكترونية، وتتكون من العادات والممارسات التي نشأت واستقرت في المجتمع الافتراضي وطورتها الهيئات والحكومات والمستخدمين في مجال تكنولوجيا المعلوميات والاتصال.
هذه القواعد قد تجد مصدرها كما يرى أنصار المجتمع الافتراضي Cyberspace في الاتفاقيات الدولية، والتوصيات الدولية الأساسية، وتقنينات السلوك، والنماذج العقدية، والشروط النموذجية، وقضاء التحكيم الإلكتروني، وعادات وأعراف التجارة الإلكترونية.
الفقرة الأولى:
الاتفاقيات والتوصيات الدولية
أولا– الاتفاقيات الدولية:
تعد الاتفاقيات الدولية أحد أهم المصادر التي يمكن أن يستقي منها القانون الإلكتروني أحكامه، إذ يمكن عن طريقها تحقيق التوحيد والانسجام بين القواعد التي تحكم الروابط القانونية عبر الشبكة الدولية، وحل كثير من المشكلات التي ظهرت في النواحي العملية. ومن تلك الاتفاقيات نذكر اتفاقية فيينا لبيوع البضائع الدولية المعتمدة في 11 أبريل 1980م، واتفاقية روما لعام 1980م الخاصة بالالتزامات التعاقدية… الخ([197]).
غير أن المتأمل في مجال الانترنت والتجارة الإلكترونية يدرك أن عدد الاتفاقيات الدولية ذات الصلة بتلك المعاملات ضئيلة للغاية لدرجة يمكن معها القول أنها تعجز عن تقديم حلول كافية لمواجهة هذا الكم الهائل من المنازعات، ومن تلك الاتفاقيات نذكر: اتفاقية مجلس أوروبا رقم (108) الخاصة بحماية البيانات ذات الطابع الشخصي وتدفقها عبر الحدود والمعتمدة عام 1981م([198])، وقواعد الاتحاد الأوروبي رقم 44/2001 في شأن الاختصاص القضائي والاعتراف وتنفيذ الأحكام في المجالين المدني والتجاري. كما تم التوقيع على اتفاقية تتعلق بالملكية الأدبية والفنية في العالم الرقمي في جنيف عام 1996. كما تم إعداد اتفاقية الأمم المتحدة المتعلقة باستخدام الخطابات الإلكترونية في العقود الدولية والمعتمدة من الجمعية العامة في 23 نونبر 2005.
وتهدف هذه الاتفاقية([199]) إلى وضع قواعد موحدة لإزالة العقبات القائمة أمام استخدام الخطابات الإلكترونية في العقود الدولية، بما فيها العقبات التي قد تنشأ عن إعمال وثائق القانون التجاري الدولي الحالية بغية تعزيز اليقين القانوني وقابلية التنبؤ بمصير العقود من الناحية التجارية.
وتقوم الاتفاقية أيضا على مبدئي الحياد التكنولوجي والتكافؤ الوظيفي، وتنطبق على “استخدام الخطابات الإلكترونية في سياق تكوين أو تنفيذ عقد بين أطراف تقع مقار عملها في دول مختلفة”.
ثانيا– التوصيات الدولية الأساسية:
أمام قلة الاتفاقيات الدولي الحديثة المعنية بتنظيم التبادل الإلكتروني للبيانات EDI والتجارة الإلكترونية، وعدم اتساع نطاق الاتفاقيات القديمة ذات الصلة بالتجارة الدولية لهذا الواقع الجديد، ومع التزايد المستمر لحجم التجارة الإلكترونية وظهور منازعات مترتبة عنها، برزت الحاجة إلى إيجاد قواعد وأسس تأطر عمليات التجارة الإلكترونية وتساعد على تسوية منازعاتها، لذلك اتجهت الجهود والأعمال الدولية([200]) نحو خلق هذه القواعد.
فعلى الرغم من أن لجنة الأمم المتحدة للقانون التجاري الدولي لم تنشأ خصيصا للاهتمام بمعاملات التجارة الإلكترونية، إلا أن تدخلها سيكون له تأثير واضح في تحقيق الانسجام بين القوانين والمساهمة في إعداد نظام دولي يحكم عقود التجارة الإلكترونية.
ويبقى أبرز الأعمال الصادرة عن اللجنة، هو وضع قانون نموذجي للتجارة الإلكترونية في 12 يونيو 1996([201])، وقانون نموذجي للتوقيعات الإلكترونية([202]) عام 2001.
الفقرة الثانية:
تقنينات السلوك والعقود النموذجية
أولا– تقنينات السلوك les codes de conduits:
تكمن أهمية تقنينات السلوك في وضع حد أدنى من المبادئ والأحكام المشتركة التي يجب أن يراعيها كافة المتعاملين في العالم الافتراضي سواء على المستوى الدولي أو الوطني([203]).
ومن أهم القواعد التي يمكن الاسترشاد بها في مجال المعاملات الإلكترونية “قواعد السلوك الموحدة للتبادل الإلكتروني للبيانات التجارية عن طريق الإرسال عن بعد” UNCID والتي أعدتها غرفة التجارة الدولية في عام 1987م([204]).
وعلاوة على ذلك، قامت غرفة التجارة الدولية في عام 1996 بإعداد مشروع خاص بالممارسات الموحدة في مجال التوثيق والتصديق على المعاملات الإلكترونية. كما قامت في عام 1997 بتجميع العادات الدولية المستقرة بشأن التجارة الإلكترونية، هذه القواعد التي وضعتها الغرفة تحث المتعاملين مع الانترنت على أن ينطبق سلوكهم مع حسن النية- تقنين حسن السلوك- بهدف تأكيد ثقة الجمهور في الانترنت.
ومن القواعد التي يمكن الاسترشاد بها في مجال التبادل الإلكتروني للمعلومات، القواعد التي وضعها المؤتمر الدولي للجنة البحرية الدولية([205])، والذي تبنى مشروعا لقواعد تعاقدية تتعلق بسندات الشحن الإلكترونية comnaissements électroniques، بالإضافة إلى قواعد موحدة بشأن خطابات النقل البحري letters de transport maritime، وهذه القواعد تطبق على عقد النقل سواء كان مكتوبا أم لا، وعلى سند الشحن أو الوثيقة المماثلة سواء كانت مكتوبة أم لا([206]).
بالإضافة إلى القواعد الدولية السابقة ظهرت مبادرات عديدة تحض على التعاون الدولي Coopération internationale في مجال استخدام الانترنت، وتوصي بوضع تقنين لحسن السلوك Code de bonne Conduite ينهض به القائمون على الشبكة، ومن تلك المحاولات نذكر: تقنين هيئة موردي الخدمات عبر الانترنت (ISPA)([207])، وتقرير اللجنة المشتركة للمعلومات التي تتبع مجلس الشيوخ الأمريكي([208])، ومبادرة وزير الاتصالات الفرنسي FRANCOIS FILLON عند اجتماع مجلس الوزراء الأوروبي([209])، بالإضافة إلى “مشارطة الانترنت” la charte de l’internet التي نشرتها لجنة المعلومات الأمريكية([210]).
وجدير بالذكر، أنه في العديد من الشروط المقترحة من مستخدمي الانترنت، ومقدمي مواقع الدخول على الشبكة Fournisseurs d’accès، ومقدمي الخدمات Fournisseurs de services وأيضا مصممي الصفحات Fournisseurs d’hébergement، نجدهم يشيرون إلى قواعد تحدد التزامات مستخدمي الانترنت عند توقيعهم على العقد. هذه القواعد المتفق عليها تشكل اتجاها نحو توحيد الالتزامات المفروضة عليهم، وهي تنشأ نتيجة إرادة المتعاملين، وتهدف إلى تجنب المنازعات بينهم، وقد أرست عدة مبادئ من بينها:
- لا تستخدم الحاسوب بهدف الإضرار بالآخرين.
- لا تستخدم برامج غير شرعية (برامج مبيعة من غير مالكها الأصلي).
- لا تستخدم مصادر الحاسوب دون إذن أو ترخيص.
- استخدم الحاسوب بطريقة تشير إلى الاحترام.
وفي حالة مخالفة واحدة أو أكثر من تلك الالتزامات، فإن باقي الأعضاء يمارسون ضغطا اقتصاديا وتكنولوجيا على الطرف الآخر حتى يمتنع عن تلك المخالفة([211]).
ثانيا– العقود النموذجية contrats- types:
تعتبر العقود النموذجية من المصادر الهامة التي يقوم عليها بناء القانون الموضوعي الإلكتروني. والمقصود بالعقود النموذجية تلك التي تبرم بين الموردين والمستخدمين سواء أكانوا مهنيين أم مستهلكين. ومن بين تلك النماذج العقدية نذكر: الاتفاق النموذجي التي وضعته غرفة التجارة الدولية بخصوص التبادل الإلكتروني للبيانات EDI عبر شبكات الحواسيب الآلية([212])، والاتفاق النموذجي الذي أعدته لجنة الاتحادات الأوروبية عام 1994 بخصوص تبادل المعطيات المعلوماتية([213])، وكذلك اتفاق التبادل النموذجي للجنة الاقتصادية لأوروبا لعام 1995 بغرض الاستعمال التجاري الدولي للتبادل الإلكتروني للبيانات.
ويوجد على المستوى الوطني العديد من النماذج، ينحصر مجال تطبيقها داخل الدولة التي أعدتها وتسري عليها القوانين الوطنية. ومن أمثلة العقود النموذجية التي أبرمت في هذا الصدد نذكر: اتفاق الشركاء التجاريين في الولايات المتحدة الأمريكية المعد بواسطة l’American Bar Association، ونموذج Edia في المملكة المتحدة([214])، وفي فرنسا تم إعداد نموذج عام 1999 بواسطة Club Informatique des Grandes Entreprises Françaises (la CIGREF)، وفي كندا تم نشر نموذج بمعرفة وزارة الاتصالات، وفي إيطاليا تم إعداد نموذج Ediforum، وفي استراليا نموذج Edica، وفي سويسرا تم إعداد عقد نموذجي للتبادل الإلكتروني للبيانات عام 1994، وفي النرويج تم نشر نموذج في مارس 1993 باسم Norsk Tedis… الخ([215]).
وبالإضافة إلى ذلك هناك نماذج ينحصر استخدامها في قطاع معين، ومثالها: اتفاقات تبادل المعطيات المعلوماتية التي أعدها مجلس التعاون الجمركي في مارس 1990، وعقد Odette النموذجي المطبق في المجال الخاص بالسيارات في أوروبا، والعقد النموذجي للتجارة الإلكترونية بين التجار والمستهلكين contray-type de commerce électronique commercants- consommateurs الذي أعدته غرفة التجارة والصناعة بباريس في 30 أبريل 1998.
هذه النماذج تهدف إلى تحقيق الأمن القانوني بالنص على مجموعة من الأحكام التي تنظم العلاقات المتبادلة بين مستخدمي التبادل الإلكتروني للبيانات، وتتناول هذه النماذج أيضا عددا من القضايا الرئيسية، نذكر منها: شكل رسالة البيانات وكيفية التحقق من استيلامها، والتدابير الأمنية المتخذة ضد مخاطر وصول الرسائل أو فقدانها أو تدميرها، وسرية البيانات وتسجيلها وتخزينها، بالإضافة إلى المسؤولية عن عدم أداء الالتزامات، وطرق تسوية المنازعات، واختيار القانون الواجب التطبيق… الخ.
الفقرة الثالثة:
قضاء التحكيم الإلكتروني
يذهب أنصار القانون الإلكتروني إلى القول بأن تسوية منازعات التجارة الإلكترونية يجب أن تتم بعيدا عن المحاكم الوطنية بواسطة قضاء متخصص، قضاته من رجال التجارة الإلكترونية ذوي الخبرة بفروعها المختلفة([216])، ووفقا لهذا الاتجاه، فإن أفضل وسيلة لتسوية تلك المنازعات الإلكترونية هي التحكيم والوساطة الإلكترونيين، على أساس أن هذه الوسائل متاحة وممكنة، علاوة على سرعتها وملاءمتها للتطورات التي تواكب التجارة الإلكترونية.
ورغم تعدد الإشكاليات التي ترافق التحكيم الإلكتروني، إلا أنه بتفحص بعض أحكامه، يتأكد لنا أهمية هذه الوسيلة في إقرار وخلق القواعد الموضوعية للتجارة الإلكترونية ويمكن أن نشير على سبيل المثال إلى قضية Tierney and Email America.
في هذه القضية([217])، المدعي وهو E. Tierney طالب بإلغاء إعلان عرض بواسطة شركة AOL ثم إرساله عن طريق E-mail america، ووفقا للمدعي فإن موضوع الإعلان كان بيع قائمة بعناوين البريد الإلكتروني التي تبيع الإعلانات الإلكترونية، وهذا قد يؤثر على مصالح مستخدمي الانترنت لأن الإعلان أقنعهم بأنه مقدم بواسطة جماعة الانترنت par la communauté cybernétique بالإضافة إلى ذلك فإن طريقة عرض الإعلان مضللة وتشجع على التعدي على الحياة الخاصة.
بناءا على ذلك، طلب المحكم من شركة AOL سحب الإعلان مستندا في ذلك إلى الحجج التي سبق أن قدمها المدعي.
هذا الحكم يشير إلى وجود قواعد مادية تصدر داخل مجتمع الانترنت وهي حظر أو منع الإعلانات الإلكترونية غير المشروعة ويشير أيضا إلى مصالح مستخدمي الانترنت داخل مجتمع ال électronique.
الفقرة الرابعة:
عادات وأعراف التجارة الإلكترونية
بجانب المحاولات التنظيمية الهادفة إلى خلق أو إنشاء قانون موضوعي أو مادي ليحكم معاملات التجارة الإلكترونية، فلا يمكن إغفال دور الجماعات المهنية في إرساء أسس ذلك القانون، وذلك بطريقة تلقائية spontané عند إبرام العقود أو التفاوض بشأنها([218])، فهذه الجماعات أقدر من غيرها على تحقيق مصالح أعضائها من المشاركين في مجال الانترنت، ومن تم تتجلى أهميتها في إنشاء القواعد القانونية اللازمة لتنظيم المعاملات بين أعضائها.
وإذا كان من الصحيح أن مجال التجارة الإلكترونية مازال مجالا بكرا يندر أن تكون هناك قواعد تلقائية خاصة به، لكن هذا لا يعني أن دور الأوساط المهنية يقف عند حد تقنين القواعد السائدة في هذا المجال، بل يتخطى ذلك إلى خلق قواعد جديدة تلبي المتطلبات التي تفرضها تلك المعاملات، وتوصف هذه القواعد بأنها تلقائية على اعتبار أنها قواعد ذاتية تقوم على ما جرى عليه العمل من عادات وأعراف وممارسات المتعاملين على الشبكة، بحيث تصبح قانونهم الملزم لهم([219]).
فاصطلاح القواعد التلقائية أو الذاتية يعني في الحقيقة أن هذه القواعد نابعة من مجتمع ذاتي، ولا تتأتى عن طريق المرور بالإجراءات الشكلية اللازمة لسن القوانين الوضعية([220]) ومن ثم تبدوا ملاءمتها لطبيعة التعاملات عبر الشبكة.
وفقا للدراسة التي أجراها François Gény توجد ثلاثة مستويات لإنشاء القواعد التلقائية([221])، يمكن ترتيبها بحسب قوتها الملزمة كما يلي:
- العرف la coutume.
- العادات الاتفاقية les Usages conventionnels.
- العادات والأخلاق الحسنة les habitudes et les bonnes moeurs.
في الواقع أن الطبيعة الدولية للانترنت تقتضي تبني مفاهيم فنية وقانونية تتماشى مع التطورات التكنولوجية ومع جماعة مستخدمي الانترنت، من أجل تطوير مفهوم العادات الدولية السائدة في عالم الفضاء الإلكتروني، والتي يطلق عليها Netiquette هذا المصطلح يشير بشكل عام إلى مجموعة القواعد التلقائية التي أفرزتها شبكة الانترنت([222])، فهي عبارة عن قواعد السلوك الجيد النابعة من مختلف الأنظمة والتي تملك في مجملها قوة التطبيق داخل جماعة الانترنت، ولذلك فهي تتمتع بمرونة كبيرة تسمح لها باحتواء كافة المتطلبات التي تفرضها المعاملات الرقمية([223]).
ونخلص إلى أن العناصر المختلفة للقواعد المادية للتجارة الإلكترونية تسمح بوجود كيان مشترك يحكم العقود التجارية الإلكترونية بدلا من الكيان الوطني، ويساهم في تحقيق التنسيق والتطوير داخل الفضاء الإلكتروني.
بيد أنه على الرغم من وجود كل هذه العناصر والأركان التي تبدوا كافية لبناء فكرة القواعد المادية للتجارة الإلكترونية، فإن الواقع مازال يدفع إلى التشكيك في وجود تلك القواعد وصلاحيتها لبناء الاختصاص التشريعي لمنازعات التجارة الإلكترونية.
خاتمة:
يتبين مما ذكر أن هناك تنازعا للاختصاص التشريعي بصدد منازعات التجارة الإلكترونية، فضلا عن وجود صعوبات مرتبطة أساسا بكون المنظومة القانونية والقضائية السائدة حاليا مبنية على مرتكزات مادية، جغرافية، تواصلية، وهذا لا يلائم مع خصوصية المنازعة الإلكترونية. وإن الطبيعة الخاصة للعالم الافتراضي وتمرده على المفاهيم والقيم الكلاسيكية الكونية، شكل مجالا خصبا لظهور قواعد مادية موضوعية تلقائية وبروز مواقع لمراكز متخصصة في التسوية الإلكترونية.
وفي سبيل وضع رؤية متكاملة في اتجاه تقديم حلول لإشكالية تنازع الاختصاص، ارتأينا اقتراح بعض التوصيات وهي كالآتي:
أولا: إذا كانت معظم النصوص القائمة لا تتناسب مع التطور المعاصر وبالأخص الطابع غير المادي المميز للمنازعة الإلكترونية، فذلك لا يعني أن يحدث اضطراب بخصوص حل إشكالية الاختصاص. ذلك أنه يمكن تطويع بعض النصوص القائمة من خلال تفسيرها تفسيرا يستوعب التطور المعاصر أو إدخال تعديلات عليها.
ثانيا: ضرورة التعاون بين الدول من أجل تحديد بعض المفاهيم الخاصة بالقانون الدولي الخاص في المجال الافتراضي، مثل مفهوم التركيز الافتراضي، مكان العمل، القواعد الآمرة… وذلك بغية تفادي الصعوبات المثارة في هذا المجال.
ثالثا: على المتعاملين في المجال الإلكتروني عبر شبكة الاتصالات الدولية، تحديد القانون الواجب التطبيق على عقدهم صراحة عند الاتفاق حول بنود العقد.
رابعا: إزاء صعوبة التحقق من هوية أطراف العقد، فإننا نقترح أن يدرج شرط في عقود التجارة الإلكترونية يلزم الطرفين بالإدلاء بجميع البيانات الشخصية التي تفصح عن هويتهم، وفي حالة عدم التزام أحد الأطراف بهذا الشرط يكون للطرف الآخر عند حدوث النزاع، الحق في المطالبة بتطبيق قانونه الوطني.
خامسا: التأكيد على الدور الفعال للقاضي والمحكم لملائمة المعايير التقليدية للقانون الدولي الخاص مع متطلبات الحداثة، رغم أن هذا المسار لن يكون سهلا وآنيا، لأن الاجتهاد، وبمؤازرة الفقه، سوف يدرس القضايا المعروضة عليه تدريجيا ويتطلب الأمر انقضاء سنين عديدة قبل أن يتسنى لرجال القانون الإمساك بقرارات مرجعية في هذا المجال، كما أن الأمر يتطلب فهم دقيق وواضح للطبيعة التقنية لهذه الواسطة المعقدة من وسائط تكنولوجيا المعلومات. رغم ذلك يمكن للاجتهاد القضائي والتحكيمي أن يكون سببا في ظهور مفاهيم حديثة مثل “المتدخل العاقل أو المثالي” على غرار ما أمكن استنباطه في المجال المدني والتجاري “Personne raisonnable” أو “Bon père de famille”.
سادسا: التفكير في إمكانية سن قانون نموذجي حول فض النزاعات عبر الانترنت في إطار الأونسترال، والذي يمكن في ما بعد اعتماده في إطار التشريعات الوطنية، وهو ما قد يشكل أداة ناجعة للتوحيد في مجال تسوية المنازعات الإلكترونية.
[184] VERBIEST (T), «droit international privé et commerce électronique: état des lieux», disponible sur:
http://www.juriscom.net/pro/2/ce20010213.htm, visité le 11 Avril 2012.
[185] CAPRIOLI (E), «Règlement des litiges internationaux et droit applicable dans le commerce électronique», éd du J.C.P, paris 2002, p 47.
[186] تأتي القواعد الشكلية للعقد في مرتبة أقل من الأهمية بالمقارنة مع القواعد الموضوعية. فكما أن الشكلية أصبحت اليوم محدودة فإن الإشكاليات التي تثيرها في مجال التصرفات التي تتم إلكترونيا أيضا محدودة، لأن جميع العقود الخاضعة إلى شكليات خاصة (كعقد الزواج مثلا أو الوصية أو الهبة أو عقد البيع العقاري…) ليست شائعة الاستعمال في هذه الشبكة، في حين أن العقود الشائعة في الحياة التجارية، لا تطرح عموما إشكاليات أساسية لجهة الشكل لاسيما أن غالبية الدول تقر بمبدأ أن العقود تنشأ بمجرد تبادل الرضى دون مراعاة أي شكليات أخرى، فضلا عن أن جانبا كبيرا من الشكلية لا يمكن تحقيقه حتى الآن من خلال التعاقد إلكترونيا.
[187] للمزيد من التفصيل حول قانون الإرادة في العقود الدولية، راجع:
- د. هشام علي صادق، “القانون الواجب التطبيق على عقود التجارة الدولية”، منشأة المعارف، طبعة 1995، ص 97 وما بعدها.
- د. أحمد عبد الكريم سلامة، “قانون العقد الدولي”، دار النهضة العربية، الطبعة الأولى 2001، ص 153 وما بعدها.
- محمد منير ثابت، “تنازع القوانين في مادة التعاقد”، أطروحة دكتوراه في القانون، كلية الحقوق الدار البيضاء، السنة 2001م.
[188] اختلف منحى الفقهاء وأحكام القضاء ونصوص التشريعات الوطنية والاتفاقيات الدولية في تحديد المقصود بقانون الإرادة التي تشير إليه قواعد الإسناد، ويمكن جمع هذا الخلاف في ثلاثة اتجاهات:
+ الاتجاه الأول: يضيق من نطاق هذا القانون ويقصره على القوانين الوطنية الصادرة عن دولة معينة. وقد أخذت بذلك قواعد معهد روما لتوحيد القانون الدولي الخاص UNIDROIT والمتعلقة بعقود التجارة الدولية، والمادة (10/5) من القانون الدولي الخاص الإسباني، والمادة (19/1) من التقنين المدني المصري.
وقد أدى تطبيق هذا الاتجاه إلى تباين الحلول القضائية بصدد منازعات التجارة الإلكترونية، ويبدو ذلك واضح من خلال المقارنة بين القضية الفرنسية YAHOO حيث رفض القضاء الفرنسي إغلاق موقع YAHOO لأن ذلك سيكون ضد مصلحة المجتمع، والقضية الأمريكية PLAYMEN حيث استندت المحكمة إلى إهانة القضاء وأمرت بإغلاق الموقع الإيطالي كأحد الحلول الممكنة، راجع: visité le 7 Avril 2001.
http://www.droit-internet2001.univ-paris.fr/pdf/vf/ishiguro k.pdf
+ الاتجاه الثاني: ينادي أنصاره بالحرية الكاملة للمتعاقدين في اختيار القانون الواجب التطبيق على عقدهم والتوسع في مفهوم إسناد العلاقة العقدية، بحيث لا تقف عند حدود القانون الداخلي لدولة معينة، فيجوز إسناد العلاقة العقدية لقواعد ذات صبغة عالمية مثل القواعد العرفية التي نشأت واستقرت بين الجماعات العاملة في مجال التجارة الإلكترونية. وقد أخذت به المادة (7) من اتفاقية جنيف للتحكيم التجاري الدولي لعام 1961م، والمادة (3/1) من اتفاقية روما لعام 1980م الخاصة بالقانون الواجب التطبيق على الالتزامات التعاقدية، والمادة (28/1) من القانون النموذجي للتحكيم التجاري الدولي لعام 1985م، والمادة (7/1) من اتفاقية لاهاي 1986م في شأن القانون الواجب التطبيق على عقود البيع الدولي للبضائع. والمادة (39) من قانون التحكيم المصري رقم 27 لسنة 1994م.
+ الاتجاه الثالث: هو اتجاه معتدل، يخول المتعاقدين حرية اختيار القانون الواجب التطبيق على عقود التجارة الإلكترونية عملا بحقهم المقرر بموجب قاعدة الإسناد واحتراما لتوقعاتهم، ولكنه يحرص في ذات الوقت على ألا تصل هذه الحرية إلى حد إطلاق حرية المتعاقدين في اختيار قانون على نحو قد يؤدي إلى الغش نحو القانون أو الإفلات من الأحكام الآمرة في القوانين المختارة. وهو ما تنص عليه المادة (6) من اتفاقية لاهاي لعام 1955م بشأن القانون الواجب التطبيق على البيوع الدولية للمنقولات المادية.
CAPPIOLI (E), op. cit, p 41.
[189] SZASZY (E), “la théorie de l’autonomie dans les obligations en droit international privé”, rev. Crit, 1934, p 676 et s.
[190] كذلك نص أحد الشروط العامة للمركز التجاري Surf and buy d’IBM Europe على أنه: “يخضع هذا العقد للقانون الفرنسي”، ونص العقد النموذجي للتجارة الإلكترونية الذي وضعته غرفة التجارة والصناعة بباريس في 30 أبريل 1998 ليحكم المعاملات التي تتم بين المهنيين والمستهلكين، على أنه: “القانون الواجب التطبيق هو القانون الفرنسي بصرف النظر عن جنسية المتعاقدين أو موطنهم أو محل إبرام العقد أو محل تنفيذه”.
HUET (J), «commerce électronique: loi applicable et règlement des litiges», J.C.P, N 41, 14/10/1999, p 2.
[191] HUET (J), «le droit applicable dans les réseaux numériques», (contribution au colloque “Droit de l’internet, approches européennes et internationales”, 19-20 novembre 2001), J.D.I 2002, n 3, p 7, disponible sur
http://droit-internet-2001.univ-paris.fr/pdf/vf/huet.pdf, visité le 5 novembre 2012.
[192] المعايير التي أقرها الفقه والقضاء باعتبارها ضوابط لاستخلاص الإرادة الضمنية يتضح عدم أهميتها في مجال التجارة الإلكترونية. فاللغة الرسمية للمعاملات التي تتم عبر شبكات الاتصال الإلكترونية هي اللغة الإنجليزية، وفي حالة استخدام لغة أخرى غير اللغة الإنجليزية فإنها تترجم بطريقة آلية بواسطة برنامج موجود على الحواسيب الآلية. كما يظهر أيضا عدم فاعلية معيار العملة التي يتم الوفاء بها حيث مقابل الخدمة يدفع من خلال التحويلات البنكية الإلكترونية، أو النقود الرقمية أو بطاقات الائتمان (Visa, master-card, euro-card, American- express….) راجع: الحسن فايدي: “وسائل الدفع الحديثة: البطاقات البلاستيكية”، مجلة القضاء والقانون، العدد 149، السنة الواحد والثلاثون، ص 161.
[193] محمود محمد ياقوت، “حرية المتعاقدين في اختيار قانون العقد الدولي”، منشأة المعارف، طبعة 2000، ص 130.
[194] ينص الفصل (13) من ظهير 12 غشت 1913م بشأن الوضعية المدنية للفرنسيين والأجانب على أنه: “(…) وفي حالة سكوت الطرفين إذا لم يتبين القانون الواجب تطبيقه لا من طبيعة العقد ولا من وضعية المتعاقدين ولا من موقع الأموال تمسك القاضي بقانون موطنهما المشترك، فإذا لم يكن لهما موطن مشترك فبقانونهما الوطني المشترك، وإن لم يكن لهما موطن مشترك ولا قانون وطني مشترك فبقانون مكان إبرام العقد”. هناك إشكالية موازية متعلقة بمدى تطبيق بنود هذا الظهير والتي يظهر أن أغلبها أصبح متجاوزا. راجع تفصيل ذلك:
- د. محمد تكمنت، “الوجيز في القانون الدولي الخاص المغربي”، طبعة 2005، ص 122 وما بعدها.
[195] FILALI (O), «les principes généraux de la lex mercatoria: contribution à l’étude d’un ordre juridique anational», L.G.D J, Bibliothèque de droit privé, TOME 224, p 13.
[196] رغم تعدد المصطلحات المستخدمة للتعبير عن تلك القواعد: مثل lex électronique ومصطلح lex informatica والقانون الافتراضي lex virtuel وقانون الانترنت lex Net وقانون التجار الرقمي lex mercatoria numerica وقانون الفضاء الافتراضي cyberspace commun Law، فإننا نفضل إطلاق اصطلاح “القواعد المادية للتجارة الإلكترونية les règles matérielles du commerce électronique على مجموعة القواعد التي تضع تنظيما مباشرا للروابط القانونية التي تتم عبر الشبكات الإلكترونية، لتمييزها عن القواعد المادية للتجارة الدولية، وعن تلك القواعد المادية التي يضعها المشرع الوطني لتحكم روابط القانون الدولي الخاص بطريق مباشر، وعن قواعد الإسناد التي تتضمنها النظم الوطنية في القانون الدولي الخاص.
DRAETTA (U), «Internet et commerce électronique en droit international des affaires BRUYLANT, 2003, p 67.
[197] فمجمل هذه الاتفاقيات لا تشمل جميع الصور القانونية التي من الممكن أن تطرح في منازعات التجارة الإلكترونية، فمثلا: اتفاقية الأمم المتحدة المتعلقة بعقد البيع الدولي للبضائع لسنة 1980 لا تنطبق على الخدمات وعلى بعض البيوعات بحكم موضوعها (مثلا الشراء للاستعمالات الشخصية أو العائلية)، أو بحكم طبيعتها (مثلا البيع بالمزاد العلني)، أو بحكم طبيعة البضاعة (مثلا: القيم المنقولة والأوراق التجارية). ولا تشمل الاتفاقية إلا أحكام تكوين العقد وحقوق وواجبات البائع والمشتري، وتبقى مسألة صحة العقد وآثاره على ملكية البضاعة ومسؤولية البائع والضرر الذي يصيب الغير بسبب البضاعة من المواضيع الخارجة عن إطار هذه الاتفاقية. راجع: المصطفى شنضيض، “البيع التجاري الدولي للبضائع”، (بدون دار نشر)، الطبعة الأولى 2001، ص 37.
[198]-KESSEDJIAN(C), “les échanges de données informatisées: internet et le commerce électronique”, p 14. Disponible sur:
http://www.hcch.net/doc/19en-pd7f.doc, visité le 12 Septembre 2010.
[199] لمعرفة مضمون الاتفاقية ودليل التشريع الخاص بها، يراجع الموقع الإلكتروني التالي:
http://www.uncitral.org/uncitral/ar/uncitral_texts/electronic_commerce/2005convention.html, visité le 11 Avril 2010.
[200] للإطلاع على هذه الأعمال راجع: visité le 19 Avril
http://www.ocde.org/dsti/sti/it/ec/news/ottawa.htm.
[201] يهدف هذا القانون إلى إيجاد مجموعة من القواعد المقبولة دوليا تكون مرشدا للدول عند إصدار قوانينها أو إعادة النظر في تشريعاتها بغية تذليل العقبات القانونية الداخلية التي تحول دون استعمال وسائل الاتصالات الإلكترونية في التجارة الدولية.
وكانت سنغافورا أولى الدول التي اعتمدت هذا القانون ثم تبعتها كوريا وكولومبيا عند وضع تشريعاتها الوطنية، وأخرى أخذته بعين الاعتبار عند سن تشريعاتها مثل استراليا، المكسيك، سلوفنانيا وغيرها.
وفي الولايات المتحدة الأمريكية تم اعتماد قانون موحد للمعاملات الإلكترونية في يوليو 1999، وفي كندا تم اعتماد قانون موحد بخصوص التجارة الإلكترونية في سبتمبر 1999، وفي فرنسا ثم اعتماد القانون رقم 230/2000 في 13 مارس 2000 بخصوص المعاملات الإلكترونية.
هذا بالإضافة إلى قوانين الدول العربية مثل: قانون امارة دبى رقم 2 لسنة 2002 بخصوص المعاملات والتجارة الالكترونية وقانون الجمهورية التونسية رقم 83 لسنة 2000 بشأن المبادلات والتجارة الإلكترونية، وقانون جمهورية مصر لسنة 2000 المتعلق بالتجارة الإلكترونية، وقانون المملكة الأردنية الهاشمية رقم 85 لسنة 2001 بخصوص المعاملات الإلكترونية.
هذا القانون مع دليل تشريعه ومادة إضافية (5) مكرر بصيغتها المعتمدة في عام 1998م يمكن الاطلاع عليه، على العنوان:
http://www.Uncitral.org/uncitral/ar/uncitral_texts/electronic_commerce/1996Model.html, visité le 11 Avril 2011.
[202] من بين القوانين الوطنية التي تأثرت بهذا القانون نذكر: الولايات المتحدة الأمريكية حيث أصدرت قانونا فيدراليا بخصوص التجارة الإلكترونية في يونيو 2001، وفي مصر صدر قانون بشأن التوقيع الإلكتروني وهو مكون من 16 مادة، وقد توالت التشريعات المعنية بهذا الشأن، من ذلك: إيطاليا (15 مارس 1999)، والبرتغال (2 أغسطس 1999)، ألمانيا 2001، المغرب… الخ.
- قانون الأونسترال بشأن التوقيعات الإلكترونية مع دليل الاشتراع 2001، يمكن تحميله من الموقع:
http://www.uncitral.org/uncitral/ar/uncitral_texts/electronic_commerce/2001Model_signatures.html,
[203] طارق عبد الرحمان ناجي، “التعاقد عبر الانترنت وآثاره”، رسالة دبلوم الدراسات العليا، كلية الحقوق- أكدال، 2004، ص 180.
Et voir aussi: CAPRIOLI (E.A) et SORIEUL (R), «le commerce international électronique: vers l’émergence de règles juridiques transnationales», J.D.I, n 2, 1997, p 335.
[204]LONGWORTH (E), «opportunité d’un cadre juridique applicable au cyberespace-y compris dans une perspective néo-zélandaise: les dimensions internationales du droit du cyberespace», collection Droit du Cyberespace, éd UNESCO 2000, p 54.
[205] CMI, Paris 2, 34 conférences internationales du comité maritime international, 24-29 juin 1990, p 209.
[206] 206-SCHULTZ (T), «Réguler le commerce électronique par la résolution des litiges en ligne», Émile Bruyant, S.A, Bruxelles, éd 2005, p 123.
[207] تبنت هيئة موردي الخدمات عبر الإنترنت(ISPA) l’ Internet service providers association في 21 ماي 1996 تقنينا عمليا يتضمن قواعد سلوك وإجراءات وجزاءات تطبق في حالة وقوع النزاعات. هذا التقنين يحدد المبادئ العامة ويوصي في مجال الإعلانات والترويج أن يتطابق سلوك المتعاملين مع التقنين الإنجليزي المتعلق بالإعلان والترويج للمبيعات، وفي حالة وجود شكوى مقدمة من مستخدمي الانترنت، فإن سكرتارية ال (ISPA) تقوم بإخطار موردي الخدمات بطريقة غير رسمية، وإذا لم يتبع العضو الإرشادات المقدمة له، تقوم السكرتارية بتوقيع الجزاء المناسب الذي قد يصل إلى إغلاق الموقع الإلكتروني للطرف المخالف.
CACHARD (O), «la régulation internationale du marché électronique», L.G.D.J, Bibliothèque de droit privé, avril 2002, p 82.
[208] أعلن في هذا التقرير عن ثلاث اقتراحات، الأول: يتمثل في فتح خط ساخن hot line يجيب على متطلبات المستخدمين. والتاني: إنشاء مكتب ليكون مسؤولا عن التنظيم عبر الانترنت Agence de régulation de l’ Internet ART ومكلفا بإبداء النصح والإرشاد لكافة المتعاملين عبر الانترنت. والثالث: إنشاء ملاحظ observatoire يراقب تطور تكنولوجيا المعلوميات والاتصالات.
[209] للاطلاع على هذه المبادرة وغيرها من المبادرات التي قام بها الاتحاد الأوروبي، انظر الموقع التالي:
http://www.telecom.gouv.fr/francais/activ/techno/charteint.htm, visité le 5 novembre 2010.
[210] تم إعداد هذه المشارطة بواسطة هيئة مستقلة مكونة من العاملين في مجال الانترنت سميت مجلس الانترنت le conseil de l’ Internet هدفها التنظيم الذاتي autorégulation للانترنت، وقد صدرت عنها تقنينات سلوك أبرزها:
- يجب على المتعاملين في مجال التجارة الإلكترونية توريد المعلومات الضرورية للمستهلكين.
- لا يجب أن يقوم المتعاملون بإنشاء أو تصميم مواقع على الإقليم الفرنسي تكون مخالفة للنظام العام.
- الدعاوى التي يظهر فيها عدم المشروعية، يوصي المجلس الطرف الذي مارسها بإلغائها أو تصحيحها، وإذا لم يحترم هذا الطرف التوصية أو أعرض عنها، فإن المجلس يوصي مقدمي الخدمات الفنيين بإغلاق مواقعه أو إلغائها.
- يفضل تسوية النزاعات بالطرق الودية.
CACHARD (O), “la régulation internationale du marché électronique”, op. cit, p 83.
[211] – SCHULTZ (T), «Réguler le commerce électronique par la résolution des litiges en ligne», op. cit, 2005, p 135.
[212] Projet de déclaration de politique générale de la CCI sur le développement de l’EDI dans le commerce international: CCI, doc, n 460-10/int.l4.rev.2, 12 avril 1991.
[213] J.O.C.E n L 338/98, 28 décembre 1994. Voir: CAPRIOLI (E.A) et SORIEUL (R), op. cit, p 339.
[214] Modèle d’accord transmis par la délégation du Royaume-Uni au WP.4.Doc.TRADE/WP.4/R706, 27 Juin 1990.
[215] CACHARD (O), «la régulation internationale du marché électronique», op. cit, p 89.
[216] CAPRIOLI (E.A), «arbitrage et médiation dans le commerce électronique», Rev. arb, n 2, 1999, p 237.
[217] صالح المنزلاوي، “القانون الواجب التطبيق على عقود التجارة الإلكترونية، دار الجامعة الجديدة، الطبعة الأولى 2006، ص 181.
[218] CACHARD (O), op. cit, p 63.
[219] CAPRIOLI (E.A) et SORIEUL (R), op. cit, p 331.
[220] مصطفى البيتر، “مفهوم قانون التجارة الدولية”، ر د د ع، كلية الحقوق أكدال- الرباط، السنة الجامعية 2004- 2005، ص 151.
[221] محمد محسوب، “نظرية قانون التجار الدولي بين الحقيقة والوهم”، مطبعة حمادة، طبعة 2003، ص 177.
[222] قواعد Netiquette تشير بشكل أساسي إلى الرسائل عبر البريد الإلكتروني، وهي تتضمن عدة مبادئ نذكر البعض منها:
- عدم استخدام أسلوب أو لغة وقحة.
- احرص إلى أقصى حد على الاتزان واحترام الطرف الآخر.
- لا ترسل عبر البريد الإلكتروني أشياء غير مرغوب فيها.
- احرص على ألا ترسل أوراقا ملحقة بالبريد الإلكتروني.
- لا ترسل خطابات متصلة مختلفة.
- احترام موضوع المناقشة والحوار.
[223] هناك الأعراف والعادات السائدة في مجال الدعاية والترويج للسلع والخدمات، وفي شأن حماية الحياة الخاصة وتدفق المعلومات عبر الحدود، وفي مجال حماية المستهلكين، وفي مجال حقوق الملكية الفكرية… الخ.
SCHULTZ (T), «Réguler le commerce électronique par la résolution des litiges en ligne», op. cit, 2005, p 105.


