د. عبد الحافظ أدمينو
أستاذ بكلية الحقوق السويسي، الرباط
كشفت سياسات الدعم والمساعدة التي اعتمدت من قبل الدولة في علاقتها مع الوحدات الترابية عن محدوديتها وعدم قدرتها على تحقيق أهداف التنمية المتوخاة. وهو وضع لم تسلم منه أيضا برامج الدعم والمساعدة على الصعيد الدولي خاصة في ظل هيمنة المنطق المركزي في تدبير هذه المساعدات.
ولذلك أقرت مجموعة من الدول صلاحيات لفائدة وحداتها الترابية من أجل القيام بأنشطة تتجاوز المحيط المحلي والإقليمي، كما هو الأمر بالنسبة للتجربة المحلية الفرنسية ومنذ قانون1992 ، وذلك في إطار التفاعل مع التحولات العالمية الجارية، فالانخراط في ركب العولمة لم يعد فقط انشغالا مركزيا لدى الدولة بل أصبح هاجسا يشغل بال الوحدات الترابية، ما دامت قوة الدولة على المستوى الاقتصادي والاجتماعي أصبحت تقاس اليوم بقوة وتنافسية وحداتها الترابية، فضلا عن أن الرغبة في تعميم وتوسيع الممارسات الديمقراطية في أفق تكريس المشاركة وإقرار وتعزيز دولة القانون والمؤسسات أصبحت تؤطر معظم السياسات العامة سواء الوطنية أو الدولية.
وعلى الرغم من المجهودات التي بذلتها الدولة من خلال سلطاتها المركزية من أجل استقبال واستيعاب القواعد الديمقراطية. وقيم المواطنة اتضح، وبشكل خاص في الدول النامية ومن بينها المغرب، أن الاهتمام يجب أن يتركز على المجموعات الترابية حيث إمكانيات المشاركة في تدبير الشأن العام عن طريق الديمقراطية التمثيلية هي القاعدة الأساس لترسيخ قيم الديمقراطية والمواطنة من جهة ورفع تحديات التنمية المستدامة ومحاربة الفقر واعتماد سياسات للتضامن ([1]).
وأدى الشكل الجديد للدولة، والمتمثل في الدولة التراجعية، التي أصبحت تدريجيا تتخلى عن مهامها ووظائفها الكلاسيكية سواء لفائدة القطاع الخاص من خلال سياسات الخوصصة أو لفائدة الوحدات الترابية من خلال اللامركزية، إلى اعتماد آليات تعويضية أخرى والمتمثلة أساسا في فتح الباب أمام هذه الوحدات لاعتماد تقنيات مغايرة من أجل التدخل الاقتصادي وتحقيق التنمية الاجتماعية، ولعل أهمها تقنية أو آلية التعاون اللامركزي.
ويقصد بالتعاون اللامركزي جميع أشكال التعاون والشراكة والتبادل التي تقوم بها الجماعات المحلية فيما بينها أو مع الشركاء الاقتصاديين أو الاجتماعيين الخاضعين للقانون العام أو الخاص أو مع الجماعات الترابية الأجنبية والمنظمات غير الحكومية المهتمة بالشؤون المحلية ([2]).
ومن خلال هذا التعريف تتبين أن التعاون اللامركزي يتضمن شقين داخلي ودولي، فالتعاون اللامركزي الداخلي هو نوع من التضامن يتم بين الجماعات المحلية على المستوى الداخلي ويأخذ أشكالا متنوعة، كمجموعات الجماعات المحلية، شركات الاقتصاد المختلط واتفاقيات التعاون والشراكة. بينما التعاون اللامركزي الدولي والذي يشكل محور هذه الدراسة، هو عبارة عن مجموعة من العلاقات والأنشطة التي تقيمها الجماعات المحلية مع جماعات أخرى أجنبية، ويتخذ هذا الشكل من التعاون عدة أشكال كاتفاقيات التوأمة والشراكة والانضمام للمنظمات الدولية المهتمة بالشأن المحلي.
والتعاون اللامركزي الدولي، اليوم أصبح يأخذ أشكالا ومستويات مختلفة، إذ أن نشاط الوحدات الترابية على الصعيد الدولي أصبح من الوسائل المفضلة في إقرار الحكامة واحترام حقوق الإنسان على المستوى العالمي إضافة إلى كونه نشاطا يهدف إلى المساعدة على تحقيق التنمية عوض المساعدة والصدقة. وانطلاقا من هذا الهدف يتم تعريف التعاون اللامركزي للتنمية بكونه “مقاربة جديدة للتعاون تهدف إلى إقامة علاقات مباشرة مع الأجهزة التمثيلية المحلية وتعزيز قدراتها من أجل اعتماد جيد لمبادرات تنموية بمشاركة مباشرة للساكنة المحلية المعنية آخذة بعين الاعتبار مصالحها وآراءها حول التنمية ([3]).
وانسجاما مع هذا المبتغى اعتمد المغرب ضمن منظومته المحلية مجموعة من التدابير من أجل جعل الوحدات الترابية في مستوى مسايرة هذا على التوجه. إذ أدخلت تعديلات النصوص القانونية المنظمة للجماعات المحلية سواء بالنسبة للمجالس الجماعية الحضرية أو القروية أو بالنسبة لمجالس العمالات والأقاليم إضافة إلى المجالس الجهوية حيث منحت لها صلاحيات مهمة في مجال تعزيز وتقوية التعاون اللامركزي سواء فيما بينها أو بين الوحدات الترابية الأجنبية عبر اتفاقيات الشراكة والتعاون والتوأمة.
فما هو الإطار العام الذي يحكم التعاون اللامركزي للتنمية بالمغرب ويحدد مجاله؟ وكيف يمكن قياس تأثيره على التنمية والديمقراطية وكذلك على التدخل الاقتصادي للجماعات المحلية بما يحقق نوعا من التضامن المجالي والاجتماعي في السياسات العمومية المحلية الاقتصادية؟ وما هي آفاق تعزيزه وتقوية دوره؟ هذه أسئلة سنجيب عنها من خلال مبحثين: الأول تناول فيه تطور رهانات التعاون اللامركزي للتنمية في المغرب على أن نعرض في المبحث الثاني لمحاولة تقييم التجربة الحالية للوحدات الترابية وكذلك إمكانيات تطويرها.
المبحث الأول
تطور ورهانات التعاون اللامركزي للتنمية
يمكن الجزم أن التعاون اللامركزي الدولي كآلية لدعم التنمية المحلية لم يظهر إلا مع بداية التأطير القانوني للممارسة المحلية وإقرار اللامركزية كوسيلة لتجاوز إكراهات التنظيم والتدبير الإداري المركزي، خاصة مع صدور مجموعة من النصوص القانونية المتعلقة بالتنظيم الترابي (الجماعي والإقليمي والجهوي، حيث تم منح صلاحية البث في أشكال التعاون والشراكة للمجالس المنتخبة، إلا أن تطور الأساليب التدبيرية الجديدة، وكذلك ظهور فاعلين جدد في تدبير الشأن العام المحلي([4]) أفرز مجالات جديدة للتعاون اللامركزي.
المطلب الأول: تطور التعاون اللامركزي بالتنمية
من الطبيعي أن يتم ربط التعاون اللامركزي بتطور الإدارة اللامركزية بالمغرب، إذ أنه من بين المجالات التي أنيطت بالمجالس المنتخبة هو البحث عن كل أشكال دعم التدخل الاقتصادي وبما يعزز دورها في التنمية الاقتصادية والاجتماعية والثقافية، وهكذا فقد نص ظهير 30 شتنبر لسنة 1976 والمعدل بمقتضى القانون رقم 78.00 في سنة 2002 على ضرورة اعتماد الآليات التي يمكن أن تساهم في تطوير الأداء التنموي والاقتصادي للمجالس الجماعي. وهو ما أكده التعديل الذي صدر بمقتضى القانون 08-17 في 23 فبراير 2009([5]) الذي تضمن في الفصل 42 الإشارة إلى أشكال التعاون والشراكة وإبرام اتفاقيات التعاون اللامركزي والتوأمة مع الجماعات المحلية الأجنبية.
فضلا عن المقتضيات التي تضمنتها المادة 78 منه التي تقر بإمكانية الجماعات ومجموعاتها في إبرام سواء فيما بينها أو مع جماعات محلية أخرى أو مع الإدارات العمومية أو المؤسسات العمومية أو الهيئات غير الحكومية ذات المنفعة العامة اتفاقيات للتعاون أو الشراكة.
وهو نفس الاختصاص الذي منحه المشرع لفائدة مجالس العمالات والأقاليم من خلال القانون رقم 79.00 لسنة 2002([6]) وللمجالس الجهوية بمقتضى القانون رقم 96.47 لسنة 1996 ([7]).
إن هذا الإقرار من قبل المشرع هو اعتراف منه بظهور فاعلين جدد في مجال التعاون اللامركزي، فإذا كانت الصيغ الكلاسيكية كانت محصورة فقط بين الدولة والجماعات المحلية، فإن تشابك وتعقد العلاقات فيما بين الدول أفرز فاعلين جدد وعلى رأسهم القطاع الخاص (المقاولات) وفعاليات المجتمع المدني المنظمات غير الحكومية الأجنبية إضافة إلى التعاون الدولي من خلال النشاط الدولي للجماعات المحلية.
إلا أن هذه الصلاحية الممنوحة للجماعات المحلية في مجال التعاون اللامركزي الدولي تبقى المقررات الخاصة بها خاضعة لسلطة الوصاية في إقرار ورفض كل أشكال التعاون اللامركزي.
إن هذا الحضور القوي لسلطة الوصاية في إقرار هذه الصلاحية يجب أن يأخذ بعين الاعتبار الحركية والسرعة التي يعرفها مجال تدبير التنمية المحلية، بما قد يفرز علاقات تصادمية بين القانوني والاقتصادي في عمل المجالس المنتخبة. إذ أن التقنيات التعاقدية ومرونتها سواء بين القطاع الخاص الأجنبي أو المغربي والمجتمع المدني والجماعات الترابية الأجنبية من جهة والجماعات المحلية المغربية يجعل من الضروري تسهيل إجراءات هذه المراقبة بما يمكن من الاستفادة من مجموعة من البرامج وسياسات التعاون الموجهة نحو المجالس المنتخبة في بلدان الجنوب وخاصة في المغرب ([8]).
المطلب الثاني: رهانات التعاون اللامركزي للتنمية
عرفت صيغ التعاون اللامركزي عدة تغيرات ارتبطت أساسا بتطور الإداري اللامركزية من جهة وبالتطورات الدولية من جهة ثانية فإذا كانت أشكال التعاون التقليدية على الصعيد الداخلي اقتصرت على إنشاء شركات للاقتصاد المختلط وإنشاء مجموعات للمجالس الجماعية أو للعمالات والأقاليم أو مجموعات التجمعات الحضرية، فإن التطورات التي حدثت على مستوى أدبيات التنمية في العالم والتي وجهتها العولمة قد غيرت الأساليب المعتمدة، وكذا مكانة المجال الترابي إلا أن ضغوطات الديمقراطية والمشاركة القادمة من الأسفل جعلت القضاء المحلي مجالا لتحولات كبيرة ساهمت في دمجه في حركية التغيير الشاملة ([9]). فالتعاون اللامركزي الدولي أصبح مطالبا بمواجهة ورفع مجموعة من التحديات والرهانات.
- مواجهة العولمة، الشمولية عبر التعاون الدولي بما يمكن من تنظيم وتوجيه العلاقات الدولية حول التضامن ([10]). وتمثل التجربة الأوربية نموذجا نموذجا متطورا فيما يخص الأخذ بعين الاعتبار دورا الجماعات الترابية في إطار منظمات التعاون والاندماج سواء على المستوى المؤسساتي أو التشريعي أو التنفيذي سواء في شكلها البيئي أو الخارجي، خاصة مع دول البحر الأبيض المتوسط.
- إعادة النظر في دور الدولة يتطلب بالضرورة إعادة تعريف وتحديد السياسات العمومية في مجال اللامركزية بما يخدم التنمية، إذ أن توسع التزامات الدولة ومحدودية دورها أدى إلى اعتماد وسياسات عمومية ترابية تعطي الأولوية للفاعلين المحليين في بلورتها وتنفيذها بما يستجيب للحاجيات المحلية ويقوي دور الجماعات المحلية في صناعة القرار المحلي ([11]).
- إن التعاون الدولي للجماعات المحلية عانى من اعتماد سياسات تنموية أكثر تناسبا وقربا للحاجيات المحلية من منطق المساعدة، وهو ما يعزز أيضا ويقوي الشراكة مع دول الجنوب([12]) إذ أن تنامي الحركة الجمعوية العالمية للجماعات المحلية، ارتبط بتحولات جوهرية، أو لامحالة الانفتاح والشمولية، وثانيا بتراجع دور الدولة وتعثر التعاون الدولي الحكومي، وهو ما يفسر حضور الجماعات المحلية المغربية في العديد من المنظمات العالمية ([13]).
إن هذه الرهانات فرضت البحث عن صيغ بديلة للتعاون، وأعلنت في المقابل عن تطور أشكال أخرى للتعاون اللامركزي في مجال التنمية، وهكذا بدأت ملامح هذا التعاون عبر اتفاقيات التوأمة، وهي مرحلة أشرت لانطلاق نوع من التعاون غير الدولي nonétatique، لتنتقل إلى بناء سياسات في التعاون اللامركزي عبر انخراط السلط التنفيذية المنتخبة في الشبكات العالمية لتصل إلى مرحلتها المالية والمتمثلة في إقرار شرعية قانونية على كل مستويات الفعل العمومي في مواجهة التحديات الجديدة.
وهو ما يلاحظ من خلال توجه المسؤولين السياسيين إلى اعتماد وسياسات عمومية دولية ذات طابع ترابي محلي. إذ وأصبح القضاء المحلي مكانا مفضلا لإقرار التجانس بين كل الفاعلين سواء الدوليين أو المحليين، مما منح هذه السياسات طابعها الدولي سواء من حيث شموليتها أو طابعها التشاركي وإن تنوع وتعدد وتشابك الفاعلين فيها ([14]).
وهكذا، أصبحت مجالات عديدة موضوعات ومشاريع للتعاون المشترك، إذ تجاوزت المشاريع المرتبطة فقط بالتنمية والبنية التحتية لتشمل الحكامة الجيدة والتدبير الجيد، وتعزيز وترسيخ قيم المواطنة والمشاركة السياسية وكذلك تقوية دولة القانون والمؤسسات. وكرست حضور فاعلين جدد وبشكل خاص، والمنظمات غير الحكومية والقطاع الخاص هو ما قوى ما أصبح يعرف اليوم بالديبلوماسية غير الحكومية ([15]).
إلا أن ما يمكن ملاحظته هو أنه بالرغم من تطور مضمون وآليات التعاون اللامركزي فإن أهم ما يعيق أهداف هذا التعاون هي العلاقة القائمة بين القانوني والاقتصادي في تأطير الممارسة المحلية، فبالرغم من تنوع أشكال الدعم والتعاون، فإن تحكم القانوني (المشرع) في ضبط أشكال هذا التعاون سواء من حيث التقنيات (الشراكة، التوأمة، التعاقد…) أو عبر المؤسسات، فإن الحضور القوي في قبول أو رفض هذه الأشكال من قبل السلطة المركزية، قد يعرقل تفعيل وإعمال هذه البرامج على أرض الواقع. مما يطرح ضرورة إعادة التفكير في كيفية ضبط وتقنين هذه الوسائل بما يمكن من تحسين الواقع التنموي ويساهم في الحد من اختلالات التوازن الحاصلة في المجال والمجتمع خاصة في ظل ضعف أو تواضع الإمكانيات الذاتية لدى الجماعات المحلية من أجل القيام بمهامها التنموية إذ لا يكفي السلطات الاعتراف من قبل المشرع بهذه والصلاحيات في غياب القدرة المالية كما يسمح بنقل جزء من هذه السطات من المستوى المعياري إلى الواقع.
المبحث الثاني
واقع التعاون اللامركزي للتنمية وآفاق وممكنات تطويره
إذا كانت تجربة التعاون اللامركزي تجربة مرتبطة بتطور اللامركزية في المغرب فإن من الصعب القول بإمكانية القيام بتنظيمها سواء على المستوى الداخلي أو الخارجي، ولكن من خلال تعرضنا لبعض نماذج اتفاقيات التعاون اللامركزي للتنمية سنقف عند بعض جوانب نجاحها وكذلك إمكانية تطويرها.
المطلب الأول: تقوية التعاون اللامركزي للتنمية لدينامية الحكامة المحلية
إضافة إلى الآليات التقليدية في مجال التعاون اللامركزي للتنمية، التوأمة مثلا، أصبح التدخل التنموي الإنساني الهادف إلى مساعدة ودعم الجماعات المحلية المغربية من أجل تجاوز واقع العجز هو الأكثر استعمالا في اتفاقيات التعاون اللامركزي المتوسطي، وفي ظل هذا المنظور ثم اعتماد مجموعة من برامج التعاون والجوار منها:
- البرنامج الذي يهم الجماعات المحلية: (Med- Urbs)
- البرنامج الخاص بالمقاولات الصغرى والمتوسطة: (Med- Invest)
- البرنامج الخاص بالتعليم العالي: (Med- compris)
- برنامج دعم الإعلام: (Med- Media)
إن هذه البرامج جاءت في مرحلة التسعينات، إذ تبنت هذه الأخيرة المشاركة كأساس لمواجهة تحديات تنمية المجال المتوسطية، وإن كانت قد ركزت قرار المشاركة وسياسته في يد الحكومات المركزية، فهي المسؤولة عن تحديد نطاق المشاركة وقواعدها وعن تنظيم البنيات التي تسمح بتأهيل أعمال الشركاء ([16]).
وقد كانت لانطلاق الشركة الأورو متوسطية المؤسسة في برشلونة سنة 1995 دورا في اعتماد كبرامج جديدة لبرنامج Ecos-ouverture بدعم من الصندوق الأوربي للتنمية الجمعوية للمدة الفاصلة ما بين 1995 و 1999 والذي سيحدد في (2000-2006) تقوية برامج التعاون الجهوي الأروبي على الجماعات المحلية لبلدان جنوب المتوسط ([17]).
وقد عبرت مجموعة من الجماعات الترابية الأوربية عن عدم رضاها عن هذه الآليات المعتمدة في سياسة الجوار عبر برنامج Meda، لذا تم التفكير في إيجاد آليات تتجاوز الحدود التقليدية التي تشرف عليه الحكومات المركزية، وفي ظل هذا المنحى تم عقد عدة اتفاقيات للتعاون المركزي بين الجماعات المغربية والجماعات الفرنسية والإسبانية بشكل خاص ([18]).
1. تجربة التعاون اللامركزي المغربي الفرنسي
لقد كثفت الوحدات الترابية الفرنسية خلال السنوات الأخيرة نشاطها في مجال التعاون اللامركزي مع الجماعات المحلية المغربية، سواء عبر التعاون الثنائي أو المتعدد الأطراف. وشملت مشاريع التعاون مختلف المجالات، الاقتصاد (الفلاحة، الصناعة التقليدية، الطاقة…) التهيئة الحضرية، تدبير الماء، النقل الحضري، الشباب، الثقافة، التربية البيئية، الصحة، السياحة، ولهذا الغرض نظمت لقاءات وتبادل الخبرات بين التقنيين وإعداد دراسات من أجل تطوير هذه القطاعات ومن بين هذه الاتفاقيات اتفاقية الشراكة الموقعة بينAix en Provence ومدينة وجدة حيث شملت مشاريع البيئة الحضرية، الماء، والتطهير والحياة الجهوية وتبادل التكوين بين المنتخبين وكذلك التعاون الجامعي واتفاقية تعاون بين مدينة Lille والجماعات الحضرية لوجدة، فضلا عن اتفاقيات أخرى([19]) ويبقى مشروع دعم اللامركزية Projet d’accompagnement du Processus de décentralisation marocain (PAD Maroc) من أهم المشاريع في إطار التعاون اللامركزي بين الجماعات المحلية المغربية والفرنسية، حيث انطلق من مساعدة الجماعات المحلية في المغرب على القيام بوظائفها وممارسة سلطاتها([20]) والذي ارتكز على:
- تحسين إطار العلاقة بين مصالح الدولة والجماعات المحلية؛
- تكييف عروض التكوين الموجهة للمنتخبين والأطر الإدارية والتقنية للجماعات المحلية مع المخطط المديري للتكوين عبر إنشاء بنيات للدعم لفائدة المنتخبين Les maisons de l’élu.
- تعزيز قدرة الجماعات المحلية على التحكم في تنفيذ المشاريع بالشراكة عبر مختبرات La laboratoire des maitrises d’ouvrages locales وشمل هذا البرنامج جهات عدة (الرباط-سلا زمور زعير، طنجة -تطوان، مراكش -تانسيفت الحوز، سوس ماسة درعة، الشرق).
2. تجربة التعاون اللامركزي المغربي الإسباني ([21])
أخذ التعاون اللامركزي بين الوحدات الترابية المغربية والإسبانية شكل تعاون مباشر وغير مباشر. وتبقى حكومة الأندلس الفاعل الأساسي في هذا الصدد إذ شملت هذه الاتفاقيات خاصة مع الأقاليم الشمالية مجالات التراث، الماء، البيئة، التربية، الثقافة، الصحة، المرافق الاجتماعية، الطاقة، التعمير ([22])، ففي ما بين 1992-2003 رصدت حكومة الأندلس في إطار دعم التنمية في المغرب حوالي 40.6 مليون أورو ([23]).
30 مليون أورو: عن حكومة الأندلس لدعم 162 مشروعا؛
8 مليون أورو: من قبل الجمعيات (همت 53 مشروعا)؛
2 مليون أورو: من قبل الجامعات همت 118 مشرعا؛
527.000 أورو من قبل النقابات.
وارتفع هذا الدعم فيما بين 2003-2006 إلى حوالي 48 مليون أورو، وحظي القطاع الاقتصادي باهتمام كبير في سياسة التعاون مع حكومة الأندلس حيث تم عقد مجموعة من الاتفاقيات شملت:
- التعاون في مجال الاستثمارات: إذ تم اعتماد اتفاقيات من جمعية المقاولين الشباب بمالكا Malagaواتحاد المقاولات الصغرى والمتوسطة بشمال المغرب. إذ تم تبادل المعلومات والتجارب في مجال التشريعات المنظمة للتجارة، وتمويل الاستثمار ونقل التكنولوجيا.
- في مجال الصيد البحري: من خلال الرخص الممنوحة لهذه الوحدات الترابية.
- في مجال الصحة والتنمية القروية.
إن المتأمل في مختلف هذه البرامج المعتمدة في إطار التعاون اللامركزي بين الجماعات المغربية ونظيراتها الأوربية، بشكل خاص الفرنسية والإسبانية يلاحظ مدى تنوع المجالات التي تغطيها هذه الاتفاقيات وكذلك تعدد مجالاتها إذ لم يعد التعاون يقتصر فقط على مجالات التنمية الاقتصادية والاجتماعية والثقافية بل تعداها إلى مجالات تمس المشاركة السياسية وتعزيز قدرات الوحدات المحلية من خلال تكريس ثقافة المواطنة والمشاركة وكذلك استخدام تكنولوجيا الحكامة في مجال التدبير الإداري والمالي وتسيير المشاريع، وهي أيضا أهداف ترتبط بتقوية دور القانون والمؤسسات وزرع الثقة في المؤسسات المنتخبة إلا أن فعالية هذه السياسات يتوقف في المقابل على مدى درجة تطور اللامركزية في المغرب من جهة، وكذا قدرة المؤسسات المنتخبة على القيام بوظائفها التمثيلية وفي تحريك دينامية الديمقراطية التشاركية مما يعطي دلالة فعلية وواقعة للأنشطة والأعمال المتضمنة في هذه البرامج.
المطلب الثاني: آفاق تطوير التعاون اللامركزي للتنمية
إذا كانت الفترة الماضية قد عرفت تفعيل قنوات التعاون اللامركزي بسبب تضافر العديد من العوامل الداخلية والخارجية على حد سواء، فإن قدرة الجماعات المحلية المغربية على مواكبة هذه الدينامية مازال يصطدم بالعديد من الإكراهات ويفرض في المقابل البحث عن آفاق جديدة تمكن من الاستفادة بشكل أفضل من البرامج المرصودة.
الفقرة الأولى: إكراهات ومحدودية التعاون اللامركزي للتنمية
يصطدم مجهود التعاون اللامركزي بمجموعة من الحدود تعيق الاستفادة التامة من المشاريع المدرجة، سواء تلك المرتبطة بالحدود المؤسساتية والبيروقراطية أو تلك المرتبطة بالإمكانيات والقدرات التي تتوفر عليها الجماعات المحلية المغربية.
أ– الحدود ذات الطبيعة المؤسساتية
بالرغم من المجهودات التي يبذلها المغرب في مجال اللامركزية، فإن واقع الحال يثبت الحضور القوي للسلطات المركزية في صناعة القرار المحلي خاصة على المرتبط بمجالات التعاون اللامركزي. إن القيام بقراءة بسيطة لاختصاصات الجماعات المحلية يوضح الحضور الكثيف لممثلي الإدارة المركزية في اعتماد القرارات المتعلقة بالشراكة والتعاون، سواء في مجال رقابة الملائمة أو المسؤولية. وفي غياب ثقافة تدبيريه قائمة على الاستفادة من تدخلات وعرض جميع الفاعلين، خاصة الدوليين لدى معظم المجالس الجماعية، فإن اعتماد اتفاقيات الشراكة والتعاون كاختصاصات لا يمكن أن يمارس إلا من قبل إطار جغرافي وبشري كبير كالجهة، كما يجعل المجالس الجماعية القروية خاصة غير قادرة على مواكبة العروض المقدمة في هذا المجال بسبب عدم توفر على قدرات وإمكانيات تمكنها من الدخول في شركات واتفاقيات للتعاون مع جماعات محلية أجنبية و في ظل انعدام تجربة تدبيريه كافية.
وتنضاف إلى ذلك الرقابة المالية الممارسة من قبل وزارة المالية وحضورها في مراقبة العديد من التمويلات إن التدخل الاقتصادي للجماعات المحلية في المغرب ما زال محكوما بقواعد قانونية تنتمي إلى جيل الدولة التدخلية حيث الدولة تراقب كل الأعمال والصلاحيات الممنوحة للوحدات الترابية خاصة في المجال الاقتصادي والاجتماعي، فدور الجماعة المحلية في اتفاقيات التعاون اللامركزي يأخذ بعدا هاما في قدرتها على لعب دور الوساطة وربط العلاقات الذي تستطيع من خلالها توفير شروط تنشيط وتحريك طرق الشراكة لصالح مختلف المكونات المحلية وفي مستوى يتجاوز الحدود الوطنية. فالدور الأساسي للجماعة المحلية ليس هو بكل بساطة التعاون ولكن الدفع لممارسة التعاون (24).
حدود ذات طبيعة تنظيمية
تتعدد هذه الإكراهات وتتنوع وتختلف حدتها باختلاف مستويات الجماعات المحلية بالمغرب، فاعتماد مبدأ الميزانية المحلية، قد يكون معرضة أحيانا لبرمجة العديد من الاستثمارات، فضلا عن أن مساطر الاعتماد هي أكثر صلابة، ومساطر الأداء في المقابل تتميز بثقل الإجراءات المعتمدة.
في حين أن الموارد البشرية أيضا لا يختلف وضعها، إذ أن الطابع الأغلب على نوعية الموارد البشرية في الجماعات المحلية ينتمي إلى الأطر الصغرى والمتوسطة، مما ينعكس على جودة القرارات المتخذة، وهو ما يفسر في المقابل أن مجموعة من برامج التعاون اللامركزي تتجه نحو تأهيل وتكوين الأطر الإدارية الجماعية والمنتخبين، فقلة الخبرة لديهم في تدبير الشؤون المحلية تجعلهم غير قادرين على مواكبة التحولات الحاصلة في مجالات الحكامة المحلية مما يجعل الشراكة في إطار التعاون اللامركزي من حظ بعض الجماعات التي تتوفر على مؤهلات بشرية قادرة على قيادة المفاوضات وتنفيذ البرامج المحددة من قبلها. وهو أيضا ما يفسر الحضور القوي لسلطات الوصاية لبعض الجماعات المحلية.
تنضاف إلى هذه الإكراهات والحدود، وضعية البنيات التحتية لدى العديد من المجالس الجماعية، وأحيانا يتم تغيير وجهات العديد من المشاريع إلى جماعات أخرى بسبب انعدام البنيات التحتية الأساسية اللازمة لاستقبال هذه المشاريع والاستثمارات إضافة إلى قلة الخبرة في مجال تتبع وتنفيذ المشاريع. وهو ما يحول الاهتمام في هذه البرامج إلى طرح مشاريع اجتماعية وإنسانية تنصب على الخدمات الأساسية عوض أن تركز على تأهيل الجماعات وتمكينها من بنيات استقبال قادرة على استقطاب برامج المساعدة والاستثمارات الأجنبية.
إن تعدد وتنوع هذه العراقيل يتطلب بالضرورة البحث عن وسائل لتعزيز قدرات الجماعات المحلية المغربية مما يجعلها تستفيد أكثر من هذه الآليات التعاونية.
الفقرة الثانية: آفاق وممكنات تطوير التعاون اللامركزي للتنمية
يشكل التعاون اللامركزي للتنمية فرصة مهمة لتطوير قدرات الجماعات المحلية في المغرب من حيث أنه إطار للتقريب بين تجارب المجالس المحلية وكذلك فضاء للتضامن من حيث إقرار قيم التضامن والمسؤولية الاجتماعية. فضلا عن دوره في التقريب بين الثقافات. إن ضمان تحقيق هذه الأهداف يتطلب وضع أولويات في عمل الجماعات المحلية يمكن تحديد أهمها في:
- توضيح العلاقة بين القانوني الاقتصادي لما في عمل الجماعات المحلية بما يمكن من تعزيز دورها في النشاط الاقتصادي وكذلك بما يفعلا اختصاصها في مجال التنمية الاقتصادية والاجتماعية.
- إضفاء مرونة أكثر على العلاقات القائمة وحدات عدم التركيز والمجالس المنتخبة ومنحها صلاحيات تتناسب وتمثيليتها الديمقراطية.
- تقوية قدرات الجماعات المحلية في مجال إعداد وتتصور وتنفيذ وتقييم المشاريع التنموية من أجل تدبير أفضل للسياسات العمومية الترابية.
- تكوين الأطر الإدارية والمنتخبين بما يعزز القدرة التفاوضية والإنجازية للمجالس المنتخبة.
تقوية المصالح الإدارية والتقنية وانفتاحها على الوسائل التدبيرية والإعلامية الجديدة خاصة المقتربات التدبيرية الجديدة، كتدبير المشاريع على أساس النتائج ومقاربات النوع الاجتماعي والتخطيط الاستراتيجي والتدبير التوقعي للموارد والكفاءات واعتماد مقاربات السياسات العمومية.
- العمل على نقل البرامج المعتمدة في إطار التعاون اللامركزي من منطق الصدقة والمساعدة إلى مستوى الشراكة وتحقيق الرفاهية المشتركة.
خاتمة
إن تحقيق أهداف التعاون اللامركزي لا يرتبط فقط بتجاوز الإكراهات ورفع التحديات المطروحة، بل يجد أساسه في التصور المعتمد في هذا النوع من التعاون من حيث تعزيز قيم الشفافية والمسؤولية والحكامة، فضلا عن انخراط فاعلين آخرين كالجمعيات والغرق المهنية والنقابات بما يقوي مبادئ المشاركة والديمقراطية ويرسخ سلوك المواطنة الضرورية لنجاح أي مشروع للتعاون.
إن هذا الواقع يتطلب أيضا دفع مجالس العمالات والأقاليم والجهات إلى نهج نفس مسار المجالس الجماعية التي تعتبر أكثر جرأة في اللجوء إلى اتفاقيات التعاون اللامركزي من أجل تحقيق أهدافها التنموية، بشكل يضمن تقاطعا بين كل الفاعلين بما يضمن تحقيق أهداف هذه الأنماط التضامنية.
[1]Mentak M., La coopération décentralisée Maroco-française: Bilan et perspectives, in La lettre des collectivités locales, n° spécial, septembre 2005, ministère de l’intérieur, p. 7.
[2]Entre théorie et pratique, Le moment actuel de l’action internationale des collectivités locales, L’exemple de la maison de l’international de Grenable.
[3]Autoxier, « La loi du 6 février 1992 relative à l’administration territoriale », Revue française de droit administratif, mai 1993, p. 21.
وهناك تعاريف أخرى تتمحور حول نفس المضمون الذى يمنح للتعاون اللامركزى كالتعريف الذى تقدمه منظمة التعاون
والتنمية.
[4]Huron D.et Spindler J., Le management public local, LGDJ, 1998, P. 57.
[5]الجريدة الرسمية عدد 5711، 23 فبراير 2009، ص. 536 .
[6]الظهير رقم 1.02.269 لـ 3 أكتوبر 2002 المتعلق بتنظيم القانون رقم 79.00 المتعلق بتنظيم مجالس العمالات والأقاليم.
[7]الظهير رقم 1-7-84 لـ 2 أبريل 1997 المتعلق بتنفيذ القانون رقم 47-96 المتعلق بالمجالس الجهوية.
[9]Sedj Ali A., «La fin du pouvoir d’Etat, vérité ou ilusion»,in La revanche des territoires, S/D Sedjari F. l’Harmattan Gret, Rabat 1997, p. 23.
[10]Holman, «La coopération décentralisée : réflexion sur les mémoires de cycle supérieur, enjena, les limites et les perspectives d’avenir », D.E.S. management du p. 35. Secteur public, institut d’étude politiques de Lyon 2002-2003.
[11]Dictionnaire des politiques publiques. s/d Laurie boussagrret sophie jacquot, paulune 2e edition, Science po., 2006.
[12]Dalin B., Polquin J.F., Ramel F., Coopération decentralisée, renforcement de l’Etat de droit et bonne gouvernance locale : de l’étude de ces africain à de nouvelles perspectives.
[13]Zerrouk N., « La coopération international des collectivités locales marocaines », La lettre des collectivités locales, n° spécial, septembre 2002, p. 31.
انظر كذلك الجماعات المحلية بالأرقام: مديرية الجماعات المحلية طبعة2007 ، ص. 170.
[14]Bencheich, «La coopération décentralisée à la croisée des logiques d’influence», et Husson B., «La coopération décentralisée pour le développement, Un facteur de crédibilisation des collectivités du Sud», in Enseignement pour l’avenir, op.cit.
[15]Dvillé d’orfeuil, Réseaux internationaux de pouvoirs locaux: un exemple parallèle : l’action internationale des O.N.G colloque : la coopération décentralisée change t-elle des sens ? Sorbonne 22/23, novembre 2006.
[16]Le journal des programmes Merd, novembre 1994, n° 3.
[17]Opération Interre G III, La collection complète ?
La coopération inter-régionale en action 2000-2006 publiée par généralitat alenciana, décembre 2005, p. 16.
Voir aussi, Instrument européen de voisinage et de partenariat, coopération transfrontalière, document de stratégie, 2000-2003, programme indicatif 2007-2010.
[18]سنركز على قراءة التجربة الفرنسية والإسبانية نظرا لأهميتها وكذلك لمضامين هذا التعاون ومجالاته.
[19]انظر: الجماعات المحلية بالأرقام، مديرية الجماعات المحلية، طبعة 2007، ص. 108-167
[20]http:hwww.aecimarrecos.org.
[21]انظر كذلك، حسن الخالدي، التعاون اللامركزي، رسالة لنيل دبلوم الدراسات العليا المعمقة 2006-2007 كلية الحقوق السويسي الرباط.
[22]Source : www. Jun tandeandalucia.es
[23]Brahimi A., De nouvelles modalités de contractualisation in la coopération décentralisée fronco marocaine in La lettre des collectivités locales, n° spécial, septembre 2005 ministère de l’intérieur.


