إدريس جردان
أستاذ باحث- بكلية الحقوق- بطنجة
مقدمة:
تهدف هذه الدراسة إلى توضيح جوانب التوزيع العادل للثروات والموارد من خلال إعادة مراجعة التوزيع كلما كان ذلك ضروريا. وتعتبر آلية الموازنة المالية واحدة فقط من الآليات، لكنها تبقى أساسية ومعمول بها في جميع الأنظمة.
إن معالجة هذا الموضوع الذي يبدو بسيطاً، يصطدم بإشكالية رئيسية تطرح نفسها بحدة اليوم وهي: أي طريقة لتوزيع عادل للموارد والثروات في وقت تعتبر فيه كل الجهاد الترابية أنها لم تنصف. فالغنية تعتبر أنها غير ملزمة بتحمل قدر (Destin) مساعدة الضعيفة، وهذه الأخيرة تعتبر نفسها ضحية تقسيم ترابي غير عادل يخدم المناطق الغنية ويجب تغييره لصالح استقلالية أكبر لها؟
ففي زمن التنافسية، ظهرت أنانية الجهات الغنية، مما يهدد بالاصطدام وتهديد الوحدة الوطنية التي هي ليست فقط وحدة ترابية بل كذلك بشرية وإنسانية، لذلك، فإن المنهجية تتطلب أولاً التمييز بين أساس التضامن وإعادة التوزيع للموارد والثروات والخيرات بشكل عادل، وبين الآليات والوسائل المتباينة من دولة لأخرى حسب الشروط المالية والاقتصادية والأولوية المجالية دون إغفال التنافسية داخل المجالات الترابية داخلياً، وبين الدول في عصر العولمة في محاولة للإجابة عن: ما هي المرجعية الإنسانية والدولية والدستورية للحق في العدالة المجالية؟ هل من المفروض على الدولة أن تتحمل ذلك؟ ما هي الآليات المناسبة؟
العنصر الأول: أسس العدالة التوزيعية:
نجد الأسس الدولية من خلال المبادئ الأساسية للعدالة والحقوق الطبيعية وكذا الاتفاقيات الدولية. وفي المقابل نجد هناك التزاما دستوريا من الدول بضمان مساواة المواطنين في التكاليف والحقوق.
1- ارتباطها بالأسس الحقوقية:
تتجلى العلاقة بين حقوق الإنسان والموارد الطبيعية والمالية في كون هذه الأخيرة ملك للبشرية جمعاء، وأن للإنسان الحق في الانتفاع من هذه الخيرات ولو بشكل متفاوت:
* فلسفات الحق الطبيعي:
وهو حق فطري طبيعي مطلق لا يتغير بالزمان أو المكان خاصة ما يتعلق بمنظور فلسفات الحق الطبيعي بحق الأمن وحق الملكية وحق الحرية؛ ويرجع هذا المفهوم إلى القرن 17 عبر مدرسة الحق الطبيعي التي يتزعمها غراتيوس Gratius (1645- 1583).
*القوانين الوضعية:
“يولد جميع الناس أحراراً ومتساويين في الكرامة والحقوق”، المادة الأولى من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان، وهذا ما يعني أن الحق في الانتفاع من الخيرات هو حق شمولي وكوني سواء بين الدول أو داخل كل دولة على حدة. ولا يمكن حصر الحفاظ على كرامة الإنسانة في المجالات السياسية أو المدنية فقط بل بتوفير شروط حمايتها اجتماعياً وثقافيا واقتصادياً من خلال التوزيع العادل لها كما يستفاد من الفصول 23- 25- 26 و27 من الإعلان، “فلكل شخص الحق في مستوى من المعيشة كاف للمحافظة على الصحة والرفاهية له ولأسرته، ويتضمن ذلك التغذية والملبس والمسكن والعناية الطبيعية وكذلك الخدمات الاجتماعية اللازمة، وله الحق في تأمين معيشته في حالات البطالة والمرض والعجز الترمل والشيخوخة وغير ذلك من فقدان وسائل العيش، نتيجة لظروف خارجة عن إرادته.”، المادة 25 من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان.
والعجز والضعف لا يمس الأفراد فقط بل كذلك حتى بعض المناطق داخل الدولة الواحدة أو دولة بكاملها وهو ما يعني ضمان الحق في التنمية.
* الحق في التنمية الشاملة والعادلة المستدامة:
إن التنمية هنا هي شاملة وليست بالضرورة اقتصادية ترتبط بتوزيع الموارد، بل كذلك توزيع السلطة، في أفق ضمان تكافؤ الفرص أمام الجميع للوصول للموارد الإنسانية والتعليم والخدمات الصحية والغذاء والإسكان والعمل والتوزيع العادل للخيرات..، ومنذ سنة 1979، تعمل الجمعية العامة للأمم المتحدة على إقرار هذا الحق في التنمية الشاملة حتى صدور إعلان 4 دجنبر 1986، والذي استهدف “التحسين المستمر لرفاهية السكان كلهم” من خلال اعتبار الحق في التنمية، لجميع السكان والمناطق والدول حقا من حقوق الإنسان الغير القابلة للتصرف. ومما يترتب عنه أن:
- “تقع على الدولة المسؤولية الأولى في خلق الشروط الوطنية لتحقيق الحق في التنمية، ويتم ذلك بشكل منفرد أو مشترك، خاصة من أجل ضمان تنمية الدول السائرة في طريق النمو.
- على المستوى الوطني، على الدول اتخاذ الإجراءات الضرورية لتحقيق الحق في التنمية وضمان مساواة الفرص في الاستفادة من الثروات، والتعليم، والصحة، والتغذية، والسكن، والشغل، وتوزيع عادل للدخول”.
إن الأساس الحقوقي لتوزيع الموارد والثروات والخيرات هو ضمان حق الشعوب في ممارسة السيادة التامة والكاملة على كل ثرواتها ومواردها الطبيعية” (ديباجة إعلان الحق في التنمية)، وقد ناضل المغربة ملكاً وشعباً في سبيل الحصول على استقلالهم وفرض السيادة على كافة التراب الوطني من الشمال إلى الجنوب، وكذا ضمان كرامة المواطن المغربي أينما وجد، وتكل مسؤولية الدولة بالأساس.
2- ارتباطها بوظيفة الدولة:
ليست الدولة فقط سلطة تمارس على السكان في نطاق ترابي محدد، بل كذلك وظيفة ضمان حياة كريمة لجميع مواطنيها مهما كان تواجدهم الترابي، فهي مجموعة من المرافق العمومية والخدمات يفترض من الدولة التدخل سواء وقائياً من خلال ضمان قاعدة متوازنة وعادلة من البنيات والموارد، وحد أدنى من الحقوق الاقتصادية والاجتماعية لساكنيها([1]).
أو علاجياً من خلال إلزامية التدخل كلما ظهر لا توازن اقتصادي أو اجتماعي بين الفئات والمناطق أو عجز واضح يهدد الوحدة الوطنية.
* دلالة العدالة المجالية:
توزيع عادل للموارد والبنيات والمرافق والخدمات حتى يستفيد منها الأشخاص في إطار المساواة والعدالة.
يتعلق الأمر هنا بتهيئة التراب الوطني وإعداده وفقاً للضوابط الآتية:
- إن تقسيم أي دولة أو تراب هو نوع من التجميع بين العناصر الترابية تبعاً لتوازن الموارد وتكامل الثروات([2]).
- إن تقسيم المجالات الترابية إلى جهات وأقاليم وجماعات أو غيرها لا ينفي الحفاظ على وحدة النفع المشترك أي الخيرات والموارد.
- إن تنافسية المجالات والوحدات الترابية هي مسألة أساسية في عصر العولمة وتقوية القدرات المحلية، ولكن ليس على حساب قوة الدولة ككل وهو ما يتطلب الأخذ بيد الضعيف منها، لأن المجالات الترابية لا تطور لذاتها بل هي مجموعة بشرية وتجمعات إنسانية لمواطني الدول بعيداً عن أي إقصاء.
- إن تنافسية وتنمية المجالات الترابية يجب أن يكون في إطار تنمية مستدامة تضمن الحق في الحفاظ على الموارد الطبيعية تبعاً لما هو مطلوب في سياق الحق في البيئة السليمة والمتوازنة([3]).
إن تقسيم التراب الوطني هو نوع من تجميع الموارد والبنيات، لا يعفي الدولة من مسؤوليتها من التدخل لضمان العدالة المجالية كلما كان ذلك ضروريا، دون أن يعتبر ذلك مساساً بمبدأ استقلالية الجماعات الترابية. وهذا ما تحاول الأنظمة والدولة وضع أساس دستوري له.
3- الأساس الدستوري لعدالة التوزيع:
إن الرغبة في العيش المشترك لمواطني الدولة يقتضي ليس فقط المطالبة بالحقوق بل كذلك الاستعداد لتحمل التكاليف العمومية والمشتركة وواجبات التضامن الوطني.
– ضمان الحد الأدنى من الحقوق لكافة المواطنين:
يتأسس هذا المبدأ على توزيع متوازن وعادل للحقوق والحريات على فرضيتين أساسيتين:
* فرضية وحدة الأمة: وذلك من خلال التعامل بمساواة وعدالة مع جميع أشخاصها واعتبار الدولة والأمة موحدة وغير قابلة للتجزئة. فرغم أنها تعترف وتقوي الاستقلاليات المحلية فإنها لا تنسى أن تعمل على تحقيق توزيع واسع وعادل للمصالح الإدارية التابعة للدولة بشكل لا مركزي([4])، ذلك أن من أسس الدستور([5]) ضمان الوحدة القومية للأمة والوطن المشترك وغير المجزأ لجميع الإسبانيين، ويضمن حق التنوع الجهوي مع مراعاة التضامن بينها، وهو نفس الأساس الذي تعتمده البرتغال([6]).
والمغرب أمة واحدة تمارس سيادتها مباشرة بالاستفتاء أو بصفة غير مباشرة بواسطة المؤسسات الدستورية([7])، والملك هو الممثل الأسمى للأمة ورمز وحدتها وضامن دوام والدولة واستمرارها([8]).
وهكذا، فاعتبار الأمة واحدة داخل دولة واحدة موحدة معناه اعتبار جميع المواطنين بغض النظر عن تواجدهم داخل التراب الوطني أبناء لهذا الوطن يترتب على الدولة أن تضمن لهم حدا أدنى من الحقوق والحريات على الأقل وبالمقابل يضع على المواطنين التزامات تجاه الأمة والوطن([9]).
– وحدة الحقوق والحريات وعدالة الواجبات:
نجد في دساتير الكثير من الدول مقتضيات دستورية تعتبر أن مواطنيها يتمتعون بنفس الحقوق والواجبات على ترابها الوطني، وهكذا لا يمكن لأي سلطة أن تحد من ذلك أو التمييز بين مواطني إسبانيا حسب جهاتهم([10]) مثلا. ونجد نفس المقتضى في مشروع الحكم الذاتي المقدم من طرف المغرب للتفاوض بشأنه حيث “يتمتع سكان الجهة بكافة الضمانات التي يكفلها الدستور المغربي في مجال حقوق الإنسان كما هي متعارف عليها دوليا”([11]).
وبالعودة للدستور المغربي، نجده يخصص الباب الأول للحقوق والحريات، ويمهد لها بديباجة يؤكد من خلاله التزامه بمواثيق ومبادئ وحقوق الإنسان وواجباتهم وتشبثها بحقوق الإنسان كما هي متعارف عليها عالميا، وكذا في ممارسة الحقوق والحريات الاقتصادية والاجتماعية والثقافية والسياسية، بموجب القانون، وأن جميع المغاربة سواء أمامه (أي القانون)([12]). ويتجلى ذلك بالأساس في عدالة توزيع السلطة باعتماد الديمقراطية المحلية الواسعة، دون أن يمس ذلك بوحدة الحقوق والواجبات للمواطنين جميعاً من خلال العودة لآلية التضامن وعدالة توزيع المرافق والبنيات (العدالة المجالية) والاستفادة العادلة منها للجميع حسب الشروط التي يحددها القانون، وذلك تبعاً لكون الحقوق هي ملك للأفراد والمجموعات البشرية أكثر منه لأشخاص قانونية.
وفي مقابل هذه الحقوق، يترتب على مواطني كل دولة المساواة والعدالة في تحمل التكاليف العمومية، أي كل على قدر استطاعته ووفقاً لما هو محدد في القانون في احترام لروح المساواة والعدالة الليبرالية التي يعكسها الدستور المغربي([13]).
وينص مشروع الحكم الذاتي المغربي على أن سكان جهة الحكم الذاتي للصحراء يتولون داخل الحدود الترابية للجهة، وبواسطة المؤسسات الديمقراطية للجهة، الإدارة المحلية والتنمية الاقتصادية والاجتماعية والثقافية، وهو ما يعني حرية التصرف في ثروات الجهة في إطار المساواة والتضامن وفي انسجام مع المقتضيات الدستورية.
“وتتوفر جهة الحكم الذاتي للصحراء على الموارد المالية الضرورية لتحقيق تنميتها في كافة المجالات، وتتكون هذه الموارد بالخصوص مما يلي: الضرائب والرسوم والمساهمات المحلية المقررة من لدن الهيئات المختصة للجهة، العائدات المتأتية من استغلال الموارد الطبيعية المرصودة للجهة، جزء من العائدات المحصلة من طرف الدولة والمتأتية من الموارد الطبيعية الموجودة داخل الجهة، الموارد الضرورية المخصصة في إطار التضامن الوطني، عائدات ممتلكات الجهة”([14]).
إن تقسيم التراب الوطني ليس مرادفاً للتجزئة ولا يعني أكثر من تجميع العناصر الترابية والمجالية والثقافية في إطار البحث عن أقطاب ترابية ومجالية متكاملة وكذا تطوير العيش للمجموعات وكرامة الأشخاص دون أن يكونوا مجبرين على هجرتها. كما أن تقسيم التراب إلى جهات أو مجموعات مستقلة هدفه المنافسة والتنافسية بينها على الخير المشترك ونفع المواطنين في جهاتهم وداخل وطنهم جميعاً بغض النظر عن انتمائهم الترابي والجهوي.
إن جوهر التضامن هذا هو الذي تحتفظ به الدساتير، لأنه يشكل النواة الصلبة لإعادة توزيع الموارد والخيرات بشكل عادل، حتى ولو لم يكن وفق مقاييس متساوية، وذلك كلما كان ذلك ضرورياً. وبالفعل، فإن تطور المجالات الترابية لم يكن على وثيرة واحدة بل بسرعات متفاوتة، لم تنصف جميع المناطق([15]). فالمجالات القروية تعاني من خصائص كبير في الموارد المالية ومن عدم القدرة على استثمار إمكانياتها الطبيعية ومن هجرة مواردها البشرية، وتدمير تراثها الثقافي. كما أن مناطق حضرية بكاملها كانت ضحية سنوات من التهميش، ترتب عنها عدم قدرتها على الإقلاع لهشاشة البنيات الاجتماعية وضعف الخدمات الأساسية([16]). كما أن داخل المجال الحضري والتجمعات الكبرى يلاحظ غياب الديمقراطية الترابية بين المراكز الحضرية والضواحي مما ترتب عنه إحساس بالإقصاء من لدن ساكني هذه المناطق. وتسبب في احتجاجات وأعمال عنف في الضواحي الباريسية في فرنسا، إذ إن هذه الأخيرة مقسمة بين الجهات الغنية (نحو الشرق) والفقيرة (نحو الغرب) عبر خط لهافر- فراساي. كما أن مشكل الاختلالات تعاني منه كذلك إيطاليا بين الشمال والجنوب وكذا إسبانيا، وداخل نفس الجهات ال


