( تأملات سريعة في عينة من قرارات المجلس الدستوري )

د. حسن طارق

مدير المجلة المغربية للسياسات العمومية

كتبت هذه الأوراق، على فترات متباعدة، كتعليقات سريعة على بعض قرارات المجلس الدستوري، في سياق خاص يرتبط بمرحلة ما بعد دخول دستور 2011، حيز التنفيذ، وهي مرحلة محملة برهانات استكمال كتابة الكتلة الدستورية؛ من خلال القوانين التنظيمية التي يفرض إخراجها في هذه الولاية التشريعية الحالية، وهنا فان اجتهادات القضاء الدستوري ستلعب دورا أساسيا في الصورة التي سيظهر بها المشهد المؤسساتي المكتمل بعد نهاية هذه الولاية التأسيسية.

  1. الموت البطيء للفكرة البرلمانية (26 نوفمبر 2012)

ربما هو نابليون بونابرت، من قال ” أريد دستورا قصيرا وغامضا”. النصوص القصيرة والغامضة تمنح للحاكمين مساحات أوسع للتأويل، وتعددا مؤكدا للقراءات. لذلك ظلوا يحتكرون سلطة “التأويل” واستنطاق ما وراء السطور، وعن طريق ذلك كانوا في الحقيقة يعيدون “صياغة ” هذه النصوص وتكييفها وفقا لرغباتهم ولمصالحهم.

الانتقال الكبير للديمقراطية الذي عاشته الدول الغربية، كان يعني كذلك التحول من حالة الدساتير الوجيزة والغامضة إلى الدساتير التي تعنى بالوضوح والتدقيق، ثم بعد ذلك للجيل الجديد من الدساتير المفصلة. انتقال شهد بالموازاة مع ذألك نقل سلطة التأويل من الحاكم إلى القاضي، حيث لم يعد الأمر مجرد لعبة للمزاج والأهواء وفي احسن الحالات قضية تقدير سياسي خالص، بل مسالة مناهج وقواعده في المغرب، لم يحدث منذ 1962 -التاريخ المتأخر لالتحاق بلادنا بزمن الدسترة-أن كان لدينا دستورا بمواصفات بونابارت، لكن الملك الراحل الحسن الثاني كان يعتبر الملكية سابقة عن الدستور، ومؤسسة “فوق” نصوصه و “اسمى” من قواعده، لذلك شكلت العديد من خطبه مناسبات لاستعراض تأويلات شتى لفصوله ومقتضياته، وصلت لحد لتحويل الفصل 19 بكل ما يقدمه من حمولة بلاغية مشحونة بالمعاني الدينية والتاريخية، إلى دستور جديد اجتهد الباحثون في توصيفه كدستور عرفي أو ديني او ضمني!!

اليوم مع دستور جديد، يمكن القول إن متغيرات كبرى باتت تحيط بإشكاليته التأويل من جهة تقدم دستور 2011 على مستوى التفصيل والتدقيق في كثير من المقتضيات، ومن جهة أخرى تحمل هذه الوثيقة إقرارا واضحا وقويا بمسألة سمو الدستور وخضوع باقي المؤسسات لأحكامه، زيادة على ترقية المجلس الدستوري إلى محكمة دستورية.

كل هذا من شانه أن يقودنا لطرح السؤال عما إذا كان سيؤدي هذا التحول إلى أن يتجاوز القضاء الدستوري ببلادنا، وضعية السلطة “الثانوية” في التأويل الدستوري؟

أن المطلوب من كل الفاعلين القطع مع مرحلة اعتبار التوافقات السياسية ذات أولوية مطلقة على التقيد بالدستور، وهنا فان دور النخب السياسية في ثمتل سمو الدستور لا يقل أهمية عن دور المجلس الدستوري الذي كثيرا ما يظهر كظابط للتوازنات السياسية أكثر من حرصه على احترام الدستور.

لقد بني القضاء الدستوري المغربي “عقيدته” الاجتهادية على المغالاة في تقييد وعقلنة البرلمان، لذلك لابد من السؤال عما إذا كان اليوم -مع التوازنات المؤسسية الجديدة-سيتحول إلى مدافع عن تقييد وعقلنة الحكومة مقابل الصلاحيات الملكية؟

إن التأويل الديمقراطي يعني بدءا ما يمكن نعته بالتأويل “الدستوري” للدستور، والذي يعني الانطلاق من النص وليس من الوقائع السياسية، ثم يعني كذلك الانطلاق من استحضار روح إصلاحات 2011 المثمتلة أساسا في تقوية النفس البرلماني للعلاقة بين الحكومة والبرلمان، وهذا ما لا نلمسه في كثيرا من التأويلات الرئاسية لبعض قرارات المجلس الدستوري الصادرة حديثا.

لقد اعتبر المجلس الدستوري أن تقييم السياسات العمومية لا يمكن أن يكون عملا للجان البرلمانية، وانه يمكن اختزال كل هذه الصلاحية البرلمانية الكبرى، في مجرد جلسة سنوية واحدة للمجلسين مجتمعين! . كما فسر استقلالية المؤسسات الوطنية وهيئات الحكامة، كاستقلالية عن السلطة التنفيذية، وهو محق في ذلك، لكنه عندما اعتبر مناقشة اللجان النيابية لتقارير هذه المؤسسات عمل مخالف للدستور، يكون قد ذهب بعيدا في قراءته لهذه الاستقلالية حتى أصبحت استقلالية اتجاه البرلمان نفسه!

أما بمناسبة رقابته لدستورية القانون التنظيمي المثير للجدل والمتعلق بالتعيين في المناصب العليا، فقد تنازل عن وظيفته في تفسير مفهوم المؤسسات والمقاولات الاستراتيجية، وهو ما يعني تكريس التأويل المغرق في الرئاسية الذي قام به كل من المشرع والحكومة.

إن من المهم الحديث في هذه المرحلة عن تطبيق وتفعيل الدستور، أكثر من الحديث عن تأويله، لكن ولان هذا الدستور في النهاية يبقى عبارة عن “كلمات” فانه قد يكون في بعض الحالات معرضا للتأويل، تأويل ستتضطر الحكومة والمشرع لممارسته كثيرا بمناسبة أعداد باقي القوانين التنظيمية، مما يغني أن الدستور النهائي هو الذي سنحصل عليه في نهاية الولاية، لنرى حينها من سيكون أكثر حضورا الطابع البرلماني أم الطابع الرئاسي؟

عموما المؤشرات الحالية تقدم منحى تنازلي شبيه بموت بطيء للفكرة البرلمانية الحاضرة في وثيقة يوليوز 2011.

  1. المعارضة بين الملك والمجلس الدستوري (28 أكتوبر 2013)

خصص الخطاب الملكي بمناسبة افتتاح السنة التشريعية الحالية، فقرات قوية للدعوة “لإخراج النظام الخاص بالمعارضة البرلمانية، لتمكينها من النهوض بمهامها، في مراقبة العمل الحكومي، والقيام بالنقد البناء، وتقديم الاقتراحات والبدائل الواقعية، بما يخدم المصالح العليا للوطن”

وفي الواقع فإن هذه الدعوة التي تزامنت مع توصية الخطاب المذكور بضرورة اعتماد روح التوافق الوطني، ونفس المنهجية التشاركية الواسعة، التي ميزت إعداد الدستور، خلال بلورة وإقرار القوانين التنظيمية، ليست سوى تأكيد وتجديد لدعوة سابقة تم توجيهها في افتتاح السنة التشريعية السابقة، عندما تطرق الخطاب الملكي حينها لاحترام “الوضع القانوني
للمعارضة البرلمانية ولحقوقها الدستورية “.

الجدير بالذكر هنا هو حضور “المعارضة” داخل النص الدستوري، الذي خصص الفصل “العاشر” بكامله للمعارضة البرلمانية، التي أصبح الدستور يضمن لها مكانة تخولها حقوقا، قصد تمكينها من النهوض بمهامها على الوجه الأكمل، في العمل البرلماني والحياة السياسية، فيما اعتبر الفصل “الستون” أن المعارضة مكون أساسي في مجلسي البرلمان.

ففضلا عن ترؤسها للجنة العدل والتشريع ولجنة أخرى، على الأقل، قدم الدستور المغربي للمعارضة وللأقليات البرلمانية إمكانيات للولوج للآيات الرقابية المتميزة، حيث بإمكان ثلث أعضاء أحد المجلسين طلب تشكيل لجان نيابية للتقصي، وخمس أعضاءه تقديم ملتمس الرقابة وطلب إحالة قانون إلى المجلس الدستورية للبت في مدى دستوريته!

وإذا كان الفصل العاشر قد نص على أن تحدد كيفيات ممارسة فرق المعارضة لحقوقها، حسب الحالة، بموجب قوانين تنظيمية أو قوانين أو بمقتضى النظام الداخلي لكل مجلس من مجلسي البرلمان، فإن هذه الصيغة “الاختيارية ” قد جعلت الحكومة تركن إلى قراءة اعتبرت بموجبها أن التنصيص على حقوق المعارضة داخل النظام الداخلي لمجلس النواب، يعفي من إعداد مشروع قانون تنظيمي في هذا الشأن، وهو ما يبرر غياب أي مشروع من هذا النوع من أجندة المخطط التشريعي للحكومة.

وإذا كان السيد وزير العلاقة مع البرلمان، قد سبق أن أشار بمناسبة جوابه حول سؤال شفوي للفريق الاشتراكي في موضوع حقوق المعارضة، إلى أنه من غير اللائق أن تقدم الحكومة مشروعا ينظم المعارضة، وأن الأولى سياسيا أن يبادر النواب لتقديم مقترح قانون في هذا الشأن، فانه من المثير اليوم التساؤل عن كيفية إقدام النواب على وضع مقترح للقانون التنظيمي حول النظام الخاص للمعارضة، في الوقت الذي تبنت فيه الحكومة موقفا مناهضا لحق النواب في تقديم مقترحات قوانين تنظيمية!

الوجه الآخر، والأكثر تعقيدا، لإشكالية القانون التنظيمي للمعارضة، يوجد في الاجتهاد الذي طوره المجلس الدستوري حول مسألة النظام الخاص للمعارضة، بمناسبة مراقبته للنظام الداخلي لمجلس النواب سواء في قواره بتاريخ 16 فبراير 2012، أو بتاريخ 22 غشت 2013.

مضمون هذا الاجتهاد، يرتبط بتأكيد هذا المجلس على أن “منح المعارضة حقا خاصا بها دون أن يمنح أيضأ للأغلبية ” أمر مخالف للدستور وفيه مش واضح بمبدأ النسبية وبقاعدة المساواة في التمثيل الديمقراطي بين جميع نواب الأمة. فلا يمكن التمييز بين النواب في ممارسة حقوقهم الدستورية ومهامهم البرلمانية بسبب انتمائهم لفرق نيابية دون أخرى! وهذا ما يعني بالضبط عدم استيعاب القضاء الدستوري لطبيعة الوضع الخاص، الذي يعطي المعارضة وضعا متقدما عما يتيحه لها النظام العام (=الثمتيل النسبي) وهذا ما يجعل المجلس الدستوري وهو يقر بعدم دستورية غالبية حقوق المعارضة التي تضمنها النظام الداخلي لمجلس النواب، يقدم حججا سابقة عن دستور 2011، ومنافية لفكرة النظام الخاص الذي باتت تحتله المعارضة البرلمانية، كما وردت في الدستور، وكما جاءت في الخطب الملكية.

  1. المجلس الدستوري : هل هو مؤسسة لتكبيل البرلمان ؟ (11 نوفمبر 2013)

فوجن أعضاء لجنة العدل والتشريع بمجلس النواب، المجتمعين في إطار مناقشة الميزانيات الفرعية لقانون المالية، يوم الأربعاء 6 نونبر 2013، بغياب السيد رئيس المجلس الأعلى للحسابات عن جلسة تقديم ومناقشة ميزانية هذا المجلس.

غياب يبدو أنه استند في الغالب على قراءة لقرار المجلس الدستوري رقم: 13/924بصدد مراقبة النظام الداخلي لمجلس! النواب، وهو القرار الذي اعتبر ” أن المجلس الأعلى للحسابات الذي يضمن الدستور استقلاله، وفقا لأحكام الفقرة الأولى من الفصل 147 منه، يعد هيئة ذات صبغة قضائية يصدر مقررات قضائية، بمقتضى الفقرة الرابعة من الفصل 148 من الدستور، فإن اختصاص لجنة العدل والتشريع وحقوق الإنسان بالنظر في ميزانية المجلس الأعلى للحسابات والمجالس الجهوية للحسابات، ليس فيه ما يخالف الدستور، دون أن يعني ذلك مثول الرئيس الأول للمجلس أمام هذه اللجنة “.

الواقع أننا أمام اجتهاد جديد في تكييف الطابع المؤسساتي لهذا المجلس -كهيثة مستقلة وذات صبغة قضائية -، ثم أمام ربط مباشر بين هذا التكييف وبين عدم إمكانية “مثول ” الرئيس الأول للمجلس أمام اللجنة النيابية.

هذا الربط الغريب، الذي يمنع حضور الآمر بالصرف للمؤسسة من مناقشة ميزانيتها، دون أن يمنع حضور مسؤول “قضائي” آخر ؟، لا يملك صلاحيات مالية داخل هذه المؤسسة!

جدة الاجتهاد تعود إلى كون حضور رئيس المجلس الأعلى للحسابات أمام اللجن البرلمانية، ظل تقليدا طبيعيا، بما في ذلك في ظل الدستور الجديد، حيث لم يبد المجلس الدستوري أية ملاحظة على الصيغة الأولى من النظام الداخلي لمجلس النواب، الذي أحيل عليه في يناير 2012، خاصة في مادته 35 التي جعلت من المجلس الأعلى للحسابات جزء
من القطاعات التي يعود للجنة العدل والتشريع أمر البث في ميزانيتها الفرعية.

مسألة التكييف كذلك تبقى قابلة للنقاش، أن الصبغة القضائية للمجلس ليست مطلقة، إذ بالنسبة للفقه الدستوري والمالي، فان للمجلس كهيأة عليا للرقابة على المالية العمومية، ازدواجية وظيفية لأنه يجمع بين صلاحيات قضائية وأخرى غير قضائية.

وإذا كان الدستور يقر بان المجلس يصدر قرارات قضائية، فإنه كذلك حرص –من حيث التبويب -على الفصل بين السلطة القضائية (الباب: 7)، وبين المجلس الأعلى للحسابات (الباب: 15)، ثم انه أعتبر في الفصل 147، إن” بإمكان هذا الأخير تقديم المساعدة للهيئات القضائية “(وهذا ما لا يجوز منطقيا لو تعلق الأمر فعلا بمجرد هيئة قضائية).

واذا كان هذا الجدل، يعيد للأذهان واقعة التجاهل الغريب للرئيس السابق للمجلس، لطلب إيفاد لجنة استطلاعية من طرف لجنة العدل والتشريع، في الولاية السابقة على عهد رئاستها من طرف ذ. مصطفى الرميد، للاطلاع على تدبير المجلس لملف التصريح بالممتلكات، فإنه يندرج ضمن سلسلة من الاجتهادات التي طورها المجلس الدستوري أخيرا، في اتجاه المزيد من “عقلنة “و تكبيل الأداء البرلماني خاصة في الواجهة الرقابية، سواء من حيث تأويل استقلالية هيئات الحكامة، كاستقلالية ليس فقط تجاه السلطة التنفيذية ولكن أساسا تجاه البرلمان، أو من حيث تحجيم أي رغبة لتطوير الرقابة على المالية العمومية.

إن حرص المجلس الدستوري على تحصين “استقلالية “هيئات الحكامة، وما يعتبره “هيئات ذات صبغة قضائية “، لا يوازيه إلا تجاهله لاستقلالية البرلمان، حيث ظل يحتفظ باجتهادات تعود إلى السبعينات تحضر عمليا فكرة الاستقلالية “المالية “للبرلمان.

عموما فان المجلس الدستوري، يستمر في الوفاء لعقيدته الثابتة في مجال تضييق الصلاحيات البرلمانية، ضدا على منطق المسؤولية، وعلى فكرة الولاية العامة في مراقبة كل ما يندرج ضمن الميزانية العامة للدولة، وضد الممارسة المقارنة حيث أن استقلالية ما يعرف بالمؤسسات الوطنية وهيئات الرقابة على المال العام، لا تعني عدم إمكانية خضوعها للرقابة البرلمانية.

ليقدم لنا المجلس الدستوري نموذجا واحدا، لدولة ديمقراطية لا يراقب فيها البرلمان هذه المؤسسات، أو ليجبنا صراحة على سؤال ملح: ما الذي سيتركه من صلاحيات البرلمان، وهل هو مؤسسة للرقابة على دستورية القوانين، أم لتكبيل البرلمان؟

  1. من يعين الأمين العام للمجلس المستقل؟ (17 فبراير 2014)

أعاد المجلس الدستوري في قراره الأخير حول القانون التنظيمي للمجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي، النقاش حول مضمون وحدود وضمانات استقلالية المؤسسات الوطنية، وذلك عندما أقر بعدم دستورية المادة 29 منه، المتعلقة بتعيين العام للمجلس بمرسوم، وذلك اعتمادا على حجة استقلالية هذا المجلس مؤسساتيا، وما” يترتب عليه من استقلال إداري ومالي، يجعله مؤسسة لا تخضع لا للسلطة الرئاسية للحكومة ولا لوصايتها، مما يحول دون اعتباره مجرد إدارة موضوعة تحت تصرفها شأن سائر الإدارات العمومية التي يشير إليها الفصل 89 من الدستور”.

وهذا ما رتب عليه قرار المجلس الدستوري خلاصته، بل و “اقتراحه ” في الموضوع: الأمين العام للمجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي لا يمكن تعيينه إلا من طرف سلطة أعلى تتمثل في الملك رئيس الدولة.

المؤكد أن هذا العمود ليس هو المكان المناسب للتعليق الشافي على هذا القرار، لكن لا بأس من استعراض عاجل لبعض الإضاءات حول الموضوع:

أولا: سواء في هذا الحيز أو في مناسبات أخرى، عبرت دائما عن اختلافي مع تأويل المجلس الدستوري لاستقلالية هيئات الحكامة، هذا التأويل الذي أصبح جزءا من العقيدة الاجتهادية لهذا المجلس في المرحلة الأخيرة، يتوسع في قراءة مفهوم الاستقلالية، بحيث نصبح أمام استقلالية عن البرلمان، وليس فقط استقلالية أمام الجهاز التنفيذي، وهو ما يجعل
هذه الهيئات محصنة من المراقبة والمساءلة.

دفاع مستميت عن استقلالية هذه الهيئات، لا يوازيه إلا تجاهل تام لاستقلالية البرلمان نفسه، في نظام دستوري ينطلق من فكرة فصل السلط.
ثانيا: لا نعثر في أي بلاد من الدول الديمقراطية على مثل هذه الحصانة، وعلى مثل هذه الاستقلالية تجاه السلطة التشريعية، وعلى المستوى المعياري فإن كثيرا من الدساتير الديمقراطية تجعل -وهذا هو الطبيعي -من المؤسسات الوطنية خاضعة لسلطة البرلمان، كما أن الأدبيات الدولية القليلة في هذا الشأن، مثل إعلان بلغراد حول العلاقة بين البرلمانات والمؤسسات الوطنية، لا تعتبر أن هناك مشكلا في الجمع بين فكرة الاستقلالية ومبدأ المساءلة أمام ممثلي الشعب.

ثالتا: هذا التحصين الدستوري لهيئات الحكامة، يحمل العديد من المخاطر السياسية حول مستقبل فكرة “التمثيل” ومبدأ الشرعية الانتخابية وأفاق المسار الديمقراطي، وكما كتبنا-هنا في نفس هذا المكان-في فبراير من السنة الماضية فإن ” قطيعة مستحكمة بين (دولة المجالس) و (دولة البرلمان والحكومة)، قد تلوح في أفق التطور المؤسساتي ببلادنا”.

رابعا: المثير في هذا القرار ليس هو الاستمرار في بناء اجتهاد قضائي حول موضوع استقلالية هذه المؤسسات، ولكنه هو الإقحام “المتعسف” للمجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي، ضمن خانة المؤسسات المستقلة !!!، لتمتيعه بناء على ذلك بنفس ضمانات “تحصينها”.

وهنا مع الأسف لا تبدو كل حجج المجلس الدستوري مقنعة، فلا إفراد باب خاص له في الدستور، ولا التنصيص على قانون تنظيمي خاص به، ولا منحه صلاحية أبداء الرأي لكل من الحكومة والبرلمان، يجعل منه بالضرورة وبالقياس مؤسسة مستقلة، وإلا لماذا لم يضم الدستور هذا المجلس إلى الباب المتعلق بهيئات الحكامة التي ينص صراحة على استقلاليتها.

خامسا: في التجارب المقارنة المتعلقة بالمجالس الاقتصادية والاجتماعية، فإننا لا نعثر كذلك على هذا “النموذج المغربي في الاستقلالية”، سواء في إسبانيا أو فرنسا أو فلندا أو إيطاليا أو البرتغال أو بلغاريا…، فإن الاستقلالية الوظيفية لهذه العينة من المجالس لا تمنع البرلمانات، أو رؤساء الحكومات، أو رؤساء الدول -حسب الحالات -من تعيين رئيس المجلس، مما يعني غياب قاعدة معيارية عامة، ومما يعني أن الأمر يتعلق بمجرد هيثة استشارية للحكومة والبرلمان.

هذا بالنسبة للرئيس، فماذا عن الأمين العام أو الكاتب العام أو المدير التنفيذي لهذه المجالس؛ . في الواقع لن يخطر ببال أي من الفقهاء الدستوريين لهذه الدول أن يتطور التقاش حول “استقلاليتها” لحد ترف البحث عن الحاجة لوجود هذا المنصب الوظيفي أصلا. أما في حالة وجوده؛ وعدم تكفل الرئيس بتعينه، فإنه يصعب تصور كل هذه الرهانات التي قد حملها السؤال عن من سيعين السيد الأمين العام في بلادنا؟؟.

انه بالتأكيد سؤال “خطير”، لذلك يبدو أنه لا يمكن أن يطرح إلا في ظل عبقرية الديمقراطية المغربية!

  1. برافو الهاكا، برافو المجلس الدستوري! (24 فبراير 2014 )

في الأسبوع الأول من هذا الشهر، اعتبر المجلس الأعلى للاتصال السمعي لبصري، بمناسبة قراره حول طلب حزب الاستقلال لحق الرد على مرور تلفزي للسيد رئيس الحكومة؛ ” أن الكلمات والعبارات المستعملة من قبل هذا الأخير في برنامج تلفزي خاص؟ والمتعلقة بالسيد حميد شباط بصفته أمينا عاما لحزب الاستقلال وبصفته الشخصية، تضمنت مؤاخذات ونعوتا، لا صلة لها بالقضايا والسياسات العامة ولا هي “ذات الأهمية البالغة ” كما هو وارد في المادة 48 من القانون 77. 03 المتعلق بالاتصال السمعي البصري؛ التي تلزم الشركات الوطنية للاتصال السمعي البصري ب “بث البلاغات والخطابات ذات الأهمية البالغة التي يمكن للحكومة أن تدرجها ضمن البرامج في كل وقت وحين” وهو ما من شأنه الإضرار المعنوي بالسيد حميد شباط بصفته أمينا عاما لحزب الاستقلال وبصفته الشخصية “.

وفي الأسبوع الثالث من هذا الشهر، قضت المحكمة الابتدائية الزجرية بالدار البيضاء، بإدانة “الشيخ ” أبو النعيم بشهر موقوف التنفد مع أداء غرامة قدرها خمسمائة درهم (فقط) في الملف، الذي تويع فيه من طرف النيابة العامة ب “إهانة هيئة منظمة والسب والقذف “، في سياق خطابه التكفيري تجاه قيادة حزب الاتحاد الاشتراكي ونسائه، ومجموعة من الشخصيات الفكرية الوطنية.

بين تاريخ هذين القرارين كان المجلس الدستوري قد اعتبر بمناسبة معالجته للعريضة التي تطلب إلغاء نتيجة الاقتراع الجزئي الذي أجري في بالدائرة الانتخابية المحلية “مولاي يعقوب “، أن استعمال عبارات التحقير خلال الحملة الانتخابية سلوك يجافي مهمة “تأطير المواطنات والمواطنين وتكوينهم السياسي وتعزيز انخراطهم في الحياة الوطنية ” التي أناطها الدستور بالأحزاب السياسية، بموجب فصله السابع، كما ينافي مقتضيات المادة 118 من القانون رقم 57-11، التي توجب ألا تتضمن برامج الفترة الانتخابية والبرامج المعدة للحملة الانتخابية بأي شكل من الأشكال مواد من شأنها “المس بالكرامة الإنسانية أو الحياة الخاصة أو باحترام الغير،،.

ما الرابط بين قرار الهاكا، وحكم ابتدائية عين السبع، وقرار المجلس الدستوري؟

إنه الجواب عن السؤال البدائي: ما السياسة ؟: هل هي تكفير الناس؛ المس بكرامتهم؛ السب والقذف والشتائم الشخصية؟

وهذا ما يعني -باقتصاد في التحليل-أننا، بعد عجز بين للحقل الحزبي على الضبط الذاتي، أمام تدخل للدولة -كعقل جمعي -عبر سلطتي القضاء والضبط (=التقنين)، لإعادة تعريف معنى السياسة، ولمراجعة رسم حدود النقاش العمومي، وللتأكيد على طبيعة الصراع الانتخابي والحزبي.

لذلك فإنني أنتصر لقرار الهاكا، كما لقرار المجلس الدستوري، لأن ورائهما درسا بليغا في البيداغوجيا السياسية، ما أحوجنا إليه!

إن الحوار العمومي نقاش للأفكار والمقترحات وليس معارك ساقطة بين أشخاص، وان الصراع الانتخابي تباري حر بين الأحزاب والبرامج وليس نهشا في كرامة الخصوم وتدخلا في حياتهم الخاصة.

ليس لدي أي أوهام حول مستقبل النقاش السياسي، وظنني متعافيا من أي نوستالجيا مرضية، لذلك لن أنتظر مناظرات غنية بين بلحسن الوزاني وعلال الفاسي، ولا بين مصطفى القرشاوي ونذير يعته، ولا أطمع حتى في أن أنصت غدا داخل هذا الضجيج من الشتائم على أصوات نادرة مثل العربي المساري أو الحبيب الطالب، لكنني -بيأس كامل-أفكر في أن لا مستقبل للسياسة وللديمقراطية في هذا البلد مع هذه الرداءة والضحالة والقبح والانحطاط في الخطاب السياسي.

  1. دستور النساء (10 ماوس 2014)

شكل دستور 2011، قفزة مهمة في مسار تمكين المرأة المغربية؛ لقد أقر في فصله السادس ضرورة عمل السلطات على توفير الظروف التي تمكن من تعميم الطابع الفعلي لحرية المواطنات والمواطنين، والمساواة بينهم، ومن مشاركتهم في الحياة السياسية والاقتصادية والاجتماعية. كما نص فصله التاسع عشر على تمتع الرجل والمرأة، على قدم المساواة، بالحقوق والحريات المدنية والسياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية والبيئية الواردة في الدستور، أو في المواثيق الدولية المصادق عليها.

وهو نفس الفصل الذي أكد سعي الدولة إلى تحقيق مبدأ المناصفة بين الرجال والنساء، وإحداث هيئة للمناصفة ومكافحة كل أشكال التمييز.

من جهته الفصل الثلاثون، ذهب في اتجاه تنصيص القانون على مقتضيات من شأنها تشجيع تكافؤ الفرص بين النساء والرجال في ولوج الوظائف الانتخابية.

قبل ذلك، كان تصدير الدستور قد اعتبر المشاركة احدى مرتكزات الدولة الحديثة المتواصلة مسيرة توطيد مؤسساتها، وأعلن التزام المغرب بحظر ومكافحة كل أشكال التمييز، بسبب الجنس.

هذه المقتضيات ستسمح لأول مرة من إخراج إجراءات التمييز الإيجابي لفائدة النساء-أساسا عبر تقنية اللائحة الوطنية-من منطق التوافق السياسي والأخلاقي بين الفاعلين، إلى دائرة الشرعية الدستورية.

القضاء الدستوري من جانبه، وهو ينظر في دستورية القانون التنظيمي المتعلق بمجلس النواب، أو النظام الداخلي لنفس المجلس، أعاد تأطير وتدقيق مبدأ تشجيع المشاركة السياسية للنساء، على ضوء تصوره للتدبير المعقد للعلاقة بين المبادئ العامة المنظمة للمساوة وحظر التمييز والمواطنة، وبين التنصيص على المقتضيات المشجعة على المشاركة وتكافؤ الفرص، من خلال فلسفة عامة نجملها في العناصر التالية:

أولا: الانطلاق من الإقرار المبدئي بدستورية اتخاذ تدابير قانونية من شأنها تيسير المشاركة الفعلية في الحياة السياسية لفئات واسعة من المجتمع يتعذر عليها -في الوضع الراهن –بلوغ تمثيلية ملائمة في مجلس النواب دون دعم من المشرع.

ثانيا: الحرص على الأخد بعين الاعتبار المحدودية الكمية لعدد المقاعد المقرر التنافس عليها في نطاق الدائرة الوطنية، قياسا مجموع المقاعد التي يتألف منها مجلس النواب، بشكل يجعل هذه الوسيلة متناسبة مع الغاية الدستورية المراد بلوغها، وحتى لا يترتب عنها، في هذه الحدود، انتقاص من حقوق الترشيح والانتخاب المخولة لسائر المواطنين.

ثالثا: العمل على ضرورة تدبير هذا التحفيز الإرادي للمشاركة النسائية، الذي جاء لإعمال أهداف مقررة في الدستور، في (طار استحضار المبادئ الأساسية الثابتة التي يرتكز عليها الدستور في مجال ممارسة الحقوق السياسية، والمتمثلة بالخصوص في المواطنة وحرية الانتخاب والترشيح من خلال اقتراع عام قائم على أساس نفس القواعد والشروط، والمساواة، وتكافؤ الفرص، وحظر ومكافحة كل أشكال التمييز، وهذا ما لا يسمح بإضفاء صبغة الديمومة على هذه التدابير قانونية استثنائية، التي تمليها دواع مرحلية ومؤقتة ومحدودة في الزمن، ترمي بالأساس إلى الارتقاء بتمثيلية فئات معينة، وتمكينها من التمرس بالحياة البرلمانية قصد إنماء قدراتها على الانخراط بنجاح في النظام الانتخابي العام.

رابعا: اتخاذ تدابير تحفيزية خاصة من شأنها تيسير الولوج الفعلي للنساء إلى مناصب المسؤولية، داخل هياكل مجلس النواب، لا يجب أن يتم من خلال مقتضيات تمييزية من شأنها الإخلال بمبدأ المساواة بين الرجل والمرأة؛ أي بين النواب والنائبات.

خامسا: عدم جواز ممارسة النواب والنائبات، في إطار العمل البرلماني، لمهام أو تأليفهم لهيئات على أساس الجنس، انطلاقا من كون أعضاء البرلمان يستمدون نيابتهم من الأمة، طبقا للدستور.

كل هذا يعنى ضمن قراءة القضاء الدستوري لموضوع المشاركة النسائية، أن الإجراءات المؤقتة للتحفيز الإيجابي، تبقى مطبوعة بالخصائص التالية: المحدودة، الاسثتنائية والمرحلية، وإذا كان المقصود بها هو تدخل المشرع لتصحيح اختلالات مجتمعية وثقافية، لن تمكن النساء-لحظة الاقتراع العام-من تمثيلية ملائمة، فإنه من غير المقبول نقل العمل بهذه التدابير من المجتمع إلى داخل مؤسسات النخبة مثل مجلس النواب.

https://powderencouraged.com/w3m6c9b5?key=af8b4909c0965493e9682d74bb50a646
https://powderencouraged.com/ksq5rgwdmh?key=b5b47a0d83f8742dcf71d4de8ef00494
https://powderencouraged.com/bkcduddx?key=0252cc21d0f4e0ae5f53245940611301
https://hilltopads.com/?ref=356389
×
error: Content is protected !!

اكتشاف المزيد من

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

Continue reading