أ.د. عبد الفتاح حسن[*]

لم تكن رغبتي في دراسة موضوع “القضاء الإداري في الإسلام” بنت اليوم، ولكنها رغبة كانت تعاودني خلال دراستي للفقه والقضاء الإداري في الدول الغربية بصفة عامة، وعندنا في مصر بصفة خاصة، إذ كثيراً ما تساءلت: أليست مقومات القانون الإداري التي يعرفها الفقه المعاصر، واحدة، أيا كان شكل الدولة، وأياً كان العصر الذي تعيش فيه؟ فكان جوابي دون تردد بالإيجاب؛ فنظريات الموظف العام، والمرفق العام المادي أو العضوي، والقرار الإداري والتنفيذ المباشر، والحكم القضائي، كلها تنشأ وتعيش في كل جماعة بلغت قدراً من التنظيم، واعترفت صراحة أو ضمناً بسلطة فرد، أو أفراد يقومون عليها وتوكل إليهم أمورها، وذلك حتى لو لم تبلغ هذه الجماعة في مدارج الرقي مرتبة الدولة.

فلا يخلو أن تحتاج تلك الجماعة إلى شخص أو أشخاص يقومون ببعض أعمالها العامة على وجه الدوام والاستقرار، بأجر أو بغير أجر، فهم موظفون عموميون.

ولا يخلو أن تحتاج إلى قوة دفاعية تواجه بها أعداءها في الخارج والداخل، وهذا هو مرفق الجيش أو مرفق البوليس.

‏كما أن القائمين بالأمر فيها يباشرون سلطانهم بأ‏وامر شفوية، أو كتابية يلتزم بها الأفراد، وإلا نفذت عليهم جبراً، ولست هذه الأوامر سوى القرارات الإدارية، وما تتمتع به من ميزة التنفيذ المباشر.

‏كما أن على أصحاب السلطة أن يتوقعوا أن تنشب المنازعات بين أعضاء الجماعة، وأن يستعدوا لمواجهتها بالفصل فيها وحسمها بحل واضح يلزم المتخاصمين، صوناً للهدوء العام، وليس هذا الحل سوى الحكم، حسب تعبيراتنا المعاصرة.

‏فهذه النظريات إذن، لم تصاحب نشأة القانون الإداري، وليست من صنعه وحده، ولكنها كلها –فيما نعتقد- سابقة عليه. فهي تضرب بجذورها في أعماق التاريخ البعيد، ولتصاحب نشأة الجماعة المنظمة ذاتها أيا كان رداؤها، وإذا كانت قد نمت بعد ذلك بنموها وتطورت معها، فإن جوهرها ظل كما هو لم يتغير، ومضمونها الأساسي بقي هو هو على مر العصور والأجيال، لم يتناوله التعديل والتبديل.

ولذلك فقد وجدت جميع هذه النظريات في للمجتمع العربي:

فالموظف العام كان ولا يزال كل شخص يساهم في خدمة مرفق عام، بصفة منتظمة، دون أن يغير من ذلك تلقيبه في غير عصرنا بالوالي، أو العامل، أو الأمير أو الصاحب.

‏والمرفق العام، وكان ولا يزال كل نشاط يقدر القائمون بالأمر، أنه من الأهمية في حياة الجماعة، بحيث يكون من الخطر، أو مما لا يوفي بالغرض، تركه لنشاط الأفراد، وأن من المصلحة العامة التي يسهرون عليها، أن تتولاه الجماعة بنفسها، أو على الأقل تخضعه لرقابتها وإشرافها. فالتعريف بمضمونه ليس  بمستحدث، ولكن الجديد هو التسمية التي ابتدعها الفقه والقضاء خلال القرن التاسع عشر فلم يكن البريد، وجباية الخراج، والشرطة، والحسبة، والقضاء، سوى مرافق عامة بالمعنى الصحيح لهذا التعبير.

‏والقرار الإداري، كان دائماً تعبيراً عن إرادة السلطةـ بقصد ترتيب أثر قانوني عام أو فردي، في أمر النبي صلى الله عليه وسلم، للمسلمين بالهجرة إلى الحبشة في مبدأ الدعوة المحمدية بعداً عن أذى قريش وكفاً لشرهم، ثم أمره عليه السلام أصحابه بالهجرة إلى المدينة، كلاهما قرار إداري، وفرضه لعتاب بن أسيد الذي ولاه مكة درهماً في اليوم، قرار إداري كذلك، وكل ما تم في حياته عليه السلام وفي حياة خلفائه من بعده، من تعيين ولاة، أو أمراء سرايا،‏ إنما تم بقرارات إدارية، ‏شفوية أو كتابية، وإن لم يطلق عليها حينئذ هذا التعبير.

‏والتنفيذ المباشر، كما نعرفه اليوم، هو المكنة التي تتمتع بها الجهة الإدارية في تنفيذ أوامرها وقراراتها، مباشرة، ‏وبنفسها، في مواجهة الأفراد، دون أن تلجأ إلى القضاء لاستصدار حكم منه بذلك. وهو بهذا التعريف أكثر وضوحاً في المجتمع الإسلامي الأول، منه في عصرنا الحاضر، وذلك لما كان يقوم عليه من اندماج السلطتين التنفيذية والقضائية في شخص الخليفة أو في شخص وإليه، متى كانت ولايته عامة، بل يمكن القول بأن النظام الإسلامي في مختلف العصور، كان قائماً على نظرية التنفيذ المباشر للأمر الإداري، فلا نعرف أن خليفة أو والياً، كان يحيل رغباته في شئون الدولة إلى قاضيه، ليصدر فيها حكمًا واجب النفاذ، وذلك برغم ما بلغه بعض القضاة من الهيبة وعلو الكلمة.

‏أما المحكم، وهو -حسب ما ذهب إليه القضاء الإداري- عمل قانوني يحسم على أساس قاعدة قانونية، خصومة عينية أو شخصية، ويكون حجة في مواجهة الطرفين المتنازعين، وأحياناً أيضا في مواجهة الأغيار، فموضعه في التنظيم الإسلامي أوضح من أن يحتاج إلى بيان، فقد باشر الرسول وخلفاؤه من بعده القضاء بأنفسهم، أو بمن ينيبونه عنهم، وكان قولهم في ذلك فاصلاً وقاطعاً، دون حاجة إلى التنفيذ القسري، لقرب‏ العهد بمطلع النبوة، وعمق الشعور الديني وتأصله في ضمائر المسلمين.

‏ومتى ثبت أن عناصر الجهاز الإداري للدولة الإسلامية في مراحلها المتتابعة، لا تختلف في حقيقتها عن تلك التي يتميز بها في الدولة المعاصرة، أيا كانت الفلسفة التي تصدر عنها. كذلك تتقارب الدولة الإسلامية والدولة المعاصرة أيضاً في ناحية أخرى أساسية، إذ يواجه كلاهما، نوعاً خاصاً من المنازعات، ‏يثور بين الأفراد والسلطات القائمة، وهو ما يسمى بالمنازعات الإدارية Contentious administrative وهى منازعات لا سبيل إلى تلافيها، باعتبارها نتيجة حتمية وطبيعية لتعارض الصالح وتضاربها، ففريق  -وهو الأفراد- يسعى وراء غايات شخصية يريد تحقيقها، بما فطر عليه كل من الأثرة، وآخر –يتمثل في السلطات الحاكمة- يعمل جاهداً على الحد من غلواء المطامع الذاتية، تغليباً لصالح الكل، الذي لا يعدو بدوره أن يكون جماع المصالح الخاصة، وهي كذلك منازعات لا سبيل إلى تجاهلها، أو التهوين من قدرها وخطرها، إذ ما قيمة العدل المطلق الذي يقوم على أنقاض من مصالح الأفراد وعلى أشلائها؟ أو ليس المشرع إذ يسعى إلى تحقيق  مصلحة المجموع، إنما يعني بذلك تحقيق الموازنة بين مصالح الأفراد الذين يتألف منهم هذا المجموع؟ وإذا كان المجموع هو جماع الأفراد، بحيث يكون في  تحقيق صالحه تحقيق لمصالحهم، أليس الأفراد هم كذلك عناصر هذا المجموع، فيكون في تحقيق لمصالحهم تحقيق لمصالحه؟ فالفرد المغبون، إذ يسعى وراء مصلحة خاصة، يحقق مصلحة عامة، بتطبيق التشريع على حالته تطبيقاً سليماً، فيعيد التناسق إلى النظام القانوني الداخلي، ويرد إليه هدوءه بعد اضطراب وقتي، والسلطة القائمة بالأمر، والتي يفترض فيها تمثيل الصالح الجماعي، هل هي معصومة من الزلل؟ فمن يدرينا إذن أنها قد لا تتنكر لسبب وجودها، فتحيد وتنحرف وتجري وراء الأهواء والنزوات؟ لو تركت المنازعة الإدارية وشأنها، وأخلى بين الفرد والحاكم، كل يتدافع ويتصارع، لنفذت شريعة الغاب، وكان البقاء للأقوى، ولتغلب الحاكم دائماً، أيا كانت بواطنه؛ إذ تتركز بين يديه القوة المادية، يديرها ويصرفها كما يشاء، وقد أدركت الدول بعد تجارب طويلة، أن ذلك ليس من صالح الجماعة في شيء، ‏وأن القانون يجب أن يعلو فوق الجميع، حاكمين ومحكومين، فنشأت فكرة وجود قاض عادل تعود إليه المنازعة الإدارية، يقارن بين المصالح المتنافرة، محاولاً التوفيق بينها، قاض يلجأ إليه الفرد الذي تعوزه القوة في مواجهة السلطة الحاكمة، فيردها القاضي إلى جادة الصواب: يهدر ما صدر منها مخالفاً للقانون، ويجبر ما نجم عن خلطها من ضرر، على أن يكون في كل ذلك حذراً متبصراً واسع الأفق، عميق النظر، ذكي التفكير، لا يغيب عن بصره أن الأمة يجب أن تعيش، وأن على الفرد أن يتحمل القدر المعقول في سبيل الجماعة التي هو جزء من بنيتها، وخلية من خلاياها.

‏هذا القاضي الذي ينظر هذه المنازعة الإدارية، وهو ما اصطلح على تسميته بالقاضي الإداري juge administrative، وقضاؤه هو القضاء الإداري Jurisprudence administrative، فكيف ظهر هذا القاضي، وكيف نشأ هذا القضاء في الإسلام؟ وكيف تطور كلاهما؟

هذا هو الموضوع الذي نريد أن نعرض له الآن، والذي نرى قبل أن نتطرق إليه، أن نشير إشارة ما، إلى نشأة السلطة القضائية ذاتها وتطورها في النظام الإسلامي.

‏لم يبلغ الغرب في الجاهلية من التطور مبلغاً يسمح بوجود سلطة قضائية منظمة، أو قضاة متخصصين، ويرجع إليهم في فض المنازعات، إذ قامت حياتهم الاجتماعية على النظام القبلي، فكان شيخ القبيلة هو ممثلها لدى غيرها من القبائل، وهو –في داخل- رئيسها الأعلى وقاضيها ومفتيها، فيحسم ما يثور بين أعضائها من خلاف، وفق المتعارف عليه من التقاليد والعادات، وقد يلجأ المتخاصمون إلى بعض من عرفوا بالحكمة وأصالة الرأي، يحكمونهم فيما شجر بينهم، وقد اشتهر من هؤلاء: عبد المطلب، وأبو طالب، والعاصي بن وائل (من قريش)؛ ويعمر الشياخ، وسلمى بن نوفل، وصفوان بن أمنية (من كنانة)، وغيلان بن أبي سلمى الثقفي، وعامر بين الظرب، (من قيس) واشتهر من النساء: صخر بنت لقمان، وهند بنت الحسن، وجمعة بنت حابس، وقد يلجأ المتخاصمون إلى كاهن يعتقدون فيه القدر على إظهار الحق بوساطة تابعة من الجن، الذي يطلعه على كل شيء، أو إلى عراف يستطلع الغيب ويتنبأ بالمجهول عن طريق الفراسة والقرائن، فاشتهر من الكهان: جزيمة الأبرش، والأسود العنسي، وعبد الله بن سرح، وسطيح الذئبي([1]).

وبمجئ الإسلام صار القضاء فرضاً على المسلمين، وقد ورد ذكره في أكثر من موضع في القرآن الكريم.

(فَاحْكُم بَيْنَهُم بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ ولا تَتَّبِعْ أَهْواءَهُمْ عَمَّا جَاءَكَ مِنَ الحَقِّ)([2]).

(فَلا ورَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجًا مِّمَّا قَضَيْتَ ويُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا)([3]).

(فَإن جَاءُوكَ فَاحْكُم بَيْنَهُمْ أَوْ أَعْرِضْ عَنْهُمْ وإن تُعْرِضْ عَنْهُمْ فَلَن يَضُرُّوكَ شَيْئًا وإنْ حَكَمْتَ فَاحْكُم بَيْنَهُم بِالْقِسْطِ إنَّ اللَّهَ يُحِبُّ المُقْسِطِينَ)([4]).

إلا أن القرآن لم يضع تنظيماً تفصيلياً للسلطة القضائية، وترك للأمة الإسلامية أن تختار لكل عصر ما يتلاءم مع أوضاعه وظروفه، وذلك منهجه في كل ما يتعلق بالنظم السياسية للدولة، فهو يضع أسسها، التي لا يتصور بدونها قيام مجتمع متحضر فيقرر شريعة العدل: (وإذَا حَكَمْتُم بَيْنَ النَّاسِ أَن تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ)، والشورى (وشَاوِرْهُمْ فِي الأَمْرِ)، ويضع كذلك أسس الحريات ‏العامة، ‏فيقرها ويؤكدها، فأشار إلى الحرية الشخصية: (فَلا عُدْوَانَ إلاَّ عَلَى الظَّالِمِينَ)، (فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ).

وحرمة المسكن: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَدْخُلُوا بُيُوتاً غَيْرَ بُيُوتِكُمْ حَتَّى تَسْتَأْنِسُوا وَتُسَلِّمُوا عَلَى أَهْلِهَا ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ (27) فَإِنْ لَمْ تَجِدُوا فِيهَا أَحَداً فَلا تَدْخُلُوهَا حَتَّى يُؤْذَنَ لَكُمْ وَإِنْ قِيلَ لَكُمْ ارْجِعُوا فَارْجِعُوا هُوَ أَزْكَى لَكُمْ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ)، وحق الملكية: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلاَّ أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ) وحرية العقيدة: (لا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنْ الغَيِّ)، (أَفَأَنْتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّى يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ) وترك بعد ذلك للمسلمين أن يبنوا- داخل هذا الإطار- بنيان الدولة.

وكان النبي يتولى القضاء بنفسه، أو ينيب في ذلك عنه أحداً من صحابته، وكذلك فعل أبو بكر من بعده، إلا أنه خلال هذه المرحلة من التاريخ الإسلامي لم يظهر منصب القاضي المتخصص، الذي يتفرغ لما وكل إليه، والذي يقلد ولاية القضاء على وجه التحديد، ويرجع ذلك إلى أنه في حياته –عليه الصلاة والسلام كانت الدعوة غضة تغمر بنورها القلوب، فتحيي الضمائر، وتضاعف الشعور بالإثم: فكان المسلم الأول يعرف حقه كما يعرف حق غيره، ويدرك واجبه وواجب غيره، وندر التشاحن والتدافع، فإذا وقع المحظور، لجأ إلى صاحب الدعوة، يستوضحه الغامض من الأمر، ويستجليه ما خفى عليه، وكان قوله عليه الصلاة والسلام عندئذ، محترماً لذاته، فينفذه الخصم تنفيذاً تلقائياً، دون حاجة إلى قوة جبرية، واستمر الأمر على ذلك في عهد خليفته الأول، الذي أبقى الحال على ما كان عليه حرصاً منه على عدم المساس بما وجد في عهد الرسول، والذي احتلت الحروب الخارجية وحرب الردة، جل تفكيره.

‏وفى عهد عمر، خطى التنظيم القضائي خطوة جريئة، بظهور القاضي المتفرغ الذي لا يلي غير القضاء، ويبدو أن مشاغل الدولة الجديدة، بدأت تتكاثر وتتشابك، وتباعدت حدودها بما فتح الله به على المسلمين، فرأى الخليفة أن يكل بعض مهامه إلى عمال يقومون بها نيابة عنه، وأن يتفرغ لما هو أهم، ويركز جهده لما هو أخطر، فعهد بالقضاء إلى ثلاثة من أهل الدين والعلم، فجعل أبا الدرداء معه في المدينة، وبعث شريحاً إلى البصرة، وولي أبا موسى الأشعري بالكوفة، وكتب إلى هذا الأخير كتابه المعروف، الذي يعتبر دستوراً للقضاء، يقول فيه:

“أما بعد- فإن القضاء فريضة محكمة، وسنة متبعة، فافهم إذا أدى إليك، فإنه لا ينفع تكلم بحق لا نفاذ له، وآس بين الناس في وجهك ومجلسك وعدلك، حتى لا يطمع شريف في حيفك، ولا ييأس ضعيف في عدلك، البينة على من ادعى، واليمين على من أنكر، والصلح جائز بين المسلمين، إلا صلحاً أحل حراماً أو حرم حلالاً، ولا يمنعك قضاء قضيته أمس، فراجعت اليوم فيه عقلك، وهديت فيه لرشدك، أن ترجع إلى الحق، فإن الحق قديم، ومراجعة الحق خير من التمادي في الباطل، الفهم الفهم فيما تلجلج في صدرك، مما ليس في كتاب ولا سنة، ثم اعرف الأمثال والأشباه، وقس الأمور بنظائرها، واجعل من ادعى حقاً غائباً، أو بينة أمداً ينتهي إليه، فإن أحضر بينته أخذت له بحقه، وإلا استحللت القضية عليه، فإن ذلك أنفى للشك، وأجلى للعلماء. المسلمون عدول بعضهم على بعض، إلا مجلوداً في حد، أو مجرباً عليه شهادة زور، أو ظنينا في نسب أو ولاء، فإن الله سبحانه عفا عن الإيمان، ودرأ بالبينات، وإياك والقلق والضجر والتأفف بالخصوم، فإن استقرار الحق في مواطن الحق يعظم الله به الأجر، ويحسن به الذكر”.

تخطيط كامل لسير مرفق القضاء، ومبادئ واضحة لم تبل مع الزمن جدتها واحتفظت برونقها وجلالها رغم بعد العهد عليها، وقد يبدو غريباً أن يصدر ذلك عن بدوي، لم تسنح له فرصة دراسة              ما ظهر حتى زمنه، من معالم الحضارتين الإغريقية والرومانية، اللتين لم تترجم كتبهما إلى العربية إلا في عصر متأخر، ولكنه عمر، الذي ذهب ذكاؤه مضرب الأمثال، والذي قال عنه الرسول: “لم أر عبقرياً يفري فرية”!. فهو إذ كتب ما كتب، كان يعبر عن أفكاره الخاصة والمستلهمة من سيرة النبي، ويصف العدل كما يراه ويتصوره: مطلقاً لا يعرف القيود، عاماً يضم الشريف والمشروف، والأمير والوضيع!.

وكانت الخطوة الثانية لتطور النظام القضائي، بتعيين قاضي للقضاة، في عهد هارون الرشيد، الذي قلد هذا المنصب أبا يوسف الحنفي، صاحب كتاب الخراج، فكان بمثابة القاضي الأول، وإليه رجع أمر القضاة في الديار الإسلامية، وكان له ديوان يعرب بديوان قاضي القضاة، من أشهر عماله: الكاتب، ويتقاضي ثلاثمائة درهم في الشهر، والحاجب ويتقاضي مائة وخمسون درهماً، وعارض الأحكام، ويتقاضى مائة درهم، وخازن ديوان الحكم وأعوانه، ويتقاضون ستمائة درهم([5]).

وبعد أن كانت ولاية القاضي مقصورة بادئ الأمر، على الفصل في الخصومات المدنية والدينية، أضيفت إليها بعد ذلك، صلاحيات أخرى، بعيدة عن الوظيفة القضائية بالمعنى الضيق، فصار إليه النظر في أموال المحجور عليهم، كاليتامى والمفلسين وأهل السنة، ويذكر أبو عمر، محمد بن يوسف الكندي، أن عبد الرحمن بن معاوية بن حديج، كان أول من نظر أموال اليتامى([6]).وعلى رواية أخر، أن خير بن نعيم هو أول من أدخل أموال اليتامى بيت المال، فسجل في كل منها سجلاً بما يدخل منها وما يخرج([7])، وكان القاضي أو الطاهر عبد الملك بن محمد الحزمي، يتفقد الأحباس بنفسه، ثلاثة أيام في كل شهر، يأمر بمرمتها، وإصلاحها، وكنس ترابها، ومعه طائفة من عماله عليها، فإن رأى خللاً في شيء منها، ضرب المتولي لها عشر جلدات([8]).كما دخل في اختصاص القاضي، تزويج الأيامى عند فقد الأولياء، والنظر في مصالح الطرق والأبنية، وتصفح الشهود، والأمناء، والنواب، واسيفاء العلم والخبرة فيهم بالعدالة والجرح، ليصل له الوثوق بهم([9]).بل كان يجمع بعض الأحايين، بين القضاء والجهاد، كيحيى بن أكثم، قاضي المأمون، ومنذ بن سعيد، قاضي عبد الرحمن الناصر الأموي بالأندلس، أو بين القضاء والوزارة، كأبي محمد البارودي، أو بينه وبين الشرطة، كيونس بن عطية (84-86هـ)، وأوس بن عبد الله بن عطية (86هـ)، وعبد الرحمن بن معاوية بن حديج (86هـ) ([10]). ويذكر الكندي كذلك أن الناس طلبوا هلال شهر رمضان، وعبد الله بن لهيعة الحضرمي على القضاء (155-164هـ)، فلم ير. وأتى رجلان، فزعما أنهما قد رأياه، فبعث بهما الأمير موسى بن علي بن رباح، إلى ابن لهيعة، فسأله عن عدالتهما، فلم يعرفا، واختلف الناس، وشكوا، فلما كان في العام المقبل، خرج عبد الله بن لهيعة في نفر من أهل المسجد، عرفوا بالصلاح، فطلبوا الهلال، فكانوا يطلبونه بالجيزة، فكان أول قاض حضر في طلب هلال رمضان([11]).

وقد كان القضاء في العصور الأولى للدولة الإسلامية، بسيطاً بعيداً عن التعقيد، فالخصوم متقاربون، يجمعهم بلد واحد، كل يريد الكشف عما هو حق وعدل، فلم تكن ثمة حاجة إلى إجراءات إعلان أو إعذار، بل يحضر الخصمان أمام القاضي في المسجد أو في منزله، فيرى في الخلاف رأيه، ويرضخ له كل منهما دون إكراه، ثم تتابعت العهود، وأدخل على الإسلام ما ليس منه، وظهر من بين المسلمين من خربت قلوبهم وبصائرهم من العقيدة الحقة، وضعف الذمم، وماتت الضمائر لدى الكثيرين، وأصبح الرجوع إلى تقاليد السلف الصالح، نشازاً وخروجاً على مألوف الجماعة، فكان لزاماً أن يتطور التنظيم القضائي، ليجاري عصره، ويواجه الجديد من الأمور، فبدئ في تسجيل الأحكام، إذ حدث أن اختصم إلى سليم بن عتر، في ميراث، فقضي بين الورثة، ثم تناكروا، فعادوا إليه، فقضي بينهم، وكتب كتاباً بقضائه، وأشهد فيه شيوخ الجند، فكان أول القضاة بمصر سجل سجلاً بقضائه([12])، وكان المفضل بن فضالة أول القضاة، طول السجلات، ونسخ فيها كتب السحاء، والوصايا، والديوان، ولم يكن ذلك قبله([13])، كما بدأ القاضي يستعين بالشهود العدول، ليبعد الشبهة، ويستجلي الحقيقة.

ويروي الكندي([14]) أنه لم يكن يتبع القاضي غير كاتبه ومن يقوم بين يديه في مجلس الحكم، حتى كان المفضل بن فضالة في ولايته الثانية (174-177هـ)، فإنه رسم أقواماً بالشهادة، فكانوا عشرة رجال، فرأي الناس أنه أتى أمراً عظيماً، فلما جاء عبد الرحمن بن عبد الله العمري، اتخاذ الشهود، وجعل أسماءهم في كتاب، وهو أول من فعل ذلك، ودونهم، وأسقط سائر الناس، ثم فعلت ذلك القضاة من بعده.

إلا أن الطابع المشترك للتنظيم القضائي، في جميع العهود، هو اندماج السلطتين: التنفيذية والقضائية؛ ذلك لأن الأصل هو أن القضاء من أعمال الرسول أو لخليفة، يدل على قوله تعالى: (وَدَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ إِذْ يَحْكُمَانِ فِي الْحَرْثِ إِذْ نَفَشَتْ فِيهِ غَنَمُ الْقَوْمِ وَكُنَّا لِحُكْمِهِمْ شَاهِدِينَ (78) فَفَهَّمْنَاهَا سُلَيْمَانَ وَكُلاًّ آتَيْنَا حُكْماً وَعِلْماً) ([15]).

(يَا دَاوُودُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الأَرْضِ فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلا تَتَّبِعْ الْهَوَى فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ إِنَّ الَّذِينَ يَضِلُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ بِمَا نَسُوا يَوْمَ الْحِسَابِ) ([16]).

ويقول ابن خلدون: “فاعلم أن الخطط الدينية الشرعية، من الصلاة والفتيا والقضاء، والجهاد والحسبة، كلها مندرجة تحت الإمامة البكر التي هي الخلافة، فكأنها الإمام الكبير، والأصل الجامع، وهذه كلها متفرعة منها، وداخله فيها، لعموم نظر الخلافة، وتصرفها في سائر أحوال الملة الدينية والدنيوية، وتنفيذ أحكام الشرع فيها على العموم([17])”. ويقول في موضع آخر: “إن القضاء من الوظائف الداخلة تحت الخلافة؛ لأنه منصب الفصل بين الناس في الخصومات، حسماً للتداعي وقطعاً للتنازع، إلا أنه بالأحكام الشرعية المتلقاة من الكتاب والسنة، فكان لذلك من وظائف الخلافة، ومندرجاً في عمومها.

وكان الخلفاء في صدر الإسلام، يباشرونه بأنفسهم، ولا يجعلون القضاء إلى من سواهم، وإذا كانوا قد قلدوا بعد ذلك القضاء غيرهم -وإن كان مما يتعلق بهم- فذلك لقيامهم بالسياسة العامة، وكثيرة أشغالها من الجهاد والفتوحات، وسد الثغور، وحماية البيضة، ولم يكن ذلك مما يقوم به غيرهم لعظم العناية، فاستحقوا القضاء في الواقعات بين الناس، واستخلفوا فيه من يقوم به تخفيفاً على أنفسهم([18]).

وقد يبدو هذا الاندماج في السلطة لنا الآن، خطراً جسيماً على الحريات، وسيفاً مسلطاً على مبدأ الشرعية واحترام النظم، إلا أنه لم يمثل في حينه خطراً حقيقياً، ولم يكن أمراً خارجاً عن نطاق المألوف، أو عن دائرة العقول، وليس أدل على ذلك من أن النظام القضائي الإسلامي، ثبت خلال تلك الحقبة الطويلة وهو يقوم للمتقاضين العدالة في أرفع درجاتها، وإذا كان بعض الخلل قد أصابه في أويقات متباعدة، فلم يكن ذلك لسبب فيه ذاته، ولكن لعيب في القائمين به والمتولين عليه.

وتفسير ذلك، أن اندماج السلطتين، كان نظرياً بحتاً، يكاد يقتصر على تقليد ولاية القضاء، بحيث ينطلق القاضي بعدها، يحكم وفق ما تمليه عليه قواعد الشريعة السمحة، غير مقيد بأوامر من قلده أو برغباته، وله من شخصه وعلمه وخلقه ما يسمح له بأداء مهمته على أتم وجه وأكمله.

فكانوا من ناحية- يتطلبون في القاضي شروطاً دقيقة، لا تتوافر في المألوف من الأفراد: فيلزم أن يكون موثوقاً في عفافه وعقله، وصلاحه، وفهمه، وعلمه بالسنة والآثار، واقفاً على المسائل الفقهية، مقدراً على فصل الدعاوي، ووقوراً وحكيماً ووجيهاً صبوراً، يتقي الله، ويقضي بالحق، ولا يقضي لهوى يضله ولا لرغبة تغيره ولا لرهبة تزجره، وأن لا يكون فظاً غليظاً، بل شديداً من غير عنف، ليناً من غير ضعف([19]).

وجعل المارودي من شروطه العدالة: أن يكون صادق اللهجة، ظاهر الأمانة عفيفاً عن المحارم، متوقياً المآثم، بعيداً عن الريب، مأموناً في الرضا والغضب، مستعملاً لمروءة مثله في دينه ودنياه، فإذا تكاملت فيه، فهي العدالة التي تجوز بها شهادته، وتصح معها ولايته، وإن انخرم منها وصف، منع من الشهادة والولاية، فلم يسمح له قول ولم ينفذ له حكم([20]).

ثم عليه في مجلس القضاء، أن يكون محترماً مهيباً، وأن لا يجلس للقضاء وحده؛ لأنه يورث التهمة، وأن لا يقدم رجلاً  جاء غيره قبله، وأن لا يسار أحد الخصمين، ولا يشير إليه، ولا يكلمه بلغة لا يفهمها خصمه ([21]).

قال العتبي: تنازع إبراهيم بن المهدي، هو ويختيشوع الطبيب، بين يدي أحمد بن دؤاد القاضي في مجلس الحكم، في عقار بناحية السواد، فزرى عليه ابن المهدي، وأغلظ له بين يدي أحمد بن أبي دؤاد، فأحفظه ذلك، فقال: “يا إبراهيم، إذا نازعت أحداً في مجلس الحكم، فلا أعلمن أنك رفعت عليه صوتاً، ولا أشرت إليه بيد، وليكن قصدك أمماً، وطريقك نهجاً، وريحك ساكنة ووف مجالس الحكومة حقوقها من التوقير والتعظيم والتوجه إلى الواجب، فإن ذلك أشبه بك، وأشكل لمذهبك في محتدك وعظم خطرك، ولا تعجل، فرب عجلة تهب ريثا، والله يعصمك من الزلل، وخطل القول والعمل، (ويتم نعمته عليك وعلى أبويك من قبل. إن ربك عليم حكيم).

قال إبراهيم: “أصلحك الله، أمرت بسداد، وحضضت على رشاد، ولست بعائد إلى ما يثلم مروءتي عندك، ويسقطني من عينك، ويخرجني عن مقدار الواجب إلى الاعتذار، فها أنذا متعذر إليك من هذه المبادر، اعتذار مقر بذنبه باخع بجرمه، فإن الغضب لا يزال يستفزني بمواده، فيردني مثلك بحلمه، وتلك عادة الله عندك وعندنا منك، وحسبنا الله ونعم الوكيل، فليت ذلك يقوم بأرش الجناية، ولن يتلف مال أفاد موعظة، وبالله التوفيق”([22]).

أما اعتداد القاضي بنفسه، واعتداده بحكمه، فالأمثلة عليها أكثر من أن يحيط بها الحصر، فما كان القاضي يقبل دخيلاً عليه في تكوين عقيدته في الخصومة، حتى ولو كان هذا الدخيل هو الوالي نفسه، وكان قضاؤه نافذاً على الجميع، ولا معقب عليه: حتى إن الكندي لم يثبت في كتابه عن الولاة والقضاة سوى حادثتين، تتعلقان بالأحوال الشخصية، واعترض فيهما السلطان على قضاء القاضي، ويدل كلاهما على مبلغ استقلال القاضي وصلابته في الدفاع عن الحق:

أولاهما: أن عبد الأعلى بن سعيد الجيشاني، تزوج امرأة من بني عبد كلال، فقام بعض أوليائها في ذلك وأنكروه، وترافعوا إلى أبي خزيمة، فقال: ما أحل ما حرم الله، ولا أحرم ما أحل الله، إذا زوجها ولي فالنكاح ماض، فارتفعوا إلى يزيد بن حاتم، وهو الأمير عندئذ، فقال يزيد: ليس عبد الأعلى من أكفائها وأمر أبا خزيمة بفسخ نكاحها، فاقتنع أبو خزيمة من ذلك، وفرق بينهما يزيد بن حاتم([23]).

وثانيهما: أن رجلين اختصما في شئ إلى إبراهيم بن إسحق الفاري، فأمر بالكتاب على أحد الرجلين بإنفاذ الحكم، فشفع الرجل بابن أبي عون إلى الوالي السري بن الحكم، فأمره السري أن يتوقف عن الحكم فإن اصطلحا وإلا حكم بينهما، فجلس إبراهيم في منزله، فركب إليه السري وسأله الرجوع، فقال: لا أعود إلى ذلك المجلس أبداً، ليس في الحكم شفاعة! ([24]).

فمتى نحكم على النظام القضائي في الإسلام حكماً صحيحاً، علينا أولاً أن نحيط بروح العصر وتقاليده التي أغنت عن النصوص المكتوبة، فمكانة القاضي واستقلاله، ينبعان من ذات شخصه، وما أنعم الله به عليه من عزة وأنفه وحرص على الكرامة، ومن أحرمة الله من ذلك، لم يغنه المشرع شيئاً، ولن تجده القوانين فتيلاً، مهما تكاثرت، ومهما قدمت إليه من أسيجة وضمانات، إذ ما كانت النصوص يوماً، قادرة على أن تسد نواقص الشخصية، أو أن تغفر شوائبها.

لم يضع النظام الإسلامي قانونا، تنص مواده على أن القاضي حر في قضائه، أو أن حكمه مبرم، أو أن عليه أن يتحرى العدل وأن يلزم الحيدة بين المتخاصمين، أو أن يعطي كلا منهما فرصة الإدعاء أو فرصة الدفاع، وأغناه عن شخص القاضي الذي فرض احترامه على الجميع، رؤساء ومرءوسين، فكان دستور القضاء بذلك دستوراً غير مكتوب، نقش في الضمائر، وسطر في الصدور، الكل يعرفه. وجزاء مخالفته غضبة الجماعة، وثورة الرأي العام، وها هي نظمنا تفرد الفصول والأبواب، وتفرض مختلف الجزاءات، بغية تحقيق العدالة في محراب القضاء، ومع ذلك، فلا نعتقد أنها سوف تصل في سبيل تحقيق غايتها، إلى ما وصل إليه النظام الإسلامي، ولو أننا اتجهنا إلى التدقيق في اختيار القضاة، لكان ذلك أدعى إلى تحقيق الهدف المنشود.

أجل –أيها السادة- للإسلام أن يفخر بقضائه وقضاته، وحرى بنا نحن أن نحو أن نعود إلى السلف الصالح، ندرس على أيديهم ومن سيرهم، القضاء وآدابه.

كانت تعرض عليهم أمانة القضاء، فيأبونها ويشفقون منها، شعوراً بثقلها، وقد روي أن عبد الرحمن بن حجيرة لما ولي القضاء، بلغ أباه ذلك، وكان بفلسطين، فقال: إنا لله وإنا إليه راجعون، هلك الرجل! ([25]).

وتوبة، لما ولي القضاء بمصر دعا امرأته عفيرة، فقال: يا أم محمد أي صاحب كنت لك؟ قالت: خير صاحب وأكرمه، قال: فاسمعي، لا تعرضن لي في شئ من القضاء، ولا تذكرني بخصم، ولا تسألني عن حكومة، فإن فعلت شيئاً من هذا فأنت طالق، فإما أن تقيمي مكرمة، وإما أن تذهبي ذميمة، فانتقلت عنه، فلم تكن تأتيه إلا في الشهر والشهرين([26]).

وها هو قاضي القضاة أبو يوسف، سمعه الحسن بن أبي مالك، يقول في مرضه الذي مات فيه: والله ما زنيت قط، والله ما جرت في حكم قط، ولا أخاف على نفسي إلا من شئ كان مني، فقال له الحسن: ما هو؟ قال: كان هارون الرشيد يأمرني أن آخذ قصص الناس فاقرأها، ثم أوقع لهم فيها بمحضره، فكنت آخذها قبل ذلك بيوم فأتصفحها، فجمعتها مرة فتصفحتها، فإذا فيها قصة لنصراني ظلم من هارون الرشيد أمير المؤمنين، في ضيعة في يده، يزعم أنه غصبه إياها، فدعوته فقلت له: هذه الضيعة في يد من هي؟ قال: في يد أمير المؤمنين، فأردت تقريب الأمر عليه، فقلت له: من يبيع ثمارها؟ قال أمير المؤمنين، قلت: ومن يجمع غلاتها؟ قال: أمير المؤمنين، وجعلت كلما أردت منه أن يذكر خصماً غير أمير المؤمنين، رد الخصومة إلى أمير المؤمنين، فجعلت قصته مع قصص الناس.

فلما كان يوم المجلس جعلت، أدعو بالناس رجلاً رجلاً، حتى وقعت قصة النصراني بيدي فدعوته، فدخل، فقرأت قصته على أمير المؤمنين، فقال: هذه الضيعة لنا ورثناها عن المنصور، فقلت للنصراني: قد سمعت الذي قال، أفلك بينه على ما تدعي؟ قال: لا، ولكن خذ لي بيمينه، قال: فقلت لهارون أتحلف يا أمير المؤمنين؟ قال: نعم، فحلف وانصرف النصراني، قال أبو يوسف: فما أخاف على نفسي إلا من هذا، قال الحسن: وأي خوف في هذا وقد فعلت الذي فعلت؟ فقال أبو يوسف: من تركي أن أقعده معه في مجلس الخصم!.

نحن لا ننكر أن بعض قضاة المسلمين، لم يحظ بهذا القدر من الحس المرهف، والنزعة الفطرة إلى العدل، إلا أنها فئة قليلة لا تمس القاعدة الأصلية، واستثناء يحمل في طياته بذور القاعدة التي يخرج عليها، فيزيدها يقيناً وتوكيداً، وقد كانت عينة الخليفة يقظة، ترد أمثالهم إلى جادة الصواب، وتنحي غير الجدير منهم عن مناصب القضاء فتجبر ضررهم، وتنصف من ظلم على أيديهم، فقد صرف الخليفة هشام بن عبد الملك يحى بن ميمون الحضرمي، لعدم إنصافه يتيماً تظلم إليه بعد بلوغه، وجاء في كتابه إلى الوليد بن رفاعة: “اصرف يحيى عما يتولاه من القضاء مذموماً مدحوراً، وتخير لقضاء جندك رجلاً عفيفاً ورعاً، تقياً، سليماً من العيوب، لا تأخذه في الله ولومة لائم”. كذلك فسخ الأمين الحكم في إحدى القضايا حين تبين له أن القاضي لم يكن متنزهاً عن الغرض([27]).

هذه –سادتي- عجالة عن السلطة القضائية في الإسلام، نشأتها، وتطورها، لم يكن منها بد قبل أن ننتقل من دراسة القضاء بالمعنى الواسع، إلى دراسة القضاء الإداري على وجه التخصيص، فالقضاء عامة، ينظر المنازعات أياً كان أطرافها، وأيا كان موضوعها، ولكن بعض المنازعات، يتميز – كما  سبق القول-بأن أحد طرفيها، الإدارة ذاتها، أو القائمون بالأمر داخل الجماعة.

فما هي الجهة، التي كان ينعقد لها الاختصاص، في الدولة الإسلامية- داخل هذه المجموعة الواسعة التي تدعى السلطة القضائية- لنظر هذا النوع من المناعات؟

إذا نحن استقرينا نظم الدول المعاصرة، خلصنا إلى أن مسلكها في ذلك، لا يخرج عن ثلاثة فروض:

فقد تعلن الدولة أن سلطانها مطلق تجاه الأفراد، وأن عليهم أن يتحملوا في أموالهم وحرياتهم ونشاطهم، ما يصدر عنها، باعتبارها تمثل الخير العام، الذي يجب كل خير خاص، فعلى الفرد أن يتقبل نشاط الدولة، ولو اعتقد أنه خروج صريح على القاعدة القانونية، فليس له قاض يشكو إليه الإدارة، ويرفع إليه ظلامته من تصرفها، وتسمى الدولة حينئذ الدولة البوليسية Polizeistaat، ومن أمثلتها ألمانيا الهتلرية وإيطاليا الفاشية.

وتقابل الدولة البوليسية، دولة القانون Rechtsstaat، التي ترى أن الأفراد والسلطات الحاكمة سواسية أمام القانون، فهو أي القانون- ما بقي، وما لم يمسسه تعديل أو تطوير- القاعدة العليا، التي يتعين على الجميع أن يطابقوا تصرفاتهم عليها، ويتعرض المخالف لجزاء، قد يصل بالنسبة إلى الأفراد، إلى عقوبة مقيدة للحرية، ويكون دائماً، بالنسبة إلى الجهة الإدارية، جبر الضرر، ورد الحال إلى ما كان عليه، بإبعاد التصرف المشوب بمخالفة القانون، أو بعدم الشرعية، عن الإطار القانوني.

ولكن ما يتولى توقيع هذا الجزاء؟

قد يكون هو –القاضي العادي، الذي تشمل صلاحيته بذلك كل أنواع المنازعات، وهذا ما تسير عليه الدول الأنجلوسكسونية، وكذلك بلجيكا وتركيا، واليونان، حتى عهد قريب.

وقد توكل المنازعة الإدارية إلى قاض يتفرد بنظرها، حتى يواجهها بأفق خاص تقتضيه طبيعتها، ونوع المصالح التي تثيرها، وهذا ما أخذت به فرنسا منذ زمان طويل، ونقله عنها الكثير من الدول الغربية خلال القرن العشرين، وقد أخذنا بهذا النظام في مصر منذ ثلاثة عشر عاماً، وأدخل في سوريا منذ أشهر قلائل.

ففي أية فئة تدخل الدولة الإسلامية؟

لا شك في كونها دولة قانون بالمعنى الصادق لهذا التعبير، يخضع فيها الجميع، دون تفرقة في منصب، أو جاه، أو حسب، أو نسب، للقاعدة القانونية المجردة، أيا كان مصدرها فلا طاعة لمخلوق في معصية الخالق، وعن أبي هريرة أن رسول الله قال: “سيليكم بعدي ولاة، فيليكم البر ببره، ويليكم الفاجر بفجروه، فاسمعوا لهم وأطيعوا في كل ما وافق الحق، فإن أحسنوا فلكم، وإن أساؤوا فلكم وعليهم”.

فلا تجب الطاقة والنصرة للإمام، متى تغير حاله، وأصابه الجرح في عدالته، وارتكب المحظورات، وأقدم على المنكرات، تحكيماً للشهوة، وانقياد للهوى([28]).

وخطبة أبي بكر عندا تولى الخلافة دليل واضح على ما تقول: “أيها الناس، قد وليت عليكم ولست بخيركم، فإن أحسنت فأعينوني، وإن صدقت فقوموني، الصدقة أمانة، والكذب الخيانة، والضعيف فيكم قوي عندي حتى آخذ له حقه، والقوى فيكم ضعيف حتى آخذ الحق منه إن شاء الله، أطيعوني ما أطعت الله ورسوله، فإن عصيت الله فلا طاعة لي عليكم”.

بل إن مبدأ الشرعية في النظام الإسلامي، كان أكثر وضوحاً، وأقو بنياناً، منه في أية دولة معاصرة، ذلك أن الدولة التي تقوم على شريعة دنيوية، يتوقف احترام مبدأ الشرعية فيها على تقدير المشرع ذاته، ومدى اقتناعه شخصياً به، وإلا لوجد من الأساليب الصريحة والمقنعة، ما يذهب به ويضعف من قدره، فيحل الحرام ويحرم الحلال، والأمر على خلاف ذلك في الدولة الإسلامية التي تقوم على أساس ديني، حيث القاعدة القانونية فيها من صنع الخالق، ومن صنع رسوله، أو هي إجماع المسلمين، واجتهاد فقائهم وأهل العلم منهم، وكلها مصادر تشريعية بعيدة عن شخص الإمام، الذي يقتصر دوره على حفظ الدين على أصوله المستقرة وما أجمع عليه سلف الأمة، فيبين للزائغ الصواب، ويوضح له الحجة.

وإذا كان ذلك كذلك، وكانت الإرادة في الإسلام خاضعة للقانون، فمن هو الرقيب على ذلك؟ هل ترك ذلك القاضي العادي، كما فعلت الدول الأنجلوسكسونية فكان النظام الإسلامي، ما يطلق عليه الآن السلطة القضائية الموحدة، pouvoir juridicationnel uifie، أمن أنه أفرد قضائياً يتفرع له، فتكون السلطة القضائية عنده مزدوجة regime dualiste، كما هو الشأن لد الغالب الدول اللاتينية؟ وبعبارة أخرى: إلى من كانت ترفع الشكاية من الأعمال الإدارة العامة؟

من هو القاضي الإداري في الإسلام؟

لم يعرض لهذا الموضوع فيما نعلم، أحد من الباحثين المعاصرين، برغم ما تزخر به المكتبة العربية من دراسات عن القضاء في الإسلام وتاريخه، ويحضرنا منصف محمود بن محمد بن عرنوس، ومحمد زكي يوسف، وكذلك “الإسلام والحضارة العربية” لمحمد كرد على، و”تاريخ الأمم الإسلامية” للشيخ محمد الخضري، وكلاهما باحث وعالم مدقق، فتاريخ القضاء، من وجهة النظر الإدارية، لم يحظ بعد بالعناية الجديرة به، وقد يرجع ذلك إلى أن ما كتب وصنف، يعود إلى عهد كان فيه القضاء الإداري غريباً عن الأذهان، أو بالأقل غريباً عن أذهان من عرضوا لتاريخ القضاء الإسلامي، بحيث كانت محاولة الكشف بين طياته عن قضاء إداري، أبعد من أن تعرض، وقد يرجع ذلك إلى أن أهمية الدراسة المقارنة لم تكن في ذلك العهد قد احتلت مكانتها، فناهيك بالدراسة التاريخية المقارنة! وقد تكون العلة راجعة إلى ما هو ثابت من أن القضاء الإداري يقوم أساساً على مبدأ الفصل بين السلطات، فكيف يتصور وجوده في الإسلام الذي لا يفصل بين السلطتين التنفيذي والقضائية؟

ومع ذلك، لقد عرف التاريخ الإسلامي القضاء الإداري، ونسارع إلى القول أن هذا القضاء لم يظهر كجهة قضائية، تقوم عليها محكمة عليها، توجهه وترسي مبادئه، وترفع ما قد يقع من التضارب فيما تصدره المحاكم الدنيا من قرارات، أو تنقض منها ما يتسم بالإفراط أو التفريط، وإنما كانت تتولاه هيئتان تتوازيان، حيث إن كلتيهما كانت تختص بنظر المنازعة الإدارية، وتتشابكان، حيث لم يكن ثمة حد فاصل يحدد صلاحية كل منهما، وهما: الخليفة، وديوان المظالم.

فقد قام الخليفة في جميع الصور بدور القاضي الإداري، بل كان القاضي الإداري الأول في الإسلام، وما روي عن عمر بن الخطاب يؤكد هذا المعنى: فهو يعلن أن صلاحيات الوالي ليست مطلقة، إذ عليه أن يستعملها لما فيه الخير العام، أي أنها محددة بقيد عدم الانحراف بالسلطة، حسب التعبير القانوني الحديث: “إني لم استعملكم على أمة محمد، على أشعارهم، ولا على أبشارهم، إنما استعملتكم عليهم لتقيموا الصلاة، وتقضوا بينهم بالحق، وتقسموا بينهم بالعدل، وإني لم أسلطكم على أبشارهم ولا على أشعارهم، ولا تجلدوا العرب فتذلوها، ولا تجمهروها فتفتنوها، ولا تغفلوا عنها فتحرموها، جردوا القرآن، وأحكموا الرواية عن محمد –صلى الله عليه وسلم- وأنا شريككم”.

ثم هو يطلب بعد ذلك من الناس، أن يرفعوا إليه ما خرج من أعمال الولاة، عن القواعد الشرعية السليمة، حتى يجازى الآثم بما ارتكبه، خطب مرة فقال: “أيها الناس، إني والله ما أرسل عمالاً ليضربوا أبشاركم، ولا ليأخذوا أموالكم، ولكني أرسلهم ليعلموكم دينكم وسنة نبيكم، فمن فعل به شئ سوى ذلك فليرفعه إلىّ، فوالذي نفس عمره بيده لأقصنه منه”، فوثب عمرو بن العاص فقال: “يا أمير المؤمنين، أرأيتك إن كان رجل من أمراء المسلمين على رعية، فأدب بعض رعيته، إنك لتقصنه منه؟” قال: “إي، والذي نفس عمر بيده، إني لأقصنه منه، كيف لا أقصنه منه، وقد رأيت رسول الله يقص من نفسه؟ ألا لا تضربوا المسلمين فتذلوهم، ولا تجمهروهم فتفتنوهم، ولا تمنعوهم حقوقهم فتكفرون، ولا تنزلوهم الغياض فتضيعوهم”.

وذهب عمر إلى أبعد من ذلك، فكان يستدعي الولاة في مواسم الحج، ليفضح الجائر منهم على رؤوس الأشهاد، أو يبعث من يتحرى عنهم، وكان ثقته في ذلك، محمد بن مسلمة، ويحقق بنفسه كل شكوى ترفع إليه، مهما كانت مرتبة الوالي، كسعد بن أبي وقاص، فاتح القادسية والمدائن، وعمار بن ياسر، عندما شكاه قوم من أهل الكوفة، بأنه ليس بأمير، ولا يحتمل ما هو فيه، إذ أمره أن يقدم إليه مع وفد من أهل الكوفة، وسأل الوفد عما يشكون من عمار، فقال قائلهم: إنه غير كاف ولا عالم بالسياسة، وقال آخر: إنه لا يدري علام استعمل، فاختبره عمر، فلما لم يحسن الإجابة في بعضه عزله، (انظر: محمد الخضري، تاريخ الأمم الإسلامية، الجزء الثاني، ص13)، وأهل حمص، عندما شكوا عاملهم، سعيد بن عامر وسألوا عمر عزله؛ لأنه لا يخرج للناس حتى يترفع النهار ولا يجيب أحد بليل، وله في الشهر يوم لا يخرج فيه، حقق عمر الأمر بنفسه، فلما أيقن أن عامله يعجن كل يوم خبزه، ويجلس حتى يختمر، فيخبزه، ثم يخرج للناس، وأنه يجعل الليل كله للعبادة، ويشتغل مرة في الشهر بغسل ثيابه، بعث إليه ألف دينار يستعين بها، فوزعها سعيد على جيش من جيوش المسلمين. (محمد كرد علي، الإدارة الإسلامية في عز العرب ص33).

ولما ظهر نظام البريد، وكل إلى صاحب البريد التحري عن الولاة، فكان بذلك صاحب الأخبار الرسمي، وير آدم ميتز Adam Mez(الحضارة الإسلامية في القرن الرابع الهجري، ترجمة محمد عبد الهادي أبو ريدة، ص 128). أن العرب قد نقلوا ذلك عن البيزنطيين، إذ كان لصاحب البريد في عهد قسطنطين الأكبر، أعوان يسمون Veredarii، أي نقلة الأخبار الذين يركبون الخيل، يمدونه بالأخبار، وجاء في عهد بولاية بريد، ما يوجب على صاحب البريد، “أن يعرف حال عمال الخراج والضياع، وما يجري عليه أمرهم، ويتتبع في ذلك تتبعاً شافياً، ويستشفه استشفافاً بليغاً، وينهيه على حقه وصدقه..وما يجري في أمور الرعية فيما يعاملون به، من الإنصاف والجور والرفق والعسف، فيكتب به مشروحا.. وأن يعرف ما عليه الحكام في حكمهم وسيرهم، وسائر مذاهبهم وطرائقهم.. وأن يفرد لكل ما يكتب فيه من أصناف الأخبار، كتباً بأعيانهم فيفرد لأخبار القضاة وعمال المعادن والأحداث والخراج والضياع، وأرزاق الأولياء، ونحو ذلك كتباً ليجري كل كتاب في موضعه”.

إن الدول الحديثة، تعتبر أن من مكاسب نهضتها، إصدار قوانين (من أين لك هذا؟)، التي تصادر الكسب غير المشروع، أي نتاج استغلال الوظيفة العامة، وهو ما أخذنا به عندنا خلال السنوات العشر الأخيرة، نقلاً عن الغرب، كما هو عهدنا  دائماً في التشريع، ولم نذكر يوماً أن الإسلام، قد عرف هذا النظام منذ أيامه الأولى، وأنه طبقه تطبيقاً كاملاً، تقصر دونه النصوص الحالية، فقد كان عمر يصادر لصالح بيت المال، كل ما يطرأ على ذمة الولاة أثناء ولا يتهم من مال، ويمنع عليهم العودة إلى أوطانهم ليلاً، حتى يعرف الناس والأرصاد ماذا يحملون، وقد صادر أبا هريرة عامله على البحرين؛ لأنه اجتمعت له عشرون ألفاً، وعند ما أدعى أن خيله تناسلت، وسهامه تلاحقت، وأنه اتجر، قال له عمر: انظر رأسي مالك ورزقك فخذه، واجعل الآخر في بيت المال، وصادر عمرو بن العاص، عامله على مصر، وقاسمه ماله؛ لأنه فشت له فاشية من متاع ورقيق وآنية وحيوان، لم تكن له حين ولي مصر (الإدارة الإسلامية في عز العرب، محمد كرد علي، ص38)، وعندما عاد أبو سفيان من زيارة ابنه معاوية وإلى الشام، وحضر مجلس عمر للسلام عليه، قال له: “أجزنا يا أبا سفيان؟ فقال: ما أصبنا شيئاً فنجزيك، وكان أبو سفيان يحمل خاتماً في أصبعه، فمد عمر يده إلى الخاتم، وأخذه منه، واستدعى أحد أعوانه، وأمره بأن يذهب إلى هند زوجة أبي سفيان، ويقول ها باسم زوجها: انظري الخرجين اللذين جئت بهما فابعثيهما، فعاد بخرجين فيهما عشرة آلاف درهم، أمر عمر بها أن تصادر وتطرح في بيت مال المسلمين (محمود الباجي، مثل عليا من قضاء الإسلام، ص46).

وإذا كان الإسلام لم يعرف بعد ذلك من الخلفاء، من بلغ هذا القدر من الحس المرهف للعدل، فليس المسئول عن ذلك، النظام الإسلامي، ولكن المسئول الأول هو المسلم الذي يطبقه، إذ عادت الدنيا تتغلب على القلوب كما بعد العهد بالنبوة، حتى جاء عمر بن عبد العزيز، فأعاد إلى الأذهان سيرة السلف، فكان إذا جلس مجلس الإدارة أمر فألقى لرجلين وسادة قبالته، ويقول لهما: إنه مجلس شرة وفتنة، فلا يكن لكم عمل إلا النظر إلى، فإذا رأيتما مني شيئاً لا يوافق الحق فخوفاني وذكراني بالله عز وجل (الإدارة الإسلامية في عز العرب، ص 107).

أما الهيئة الثانية التي تنظر المنازعة الإدارية، فتتمثل في ديوان المظالم.

عرف العرب قبل الإسلام، ما يسمى بالنظر في المظالم، وهو الالتجاء إلى القوة والهيبة لرد المظالم وحماية المظلوم، ويقول الماوردي (الأحكام السلطانية  ص73): “نظر المظالم، هو قود المتظالمين إلى التناصف بالرهبة، وزجر المتنازعين عن التجاحد بالهيبة”. ذلك أن قريشاً في الجاهلية، حين كثر فيهم الزعماء، وانتشرت فيهم الرياسة، واجتمع بطونها في دار عبد الله بن جدعان، وتحالفوا على رد المظالم، وأن لا يظلم أحد إلا منعوه وأخذوا للمظلوم حقه، وهو ما يسمى بحلف الفضول، الذي حضره الرسول، وقال عنه بعد ذلك: “لقد شهدت في دار عبد الله بن جدعان حلف الفضول، ما لو دعيت إليه لأجبت، وما أحب أن لي به حمر النعم”([29]).

فلما بدأت الدعوة، لم يكن الناس –بادئ الأمر- في حاجة إلى من يرد عنهم المظالم، ثم ظهرت الحاجة إليها، فجلس للمظالم عمر والإمام علي، ثم أنشأ الأمويون داراً أسموها دار المظالم، وجلس لها عبد الملك بن مروان، وعمر بن عبد العزيز.

ولما جاءت الدولة العباسية، أفرد خلفاؤها بهوا من أبهاء قصورهم، كانوا يجلسون فيه للمظالم، وقد جلس لها منهم: المهدي، فالهادي، فالرشيد، فالمأمون، وآخر من جلس لها منهم المهتدي بالله محمد بن الواثق.

وقد يحدث أن يكل الخليفة النظر في المظالم  إلى قاضيه، كما فعل عمر لأبي إدريس الخولاني، والمأمون ليحيى بن أكثم، والمعتصم لأحمد بن أبي دؤاد.

وأول من نظر المظالم في مصر، الأمير أبو العباس أحمد بن طولون، فكان يجلس لذلك يومين في الأسبوع، ثم وكلها خلفاؤه إلى غيرهم، وجلس لها في الدولة الفاطمية، القائد جوهر، مشيد الأزهر الشريف، ثم عهد بها إلى قاضي القضاة، فالوزراء، ويقول المقريزي في خططه عن مصر في عهد الدولة الأيوبية([30]): إنه كان من جملة القصر الكبير، موضع يعرف بالسقيفة، يقف عنده المتظلمون، وكان عادة الخليفة أن يجلس هناك كل ليلة لمن يأتيه من المتظلمين، فإذا ظلم أحد، وقف تحت السقيفة، وقال بصوت عال: لا إله إلا الله، محمد رسول الله، علي ولي الله، فيسمعه الخليفة فيأمر بإحضار إليه، أو يفوض أمره إلى الوزير أو القاضي أو الوالي.

وكان بعض الخلفاء يقسم المظالم إلى فروع، بعضها للنظر في مظالم الجند، وبعضها لمظالم العمال، وبعضها لغير ذلك([31]).

ولما قامت الدولة السامانية في الشرق، في عهد المعتضد، كونت مجلساً للمظالم، ينعقد كل يوم أحد وأربعاء، بحضرة صاحب الجيش أو وزيرة.

وهكذا، بعد أن كانت المظالم فكرة أولية، أصبحت داراً، ودخلت في تركيب الجهاز الإداري للدولة، وكان مجلسها لا ينتظم إلا بحضور خمسة طوائف لا يستغني عنهم: الحماة، والأعوان، والقضاة، والحكام، والفقهاء، والكتاب، والشهود.

إلا أن مجلس المظالم يختلف عن المملكة الإدارية الحديثة من عدة نواح:

أولها: أن قاضي المظالم يكن متخصصاً في نظر المنازعات الإدارية، فهو إلى جانب نظره لتعدي الولاة على الرعية وأخذهم بالعسف في السيرة، وجور العمال فيما يحبون من الأموال، والشكاوي من كتاب الدواوين، المسترزقة من نقص أرزاقهم أو تأخرها عنهم، كان ينظر أيضاً رد المال المغصوب، ويشمل ما استحوز عليه ولا الجور، وهي الغصوب السلطانية، وما استحوز عليه غيرهم، من ذوي الأيدي العاملة.

ثم إنه لمن يكن مستقلاً تماماً عن القاضي العادي، ما دام هذا الأخير يدخل في تكوين مجلس المظالم.

ولا عن الجهة الإدارية، إذا كان يدخل في تشكيله الحماة والأعوان، وينعقد بحضور الخليفة أو من ينيبه في ذلك.

ثم إنه كان يتدخل في أعمال الإدارة العامة، خلافاً لمبدأ استقلال الإدارة تجاه القاضي، فهو عندما ينظر الشكوى من الولاة، يتصفح سيرتهم، ويستكشف أحوالهم، ليقويهم إن أنصفوا، ويكفهم إن عسفوا، ويستبدل بهم إن لم ينصفوا.

وإذ ينظر في جور العمال فيما يجبونه من الأموال، يرجع القوانين العادلة في دواوين الأئمة، فيحمل الناس عليها، ويأخذ العمال بها، وينظر فيما استزاده، فإن رفعوه إلى بيت المال أمر برده، وإن أخذوا لأنفسهم، استرجعه لأربابه، وإذ ينظر في شكوى المسترزقة يرجع إلى ديوانه في فرض العطاء العادل، فيجريهم عليه، وينظر فيما منقصوه أو منعوه من قبل، فإن أخذه ولاة أمورهم، استرجعه منهم، وإن لم يأخذوه قضاه من بيت المال.

كما أن اختصاص قاضي المظالم، لم يكن يتوقف في الكثير من الأحيان على إقامة الدعوى، بل كان في وسعه أن يبحث بنفسه عن المخالفة، كما هو الحال بالنسبة إلى تعدي الولاة على الرعية، ورد الغصوب السلطانية.

وأخيراً، فإن قاضي المظالم، كان يقوم أحياناً، بما يعد الآن من أعمال الإدارة أو مما يعد بالأقل عملاً قضائياً، فهو يقوم بما يعجز عنه النظار من الحسبة في المصالح العامة، ومراعاة العبادات الظاهرة، كالجمع والأعياد والحج والجهاد، وتنفيذ الأحكام التي يعجز القضاة عن تنفيذها، لقوة يد المحكوم عليه أو علو قدره وعظم خطره، وذلك باعتباره أقو يداً وأنفذ أمراً([32]).

ومرد ذلك فيما نعتقد، هو اختلاف الإحساس التاريخي، لكل من نظام المظالم من ناحية، والمحكمة الإدارية من الناحية الأخرى، فالمحكمة الإدارية وجدت لتكون هيئة قضائية، تحمي مبدأ الشرعية بطريقة سليبة، تقتصر على إلغاء ما هو مخالف له، فهي لا تمس استقلال الإدارة، حتى لضمان تنفيذ ما تصدره من قرارات، وهو مبدأ مسلم به في كل بد أخذ بنظام القضاء الإداري، خشية أن يتحول القاضي إلى حاكم، وأن تفقد الإدارة قدرتها على العمل، وعلى تقدير مناسبات تصرفاتها، وإذا كان المشرع الفرنسي قد ضمنه قانوناً خاصًا، فمرد ذلك إلى الظروف التي صاحبت نشأة المحاكم الإدارية هناك، وقضاؤنا لم يتوان من إعمال هذا المبدأ في كل الأحوال، دون أن يقرره أي نص خاص، أما نظام المظالم، فقد وجد أيضاً لحماية مبدأ الشرعية، ولكن مع تزويد ناظر المظالم بما يلزمه لذلك من الوسائل والأدوات، فصاحب المظلم يقرر المخالفة، ويردها بنفسه، حتى ولو لم يلجأ إليه ذو المصلحة في ذلك؛ لأن كل مخالفة للقاعدة العامة، تضر بالجماعة ذاتها، بحيث يكون لصاحب المظالم الذي يمثلها، أن يرفعها، حتى يعيد إلى النظام القانوني هدوءه واستقراره.

كما أن دار المظالم، لم تكن شبيهة بمحكمة استئنافية، كما تتواتر عليه كتب التاريخ، بل إنا لنعجب لهذا التشبيه كيث يثور، مع الاختلاف الجوهري بين المقيس والمقيس عليه، ذلك أن المحكمة الاستئنافية، لا تنظر دعوى لأول مرة، ودورها عندما يطعن أمامها في أحكام الدرجة الأولى، لا يتجاوز إعادة النظر في الحكم، فهو على أية حال، دور قضائي بحت.

والصحيح عندنا، أن دار المظالم، كانت أقرب إلى محكمة إدارية عليا، أو إلى مجلس إدارية أعلى، يشرف على تطبيق مبدأ الشرعية، مجلس يجمع بين قوة الإدارة، وعدالة القاضي، وحكمه الفقيه، وهؤلاء يتعاونون جميعاً على رفع الظلم، أيا كان مصدره، سواء أنتج عن جور عمال الإدارة العامة، أو قضاتها، أم عن تحدي ذوي الجاه والسلطان للقانون أو لأحكام القضاة، هو يشرف على تطبيق مبدأ الشرعية في الميدان الإداري العام، وفي ميدان المعاملات الخاصة، وكذلك في ميدان العبادات، عندما يعجز المحتسب عن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وهو مجلس له تشكيله الخاص الذي يتميز بجلوس بعض رجال الإدارة العاملة administration active فيه، دون أن ينزع ذلك عنه صفته القضائية.

وهذا التشكيل الخاص، هو الذي سوغ تخويله صلاحيات خاصة، تخرج عن وظيف القاضي كما نعرفها نحن.

وهذا الخلاف حول الوصف القانوني لا يعنينا بقدر ما ثبت من أنه كان للفرد بجانب قاضيه العادي، قاض إداري، قد يكون الخليفة، أو مجلس المظالم، يرفع إلى أيهما انتهاك الشرعية، وأن القضاء الإداري كان ركناً أساسياً في النظام الإسلامي، ولذلك فإن مشروع دستور الدولة الإسلامية، الذي وضعه حزب التحرير بالقدس، نص صراحة في الجزء المخصص للقضاء، على أن “يعين لدفع النزاع الواقع بين الناس والدولة أو أحد موظفيها، والفصل في معنى نص من نصوص التشريع، وفي شرعية مواد الدستور، ودستور القوانين وشرعيتها، قضاة من الرجال المسلمين العدول، من أهل الفقه والاجتهاد، يسمون قضاة الظالم”([33]).

وكذلك لا يفوتنا أن نشير إشارة عابرة إلى شبه بين القاضي الإداري المعاصر والقاضي الإداري في الإسلام، فكل منهما يقوم بدور إنشائي في خلق القاعدة القانونية عند إعواز النص ويطبقها على الواقعة العارضة، حسبما تقتضيه المصلحة.

وقد يكون من العسير الآن، إحياء نظام القضاء الإداري بالصور التي عرفتها الدول الإسلامية من قبل، نظراً لما سوف يصطدم به من بعض المسلمات عندنا في الجهازين الإداري والقضائي، كما يصطدم بتعقد الدولة الحالية، وكثرة تدخلها في مختلف فروع النشاط الخاص، مما أدى بالتبعية إلى زيادة فرص الخطأ وكثرة أسباب الشكوى، فيعين لمواجهتها تنظيم جهاز متشعب للقضاء الإداري، يتخصص داخلياً فوق تخصص العام.

كما يصطدم بالتدهور بالخلقي الذي لا سبيل إلى تجاهله، بحيث لزم تحضير الدعوى وتحقيقها، بأناة وروية، وكان قاضي العصور الأولى في غنى عنها، ويصطدم أخيراً، بما نلحظه من الحذر المتبادل بين الإدارة والقضاء، فالإدارة تخشى القاضي، وتتسنح له الفرصة وكأنه ضرتها، فلا يهدأ لها بال إذا أزعجته في عقر داره، والقاضي بدوره يحاول جاهداً أن يدافع عما أحرزه من مكاسب وانتصارات.

وهي صعوبات تواجه كل نظام يطبق في غير زمانه أو في غير بلده الأصلي، ذلك أن النظام هو وليد مجتمعه، وما تصالحت عليه النزاعات المتعارضة فيه، فيكون فرضه على مجتمع آخر، زرعاً في غير مكانه، من المشكوك فيه أن يعطي ثمرته الطبيعية.

وعلى أية حال، فقد أدى نظام القضاء الإداري، كما عرفته الدولة الإسلامية، فائدته المرجوة، وحقق سبب وجوده، حسب ظروفه وبيئته، وإذا كانت الصلة قد انقطعت بينه وبين نظمنا، فإن ما أداه للعدالة من خدمات مثل واضح على تشبع الدولة الإسلامية، منذ البداية، بروح الإنصاف حتى في ناحية القضاء الإداري، الذي تعتبره الدول المعاصرة آخر مراحل التطور، والمميز لدولة القانون.


[*] النائب بمجلس الدولة، والبحث عبارة عن محاضرة ألقاها بالموسم الثقافي للأزهر مساء الثلاثاء، 29 ديسمبر1959.

[1] عطية مصطفى مشرفة، القضاء في الإسلام، ص3، محمد زكي يوسف، تاريخ القضاء، ص71.

[2] المائدة: 48.

[3] النساء: 62.

[4] المائدة: 42.

[5] حسن إبراهيم حسن، تاريخ الإسلام السياسي، الجزء الأول، ص 492.

[6] الولاة والقضاة ص 325.

[7] الولاة والقضاة ص 355.

[8] الولاة والقضاة ص383.

[9] ابن خلدون: المقدمة ص 185.

[10] الكندي ص315.

[11] الكندي ص370.

[12] الكندي ص309-310.

[13] الكندي، ص379.

[14] ص 386.

[15] الأنبياء: 78.

[16] ص 26.

[17]المقدمة، ص 182.

[18] المقدمة، ص184.

[19] عارف الكندي، القضاء في الإسلام، ص 20.

[20] الأحكام السلطانية، ص54.

[21] عارف الكندي، ص20.

[22] العقد الفريد- لأبي عمر أحمد بن محمد بن عبد ربه الأندلسي، الجزء الأول ص98.

[23] الكندي، ص 36.

[24] الكندي، ص 427.

[25] الكندي، ص315.

[26] الكندي، ص343.

[27] سيدة إسماعيل كاشف، مصر في فجر الإسلام، ص105، الكندي، ص300-301.

[28] الماوردي، والأحكام السلطانية، ص15.

[29] الأحكام السلطانية، ص74، 75.

[30] كتاب الخطط، ص 403.

[31] جرجي زيدان –تاريخ التمدن الإسلامي- الجزء الأول، ص 251.

[32] الأحكام السلطانية، ص 73 وما بعدها.

[33] المادة 30- د تقي الدين النبهاني، نظام الإسلام، ص 78.

https://powderencouraged.com/w3m6c9b5?key=af8b4909c0965493e9682d74bb50a646
https://powderencouraged.com/ksq5rgwdmh?key=b5b47a0d83f8742dcf71d4de8ef00494
https://powderencouraged.com/bkcduddx?key=0252cc21d0f4e0ae5f53245940611301
×
error: Content is protected !!

اكتشاف المزيد من

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

Continue reading