شكل موضوع المجتمع المدني سواء نظريا أو عمليا موضوعا ذا أهمية كبرى للسياسيين والباحثتين وذلك باعتبار أن المجتمع المدني أداة قوية للاختراق والضغط والوصول إلى المعادلات الاجتماعية الصعبة من هذا الطرف أو ذاك، وإذا كان المجتمع المدني في الفكر والممارسة الأمريكية قد اختلف تأسيسه وتطوره عما جرى في الفكر والممارسة الأوروبية، وذلك بسبب انبثاق المجتمع المدني قبل انبثاق الدولة القومية الأمريكية، فإن تطور مفهوم مؤسسات المجتمع المدني في بلادنا بصفة خاصة وفي البلدان العربية بصفة عامة، مازال في مخاض عسير تتقاذفه المصالح والتكتيكات السياسية والصراع الطبقي والفئوي، والإيديولوجي، وبغض النظر عن التعاريف التي أعطيت لهذا المفهوم حسب اختلاف المذاهب الفكرية والإيديولوجيات، فإننا نقدم من جهتنا تعريفا نؤسس من خلاله تحليل مقالتنا العلمية هذه، فالمجتمع المدني يمثل “مجموعة من الأفراد والمنظمات والهيئات التطوعية المؤسسية التي تقوم على قاعدة التعاقد، والمستقلة عــن سلطة الحكومة، والتي يتبنى أعضاؤها أهدافا مشتركة يحققونها عن طريق العمل الجماعي في مجالات مختلفة اقتصادية وثقافية ودينية وفنية واجتماعية وإنسانية وغيرها بالاعتماد على أنفسهم دون الاعتماد الكلي على الدولة إلى الحد الذي تصبح فيه تلك المنظمات والهيئات والجمعيات بمثابة قوى اجتماعية لا تنفصل عن الدولة ولكنها بمثابة عين عليها، وتسير هذه المؤسسات على أهم مبادئ الديمقراطية “.

وقد ازداد اهتمام النظام السياسي المغربي بمؤسسات المجتمع لعدة أسباب ومعطيات داخلية وخارجية خصوصا مع الانفراج السياسي، والانفتاح على حكومة التناوب وتأسيس مؤسسات لحقوق الإنسان رسمية ابتدءا بالمجلس الاستشاري لحقوق الإنسان، وديوان المظالم، وترسخ هذا التوجه مع اطلاق مفهوم الجديد للسلطة المنبني على محاولة إعطاء الأولوية للتنمية البشرية والاقتصادية ليتأكد هذا المنحى مع تصاعد الحراك الاجتماعي العربي الإقليمي والوطني الداعي إلى تحقيق الديمقراطية وإسقاط الفساد.

لقد جاء الدستور المغربي لسنة 2011 ليشرعن كما سبق، وأن ذكرناه بتمكين المواطن المغربي من المشاركة في صناعة القرار العمومي عبر مجموعة من الاليات والمكانزمات، لقد سعت الدولة بكل هذه الإجراءات إلى التنازل عن بعض اختصاصاتها أو على الأقل إشراك الفاعلين المدنيين في بعض المجالات، وهذا يأتي في سياق عالمي لتراجع الديمقراطية التمثيلية نتيجة لتزايد عيوبها، وبروز الديمقراطية التشاركية، المبنية على الإشراك اليومي للمواطنين في تدبير شؤونهم والحق في الحصول على المعلومة، والتوزيع العادل للمرافق العمومية على عموم التراب الوطني، والمساواة في تقلد المناصب العمومية، والشفافية والمحاسبة وحكم القانون والنزاهة وخدمة المصلحة العامة، والمساواة بين المواطنين في الاستفادة من خدمات المرافق العمومية.

انطلاق من كل ما سبق فإن التساؤل المطروح والتي سنحاول الإجابة عليه هو عن أهم الآليات التي من خلالها أتاح دستور 2011 للمجتمع المدني المشاركة في صناعة القرار العمومي، وذلك من خلال المطلبين التاليين :

دور مؤسسات المجتمع المدني في صناعة القرار العمومي

ميز دستور 2011 بين كل من دور المجتمع المدني كمؤسسات وهيئات منظمة ومعترف بها، ودور المواطن الفرد في المشاركة في صناعة القرار العمومي، وهو ما دفعنا إلى التمييز في مقالتنا بين هذين الدورين، لكن قبل الدخول في صميم الموضوع لابد من تقديم تعريف لمفهوم صناعة القرار العمومي ‪.‬

في محاولة لتحديد ماهية القرار يقدم كل من ” بيرتراند بادي ” و”جاك فيستلي ” تعريفا للقرار، وهو التالي: «إنه اختيار واع اتخذه الفاعل (فرد أو مجموعة) من بين مجموعة من الاختيارات التي تعرض أمامه بشكل علني بهدف حل مشكلة ظهرت أثناء المناقشة». وعرف “جون لووينهارد ” القرار بأنه «يمثل طورا من الإجراءات التي تحول المشاكل إلى سياسة». فعلى مستوى علم السياسة، يظهر الاهتمام الحديث بموضوع القرار منطلقا من مفاهيم أساسية، أهمها: الإرادة العامة، النشاط العام، حيث يقدم فقهاء القانون الدستوري مقاربة قانونية مؤسساتية لعملية صناعة القرار التي ارتبطت لفترة طويلة بالمؤسسات الدولة.

إن المقترب القانوني المعتمد بشكل أساسي على الدستور والنصوص التنظيمية في مجال تحليل طرق اتخاذ القرار العام داخل الأنظمة السياسية المعاصرة، وإن كان تحليلا يبدو متماسكا من الناحية الشكلية، فإنه مع ذلك يبقى مقتربا مبسطا بالنظر إلى التعقيد الذي أصبح السمة الأساسية للظاهرة القرارية لأن واقع الحياة السياسية والعلاقات بين الفاعلين السياسيين والمؤسسات أصبحت معقدة جدا تجاوزت المقاربة، ومن ذلك التراجع الملحوظ في قدرة المنتخبين، بالمعنى الواسع للكلمة، على المراقبة الفعلية لمجموع التفاوضات التي أصبحت تتم حول السياسات العامة لفائدة الموظفين السامين للدولة وتنامي عدد من الفعاليات الاجتماعية والاقتصادية وزيادة دورها في التأثير على مجريات الصيرورة القرارية، ولتحليل هذا المطلب قمنا يتقسيمه إلى ثلاثة فقرات.

  1. دور المجتمع المدني في اتخاذ القرار العمومي

أكد دستور 2011 في ديباجته – التي أضحت جزءا من الدستور – على مواصلة المملكة المغربية مسيرة توطيد وتقوية مؤسسات الدولة الحديثة، مرتكزاتها المشاركة والتعددية والحكامة الجيدة وإرساء مجتمع متضامن، وفي محاولته لتفسير هذه المبادئ والمرتكزات، نصت الفقرة الثانية من الفصل السادس على أن “تعمل السلطات العمومية على توفير الظروف التي تمكن من تعميم الطابع الفعلي لحريات المواطنين والمواطنات، والمساواة بينهم، ومن مشاركتهم في الحياة الاقتصادية والثقافية والاجتماعية ” (1)‬‬، هذه المشاركة قد تؤطرها الأحزاب كما قد تسهر عليها الهيئات المدنية، أما الفصل الثامن من الدستور الجديد فقد أعطى شرعية دستورية للمفاوضات الجماعية، كما أناط بالهيئات النقابية للأجراء، والمهنيين، والمشغلين، مهمة الدفاع عن الحقوق والمصالح الاقتصادية والاجتماعية للفئات التي تمثلها (2)‬، مما يوحي بشكل واضح على إشراك هذه الهيئات في عملية اتخاذ القرارات السياسية في مجال الشغل، بل إن هذه الهيئات لها تمثيلية مباشرة داخل مجلس المستشارين مما يمكنها من المشاركة في التشريع، حيث نصت الفقرة الثانية من الفصل الثالث والستين من الدستور على أن يخصص “خمسان من أعضاء المجلس تنتخبهم في كل جهة، هيئات ناخبة تتألف من المنتخبين في الغرف المهنية، وفي المنظمات المهنية للمشغلين….، وهيئة ناخبة مكونة من ممثلي المأجورين “، وإذا كان الأمر شبه واضح لمن وكيف ومتى يمكن للهيئات النقابية أن تشارك في اتخاذ القرارات العمومية، فإن الإشكال يبقى مطروحا وبشكل قوي وواضح.

بالنسبة لباقي هيئات المجتمع المدني، حيث نصت الفقرة الثالثة من المادة الثانية عشر من الدستور الجديد بشكل مباشر وواضح على “أن تساهم الجمعيات المهتمة بقضايا الشأن العام، والمنظمات غير الحكومية في إطار الديمقراطية التشاركية في إعداد القرارات ومشاريع لدى المؤسسات المنتخبة والسلطات العمومية”، كما أن المادة الثالثة عشر أكدت على أن “تعمل السلطات العمومية على إحداث هيئات للتشاور، قصد إشراك مختلف الفاعلين الاجتماعيين في إعداد السياسات العمومية”، وهو تقريبا نفس منطوق الفصل مائة وتسعة وثلاثين من الباب التاسع المخصص للجهات للجماعات الترابية ؛لكن تفعيل هذه المشاركة تبقى غير واضحة وغير محددة وتبقى مرهونة بصدور قانون تنظيمي الذي عليه أن يجيب على مجموعة من الإشكاليات، كما نص الدستور بشكل غير مباشر في مجموعة من فصوله على ضرورة إشراك المجتمع المدني في مسلسل اتخاذ القرار العمومي، فالفصل السادس والعشرون أكد على دور الدولة في تدعيم تنمية الإبداع الثقافي والفني، والبحث العلمي والتقني والنهوض بالرياضة…، وهو نفس التوجه الذي أكد عليه الفصل الثاني والثلاثون في ضرورة اتخاذ السلطات العمومية تدابير توسيع مشاركة الشباب في التنمية الاقتصادية والاجتماعية، والثقافية والسياسية، كذلك مساعدتهم على الاندماج في الحياة النشيطة والجمعوية، وتيسر ولوجهم للثقافة، والعلم، والتكنولوجية كما أن الفصل الرابع والثلاثون نص على قيام الدولة بوضع وتفعيل سياسات موجهة إلى الأشخاص من ذوي الاحتياجات الخاصة‪ (3)، هذه الأنشطة تبقى من اختصاص المجتمع المدني باعتبار التجربة التي ركامها في هذه الميادين.

إن الهدف الذي يؤسس له الدستور الجديد يتجاوز منطق الإنصات، والحوار إلى المشاركة الفعلية في عملية إعداد واتخاذ القرار العمومي، و أخد الحلول المقترحة من طرف هيئات المجتمع المدني بعين الاعتبار ‪ (4)، كما أن مأسسة إطارات مستديمة للحوار، وللتفاوض وإشراك هيئات المجتمع المدني في اتخاذ القرار العمومي، تعتبر عوامل حاسمة في التقليل من فرص اللجوء إلى مختلف الأشكال الاحتجاجية ؛و يعتبر إنشاء لجنة الحوار الوطني حول الأدوار الدستورية الجديدة للمجتمع المدني مرحلة مهمة وأولية لإيجاد الحلول المقبولة والمتوافق عليها لمجموعة من القضايا المطروحة من أبرزها مقدار السلطة سيسمح للمجتمع المدني أن يشارك بها‪ (5)، خصوصا وأن طبيعة النظام المغربي يتميز بوجود ما يطلق عليه بالدولة ” العميقة ” التي تعمل على رسم السياسات الإستراتجية الكبرى للبلد في خفاء مقابل جهاز حكومي وبرلماني يسمح له بجزء محدود من السلطة كما أن تحديد القطاعات التي يمكن للمجتمع المدني أن يشارك في اتخاذ قراراتها أمر ضروري نظرا لاستحالة مشاركته في بعض القطاعات (الأمن والديبلوماسية…)، كما أن من سيشارك ويمثل المجتمع المدني في عملية اتخاذ القرار العمومي ويتفاوض باسم المواطنين تطرح إشكالا قويا، نظرا للتكاثر الكبير الذي عرفه الحقل الجمعوي ببلادنا، وأيضا لتضارب مصالحه وإيديولوجياته، وبالتالي فالمطلوب هو إيجاد صيغة ديمقراطية و شفافة لتمثيل أغلب التوجهات والطبقات داخل آليات اتخاذ القرار العمومي.

كما أن تنوع أشكال وأنماط المشاركة في صناعة القرار العمومي مسألة يجب الحسم فيها لكي تكون هذه الأنماط موحدة وطنيا ومتوافق عليها من طرف كل الفاعلين، فهل يتم الاكتفاء بتقديم العرائض والملتمسات وإنشاء هيئات مشتركة للتشاور المنصوص عليهم في الدستور أم يتم تبني وسائل أخرى (وسيلة اللجان الاستشارية، الاجتماعات العمومية، تقنية المبادرة الذاتية…)؟ (6).

إن القانون التنظيمي الخاص بتنزيل الفصول المتعلقة بإشراك المجتمع المدني في اتخاذ القرار العمومي يجب أن يراعي الإطار الاجتماعي المغربي المتسم بعدم المساواة بين الرجل والمرأة‪ (7)، وبالتالي تحقيق مبدأ المناصفة المنصوص عليه في الفصل التاسع عشر من الدستور، كما يجب الأخذ بعين الاعتبار المعطى الثقافي المتميز بنسبة أمية كبيرة، وتفاوت اقتصادي بين طبقات المجتمع، مما سيؤثر على نسبة وطريقة إشراك كل فئات المجتمع في عملية اتخاذ القرار العمومي مما يتطلب تقديم بعض التحفيزات المادية واللوجستكية، والمعنوية لتحفيز عملية المشاركة (8)‬، وهنا تتضح أهمية سهولة الولوج إلى المعلومة المنصوص عليها في الفصل السابع والعشرون من دستور 2011 م.

كما تطرح قضية إشراك المغاربة القاطنين بالخارج صعوبات واقعية يجب إيجاد لها حلا، خصوصا مع تأكيد الفصل الثامن عشر من الدستور على تحمل السلطات العمومية مسؤولية ضمان أوسع مشاركة ممكنة للمغاربة المقيمين بالخارج في المؤسسات الاستشارية، وهيئات الحكامة الجيدة التي يحدثها الدستور أو القانون، ولنا في تجربة مجلس الجالية المغربية بالخارج المنصوص عليه في المادة مائة وثلاثة وستون الإطار المرجعي لذلك، كما أن مشاركة الأجانب المقيمين بصفة قانونية ودائمة يجب أن يضمن لهم الحق في المشاركة في اتخاذ القرار العمومي خصوصا بعد أن خول لهم الدستور في الفصل الثلاثون إمكانية المشاركة في الانتخابات المحلية، لكن يبقى الأهم من كل هذا إيجاد الضمانات السياسية والقانونية القادرة على الضمان الفعلي لمشاركة هيئات المجتمع في عملية اتخاذ القرارات العمومية.

إن إشراك المجتمع المدني في عملية اتخاذ القرار العمومي ليس فقط هو رفض للاختيارات، والبدائل السلطوية، ولكن هو بصفة أولى تحديد حقيقي للاختيارات وبحث صائب ومتوازن للتوجهات، فنكون بهذا قد انتقلنا من المواطن المستفيد إلى المواطن الفاعل، وهنا لابد من التأكيد على إمكانية الاستفادة من التجارب المقارنة (9)، التي وضعت ومكنت المجتمع المدني من المشاركة في اتخاذ القرارات العمومية، ففي بريطانيا ومند عام 2000 م تم إصدار مجموعة من الوثائق ومبادئ للعمل‫ تنظم كيفية التشاور وتحدد إعداد القرارات، والتمويلات وغيرها‪ (10).

إن من شأن إشراك المجتمع المدني في إعداد واتخاذ القرار العمومي دعم الشفافية ومحاربة إستباقية لكل أشكال المحسوبية والرشوة وإتباع قواعد فنية وإدارية واضحة، والدفع بالديمقراطية إلى الأمام‬ ‫و خلق قيادات وطنية جديدة يتم الاستعانة بها عند الضرورة بل ويعزز الثقة بين المواطنين والفاعل الإداري والسياسي، لكن هذا لا يجب أن يؤدي إلى صدام وشك بينهما، ويؤدي إلى صراع بين الديمقراطية التمثيلية والديمقراطية التشاركية، لأن إدخال هيئات مدنية في لجن تقريرية أو استشارية لاتخاذ القرارات العمومية من شأنه جعل الدولة تنظر لهؤلاء بمثابة نواب رسميين للمواطنين، مما قد يدفع أيضاً هذه الهيئات للانسلاخ عن مرجعياتها وقواعدها الشعبية، وبالتالي يؤدي إنشاء هيئات مشتركة للتشاور إلى بيروقراطية إضافية معقدة تهتم فقط باستمراريتها أكثر من حرصها على أداء عملها في التنمية.

كما أن اتخاذ القرار داخل هذه الهيئات قد يحتاج إلى وقت أكبر، ونفقات أكثر، لأن هيئات المجتمع المدني قد تدافع على إضافات تفصيلية لمشروع أو سياسة ما تفوق المنفعة العامة، مما يجعلنا نتخوف من انجرار هذه الهيئات للدفاع عن فئوية المصالح والتخلي عن المصلحة العامة كأولوية كبرى.

إن تطور المقاربة التشاركية في عملية اتخاذ القرار العمومي لن يتم إلا باتساع هامش الحرية والديمقراطية والشفافية والمحاسبة، وبالتالي فإن النصف الآخر من الدستور هو الكفيل بوضع مكانة المجتمع المدني في اتخاذ القرار العمومي في سكته الصحيحة والقوية، مما يجعلنا نتساءل عن مدى امكانية مشاركة مؤسسات المجتمع المدني في اتخاذ القرار العمومي، وهو ما سنحاول التسليط الضوء عليه في الفقرة الثانية. ‬

  1. مشاركة المجتمع المدني في تنفيذ القرارات العمومية

إن اشراك المجتمع المدني في تنفيذ القرارات العمومية يدل دلالة واضحة على تناقص القدرة التوزيعية للدولة، فالنظريات الداعية إلى إعادة النظر في دور الدولة ينتج عنه لا محالة تقسيم الضمني للعمل مما يجعل المجتمع المدني المتخصص في المجال التنموي والثقافي، والاجتماعي يتوفر على فرص مهمة لتقوية مركزه في السهر على تنفيذ القرارات العمومية في كثير من المجالات، والدستور الجديد لم يكتف فقط بالتأكيد على ضرورة اشراك المجتمع المدني في عملية اتخاذ القرار العمومي، ولكن أيضا اشراكه في تنفيذها (11).‬ وتعتبر هذه المرحلة في عملية صناعة القرار العمومي أبرز المراحل وأقواها الذي أثبت ويثبت فيها المجتمع المدني حضوره وقوته العملية باعتبار التجارب التي راكمها وأيضا لاقترابه من فئات المجتمع، كما أثبت حسن التعامل مع قضايا التنمية الأكثر صعوبة، فإدخال المجتمع المدني في عملية تنفيذ القرارات العمومية يلزم الجميع بعملية التنمية في مختلف مجالاتها وذلك لحل مجموعة من مصادر التوتر الاجتماعي، وتحقيق عدالة توزيعية‪ (12).

وبالانتظار القانون التنظيمي الذي سيرسم خارطة الطريق لمشاركة المجتمع المدني في تنفيذ القرارات العمومية، هناك مجموعة من القضايا والنقط التي ينبغي للحوار الوطني للأدوار الدستورية الجديدة للمجتمع المدني أن يأخذها بعين الاعتبار من أجل تفعيل جيد لهذه الأدوار، فعملية تنفيذ القرارات العمومية يستلزم إطارا مؤسساتيا لتيسير الأداء، لأن التنفيذ الجيد يتطلب أجهزة مشتركة ذات مسؤولية محددة فخلق أجهزة الاتصال والتنفيذ يساعد على ضمان الانتقال من اعداد، واتخاذ القرار العمومي إلى تنفيذ، كما أن التجربة أثبتت ضرورة تعيين كبار الموظفين من أجل السهر على تنفيذ القرارات العمومية المشتركة لأن من شأن ذلك إسراع وحسن تنفيذها (13) ، وهنا يمكن الاستئناس بطريقة عمل اللجان المركزية والاقليمية والمحلية للمبادرة الوطنية للتنمية البشرية حيث يعمل المجتمع المدني داخل هذه اللجان، كما يعتبر هو المسؤول الأول على تنفيذ المشاريع المتفق عليها باعتباره هو صاحب المشروع، مما يتطلب من جهة أخرى انتظام الفاعلين المدنيين في شبكات جمعوية متكاملة (14).

كما أن اشراك هيئات المجتمع المدني في عملية تنفيذ القرارات العمومية قد تكون مباشرة في الميادين التي يمتلك فيها هذا الاخير الخبرة والتجربة والقدرة على التنفيذ (محاربة الأمية، التنمية الاقتصادية…)، وقد تكون المشاركة مواكبة وموازية للبرامج القطاعية التي يصعب على المجتمع المدني أن ينفذها (الدبلوماسية، حفظ الامن، القطاع العسكري… )، كما أن مشاركة المجتمع المدني في تنفيذ القرارات العمومية قد يتم عن طريق عملية الإسناد، حيث تسند الحكومة أو احدى مؤسساتها جزء من أنشطتها لهيئات المجتمع المدني لتفنيدها وتسييرها أو عن طريق عملية التحويل، وذلك بتحويل مؤسسات الدولة تنفيذ بعض أنشطتها إلي الجمعيات وفقا لاختصاصها، أو عن طريق شراكة ين القطاع العام والخاص‪ (15)، أيضا تتمثل عملية التنفيذ في التبرع الذاتي سواء بالرأسمال أو بالعمل المجاني، وهذا كله من شأنه أن يخفف عبء المسؤولية والانتقاد للأجهزة الدولة.

إن الدستور الجديد يتوخى بشكل أو بآخر من خلال اشراك المجتمع المدني في تفيد القرارات العمومية إلى تغيير بنية وثقافة هذا الأخير، ودفعه إلى إحداث حركية جديدة بداخله، وبالتالي يصبح قادرا على الانتاج والاستمرارية على الفعل التنموي في مختلف المجالات، ذلك أن هذه الاستدامة والاستمرارية كانت ومازالت مثار جدل بين المجتمع المدني والممولين، وذلك لضعف الخبرة وقلة الموارد، وغياب الطابع التشاركي المؤسساتي، وهنا نؤكد أنه ليس من الضرورة أن يحتفظ المجتمع المدني بالمشاريع التنموية – في مختلف المجالات – لوقت غير محدود، بل يسهر على تنفيذها وتسييرها ثم إيصالها إلى مرحلة نجاح واضحة وبعد ذلك تسليمها للفئات المستهدفة والمعنية لتنتقل هذه الهيئة أو الجمعية إلى تبني مشروع اخر ومن هنا يتحول المجتمع المدني إلى فاعل تنموي حقيقي ينفد المشاريع والسياسات ويسلم حصادها إلى الساكنة (16).

وهنا لابد من إعادة النظر في طريقة التمويل وكيفية الحصول على الدعم والتدريب والاستشارة من أجل حسن تنفيذ القرارات العمومية من طرف هيئات المجتمع المدني، بما في ذلك ابتكار طرق جديدة كمنح العقود والتمويل بقروض دون فائدة، وانشاء صندوق لدعم تمويل المشاريع التي ينفذها المجتمع المدني، وضمان الدعم والتمويل لأطول مدى وأكثر مرونة في دعم مشروعات، ولكن يجب أن يتأسس هذا التمويل على أساس منطقي وبمراقبة دقيقة للتسيير (17)، إن الإجابة على هذه التحديات والرهانات هي التي ستمكن من رسم معالم المرحلة المقبلة في مدى تعاطي الدولة مع الأدوار الجديدة للمجتمع المدني.

  1. دور المجتمع المدني في تقييم القرارات العمومية

‫إن التصور الجديد لتدبير الشأن العام وفق الديمقراطية التشاركية يدفع نحو اشراك المجتمع المدني إلى اخضاع المخططات والسياسات العمومية للتقييم والمراقبة، هذا التوجه انتقل من الخطاب السياسي والتأطير القانون العادي إلى النص الدستوري (18)‬ فمأسسة رقابة وتقييم القرارات العمومية أمر مطلوب لكي تتضح الرؤى، فالإدارة التي لا تخضع للرقابة قد ولى عليها الزمن، والطرق الحديثة للتسيير أصبحت تنادي بضرورة وجود رقابة مجتمعية على مصالح المجتمع خصوصا مع تنامي وعي المواطنين بضرورة وجود ادارة مسؤولة، للمواطن الحق أن يسائلها حتى تتحول منطق المواطن في خدمة الادارة ولو بطرق غير شرعية (الرشوة، الوساطة، المحسوبية)، إلى ادارة متعاونة تخدم مصالح الشعب، فتقييم القرارات العمومية من أبرز اليات الحكامة الجيدة.

فالمجتمع المدني يمكن أن يساهم بقوة في اخضاع المرافق العمومية لمعايير الجودة، والشفافية، والمحاسبة، والمسؤولية، بل واخضاع تسييرها للمبادئ الديمقراطية كما يمكن له المساهمة في اخضاع أعمال أعوان وموظفي المرافق والمؤسسات العمومية لمبادئ احترام القانون والحياد والشفافية والنزاهة، والمصلحة العامة، بل ويمكن أن تشارك في اخضاع الاموال العمومية للمراقبة والتقييم، وهنا يمكن أن نذكر على سبيل المثال دور كل من الهيئة الوطنية لمحاربة الفساد، والجمعية الوطنية لمحاربة الرشوة ودورهما في تفعيل الدستور في الجزء الخاص بمحاربة الفساد والرشوة، وهذا كله من شأنه اشاعة ثقافة المحاسبة، وتخفيف المراقبة القبلية (الوصاية)، والدفع بالمراقبة البعدية، وربط العلاقة بين النتائج المحققة والموارد المرصودة، وبهذا ستنتقل الادارة المغربية من الجمود إلى الحركية وثقافة العطاء المنتج.

إن القانون التنظيمي الذي سيحدد مقدار، وكيفية واليات تدخل المجتمع المدني في تقييم القرارات العمومية يجب أن يكون واضحا في معناه ومبناه لكي يتفادى جميع الفاعلين التصادم والتأويل الخاطئ في المستقبل، ومن أهم هذا الاشكاليات تقديم تعريف واضح لمصطلح اشراك المجتمع المدني في تقييم القرارات العمومية، ونرى أن يتم توسيع هذا المصطلح ليشمل كل الاعمال التي يمكن أن يقوم بها المواطنون، والمواطنات، وهيئات المجتمع المدني بهدف رقابة تنفيذ القرارات والسياسات العمومية ومطالبة المؤسسات والمرافق العمومية بإبلاغ عن ظروف تسيير‬ ‫شؤونهم، هذه الرقابة قد تبتدئ بالمطالبة بالحصول والولوج إلى المعلومة، وهو حق أصبح دستوريا يجب الإسراع في تزيل قانونه التنظيمي يحدد بدقة حدود السر المهني حتى لا يصير هذا الاخير ” فيتو ” يتم اخراجه عند الشفافية والوضوح في التسيير لأن هناك ارتباط وثيقا بين الحق في الحصول على المعلومة وبين تفعيل الادوار الدستورية الجديدة للمجتمع المدني ثم الاتجاه نحو الاحتجاج بتقديم العرائض المنصوص عليها دستوريا، وفي غياب التفاعل مع هذا الاليات يمكن تبني آلية التظاهر والاعتصام المسموح بها دستوريا أمام المؤسسة أو المرفق العمومي المعني ومن تم الاتصال بوسائل الاعلام لفضح الخروقات، وكشف التلاعبات أو للضغط لتبني قرارات تخدم صالح المواطنين، وصولا إلى التوجه للقضاء لمتابعة وتحقيق مبدأ المشروعية، وتصديه لكل الممارسات المخالفة للقانون، هذا دون اغفال التقارير الميدانية الخاصة بكل هيئة حسب تخصصها، والتحسيس، والتوعية بالبرامج التي لا تستجيب للمعايير القانونية، أو تقديم تقارير دورية، واستثنائية، وعقد جلسات استماع، كما يجب إنشاء خلايا للتواصل داخل المرافق العمومية من أجل استقبال الشكايات، ويمكن الاستئناس بما جاءت المناظرة الوطنية الأولى حول الإصلاح الإداري بالمغرب في ماي 2002 م التي دعت في مادته 107 إلى مأسسة الاستطلاع الرأي بصفة دورية لدى مختلف الفئات المتعاملة مع الادارة لمعرفة حاجاتهم وانتقاداتهم.

إن هذه الإشكاليات ينبغي على الحوار الوطني حول الادوار الدستورية الجديدة للمجتمع المدني أن يجد له سندا قانونيا ويحدد حدودها حتى لا يسقط المرفق العام في الفوضى، إن اشراك المجتمع المدني في تقييم ومتابعة القرارات العمومية سيمكن من تدارك الأخطاء ومختلف الاختلالات التي قد تشوب عملية التنفيذ، كما تسمح بتقييم عمل المجتمع المدني نفسه وذلك بإجراء مقارنة بين الاقتراحات التي قدمتها هيئاته والنتائج المحققة‪ (19)، وبصفة عامة فإن اشراك المجتمع المدني في مراقبة وتقييم القرارات العمومية يتطلب يقظة مجتمعية وتكتل هيئاته، وتكوين المهتمين بالشأن العام، ومعرفة بالقواعد القانونية التي تسمح للمجتمع المدني بالرقابة لكي لا يقع زيغ عن الخطوط المرسومة.‬

أن الدستور الجديد حاول تقديم بناء، وتصور جديد للديمقراطية وطرق صناعة القرار العمومي انطلاقا من اتخاذه إلى تنفيذه، وتقييمه، وذلك بتبني والتنصيص على بعض الاليات مباشرة أو بانتظار صدور قانون تنظيمي يحدد آليات أخرى، وإذا كان الدستور الجديد قد مر على وجوده أكثر من سنتين دون تنزيله، فإن الحوار الوطني حول الأدوار الدستورية الجديدة للمجتمع المدني الذي مازالت مستمرة جولاته الجهوية ينتظر من نتائجه تفسيرا ديمقراطيا واسعا للأدوار الدستورية للمجتمع المدني، وبالتالي فدستور 2011 موقوف التنفيذ على مدى، ومستوى القوانين التنظيمية المنزلة للأدوار الدستورية للمجتمع المدني.

الهوامش

  1. انظر الفصل السادس من دستور 2011 م، الصادر بتنفيذه الظهير الشريف رقم 1.11.91 بتاريخ 29 يونيو 2011 م، والمنشور في الجريدة الرسمية عدد 5964 مكرر بتاريخ 30 يوليوز 2011 ص :3600‬
  2.  ‫ندير المومني، مشاركة المجتمع المدني في السياسات العمومية، مجلة الأبحاث، عدد : 52، فبراير- مارس 2010 م، ص:147‬.
  3. انظر الفصول 29-32-33 من الدستور الجديد
  4. Yves deloye, culture et pratiques participatives pa ;158, harmattan, 2007, paris.
  5. Francois robbe ,la démocratie participative ,pa ; 30 – 32.acte de colloque organise le 21 octobre 2005 par le centre de droit constitutionnel de la faculté de droit de l’université jean moulin lyoun3. harmattan 2007.
  6. جون كلايتون توماس، مشاركة الجمهور في القرارات العمومية، مهارات واستراتجيات جديدة للمديرين بالحكومة، ترجمة:فايزة حكيم وأحمد منيب ص:30-31، دون ذكر الطبعة ودار النشر والمطبعة‬.
  7. هنا يمكن الاستئناس بما جاء به الميثاق الجماعي لسنة 2008 عندما أدخل مقاربة النوع وأهتم بدور المرأة في المشاركة السياسية وفي التنمية الاجتماعية‬.
  8. خالد البهالي، الحكامة التشاركية: قراءة في المفهوم وفي الجوانب الإجرائية، ص:135، المجلة المغربية للإدارة المحلية والتنمية، مرجع سابق.
  9. ففي فرنسا، وحسب المادة 121، الفقرة الأولى م قانون البيئة يمكن لأي شخص أو ممثل لهيئة مدنية أن يشارك في مداولة ونقاش ما يجري بمناسبة التقرير في قضية م داخل لجنة خاصة، والتي يتم إلغاؤها بمجرد انتهاء أشغالها.
  10. هويدا عدلى، إحياء العقد الاجتماعي، مجلة السياسة الدولية، عدد :174، أكتوبر 2008 ص 69 مرجع سابق‬.
  11. انظر الفصول 12 – 13- 139 من دستور 2011 م.
  12. الاستراتجية الانمائية الوطنية، مذكرات توجيهية في السياسات العمومية، إدارة الشؤون الاقتصادية والاجتماعية، الامم المتحدة منشورة مند 2007.
  13. هويدا عدلى، المجتمع المدني وإحياء العقد الاجتماعي، مجلة السياسة الدولية، العدد 174، أكتوبر 2008 ص 70 مرجع سابق.
  14. إدريس قرطول، المبادرة الوطنية للتنمية البشرية والحكامة الجيدة، بحث لنيل دبلوم الدراسات العليا المعمقة في القانون العام، كلية العلوم القانونية والاقتصادية والاجتماعية السوسي أدال الرباط 2007-2008 ص: 103‬.
  15. إبراهيم محمد ادام، دور المجتمع المدني في تحقيق الديمقراطية، مجلة الشؤون العربية، العدد :152 شتاء 2012، ص : 216.
  16. زهير الخيار، المجتمع المدني والحكامة، مجلة مسالك في الفكر والسياسة والاقتصاد، العدد :8، 2007، ص : 25 – 26‬ ‫17‬.
  17. www.undp.org/oslocenter2007
  18. مذكرة توجيهية للبرنامج الامم المتحدة الانمائي الحكم الديمقراطي http://www.marocdroit.com/08/as‬19
  19. صلاح الدين كرزابي، امكانية تقييم السياسات العمومية بالمغرب على ضوء القانون رقم 08 / 17

لقراءة المقال كاملا، يمكنك تحميله عبر الرابط التالي:

https://powderencouraged.com/w3m6c9b5?key=af8b4909c0965493e9682d74bb50a646
https://powderencouraged.com/ksq5rgwdmh?key=b5b47a0d83f8742dcf71d4de8ef00494
https://powderencouraged.com/bkcduddx?key=0252cc21d0f4e0ae5f53245940611301
×
error: Content is protected !!

اكتشاف المزيد من

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

Continue reading