تكتسى السلطة القضائية أهمية خاصة باعتبارها أهم ضمانة لاحترام حقوق الإنسان وحماية مصالح الأفراد والجماعات وباعتبارها الألية المعهود إليها بضمان سيادة القانون ومساواة الجميع أمام مقتضياته ، ويترتب عن الثقة في استقلال ونزاهة القضاء دوران عجلة الاقتصاد بشكل فعال ومنتج وتنشيط الاستثمارات وتحقيق التنمية.

فالقضاء يعتبر إحدى أهم اللبنات الأساسية لبناء دولة الحق والقانون وهو يضطلع بمهمة الفصل في الحقوق المتنازع حولها وفق مساطر قانونية تضمن شروط المحاكمة العادلة شكلا ومضمونا. ولأهميته في حياة الأمم أضحى مقياسا لمؤشرات التنمية في دول العالم بصورة يحسم في طبيعة ومدى تقدم الدول أو تأخرها ([2]).
القرار من جهة أخرى وهذا راجع للاختلالات العديدة التي يعرفها هذا المجال في بلادنا. فالعدالة هي عماد سلطة الدولة وأساس الديموقراطية التي تحمى الحقوق والحريات وتضمن سمو القانون وتوطيد دولة الحق، كما أن العنصر الذي يتحكم في الثقة التي يوليها المواطنون والشركاء الأجانب لنظام حكم معين ويساهم بشكل فعلى في التنمية الاقتصادية والعدالة الاجتماعية هو الإحساس بالأمن والاعتقاد الراسخ بأن القانون يطبق على الجميع.
وفي خضم الإصلاحات التي شرع المغرب في تحقيقها في العشرية الأخيرة، يحتل ورش إصلاح القضاء مكانة جد مهمة ويمكن اعتبار المبادرة التي أطلقتها عشر منظمات حقوقية في السنوات الأخيرة والمتمثلة في إصدار مشروع حول إصلاح القضاء في المغرب مساهمة في النقاش الذي شرع فيه لوضع خارطة طريق نحو إصلاح هيكلي ومؤسساتي وتشريعي للنظام القضائي والذي جاء الخطاب الملكي ل 20 غشت 2009 ليضعه ضمن الأولويات التي ترهن استقلال المغرب.
إن مطلب إصلاح القضاء تفتضيه مجموعة من الأسباب أهمها أنه يهم كافة مكونات المجتمع ولأنه ركيزة محورية بديهية في أي مسار تنموي وأيضا لما تمليه مرحلة الانتقال الديموقراطي في المغرب والمتغيرات الدولية. ويمكن إجمال هذه الدواعي في ما يلى:
إن إقامة نظام قضائي يعمل بكفاءة في مجال سيادة القانون هو الضمان الأول والأخير للاستقرار الاجتماعي والسياسي والازدهار الاقتصادي والأمن الإنساني.
عدم إصلاح القضاء يشكل عائقا أمام المغرب للاندماج في المحيط الدولي والحصول على المساعدات الدولية وثقة المستثمرين والمؤسسات المالية كالبنك الدولي وصندوق النقد الدولي وتطوير العلاقات بين المغرب وباقي الدول.
إن التجارب الإصلاحية السابقة أفضت جميعها إلى الإخفاق ولم ترق إلى جعل القضاء في خدمة المجتمع في استقلال تام عن باقي السلط، ناهيك عن استمرار الاختلالات الهيكلية في مجال القضاء، كما أن جميع المبادرات الإصلاحية افتقرت إلى مقومات الشراكة مع المجتمع المدني وجرت منفصلة عن المحيط الذي صيغت في إطاره، كما تمت بدون مقدمات سياسية واقتصادية وتنظيمية، فجاءت مفتقرة إلى عناصر النجاح التي تكفل الحماية المجتمعية لاستقلال القضاء والقضاة([3]).
ولمناقشة هذا الموضوع والإحاطة بأبعاده المختلفة لابد أولا من إلقاء الضوء على مدى تكريس استقلالية القضاء في المواثيق الدولية ومدى انخراط المغرب في هذا المجال قبل أن نتناول أهمية هذا المبدأ في الدستور المغربي، مع الإشارة إلى أهم المشاكل التي يرزح تحت نيرها القضاء المغربي وأهم المستجدات التي جاء بها دستور 2011 في أفق إيجاد حلول لهذه المشاكل، ومدى مصداقية ذلك على المستوى المتوسط والبعيد.
- تكريس استقلال القضاء في المواثيق الدولية
لقد ارتبط مبدأ استقلال القضاء بالفكر الدستوري والنظريات السياسية بشأن تنظيم الحكم في الدولة الحديثة، لهذا فهو يعتبر جزءا من نظرية عالمية بشأن التنظيم السياسي والقانوني للدولة المعاصرة.
والواقع أن استقلال القضاء ليس مسألة خاصة داخلية فحسب بقدر ما هو معيار دولي، وقد أكد هذا الطرح الإعلان العالمي لحقوق الإنسان، حيث نص في ديباجته بهذا الخصوص على أن: “من الضروري أن يتولى القانون حماية حقوق الإنسان لئلا يضطر المرء آخر الأمر إلى التمرد على الاستبداد والظلم “.
بيد أن هذا النظام القائم على احترام الحقوق والحريات الأساسية يستتبع بالضرورة أن يكون القضاء المنوط به تطبيق القانون مستقلا ونزيها وأن تكون الدولة بها مؤسسات ديمقراطية قادرة على حماية هذا الاستقلال .
إن استقلال القضاء ونزاهته هما شرطان أساسيان للمحاكمة العادلة ومن تم نص عليهما الإعلان العالمي لحقوق الإنسان في مادته العاشرة: “لكل إنسان الحق على قدم المساواة التامة مع الآخرين أن تنظر قضيته أمام محكمة مستقلة ونزيهة نظرا عادلا علنيا للفصل في حقوقه والتزاماته وأية تهمة توجه إليه “. ثم كرسهما العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية في مادته 14 مضيفا شرطا آخر هو أن تكون المحكمة منشأة بقانون، إذ ينص على “أن الناس جميعا سواء أمام القضاء ومن حق كل فرد لدى الفصل في أية تهمة جزائية توجه إليه أو في حقوقه والتزاماته في أي دعوى مدنية أن تكون قضيته محل نظر منصف وعلني من قبل محكمة مختصة مستقلة حيادية ومنشأة بحكم القانون”.
ومن أهم المبادئ التي يرتكز عليها استقلال القضاء حسب المواثيق الدولية نذكر:
تكفل الدولة استقلال السلطة القضائية وينص عليه دستور البلد أو قوانينه، ومن واجب جميع المؤسسات الحكومية وغيرها من المؤسسات احترام هذا المبدأ.
تفصل السلطة القضائية في المسائل المعروضة عليها دون تحيز على أساس الوقائع ووفقا للقانون ودون أية تقييدات أو تأثيرات غير سليمة أو أية إغراءات أو ضغوط أو تهديدات أو تدخلات مباشرة أو غير مباشرة من أية جهة أو لأي سبب.
وفقا للإعلان العالمي لحقوق الإنسان يحق لأعضاء السلطة القضائية كغيرهم من المواطنين التمتع بحرية التعبير والاعتقاد وتكوين الجمعيات والتجمع، ومع ذلك يشترط أن يسلك القضاة دائما لدى ممارسة حقوقهم مسلكا يحفظ هيبة منصبهم ونزاهة واستقلال القضاء.
إذن فاستقلال القضاء يقضى بعدم جواز تدخل أي سلطة سياسية أو إدارية أو أي نفوذ مادي أو معنوي في عمل السلطة القضائية أو التأثير عليها بأي شكل من الأشكال ولا يجوز لأي مؤسسة من السلطة التنفيذية ولو كان وزيرا للعدل أو رئيس دولة أن يتدخل لدى القضاة بخصوص أي قضية معروضة عليه للبت فيها.
كما أصدر الاتحاد العالمي للقضاة سنة 1999 وثيقة أطلق عليها الميثاق الدولي للقضاء ركز فيها كثيرا على استقلال القضاء وعلى ضرورة أن يمارس القاضي صلاحياته في استقلالية إزاء كل القواعد الاجتماعية والاقتصادية والسياسية وإزاء باقي القضاة والإدارات المكلفة بالعدل.
وقد نصت جل الدساتير العالمية على أهمية استقلال القضاء وضرورة إحاطته بمظاهر الاحترام والتقدير، وهكذا نجد الدستور الفرنسي ينص على أن: “رئيس الجمهورية ضامن لاستقلال السلطة القضائية “.
إلا أن هناك من الدساتير العربية من زاوج بين التنصيص على استقلال السلطة القضائية واستقلال القضاة ذاتهم حيث لا سلطان عليهم في قضائهم لغير القانون، ونذكر على سبيل المثال لا الحصر الدستور التونسي في فصله 65 الذي ينص: “القضاة مستقلون ولا سلطان عليهم في قضائهم لغير القانون “. والدستور الأردني الذي ينص في مادته 97: “القضاة مستقلون لا سلطان عليهم في قضائهم لغير القانون “.
وقد أكد ذلك أيضا إعلان القاهرة المنبثق عن المؤتمر الثاني للعدالة العربية المنعقد في فبراير 2003 والذي جاء فيه : “أن النظام القضائي المستقل يشكل الدعامة الرئيسية لدعم الحريات المدنية وحقوق الإنسان وعمليات التطوير الشاملة والإصلاحات في أنظمة التجارة والاستثمار والتعاون الاقتصادي الإقليمي والدولي وبناء المؤسسات الديموقراطية . وهناك مقولة معروفة “إذا كان العدل أساس الحكم، فإن استقلال القضاء هو أساس العدل “([4]).
عموما يحتل القضاء الصدارة الهامة في خضم الأوراش الكبرى والإصلاحات التي تعرفها المملكة ومن الأمور التي ما فتئت الفعاليات الحقوقية والسياسية تنادي بها باعتباره الضمانة الفعلية والحقيقية لتدعيم أسس دولة الحق والقانون وترسيخ مبادئ حقوق الإنسان كما هي متعارف عليها دوليا وتحقيق الأمن القضائي والسلم الاجتماعي والاستقرار السياسي للبلاد. وفي هذا الإطار كان الخطاب الملكي ل 20 غشت 2009 ([5]) قاعدة صلبة لتحقيق هذا الإصلاح المنشود وذلك إثر تجسيده وتطرقه لمجموعة من المبادئ والأهداف المتعلقة بإصلاح القضاء والتي شكلت خارطة طريق لإصلاح منظومة العدالة، خاصة فيما يتعلق بدعم استقلالية القضاء وتحديث المنظومة القانونية وتأهيل الهياكل القضائية والإدارية والبشرية وترسيخ التخليق.
وقد شكل أيضا الخطابين الملكيين لكل من 8 كتوبر 2010 والخطاب التاريخي ل 9 مارس 2011 إضافة متقدمة في مسار إصلاح منظومة العدالة ببلادنا وذلك من خلال التأسيس لمفهوم جديد للإصلاح ألا وهو: “القضاء في خدمة المواطن “، وكذا الارتقاء بالقضاء إلى سلطة مستقلة بجانب السلطتين التشريعية والتنفيذية وحماية الحقوق والحرص على احترام القوانين.
ونتيجة لهذا المسار التصاعدي الذي عرفته منظومة العدالة بالمغرب من خلال هذه الخطب الملكية وكذا الحراك الشعبي الذي تشهده البلاد توج ذلك بصدور دستور جديد بمقتضى ظهير 29 يونيو 2011 ([6]) .
وقبل الخوض في تحديد مظاهر استقلال القضاء في الدستور الجديد، لابد أولا من الوقوف عند الوضعية الراهنة للقضاء ومحاولة رصد بعض معوقاته.
- بعض مظاهر الخلل في المنظومة القضائية المغربية
لقد اعتبرت الجمعية المغربية لحقوق الإنسان في تقريرها السنوي الأخير أن القضاء يظل سببا من أسباب الانتهاكات اليومية لحقوق المواطنين كما أن القضاء المغربي ظل مستهدفا بقوة من طرف الانتقادات الصادرة عن الأحزاب السياسية وجملة من التقارير الأجنبية الرسمية وغير الرسمية التي وقفت على مناطق الفساد واعتبرت قطاع العدالة بالمغرب من أشد القطاعات التي تعرف انتشار بؤر الفساد التي تقف في طريق تكريس الانتقال الديمقراطي الفعلي ببلادنا. وقد تأكدت هذه الصورة السلبية لقضائنا في عيون الخارج وما يترتب عليها من خسائر وهدر للفرص على المستوى الاقتصادي، إذ أن المستثمرين يفضلون عدم المغامرة في بلد يعم الفساد والرشوة قطاعه القضائي.
علاوة على عدم الإقرار بأنه سلطة مستقلة عن باقي السلط، يعانى جهازنا القضائي الكثير من المعوقات والاختلالات التي ساهمت بشكل كبير في النيل من نجاعة العدالة وفقدان المتقاضي الثقة في القضاء ورجاله ويمكن إجمالها في ما يلى:
– وقوع قضاءنا تحت وطأة التعليمات.
– خضوع المجلس الأعلى للقضاء لتعليمات وزارة العدل ومحدودية صلاحياته كما أنه كان ولمدة ليست باليسيرة بصيغة المذكر دون أي تمثيلية نسائية. فهذا المجلس لا يملك أي استقلال إداري أو مالي عن هذه الوزارة كما لا يتوفر على ميزانية خاصة به كما أنه ظل بعيدا عن ممارسة الوظيفة المسندة إليه صراحة بسبب طابعه الاستشاري.
– يعتبر وزير العدل بفعل الأمر الواقع الرئيس الفعلي للمجلس وهو الذي يتولى تدبير مشوار القضاة المهني وهو كذلك الرئيس المباشر للنيابة العامة.
– من المفيد التذكير بأن الخطاب حول استقلال القضاء أو النقاش حوله هو خطاب موجه بالأساس إلى الدولة لاتهامها باستغلال القضاء في قضايا سياسية وعدم إعطاءه الحرية في إصدار الأحكام وفق ما يتبين له. وما كان يعزز هذا الاتهام هو أن سلطة التعيين وسلطة العزل هي بين يدي الملك الذي يترأس المجلس الأعلى للقضاء من جهة وبين يدي وزير العدل الذي ينوب عنه في هذه الرئاسة من جهة أخرى. كما أن وزير العدل يعطيه القانون في الفصل 17 من النظام الأساسى للقضاء سلطة تتبع وتفتيش ثروة القاضي وزوجته وأبناءه القاصرين، بل وله الحق في تكليف مفتشين في تقدير تلك الثروة وهذا ما اعتبر من قبل عدة آراء أنه الوسيلة القاتلة التي تملكها الدولة للتحكم في القضاء. – ضعف التكوين القضائي والقانوني في المجالات الحديثة والقطاع التجاري والمالي والمصرفي.
– الإفراط في المركزية الإدارية المخلة بالفعالية القضائية رغم اختيار بلادنا للجهوية وضعف اللاتمركز.
– ضعف احترافية القضاة سيما في مجال الأعمال والاستثمار.
– عدم ملاءمة الكثير من النصوص القانونية والمسطرية لتطورات المجال الاقتصادي ومتطلبات عدالة القرن 21.
– غياب الوازع الديني والأخلاقي مما يجعل بعض القضاة عرضة سهلة للمساومات والتهديدات.
– غياب سياسة جنائية واضحة المعالم ومحددة المقاصد ومعروفة الأليات.
– غياب الطرق القضائية البديلة من وساطة وتحكيم وصلح والعقوبات البديلة.
– غياب الحوافز والاكتفاء المادي للعاملين في قطاع القضاء.
– صعوبة تنفيذ الأحكام وولوج المتقاضين إلى الخدمة القضائية وغياب جودة الأحكام.
– استمرار ضياع الحق في العدل المغربى ([7]).
وعلى مستوى سير المحاكم نلاحظ هشاشة كفاءة القضاة في بعض المجالات مثل حقوق الإنسان والتجارة الدولية والتأمين الاجتماعي، صعوبة الأوضاع المادية لكتاب الضبط مما يضر باستقلاليتهم عن رئاسة المحكمة وعن القضاة، غياب تنظيم محكم بخصوص اعتماد الخبراء ومراقبتهم وتحيين جداولهم إضافة إلى تزايد عدد القضايا الرائجة والمتراكمة عبر السنين مع نقص في عدد القضاة وارتفاع تكلفة الصوائر القضائية أمام المجلس الأعلى للقضاء. أما على مستوى تنفيذ الأحكام القضائية فنجد عدم فعالية نظام التنفيذ في المغرب وافتقار طرقه ووسائله إلى النجاعة الكافية فضلا عن تكلفته ومصاريفه المتزايدة.
إضافة إلى صعوبة تنفيذ الأحكام الصادرة في مواجهة شركات التأمين أو ضد أشخاص القانون العام. كما أن هيئة أعوان وموظفي التنفيذ تظل عاجزة بسبب قلة العاملين والإمكانات المادية([8]).
إن إشكالية استقلال القضاء بما يفيده ذلك من غياب الحياد والشفافية وسيادة منطق التعليمات، يعتبر من العلامات البارزة لمشكل القضاء في النموذج المغربي. إلى جانب ذلك يمكن تجميع مشاكل القضاء في خانتين اثنتين، الأولى يمكن ربطها بوسائل القضاء المادية والبشرية والتي تعرقل السير الطبيعي والدور القانوني والعملي للسلطة القضائية، وتتمثل إجمالا في وضعية المحاكم والنقص الحاصل في عدد القضاة وتأهيلهم، وأيضا في دور الجسم المساعد للقضاء من محامين وخبراء وعدول وموثقين، إلخ، الأمر الذي يؤدي إلى تراكم الملفات والتأخير سواء في البت أو التنفيذ.
أما مشاكل الخانة الثانية للقضاء فهي ترتبط بعمل القضاء المسطري والإجراءات وتتمثل في جانب هام منها في طول المدة التي يستغرقها البث في القضايا مع طول وتعقد المساطر وعدم استقرار الاجتهاد القضائي وتأثير ذلك على الأحكام وتعطل إجراءات تنفيذها([9]).
وبالنظر لخطورة هذه المشاكل تعالت أصوات عديدة داخل المغرب وخارجه لإصلاح منظومة القضاء، فما التطورات التي عرفها هذا الملف وما الجديد الذي أقره دستور 2011؟
- دستور 2011([10]) واستقلال السلطة القضائية
إصلاح القضاء إشكالية مطروحة منذ الاستقلال كما أن هناك إجماع على أن أحوال منظومتنا القضائية تدهورت وتحولت إلى نقطة سوداء. وقد قرأ الكثيرون تمحور الخطاب الذي ألقاه جلالة الملك تخليدا للذكرى 56 لثورة الملك والشعب حول العدالة، كتعبير على أن إصلاح القضاء هو العاكس للرغبة الحقيقية في التغيير المتوخى في بلادنا منذ مدة طويلة. هذا أمر قيل عنه الكثير ونبه إليه العديدون، فماذا استجد في هذا النطاق؟
من بين المرتكزات الأساسية التي أشار إليها الخطاب الملكي لتاسع مارس ضرورة الارتقاء بالقضاء ليصبح سلطة مستقلة مع تعزيز صلاحيات المجلس الدستوري لتوطيد سمو الدستور وسيادة القانون وضمان المساواة معه.
فقد تقرر إحداث المجلس الأعلى للسلطة القضائية برئاسة الملك وهذه إشارة إلى أن المغرب سيدخل مرحلة فصل السلط. لقد كرس الدستور الجديد استقلالية سلطة القضاء بعد أن تقرر إبعاد السلطة التنفيذية عنه، فوزير العدل جرد من عضويته في المجلس الأعلى للقضاء وأيضا رئاسته، مقابل ذلك تمت إحالة جميع الصلاحيات والسلط المتعلقة بقضايا القضاة إلى هذه المؤسسة. وبمقتضى الدستور الجديد وقع الاعتراف بالقضاء كسلطة دستورية على غرار باقي السلط، بحيث أن الأحكام ستصدر عن جميع المحاكم باسم الملك والقانون ([11]).
ولفهم هذه المستجدات سنحاول رصد بعض مظاهر الاستقلالية كما كرسها الدستور الجديد وذلك على مستوى المجلس الأعلى للقضاء، على مستوى صلاحيات وزير العدل، على مستوى الضمانات الممنوحة للقضاة ثم على مستوى العلاقة التي أصبحت تربط المؤسسة الملكية بالقضاء.
– المجلس الأعلى للسلطة القضائية وحدود صلاحيات وزير العدل
لقد أورد الدستور الجديد في الباب السابع منه وخصوصا الفصل 107 على أن السلطة القضائية مستقلة عن السلطتين التشريعية والتنفيذية وأن الملك هو الضامن لهذه الاستقلالية.
من هنا نستشف أن المشرع الدستوري ارتقى بالقضاء إلى سلطة قضائية قائمة ومستقلة الذات عن السلط الأخرى متداركا بذلك الفراغ القانوني في دستو 1996الذي كان ينص في فصله 84 على أن :
“القضاء مستقل عن السلطة التشريعية ” وبالتالي فإنه لم يتم اعتماد القضاء هنا كسلطة مستقلة بل تمت الإشارة إلى القضاء كوظيفة من وظائف الدولة ([12])، وقد اعتبر بعض رجال القانون والسياسة بأن هذا الدستور الجديد محطة متميزة في مسار إصلاح القضاء بالمغرب وقد نتج عن هذا التأصيل والارتقاء بالقضاء كسلطة ، توسيع صلاحيات المجلس الأعلى للقضاء الذي أصبح يسمى بمقتضى هذا الدستور بالمجلس الأعلى للسلطة القضائية وحسب منطوق الفصل 115 من الدستور: “يرأس الملك هذا المجلس ويتألف من الرئيس الأول لمحكمة النقض رئيسا منتدبا، الوكيل العام للملك لدى محكمة النقض ، أربع ممثلين لقضاة محاكم الاستيناف ينتخبهم هؤلاء القضاة من بينهم . ويجب ضمان تمثيلية النساء القاضيات من بين الأعضاء العشرة بما يناسب مع حضورهم داخل السلك القضائي، الوسيط، رئيس المجلس الوطني لحقوق الإنسان، خمس شخصيات يعينها الملك مشهود لها بالكفاءة والتجرد والنزاهة والعطاء المتميز في سبيل استقلال القضاء من بينهم عضو يقترحه الأمين العام للمجلس العلمي الأعلى.
ومن خلال هذه التركيبة الجديدة للمجلس الأعلى للسلطة القضائية، نستشف عدم وجود وزير العدل في التشكيلة الجديدة للمجلس مما يؤكد نوعيا على مبدأ فصل السلط الذي يسعى الدستور الجديد إلى تكريسه.
ومن خلال رئاسة الملك للمجلس الأعلى للسلطة القضائية أصبح يكرس التمثيلية لجميع مكونات الجسم القضائي بالمغرب، عكس دستور 1996 الذي اضطلع فيه وزير العدل بمهمة نائب رئيس المجلس الأعلى للقضاء الشيء الذي جعله يؤثر في السياسة القضائية سلبا وإيجابا ويتمتع بسلطات واسعة فيما يخص تأديب القضاة وترقيتهم وتنقيلهم وما إلى ذلك من صلاحيات تبوئه منزلة الإشراف على الجهاز القضائي برمته.
إذا كان لوزير العدل وفق دستور 1996 وضعا اعتباريا ومحوريا في صناعة السياسة القضائية، فإنه وفي دستور 2011 أصبح مقصيا ولم يدخل قط في التركيبة البشرية للمجلس الأعلى للسلطة القضائية، حيث حل محله الرئيس الأول لمحكمة النقض بصفته رئيسا منتدبا ويتولى تدبير شؤون القضاة طبقا لمقتضيات الفصل 113 و 116 من الدستور. ومن حسنات هذا الدستور أنه أتى بجملة من الضمانات لفائدة استقلالية القضاة تم التنصيص عليها في الفصول 107 و 108 و110و111، حيث يمنع التدخل في القضايا المعروضة على أنظار المحاكم من خلال التأثير على القاضي في شكل أوامر وتعليمات أو أي شكل من الأشكال التي من شأنها إخضاعه.
إن دستور 2011 أحدث تحولا مهما على هذا المستوى، إذ لم يكتف بإزالة وزير العدل من المجلس الأعلى للسلطة القضائية، وإنما خلق مؤسسة جديدة خلافا لتلك المنصوص عليها في الفصل 86 من دستور 1996 في النقطة المتعلقة بمن يمثل جلالة الملك في المجلس المذكور. فإذا كان الفصل 86 ينص على أن وزير العدل ينوب عن الملك، فإن الفصل 115 من دستور 2011 استغنى عن قاعدة النيابة وعوضها بقاعدة الانتداب في العلاقة مع رآسة الملك للمجلس الأعلى للسلطة القضائية.
ومن المعلوم أن القواعد القانونية المنظمة للنيابة هي قواعد لا تسمح للنائب إلا بمجال ضيق للتصرف بخلاف الشخص المنتدب، فإن مجال تحركه يكون أوسع وبالتالي فإن مسؤوليته تكون أكبر.
ولهذا حذفت كلمة نيابة من صياغة الفصل 115 وحلت محلها كلمة الرئيس المنتدب علما أن هذا الأخير لا لون حزبي له ولا يحق له أن يكون له ذلك بمقتضى الفصل 111 من الدستور.
كما أن سلطة مراقبة ثروة القاضي التي كانت من صلاحيات وزير العدل انتقلت إلى مؤسسة دستورية أخرى وهى المجلس الأعلى للحسابات، حيث تنص الفقرة الأخيرة من الفصل 147 من الدستور أن من مهام ذلك المجلس تتبع التصريح بالممتلكات بينما لم يجعل الدستور لهذه القاعدة أي استثناء، مما يعنى أن التصريح بممتلكات القاضي وزوجته وأولاده القاصرين ستصبح من اختصاص المجلس الأعلى للحسابات مثلهم مثل باقي المسؤولين والمنتخبين في الدولة ، خلافا لما كان عليه الأمر في القانون الحالي المتعلق بالتصريح بممتلكات القضاة ، الذي يجعل تلقى وتتبع هذه التصريحات من اختصاص أعضاء في المجلس الأعلى للقضاء.
وإذا تذكرنا بأن دستور 2011 أصبح يلزم المجلس الأعلى للسلطة القضائية ببعث تقرير سنوي عن نشاطه إلى مجلس النواب، سنلاحظ مدى المسافة بين السلطة التنفيذية والسلطة القضائية. ومدى مراقبة الأمة للعمل القضائي. فاستقلال القضاء إذن سيأخذ وجها آخر لن يتجه النقاش حوله للدولة كما كان عليه الحال سابقا، وإنما سيتوجه إلى المؤسسة القضائية والقاضي الذي حماه الدستور من أي تدخل في مجاله عملا بمقتضيات الفصل 109 من الدستور الجديد([13]).
ب – موقع القاضي في الدستور الجديد
يتجلى مبدأ استقلال القضاء أيضا على مستوى الفاعلين الأساسيين في منظومة العدالة ونعنى بذلك القضاة. فمن خلال الفصل 109 من الدستور الجديد نجده ينص على أنه: “يمنع كل تدخل في القضايا المعروضة على القضاء، ولا يتلقى القاضي بشأن مهمته القضائية أي أوامر أو تعليمات ولا يخضع لأي ضغط ” وفي الفقرة الثانية من نفس الفصل أوجب على القاضي أنه كلما أحس بأن استقلاله مهددا أن يحيل الأمر على المجلس الأعلى للسلطة القضائية.
كما اعتبر هذا الدستور أن كل إخلال من القاضي بواجب الاستقلال والتجرد يعد خطأ مهنيا جسيما بصرف النظر عن المتابعات القضائية المحتملة، حيث تم التنصيص في نفس الفصل على أنه: “يعاقب القانون كل من حاول التأثير على القاضي بكيفية غير مشروعة “. لا شك أن الدستور في أوامره المتعلقة بالسلطة القضائية لم يضمن فقط استقلال القضاة، بل أرسل إليهم كذلك إشارات صارمة تفيد بأن القاضي ملزم بتطبيق القانون وإصدار أحكامه وفق القانون([14]) .
وإذا كان لوزير العدل كنائب لرئيس المجلس الأعلى للقضاء في الدستور السابق سلطات واسعة فيما يخص المسار المهني للقاضي، حيث عهد إليه بكل ما يتعلق بنقلهم وترقيتهم وتأديبهم بما في ذلك من تأثير سلبى على هؤلاء، فإنه بمقتضى الدستور الجديد، أصبح وزير العدل مقصيا من هذا المجال ، على الأقل حسب ما يفهم من نصوصه ، حيث ألحقت جميع الصلاحيات المتعلقة بالحياة المهنية للقضاة بالمجلس الأعلى للسلطة القضائية ، الذي أصبح يهتم بتطبيق الضمانات الممنوحة لهم ولا سيما في ما يتعلق بتعيينهم، نقلهم ، ترقيتهم وتأديبهم كما نص على ذلك الفصل 113 من دستور 2011 بل أضاف الفصل 114 ضمانة أخرى وهى أن المقررات المتعلقة بالوضعيات الفردية الصادرة عن المجلس الأعلى للسلطة القضائية قابلة للطعن بسبب الشطط في استعمال السلطة أمام أعلى هيئة قضائية إدارية بالمملكة. كما يجب أن لا ننسى الفصل 108 الذي أحاط عقوبة عزل القضاة وسلطة تنقيلهم بضمانة هامة وهى القانون: “لا يعزل قضاة الأحكام ولا ينقلون إلا بمقتضى القانون”.
ومن المستجدات التي جاء بها دستور 2011 والتي تصب أيضا في مجال تعزيز استقلالية السلطة القضائية تحرر القضاة وتمكينهم من فضاءات أوسع لتفجير مواهبهم المهنية والعلمية حيث نجده ينص في فصله 111 على حقهم في التعبير وذلك في حدود واجبات التحفظ والأخلاقيات القضائية وكذا تنصيصه على حقهم في الانتماء إلى جمعيات وإنشاء جمعيات مهنية، كل ذلك ضمن حدود احترام واجب التجرد والاستقلال ولتعزيز مبدأ الاستقلالية والتجرد في إصدار الأحكام ثم منعهم من الانتماء إلى الأحزاب السياسية والمنظمات النقابية([15]).
وأهم مظاهر هذه الاستقلالية إحداث نادي للقضاة، وهو ليس جمعية كباقي الجمعيات بل هو مشروع كبير ووازن، يستجيب لطموح ثقافي وقانونى ومجتمعي ومهني لطالما انتظره القضاة أولا والمغاربة عامة والقانونيون والمحامون والفاعلون الحقوقيون منذ عشرات السنين، إيمانا منهم أن إطارا مستقلا للقضاة بدون خلفيات ولا حسابات ولا ولاءات فيه حماية للقضاة وضمان لاستقلاليتهم وقوة تحميهم في مسؤولياتهم ومهامهم ومنبرا للرأي والحوار بدون قيد أو شرط ولا ضغط ولا أوامر أو تعليمات.
وهذا الاختيار الذي كان محظورا عليهم شكل أكبر حاجز مادي ونفسى ومعنوي أمامهم لإبراز كفاءاتهم المواطنة، قد تعاملوا مع تجاوزه بذكاء لما استلهموا من مقتضيات الدستور في باب ضمانات القضاة الحل الذي لا يبقى معه للسلطة أي حق في مقاومة اختيارهم. إن القضاة وهم يؤسسون نادي القضاة يدركون أن استقلال القضاء لا بد له من بداية ومن مضمون ومن مجال من قواعد ومرجعيات ومن أليات، إنه في عمقه تفعيل لمضامين الدستور الجديد في مادته 111 ([16]).
ج – نطاق سلطات الملك في المجال القضائي
عندما نقرأ أو نحاول أن نفهم ما حمله دستور 2011 في مجال القضاء، نلاحظ أنه كان بالفعل جريئا وناقلا لهذه المؤسسة من وضعها الحالي إلى وضع أكثر تقدما بمفهوم أكثر مسؤولية. لا بد من الإشارة إلى أن محاولة مقاربة المفهوم الحقيقي للسلطة القضائية في دستور 2011 لا يتأتى فقط بالاطلاع على الفصول 107إلى 126من الدستور، وإنما لا بد من استحضار فصول أخرى منها الفصل 124 و125و 147و 148 وهى فصول تساعد على فهم بعض المقتضيات التي جاء بها الدستور الجديد.
أما فيما يتعلق بحجم المسافة بين سلطات الملك والسلطة القضائية، فيمكن القول بأن التحول الذي عرفته سلطات الملك في دستور 2011 في العلاقة مع الحكومة ومع رئيسها، لا يقتصر فقط على السلطة التنفيذية، وإنما يمكن ملاحظته كذلك في سلطة جد مهمة وفاعلة ومقررة في كل نظام ديمقراطي ألا وهى القضاء، ويمكن إجمال ذلك التحول في نوع من المسافة التي أخذتها سلطات الملك في علاقتها مع سلطات القضاء بالنظر لما كان عليه الأمر في دستور2011
وتتمظهر سمات تلك المسافة في تعيين القضاة، في عزلهم وكذا في مجال التفويض الموضوع على عاتقهم.
فمنذ دستور 1962 والقواعد الدستورية تحصر في اختصاص الملك سلطة التعيين وسلطة العزل، والجمع بين هاتين المهمتين كان له ما يبرره في الفقه الإسلامي المتمثل في كون القاضي إنما يمارس القضاء كجزء من التفويض الذي كان يتلقاه من أمير المؤمنين باعتباره القاضي بين جموع المؤمنين.
فالقاضي في منظور الدساتير السابقة إنما يمارس مهامه بالتفويض، لهذا كانت من أهم سمات التفويض أن الأحكام تصدر باسم الملك. كما أن المبرر الثاني في الجمع بين سلطة التعيين وسلطة العزل هو تطبيق القانون الوضعي على الخصوص في القضاء والفقه الإداريين فيما يعرف بتوازي السلطات، أي أن سلطة التعيين يجب أن تكون هي سلطة العزل. فلئن كان دستور 1996 ينص في الفصل 84على أن الملك يعين القضاة بظهير، فإن النظام الأساسي للقضاء ينص هو كذلك على أن عزل القضاة يتم بظهير وإن كان دستور 1996 ينص على ذلك.
فالتحول الذي حمله دستور 2011 هو تثبيت المسافة بين سلطة الملك في تعيين القضاة إلى جانب تخلى الملك عن سلطة عزلهم، كيف ذلك؟
وتتجلى مظاهر المسافة التي أقرها دستور 2011 بين سلطات الملك والقضاء فيما يلى:
- في مجال التعيين: نقرأ في الفصل 84من دستور 1996 ، أن الملك يعين القضاة بظهير شريف باقتراح من المجلس الأعلى للقضاء وهو ما يعنى أن سلطة التعيين هي مجال خالص ومحفوظ للملك يمارسه بمقتضى ظهير لا يوقع بالعطف مما يؤكد الطابع الحصري لاختصاص الملك في تعيين القضاة .
ومما يزيد في التأكيد أن مجال تعيين القضاة في دستور 1996 هو مجال خارج عن اختصاص المجلس الأعلى للقضاء، وهو ما ينص عليه الفصل 87 منه والذي حصر مهام هذا الأخير في ترقية القضاة وتأديبهم.
فما الوضع الذي يقدمه دستور 2011 في مجال تعيين وعزل القضاة ؟
إن ما سبق أن عبر عنه الأستاذ عبد الكبير طبيح بالمسافة التي سنها هذا الدستور يبرز في هذا المستوى وهو ما يظهر في مقتضيات الفصول 57 و 113 و 114 و 116 و 124 من دستور 2011. إن قراءة متأنية لهذه الفصول بالمقارنة مع الفصول 84 و 87 من دستور 1996 والفصل 60 من ظهير 1979 /11 /13 /تؤكد وجود هذه المسافة بين سلطات الملك والقضاء.
فبالرجوع إلى نص الفصل 57 من الدستور الجديد نلاحظ انه استعمل صيغة في غاية الدقة للتعبير عن تلك المسافة: “يوافق الملك بظهير على تعيين القضاة من قبل المجلس الأعلى للسلطة القضائية “.
فهذا الفصل أتى ليوضح أن اختصاص التعيين خرج من اختصاص الملك ودخل في اختصاص المجلس الأعلى للسلطة القضائية، وأن اختصاص الملك انحصر فقط في الموافقة على التعيين. كما أن اختصاص المجلس الأعلى حددته الفقرة الأولى من الفصل 113:” يسهر المجلس الأعلى للسلطة القضائية على تطبيق الضمانات الممنوحة للقضاة ولا سيما فيما يخص استقلالهم وتعيينهم وترقيتهم وتقاعدهم وتأديبهم، بينما الفصل 87 من دستور 1996 لا يعطى المجلس الأعلى للقضاء سلطة التعيين وإنما حصر اختصاصه في الترقية والتأديب، وكل هذا يبين المسافة التي أقرها الدستور الجديد بين سلطات الملك وبين اختصاصات المجلس الأعلى للسلطة القضائية وهو إعلان واضح عن تحول جد مهم في العلاقة بين سلطات الملك واختصاصات القضاء.
- في مجال العزل: هنا ستظهر المسافة أكثر وضوحا أي في الجزاء التأديبي الأكثر خطورة والذي يضع القاضي خارج مجال القضاء، إذ هي تعبير عن عدم أهلية ذلك القاضي لممارسة القضاء فهي في عمقها إعدام مهني ووظيفي للقاضي، هذا الجزاء الخطير لم يكن يدخل في اختصاص المجلس الأعلى للقضاء بل أن الفصل 60 من النظام الأساسي للقضاء جعله من الاختصاص الخاص للملك ما دام أن العزل يصدر بظهير. غير أن دستور 2011أحدث قاعدة جديدة هي اكثر عدلا من تلك المنصوص عليها في الفصل 60 من النظام الأساسي للقضاء وهى القاعدة المذكورة في الفصل 114 من الدستور والتي ورد فيها: “تكون القرارات المتعلقة بالوضعيات الفردية الصادرة عن المجلس الأعلى قابلة للطعن بسبب الشطط في استعمال السلطة أمام أعلى هيئة قضائية إدارية بالمملكة “.
هذه القاعدة الجديدة المتمثلة في الحق في الطعن في القرارات الصادرة عن المجلس الأعلى للسلطة القضائية المتعلقة بالوضعية الفردية للقضاة هي إلى جانب أنها أتت استجابة لمطلب مشروع طالما طالب به القضاة لأجل إفساح المجال للقاضي المعنى للطعن في قرار يمس به أمام هيئة أخرى، فإنه يؤكد حجم المسافة المتحدث عنها سابقا.
إن مجال عزل القضاة أصبح خارج مجال سلطات الملك ما دام أن القاضي المعنى بقرار العزل من حقه الطعن فيه أمام أعلى هيئة قضائية علما أن المسطرة المدنية تسمح بالطعن بالنقض كما تسمح بالطعن بإعادة النظر في القرار الصادر بعد النقض. وهو ما يعنى أن القاضي في دستور 2011 أصبح من حقه سلوك مرحلتين للمنازعة في قرار المجلس الأعلى للسلطة القضائية. لكن السؤال الذي يطرح نفسه هو هل سينتظر الملك إلى أن تبث الهيئة القضائية الإدارية العليا في قرار العزل وبعد ذلك سيصدر ظهيرا ؟
إن المنطق السليم يدفع للقول بأن القانون التنظيمي المذكور في المادة 112 من الدستور لن يشترط في قرار العزل أن يكون بظهير خلاف المادة 60 من النظام الأساسي الحالي.
- في مجال الأحكام: إن المسافة المتحدث عنها سابقا لا تتجلى فقط في سلطة التعيين والعزل، وإنما يمكن قراءتها أيضا في مجال أكثر حساسية وتأثيرا في المجتمع وهو مجال إصدار الأحكام في النزاعات القائمة بين الأفراد أو الجماعات. فالقاضي عندما يريد أن يصدر مقررا قضائيا ما أمرا أو حكما أو قرارا يبدأ بالقول باسم جلالة الملك تطبيقا لنص الفصل 83 من دستور 1996: ” تصدر الأحكام وتنفذ باسم الملك “. وأحيانا قد يتخذ القضاء أحكاما غير مقبولة من قبل المتقاضين لأنها غير مطابقة للقانون مما يدفع إلى الاحتجاج ضدها ووصفها بالأحكام الظالمة فكيف نتصور أن يكون حكم صادر باسم جلالة الملك حكما ظالما؟
لقد أتى دستور 2011 ليقتحم جوهر الإشكال ويأخذ الموقف السليم في هذا الخلاف، فنص في الفصل 124 منه على مقتضى يغير شكلا ومضمونا ما كان ينص عليه الفصل 84 المذكور: “تصدر الأحكام وتطبق باسم الملك طبقا للقانون “، وهو ما يعنى أنه بعد دخول دستور 2011 حيز التنفيذ فإن القضاة لن يستهلوا أحكامهم بجملة “باسم جلالة الملك ” وإنما يتعين عليهم أن يستهلوها ” باسم جلالة الملك وطبقا للقانون “.
إن من هذه الصياغة والتغيير الذي حمله الفصل 124 هو التأكيد على أن الأحكام التي تنسب للملك وتحمل اسمه يجب أن تكون مطابقة للقانون وهذا ما يجعل القاضي يتحمل مسؤولية كبيرة قبل إصداره أي حكم باسم جلالة الملك إذا لم يكن مطابقا للقانون.
وهكذا نرى أن دستور 2011 يضع قضاء اليوم في وضعية المسؤولية الكاملة في مجالات التعيين والعزل وتدبير الأحكام، أي أنه يسن مفهوما دستوريا جديدا لاستقلال القضاء([17]).
إن التقدم الذي أحرزه مسلسل إصلاح القضاء بالمغرب بفضل الدستور الجديد يعد لبنة أساسية في صرح العدالة بالمغرب.
بصفة عامة يعد مبدأ الاستقلالية القضائية من المبادئ الاستدلالية للحكامة القضائية بجانب مبادئ النزاهة والكفاءة والفعالية القضائية، التي تسعى كلها إلى جعل مقاربة إصلاح القضاء مقاربة حكماتية ذات بعد شمولي ومجتمعي واستراتيجي ولا تهم فقط جانبا أو مؤسسة معينة كيفما كان موقعها، بل تجعل الإصلاح في هذا المجال الحيوي شأنا اجتماعيا يخدم مبادئ العدالة ودولة الحق والقانون.
- حدود وأبعاد استقلال القضاء بالمغرب
إن القضاء وإن تم الارتقاء به على مستوى المصطلح إلى سلطة، فإنها تبقى سلطة مشوبة بعدد من عوامل اللاتوازن من خلال رئاسة الملك لما يسمى بالمجلس الأعلى للسلطة القضائية والنص على صلاحياته في تعيين خمسة من أعضاء هذا المجلس من خارج رجال القضاء، وهذا قد يلتمس له مبررا في كون الملك هو الضامن لاستقلالية القضاء حسب الفصل 107من الدستور، لكنها صلاحيات مرفوضة مبدئيا اعتبارا لكونها ألية تخل باستقلالية السلطة القضائية.
كما أن الأحكام لازالت تصدر وتنفذ باسم الملك رغم أن النص أضاف عبارة “طبقا للقانون ” التي لا معنى لها في هذا السياق، زد على ذلك أن الملك يوافق بظهير على تعيين القضاة من قبل المجلس الأعلى للسلطة القضائية وهذه الموافقة ليست مجرد إجراء شكلي.
ونشير أيضا إلى أن القانون التنظيمي الذي يتداول في المجلس الوزاري الذي يرأسه الملك هو الذي سيحدد طريقة انتخاب وتنظيم وسير المجلس الأعلى للسلطة القضائية والمعايير المتعلقة بتدبير الوضعية المهنية للقضاة ومسطرة التأديب([18]).
وبالرغم من أهمية الإصلاحات الدستورية، فالكل يحذوه أمل كبير في أن يتولى المجلس الأعلى للسلطة القضائية بشكل فعلى، تدبير شؤون القضاء حتى تتم القطيعة مع ذلك الماضى الذي كان يتحكم فيه وزير العدل بصفته عضوا في السلطة التنفيذية في كل المجالات القضائية بما في ذلك تعيين القضاة وترقيتهم وتأديبهم وتحديد اختصاصاتهم ورواتبهم وتعويضاتهم وإحالتهم على التقاعد، كما يجب إبعاد وزير العدل بالمرة عن تسيير شؤون القضاء خصوصا تحمل مسؤولية تنفيذ السياسة الجنائية للمملكة التي تسندها له المادة 51 من قانون المسطرة الجنائية ، وأن ينحصر دور وزارة العدل في توفير وتهيئة البنايات وتوظيف المساعدين وتأطيرهم ، وتوفير وسائل العمل دون التدخل في سير المحاكم وعمل القضاة ، مع ضرورة تغيير اسمها على اعتبار أن المجلس الأعلى للسلطة القضائية هو الذي ينبغي أن يناط به أمر العدالة وتحقيقها([19]).
فالاستقلال الكامل للسلطة القضائية يعنى أنه لا يجوز باسم أية سلطة سياسية أو إدارية أو أي نفوذ مادي أو معنوي التدخل في أي من أعمال القضاء أو التأثير عليه بأي شكل من الأشكال ، لكن يلاحظ أنه لا زالت هناك بعض المحاكمات والأحكام القضائية بالمغرب تثير استغراب الحقوقيين والمهتمين بشؤون القضاء فضلا عن المعنيين المباشرين بها ويحدث ذلك بصفة خاصة في قضايا لها علاقة بالحياة السياسية أو بالأمن العام أو بممارسات بعض المسؤولين في الدولة أو في المتابعات التي تطال بعض الصحف مما يجعل استقلال القضاء المغربي موضع تساؤل كبير لدى الرأي العام على الصعيدين الوطني والدولي.
ورغم أن السلك القضائي في المغرب يضم الكثير من القضاة الأكفاء والنزهاء، فإن ما يجري في المحاكم وما يقترفه عدد من المرتشين والمنحرفين يسئ إلى سمعة القضاء بصفة عامة ولا يمنح الاطمئنان للمتقاضين على مصالحهم وحقوقهم ولا يبعث على ثقة المواطنين والمستثمرين المغاربة والأجانب وما ينجم عن ذلك من انكماش اقتصادي واستفحال للبطالة ([20]).
وكثيرا ما استعمل القضاء لتصفية حسابات سياسية أو زج به في الصراع السياسي ويوضع سيفا على رقاب الذين يفضحون التجاوزات والممارسات المشينة لمسؤولي سنوات الجمر والرصاص وكان يحدث ذلك رغم أن الدستور ينص على استقلال القضاء.
وبالرجوع إلى ظهير 11 نونبر 1974 المتعلق بالنظام الأساسي لرجال القضاء، يلاحظ أن عنوانه غير مستساغ باعتبار أن هناك كذلك نساء قاضيات كما أن مقتضيات هذا النظام لم تصدر كقانون عن السلطة التشريعية رغم أن الدستور يجعل سن هذا النظام من اختصاص البرلمان وذلك فضلا عن كونه لا يوفر الضمانات الكافية لرجال ونساء القضاء ضد النقل والعزل ويمنح لوزير العدل سلطة واسعة في هذا المجال ولا يسمح للقضاة بالتكوين أو الانضمام لهيئات نقابية تتولى الدفاع عن حقوقهم المهنية ووزير العدل هو الذي يقترح كاتب المجلس الأعلى للقضاء ويقترح من يعوضه في حالة غيابه . والعقوبات التأديبية على الملحقين القضائيين تصدر عن لجنة يرأسها وزير العدل كما تصدر عقوبات القضاة بقرار لوزير العدل ولائحة الترقي يعدها ويحصرها سنويا وزير العدل مما يجعل الحياة المهنية للقضاة تحت رحمة وزارة العدل أي السلطة التنفيذية، الأمر الذي يتنافى مع مبدأ استقلال القضاء المنصوص عليه في الدستور.
توجد مجموعة من الشوائب التي لا زالت تعتري الجسم القضائي والمتمثلة بالخصوص في تقليص حرية القضاة من خلال عدم الترخيص لهم بتأسيس نقابات مع السماح لهم فقط بإحداث جمعيات مهنية ومحدودية حرية النيابة العامة وعدم إنصاف المتقاضين في بعض المحاكمات. إن القضاء تشوبه عدة اختلالات تتجلى على الخصوص في ضعف فعالية وكفاءة الإدارة القضائية في التواصل مع المواطنين والاستجابة لطلباتهم بشكل سريع وفعال.
وحسب التقرير حول استقلال القضاء بالمغرب، فإن إصلاح القضاء تمليه مرحلة الانتقال الديمقراطي في المغرب والمتغيرات الدولية، حيث يقتضى ذلك إعادة بناء السلطة القضائية على قاعدة الشفافية لإعطاء مدلول حقيقي للإصلاح وإدخال إصلاحات على الهياكل المكلفة بإنفاذ القانون وتشكيل مجالس القضاة وهيآتهم الاجتماعية عبر انتخابات حرة ونزيهة والتصدي بحزم لكل ما من شأنه إعاقة سير العدالة([21]).
فضلا عن ذلك يتعين على القاضي الذي يحس بأن استقلاليته مهددة بمناسبة نظره في قضية من القضايا المعروضة عليه، أن يحيل الأمر على المجلس الأعلى للسلطة القضائية تحت طائلة ارتكابه خطأ مهنيا جسيما يعرضه لعقوبات تأديبية وقضائية مؤكدة. لكن هنا يطرح التساؤل حول المقصود بالأمر بالإحالة هل يقصد به إحالة القضية برمتها أم فقط توجيه مذكرة عن وقائع تهديد الاستقلالية مع حفظ القضية بالمحكمة مصدرة الأمر بالإحالة؟
وإذا كان الأمر مستشكلا إلى هذا الحد، فإن نفس الإشكال يظل أيضا مطروحا بالنسبة لطبيعة القضايا التي يمكن للقاضي إعمال الإحالة فيها، وهل يمكنه إحالة جميع القضايا سواء كانت مدنية أو جنائية أو غيرها؟ أم لا بد من توافر شروط معينة حتى تقبل الإحالة؟
على أية حال ، يمكن القول أن عدم تقييد هذه الإحالة بضوابط معينة سوف يكرس نوعا من انسيابية الملفات موضوع تهديد الاستقلالية على المجلس الأعلى للسلطة القضائية وهو ما سيستدعى جهدا بشريا مضاعفا على مستوى المعالجة القضائية ، فالقاضي المحيل للملف موضوع الشبهة يبذل عناية في التحقيق والتحري ونفس الشيء بالنسبة للقاضي المحال عليه والنتيجة هي أن الجهة المعنية بالنظر في هذا الملف إما أن تكون مؤهلة قانونيا للبت فيه قضائيا وفي هذه الحالة لا يطرح أي إشكال ، في حين تطرح صعوبة عندما يتعلق الأمر بتخلف شرط الأهلية القضائية لدى هذه الجهة وبالتالي هل سيتدخل المجلس الأعلى للسلطة القضائية بصفته الولائية أو القضائية أو الاستعجالية للبت في الأمر الصادر بالإحالة هذا؟
إن المشرع جانب الصواب حينما أثقل كاهل المجلس الأعلى للسلطة القضائية بقضايا عادة ما يختص القضاء العادي بالنظر فيها مجسدا في محاكم الدرجة الأولى والثانية التي تعمد إلى مراعاة مدى توافر الشروط الشكلية والموضوعية في الدعاوى المطروحة أمامها وبالتالي تطبيق القانون. أما عن محكمة النقض فالمسألة مقتصرة على ملاحظة مدى تطبيق القانون من طرف المحاكم الدنيا بصورة سليمة ومن ثم تصدر قرارا بالتأييد أو الرفض أو الإحالة ، لذلك نرى أن لا يتدخل المجلس الأعلى للسلطة القضائية للنظر في الأوامر بالإحالة ، لأن تدخله هذا سيخرج القضايا الصادرة فيها الأوامر بالإحالة من إطارها القضائي إلى إطار إداري محض وهو ما لا يستقيم تماما واعتبار المجلس المذكور درجة أعلى من درجات التقاضي لمخالفة ذلك للمنطق الذي يقوم على أهلية محكمة النقض للنظر في الأوامر بالإحالة خاصة مع ما يحققه ذلك من تفادي إرهاق المتقاضين بالصوائر سواء تلك المتعلقة بأتعاب المحامين أو بالرسوم القضائية وإحقاق السرعة المطلوبة للبت في القضايا المعروضة على أنظار القضاء بصفة عامة . لذلك يجب أن تكون محكمة النقض صاحبة الاختصاص للنظر في الأوامر الصادرة بالإحالة طبقا للمسوغات السالفة الذكر، وفي المقابل فإن دور المجلس الأعلى للسلطة القضائية يتعين أن يقتصر على بلورة السياسات القضائية بالتنسيق مع الأجهزة الحكومية خاصة فيما يتعلق بتوفير الموارد المالية والبشرية اللازمة لتأمين دوران عجلة الأمن القضائي ببلادنا، فضلا عن أن محكمة النقض لا ينبغي أن تظل أداة لتنفيذ كل ما يقرره المجلس الأعلى للسلطة القضائية ، بل يجب أن يسمع صوتها للمشاركة في صنع هذه السياسات القضائية خاصة وأن ناديا للقضاة تأسس للغرض نفسه وهو التعبير عن مواقف وآراء السادة القضاة في كل ما يتصل بالعدالة وتطويرها.
وإسناد الاختصاص لمحكمة النقض في ما يخص الأمر بالإحالة يروم النجاعة القضائية من خلال توافر شروط المحاكمات العادلة شكلا وموضوعا بضمان مرونة الإجراءات والمساطر القضائية التي أضحت إشكالية تقف حجرة عثرة أمام التنمية القضائية ([22]). يجب على المشرع أن يباشر مبادرات واسعة لتحيين القوانين الإجرائية بما ينسجم ومتطلبات العصر الجديد، بحيث كما النموذج المسطري الذي نحن بصدده وهو أن يظل المجلس الأعلى للسلطة القضائية بعيدا عن النظر في الأمر بالإحالة لما لذلك من مساوئ تحسب ضد العدالة المغربية. وإذا كان شرط الاستقلالية أساسيا بالنسبة للقضاء والقضاة فماذا عن شرط النزاهة؟
إن الأمر لا يتعلق بفصل الأجهزة بعضها عن بعض وإنما يتعلق بأمور يتداخل فيها ما هو بيئي وثقافي وعلمي وخصوصا الأخلاقي، فالقاضي هو المؤسس الحاسم لضمير شخصية قضائية متوازنة قوامها إرساء الأمن والعدل القضائي بين المتنازعين دون محاباة أو تحيز.
وإذا كنا ننوه بمستجدات الدستور المغربي الجديد الذي نص صراحة على استقلالية السلطة القضائية، فإن ضمانات هذه الاستقلالية هي بحاجة ماسة إلى التفعيل، كما أن أداء الرسالة السامية للقضاء بكل نزاهة وتجرد تقتضى بالضرورة، أن يكون القاضي محصنا ذاتيا في مواجهة كل مظاهر التأثير والإغراء لاسيما سلطة المال والنفوذ والمحسوبية، ومحصنا أيضا في مواجهة سلطة الإعلام. هذا الأخير الذي قد يحيد عن دوره الأساسي في نقل المعلومة وتوعية المواطن إلى وسيلة للتأثير على الرأي العام والضغط على الهيئات القضائية التي تبت في بعض القضايا موضوع التغطية الإعلامية([23]).
إنه لضمان الاستقلال التام للقضاء وتحصينه في مواجهة الضغوط والمغريات وضمان نزاهته وفعاليته، لابد من اعتباره سلطة قائمة بذاتها وتوفير الشروط المادية والمعنوية الضرورية لحسن سير العمل القضائي وتوفير الضمانات الكافية لتنفيذ الأحكام والقرارات القضائية في مواجهة كل الجهات التي يحكم ضدها على قدم المساواة وإسناد كل ما يتعلق بتسيير الجهاز القضائي إلى هيئة عليا تتكون من القضاة أنفسهم ولا تتدخل في شؤونها أي سلطة أخرى ولا أي جهة من خارج القضاء. وتتولى هذه الهيئة البت في الوضعيات الإدارية والمادية للقضاة بجميع مستوياتهم واتخاذ القرارات المتعلقة بترقياتهم أو بتغيير أماكن عملهم أو بتأديبهم عندما يثبت لها ما يدعو لذلك دون أن يكون لأي سلطة أخرى حق التدخل أو التأثير أو التوجيه لا في تسيير الجهاز القضائي ولا فيما يزاوله القضاة من عمل وما يصدرونه من أحكام . كما يجب أن تسهر نفس الهيئة على أن توفر للقضاة الظروف الملائمة والوسائل المادية والمعنوية التي تصون كرامتهم وتحصنهم في مواجهة أي أفراد أو تأثير يمكن أن يمارس عليهم من لدن ذوي النفوذ أو المال أو الجاه.
يظهر أن استقلالية القضاء ليس امتيازا للقضاة بقدر ما هو مسؤولية وتكليف تترتب عنه في مواجهة القاضي التزامات عديدة تطوقه بواجبات حماية حقوق الناس وممتلكاتهم حيث لا يمكن حماية الحقوق دون وجود قضاء مستقل ساهر على حسن سير العدالة كما جاء في وثيقة الرباط حول أخلاقيات وسلوك القاضي العربي.
إن القيم الأخلاقية باتت اليوم إحدى المتطلبات الأساسية للإصلاح القضائي، كما أنها أصبحت تشكل المنطلق الأساسي لكل عملية تحديث وعنصر أساسي وجوهري في عملية تغيير المجتمع وتطويره وبدون تثبيتها وترسيخها لا يمكن الوصول إلى تحقيق الإصلاح القضائي المنشود الذي يعد عماد كل تنمية وتطوير ([24]).
كما تجدر الإشارة أن أداء مرفق القضاء لدوره على الوجه الأكمل يرتبط ارتباطا وثيقا بالإدارة القضائية، إذ أن دور القاضي لا يمكن أن ينحصر فيما يتعلق بإصدار الأحكام أو الأوامر أو القرارات أي البت في القضايا، وإنما يمتد إلى تلك المراحل السابقة والتي تتمثل في إعداد الملفات والقضايا وتدبيرها وإلى تلك العناصر البشرية المتمثلة في الأطر الإدارية المشكلة للجهاز القضائي والتي يجب الاهتمام بوضعها وتحسين تدبير أمورها، دون أن ننسى ضرورة العناية بالوافدين على المحاكم وتحسين أليات التواصل معهم ([25]).
خلاصة القول أن إصلاح العدالة يعتبر اختيارا لا رجعة فيه، وهو كان وما يزال موضوع توافق الجميع من أحزاب سياسية ونقابات ومنظمات وهيآت حكومية وغير حكومية ومن عامة المواطنين والمتقاضين، إذ يطالب الجميع بحقه في عدالة مستقلة، فعالة متطورة، مؤهلة ذات كفاءة مهنية وبعيدة عن الشبهات، عدالة تحقق القرب وتدعم التواصل.
لذلك فإن الإصلاحات المنشودة في موضوع استقلال القضاء في هذه المرحلة لا تنحصر في تعديلات دستورية لتأكيد المبدأ وإنما ينبغي أن تشمل تغييرات جوهرية للقوانين المتعلقة بالجسم القضائي وفي مقدمتها النظام الأساسي لرجال القضاء([26]) والذي يتضمن مقتضيات لا تنسجم نهائيا مع روح الدستور الجديد وتوجهاته الرامية إلى تعزيز ضمان استقلال السلطة القضائية وتوفير الضمانات والوسائل الضرورية لترجمة المبدأ إلى واقع.
إن المغرب في حاجة لولوج عهد جديد تكون ميزته إقامة ديمقراطية حقيقية لا تنحصر في ترديد الشعارات وكتابة بعض المبادئ في الدستور، وإنما ديمقراطية تتبلور من خلالها سيادة الشعب ودولة المؤسسات التي تكون فيها السلطة القضائية مستقلة وبعيدة عن أي تأثير لتضطلع بدورها كضمانة أساسية لاحترام حقوق الإنسان وحماية الحريات الفردية والجماعية وإقامة العدل في المجتمع في ظل المساواة وسيادة القانون ([27]).
إن إصلاح القضاء بالنسبة للمغرب ضرورة حيوية وإن كان يجب أن يأخذ بعين الاعتبار التجارب الأجنبية التي أثبتت فعاليتها، فإنه يتعين أن يستند أساسا على تاريخنا وثقافتنا وإرثنا القانوني وتطلعاتنا المستقبلية.
[1] مداخلة في اليوم الدراسي المنظم بكلية الحقوق بمكناس تحت عنوان: “دستور 2011 وإشكالية الديمقراطية بالمغرب “.
[2] عبد الكريم النطفاوى ، رأي فقهى في الفصل 107 من الدستور الجديد www.agapress.com
[3] انظر المذكرة التي قدمتها المنظمات الحقوقية بشأن إصلاح القضاء بالمغرب، يونيو 2010.
[4] استقلال القضاء وسيادة القانون .www. elalami. net
[5] لقد أكد جلالة الملك منذ توليه العرش على ضرورة إصلاح القضاء وتحديثه ويظهر ذلك في خطبه المتعددة ليوم 30 يوليوز 2007 بمناسبة عيد العرش : » (. . . يتعين على الجميع التجند لتحقيق إصلاح شمولي للقضاء، لتعزيز استقلاله الذى نحن له ضامنون . . . . ” وخطابه ليوم 30 يوليوز 2008 بمناسبة عيد العرش أيضا: “. . . ومن هنا نحرص على مواصلة تحديث جهاز القضاء وصيانة استقلاله وتخليقه، ليس فقط لإحقاق الحقوق ورفع المظالم وإنما أيضا لتوفير مناخ الثقة والأمن القضائي ..” وخصوصا خطاب 20 غشت 2009 بمناسبة الذكرى 56 لثورة الملك والشعب: “ندعو الحكومة إلى بلورة مخطط متكامل ومضبوط، يجسد العمق الاستراتيجي للإصلاح في محاور أساسية وهى تعزيز ضمانات استقلال القضاء وتحديث المنظومة القانونية ، . . . والرفع من النجاعة القضائية .”
[6] نيت داوود محمد ، السلطة القضائية ومدى استقلالها في دستور http://www.marocdroit.com
[7] إصلاح القضاء المغربي: منتديات قصبة الإبداع.
[8] كريم لحرش، مغرب الحكامة: التطورات، المقاربات والرهانات، سلسلة اللامركزية والإدارة المحلية، عدد 9، طبعة ثانية، 2011 ص. 70 وما بعدها.
[9] سعيد جفري، الحكامة و أخواتها، مقاربة في المفهوم ورهان الطموح المغربي، الشركة المغربية لتوزيع الكتاب، طبعة أولى 2010، ص 111 .
[10] دستور المملكة المغربية 2011 الصادر بتنفيذه الظهير الشريف رقم 1.11.91 الصادر في 27 شعبان 1432 ( 29 يوليو 2011 ).
[11] نادية البوكيلي، “الدستور الجديد يكرس استقلالية القضاء”، جريدة الصباح http://www.assabah. Press.ma
[12] يقول الأستاذ محمد الإدريسي العلمي: ” إن السلطة القضائية لا تتطابق مع تصور السياسة على غرار ما هو متعارف عليه دستوريا فيما يخص السلطتين التشريعية والتنفيذية . . . وبالفعل يجمل بالمتأمل في المقتضيات الدستورية المنظمة للسلطة التشريعية والتنفيذية من جهة وللمهمة أو الوظيفة القضائية من جهة أخرى، أن لا يسارع إلى اعتبار هذه الأخيرة بمثابة سلطة مماثلة للأولين وذلك نظرا لبعد تنظيمها وصلاحياتها وممارستها عن مؤدى التصور السياسي للسلطة “. محمد الإدريسي العلمي، “استقلال القضاء وفصل السلطات “، مجلة القانون والاقتصاد، جامعة سيدى محمد بن عبد الله، كلية العلوم القانونية والاقتصادية والاجتماعية بفاس، عدد 1990 6 ص . 23
[13] عبد الكبير طبيح، القضاء في مفهوم دستور 2011، http://www.alittihad.press.ma
[14] انظر الفصل 110 من دستور 2011.
[15] نيت محمد داوود، مقال سابق.
[16] قضاة المغرب: بداية الربيع القضائى والتاريخى، الرباط، 20 غشت 2011 http://www.mamfakinch. com
[17] عبد الكبير طبيح، مقال سابق
[18] محمد مدنى، “الدستور الجديد: تركيز السلطة وضعف الضمانات “، سلسلة دفاتر، وجهة نظر، العدد 24 ، طبعة أولى ، 2011، ص . 85.
[19] محمد المهدى، “استقلال القضاء في المغرب: مقاربة في ضوء الدستور الجديد”، مجلة القبس المغربية للدراسات القانونية والقضائية، العدد الثانى، يناير 2012، ص . 25
[20] الدستور الجديد واستقلال السلطة القضائية، http://www.fsjes- agadir. info
[21] الدستور الجديد ومطالب المنظمات الحقوقية بشأن إصلاح القضاء http://www.houara44. com.
[22] عبد الكريم النطفاوى، مقال سابق.
[23] نور الدين العمراني، “دور الحصانة الذاتية للقاضي في ترسيخ مقومات استقلاليته ونزاهته “، مجلة القبس المغربية للدراسات القانونية والقضائية، العدد الثانى، يناير 2012، ص10
[24] يوسف طائف ” وضعية القضاء بين تكريس مبادئ التخليق والتحفيز”، المجلة المغربية للإدارة المحلية والتنمية، عدد 93يوليوز – غشت 2010، ص91.
[25] عبد الواحد القريشى، القضاء الادارى ودولة الحق والقانون بالمغرب، مطبعة النجاح الجديدة، طبعة أولى، 2009، ص. 235
[26] ظهير 11 نونبر 1974 المتعلق بالنظام الأساسي لرجال القضاء.
[27] عبد الكبير طبيح، مقال سابق.
لقراء المقال كاملا، يمكنك تحميله عبر الرابط التالي:


