أصبح الترابط بين السياسة الجهوية والحكامة الترابية ترابطا وثيقا، بل إن هذا الترابط أضحى مطلوبا بحدة لتحقيق التنمية المستدامة، فكلاهما يساهمان بشكل متكامل في تحسين نوعية حياة المواطن والسير به قدما نحو الأمام، وتتضح هذه العلاقة بين العنصرين بجلاء عندما ندرك أن أي سياسة جهوية لا يمكنها أن تحقق المردودية المرجوة منها إلا من خلال النهوض بالمجال عبر اعتماد الآليات التدبيرية الحديثة وعلى رأسها حكامة التراب.

فإعداد التراب واللامركزية يمثلان سياسات ترابية تنموية تهم تعامل السلطات العمومية مع التراب الوطني،[1] إذ هناك علاقة تكاملية بين الجهوية كسياسة والتراب كمجال خاضع لها، لأن منطقهما، وطريقهما وهدفهما واحد، لذلك فإن التحول من السياسة الجهوية في بعدها الإداري الصرف إلى سياسة جهوية متقدمة، يجب أن يستند بالدرجة الأولى إلى اعتماد مبادئ الحكامة الترابية، لأنها أكدت فعاليتها في سياسة معالجة الاختلالات ومحاربة التفاوتات وفي إفراز جهوية متطورة، تجعل من الجهة مجالا تنمويا للتكامل والتضامن الترابيين.[2]
وتعتبر سياسة إعداد التراب الوطني أهم ركيزة في الحكامة الترابية وآلية استراتيجية لتحقيق شروط التنمية المتوازنة بين الجهات خاصة في إطار اتخاذ المغرب قرار اعتماد الجهوية المتقدمة في تدبير الفعل العمومي الترابي، الأمر الذي سينعكس إيجابيا على صعيد بنيات وهياكل الدولة، وسيمكنه من إصلاح وتحديث العلاقة بينها وبين باقي المستويات الترابية المكونة لها، وجعل التدبير الترابي مكون أساسي في إحداث توازن بين الدولة والجهة يهدف إلى توزيع فعال وعادل للثروة، وجعل السلط والاختصاصات قائمة على المراقبة وتلبية الحاجيات الميدانية للساكنة المحلية.[3]
فاختلاف الأساس الذي يقوم عليه كل من مبدأ اللامركزية وإعداد التراب لا يصل إلى حد التناقض، بل إن العلاقات التي تربط بينهما هي علاقات جدلية ما دام أن اللامركزية لا تمنع ضرورة سياسة إعداد التراب، بل تستدعيها في مختلف أشكالها ومضامينها، فإذا كان من شأن اللامركزية أن تعمق الفوارق، فإن الحاجة تقتضي تبني سياسة لإعداد التراب لتصحيح إفراطات اللامركزية.[4]
وأمام هذا الاقتناع من الناحية النظرية بأهمية العلاقة بالسياسة الجهوية وإعداد التراب في تعزيز الحكامة الترابية، يتعين انطلاقا من الدستور والقانون التنظيمي 111.14 المتعلق بالجهات معرفة إلى أي حد يشكل إعداد التراب سياسة ترابية أصلية تروم تحقيق حكامة ترابية؟ سياسة ترابية قادرة على البحث عن جماعات جيدة تحقق المطلوب منها؟[5] وتعمل على تقريب الخدمات العمومية إلى المرتفقين؟[6]
ولمحاولة مقاربة هذه التساؤلات، سنعمل على تقسيم الموضوع إلى محورين، نتناول في الأول منها أهمية إعداد التراب في تحقيق التنمية الجهوية، وكذا مخرجات الحوار الوطني لإعداد التراب وتأثيراته على التصميم الجهوي لإعداد التراب. فيما سنخصص المحور الثاني لمقتضيات القانون التنظيمي 111.14 المتعلق بالجهات المؤطرة للتصميم الجهوي لإعداد التراب ومدى فاعلية هاته المقتضيات في تحقيق التنمية المستدامة.
المحور الأول: أهمية إعداد التراب في تحقيق التنمية الجهوية
إن إعداد التراب وتنميته من شأنه تحقيق الديمقراطية الاقتصادية في إطار تنمية متوازنة ومتكاملة لمختلف المناطق،[7] حيث تتخذ في سبيل ذلك جميع الوسائل القانونية والإدارية والمالية لتنفيذ هذه السياسات العمومية الهادفة لتحقيق التنمية. وقد اختلفت مجمل التعاريف التي أعطيت للإعداد التراب الوطني من مفكر للآخر حتى وإن كانت الغاية واحدة هي تحقيق التنمية المجالية الشاملة. وتبعا لذلك نجد الفقيه “رولان” يعرف إعداد التراب الوطني بأنه: “علم وفن يهدف إلى تنظيم وتوزيع الفضاء الجهوي والوطني لمختلف الأنشطة حسب حاجيات الفرد والجماعة”. وفي نفس الاتجاه يرى ” دانييل كيشار” أن الطموح لإعداد التراب الوطني يقتضي العمل على توزيع الثروة الوطنية توزيعا عادلا، وأن يستفيد سكان المدن والأرياف والبوادي من الازدهار على حد سواء.[8]
وبالرغم من تعدد التعاريف التي أعطيت لإعداد التراب الوطني يبقي الرابط المشترك بينهما هو أنه يمثل نظرة مستقبلية شاملة لمجموع الأهداف الوطنية، وسياسة تهدف إلى الحد من الفوارق الاقتصادية والاجتماعية بين مختلف جهات المملكة، وإلى تحقيق التوازن المجالي والعدالة الاجتماعية، وذلك من خلال توزيع أفضل للسكان والأنشطة على مستوى التراب الوطني، من أجل التغلب على كل التحديات الديموغرافية والاقتصادية والبيئية، مع الأخذ بعين الاعتبار خصوصيات وإمكانات كل منطقة.
فإعداد التراب يعتبر وسيلة لتحقيق الحكامة الترابية، والتي من خلالها يمكن الوصول إلى التقليص من الفقر وحدة الفوارق، التنمية المستدامة، احترام الحقوق وتعزيز الشفافية، إحداث المرافق العامة، هذا دون أن ننسى الهدف الأساسي المتمثل في تشجيع مجال المال والأعمال.[9] وبذلك تهدف هذه المقاربة إلى تصحيح الاختلالات الكبرى الناتجة عن تراكمات التاريخ وعوامل الجغرافية والاقتصاد، التي طبعت المجال كملك مشترك للأمة. لدى فلن يكون كافيا التنظير أو الرغبة والطموح بل لا بد وأن يقترن ذلك بوضع آليات تطبق على أرض الواقع السياسة الجديدة لإعداد التراب الهادفة إلى التوفيق بين الطموحات لإعادة توازن التنمية والإكراهات المرتبطة بمتطلبات المنافسة.[10]
أولا: إعداد التراب على ضوء الحوار الوطني حول إعداد التراب
شهدت سنة 2000 طرح مسألة إعداد التراب الوطني للحوار وأطلق عليه اسم “الحوار الوطني لإعداد التراب الوطني”، وانبثق عنه “الميثاق الوطني لإعداد التراب الوطني” سنة 2001 الذي يعتبر إطار قانونيا وتوجيهيا يحدد المعالم الكبرى لسياسة إعداد التراب الوطني، ويلخص جميع العناصر المتولدة عن هذا الحوار.[11]
وقد اندرج الحوار حول إعداد التراب في سياق عقلنة أو تدبير مفهوم جديد للسلطة، مما جعل من قضية إعداد المجال الترابي هما يشغل جميع المغاربة. فتنظيم حوار وطني حول مسألة التهيئة المجالية يعد حدثا مهما لاسيما مع تحديات العولمة ورهان المنافسة الدولية ومستلزمات الشراكة مع الإتحاد الأوربي، وهو ما جعل السلطات العمومية تعي مبكرا ضرورة إصلاح هذا القطاع الحيوي من خلال التأسيس لمنهجية جديدة في التعاطي مع مشاكله عنوانها التشاور والتشارك، وكترجمة لذلك قامت وزارة إعداد التراب الوطني والتعمير والإسكان والبيئة بالتحضير للقاء الوطني حول إعداد التراب الذي خرج بـــالعديد من المستجدات.
ومن البواعث الأساسية لإطلاق الحوار الوطني لإعداد التراب هو تمكين الكل من المساهمة في عمل جماعي وتشاوري تماشيا مع التصريح الحكومي الذي نص في مجال إعداد التراب الوطني على ضرورة نهج سياسة إرادية مرتكزة على منهج القرب والتشاور على جميع المستويات محليا، جهويا ووطنيا، ومن بين ما تقوم عليه هذه السياسة كذلك توحيد الرؤى حول مشروع مشترك لإعداد التراب فعال وعادل ومستديم، يعمل على الحفاظ على التوازنات الكبرى البيئية والسوسيولوجية والاقتصادية ثم الجغرافية، ويحدد إطار معياري تدمج فيه عمليات التخطيط والتنمية المجالية ( ميثاق أو قانون موجه)، عبر اختيار وإعلام وإشراك الفاعلين الاقتصاديين في التوافقات التي ترهن مستقبل البلاد ودفع التحديات الكبرى التي يجب على المغرب مواجهتها على الساحة الدولية، وضرورة تعزيز دور الجماعات الترابية باعتبارهـــا فاعلا أساسيا في تنشيط التنمية المحلية ونواة أساسية في التدبير المجالي.
فالدافع الأساسي للحوار الوطني حول إعداد التراب هو إشراك كل المكونات والفاعلين المحليين والجهويين والوطنيين سواء كانوا منتخبين أو مسؤولين أو منشطيــــن اقتصــــاديين أو متدخليــــــن في الحقـل الاجتمــاعي.[12]
وقد أسفر إعداد مشروع الميثاق الوطني لإعداد التراب على إقامة هياكل لتنسيق الاختيارات والتدخلات والبرامج على المستوى الوطني والجهوي ضمانا للرفع من النجاعة وتجنبا للاختلالات التي تترتب عن تضارب الرؤى والتوجهات بين مختلف القطاعات الحكومية والجماعية.[13]
ومما أعطى المشروعية والمصداقية لتصورات وخلاصات الحوار الوطني حول إعداد التراب هو كونها لم تصدر من المركز الأقل إدراكا بمشاكل المحيط وما يعانيه مجاله، بل تلك التوصيات والاقتراحات جاءت عن طريق الأوراش المحلية والمنتديات الجهوية والتي انعكست إيجابيا على النتائج التي انبثقت من ذلك الحوار مكرسة سياسة ترابية بفلسفة ومبادئ جديدة.
وقد خلف الحوار الوطني عدة نتائج إيجابية، أهمها:
- عمليا شهد ولأول مرة إصدار إطار قانوني ينظم تقسيم التراب وإعداده تمثلت في الميثاق الوطني لإعداد التراب كإطار توجيهي يمكن من ملاءمة مختلف السياسات القطاعية ويدعم تآزراتها.
- إحداث هيكل جديد يتولى تفعيل مضامين الميثاق الوطني هو المجلس الأعلى لإعداد التراب.
- إنجاز التصميم الوطني لإعداد التراب الذي تأتي أهميته في كونه أداة مرجعية للتوجيه والتخطيط على المدى البعيد.[14]
ثانيا: التصميم الجهوي لإعداد التراب (SRAT) ودوره في تحقيق التنمية الجهوية
وعيا من المشرع المغربي بأهمية إعداد التراب الجهوي أعطى للمجالس الجهوية الحق في إعداد تصميم جهوي لتهيئة التراب (SRAT)، والذي يعد بمثابة وثيقة ذات مصداقية تتكشف من خلالها الصورة التوجيهية التي ستصبح عليها التنمية المجالية بالجهة مستقبلا. وهذا التصميم الجهوي لإعداد التراب يجب أن يكون منسجما مع التوجهات الوطنية في مجال إعداد التراب ضمن التصميم الوطني لإعداد التراب (SNAT) سواء على المدى المتوسط أو البعيد.[15]
ويكمن الهدف من التصميم الجهوي (SRAT) في تزويد الجهة بمحرك يمكنها من التدبير المعقلن وتوجيه الأعمال المستقبلية، وقد وضعت هذه التصاميم أساسا لتحديد الخطوط الكبرى لمستقبل جهة معينة، وإجراء تشخيص لمشاكلها واقتراح خيارات وأولويات وبرامج عمل لها، وهي مدعوة لأن تصاغ بصورة تأخذ بعين الاعتبار معطيات الوسط الطبيعي (الخصائص الجغرافية والشبكة المائية والمعطيات المناخية…)، وكذا الإمكانات البشرية والاجتماعية للجهة ( السكن، السكان، التشغيل…)، ثم الأنشطة الاقتصادية للجهة فلاحة، صناعة، خدمات…) مع الأخذ بعين الاعتبار العلاقات التي يمكن أن تربط جهة معينة مع جهات أخرى.[16]
وقد كان يقوم المجلس الجهوي بمقتضى المادة 7 من القانون السابق (96-47) المنظم للجهات، بإعداد التصميم الجهوي لتهيئة التراب وفقا للتوجهات والأهداف المعتمدة على المستوى الوطني، كما يحيل ذلك التصميم إلى اللجنة الوزارية لتهيئة التراب قصد الموافقة عليه. ويقوم بالإضافة إلى ما سبق بإبداء الآراء في السياسات المتعلقة بإعداد التراب الوطني كلما طلبت منه الحكومة ذلك، وكذا رأيه فيما يخص إقامة المؤسسات الجامعية والمستشفيات في تراب الجهة التي تشرف على إدارتها.[17]
غير أنه، وبالرغم من هاته الأهمية، وهذا التنصيص القانوني بخصوص إشراك الجهات في مجال إعداد التراب الوطني، فإن دور الجهات كان محدودا، وذلك لانعدام التحديد الدقيق لاختصاصاتها في هذا المجال، ثم لهيمنة الإدارة المركزية على جل مراحل إعداده وتنفيذه وإصباغه بالطابع السياسي والأمني بدل الاعتماد على البعد الاقتصادي والتنموي. كما أن محدودية الوسائل والإمكانيات التقنية والمالية والبشرية للجهات تحد من فعاليتها، هذا إذا أضفنا إلى ذلك ثقل الوصاية المفروضة على مقررات المجالس الجهوية والمرتبطة بمجال إعداد التراب.[18]
ومن أجل صياغة تصميم جهوي لإعداد التراب نافع وواقعي من شأنه أن يكون إطارا حقيقيا للتشارك والتعاقد بين الدولة والجهة، حمل أحد التقارير الذي أعدته مديرية إعداد التراب شروطا وصفها بالضرورية وجب أن يتضمنها أي مشروع لإنجاز تصميم جهوي والتي يمكن تلخيصها في الأتي:
- بلورة منهجية جديدة ملائمة على تخطيط التنمية المحلية والجهوية من أجل تقويم نقط قوتها وتحديد مصادر ضعفها والاستفادة منها على مستوى التخطيط الجهوي، وهو ما سيسمح بالانتقال ليس فقط من تخطيط قطاعي واستدراكي بل إلى تخطيط استراتيجي ومندمج. وكذلك من جهوية وتخطيط فوقي إلى تخطيط جهوي تفاوضي وتشاوري يقبله الفاعلون المحليون والجهويون، في إطــار تسيير تشاركي لامركزي ولامتمركز.
- ضرورة البحث عن كفاءات واختصاصات جديدة تكون مهمتها هي دعم التخطيط الجهوي المندمج والتجسيد الملموس للانسجام بين المقاربة التشاركية للتنمية الجهوية والمقاربة الخاصة بالتصاميم الجهوية لإعداد التراب.
- تحديد البنيات والإجراءات التنفيذية للتخطيط الجهوي، ويتعلق الأمر أساسا بالفاعلين والمؤسسات وآليات التنسيق والتتبع والتقييم، وينبغي للتفاعل المنسجم بين هاته المستويات والآليات أن يؤدي إلى بلورة مشروع تنمية جهوية، يمول انطلاقا من الإمكانيات المتاحة الجديدة، كما يستغل الفرص التي يتيحها التعاون الدولي اللامركزي.
- تهيئ أدوات مطابقة لغايات إعداد التراب الجهوي بحيث تشكل أداة فعالة لتحقيق التنمية الجهوية، وينبغي أن تراعي خصوصيات بعض المجالات أثناء تهيئ هذه الأدوات التنموية.
- جعل الجهة إطارا لحل المشاكل الخاصة باللاتوازن الجهوي والتفاوتات بين المدن والقرى على مستوى التجهيزات السوسيو- ثقافية وإعادة البنية الاقتصادية القادرة على المساهمة في مجهود التنمية الاجتماعية.
- تمكين الجهة من مصادر تمويلية إضافية من أجل تنميتها خصوصا في الجهات التي تعرف نقصا على مستوى الموارد.
إن مجموع هذه الشروط ستؤدي إذا عرفت الطريق نحو التطبيق إلى تحويل الجهة إلى مكان يتحرر فيه السكان من إكراهـــات المركزية، كما ستمكن الجهة في حد ذاتها من تخطيط يأخذ بعين الاعتبار الطابع التكاملي والتآزري بين الجانب السوسيو اقتصادي للتنمية الجهوية وجانبها المجالي. وسيتيح للدولة والجهة مجتمعتين أن تلعب دور المحفــز على تحقيق أهداف سياسة التنمية وإعداد التراب الجهوي.[19]
المحور الثاني: إعداد التراب الجهوي على ضوء القانون التنظيمي 111.14 المتعلق بالجهات
لتدارك النقص الحاصل في مجال إعداد التراب على الصعيد الجهوي، ووعيا بأهمية التصاميم الجهوية لإعداد التراب في العملية التنموية من طرف الجهة، فقد نص عليها دستور 2011 في الفقرة الثانية من الفصل 143 بأن:” تتبوأ الجهة تحت إشراف رئيس مجلسها، مكانة الصدارة بالنسبة للجماعات الترابية الأخرى، في عمليات إعداد وتتبع برامج التنمية الجهوية، والتصاميم الجهوية لإعداد التراب، في نطاق احترام الاختصاصات الذاتية لهذه الجماعات الترابية”.
وقد أكد القانون التنظيمي للجهات على هذا التوجه، إذ اعتبر التصميم الجهوي لإعداد التراب وثيقة مرجعية للتهيئة المجالية لمجموع التراب الجهوي، وعمل على تصنيفه ضمن الاختصاصات الذاتية للجهة.
وقد أعطى هذا القانون التنظيمي لمجلس الجهة تحت إشراف رئيسه الحق في أن يضع التصميم الجهوي لإعداد التراب، في إطار التوجهات السياسة العامة لإعداد التراب المعتمدة على المستوى الوطني وبتشاور مع الجماعات الترابية الأخرى والإدارات والمؤسسات العمومية، وممثلي القطاع الخاص المعنيين بتراب الجهة. ويساعد والي الجهة رئيس مجلس الجهة في تنفيذ التصميم الجهوي لإعداد التراب.[20]
ويهدف التصميم الجهوي لإعداد التراب على وجه الخصوص إلى تحقيق التوافق بين الدولة والجهة حول تدابير تهيئة المجال وتأهيله وفق رؤية استراتيجية واستشرافية، بما يسمح بتحديد توجهات واختيارات التنمية الجهوية، ولتلك الغاية:
- يضع إطارا عاما للتنمية الجهوية المستدامة والمنسجمة بالمجالات الحضرية والقروية؛
- يحدد الاختيارات المتعلقة بالتجهيزات والمرافق العمومية الكبرى المهيكلة على مستوى الجهة؛
- يحدد مجالات المشاريع الجهوية وبرمجة إجراءات تثمينها وكذا مشاريعها المهيكلة؛
أما من ناحية مسطرة إعداد التصميم الجهوي لإعداد التراب وتحيينه وتقييمه فقد أحالها القانون التنظيمي للجهات على نص تنظيمي.[21]
وقد ألزم هذا القانون التنظيمي الإدارة والجماعات الترابية والمؤسسات العمومية والمقاولات العمومية الأخذ بعين الاعتبار مضامين التصميم الجهوي لإعداد التراب في إطار برامجها القطاعية أو تلك التي تم التعاقد في شأنها.[22] غير أن القانون المذكور لم يتطرق لحالة رفض أو تماطل هاته المؤسسات أو لم تأخذ بعين الاعتبار مضامين هذا التصميم، والجزاءات المترتبة عن ذلك.
فالهدف من إعداد التراب الوطني إذن، هو تحقيق توازن على المستوى الوطني من جهة، وعلى المستوى الجهوي والمحلي من جهة أخرى. وكذا بغية الوصول إلى إشباع حاجيات المواطنين، وتقديم الخدمات اللازمة لهم مع الأخذ بعين الاعتبار رغبة التقليل من الفوارق الجهوية والمادية والبشرية، وبذلك يفرض إعداد التراب الوطني نفسه كميدان شامل ومتعدد الأبعاد والقطاعات وكتقنية عملية ترمي إلى التنظيم المنسق للتراب، وذلك عن طريق إحداث توازن في توزيع السكان والأنشطة فوق مجموع التراب الوطني، أيضا الاستكشاف والاستغلال العقلاني للطاقات الجهوية وتشجيع وتنسيق المبادرات الخاصة والعمومية في ميدان التهيئة والاستثمار.
إن إعداد التراب بترسانة قانونية وتقنية ذات فعالية، تستطيع أن تهيء فضاءا ومجالا يسمح بتوزيع متكافئ لخيرات البلاد، وبتنمية مندمجة ترفض الإقصاء والتهميش، وتعطي الاعتبار لخصوصية الجهة ومحيطها.[23] فإعداد التراب يعتبر كبحث في إطار جغرافي عن أنجح الوسائل لتوزيع الموارد بين السكان، لذا فهو نظرة مستقبلية لإقرار التوازن بين الموارد والسكان في مجموع التراب الوطني، والحد من الفوارق الجهوية.[24]
وبذلك فإن إعداد التراب الوطني يعد من الرهانات الحقيقية التي يعول عليها المغرب في تحقيق مجال متوازن ومؤهل اقتصاديا واجتماعيا وأداة رئيسية لجلب الاستثمارات الداخلية والأجنبية. حيث أن تنظيم المجال أصبح اليوم من المؤشرات الحقيقية المعتمدة من طرف المؤسسات التمويلية الوطنية والدولية، وكذا الرساميل العالمية لجلب المشاريع ونقل التكنولوجيا وتشغيل اليد العاملة.
غير أن تحفيز الاستثمار عن طريق إعداد التراب الوطني لا يجب أن يكون على حساب البيئة والموارد الطبيعية. فحماية هذه الأخيرة من التدهور والاستنزاف يجب أن تتم في إطار توجه حركي (dynamique) وليس جامدا(statique)، إذ الأمر لا يتعلق بشل أو تجميد المجالات بل إشراك السكان في تدبير بيئتهم مما يتطلب عــقـلنة على مستوى التدبير وترشيدا فيما يخص الاستغلال، وذلك في إطار إستراتيجية لإعداد التراب تأخذ على عاتقها ضمان التوازن فيما بين شروط تنمية اقتصادية واجتماعية ومراعاة مستلزمات البيئة. وهذا يستلزم وجود وعي عميق بهشاشة وندرة بعض الموارد الطبيعية كالماء والغطاء الغابوي، رغم قدرتهما على التجديد ولو ببطء شديد، كما يستدعي اهتمام أعمق عندما يتعلق الأمر بموارد طبيعية يصعب إن يكن من المستحيل تجددها مثل الساحل والبحر والمجال الجبلي.[25]
فالعولمة وتداعياتها على المبادلات التجارية والاقتصادية تفرض تبني استراتيجيات جديدة لإعداد وتنمية التراب لتجعل منه ترابا أكثر تنافسية، حيث أن المجالات التي ستكون أحسن من غيرها تدبيرا والأقل تدهورا أو تلوثا هي التي بإمكانها أن تستفيد من حركيات رؤوس الأموال الوطنية والدولية التي تتصاعد متطلباتها وانتقائيتها. ومن هنا تأتي أهمية مفهوم” الاستدامة” كانشغال رئيسي للتنمية وإعداد التراب، إذ أن إطار وجودة الحياة وقاعدة الموارد الطبيعية والبشرية والثقافية تبقى أساس كل تنمية، وهي عناصر ينبغي مراعاتها في أي تخطيط وتدبير للمجال وطنيا أو جهويا أو محليا. والمطلوب هو إيجاد نقط للتوازن والتوفيق فيما بين شروط تنمية اقتصادية واجتماعية تستند إلى تعبئة شاملة لكافة الموارد المتاحة سواء كانت طبيعية أو بشرية أو ثقافية.[26]
وعليه، فإذا كانت علاقات اللامركزية وإعداد التراب هي علاقات تكاملية وجدلية، فإن الجهوية هي المستوى اللامركزي الأكثر قربا وتلاؤما مع سياسة إعداد التراب، إذ أن تهيئة التراب ينبغي أن تكون لامركزية على مستوى جهوي، لأن الجهات لها معرفة جيدة بالطاقات المحلية وتشكل فضاء مفضلا للتشاور ومستوى جيدا لتحليل وتقدير وإنجاز تنمية شمولية ومندمجة توفق بين الفعالية الاقتصادية والمشاركة الاجتماعية. فالجهة إذن تشكل إطارا ترابيا ضروريا لإعداد التراب يكشف عن الاختلالات ويحدد الرهانات وفضاء لتعيين مشاريع التنمية المنسجمة وتعبئة القوى التي تضمن الفعالية والنجاعة لهذه المشاريع، كما أنها تعتبر مستوى ترابيا تندمج فيه السياسات المحلية ويساهم بالتالي في تقليص الفوارق بين الجماعات الترابية الموجودة في نطاقه، وكذا مكانا لالتقاء وتمفصل المقاربات العمودية للوزارات والهيئات.[27]
[1] – عبد الخالق علاوي: “مبدأ التدبير الحر للجماعات الترابية وإعداد التراب في ضوء دستور 2011″، منشورات المجلة المغربية للإدارة المحلية والتنمية، عدد 115، مارس- أبريل 2014، ص: 149.
[2] – بشرى برنيشو: “التقسيم الترابي الجهوي ورهان تحقيق التوازنات المجالية”، بحث لنيل دبلوم الماستر في القانون العام، جامعة عبد المالك السعدي- كلية العلوم القانونية والاقتصادية والاجتماعية- طنجة، السنة الجامعية 2012-2013، ص: 172.
[3] – كريم لحرش: “دور الجهوية المتقدمة في تحقيق الحكامة الترابية، نحو تصور جديد لحكامة ديمقراطية للشأن الجهوي بالمغرب”، منشورات سلسلة اللامركزية والإدارة الترابية، العدد 19، الطبعة الثانية 2012، ص: 12.
[4] – عبد الخالق علاوي: “مبدأ التدبير الحر للجماعات الترابية وإعداد التراب في ضوء دستور 2011″، مرجع سابق، ص: 152.
[5]– E. Ardouin et J- Christophe Badouin: «Le Management Public des territoires, Décider, agir, évaluer », Edition de l’Aube, 2012, P :11.
[6]– Solange Hernandez: « Evolution Du Processus De Décision Et Management Public Territorialisé », Administration, gouvernance et décision publique, S/D de Ali Sedjari, Ed L’Hrmattan, GRET, 2004, P: 171.
[7] – A. Sedjari: « La Fin du Pouvoir d’Etat Vérité ou Illusion ? », La Revanche des Territoires, Ed, L’Harmattan-GRET-Rabat, 1997, p: 46.
[8] – نجوى الدحماني:” التنوع المجالي وإشكالية التكامل بين الجهات”، رسالة لنيل الماستر في القانون العام، جامعة عبد المالك السعدي كلية العلوم القانونية والاقتصادية والاجتماعية طنجة، السنة الجامعية: 2011-2012، ص: 11.
[9] – Jacques Madu: « Gouvernance et Territoire », La Gouvernance Des Terroirs Du Vin, S/D de Jean- Claude Himmewinkel, Editions Féret- Bordeaux, 2010, P: 23.
[10] – عبد الكبير يحيا: تقسيم التراب بالمغرب والسياسة الجهوية نحو اعتماد الجهوية السياسية “، أطروحة لنيل الدكتوراه في الحقوق، جامعة عبد المالك السعدي، كلية العلوم القانونية والاقتصادية والاجتماعية بطنجة، ص: 245 .
[11] – سارة الخمال: ” أفاق الجهة بالمغرب، دراسة قانونية/ تحليلية”، رسالة لنيل دبلوم الدراسات العليا المعمقة في القانون العام، جامعة عبد المالك السعدي كلية العلوم القانونية والاقتصادية والاجتماعية طنجة، السنة الجامعية: 2007-2008، ص:142.
[12] – عبد الكبير يحيا:” تقسيم التراب بالمغرب والسياسة الجهوية: نحو اعتماد الجهوية السياسية”، مرجع سابق، ص:246- 247.
[13] – نجوى الدحماني: “التنوع المجالي وإشكالية التكامل بين الجهات”، مرجع سابق، ص: 48.
[14] – عبد الكبير يحيا:” تقسيم التراب بالمغرب والسياسة الجهوية: نحو اعتماد الجهوية السياسية”، مرجع سابق، ص:252.
[15] – عادل تميم:” البعد الجهوي في سياسات تدبير الاستثمار وانعكاسه على التنمية- على ضوء الجهوية المتقدمة”، أطروحة لنيل الدكتوراه في الحقوق، جامعة عبد المالك السعدي كلية العلوم القانونية والاقتصادية والاجتماعية، طنجة، 2008_2009، ص: 338.
[16] – عبد الحفيظ الخمخامي:” التقطيع الجهوي بالمغرب”، رسالة لنيل دبلوم الدراسات العليا المعمقة في القانون العام، جامعة عبد المالك السعدي، كلية العلوم القانونية والاقتصادية والاجتماعية، طنجة، السنة الجامعية: 2007-2008، ص: 54.
[17] – سعيد الميري: “التدبير الاقتصادي للجماعات المحلية بالمغرب”، أطروحة دكتوراه في الحقوق، جامعة محمد الخامس- السويسي، كلية العلوم القانونية والاقتصادية والاجتماعية، الرباط، 2006-2007، ص: 333.
[18] – صالح المستف: “التطور الإداري في أفق الجهوية بالمغرب”، منشورات الجمعية المغربية، PUMAG الطبعة الأولى مراكش1993، ص: 287.
[19] – عبد الكبير يحيا:” تقسيم التراب بالمغرب والسياسة الجهوية: نحو اعتماد الجهوية السياسية”، مرجع سابق، ص:298.
[20] – المادة 88، القانون التنظيمي رقم 111.14 المتعلق بالجهات، الصادر بتنفيذه الظهير الشريف رقم 1.15.83 صادر في 20 من رمضان 1436 ( 7 يوليو 2015)، ج.ر عدد 6380 بتاريخ 6 شوال 1436 ( 23 يوليو 2015)، ص: 6585.
[21] – نفس المرجع، المادة 89.
[22] – نفس المرجع، المادة 90.
[23]– نجاة سرار: “إشكالية العلاقة بين التنمية المستدامة والجهوية المتقدمة “، أطروحة لنيل الدكتوراه في القانون العام، جامعة عبد المالك السعدي كلية العلوم القانونية والاقتصادية والاجتماعية- طنجة،2013-2012 ، ص: 325.
[24] – رشيد لبكر: ” إعداد التراب الوطني ورهان التنمية الجهوية “، أطروحة لنيل الدكتوراه في الحقوق، شعبة القانون العام، جامعة الحسن الثاني، كلية العلوم القانونية والاقتصادية والاجتماعية – عين الشــق، الدار البيضاء، 2000 – 2001، ص: 28- 29.
[25] – نجوى الدحماني: “التنوع المجالي وإشكالية التكامل بين الجهات”، مرجع سابق، ص: 30.
[26] – نفس المرجع السابق، ص: 31.
[27] – عبد الخالق علاوي: “مبدأ التدبير الحر للجماعات الترابية وإعداد التراب في ضوء دستور 2011″، مرجع سابق، ص: 153.
لتحميل المقال كاملا، يمكنك تحمليه عبر الرابط التالي:”


