خطوة نحو تأكيد مبادئ الإنصاف

د. عثمان الزياني

أستاذ باحث بالكلية المتعددة التخصصات، الراشيدية

يحتل مبدأ الإنصاف موقعا متميزا ضمن الأهداف المحورية التي يسعى إليها تطبيق نظام الحكم الذاتي في الصحراء، فطرح المبادرة في حد ذاته ومضمونها والتعبير الدلالي لمقتضياتها، يحمل بين ثناياه مجموعة من القواعد والمبادئ المفضية في حالة إعمالها إلى تحقق الإنصاف الحقيقي على مستوى جميع النواحي الحياتية المرتبطة بالفرد الصحراوي.

ويأتي هذا الترابط الجدلي والمفصلي بين الحكم الذاتي والإنصاف لكون هذا الأخير يعبر عن الشعور بعدالة طبيعية وفطرية أساسها الاعتراف بحقوق كل فرد، دون أن تكون تلك الحقوق بالضرورة ناتجة عن اعتراف قانوني بها، وهذا الشعور يتمظهر مثلا عندما تكون هناك حاجة لمعالجة حالة خاصة وملموسة دون الاسترشاد فقط بقواعد القانون، انه شكل من العدالة الذي يأخذ بعين الاعتبار روح القانون والغاية منه أكثر من النص الحرفي لهذا القانون ([1])، فالإنصاف هو حالة معنوية يرمي أبعد مما هو عادل على المستوى الشرعي فحسب، لذلك فقواعده تتعارض أحيانا مع القوانين إذا كانت هذه الأخيرة تعتريها ثغرات أو تبدو غير قابلة للتكيف أو غير عادلة، فالإنصاف هو تعبير عن مبادئ غير مكتوبة لمفهوم العدالة وقد تدخل في إطار القانون ولكنها في الواقع أسمى منه.

وتكمن أهمية إقرار الإنصاف في منطقة الحكم الذاتي في كونه يتأسس على مبادئ جوهرية وقد أوجزها “Rawls”، في كتابه “نظرية العدالة” المنشور في سنة 1971، في كل من مبدأ الحرية المتساوية بمعنى أن الكل متساوون في الحقوق الأساسية، بشرط أن يتوافق ذلك مع حرية الجميع، وهذا يعني أن كل واحد له نفس الحقوق والواجبات الأساسية ويتمتع بنفس الحقوق الأساسية (حق التجمع، التعبير، التجمع، الملكية، إلخ .) وأيضا مبدأ تكافؤ الفرص بمعنى أن جميع الأشخاص الموجودين في نفس الوضعية، يجب أن يستفيدوا من وضعيات اجتماعية متماثلة، وكيفما كانت وضعيتهم من ناحية العرق، الجنس، الانتماء الجغرافي وهذا لا يعني بحد ذاته أن جميع الأفراد يستفيدون من الحصول على نفس الوضعية، وأضف إلى ذلك مبدأ التمايز، أي أن الأفراد الأقل استفادة في المجتمع يجب أن يعاملوا بشكل متمايز عن الآخرين، ولكن في حدود الحالة التي لا تتعارض مع مصلحتهم ومصلحة الجماعة ككل وهذا ما يعبر عنه “بالتمييز الإيجابي “.

إن مجمل المبادئ التي قمنا بسردها قابلة للتحقيق في ظل تطبيق الحكم الذاتي في الصحراء، ذلك أن الإنصاف يتوافق إلى حد كبير مع خصوصيات هذه المنطقة والتي تستوجب معاملة خاصة عن باقي المناطق الأخرى، لكن دون الإضرار بالمصلحة العامة الوطنية، فالظروف الاستثنائية لمنطقة الصحراء هي التي تستوجب هذا التمييز الإيجابي، ولأن مبدأ الإنصاف يستند إلى مسلمة ” لكل حسب حاجته ” عكس مبدأ العدالة الذي يرتكز على إخلاص اتجاه أي شخص كما أنه ينوب عنه ويعبر بشفافية عن حاجياته وإنسانيته، وهو لا يحاول إصلاح التفاوت وإنما القضاء على أصله وتجفيف منابعه خاصة أنه يضع نفسه فوق ثنائية الخير والشر والعدل والظلم، ويضمن الحرية الإنسانية كقيمة القيم ([2]) ، كما أن تحقيق الإنصاف على المستوى المحلي يعتمد على استراتيجية ترتكز على خليط من الحسابات والقواعد، والتي تدفع إلى تشكل فضاءات من التضامن يمكن في إطارها لمبادئ العدالة التوزيعية أن تعمل وهذه الفضاءات ذات طبيعة متحركة ويمكن لها أن تتقاطع بناءا على التصرفات الاستراتيجية للفاعلين، وتعتبر هذه التصرفات مرتبطة بموقع الفاعلين إزاء بعضهم البعض، أو في المجالات التي يشتغلون بها ([3]).

ومن أجل مقارنة موضوع الحكم الذاتي وقياس مدى ارتباطه بمبدأ الإنصاف، فإن الإشكالية المحورية التي تطرح، هي إلى أي حد يمكن للحكم الذاتي أن يؤدي إلى تحقيق مبدأ الإنصاف لمنطقة الصحراء؟ والتساؤل عن ماهية مجالاته وعن إمكانيات النجاح في ذلك؟ وعن المبادئ والشروط التي يتأسس عليها؟ والدعامات الأساسية التي يقوم عليها؟

ومن أجل التفصيل في الدارسة ارتأينا تقسيم الموضوع إلى عنصرين:

العنصر الأول: بناء قواعد الإنصاف السياسي والثقافي في ظل الحكم الذاتي.

العنصر الثاني: التأسيس لمبادئ الإنصاف الاقتصادي والاجتماعي في ظل الحكم الذاتي.

العنصر الأول: بناء قواعد الإنصاف السياسي والثقافي في ظل الحكم الذاتي

لاريب أن الإنصاف ببعديه السياسي والثقافي يشكل رهانا حقيقيا لتطبيق الحكم الذاتي في الصحراء، فالإنصاف السياسي هو ذلك المبدأ الرامي إلى تصحيح أوضاع اللامساواة التي يعاني منها الأشخاص والجماعات الأقل حظا في المشاركة السياسية والتعبير المؤسساتي عن مطالبها وحاجياتها والتي تختلف حتما عن نظيراتها في المناطق الأخرى بحكم عامل الخصوصية، بينما الإنصاف الثقافي هو ذلك المبدأ الذي يأخذ لبوسا قيميا ومعياريا ويستلهم أبجديات أهدافه من التجارب الجهوية في الأنظمة السياسية والإدارية المقارنة والتي أكدت عن طريق التجريب أنها تسعى وتحقق مجموعة من الأهداف من بينها، استيعاب التعددية الثقافية والخصوصيات الإثنية من جهة، والحرص على الاندماج الاجتماعي والتكامل الاجتماعي من جهة أخرى ([4]) ، ومن أجل البحث في المقاصد الشرعية للإنصاف السياسي والثقافي، فإنه سيتم الحديث في (أولا) عن الإنصاف السياسي بمشمولاته وفي (ثانيا) مقاربة الإنصاف الثقافي بمضامينه وأهدافه ودعاماته.

أولا: التأهيل السياسي للسكان الصحراويين

إن بناء صرح مؤسساتي محلي لتدبير الشؤون المحلية واتخاذ القرارات التي تتلاءم مع خصوصية البيئة السياسية والصحراوية وتمثلات المواطن للشكل الواجب والمفروض أن يطبع السياسة المحلية ومدخلاتها ومخرجاتها وتحقيق الفعالية المؤسساتية والوظيفية، يشكل استجابة محكمة لمطالب ومبادئ الإنصاف السياسي في المنطقة ، ومما يزيد من تكريسه وتعزيز مقدراته هو تأهيل المرأة الصحراوية وتمكينها من أدوات العمل السياسي، ودفعها نحو المشاركة الواسعة وفق قواعد المبادرة والحرية والمساواة وتكافؤ الفرص في اتخاذ القرار السياسي في بعده المحلي والوطني أيضا (ب).

أ- التمكين المؤسساتي و امتلاك أدوات الفعل السياسي

الحكم الذاتي في الأدبيات السياسية ما بعد المرحلة الاستعمارية يمثل أرقى أشكال التعبير عن التطور الديموقراطي، في الدول الديموقراطية الحديثة. باعتبار أنه يعطي مجالا لسكان جهة أو منطقة أو حتى مدينة لها خصوصيات ضمن الدولة المعنية. خصوصيات جغرافية أو دينية أو لغوية أو ثقافية أو غيرها للتقرير والتدبير والتسيير لشؤونهم المحلية ([5]).

فهذا النموذج من الحكم يندرج في سياق التطور الذي شهده شكل الدولة الحديثة على مستوى أسلوب ونمط اشتغالها المؤسساتي من تسيير سياسي يعتمد مركز السلطة السياسية إلى ممارسة سياسة جديدة تدار بواسطة بنيات عملية ذات تمثيل ذاتي تمنح لها بوثيقة دستورية صلاحية ممارسة التشريع محليا مع اعتماد أسلوب التسيير الذاتي والمالي المستقل ([6])، فالحكم الذاتي الذي يطرحه المغرب ينسجم مع هذه المتغيرات الخارجية والداخلية ويشكل قيمة ديموقراطية في حد ذاته لتدبير الشؤون المحلية، ويعتبر أيضا الإطار المرجعي الناظم لأداء المؤسسات السياسية المحلية وتعزيز دمقرطتها الداخلية، ويبتغي في مراميه إلى خلق قدرة لدى المواطن الصحراوي لممارسة اختياراته وبلورة تصوراته في تدبير الشأن السياسي ويعمد في مقام آخر إلى تقوية دور النخب المحلية في صناعة القرار السياسي المحلي.

إن الحكم الذاتي في الصحراء قد يضمن بشكل لا جدال فيه وجود برلمان محلي فعال يجسد ويعبر عن مصالح المجتمع الصحراوي ويضمنها في عملية صنع السياسة العامة أي بمعنى نظام برلماني مؤسسي متكامل يتفاعل مع البيئة الصحراوية التي يمثل فيها بمختلف مكوناتها السياسية الاجتماعية والاقتصادية والثقافية، فلا يمكن تحقيق ديموقراطية محلية بدون وجود برلمان محلي يعبر عن طموحات وتطلعات ومطالب المواطن الصحراوي، فالبرلمانات المحلية في العصر الراهن تشكل قاعدة للبناء الديموقراطي، لأنها أصبحت مجالا خصبا لتجسيد قيم المساواة وتكافؤ الفرص والحرية والمشاركة السياسية، وهي أعظم تعبير عن “سياسة القرب ” بحكم أنها المؤسسات الأكثر ارتباطا بالمجتمعات المحلية وتعبر عن آراء ومشاعر المواطنين وساحة لتذويب الاختلافات وتصارع المصالح والقيم المتباينة والتأسيس لثقافة الإجماع المعبرة عن مختلف الشرائح المجتمعية المحلية.

ولا شك أن حرص الحكم الذاتي على تمكين الصحراء من برلمان محلي يمارس الوظيفة التشريعية والرقابية، يمكن أن يرتكز في بنائه المؤسساتي والوظيفي على عناصر الحكامة البرلمانية، التي تعتمد على تأهيل إدارة البرلمان المحلي من خلال تنمية مهارات وقدرات الموارد البشرية والعاملين عن طريق التدريب ونظام الحوافز وتطوير الكفاءة التنظيمية الداخلية، وتفعيل الأجهزة الداخلية وفق قاعدة التمايز البنيوي والوظيفي، وإضفاء نوع من المرونة على اللائحة الداخلية التنظيمية للبرلمان المحلي. وثمة أيضا ضرورة تكريس الجودة التشريعية التي تعتبر الشفافية والتشاركية أحد مؤشراتها، والمبتغى من ذلك هو إشراك الرأي العام الصحراوي المحلي وهيئات المجتمع المدني في العملية التشريعية وهذا لن يتأتى إلا من خلال وجود آليات وروابط تواصلية دائمة بين البرلمان المحلي والمواطن تعتمد على الوسائل التقليدية (المكاتب، الرسائل البريدية، الزيارات الرسمية …) واستثمار التكنولوجيا الحديثة (المواقع الإلكترونية للبرلمان المحلي والنواب أيضا)، وفي هذا السياق أيضا ستتبلور رقابة للجهاز الحكومي المحلي على أساس الفعالية والكفاءة، أي الرقابة البرلمانية الدقيقة والتفحصية للعمل الحكومي المحلي، تكريسا لمبادئ المساءلة والمحاسبة وممارسة الضغط على الحكومة المحلية في الاتجاه الذي يخدم رعاية وصيانة مصالح المواطنين وتدبير شؤونهم المحلية في إطار الشفافية والنزاهة.

ولن يكتمل طبعا بناء الصرح الديمقراطي المؤسساتي إلا بوجود حكومة محلية قوية تعمل إلى جانب البرلمان في خضم منظومة علائقية تبادلية إيجابية بعيدا عن منطق الصراع السياسي والصدام غير المجدي، مراعاة لخصوصية المنطقة وحاجتها إلى الاستقرار السياسي الذي يخدم المواطن الصحراوي ويجعل خدمة مصالحه في سلم الأولويات وفوق أي اعتبار، وبعيدا عن أي حسابات ضيقة، فالحكم الذاتي يؤسس لحكومة محلية فعالة ويوفر لها جل وسائل العمل والإمكانات المادية للرقي بأدائها، ويرنو إلى خلق جهاز حكومي محلي أكثر تكيفا مع المتغيرات والإكراهات الدولية والوطنية والمحلية من خلال إيجاد تنوع على مستوى أعضائها وأجهزتها وتطوير بنياتها أمام التطور التقني والعمل باحترافية وتغليب المنظور الاجتماعي في اشتغالها بالنظر إلى الظروف الاستثنائية التي تتمتع بها المنطقة، سعيا وراء المصلحة المحلية وبمنأى عن أي تمييز أو إقصاء.

ويبقى أيضا ما للجهاز القضائي من دور في حسن تطبيق القوانين وحماية حقوق وحريات المواطن الصحراوي، فالقضاء بدوره يظل محور اهتمام الحكم الذاتي، ويشكل قاعدة لتحقيق الإنصاف والعدالة، ويكون أكثر قربا على المواطن من باقي المؤسسات السياسية الأخرى، فإحساس المواطن الصحراوي بوجود قضاء نزيه وشفاف ومنصف لحقوقه، يزكي فيه ملكة الارتباط الوجداني والاندماج المحلي والوطني، وعليه فإن القضاء الجيد والمستقل والمتوفر على جهاز إداري يوفر خدمات للمواطنين بصورة جيدة ويتوفر على موارد مادية كافية وأطر بشرية (القضاة، الموظفين ..) في غاية الكفاءة وتحمل المسؤوليات يشكل نبل الغاية التي يسعى إليها الحكم الذاتي في الصحراء.

إن هذا البناء المؤسساتي يتسق وينسجم مع متطلبات الديموقراطية الموسعة والتي يحصرها “روبرت دال ” في وجود مسؤولين منتخبين وانتخابات دورية حرة ونزيهة وحرية التعبير ومصادر معلومات بديلة والاستقلالية الفئوية والمواطنة الشاملة ([7])، وهو يندرج ضمن تحقيق ” الإنصاف ذو الطابع المؤسساتي” (البرلمان، الحكومة، القضاء) والذي سيتمخض عنه الإنصاف السياسي أيضا للعنصر البشري الذي يركز على المواطن الصحراوي، ويسعى إلى تأهيله وتمكينه من جل أدوات الفعل السياسي وبالاعتماد أيضا على استثمار العناصر التالية:

– تحقيق الإنصاف على مستوى الولوج إلى المناصب السياسية المحلية والوطنية، استنادا إلى قواعد المساواة وتكافؤ الفرص بين شرائح المجتمع الصحراوي دون تغليب الاعتبارات القبلية أو العائلية أو الشخصية.

– خلق ثقافة سياسة في منطقة الحكم الذاتي محفزة لجل المواطنين الصحراويين على المشاركة في تدبير الشؤون المحلية. بمعنى تكريس ثقافة المشاركة التي تنمي القدرة على تحمل المسؤوليات وروح المبادرة والاستعداد والتحمس للقيام بمختلف الأدوار السياسية، كبديل لثقافة الخضوع واللامبالاة وعدم الشعور بالمسؤولية، وحالة الاغتراب السياسي والانكفاء على الذات والسلبية السياسية، وهذا يحمل بين ثناياه احترام لقدرات المواطن الصحراوي وكرامته وحقوقه السياسية.

– إن بناء ثقافة سياسة ديموقراطية مفعمة بثقة المواطن الصحراوي في ذاته وجماعته والنظام ككل، يمكن أن تتحقق من خلال تفعيل قنوات التنشئة السياسية الرسمية وغير الرسمية (الأسرة، المدرسة، الأحزاب …) والتي تعمل على تلقين مختلف القيم والمواقف الاتجاهية والأنماط السلوكية الوثيقة الصلة بالحياة السياسية المحلية والوطنية القائمة على احترام العمل الجماعي والتعاون والإحساس المشترك بالمسؤولية ونكران الذات والإحساس العام بالهوية الوطنية، وغرس قيم خدمة المصلحة العامة أي قيام هذه القنوات بدور التعبئة والتثقيف السياسي في أبهى تجلياته.

– تكريس وعي سياسي لدى المواطن الصحراوي يرشده إلى التمتع بحقوقه السياسية والقيام بالمقابل بواجباته، والانشغال بالقضايا المجتمعية ببعديها الوطني والمحلي، على أن يكون فاعلا سياسيا وليس مجرد ” متلقي سلبي “.

ب- إنصاف المرأة الصحراوية سياسيا

ويبقى أيضا من بين العناصر التأسيسية للإنصاف السياسي الحقيقي والتي لا يمكن المحيد عنها أو إغفالها هي مسألة دعم المشاركة السياسية للمرأة الصحراوية وتأهيلها سياسيا للمساهمة في تدبير الشؤون المحلية واتخاذ القرار السياسي المحلي، وهذا ما أكدته المادة 19 من مشروع الحكم الذاتي … “كما تتضمن تشكلية برلمان جهة الحكم الذاتي للصحراء نسبة ملائمة من النساء” وهذا تماشيا مع معطى قائم مفاده أن هناك اتفاق معظم الباحثين في الدراسات السياسية على أن عملية مشاركة المرأة السياسية أصبحت ضرورة ملحة، بحيث لا يقتصر حق الترشيح والانتخاب للمجالس النيابية على الرجال فقط وإنما يشمل حق الترشيح للرجال والنساء حتى تعطى المرأة حقا متساويا ومتعادلا ([8]). ذلك أنه إذا كانت الأمة أو بوجه خاص الشعب يشكلان مجموع الأشخاص اللذين يتمتعون في الدولة التي ينتمون إليها بالحقوق المدنية والسياسية فيمكن أن تستنتج من كل هذا وبسهولة أن ممارسة السلطة من طرف الأمة تستلزم مشاركة الجميع وتقتضي تكاثف الجهود سواء تعلق الأمر بالرجال أو النساء وهذا شرط أساسي إذا توخينا ممارسة فعلية لحق التصويت وحق الترشيح ([9]) ، وعليه فإن حرص البنية التركيبية لمشروع الحكم الذاتي على ضمان تمثيلية للنساء الصحراويات يندرج ضمن تعزيز شرعية هذه المؤسسات المحلية ويزيد من عمق تمثيلتها للمجتمع، ويعزز من مكانة المرأة الصحراوية في المجتمع ويمكنها من تطوير مهارتها في تربية أجيال فاعلة وواعية، بالإضافة إلى استثمار طاقاتها في سبيل تحقيق التنمية الشاملة، وجعلها عنصرا مشاركا في التعبير عن قضاياها وطرح مشكلاتها وتطوير القوانين والتشريعات التي تعالج أوضاعها على الصعيد الاجتماعي والاقتصادي ([10])، ودخول المرأة الصحراوية لبرلمان الحكم الذاتي فيه ميزة للعمل البرلماني بما لدى بعض النساء من مؤهلات وخبرات ومهارات للمشاركة في معالجة القضايا المجتمعية ([11]) وسيساهم هذا الوضع في إحداث تغير تدريجي في نظرة المجتمع الصحراوي للمرأة بالإيجاب، وأهمية حضورها في وضع القرار المحلي الذي سوف يحظى مع مرور الوقت بنوع من الاعتياد والقبول.

ومما سيزيد من التكريس العملي والواقعي لقواعد الإنصاف السياسي للمرأة الصحراوية، في ظل تذليل وتقويض العوائق الذاتية والمجتمعية لمشاركتها، هو تبني مفهوم التمييز الإيجابي والذي يعتبر إحدى دعائم الإنصاف الذي مؤداه أن تعطى للنساء نوعا من المساعدة المؤسسية – ضمن غيرها من المساعدات -للتعويض عن التوازن الفعلي الذي يعانين منه على أن يتم ذلك بصورة مؤقتة حتى يتم تحقيق التوازن العادل بينهن وبين الرجال، ولقد سبق بروز هذا المفهوم في الاتفاقية الخاصة بالقضاء على جميع أشكال التمييز ضد المرأة والصادر عام 1979 ([12]) ، ولاشك أن المادة 19 حريصة على هذا المبدأ، فضمان تمثيلية للنساء في البرلمان المحلي سيتأسس في البداية على تبني نظام الكوطا كما هو الشأن للبرلمان المغربي، على الرغم من مختلف الانتقادات الموجهة لهذا النظام إلا أنه أسهل الوسائل للوصول بالمرأة الصحراوية إلى المقعد البرلماني المحلي والامتيازات، ولاعتبارات أيضا المبدأ والعدالة وتمثيل المصالح والتنمية الرمزية أيضا لتمثيل المرأة في المجالس النيابية صيانة لكرامتها، كما أن تخصيص مقاعد للنساء في المجالس النيابية يعطي نموذجا للمشاركة السياسية جديرا بالاقتداء يكمن بدوره في زيادة المشاركة السياسية للنساء ([13]) وبالتالي، فاعتماد هذا السلوب سيضمن نسبة ملائمة من النساء في تشكيلة برلمان جهة الحكم الذاتي للصحراء والذي سيشكل حتما عنصرا داعما لمشاركتها السياسية التي هي جزء من حريتها العامة وحق من حقوقها المدنية والسياسية، ولن تكتمل مواطنتها إلا بمدى مشاركتها في تدبير شؤونها المحلية.

ثانيا: البعد الثقافي للإنصاف

يرتبط مفهوم الإنصاف الثقافي بتطبيقات نظام الحكم الذاتي على مستوى الأنظمة المقارنة، وعلى الفكرة /المبدأ احترام الخصوصية والتنوع الثقافي في إطار الوحدة الوطنية وبمنأى عن معايير الاصطفاء والإقصاء فالحكم الذاتي في الصحراء يستهدف بما لا يدع مجالا للشك حماية ورعاية مكونات الثقافة الصحراوية واستنهاضها وإنباتها في إطار بيئة صالحة وسليمة  وما هو أكيد أيضا أن تطبيق الحكم الذاتي ينساق نحو بلورة توليفة متكاملة من الدعامات لتأكيد الإنصاف الثقافي (ب).

أ. احترام الخصوصية السوسيو – ثقافية في سياق الاندماج الوطني

إن الاندماج الوطني والوحدة الوطنية لا يمكن تحقيقها إلا بخلق سياسات متعددة الثقافات التي تشكل أساسا لبناء الدولة الديموقراطية الحداثية التي بواسطتها يمكن تحقيق النفع العام لجميع المكونات المجتمعية على اختلاف تلاوين هوياتها، ومشروع الحكم الذاتي يدخل ضمن هذا الإطار ويؤكد أن التماثل الثقافي لا يمكن تحقيقه إلا باندماج جميع الهويات الثقافية للمغاربة باعتبار أن المجتمع المغربي هو مجتمع متعدد الهويات إسلامية، إفريقية، أندلسية، أمازيغية، عربية، صحراوية ([14]) فالحكم الذاتي يراهن بشكل كبير على استحضار البعد الاندماجي بدل الإقصائي للنهوض بالثقافة الصحراوية وجعلها أحد المكونات الأساسية للثقافة المغربية، وكمدخل لإنصافها وإعادة الاعتبار لمكوناتها ومقوماتها ومقدوراتها، فإنصاف الثقافة الصحراوية يتم عبر مسلك الإستجاب بدل الاستيلاب والحفاظ على خصوصيتها بدل إدخالها في دائرة الاغتراب.

وعلى هذا الأساس ثمة دواعي ودوافع تشكل ضروريات التأسيس لهذا الإنصاف الثقافي التي مؤداها أن قضية الصحراء المغربية هي في جوهرها قضية تميز ثقافي للصحراويين انتقلت إلى المستوى السياسي المتمثل في مطالبة بعضهم بالانفصال، عكس بعض النماذج الأخرى الانفصالية التي لم تعرف هذا التوتر الذي تعرفه هذه القضية، فكلها تقوم على تمايز ديني أو أثني ([15]) ، كما أن متطلب الإنصاف يستجيب ومسألة خصوصية الثقافة الصحراوية، فالخصوصية في تعبيراتها تعني التمايز عن الآخر والاتصاف بملامح ذاتية تختلف عنه وبهذا المعنى، فإن الخصوصية ليست مفهوما محليا فقط، بل إن المفهوم نفسه عالمي إذ لكل جماعة بشرية مثقفة رؤيتها الذاتية وخصوصيتها ([16]).

وبطبيعة الحال، فإن للصحراء المغربية خصوصية ثقافية وجغرافية ولغوية كما هو الأمر بالنسبة لجميع جهات المملكة، غير أن طبيعة هذه الخصوصية اتخذت طابعا خاصا بفعل طبيعة الوجود الاستعماري بالمغرب وسيرورة التخلص منه ([17])، كما أن هذه الخصوصية تؤثثها هوية ثقافية صحراوية ساهمت في تشكلاتها وبناءاتها الكثير من العناصر المرتبطة بفضاء وإيقاع العيش بالبادية، فضلا عن الإبداعات والعوائد والطقوس الشعبية والاحتفاليات الاجتماعية والدينية التي ترسم في غناها وتعددها هوية الإنسان الحساني ومن ذلك الوسط الطبيعي أي الصحراء بوصفها مكانا حميميا رحبا ومجالا واسعا وممتدا من الرمال والقيظ والندا، بل امتدادا جغرافيا ضاربا في أعماق المدى، وذاكرة منفتحة على تاريخ عريق يختزل أشكالا متنوعة من القيم والخبرات الإنسانية الموغلة في القدم ([18])، وإلى ما هنالك من عادات وطقوس شعبية تعبر في عمقها الثقافي بالصحراء عن مجموعة من الخصوصيات التي ينفرد بها التاريخ الإثنوغرافي الصحراوي. وترسم على اختلاف مجالاتها ومستوياتها المعالم العامة التي ينبني عليها التاريخ الثقافي والاجتماعي الحساني ([19]).

ب- الدعامات الأساسية للإنصاف الثقافي

إن الإنصاف الثقافي للمنطقة يمر عبر اعتماد مجموعة من المسلكيات والارتكاز على تضافر جملة من التدابير الإجرائية العملية والتي يمكن أن تشكل الأساس المعتمد والمقياس الواجب إعماله، والتي يهدف إليها الحكم الذاتي كما هو معمول به في النماذج المقارنة فيما يلي:

– وضع استراتيجية منتظمة متوسطة وبعيدة المدى لإحياء التراث الثقافي الصحراوي والعمل على صيانته وتحصينه ضد كل الشوائب والمثالب، الدخيلة، والعمل على مكننة هذه الاستراتيجية ماديا وبشريا للحفاظ على صيرورتها.

– فتح المجال أمام الأكاديميين والباحثين للحفر في الذاكرة الثقافية الصحراوية واستحضار بعدها التاريخي ومدها بالحاضر، مع القيام بالتعريف بها محليا ووطنيا ودوليا، من خلال الندوات أو الدراسات الأكاديمية، الإعلام، إلخ.

– إن من مبادئ الإنصاف الثقافي التي يمكن أن تتمخض عن الحكم الذاتي إعادة الاعتبار للمثقفين الصحراويين وتحفيزهم على البذل والعطاء الثقافيين، وأن تتوفر لهم الإمكانيات المادية والمعنوية في سبيل تحقيق ذاتهم وكينونتهم، وكلها محركات للمزيد من العناية بالإنتاج الثقافي الصحراوي والرفع من أداء وكفاءة النخبة المثقفة والوصول إلى التنمية الثقافية المنشودة.

– القيام بمهرجانات ثقافية سنوية والعمل على مأسستها حرصا على ديمومتها واستمراريتها في سبيل التعريف بمكونات وتنويعات ومضامين الثقافة الصحراوية وذلك، من أجل انفتاحها على باقي الثقافات الأخرى الوطنية والدولية ومنحها المرونة اللازمة وعدم إسقاطها في الخصوصية الجامدة سعيا وراء استيعابها واستفادتها من الثقافات الأخرى أي بمعنى إحقاق ” مستوى من التلاقح الثقافي الجيد ” .

– الاستثمار الجيد للفضاء الإعلامي الوطني المحلي في النهوض بالتراث الثقافي الحساني نظرا للدور الذي غدت تقوم به وسائل الإعلام ووسائل الاتصالات في تنمية المشاركة في الحياة الثقافية وبالحفاظ على التراث الثقافي وإبرازه ([20]) ، ولعل استحضار التجربة الرائدة “لقناة العيون ” في هذا المجال خير دليل على صدقية هذه المعطيات، فهي تشكل نموذج حقيقي لهذا المعطى الإعلامي السياسي الثقافي المترابط، وتقدم الثقافة المغربية الصحراوية بكل تجلياتها وخصوصياتها المميزة باللغة العربية الفصيحة واللغة العربية الحسانية التي تسود كل المناطق الصحراوية المحيطة، فهي تبث برامج خاصة بها، تتناول تاريخ القبائل الصحراوية واستطلاعات حول المواقع الأثرية والخصائص الجغرافية المتنوعة، بالإضافة إلى التعريف بالتراث الحساني الشعري والغنائي، والعادات الاجتماعية والقبلية القديمة التي لاتزال سائدة ([21]) ، ويبقى فقط وجوب الحفاظ على هذا المكسب الإعلامي من أجل كسب الريادة على المستوى الدولي والوطني.

إن إقرار الإنصاف الثقافي للصحراء الذي يؤطره الحكم الذاتي ويؤكد عليه، سيؤول بدون شك إلى إحداث نوع من الترابطات والتقاطعات بين المكونات الثقافية المشكلة للثقافة المغربية في سياق من الانسجام والتناغم والتفاعل الإيجابي المتبادل دون استقواء ثقافة على أخرى وبمنأى عن أي تحيزات أو تعارضات مع حفاظ التفريعات الثقافية على أصالتها وعلى جل العناصر والخصائص المميزة لها.

إن الإنصاف الثقافي يرتقي في توظيفاته إلى إحداث تغيرات في بنية المجتمع وأنماط التفكير، وبدون شك، فإن النهوض بالثقافة الصحراوية وإنباتها واستحداثها ستتمخض عنه تكون ما يصطلح عليه في الوقت الراهن “بالمواطنة الثقافية”. فالمواطنة ليست الهوية أو الانتماء فهذه كلها نتائج المواطنة، أما المواطنة نفسها فهي تحرك البشر لاكتساب الحقوق والمشاركة الفعالة بدون تمييز، كما تدفعهم لاقتسام الموارد على قاعدة اقتصاد إنتاجي، فعندئذ تحقق المواطنة بغير ذلك، “فالمواطنة الثقافية ” هي حق المشاركة في المركب الحضاري الواحد بدون تمييز ([22]) ، وهذا يشكل في حد ذاته “قمة رهان ” الحكم الذاتي في الصحراء.

العنصر الثاني: التأسيس لمبادئ الإنصاف الاقتصادي الاجتماعي في ظل الحكم الذاتي

إن الإنصاف لا يمكن أن يكتسب النجاعة والفعالية الموجودتين دون استثمار مقوماته الاقتصادية والاجتماعية، فمتطلب تأهيل المنطقة اقتصاديا بنوع من التخطيط والترشيد وأقلمته مع الاقتصاد الوطني ومقدرات العولمة هدف لا مناص منه الذي يجعل الفرد الصحراوي فاعلا في إحقاق الإنصاف وموضوعا أيضا لهذا الأخير، في حين أن الإنصاف الاجتماعي لا يعبر بالضرورة عن التوزيع العادل وعن مفهوم المساواة بالمعنى الضيق، وإنما هو عبارة عن “إجراء عادل ” وعامل توازن يساهم في جعل وضعية ما تتسم بعدم المساواة مقبولة عندما تكون المساواة غير مقبولة، وهو يوظف مطلب توزيع المنافع والاهتمام بالفئات الدنيا للمجتمع الصحراوي، ومن أجل التفصيل في هذه العناصر فإن (أولا) سنخصصه بالمقاربة البعد الاقتصادي للإنصاف بأهدافه وآلياته أما (ثانيا) نتطرق فيه إلى تمظهرات الإنصاف الاجتماعي ومساعيه.

أولا: البعد الاقتصادي للإنصاف

سيشكل الإنصاف الاقتصادي أحد الدعامات الجهوية للنهوض بمنطقة الحكم الذاتي اقتصاديا وانخراطها في التنمية الشاملة، من خلال توفير فضاءات ومجالات خصبة للنمو الاقتصادي، تعتمد على بنية تحية لازمة وتنوع في القطاعات الإنتاجية وتحضير المبادرات الفردية والجماعية الحرة للمشاركة في التنمية الاقتصادية أي بمعنى أعم بناء استراتيجية لهذا النوع من الإنصاف فعالة وعقلانية  مع تمكينها بمجموعة من الأسس الاقتصادية والمرتكزات الداعمية لإنجاحها والتي تتجلى في توفير الموارد المالية واعتماد نظام ضريبي منصف (ب).

أ- الحكم الذاتي واستراتيجية الإنصاف الاقتصادي

إن المغرب من خلال طرح وثيقة الحكم الذاتي لجهة يبلور تصور اقتصادي محلي شمولي ومندمج يأخذ بعين الاعتبار رغبات المواطنين وحاجياتهم في إطار تخطيط منهجي يرتكز على مقاربة توفق بين توظيف المؤهلات المحلية وتلبية متطلبات الساكنة وعبر العديد من الأساليب كالتخطيط الجهوي الذي يعتبر إطارا أساسيا للتسيير الاقتصادي المحلي ([23]) ، فهي استراتيجية محكمة ومنتظمة تعمد إلى إقرار إنصاف ذو بعد اقتصادي لساكنة المنطقة، حيث يشكل خلق وحدات الإنتاج المحلي التي يمكنها أن تحقق نوع من الاكتفاء الذاتي ومنحها التنافسية وطنيا وتحصينها أيضا ضد مخاطر وفروض العولمة منطلقها الجوهري، ويرتكز أيضا على توفير معظم الحاجيات الاقتصادية للمواطن الصحراوي مع إقرار مبادئ المساواة وتكافؤ الفرص في الاستفادة منها وذلك بالمضي والتأكيد على تمكين المنطقة من مصادر القوة وتحسين البيئة المحلية لوفود الاستثمارات الوطنية والخارجية ذلك أن الإنصاف الاقتصادي ليس غاية ولكنه أيضا كوسيلة لتحفيز الاستثمارات وجعلها أكثر إنتاجية، الأمر الذي يعجل بسرعة وثيرة النمو الاقتصادي ويؤدي إلى ردم الهوة بين منطقة الحكم الذاتي والمناطق الأخرى وأيضا إلى إقرار المساواة على مستوى الأفراد في المنطقة وتكسير جل القوالب التمييزية والنمطية، فالهدف المحوري هو وضع سياسة اقتصادية من شأنها تصحيح أنماط استمرار عدم تكافؤ الفرص والعمل على تحقيق الكفاءة الاقتصادية للمنطقة وللأفراد القائمين فيها.

يحمل المشروع المغربي للحكم الذاتي لمنطقة الصحراء، الارتقاء بالإدارة المحلية في هذه الجهة لكي تصبح فضاءا استراتيجيا لتدبير الشأن المحلي ومجالا خصبا لتفعيل الحكامة الاقتصادية على المستوى المحلي ([24])، واعتماد ” براديغمات ” الإنصاف الاقتصادي التشاركي، من خلال تقوية الروابط بين مجالات القطاع العام والخاص من أجل تحسين تقديم الخدمات الاقتصادية الأساسية والبنيات التحتية والسعي وراء تحقيق مجتمع محلي تتساوى فيه الفرص للجميع، وذلك بنهج سياسة اقتصادية موجهة أيضا لمصلحة الطبقات الدنيا في المجتمع الصحراوي، وتهدف إلى تذويب الفوارق والتمايزات القائمة بين معظم الشرائح المجتمعية المحلية وأيضا على المستوى الوطني، فالإنصاف الاقتصادي يحمل في مكنونه تيمات تحرير التنمية الاقتصادية الصحراوية من النزعات الإقصائية للمنطقة والمواطن أيضا على حد سواء، في إطار مبادئ الحرية وتشجيع المبادرات الاقتصادية الجماعية والفردية، دعما للاستراتيجيات التي تنشد التغيير الاقتصادي المنصف في الصحراء، ويصبو إلى إيجاد مناخ اقتصادي يوفر مجموعة من الفرص أمام المنطقة والمواطن الأقل صوتا وقدرتا وحظا، بواسطة تعزيز واحترام الحقوق والحريات الاقتصادية والدفع الإيجابي بتخصيص الموارد الاقتصادية بصورة عادلة ومتساوية في سياق تكاملي.

إن الحكم الذاتي يسعى في مراميه إلى إقرار مجموعة من الظروف المعيارية والواقعية المعبرة والمؤسسة للإنصاف الاقتصادي والتي يمكن إجمالها فيما يلي:

– توفير الدعامات الأساسية ذات المضمون القانوني الإجرائي المرن والدوافع التحفيزية المشجعة للمستثمرين المحلين والوطنين والأجانب للمساهمة في إذكاء مبادئ الإنصاف الاقتصادي الذي تتحدد في درجة الرفاه والرقي الاقتصادي للمنطقة والمواطن وزيادة معدلات النمو والعمالة والتشغيل.

– إحداث شراكة اقتصادية بين السلطة المحلية والمقاولات الخاصة مع دعم المبادرات الفردية خاصة الفئات المحرومة اقتصاديا التي هي بالدرجة الأولى موضوع الإنصاف على أن تكون من جهة أخرى مساهمة فيه.

– إتباع نظام جبائي مرن يحفز على إنشاء المقاولات الصغرى والمتوسطة خاصة فئة الشباب، مع دعم جمعية المجتمع المدني العاملة في إطار التنمية الاقتصادية والتي تركز على الفئات المهمشة، ومنح هذه الهيئات جل الوسائل المادية والمعنوية للمساهمة في إنصاف المواطن الصحراوي باعتبارها أكثر قربا وارتباطا به.

– فسح المجال للفاعلين الاقتصادين المحليين لإعداد سياسة اقتصادية شمولية تجمع جل الميادين المالية والنقدية والتجارية والسياحية والاستثمار الداخلي والخارجي، من أجل تحقيق المردودية الاقتصادية في المنطقة.

-اعتماد استراتيجية جيدة ومتجددة في البحث عن كيفية تسويق المنتوجات الاقتصادية للمنطقة في السوق الداخلية والخارجية تمكنها من امتيازات تفضيلية من قبيل الإعفاء من الضرائب والرسوم الجمركية بالشكل الذي يراعي نمو الاقتصاد المحلي، ويكون الأساس فيها تحسين شروط العيش للمواطن الصحراوي والرفع من مستواه المعيشي.

-إن الإنصاف الاقتصادي قادر على أن يمكن المنطقة من أن تكون منطقة جذب اقتصادي قادرة على توفير الفرص للمواطنين للمشاركة في التنمية الاقتصادية.

– تحقيق التجانس الاقتصادي الداخلي على المستوى المحلي بين مختلف الشرائح المجتمعية دون أي تمييز أو إقصاء، وإحداث تنوع على مستوى الأنشطة الاقتصادية التي تدر الموارد المالية الكافية وتسد حاجيات المواطنين، بمعنى ” مواجهة الخصاص الاقتصادي ” والعجز والركود الاقتصاديين والتضخم، وهذا لن يتأتى طبعا إلا من خلال الاعتماد في مقام أول على الموارد المالية الذاتية والمشاريع المنتجة وتنوع القطاعات الإقتصادية.

تعزيز وضع بنية تحتية وارتفاع الإنتاجية والتنافسية للإقتصاد المحلي لمنطقة الحكم الذاتي أمام المنتجات الوطنية ومنتوجات الدول الأخرى.

ب- توفير الموارد المالية وإقرار ضريبي منصف

يعتبر توفير الموارد المالية لمنطقة الحكم الذاتي لتدبير شؤونها الإقتصادية ضرورة مفصلية وجوهرية في إرساء دعائم الانصاف وتجسيد تجلياته على مستوى الواقع والممارسة بفعل التمكين المالي للمنطقة الذي يجمع بين التمويل الذي يجد مصدره من ميزانية الدولة /المركز وعن طريق تخصيص جزء من العائدات المحصلة من طرف الدولة والمتأتية من الموارد الطبيعية الموجودة داخل الجهة، والموارد المخصصة في إطار التضامن الوطني، وأيضا الاعتماد بشكل كبير على التمويل الذاتي الذي يستمد أصوله من الضرائب والرسوم والمساهمات المحلية المقررة من لدن الهيئات المخصصة للجهة والعائدات المتأتية من استغلال الموارد الطبيعية، المرصودة للجهة وعائدات ممتلكات الجهة ([25]).

إن أهمية مصادر التمويل المالي تكمن في تنوعها وتعدد منافذها وفعاليتها وحسن توظيفها في إرساء الإنصاف الاقتصادي لا لن يتم إلا عبر مسلك الدمج والجمع بين التوظيف الأمثل للموارد الذاتية والموارد المالية ودون تعطيل أو إغفال أهمية مورد على حساب الاخر، كما أن توافر الموارد ووجود عوامل الإنتاج برفقة نهج استراتيجية عقلانية وموضوعية لإدارة هذه العناصر، وإدراجها ضمن السياسة الاقتصادية المحلية الشمولية بوجهيها المالي والنقدي.

إن الإنصاف الاقتصادي يرتكز على معايير ومبادئ العقلانية لتوزيع العوائد الناتجة عن استثمار واستغلال الموارد والثروات الطبيعية بصيغة مشتركة متساوية بين مختلف القطاعات المنتجة والاجتماع البشري الصحراوي دون تكريس مصالح فئة على حساب الأخرى.

إن الرفع من قدرات استخدام الموارد المالية وتخصيصها لخدمة “جدوائية الإنصاف ” وتحقيق تنمية متوازنة لمجاوزة التفاوتات والتراكمات السلبية والاختلالات الموروثة من الطابع النزاعي للمنطقة وبفعل خصوصياتها المتنوعة، هو الهدف الأسمى لتركيز قيم المصلحة العامة على المستوى المحلي دون الخيار أو التفريط مع اتساق هذه الإدارة الجيدة للموارد المالية مع الاستراتيجية العليا للتنمية الاقتصادية القائمة على المستوى الوطني والتي يجب أن تستند على حسن التخطيط لصرف النفقات والعوائد وفق نسق يشتغل تحت مسعى التنمية الاقتصادية المحلية، أي بمعنى أن الحكم الذاتي يعطي المنطقة فضاءات واسعة لبلورة برامج وخطط للإنصاف ذو المرامي التنموية على مختلف الأصعدة الحياتية وربطها بالأهداف ودراسات الجدوى بالنسبة للقطاعات الانتاجية والاستثمار الداخلي والخارجي وربطها بالاستراتيجيات التنموية الشمولية على المستوى الوطني.

إن من بين أدوات الإنصاف الاقتصادي إقرار الحكم الذاتي لنظام ضريبي خاص بالمنطقة يراعي مجمل خصوصياتها الجغرافية التاريخية والاقتصادية والاجتماعية ويشكل في نفس الوقت موردا ماليا لتحقيق التنمية المنشودة للمنطقة وتحفيز الاستثمارات بمختلف أشكالها ([26]) كما هو معمول به في التجارب المقارنة (إسبانيا، إيطاليا…) والتي لجأت إلى نظام ضريبي خاص بمنطقة معينة بذاتها في حين اعتمدت نظام ضريبي عادي في باقي المناطق الأخرى، مثلا في إسبانيا تم التوسيع من صلاحيات المجموعات المستقلة حيث استفادت منطقة “كاطلونيا” من صلاحيات جديدة في مجالات مثل الهجرة والشؤون القضائية والإرادات الضريبية، وهذا يتماشى إلى حد كبير مع مبادئ الإنصاف المرتبطة بخصوصية كل جهة في إسبانيا ولا يشكل ضررا أو خرقا للقواعد المؤسسة للجهوية السياسية الموسعة كمبدأ التضامن والمساواة والوحدة.

إن الضريبة كإحدى أهم الوسائل المثلى لسياسة الإنصاف التي يمكن أن تحقق الأهداف المسطرة للإنصاف الاقتصادي الشمولي حيث يتمخض عنها “مستويات من العدالة الضريبية “، القائمة على أساس تفادي معدلات الضغط الضريبي وخفضه لتقوية المقدرة الشرائية للمواطن الصحراوي والقدرة التنافسية للمقاولات المشكلة للنسيج الاقتصادي المحلي، والعمل على توسيع الوعاء الضريبي، مع إخضاع الرفع من مستوى المداخيل الجبائية لشروط الظروف الموضوعية للمنطقة والشروط الغير مثقلة لكاهل المواطن العادي، مع اعتماد الإعفاءات الضريبية الأكثر عقلانية (خفض الضريبة على الدخل، والضريبة على الشركات …) من أجل جلب الاستثمارات الخارجية وتشجيع المستثمرين المحلين، وهذا طبعا سيكون له نتائج إيجابية على مستوى إضفاء الطابع الاجتماعي على النظام الضريبي المحلي وتعزيز تنافسية الاقتصادي المحلي.

وثمة مسلمة قابلة للتنفيذ بهدف تأكيد أساسيات النظام الضريبي المنصف وهو العمل على ترسيخ الوعي الضريبي لدى المواطن الصحراوي ومقاومة سلبيات التهرب الضريبي أي تحقيق “الالتزام الطوعي” لأداء الضرائب واعتماد أنظمة وقوانين ضريبية محلية من أجل الوصول إلى الإنصاف المستهدف والتسهيل على المواطن وحماية حقوقه وكرامته مع تفعيل إجراءات تحصيل الضرائب، والتعامل بأسلوب مرن مع المواطنين سواء أثناء تبليغ أو تحصيل المستحقات الضريبية.

إن النظام الضريبي المنصف يضمن على حد كبير التوزيع العادل للعبء الضريبي بين مختلف الشرائح المجتمعية في منطقة الحكم الذاتي ويركز عناصر التوازن والمساواة وتكافؤ الفرص واقتسام المداخيل والحصول على المنافع المالية بين مختلف الفئات وعدم تركيز الثروة في أيدي ملاك عناصر الإنتاج ورأس المال، وإنصاف المواطن ذي الدخل المحدود، فالضرائب غير المباشرة والرسوم المؤداة على الخدمات العامة يجب أن تفرض بشكل تصاعدي وليس تنازلي ضمن سلم الفئات الاجتماعية لإقرار مقومات المساواة والعدالة والتنمية المستدامة الشاملة.

ثانيا: البعد الاجتماعي للإنصاف

إن تعدد أبعاد الإنصاف وأهدافه النبيلة، يجعل الجانب الاجتماعي محور الاهتمام في المنظومة التركيبية النسقية لنظام الحكم الذاتي ودلالاتها التعبيرية، حيث لا يمكن أن نتصور عمليا حضور منطق إقصاء أو عزل المجال الاجتماعي في معادلة الإنصاف ونكاد نجزم أنه يشكل كنه الإنصاف، لأن مختلف المتغيرات المؤسسة للإنصاف تجتمع في الوصول الى الهدف الأسمى وهو الارتقاء بالمواطن الصحراوي اجتماعيا ومحاربة كل مظاهر اللامساواة والحاجة والفقر  وللحصول على هذا المسعى لابد من استحضار مجموعة من الآليات والميكانزمات الإجرائية والقيمية التي يمكن أن تجسد هذا الإنصاف على أرض الواقع (ب).

أ- تجليات الإنصاف الاجتماعي وجبر الضرر

يشكل الإنصاف الاجتماعي إحدى المبادئ الأساسية للتنمية المستدامة والتنمية البشرية ويهدف إلى إشباع الحاجات الضرورية والرفع من المستوى المعيشي لكافة الفئات الاجتماعية وأنواع الجماعات المختلفة خصوصا الأكثر احتياجا وذلك بواسطة توفير فرص العمل والتعليم والصحة والخدمات الإجتماعية المختلفة والسكن اللائق ([27]).

إذن، فالإنصاف الاجتماعي هو منح شروط العيش المتسمة بالعدالة والمساواة لكلا الجنسين، إنه رهان التنمية المستدامة معتمدا في ذلك على المبادئ الأساسية لحقوق الإنسان والحريات الفردية في إطار تحقيق مستويات من الإنصاف والتضامن بين مختلف الأجيال مع الأخذ بالاعتبار الأجيال القادمة، وإنه يهدف إلى محاربة الفقر والإقصاء والتمييز وإلى احترام التنوع الثقافي ([28]).

وأمام هذه الأهمية التي يتلقفها موضوع الإنصاف الاجتماعي، فإن الحكم الذاتي في الصحراء لم يغفل هذا الجانب وجعله إحدى أولوياته، حيث تحدث المشروع بشكل شمولي على القطاع الاجتماعي، الإسكان التعليم والصحة والتشغيل، الرياضة، الخدمات الإجتماعية والتأمين الاجتماعي، على اعتبار أن السياسة الإجتماعية هي حقل من حقول بناء دولة الحداثة والديمقراطية ([29]) ، فالحكم الذاتي في شقه الاجتماعي يجعل المواطن الصحراوي محور الإنصاف، فهو يستهدف إحداث تبديل وتغيير اجتماعي في مختلف المجالات الحياتية المرتبطة به، وتقويض كل الموانع والعراقيل التي يمكن أن تقف حجرة عثرة في رسم وتثبيت قواعد هذا الإنصاف، وبحكم أنه يشكل مصدرا أيضا لإشباع النوازع البيولوجية والنفسية والاجتماعية للمواطن ويجعله فاعلا في التغيير وأكثر سعيا لتحقيق التقدم بمعية ما يوفره الإنصاف الاجتماعي من فوائد للمواطن الصحراوي من حيث توفير الخدمات التعليمية الجيدة والصحة، الدخل الذي يمكنه من قضاء حاجاته ومطالبه، والمسكن المناسب والعمل الذي ينسجم مع قدراته الجسمانية والعقلية والأمن والتأمين الاجتماعي وبالمقابل محق وهدم كل مظاهر الاستغلال الإنساني وإحلال محلها مبادئ الإنصاف من قبل تكافؤ الفرص والاستفادة من الخدمات الإجتماعية على قدم المساواة ووفق موجبات وفروض الحاجة إليها، على أن مظاهر الإنصاف لا تقف عند هذا الحد وإنما تجعل من العنصر البشري في الصحراء أساسا لتحقيق التنمية الإجتماعية، فهو سيشكل بحق حجر الزاوية في أي إستراتيجية تنموية اجتماعية من حيث التفكير والإعداد والبرمجة والتنفيذ والتقويم والترشيد سعيا وراء متطلبات التنمية المنصفة للفرد الصحراوي في واقعه اليومي المعيشي والحصول على الطمأنينة والعدالة الإجتماعية والأمن والاستقرار التي تشكل أهم ملامحه.

إن تضمين الحكم الذاتي لعناصر الإنصاف الاجتماعي الهدف منه كسر شوكة التمايزات الاجتماعية والتناقضات التي غدت تثويها طرائق عيش المواطنين في المخيمات (تيندوف) والتي بدأت تظهر بشكل صارخ وغير منسجم مع البنيات التقليدية للمجتمع وبروز تشكل طبقي لبورجوازية تجارية تنشط في كل شيء، وهي تعد اختراقا هجينا للبنية الإجتماعية بالمخيمات، وإلى جانب غياب الرعاية الاجتماعية بالمخيمات وتغيب الرعاية الصحية لمعطوبي الحرب ([30]) .

إن كل هذه المثالب الاجتماعية قابلة للتجاوز في ظل الحكم الذاتي، على خلفية أن هذا الأخير يضمن كافة الإجراءات اللازمة من أجل إدماج الأشخاص الذين تتم عودتهم إلى الوطن إدماجا تاما في حظيرته، وذلك في ظل ظروف تكفل الحفاظ على كرامتهم وسلامتهم وحماية ممتلكاتهم ([31]) ، وفي ظل ظروف تحقيق نوع من الاستقرار والأمن الاجتماعيين والوحدة الاجتماعية والتآخي بين جموع المواطنين الصحراويين، وهذا النسق طبعا يشكل بشكل أو بآخر نوعا من جبر الضرر للعائدين إلى الوطن، وامتدادا طبيعيا واستراتيجيا للسياسة الحكيمة للملك الراحل الحسن الثاني ” إن الوطن غفور رحيم ” والتي امتدت استمراريتها وفعاليتها مع جلالة الملك محمد السادس ويشكل إنصاف المواطنين العائدين من مخيمات تندوف جوهرها وكنهها، فما هو أكيد أن هذه الشريحة ستستفيد من كل برامج الرعاية الإجتماعية بدون تمييز أو إقصاء والعمل على إدماجهم في النسيج المجتمعي الصحراوي وأن توفر لهم كل ظروف العيش الكريم وأن يلقوا الدعم المادي والمعنوي وتسوية أوضاعهم القانونية والاستفادة بكل حقوق المواطنة.

إن جبر الضرر أيضا ينصرف على ضحايا النزاع بالأقاليم الجنوبية وما لحق بهم من أضرار، فالحكم الذاتي سيشكل مجالا لهذا الفعل استكمالا لما قامت به هيئة الإنصاف والمصالحة. وعادة ما يتم في اعتماد مبدأ جبر الضرر على التدابير والإجراءات الرامية إلى إصلاح ما لحق بضحايا انتهاكات حقوق الإنسان من أضرار، وعادة ما تتخذ هذه التدابير والإجراءات أشكالا ممتدة ومتنوعة، سواء الشكل الكلاسيكي منها المتعلق بالتعويض المالي أو أشكال الجبر الأخرى المتمثلة في إعادة التأهيل أو الإدماج أو استرداد الكرامة أو الحقوق المصادرة واسترجاع ما ضاع أو فات لضحايا الانتهاكات ([32])، وذلك انسجاما مع الدلالات التعبيرية لمشروع نظام الحكم الذاتي.

ب- ميكانيزمات تحقيق الإنصاف الاجتماعي

وفي خضم هذا الجرد لمظاهر الإنصاف الاجتماعي بأبعادها الغائية الإيجابية، يمكن التأكيد على أن هذا الإنصاف سيتأسس على وضع اجتماعي سالف ومسبق، وسيشكل استمرارية له وسيعمل على تثبيته على الدعامات الصحيحة، ومن جهة أخرى تشكل هذه الأرضية الإجتماعية مجالا خصبا لتحقيق الإنصاف، وهذا طبعا مرتبط بالمؤشرات التي تحققت على مستوى التنمية البشرية بهذه المناطق، حيث تقل فيها نسبة الأمية عن 10 نقاط عن المعدل الوطني، ونسبة الفقر بأقاليم أوسرد، الداخلة، بوجدور، العيون والسمارة تتراوح ما بين 2.78 بالمائة، وتصنف بذلك ضمن الأقاليم الثماني الأولى على الصعيد الوطني، إذ لا يفوقها سوى إقليمي الرباط والدار البيضاء كما ينطبق هذا الترتيب أيضا على مجموعة من المؤشرات التنموية التي تخص مجموعة من المعطيات الخاصة بالمستوى التعليمي، مستوى الدخل الفردي كذا بالحالة الصحية لساكنة هذه المنطقة ([33])، وهذا ما يؤكد صدق النوايا المغربية في استكمال هذا الصرح الاجتماعي البناء من خلال الحكم الذاتي لهذه المنطقة، وكل الدلائل والمعطيات الإجتماعية تبرهن على ذلك، إلا أن هذا طبعا لا ينفي ضرورة مواصلة العمل وتفعيل هذه المبادرة والتي سيترتب عنها مجموعة من المؤشرات الإيجابية والتي يمكن إيجازها فيما يلي:

– تأكيد عنصر الجودة في المنظومة التعليمية: وذلك لما يتضمنه مشروع الحكم الذاتي من أولوية لقطاع التعليم نتيجة دوره المحوري في خلق أجيال واعية بمسؤولياتها فالتعليم يشكل رهان كل تنمية منشودة، ولن يتأتى ذلك إلا عن طريق تطوير الأساليب التربوية والمناهج الدراسية لتنسجم أكثر مع متطلبات المجتمع، ونجاعة تكوين الأطر التعليمية وفق منهجيات ووسائط أكثر ثراء للتحصيل العلمي.

– الارتقاء بمستوى الخدمات الصحية: من خلال اعتماد برامج وخطط متطورة ومتكاملة لتحسين الصحة العامة والرعاية الصحية، أي تبني إستراتيجية مواكبة لمختلف التغيرات الوطنية والدولية الإكراهات المفروضة محليا في المنطقة، وذلك من قبيل تعزيز البنيات التحتية للقطاع الصحي واعتماد مقاربة تشاركية مع القطاع الخاص وجعل الفئات المعوزة والمحرومة محور الاهتمام الصحي، والزيادة العددية في المستشفيات والمراكز الصحية لسد الطلب المتزايد على الخدمات الصحية خصوصا في المناطق النائية.

– اعتماد معاملة اجتماعية تفضيلية للفئات المحرومة وذات الاحتياجات الخاصة: إن الإنصاف الاجتماعي الجيد هو الذي يجعل هذه الفئات على سلم أولوياته ويفرد لها مجموعة من الامتيازات من قبيل تخصيص منح وإعانات دائمة، والأخذ بمبدأ المجانية أو الأداء الرمزي للاستفادة من الخدمات الاجتماعية (الرعاية الصحية، السكن الاقتصادي اللائق التخفيض أو الإعفاء من الضرائب والرسوم على الخدمات العامة، إلخ، وفرض معاملة خاصة لذوي الاحتياجات الخاصة والمعوقين، والأيتام، والعجزة، الأطفال المتخلى عنهم، المطلقات، إلخ، وحق استفادتهم من جل الخدمات الإجتماعية (الصحة، التعليم، السكن، الضمان الاجتماعي) .

– توفير السكن اللائق: من خلال نهج إستراتيجية سكنية اقتصادية واجتماعية تراعي احتياجات ذوي الدخل المحدود، وتتوفر على المواصفات التنمية التي تضمن العيش الكريم.

– تبني سياسة محكمة: بخصوص محاربة البطالة في منطقة الحكم الذاتي، وتكفل المؤسسات السياسية المحلية إلى جانب الوطنية بتوفير فرص الشغل على قدم المساواة، والاستجابة لمتطلبات التشغيل في إطار شراكة مع القطاع الخاص، وتشجيع المبادرات الخاصة بالشباب (دعم المقاولات الصغرى والمتوسطة).

– تعزيز دور الهيئات المدنية في إطار منظور تشاركي مع القطاع العام لتأصيل قيم العمل الاجتماعي التطوعي وتركيزه على مستوى التمثيل الجماعي، وتوفير بنية صالحة من التحفيز المادي والمعنوي (دعم الجمعيات الخيرية والطوعية المختصة بالعمل الاجتماعي). وهذا يكرس بدون شك قيم الشفافية وعدم احتكار الدولة والسلطة المحلية للمبادرات في مجال سياسة الإنصاف الاجتماعي.

يتبين من خلال المقاربة أن هناك علاقة جدلية تلازمية بين الحكم الذاتي الذي يدعوا إليه المغرب ومبدأ الإنصاف، وما هو مؤكد أن مختلف محتويات ومضامين الحكم الذاتي تحمل في طياتها معاني ودلالات إحداث إنصاف تنموي شامل لجميع نواحي الحياة اليومية بأبعادها السياسية والثقافية والاقتصادية والاجتماعية، فالإنصاف يجعل المنطقة والمواطن محور الارتكاز والاهتمام، كما أنه ليس محل إسقاطات وفروض فوقية وعلوية وإنما ينبني على اختيارات مجتمعية، الفاعل الأساسي فيها هو المواطن الذي يعتبر موضوعا لها أيضا، فالحكم الذاتي ينشد الإنصاف الكامل، ويقتفي تثبيت وتركيز قيم المساواة وتكافؤ الفرص والحرية في مجمل المجالات الحياتية للمواطن الصحراوي دون موجبات تغليب أو نهج سياسات تعتمد على ترتيبات منحازة لذوي النفوذ أو الإنتماءات القبلية أو العائلية، ويجمع بين “الإنصاف المؤسساتي ” ” والإنصاف ذو البعد المعياري والقيمي ” واللذان يؤديان من خلال مخرجاتهما إلى إحداث ارتباطات سيكولوجية ووجدانية للمواطن ويزكي انتماءه المحلي والوطني على حد سواء، في إطار تمازجي تفاعلي إيجابي وبالمقابل يقوضان إمكانات وجذور النزعات الانفصالية المرضية، لصالح إذكاء روح وملكة التفكير الجمعي المحلي ويصبه في بوتقة الوحدة الوطنية وتحظر هنا أيضا فروض من قبيل الترابط والتكامل والاندماج المغذية للسلوك الفردي والجماعي في التعاطي مع مسألة الهوية والانتماء الوطني بمعايير أكثر عقلانية وموضوعية.


[1] Pour la définition de l’équité, voir : Le dictionnaire de politique sur le site d’internet : http://www.toupie.org/Dictionnaire/Equite.htm

[2] Jean Marie Monnier, Dynamique économique de l’équité, éditions Economica, collection Grands Debats, septembre 1999, voir le site d’internet : http://matisse.univ-paris1.fr/doc2/equite.pdf

[3] زهير الخويلدى، ضد التفاوتات و اللامساواة، شبكة الإنترنت للإعلام العربي، أنظر موقع الانترنت:

http://blog.amin.org/ Arabie 73/ 2008/ 05 / 08/.

[4] عبد العلي حامي الدين، “آفاق الجهوية الموسعة بالمغرب، مقارنة دستورية “، المجلة المغربية للأنظمة القانونية والسياسية، عدد خاص، السنة الرابعة، يونيو 2005، ص .189

[5] إد كروم الحسين، مبادرة الحكم الذاتي وصيرورة الحكم الذاتي، أنظر موقع الانترنيت:

http://hassunidaroum.maktoubblog.com

[6] عبد الحميد البجوقي، ” الحكم الذاتي ودولة الجهات في المغرب “، وجهة نظر، العدد 28 ، ربيع 2006، ص. 16.

[7] روبرت دال، “المؤسسات السياسية التي تتطلبها الديمقراطية الموسعة “، وجهة نظر، العدد 35، 2008، ص. 3.

[8] محمد مصالحة، إيجابيات وجود المرأة في البرلمان، أنظر موقع الانترنت:

http :// www.ama.jordan.org/ conferences/ ncswoe/ ncpapapor2.htmfv

[9] محمد اليعكوبي، ” المرأة المغربية بين حق التصويت وحق الترشيح”، المجلة المغربية للإدارة المحلية والتنمية، سلسلة ” مواضيع الساعة “، العدد 38، 2002، ص. 138.

[10] إنصاف الخوالدة، مشاركة المرأة في التنمية السياسية، أنظر موقع الانترنت:

http:// wwww.election.com/ Esubject/ deFault sub, 9 sp_seid : 252.

[11] محمد مصالحة، المرجع السابق.

[12] بثينة جرادانة، المرأة والعمل السياسي، أنظر موقع الانترنت:

http :// www.electionsjo.com/ Esubject/ deFaultsub,asp_ seid : 242

[13] محمد اليعكوبي، المرجع السابق، ص. 146.

[14] عبد الواحد بلقصري، ” محمد إشلواح، تطبيقات مفترضة للحكم الذاتي “، دفاتر سياسية، العدد 98-99 مارس-أبريل 2008، ص. 6.

[15] خالد شيا، الصحراء المغربية: مسارات الحل الشامل، دار النشر الجسور، الطبعة 2007، وجدة، ص. 108.

[16] عمرو حسين، الخصوصية الثقافية: إشكالات في طريق التواصل، أنظر موقع الانترنيت:

hhtp:www.Islamonline.net/servlet/SaHcllite? Article = A

[17] ادكروم الحسين، مبادرة الحكم الذاتي وصيرورة الحكم الذاتي، مرجع سابق.

[18] إبراهيم الحسين، عن الهوية الثقافية بالصحراء، أنظر موقع دروب على الانترنيت:

http://www.doroob.com/? 14083

[19] نفس المرجع.

[20] جالوس سيمونيدس، ” الحقوق الثقافية، نوعية مهملة من حقوق الإنسان “، أنظر المجلة العربية لحقوق الإنسان، العدد السابع 2000، على موقع الانترنيت:

http://www.aihr.org.tn/arabic/revue Arabe/Revue Index.htm.

[21] مبارك حسني، الثقافة الصحراوية في كل تجلياتها، قناة العيون المغربية: نموذج نجاح محلي، للمزيد من التفاصيل أنظر موقع دار الحياة على الانترنيت:

http://www.alhayat.com/culture/tv/01 -2008/Item-2008988df 18c.coa8- 10ed-01 ae-81 ab 1 f24d4af/storuy .htm-

[22] عمرو حسين، الخصوصية الثقافية، إشكالات في طريق التواصل، مرجع سابق.

[23] محمد اشلواح، “الحكامة الاقتصادية في مشروع الحكم الذاتي لجهة الصحراء”، المغرب الدبلوماسي، العدد 15، ماى 2008، ص. 6.

[24] محمد اشلواح، الحكامة الاقتصادية في مشروع الحكم الذاتي لجهة الصحراء، مرجع سابق، ص. 6.

[25] أنظر المادة 13 من نص المبادرة المغربية للتفاوض بشأن الحكم الذاتي لجهة الصحراء.

[26] أنظر المادة 13 من نص المبادرة المغربية للتفاوض بشأن الحكم الذاتي لجهة الصحراء.

[27] أنظر موقع الانترنت: /http// :www.vedura.fr/social

[28] أنظر موقع الانترنت:

http// :www.upac.ca/msiaa/Rapport20%Francais/html/RAPPORT-52html.

[29] عبد الواحد بلقصرى، محمد اشلواح، تطبيقات مفترضة للحكم الذاتي بالصحراء، مرجع سابق، ص. 6.

[30] أرام عبد الجليل، ” في الحل السياسي العادل حول الصحراء المغربية “، دفاتر سياسية، العدد91 ، ماي 2007، ص. 8.

[31] أنظر المادة الرابعة من مشروع الحكم الذاتي.

[32] أنظر التقرير الختامي لهيئة الإنصاف والمعالجة، المجلس الاستشاري لحقوق الإنسان، ص. 95.

[33] أنظر أشغال وبلاغ الكور كاس على إثر الدورة الأولى العادية لسنة2008 ، المجلس الملكي الاستشاري للشؤون الصحراوية، وذلك على الموقع الإلكتروني: http:// www. map. ma/ mapara/corcas/ majlis. htm

https://powderencouraged.com/zht6b3bs66?key=8523542c4aaf6f083ce56f74bd271319
https://powderencouraged.com/w3m6c9b5?key=af8b4909c0965493e9682d74bb50a646
https://powderencouraged.com/ksq5rgwdmh?key=b5b47a0d83f8742dcf71d4de8ef00494
https://powderencouraged.com/bkcduddx?key=0252cc21d0f4e0ae5f53245940611301
×
error: Content is protected !!

اكتشاف المزيد من فضاء المعرفة القانونية -espace connaissance juridique

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

متابعة القراءة