” نوافذ”
، والمشروع المجتمعي
سعيد بو خليط ([·])
إن الطرح الجيد والذكي لمسار تاريخ مشروع فكري ما، يقطع بالتأكيد مع كل رسم مطمئن للمساحات المتواصلة، بل يطمح أساسا إلى إبراز التأسيسات النوعية والمفصلية، داخل ذلك. بمعنى، اللحظة التي تعكس بها الممارسة حقها الهوياتي، لكن وفق منطق التأزيم والتشكيك ثم بعدها الشرخ والإرساء الجديد.
بناء عليه ، حينما نوثق لمسارات مجلة “نوافذ””، فإن الصنعة هنا تقود إلى أبواب حسن التخلص والتملص. تلبسنا، كرها أم طوعا تلك الرؤية البانورامية السنيماتيكية، والتي تتمثل أنطولوجيا كل التواريخ: من الذكاء إلى الجمال، حيث الدهشة ، الحساسية ، المعقول ، المتوهم ، السكينة ، الجسارة ، الجرأة والانقياد، إلخ.
حرقة الأسئلة الملحة ، بهذا الخصوص، لا تنزاح بالطبع عن ألفبائيات الاستفهامات المصيرية : لماذا “نوافذ” ومثيلاتها ؟ ما هي حدود الذاتي والموضوعي؟ طبيعة الإشكالات والمنظورات الفكرية التي غذت المشروع ؟ البناءات السوسيو- مفهومية لمجتمع معرفي ؟ ما هي مستويات نجاح “نوافذ” في تذويب ترسبات اليابس والمتكلس بين ثنايا مجتمع يخبرنا كل حين ، بأنه شغوف بالترهل ؟ كيف استوعبت علاقات مرهفة الحس مثل: الثقافي / الطبيعي. الثقافي / السياسي. الثقافي/ المجتمعي . الثقافة / الدولة .الثقافة / المؤسسة الثقافة / الشروط التاريخية . الثقافة / الممكن … إلخ .؟
إن ما يوطد، إجمالا القيمة المعرفية والمنهجية لأقوال من هذا النوع، ويعطي للنقاش فاعليته الاستدلالية، وجود لازمتين جوهريتين، تنبت فوقهما بشكل لا نهائي جل التأويلات الأخرى، يتعلق الأمر حتما، بـــ:
– توفر المقومات الجذرية والصلبة لصيرورة مجتمعية متكاملة ثقافيا، سياسيا واقتصاديا.
– الانخراط الواعي والمسؤول ، من قبل الكل المجتمعي قصد توطيد مشارب وحمولة المسار الجديد.
بالطبع، ممكنات الجدل هنا، تتعالى به عن كل تضليل ولغو، كما تحميه من العوائق والزوائد، حيث تصبح النتائج مقدمات ، في حين تأخذ الأسئلة والإجابات وضع توزيع مكاني لا أقل ولا اكثر. بالتالي ، ونحن نتكلم عن تحقق علي وغائي للمشروع الثقافي المجتمعي – باعتباره المفهوم البؤرة والمحور – فإننا، لا نختزل ذلك في طرف دون آخر، مثلما لا نميز تفضيلا هذا العام أو ذاك. الأطروحة ، بالتأكيد متداخلة ومتشابكة يستحيل فصل أجزائها.
قد تتمكن مجلة “نوافذ” على امتداد تاريخها، من وضع المجتمع وسط سبيل بناء، يقود حتما إلى تمثل جديد للعالم، بالقطع همسا أو تقريرا مع خلطة مجتمعية ميتة لا تستجيب قطعا لأبسط الاحتياجات الأنطولوجية الآدمية، معيارنا في هذا:
– القضايا الهاجسية، التي أرستها اللبنات المحورية: السياسة، الدين، الثقافة، الفن.
– نوعية الرؤية التي طبعت اشتغالاتها، الأفق الكوني الإنساني في تجلياته الطبيعية والشرعية، المحكومة بالجدلية الإنسانية الشامخة: الحق والواجب.
تفرض ، إعادة النمذجة والتأسيس، السعي الحثيث للقيام بمسح طوبولوجي يصنف ويفصل بين العناصر الايجابية والعوامل السلبية، تلك التي تلتقط من داخل منطق المأثور والمعتاد، دور الكابح التاريخي لكل انطلاقة مجتمعية فعالة.
يقينا، تلبسنا حماسة جامحة، الى جانب حالة إحباط جنائزية . حينما، نقف أمام معطيات واقع مثل المجتمع المغربي أخفق كليا في عملية إرساء أسباب المداخل التاريخية لأية نهضة أممية، أقصد:
-مجتمع المعرفة.
– المؤسسات الإنسانية، المنسجمة مع حضورها ومحدداتها.
مما يدفعنا الى اعادة اجترار، السؤال القديم / الجديد، المبتذل / الموحى : كيف نحول الفكرة إلى قوة مادية ملموسة، حتى بأحجام وكميات هندسية ؟ أقصى، مماهاة مع مرتكزاتها وأبعادها الذاتية والكونية.
من الضروري في مرحلة تصيد البدايات الحقيقية لتجربتنا المجتمعية ، أن نهضم إلى درجة الشبع ولما لا بميكانيكا مفرطة، هاته النظرية، الجديرة حقا بالهم الآدمي. تأملاتنا، ليست مجانية أو عدمية، هي تسامي، مداواة، ابتغاء مستمر للحظة التي
تمظهر أكثر البناء الإنساني.
ما حجم الزاوية التي يشغلها البرنامج النظري لمجلة “نوافذ”، قياسا لرؤية فكرية متكاملة الأنساق والقصديات؟ كيف يتلقف خطابها الفاعل السياسي؟ ما هي درجات تأويل الإنتاج المفهومي للمنظورات التي ألقت بها إلى أروقة الفاعلين المجتمعيين وصناع القرار؟ هل نتوفر على أجهزة للتفكير، تستثمر بشكل خلاق مؤسساتيا باكورة التراكمات التأملية؟ بالطبع، لم نسمع قط عن حزب سياسي أو تجمع مدني ما، قد دشن أوراشا تنقب بين ثنايا كل المساحة المذهبية لتاريخية مجلة “نوافذ”، ثم توظيفه في النقاشات والأدبيات والمخططات. على المنوال ذاته، فإن السلطة القائمة والهيئات القيادية تجهل مثلا جهلا مطبقا – أو تتجاهل تحقيرا – ما نحتته أعمدة الفكر المغربي من صياغات للإشكالات الثقافية الأصلية، للدولة الوطنية التحررية، بالاستناد على متون الضرورات الكونية المصيرية.
* الحداثة السياسية.
* العدالة الاجتماعية.
* الدينامية المعرفية.
فجوة من هذا الحجم ، لا يفسرها الا الاختلال التاريخي بين الزمنين الثقافي والسياسي، والانكسار المبكر لقاعدة بناء سياقات الدولة المغربية الحديثة، وفق أسس حضارية متقدمة. فتحولت السياسة عندنا من أفضل قاعدة لتدبير المجتمعي في أقصى ايجابياته، إلى ترميزات بأشكال مختلفة للعنف والإجهاز على حقوق المواطنة. كما، أن الثقافة غدت مجرد حزمة خطابات تلفيقية واعتباطية وقسرية، تتجه في مجملها نحو إيجاد مبررات فعل سياسي تضليلي وسوريالي، يفتقد لأبسط معاني التقييم العقلاني السليم.
إن بلورة ممارسة ثقافية تطوي القضايا المجتمعية في قلب اهتماماتها، تتضمن بكل المقاييس مسألة مراجعة أصيلة لتشكلات الثقافي والسياسي الحالية. بالاستناد، على تأطير ابستمولوجي وتخصيب بنيوي لآلياتهما المضمونية والإجرائية. تتحول السياسة مع الثقافة، الى نظرية بمؤشرات دالة عن نوعية العلائق الإنسانية داخل مكونات مجتمع ما. في حين، تظل السياسة حارسة للثقافة مسالكها ومضامنها، بخصوص القيمة الأخلاقية للوضع الانساني في علاقته باقتضاءاته وشروطه.
تجاوز إذن، التحديدات الاختزالية كي نربط وضعنا التاريخي بالحتمية الكونية، التي تبتغي أقصى تمظهرات الوجود الاكتمالية.
إذا كان المعيار كذلك ، فلا شك أن إعادة مساءلة النقاش الذي فتحته مجلة “نوافذ” قد يبدو بدون موضوع ، أو مجرد تحصيل حاصل. بمعنى، نفترض مع أصحاب هذه التجربة ارتكازهم في التأمل على مرجعية نسقية تتجاوز ميتافيزيقا الوحدة، وبالتالي التخلص من التحديدات المقدماتية التي تصيب الذات العارفة بالوهن وتنتهي بها عند حلقة جحيمية تفضي بها إلى العقم والخواء. مصير كهذا، حكم كل التصورات الثقافية التي اكتفت بنفسها، ضدا على العام والكوني، ثم بقيت متيمة بمفاهيم محلية غارقة في الخصوصية إلى درجة التبلد.
من جهة ثانية، وبغض النظر عن كل اعتبار، يتحسس الفكر قيمة جدواه عبر تأثيراته المختلفة . فالجدلية الدقيقة جدا بين كل فكر ومحيطه، بقدر ما تخطئ كليا التقدير الزمني بصدد تصنيف أولية الفكر والواقع، إذا تم السعي بنوع من الهوياتية
الأحادية. لكنها، على العكس، تفتق كل الدلالات الإيجابية للثنائية، إذا استوعبت منهجيا ومفهوميا منطق اللعبة القائم على الارتياب والتعديم بين الحدين. مصير الفكر أن يستفز الواقع في كل آن، ويخلخله بتحققات لا نهائية.
لا نمارس التضليل اذن ، ونجازف بالتقديرات، حينما نريد نمذجة مفهومية لتاريخية مجلة “نوافذ”، منذ محطتها الأولى الى ذكراها الحالية، ونتحدث عن بناء خطابي متكامل الجوانب والروافد، مع انتفاء السند المرجعي المتمثل في نمو بيولوجي المؤسسات الواقع السوسيو- معرفي الذي تنتمي اليه . فغياب العمق المجتمعي المنتج، لابد وان يسقط – إلا استثناء – الأفق المعرفي الذي تتوخاه مجلة “نوافذ” في اليأس والإحباط ، أو العقم والتفاهة . . .
لقد برهنت وقائع الأحداث دائما ، بأن التحققات النهضوية على المستويين الاقتصادي والاجتماعي، تفرز آليا نسقا مفهوميا خصبا وزاخرا . بينما، يفترض عكس ذلك، التشكل التاريخي لنخبة مجتمعية قادرة على تطوير وتثوير رؤاها على الدوام.
إجمالا، نتحصن وراء مجلة “نوافذ”، من أجل إقامة الدعاوى تلوا الأخرى حتى نحول القيم الإنسانية الى حق يومي.
[·](·) باحث.


