ذ. المختار عبد الدائم

باحث في سلك الدكتوراه وإطار بوزارة المالية

ذ. إدريس البركاوي

باحث في سلك الدكتوراه وإطار بوزارة الداخلية

مقدمة

تعد المصادرة نزع ملكية الشيء جبرا من مالكه وإضافته إلى أموال الدولة (الخزينة العامة للمملكة). والمصادرة هاته عادة ما تكون في شبه عقوبة مالية كالغرامة. لكن المصادرة لا تشمل الأموال فقط مثل الغرامة بل تمتد إلى الأشياء التي لا يمكن وصفها بالمال. حيث نجد جانب من الفقه يقر على أن المصادرة تطبق على المنقولات دون العقارات لأن العقارات غير قابلة للضبط. ويرى جانب آخر من الفقه والذي يمثله كل من الدكتور أحمد الخمليشي والدكتور عبد الواحد العلمي، بأن المصادرة كما تصح على المنقولات فإنها تصح على العقارات أيضا التي يمكن ضبطها بوضعها تحت التحفظ.

والقانون المغربي ينظم مقتضيات المصادرة في الباب الثاني من الكتاب الأول من المجموعة الجنائية تحت عنوان العقوبات الإضافية من خلال الفصول 24/43/44/45/46/199 على أن الفصل الأخير يوجد في الفرع الثاني من الكتاب الثالث في الجنيات والجنح ضد أمن الدولة الخارجي، مع الإشارة إلى أن الفصل 36 من نفس المجموعة عمل على جمع كل العقوبات الإضافية والتي تندرج ضمنها المصادرة.

فمن خلال استقرائنا لهذه المواد نجد أن المشرع المغربي لم يجعل إعمال المصادرة مطلقة وإنما قيدها بشرط عدم المساس بحقوق الآخرين ذوي النوايا الحسنة. وهم كل من ليست له علاقة بالجريمة، ومن غير العالمين بطبيعة الصلة التي تربط أشياءهم بالجريمة، أو أنهم مع عملهم اللاحق بهذه الجريمة حاولوا إنهائها[440]

والمصادرة ليس لها طباع عقابي فقط، وإنما لها طابع وقائي تتمثل في الدور الذي يمكن أن تؤديه في مجال وقاية المجتمع من الأشياء المحظورة أو ذات الطبيعة الخطرة، وهذا ما أكدته المادة 89 من المجموعة الجنائية، لنخلص إلى أن المصادرة في القانون الجنائي المغربي هي إما أن تكون عقوبة إضافية وهي مسألة اختيارية بالنسبة للمحكمة، حيث يمكنها أن تحكم بها إذا ما رأت مبررا لذلك أو لا تحكم بها، وإما أن تكون كتدبير وقائي تقع على ذات الشيء أي عينه، الذي يعتبر صنعه أو استعماله أو حيازته أو تملكه أو بيعه جريمة  معاقب عليها، والحكم بهذا التدبير هي مسألة وجوبية تحكم بها دوما[441].

والمصادرة تجد صداها أيضا في بعض القوانين الخاصة. كمدونة الجمارك الفصل 212 منه، والظهير الشريف بمثابة قانون رقم 1.73.283 بتاريخ 28 ربيع الثاني، 21 مايو 1974 المتعلق بالمخدرات. الفصل 11 منه، وأيضا الظهير الشريف الصادر بتاريخ 12 رجب 1351/ الموافق لـ 12 نونبر 1932 المتعلق بالتبغ. الفصل 81 منه. ناهيك عن قانون العدل العسكري الذي يعرف إجراءات خاصة.

وتجدر الإشارة إلى أن المصادرة في إطار القوانين الخاصة تختلف باختلاف أحكام القانون المطبقة عليه، وذلك بغية تعبئة وملء الفراغ التشريعي في ظل الجرائم المستحدثة بفعل التطور التكنولوجي، وأيضا لملائمة أحكام اتفاقية الأمم المتحدة لمكافحة الجريمة المنظمة والبروتوكولات الملحقة بها، واعتمدت الجمعية العامة هذه الاتفاقية في قرارها 55/25 المؤرخ في 15/11/2000، وستدخل إلى حيز التنفيذ في اليوم التسعين من تاريخ إبداع الصك الأربعين من صكوك التصديق.

وبناءا على ما سبق طرح عدة إشكاليات أهمها:

  • هل تعتبر المصادرة سواء طبقت كعقوبة إضافية أو كتدبير وقائي وسيلة ناجعة للحد من الجريمة؟
  • كيف يمكن التأكد من حسن نية الغير في إطار الشياع أو الشركة ؟
  • متى تكون المحكمة ملزمة بالحكم بالمصادرة ومتى تكون مخيرة في ذلك؟
  • هل يوجد تعاون دولي قضائي في مجال المصادرة؟ وأين يتجلى هذا التعاون؟
  • كيف يمكن الاطلاع على ترقيد الأموال وتهريبها من بلد لآخر في غياب وسائل حديثة تمكن من ذلك؟

ولمعالجة هذه التساؤلات سنقوم بتقسيم موضوعنا إلى مبحثين:

المبحث الأول: الإطار القانوني للمصادرة.

المبحث الثاني: الإجراءات القضائية الرامية إلى تنفيذ المصادرة وإشكالياتها.

المبحث الأول

الإطار القانوني للمصادرة

للإحاطة بالإطار القانوني للمصادرة، ارتأينا معالجة هذه المبحث من خلال التعرض إلى مفهوم المصادرة بالاعتماد على مجموعة من القوانين في الموضوع قبل أن ننتقل إلى تسليط الضوء على محلها، باعتباره حجر الزاوية فيها.

المطلب الأول: مفهوم المصادرة

يختلف مفهوم المصادرة باختلاف القوانين المنظمة لها، سواء على مستوى القانون الجنائي أو على مستوى بعض القوانين الخاصة.

الفقرة الأولى: على مستوى القانون الجنائي

بالرجوع إلى نصوص القانون الجنائي، نجد أنها نظمت المصادرة وفق مفهومين، يختلفان باختلاف نوعها، فمنها من اعتبرتها عقوبة إضافية[442]، ومنها من تناولتها كتدبير وقائي[443].

فالمصادرة كتدبير وقائي تنصب على الأدوات والأشياء المحجوزة التي يكون صنعها كالنقود المزيفة، أو استعمالها كالمخدرات أو بيعها كالبضائع المغشوشة جريمة ولو كانت تلك الأدوات والأشياء على ملك الغير، وحتى لو لم يصدر حكم بالإدانة.

في حين أن المصادرة كعقوبة إضافية إما أن تكون جزئية وإما أن تكون عينية. والمقصود بالأولى تمليك الدولة جزءا من أملاك المحكوم عليه، والمصادر في هذه الحالة عقوبة تكميلية لا يحكم بها إلا في الحالات المنصوص عليها في القانون مع وجوب النص عليها في الحكم[444]، أما النوع الثاني فيقصد به تمليك الدولة الأدوات والأشياء التي استعملت أو كانت ستستعمل في ارتكاب الجريمة أو التي تحصلت منها[445].

الفقرة الثانية: على مستوى القوانين الخاصة

بالنشبة لمدونة الجمارك والضرائب غير المباشرة: تدخل المصادرة في هذه المدونة من خلال الجنح والمخالفات في القسم المتعلق بالعقوبات والتدابير الاحتياطية الجمركية إذ نصت من خلال المادة 208 منها على أن العقوبات والتدابير الاحتياطية الحقيقية المطلقة فيما يخص الجنح والمخالفات الجمركية هي:

  • الحبس.
  • مصادرة البضائع المرتكب الغش بشأنها والبضائع المستعملة لإخفاء الغش ووسائل النقل.
  • الغرامة الجبائية.

وجاء في المادة 211 منها أنه تقع مصادرة البضاعة المثبت الغش بشأنها أيا كان حائزها ويؤمر بها وجوبا حتى ولو كانت هذه البضاعة ملكا لشخص أجنبي عن الغش أو لشخص مجهول حتى ولو لم يصدر حكم بأنها الأمر الذي يوضح مخالفة القانون الجنائي. ذلك أن المصادرة تكون إلزامية فقط في الجنايات وغير ذلك في الجنايات والجنح إلا بمقتضى نص صريح.

كما أن المصادرة تشمل البضاعة التي استعملت لإخفاء البضائع المثبت الغش بشأنها ما عدا إذا ثبت أن هذه البضاعة في ملك شخص آخر أجنبي، فضلا أن مالكي الأشياء المصادرة ودائنيهم في هذه المدونة يستحيل عليهم المطالبة بالأشياء المصادرة ولا بأثمانها وكذا نفس الأثر بالنسبة للأشياء المحجوزة ما لم يرفع عنها الحجر بأمر قضائي حتى ولو كانوا يستفيدون من أي امتياز معين.

هذا، ونجد المدونة قد فرقت بين مجموعة من الأنواع في باب المصادرة، فمصادرة الأشياء ليست هي مصادرة البضائع ليست هي مصادرة وسائل النقل، كما ميزت بين الشخص مرتكب الفعل والشخص الأجنبي والشخص المجهول ويمكن في حالة مصادرة أشياء تافهة وأشياء محجوزة على مجهولين أن تطلب إدارة الجمارك من المحكمة الابتدائية في ملتمس فقط مصادرة الأشياء المحجوزة، إذا ارتأت أنه لا داعي للمتابعة نظرا لتفاهة الغش وهو ما نصت عليه المادة 259 منها.

وتجدر الإشارة إلى أن المادة 217 من مدونة الجمارك نصت على أن عائدات الغرامات والمصادر ترجع لفائدة الإدارة الجمركية وحدها… الأمر الذي يلزم النظر ولو قليلا في غضون مجموعة من القانون الجنائي عندما نصت على أن العائدات إنما هي من نصيب ولفائدة الدولة، فالتساؤل المطروح، هو هل إدارة الجمارك هي التي تقوم بالمصادرة أم أن الخزينة العامة للدولة هي المكلفة بذلك؟ هل مجرد التفويت لفائدة إدارة الجمارك هو تفويت لفائدة الدولة؟ علما أن المادة 46 من القانون الجنائي بصريح عبارتها تفويت الأموال المصادرة تباشر من طرف إدارة الأملاك المخزنية حسب الإجراءات المقررة بخصوص بيع أملاك الدولة.

بالنسبة لظهير 21 ماي 1974 المتعلق بمحاربة المخدرات:

برجوعنا إلى ظهير 21 ماي 1974 المتعلق بالمخدرات، وتحديدا الفصل 11 منه نجده يوجب على المحاكم في حالات معينة في الفصول قبله مصادرة المواد أو النباتات المحجوزة تطبيقا للفصل 89 من القانون الجنائي الذي جاء فيه أنه ” يؤمر بالمصادرة كتدبير وقائي بالنسبة للأدوات والأشياء المحجوزة التي يكون صنعها أو استعمالها أو حلها أو حيازتها أو بيعها جريمة ولو كانت تلك الأدوات أو الأشياء على ملك الغير حتى ولو لم يصدر حكم بالإدانة”. وتأمر كذلك بحجز أدوات ومنشآت تحويل المواد أو النباتات أو صنعها والوسائل المستعملة لنقلها.

ينضاف إلى ذلك ظهير 12 نونبر 1932 المتعلق بنظام التبغ بالمغرب الذي أعطى تصورا فريدا من نوعه للمصادرة حينما لم يعر فيها أي اهتمام بالغير حسن النية، إذ جاء فيه “يصدر الحكم بمصادرة السلع والأشياء الواقع عليها الغش والخداع، ولو كان مالكها حسن النية”[446]، على أن تكون مملوكة لغير الدولة، إذ لا يمكن أن تكون المصادرة منها وإليها، وهو ما أكدت عليه محكمة النقض الفرنسية في إحدى قراراتها”[447].

المطلب الثاني: محل المصادرة

لدراسة موضوع أو محل المصادرة ارتأينا معالجة هذه الأخيرة من جهة كونها عقوبة إضافية (الفقرة الأولى) وكذا من ناحية كونها تدبير وقائي (الفقرة الثانية).

الفقرة الأولى: المصادرة كعقوبة إضافية

وتشمل المصادرة كعقوبة إضافية ما يلي:

  • المصادرة الجزئية لأموال المحكوم عليه (الفصل 42 ق. ج).
  • مصادرة الأشياء أو الأدوات التي استعملت أو كانت ستستمل في ارتكاب الجريمة أو التي تحصلت منها (الفصل 43 ق.ج).

والمقصود بالمصادرة الجزئية لأموال المحكوم عليه هو تمليك الدولة جزءا من أملاك المحكوم عليه، والمصادرة في هذه الحالة عقوبة إضافية لا يحكم بها إلا في الحالات المنصوص عليها في القانون، مع وجوب أن ينص عليها الحكم [448].

ولا يمكن أن تمس المصادرة كعقوبة إلا الأشياء المملوكة للمحكوم عليه. وإذا لم يكن هذا الأخير إلا مالكا على الشياع فإن المصادرة لا تنصب إلا على المحكوم عليه[449]، يترتب عنها حتما القسمة أو التصفية عن طريق المزايدة استنادا إلى الفصل 45 من القانون الجنائي[450].

وبما أن المصادرة عقوبة، فلا يمكن الحكم بها على ورثة المحكوم عليه إذا توفى هذا الأخير قبل أن يصير الحكم الصادر في حقه غير قابل للطعن. في حين أنه إذا صار غير قابل للطعن ولكن المحكوم عليه توفى قبل أن ينفذ، فيمكن أن يتابع التنفيذ على تركته كما ينص على ذلك الفصل 50 من ق. ج بالنسبة للغرامات.

أما بالنسبة للحالة الثانية، والمتعلقة بمصادرة الأشياء أو الأدوات التي استعملت أو كانت ستستعمل في ارتكاب الجريمة أو التي تحصلت منها، فيجب التمييز بين كون المصادرة تابعة لحكم صدر من أجل ارتكاب جناية وبين كونها تابعة لحكم صدر من أجل ارتكاب جنحة أو مخالفة.

فيمكن الحكم بالمصادرة كيفما كان نوع الجناية، ولا يهم أن يكون القانون قد نص على إمكانية الحكم لجناية معينة، في حين أن المصادرة لا يمكن أن تقترن بحكم صادر من أجل جنحة أو مخالفة إلا إذا وجد نص خاص يقررها صراحة الفصل 44 ق. ج.

وقد جعل القانون المصادرة إلزامية في بعض الحالات، كما هو الحال عليه في الفصول 610، 578، 350، 255، 207، 119 من القانون الجنائي، و81 من ظهير 12 نونبر 1932 الموافق لـ 15 رجب 1351 المتعلق بنظام التبغ، ولا يمكن الحكم بالمصادرة ضد المسؤول المدني، وبطبيعة الحال لا يمكن الحكم بها كذلك على من صرحت المحكمة ببراءته، وهذا ما يميزها عن التدبير الوقائي المنصوص عليها في الفصل 89 من القانون الجنائي[451].

الفقرة الثانية: المصادرة كتدبير وقائي

يأمر الفصل 89 من القانون الجنائي بالمصادرة: ” كتدبير وقائي بالنسبة للأدوات والأشياء المحجوزة التي يكون صنعها (كالنقود المزيفة)، أو استعماله (كالمخدرات) أو بيعها (كالبضائع المغشوشة) جريمة ولو كانت تلك الأدوات والأشياء على ملك الغير، وحتى ولو لم يصدر حكم بالإدانة”.

وعدم صدور حكم بالإدانة، يكون في الحالة التي يظل فيها مرتكب الجريمة مجهولا، وكذا في الحالة التي تكون معاقبته زجريا غير ممكنة (كما لو كان مصابا باضطراب عقلي). أما فيما يخص عدم أهمية كون الأشياء المصادرة مملوكة للغير، فمن الواضح أن الغير نفسه يكون بصفة عامة مخالفا للقانون، وبالتالي ليست له الصفة للمطالبة بملكية هذه الأشياء أو الأدوات.

ومما تجدر الإشارة إليه هنا، أنه في حالة المصادرة العينية للأشياء كتدبير وقائي لا بد من مراعاة ظروف المالك الحقيقي في بعض الحالات، فلا تصادر عنه أشياءه، فمثلا التاجر في الأسلحة الذي تسرق منه بعض البنادق أو الرصاص من متجره يجب ألا يضيع عليه حقه في حالة ما إذا ضبط المسروق منه إذ يجب رده إليه، وشركة صنع الأدوية التي تسرق منها كمية البالفيوم مثلا، يجب أن ترد إليها إذا ضبط السارق وأقر بسرقته. وذا عملا بقاعدة عامة جاءت في المادة 106 ق. ج التي اعتبرت بأن:” الرد هو إعادة الأشياء أو المبالغ أو الأمتعة المنقولة الموضوعة تحت يد العدالة إلى أصحاب الحق فيها” ذلك أن المالكين للأشياء السابقة (الأسلحة أو المواد المخدرة) كانت ملكيتهم لها ثابتة ومرخص بها، أي قانونية[452].

وخلاصة لما سبق، فإذا كان المشرع قد أعطى صفتا العقوبة والتدبير الوقائي للمصادرة، فإنه عمد في نفس الوقت إلى وضع قواعد تميز بينهما.

ومن أوجه التمييز، كما تسمح بذلك المقارنة بين القواعد المنظمة لكل واحد من الإجراءين:

أن المصادرة كتدبير وقائي يمكن أن يطال أشياء في ملك الغير، في حين أنها كعقوبة لا تشمل إلا الأشياء المملوكة للمحكوم عليه، وأنها كتحبير وقائي يمكن أن تتخذ ولو في غير حالة صدور عقوبة، في حين أنها كعقوبة إضافية تكون ملحقة بعقوبة أصلية، وأنها كتدبير وقائي يمكن أن تقترن بالجنح والمخالفات، إلا في حالة وجود نص خاص أما في الجنايات فتقديرها يرجع للمحكمة بسند الفصلان 43 و44 من القانون الجنائي[453].

المبحث الثاني

الإجراءات القضائية الرامية إلى تنفيذ المصادرة وإشكالياتها

سنحاول التطرق في هذا المبحث إلى المصادرة في بعض جرائم الأموال والجرائم الخاصة إضافة إلى التعاون القضائي الدولي في هذا المجال ثم نختم بالصعوبات التي تواجه تنفيذ المصادرة على ضوء العمل القضائي.

المطلب الأول: المصادرة في بعض جرائم الأموال والجرائم الخاصة

وسنعمل على تقسيم هذا المطلب إلى فقرتين تخصص الأولى لدراسة المصادرة في جريمة غسل الأموال وتجارة المخدرات فيما نخصص الثاني للتعاون القضائي الدولي في مجال المصادرة.

الفقرة الأولى: المصادرة في جريمتي غسل الأموال وتجارة المخدرات

مما لا شك فيه أن المشرع المغربي بإصداره لقانون 05-43 المتعلق بغسل الأموال كان همه الأكبر هو ملاحقة عائدات الجرائم حتى لا يتسنى للمجرمين الاستفادة من هذه الأخيرة على اعتبار أن ذلك هو الهدف الأساسي من الزجر المقرر في القانون الجنائي على العموم. وهذه القاعدة نستشفها من خلال الأعمال التحضيرية التي سبقت صدور هذا القانون[454] كما تبدو واضحة من خلال مجموعة من الاتفاقيات الدولية للأمم المتحدة لمكافحة الجريمة المنظمة عبر الوطنية لسنة 2000، ورجوعا إلى فصول قانون 05-43 المتعلق بغسل الأموال نلاحظ أن المشرع المغربي قد قرر لهذه الجريمة عقوبة جنحية تمثلت في: الحبس من سنتين إلى خمس سنوات والغرامة من 20000 إلى 100000 درهم[455] لكنه لم يقتصر على هذه العقوبة بل ألزم القاضي بالحكم بواحدة أو أكثر من العقوبات الإضافية وجعل من بينها المصادرة الجزئية أو الكلية للأموال التي استعملت لارتكاب الجريمة والمداخيل المتحصلة من هذه الأموال مع حفظ حقوق الغير حسني النية[456]

وفي اعتقادنا أن القاضي لا بد وأن يحكم بالمصادرة الكلية للأموال التي استعملت لارتكاب الجريمة والمداخيل المتحصلة منها وذلك تطبيقا للفصل 43 من القانون الجنائي وانسجاما مع روح القانون الهادف إلى حرمان المجرمين من الاستفادة من عائدات جرائمهم.

كما أن المصادرة الكلية في هذه الحالة لا تتعارض مع الفصل 42 من القانون الجنائي القاضي بأن مصادرة أملاك المحكوم عليه لا تكون إلا جزئية لأن المصادرة في جريمة غسل الأموال تنصب على أموال استعملت في الجريمة ومداخيل متصلة منها ومن جرائم سابقة عليها وبذلك فالمصادرة في هذه الحالة يمكن اعتبارها مصادرة عينية تنصب على الأداة الرئيسية لارتكب الجريمة وعلى متحصلات جرائم سابقة عليها[457]، وذلك انسجاما مع المادة 12 من اتفاقية الأمم المتحدة لمكافحة الجريمة المنظمة عبر الوطنية لسنة 2000 والتي صادق عليها المغرب في يوليوز من سنة 2002[458]، حيث نصت في بندها الأول على أنه: يتعين على الدول الأطراف أن تعتمد إلى أقصى حد ممكن في حدود نظمها القانونية الداخلية ما قد يلزم من تدابير للتمكين من مصادرة:

  1. العائدات الاجرامية المتأتية من الجرائم المشمولة بهذه الاتفاقية أو الممتلكات التي تعادل قيمتها قيمة تلك العائدات.
  2. الممتلكات أو المعدات أو الأدوات الأخرى التي استخدمت أو يراد استخدامها في ارتكاب جرائم مشمولة بهذه الاتفاقية[459].

أما بخصوص تجارة المخدرات ورجوعا إلى مقتضيات ظهير بمثابة قانون المتعلق بزجر الإدمان على المخدرات السامة ووقاية المدمنين على هذه المخدرات والمنشور بالجريمة الرسمية عدد 2873 في 22 نونبر 1967 والذي نص في الفصل 11 منه على أنه: ” يتعين على المحاكم في جميع الحالات المنصوص عليها في الفصول السابقة أن تصادر المواد والنباتات المحجوزة تطبيقا للفصل 89 من القانون الجنائي وكذا جميع المبالغ  المالية المحصل عليها من ارتكاب الجريمة وتأمر كذلك بحجز إداري لمنشآت تحويل المواد والنباتات أو صنعها أو الوسائل المستعملة لنقلها.

ويجوز للمحكمة المرفوع إليها القضية في جميع الحالات المنصوص عليها المقطع 1 من الفصل الثالث أن تأمر بمصادرة جميع الأثاث والأشياء المنقولة المزينة أو المزخرفة الأماكن بها والأدوات المعدة أو المستعملة لأغراض المخدرات”.

وبالتالي فالملاحظ أن المشرع المغربي جعل من المصادرة في هذا النص عقوبة إضافية تنصب على أدوات الجريمة ومتحصلاتها كما جعل منها تدبيرا وقائيا لحفظ الصحة والسلامة حتى لا يتمكن الجناة من الإفلات بهذه المواد في حالة سقوط الدعوى العمومية إما بالتقادم أو غير ذلك[460]. كما يبدو أن الواقع العملي قد أفرز إشكالا من نوع آخر وهو في حالة سرقة هذه المواد المصادرة والتصرف فيها إما باستهلاكها أو بيعها وأو غير ذلك فإنه يصعب استرجاع هذه المواد كما يصعب استرجاع قيمتها على اعتبار أن المواد المخدرة تعتبر من النجاسات وليس لها قيمة السوق[461].

الفقرة الثانية: التعاون القضائي الدولي في مجال مصادرة

مما لا جدال حوله أن محترفي تجارة المخدرات وغسل الأموال يستعينون بعصابات إجرامية موزعة عبر دول العالم مما يضفي صفة الجريمة المنظمة عبر الوطنية على كل من جريمة غسل الأموال وتجارة المخدرات كما أنه من المؤكد حتما أنه لن تستطيع أي دولة منفردة أن تصل إلى متحصلات وعائدات هذه الجرائم على اعتبار أنها غالبا ما تكون موزعة بين مجموعة من الدول مما يفرض تعاونا دوليا في هذا المجال حتى لا يتسنى للمجرمين المحترفين العودة إلى إجرامهم بعد قضائهم فترات العقوبة السالبة للحرية.

ولنا في قضية منير الرماش مثال واضح على صعوبة تنفيذ المصادرة على اعتبار أن أملاك الرماش كانت موزعة بين كل من المغرب وإسبانيا إضافة إلى أنه كان حاملا للجنسيتين المغربية والاسبانية[462] فطبقا لمبدأ إقليمية القانون الجنائي فإن الحكم الجنائي القضائي بمصادرة أملاك منير الرماش على اعتبار أنها عائدات تجارة المخدرات لا يكتسب حجية فوق التراب الاسباني إلا بتوجيه المغرب طلبا لحكومة الدولة الاسبانية على اعتبار أن المغرب له ولاية قضائية على هذا الجرم الصادر الحكم بالمصادرة من أجله وذلك تطبيقا للمادة 13 من اتفاقية الأمم المتحدة لمكافحة الجريمة المنظمة عبر الوطنية لسنة 2000 في فقرتها الأولى[463] لكن اسبانيا آنذاك لم تبد تعاونا مع السلطات المغربية مما حال دون مصادرة الأملاك الواقعة فوق التراب الإسباني وذلك لعدة أسباب أولها أن الرماش كانت له الجنسية الإسبانية ومعلوم أنه في إطار الاتفاقيات الثنائية لتسليم المجرمين لا يمكن لأي دولة أن تسلم مواطن حامل لجنسيتها إلى دولة أخرى من أجل محاكمته فما بالك بتسليم أملاكه وثانيهما أن الرماش تمت محاكمته أمام محكمة العدل الخاصة باعتباره راشي وهي محكمة استثنائية اعتبرت اسبانيا آنذاك أنه لم يتمتع بحقوق الدفاع.

ونؤكد على أن مصادقة المغرب على مجموعة من الاتفاقيات الدولية والتي من أهمها اتفاقية الأم المتحدة لزجر تمويل الإرهاب واتفاقية الأمم المتحدة لمكافحة الجريمة المنظمة عبر الوطنية في يوليوز 2002 ساهم إلى حد كبير في قطع الطريق على محترفي الاجرام من الاستفادة من عائدات جرائمهم.

وقد أشارت المادة 24 من قانون 05-43 المتعلق بغسل الأموال إلى إمكانية التعاون الدولي مع السلطات التي لها نفس اختصاصات وحدة معالجة المعلومات المالية، كما أحالت المادة 31 من نفس القانون على المواد 6-595و 7-595 ثم 8-597 من قانون المسطرة الجنائية والتي بينت شروط تنفيذ حكم أجنبي قاضي بالمصادرة ويمكن تلخيصها فيما لي:

  1. أن يكون المقرر القضائي الأجنبي نهائيا وقابلا للتنفيذ وفق قانون الدولة الطالبة.
  2. أن تكون الممتلكات المراد تجميدها أوو حجزها أو مصادرتها عملا بهذا المقرر قابلة للتجميد أو الحجز أو المصادرة في ظروف مماثلة حسب التشريع المغربي.

كما أضافت المادة 8-595 من قانون المسطرة الجنائية أنه يترتب على ترخيص الوكيل العام للملك بالمصادرة مع مراعاة حقوق الأغيار نقل ملكية الممتلكات المصادرة إلى الدولة المغربية ما عدا إذا تم الاتفاق على خلاف ذلك مع الدولة الطالبة أو في إطار تطبيق اتفاقية دولية أو على أساس المعاملة بالمثل.

المطلب الثاني: آثار المصادرة على ضوء العمل القضائي

وسنحاول في هذا المطلب التطرق لبعض الإشكالات التي تطرحها المصادرة سواء على مستوى حدودها والجوانب التي تطالها، وتحديدا ما يتعلق بحقوق الغير، أو على مستوى ما يمكن أن تثيره من صعوبة في إطار إجراءات تنفيذه.

الفقرة الأولى: مدى مراعاة حقوق الغير خلال الحكم بالمصادرة

يعد الفصل 43 من القانون الجنائي الأساس القانوني لحفظ حقوق الغير خلال الحكم بالمصادرة، إذ نص على أنه “في حالة الحكم بالمؤاخذة على فعل بعد جناية، يجوز للقاضي أن يصادر لفائدة الدولة، مع حفظ حقوق الغير، الأدوات والأشياء التي استعملت أو كانت ستستعمل في ارتكاب الجريمة أو التي تحصلت منها، وكذلك المنح وغيرها من الفوائد التي كوفئ بها مرتكب الجريمة أو التي كانت معدة لمكافئته”، فكما يلاحظ أن هذا المقتضي هو بمثابة السياج التشريعي لحقوق الغير، حفظا لها من المصادرة، لكن التساؤل الذي يمكن بسطه في هذا الإطار هو مدى فعالية هذا المقتضي على مستوى الممارسة القضائية؟ هل يسري على جميع الحالات؟ أم أنه يصطدم بمعوقات على هذا المستويات؟

قبل معالجة الوضع استنادا إلى إحدى قرارات المجلس الأعلى المنصبة على نفس الإشكال، تجدر الإشارة أولا إلى الحكم الذي جاء به الفصل 81 من ظهير 12 نونبر 1932 المتعلق بنظام التبغ بالمغرب، حيث قضى بحجز ومصادرة وسيلة النقل التي وجد على متنها التبغ أو الكيف.

هذا الفصل سيستند إليه المجلس الأعلى في قرارين له[464] لنقص قرارين استئنافيين متشابهين إلى حد كبير، قضى أولهما برد سيارة وجد على متنها التبغ إلى صاحبها لعلة أنها سرقت منه وارتكبت بها الجريمة، وثانيهما لعلة أنه حسن النية ولم يكن يعلم أن الراكب كان يحمل معه الكيف:

فأمام تعارض النصين، الفصل 43 من القانون الجنائي والفصل 81 من ظهير 12 نونبر 1932، لجأ المجلس الأعلى إلى ترجيح هذا الأخير على حساب الآخر، معللا ما قضى به بأن الفصل 81 المذكور يكون واجب التطبيق كلما تعلق الأمر بناقلة حاملة للتبغ أو الكيف بصرف النظر عن مالكها. حيث يطرح التساؤل حول مدى عدالة ما ذهب إليه المجلس الأعلى لما تجاهل حقوق الغير حسن نية، سيما وأن الفصل 81 المذكور لم يتعرض ضمن أحكامه إلى وضعية هذا الغير، إذ سكت عنها.

ولعله كان من الأفيد الرجوع إلى القواعد العامة في هذا المجال، عوض استغلال سكوت النص عن حقوق الغير للقول بأن المشرع قد أوجب مصادرة وسيلة نقل الكيف في جميع الأحوال، وبدون استثناء، فلا يظهر من خلال عبارة النص ما يفيد أن المشرع قصد بالفعل تحميله هذا المعنى.

وهكذا، كان من المناسب أعمال أحكام الفصل 43 من القانون الجنائي الذي يوفر ما يكفي من الحماية لحقوق الغير أثناء المصادرة، خاصة لما علمنا من خلال حيثيات القرارين، أن صاحب السيارة المضبوط على متنها الكيف هو حسن النية في القرار الأول[465]، في حين أنه في القرار الثاني[466]ليس كذلك فحسب، بل هو ضحية جريمة سرقة وقعت على سيارته قبل أن تستعمل في نقل الكيف، وتكون موضوع مصادرة فيما بعد.

هذا وأن مبدأ العدالة يقتضي دائما النظر إلى النازل من الناحية الواقعية المنطقية، عوض التشبث المتطرف بحرفية النص، ومن دون ربطه بالمقصد العام للمشرع، فتغييب هذا المبدأ من قبل المجلس الأعلى لم يكن له أثر هاتين الواقعتين فحسب. بل سيبرز مرة ثانية في قرار له[467]، حين ذهب إلى نقض وإبطال قرار استئنافي قضى بمصادرة يخت مملوك للمدان وضبط على متنه متفجرات، معللا توجهه هذا بعدم وجود نص يقضي بمصادرة وسيلة نقل الأسلحة المحجوزة.

فكما يلاحظ، أن المسألة تطرح نوعا من التناقض وعدم القبول المنطقي من منظور العدالة هذا التناقض الذي ينبع أساسا من الفراغ التشريع، سواء على مستوى ظهير 12 ننبر 1932 الخاص بنظم التبغ بالمغرب، أو على مستوى ظهير 31 مارس 1973 المتعلق بالأسلحة المستوردة إلى المغرب، وكذا على صعيد ظهير 2 شتنبر 1958 المحدد للجرائم والعقوبات المرتبطة بمخالفته. أي ظهير 31 مارس 1937.

هذا، وأن ما تم استخلاصه مما سبق، يفتح الباب على أكثر من تساؤل، خاصة حول مدى فلاح المشرع المغربي من خلال مقتضيات الفصل 43 من القانون الجنائي في تحين حقوق الأغيار من تعسف القضاء، أحيانا، في مصادرة أموالهم.

إذا كان هذا فيما يتعلق بمدى مراعاة حكم المصادرة لحقوق الغير، فماذا يمكن القول بالنسبة لبعض الإشكالات التي قد يثيرها الحكم بالمصادرة على مستوى التنفيذ؟

الفقرة الثانية: إشكالية أثر الحكم بمصادرة جزء من عقار محفظ على الشياع

تجدر الإشارة مبدئيا، أنه لما كان جزء من عقار مشاع مملوك للمحكوم عليه. محفظا كان أم غير محفظ. محل مصادرة، وجب إجراء القسمة تطبيقا لأحكام المادة 45 من القانون الجنائي، وهو ما أكده المجلس الأعلى في إحدى قراراته[468]، حيث جاء في حيثياته “لا تهمس المصادرة إلا الأشياء المملوكة للمدان باستثناء الأحوال المنصوص عليها في القانون، وإذا كان المال محل المصادرة مملوكا على الشياع بين المدان والغير فإن المصادرة لا تنصب إلا على نصيب المدان وتترتب عنها القسمة أو التصفية عن طريق المزاد”.

غير أن قسمة العقار المحفظ على الشياع بعد مصادرة جزء منه، من شأنها أن تصطدم بنوع من الصعوبات، المستشفة من خلال دراسة ما جرى عليه العمل في سائر المحافظات العقارية بالمملكة، وتحديدا ما يتعلق بتسجيل أحكام القسمة، حيث تم ربط هذا الاجراء ببعض الأحكام المضمنة في قرار إداري على شكل دورية[469] صادرة عن المحافظ العام على الأملاك العقارية، في إطار اختصاصاته على مستوى توحيد العمل الإداري. نصت في طياتها على عدم جواز تسجيل القسمة بالنسبة لجزء من عقار محفظ كان موضوعها، إلا بالموازاة مع تسجيل باقي أجزائه الأخرى. ما يفيد ضرورة أداء جميع المالكين. كل حسب نصيبه في العقار. للرسوم الخاصة بتسجيل الحكم القاضي بقسمة العقار الذي كان مشاعا بينهم قبل أن تتم مصادرة جزء منه لفائدة الدولة وقسمته بمقتضى حكم قضائي، مع جواز تحلم أحدهم جميع التكاليف.

فالكيفية التي تؤثر بها هذا القرار الإداري على إجراءات ما بعد الحكم بالمصادرة، هو أن الدولة، التي غالبا ما تقوم ببيع ما تصادره، والتي يتعين عليها استخراج رسم عقاري خاص بالجزء العائد لها من وراء المصادرة، حتى يطمئن المشتري إلى الوضعية القانونية للعقار وسلامته من النزاعات. قد تجد نفسها أمام صعوبة إتمام إجراءات ما بعد الحكم بالمصادرة، كحالة رفض أحد المالكين أو كلهم تسجيل القسمة، أو عدم تواجدهم وقتها بالوطن مثلا… سيما وأن الرسم العقاري لجزء من العقار المحفظ الذي كان مح لقسمة، لا يمكن انشائه إلا بالموازاة مع إنشاء الرسوم العقارية الخاصة بباقي أجزائه الأخرى. حسب ما جاء به القرار الإداري المذكور.

فما هو السبيل إذن في مثل هذه الأحوال. أمام الدولة لاستخراج رسم عقاري خاص بالجزء المصادر لفائدتها؟ هل من حقها إلزام باقي الشركاء في العقار بأداء المبالغ الخاصة بتسجيل أجزائهم في العقار. أما غياب أي مقتضى يلزمهم بتسجيل قسمة العقار؟ أم أنها ستعمد إلى تسجيل القسمة. ثم تقوم بالرجوع عليه فيما بعد لاستخلاص ما وجب عليهم أدائه من رسوم بمناسبة تسجيل القسمة؟ وهل من قاعدة قانونية تضمن لها حق الرجوع؟ وهل يحق لها إلقاء حجز عقاري على القطع العائدة لهم في العقار؟ وعلى أي أساس؟ هل هو الدين؟ فعلى أي أساس نشأ هذا الدين؟ هل تكفي عناصر النازلة للقول باستجماع شروط نظرية الإثراء بلا سبب؟ فعلى العموم تبقى المسألة مفتوحة على أكثر من تساؤل.

بقي أن نشير إلى أن الحكيم بمصادرة عقار محفظ على الشياع بقدر ما يمكن أن يصطدم بصعوبة التنفيذ. بقدر ما يكن أن يخلقها بالنسبة لباقي الشركاء في العقار. كما لو تعلق الأمر بتماطل الدولة أو الخزينة العامة، إن صح التعبير، لسبب أو لأخر عن تسجيل القسمة. بالموازاة مع تحمس باقي الشركاء لهذا التسجيل. فهل لهم إلزامها للقيام به. باعتبارها شريكا؟ وهل يحق لهم رفع دعوى ضدها في هذا الإطار؟

فكما يتبين. أن الصعوبة التي يثيرها قرار المحافظ العام على الأملاك العقارية. السالف الذكر. قد يعترض مسطرة تسجيل قسمة عقار محفظ على الشياع في السجل العقاري. سواء من قبل الدولة في إطار القطعة المصادرة لفائدتها. أو من طرف مالكي باقي القطع في العقار.

خاتمـــة

وكما تم البيان إليه فإنا لمصادرة نتجت عنها حسنات تستحق التنويه به، فكان لها أثر واضح وفعال في جريمة غسل الأموال التي ولدت عن الاتجار في عمل غير مشروع كالمخدرات. فقد كان لهذا الاتجار انعكاس كبير على الاقتصاد الوطني وفشله. مما كان لابد من تحريك حملات واسعة النطاق لتلهم الجميع بدءا من منعشين عقاريين ومزودين على أعلى مستوى. ومن أهم إفرازات ونتائج الحملة مداهمة واعتقال فئات اجتماعية هامة ومصادرة ممتلكاتهم طبقا لما أقره القانون. ونخص بالذكر هنا حملة 1995 التي شكلت لجنة تنسيق بخصوصها لمحاربة المخدرات والتهريب بتاريخ 12/12/1995.

وفي إطار التملص الجبائي أعدت حكومة إدريس جطو على غرار حكومة عبد اللطيف الفيلالي برنامجا تكميليا يشكل مقاربة حول التملص والتهرب من دفع الضرائب. بيد أن الحملة لم تكن لها أي أثر إذا لم تشمل التملص الجبائي، ذلك أن هذه الظاهرة أصبحت مستعملة في أوساط الأعمال. حيث أن العديد من أرباب الشركات والمقاولات لا يزالون بعيدين عن التطبيق الجبائي. وذلك لأسباب عديدة منها الرشوة وفساد العديد من القطاعات الإدارية المرتبطة بشأنها هذه الشركات والمقاولات. وقد طالت يد هذه الحلمة التطهيرية العديد من الشخصيات الكبرى المخالفة للقانون.

أما في نطاق التهريب فعادة ما تعتمد الدول على حملة تطهيرية تفرغ في طابع رسمي وآليات حكومية تتقارب الإدارات اللامركزية فيما بينها. فتم الكشف عن المساس الفظيع بالاقتصاد الوطني بسبب هذا الجرم (التهريب) لدرجة فقدان المناعة الاقتصادية كليا. وحرمان خزينة الدولة من عائدات الضرائب وجبايات ضخمة.

وفي هذا المضمار وعملت الدولة على اعتقال العديد من المهربين الكبار منذ 1996 ابتداء من ملفات ضخمة وشائكة أسالت الكثير من مداد الصحافة. وأثارت اهتمام الرأي العام انطلاقا من ملف (حميدو الديب وعبد العزيز اليخلوفي) مرورا بملف (منير الرماش والنيني) وصولا إلى (الشريف بين الويدان) الذين بلغوا إلى عمق المؤسسة الأمنية. وكشفوا الستار عن حالات كانت متسترة بالمكانة الإدارية داخل الدولة، فطبقت المصادرة على أملاك كل هؤلاء الأشخاص بما فيهم المتورطون في عملية الفساد والرشوة.

لكن يبقى الإشكال قائما في الآثار الناتجة عن المصادرة سواء طبقت كعقوبة إضافية أو كتدبير وقائي. فعلى سبيل المثال لا على الحصر، كلما تأثرت الأموال المزمع تبييضها بجملة من الحملات إلا وتقلصت السيولة في الاقتصاد ومن تم بمجموعة من الأنشطة المرتبطة بها.

ويعمل الجميع كيف أن حملة منتصف التسعينات من القرن الماضي والتي تمت بمناطق الشمال قد أثرت بشكل سلبي على الأنشطة الاقتصادية، بل وحتى على التشغيل.


[440] عبد الواحد العلمي: ” المبادئ العامة للقانون الجنائي المغربي”، الجزء الثاني، المطبعة الجديدة الدار البيضاء، طبعة 1999، ص 134 و135.

[441] قرار المجلس الأعلى عدد 458 صادر بتاريخ 23 ماي 1978 منشور بمجلة قضاء المجلس الأعلى عدد 28، ص203.

[442] المواد: 36-42-43-44-45-46، من القانون الجنائي المغربي.

[443] لمادتين: 62-89 من القانون الجنائي.

[444] الفصل 42 من القانون الجنائي.

[445] الفصل 43 من القانون الجنائي.

[446] وسنقوم في المبحث الثاني بتخصيص فقرة لدراسة وتحليل هذا المقتضي، استنادا إلى الاجتهاد القضائي المغربي.

[447] قرار محكمة النقض الفرنسية صادر بتاريخ 11 غشت 1948، أشار إليه علي فاضل حسن، في مؤلفه “المصادر في القانون الجنائي المقارن” مطبعة عالم الكتب، القاهرة، ص 347.

[448] شادية الشومي:” القانون الجنائي العام” طبع وتوزيع دار القلم، الطبعة الثانية 2001، ص20.

[449] جاء في قرار المجلس الأعلى عدد 1810 بتاريخ 29 مارس 1983:” لا تمس المصادرة إلا الأشياء المملوكة للمدان، باستثناء الأحوال المنصوص عليها في القانون، وإذا كان المال محل المصادرة مملوكا على الشياع بين المدان والغير فإن المصادرة لا تنصب إلا على نصيب المدان وتترتب عنها القسمة أو التصفية عن طريق المزايدة. = تكون المصادرة أمرا إلزاميا في بعض الحالات المحددة قانونا وليس منها حالة استعمال سيارة على مل كأب المهتم عدة سرقات، مما يعرض القرار الذي رفض استرداد هذه السيارة للنقض” (راجع حيثيات الحكم في مجلة قضاء المجلس العلى عدد 32 ص 186).

[450] وزارة العدل: ” القانون الجنائي في شروح”، منشورات جمعية تنمية البحوث والدراسات الفضائية، الطبعة الثانية، 1997، ص43.

[451] وزارة العدل، المرجع السابق، ص43.

[452] د. عبد الواحد العلمي، المرجع السابق، ص210.

[453] للمزيد من التمييز بين المصادرة كعقوبة إضافية وكتدبير وقائي، ارجع:

  • عبد الواحد العلمي، المرجع السابق، ص209 وما بعدها.
  • محمد ملياني “القانون الجنائي العام”، الطبعة الأولى، 2004، ص244.

[454] تقرير لجنة العدل والتشريع وحقوق الإنسان بشأن مناقشة مشروع قانون 05-43 المتعلق بغسل الأموال.

[455] الفصل 3-574 من مجموعة القانون الجنائي كما أضافه قانون 05-43 المتعلق بغسل الأموال.

[456] الفصل 4-574 من مجموعة القانون الجنائي كما أضافه قانون 05-43 المتعلق بغسل الأموال.

[457] وفي هذا الإطار، لا بأس من التذكير بالخلافات الفقهية المتمحورة حول مفهوم “المال”، بين اتجاه يرى بأن المال هو حق وآخر يقول بأنه شيء، واتجاه حديث يذهب إلى اعتبار المال حق موضوعه الشيء.

[458] تقرير لجنة العدل والتشريع وحقوق الإنسان بشأن مناقشة مشروع قانون 05-43 المتعلق بغسل الأموال.

[459] علما أن جريمة غسل الأموال من بين الجرائم المنظمة المشمولة بهذه الاتفاقية.

[460] قرار المجلس الأعلى عدد 458 س 1 بتاريخ 23/5/1978 منشور بمجلة قضاء المجلس الأعلى عدد 28 ص 176.

[461] قرار المجلس الأعلى ملف جنحي 17647/90 بتاريخ 1/7/1993 منشور بمجلة الاشعاع عدد 10، ص117.

[462] El periodica de elmondo, 2003, Nﹾ 2452, espagna.

[463] يتعين على الدولة الطرف التي تتلقى طلبا من دولة أخرى لها ولاية قضائية على جرم مشمول بهذه الاتفاقية من أجل مصادرة ما يوجد في إقليمها من عائدات إجرامية أو ممتلكات أو معدات أو أدوات أخرى مشار إليها في الفقرة 1 من المادة 12 من هذه الاتفاقية أن تقوم إلى أقصى حد ممكن في إطار نظامها القانوني الداخلي.

[464] قرار المجلس الأعلى عدد 48، صادر بتاريخ 19/11/1970 منشور بمجلة قضاء المجلس الأعلى، عدد 19، ص82.

  • قرار المجلس الأعلى عدد 110، صادر بتاريخ 10/12/1970. منشور بمجلة قضاء المجلس الأعلى، عدد 20، ص45.

[465]انظر الصفحة السابقة من هذا البحث.

[466] انظر الصفحة السابقة من هذا البحث.

[467] قرار المجلس الأعلى عدد 971 صادر بتاريخ 31/05/1979 ملف جنائي رقم 63399 منشور بمجلة قضاء المجلس الأعلى عدد 27 ص 164.

[468] قرار المجلس الأعلى عدد 1810 صادر بتاريخ 29/03/1983، ملف جنحي عدد 13004، منشور بمجلة قضاء المجلس الأعلى عدد 32، ص 162.

[469] قرار المحافظ العام على الأملاك العقارية، عدد 356 صادر بتاريخ 21 شتنبر 2006، غير منشور.

https://powderencouraged.com/zht6b3bs66?key=8523542c4aaf6f083ce56f74bd271319
https://powderencouraged.com/w3m6c9b5?key=af8b4909c0965493e9682d74bb50a646
https://powderencouraged.com/ksq5rgwdmh?key=b5b47a0d83f8742dcf71d4de8ef00494
https://powderencouraged.com/bkcduddx?key=0252cc21d0f4e0ae5f53245940611301
×
error: Content is protected !!