في قانون التحفيظ العقاري

الأستاذ / عبد الاله المرابط

كلية العلوم القانونية والاقتصادية والاجتماعية بالرباط – أكدال

مقدمة:

1. مسطرة التحفيظ هي مجموع الإجراءات القانونية الرامية إلى تحديد هوية العقار المراد تحفيظه واشهاره للعموم قصد تطهيره من الحقوق والتحملات غير الثابتة وتأسيس رسم عقاري له يكون نهائيا وغير قابل للطعن. غير أن تحفيظ العقار ليست نتيجة حتمية تفضي إليها الإجراءات المسطرية، بل إن مآل المطلب يكون رهينا بتلازم شرطان أساسيان: سلامة الإجراءات وصحة السندات والعقود.

2. ولما كان طالب التحفيظ فاعلا رئيسيا في مسطرة التحفيظ اعتبارا لمبدأ الاختيارية في الخضوع لهذا النظام حسب القانون المغربي ([1])؛ فإن المشرع قد خول للمحافظ سلطة تقديرية واسعة لمراقبة سير إجراءات التحفيظ ومدى تفاعل طالب التحفيظ معها وتجاوبه مع الأعمال والاجراءات المطلوبة منه مثل حضور أشغال عملية التحديد وإعداد الوسائل اللازمة لإجرائها، ومد المهندس المساح بالإرشادات الضرورية حول حدود العقار، وتكملة النقص الذي قد يظهر على طلب التحفيظ وما إلى ذلك من أعمال وإجراءات. ويلاحظ أن أي تقاعس من طالب التحفيظ في هذا الجانب من شأنه إطالة أمد المسطرة مما يجعل العقار المراد تحفيظه في منزلة وسطى بين نظامي العقارات المحفظة والعقارات غير المحفظة ، الأمر الذي يعيق تعبئة العقار وإدماجه في التنمية الاقتصادية والاجتماعية. ولتجاوز هذا الوضع غير المرغوب فيه ، يتعين إعمال الجزاء القانوني الذي يتنوع بين إلغاء المطلب ورفض التحفيظ.

3. يلعب كلا من الرفض والإلغاء دورا أساسيا لا غنى عنه في أي نظام للإشهار العقاري العيني يقوم على مبدأ الاختيارية ، هذا فضلا عن كون مسطرة التحفيظ هي فقط وسيلة لتحقيق غاية وهي تأسيس رسم عقاري للملك المطلوب تحفيظه في أسرع وقت ممكن ([2]). ولهذه الأسباب وغيرها، تم إقرار الإلغاء والرفض لفرض الجدية في مسطرة التحفيظ والحفاظ على الطابع المؤقت والانتقالي لهذه المسطرة وفي نفس الوقت إضفاء المشروعية على عملية التحفيظ.

وقلما يتم الفصل بين رفض التحفيظ وإلغاء المطالب في مادة مسطرة التحفيظ ، ولعل من أسباب عدم الفصل بين النظامين أن المشرع نفسه لم يميز بشكل واضح بينهما، بحيث تناول آثار رفض مطلب التحفيظ دون الحديث عن آثار إلغاء المطلب ، وحدد حالات إلغاء مطالب التحفيظ دون حالات الرفض ، وغير ذلك من المقتضيات القانونية التي لا تساعد على التمييز بين نظامي الإلغاء والرفض. ورغم ذلك، فإن الفلسفة العامة التي سار على هديها مشرع قانون التحفيظ العقاري من خلال الإجراءات المنظمة لمسطرة التحفيظ ، تدلنا على أن الإلغاء يعتبر وسيلة للضغط على طالب التحفيظ وحثه على إيلاء العناية والجدية لطلبه الرامي إلى التحفيظ ، لذلك تتعدد حالات الإلغاء بتعدد التزامات طالب التحفيظ. أما رفض التحفيظ، فلا يعدو كونه آلية قانونية للتخلص من مطالب التحفيظ الفاقدة للصحة والمشروعية أو المفتقرة للحجج الكافية المثبتة لملكية الحق العيني لطالب التحفيظ.

وهكذا سنحاول من خلال هذا البحث الفصل بين أحكام إلغاء المطالب ورفض التحفيظ في مادة التشريع العقاري المغربي الصادر بظهير 12 غشت 1913 مع ما أدخل عليه من تعديلات بموجب القانون رقم 14.07، وذلك في مبحثين وخاتمة.

المبحث الأول:

الإلغاء وسيلة لفرض الجدية في متابعة مسطرة التحفيظ

4. يقوم طالب التحفيظ بدور رئيسي في مسطرة التحفيظ العقاري لقيام هذا النظام على مبدأ الاختيارية كما سبق القول ، بحيث يتعين عليه الإدلاء بجميع البيانات الإلزامية ([3]). ومن بين هذه البيانات تعيين موطن مختار داخل دائرة نفوذ المحافظة العقارية التي يقع فيها العقار المطلوب تحفيظه إذا كان يقطن خارج هذه الدائرة ، وذلك لتيسير المخابرة معه أثناء جريان مسطرة التحفيظ وإشعاره بكل المعيقات التي تحول دون مواصلة إجراءاتها حتى يتسنى له التدخل في الوقت المناسب لرفعها. ويترتب على تخلف طالب التحفيظ عن تعيين محل للمخابرة أن تكون جميع الإنذارات والتبليغات الموجهة إليه بمقر النيابة العامة تعتبر تبليغات صحيحة وتترتب عليها آثارها القانونية ([4])، ومن بينها إلغاء مطلب التحفيظ إذا لم يقم طالب التحفيظ بتنفيذ الإجراء المطلوب منه أو لم يدل بمبررات مقبولة منعته من القيام بالإجراء المطلوب في الوقت المناسب. فما المقصود بإلغاء مطلب التحفيظ وما هي آثاره؟

5. الإلغاء من حيث المعنى اللغوي والمفهوم الاصطلاحي من حيث المعنى الاصطلاحي، اللغو واللغا يعني السقط وما لا يعتد به من كلام ويخيره ولا يحصل منه فائدة ولا نفع. قال تعالى: (لا يؤاخذكم الله باللغو في إيمانكم) ([5])، وفي الحديث: “إذا قلت لصاحبك أنصت والإمام يخطب يوم الجمعة فقد لغوت”([6]). ويقال ألغيت هذه الكلمة أي رأيتها باطلا أو فضلا وألغيت الشيء أبطلته ، ومن الأثر ورد أن ابن عباس ، رضي الله عنه، كان يلغي طلاق المكره أي يبطله ([7]).

أما من حيث المفهوم القانوني ، فقد يرد الإلغاء على القانون أو على القاعدة القانونية كما يرد على الأحكام القضائية ([8]) والقرارات الادارية. ويقصد بإلغاء القرار الاداري إنهاء القرار وإزالة آثاره بالنسبة للمستقبل فقط، بحيث يصبح القرار الملغي غير منتج لأي أثر قانوني من تاريخ إلغائه ([9]). وهذا ما ينسحب على قرار إلغاء مطلب التحفيظ ، الذي يؤدي إلى التشطيب عليه من السجلات السابقة للتحفيظ وما يترتب على ذلك من محو جميع آثاره المادية والقانونية ([10]).

6. ويصدر قرار إلغاء مطلب التحفيظ عن المحافظ كجزاء يتعرض له طالب التحفيظ المتقاعس عن القيام بالتزاماته لمتابعة مسطرة التحفيظ ، لأن الخيار الممنوح له في تقديم طلب التحفيظ ليس مطلقا يمارسه كيف يشاء كما كان الأمر في السابق بل أصبح حقا مقيدا بشرط عدم إمكان سحبه فيما بعد كما يقضي بذلك الفصل 6 من قانون التحفيظ العقاري بعد تعديله بظهير 1954 ([11]). لأن مسطرة التحفيظ ترتبط بها عدة مصالح وتتأثر بها عدة مراكز قانونية، لذا يجب أن لا يكون السير في إجراءاتها رهينا بمشيئة طالب التحفيظ يتحكم في مواصلتها أو وقفها وتعليقها بمنظور مزاجي.

المطلب الأول:

تعدد حالات الإلغاء بتعدد التزامات طالب التحفيظ

7. تعرض الفصل 23 من القانون 14.07 لثلاث حالات لإلغاء مطالب التحفيظ ، وتدور في مجملها حول غياب طالب التحفيظ في موعد إجراء التحديد، وعدم قيامه بما يلزم لإنجاز عملية التحديد، وتعذر إنجاز التحديد لمرتين متتاليتين بسبب نزاع حول الملك. ويلاحظ أنه في الحالتين الأوليتين ، لا يصدر المحافظ قرار الإلغاء إلا بعد توجيه إنذار لطالب التحفيظ بموطنه المختار مع الإشعار بالتوصل وانتظار مرور الأجل القانوني. أما في الحالة الثالثة والأخيرة ، فيصدر فيها قرار الإلغاء فور تحقق واقعة تعذر إجراء التحديد لمرتين متتابعتين بسبب نزاع حول الملك ([12]). بمعنى أن تتم برمجة عملية تحديد العقار لمرتين متتابعتين وفق الطريقة المنصوص عليها في القانون ، ولا يتم إنجاز التحديد بسبب منع المهندس المنتدب لإجرائها من قبل أطراف لها علاقة بالعقار المراد تحديده. ويلاحظ في هذه الحالة ، أنه ليس هناك من داع لإنذار طالب التحفيظ طالما أن واقعة تعذر إجراء التحديد للمرة الثانية ، والتي يشترطها نص الفصل 23، قد تحققت في الواقع وتم إثباتها بموجب محضر التحديد الموقع من طرف المهندس المساح ومن طرف طالب التحفيظ وباقي المتدخلين ، ما لم يثبت عكس ذلك.

الفقرة الأولى:

حالة إلغاء المطلب لغياب طالب التحفيظ في الموعد المقرر

لإجراء التحديد أو عدم قيامه بما يلزم لإجرائه

8. يجوز للمحافظ إلغاء مطلب التحفيظ عند توفر الشرطين المنصوص عليهما في الفصل 23 من قانون التحفيظ العقاري ، وهما غياب طالب التحفيظ أثناء إجراء عملية التحديد أو عدم قيامه بما يلزم لإجرائها.

يحتل التحديد ([13]) مكانة بارزة في مسطرة التحفيظ ، لأنه من الأسس التي يقوم عليها قرار التحفيظ المفضي إلى تأسيس رسم عقاري للعقار يكون نهائيا وغير قابل للطعن. وقد ذهب أحد شراح نظام التحفيظ العقاري المغربي إلى أن عملية التحديد ذات طبيعة مركبة ([14])، وهي بالفعل كذلك لأنها عملية طبوغرافية تحدد الرقعة الجغرافية للعقار المطلوب تحفيظه ، وتتم بشكل علني بحضور جميع المعنيين والمتدخلين ، وهي في نفس الوقت بحث قانوني على اعتبار أن المهندس المساح المنتدب يستفسر طالب التحفيظ والمجاورين والمتعرضين وجميع المتدخلين وأصحاب الحقوق عن كل ما يتعلق بالملك المراد تحفيظه. هذا فضلا عن كونه يقوم بمعاينة واقع الحيازة ومدتها وحالة العقار كما ينص على ذلك الفصل 20 من قانون التحفيظ العقاري ([15]).

واعتبارا لدور التحديد وأهميته في مسطرة التحفيظ ، فقد حظي بالتنظيم التشريعي ([16]) وذلك بهدف الإعداد الجيد له وإحاطته بالضمانات الكفيلة بإنجازه بشكل صحيح وفي الموعد المحدد له. وهذا ما سعى المشرع إلى تحقيقه من خلال الاعلان عن تاريخ إجراء العملية وإشهاره للعموم واستدعاء طالب التحفيظ وجميع المتدخلين في هذه العملية من مجاورين ومتعرضين وغيرهم، وإنجازها بشكل صحيح وفق الشروط المنصوص عليها في الفصلين 19 و 20 من قانون التحفيظ العقاري. وتكون الأشغال التمهيدية للتحديد وإنجاز العملية بحد ذاتها تحت إشراف المحافظ على الأملاك العقارية وفي نفس الوقت تحت المراقبة القضائية، بحيث قد يكون مآل عملية التحديد الإلغاء إذا لم يتم استدعاء المتعرض مثلا لحضور أشغالها وفق مقتضيات الفصل 19 من القانون ([17]). أما إذا لم تنجز عملية التحديد بالمرة وأحيل ملف المطلب على القضاء للبت في التعرض المقام ضده، فيكون على المحكمة المعروض عليها النزاع العقاري إصدار حكم تمهيدي يأمر بإرجاع الملف إلى المحافظ قصد إتمام إجراء تحديد العقار ([18]).

ويجب على المحافظ ، قبل إجراء التحديد بعشرين يوما، أن يقوم بتوجيه ملخص مطلب التحفيظ المنشور بالجريدة الرسمية ، مقابل إشعار بالتوصل ، إلى كل من رئيس المحكمة الابتدائية وممثل السلطة المحلية ورئيس المجلس الجماعي الذين يقع العقار في دائرة نفوذهم. ويجب أن يبقى ملخص المطلب معروضا على أنظار العموم بمقر السلطات المذكورة إلى اليوم المقرر لإجراء التحديد. ومن المستجدات المهمة التي يمكن تسجيلها في هذا السياق ، أن شهادة الإشعار بالتوصل بملخص مطلب التحفيظ ، أصبحت كافية في حد ذاتها للحكم بصحة تعليقه من طرف السلطات وبالتالي تغني عن رجوع شهادة التعليق أو ما كان يصطلح عليه بشهادة النفي ([19]).

9. وإذا غاب طالب التحفيظ في اليوم المقرر لإجراء التحديد أو حضر إلى عين المكان ولكنه لم يقم بإعداد ما يلزم لإجراء عملية التحديد ([20])، فإن المهندس المساح لا ينجز أي عمل من أعمال التحري والبحث والاستفسار بل يكتفي بمعاينة واقعة الغياب وتدوينها بمحضر التحديد الذي يعتبر وثيقة يمكن الاحتجاج بها ما لم يثبت ما يخالفها ([21]). وبناء على هذه الوثيقة، يقوم المحافظ بتوجيه إنذار لطالب التحفيظ واستفساره عن أسباب غيابه في الموعد المقرر لإجراء التحديد أو عدم قيامه بما يلزم لإنجاز التحديد وذلك داخل أجل شهر من تاريخ التوصل ([22]). وبمرور هذا الأجل وبقاء الإنذار بدون جدوى ، يتخذ المحافظ قرار إلغاء المطلب ويقوم بتبليغه لطالب التحفيظ.

الفقرة الثانية:

حالة الإلغاء التلقائي للمطلب عند تعذر تحديد العقار بسبب النزاع

ينص الفصل 23 من القانون رقم 14.07 في فقرته الثانية على أن مطلب التحفيظ يعتبر لاغيا وكأم لم يكن إذا تعذر على المحافظ على الأملاك العقارية أو نائبه إنجاز عملية التحديد لمرتين متتاليتين بسبب نزاع حول الملك. وكما هو ملاحظ ، فإن حالة الإلغاء هذه لم تكن مقررة في نص الفصل 23 المنسوخ، بل هي من مستحدثات القانون رقم 14.07 سالف الذكر على خلفية النزاعات التي كانت تنشأ بين المتعرضين وطلاب التحفيظ أو بين هؤلاء والمجاورين أو مستغلي العقارات المراد تحديدها. إذ كان هؤلاء يتصدون بالقوة والعنف أحيانا للمهندس المساح لمنعه من إنجاز العملية المقررة ، مما جعل المحافظين يلجئون إلى النيابة العامة والسلطة المحلية طلبا لتسخير القوة العمومية لتوفير ظروف أمنية مناسبة لإجراء عملية التحديد. وكانت هذه المحاولات تنجح أحيانا وتفشل أحيانا أخرى ، لأن هذه الممارسة كانت مجرد اجتهاد من بعض المحافظين لحل مشكل منع المهندس المساح من القيام بعملية التحديد، وهو اجتهاد نابع من الحرص على إتمام إجراءات مسطرة التحفيظ ، لكنه اجتهاد يعوزه السند القانوني. وقد استمر هذا الفراغ التشريعي إلى حين صدور القانون رقم 14.07 الذي نص على وجوب تسخير القوة العمومية بشكل صريح من طرف وكيل الملك كلما طلب منه ذلك من طرف المحافظ أو من طرف كل ذي مصلحة ([23]).

ورغم صدور النص القانوني المقرر لوجوب تسخير القوة العمومية من طرف وكيل الملك لتوفير الظروف الأمنية الملائمة لإجراء عملية التحديد، فإن المشرع قد توقع قيام نزاع حول العقار المطلوب تحفيظه من شأنه أن يحول دون إنجاز عملية تحديده. ولا أدل على ذلك من أن الفصل 23 في فقرته الثانية قد خول للمحافظ سلطة إلغاء مطلب التحفيظ إذا تعذر عليه أو على نائبه إجراء عملية التحديد لمرتين متتاليتين بسبب نزاع حول الملك. فهل هذا يعني أن وكيل الملك يجب عليه أن يمتنع عن مد المحافظ أو صاحب المصلحة بالقوة العمومية لإجراء التحديد، إذا كان هناك نزاع حول الملك؟ وما هي المعايير المعتمدة لتقييم الوضع على الأرض وتكييف واقعة منع المهندس من القيام بعملية التحديد؟ وهل يمكن الحديث عن نزاع حول الملك في جميع حالات المنع من إجراء التحديد حتى ولو كان مصدر المنع هو مكتري العقار أو مستغله، أم لا بد من التأكد من شروط تكييف النزاع؟

أم يجب انتظار صدور مرسوم تطبيقي ([24]) يجمع شتات القرارات الوزارية المتعلقة بتطبيق نظام التحفيظ العقاري وتنظيم مرفق المحافظة العقارية؟ هذه جملة من الأسئلة التي تطرحها حالة إلغاء مطلب التحفيظ لتعذر تحديد العقار لمرتين متتاليتين ، ولا ندعي الإحاطة بها في هذا البحث بقدر ما نبغي فتح النقاش حول هذه النقطة القانونية الهامة.

المطلب الثاني :

إلغاء مطلب التحفيظ في إطار الفصل 50

جزاء للتماطل في المسطرة وتمهيدا لرفض التحفيظ

14. يقرر الفصل 50 من قانون التحفيظ العقاري أن مطلب التحفيظ يعتبر لاغيا وكأن لم يكن إذا لم يقم طالب التحفيظ بأي إجراء لمتابعة المسطرة ، وذلك داخل أجل ثلاثة أشهر من يوم إنذاره من طرف المحافظ بواسطة عون التبليغ من المحافظة العقارية أو بالبريد المضمون أو عن طريق السلطة المحلية أو بأية وسيلة أخرى للتبليغ. والجدير بالملاحظة هنا أن نص الفصل 50 الجديد قد جاء واضحا ومتجاوزا للصياغة العامة والمبهمة للفصل 50 المنسوخ ومقلصا لأجل الإنذار من ستة أشهر إلى ثلاثة أشهر ([25]).

ويمكن للمحافظ إلغاء مطلب التحفيظ فور انتهاء الأجل القانوني وعدم قيام طالب التحفيظ بأي إجراء لمتابعة المسطرة ، وذلك ردا على تعنته وتراخيه عن القيام بأي مبادرة تنم عن استعداده لمواصلة إجراءات مسطرة التحفيظ ، وذلك حتى لا تصبح هذه الإجراءات تحت رحمة طالب التحفيظ يتحكم فيها كيف يشاء ([26])، وتتحول مسطرة التحفيظ من وضع انتقالي ومؤقت إلى وضع نهائي ودائم مع ما يترتب على ذلك من تداعيات على الدور الاقتصادي والاجتماعي للملكية العقارية.

أجمعت المؤلفات والأبحاث والمقالات التي تعرضت لموضوع إلغاء مطالب التحفيظ لعدم متابعة المسطرة على التفسير الواسع لمقتضيات الفصل 50 ([27]). وذلك استنادا إلى عمومية الصياغة القانونية التي تضفي على النص من المرونة ما يكفي لاستيعاب جميع حالات الإلغاء المرتبطة بتراخي طالب التحفيظ عن متابعة المسطرة باستثناء الحالات التي أفرد لها المشرع نص خاص، وحتى بعض الحالات التي تدخل في باب الرفض وهذا ما يبرر الاستنتاج القائل بأن إلغاء المطلب وفق مقتضيات الفصل 50 هو جزاء لعدم متابعة المسطرة وعمل تمهيدي لرفض التحفيظ في نفس الوقت.

وإذا كان المحافظ هو المشرف الرئيسي على سير إجراءات مسطرة التحفيظ ومراقبة مدى التزام طالب التحفيظ بمتابعتها حتى نهايتها، فإن صلاحية إلغاء مطلب التحفيظ ليست مطلقة من كل قيد بل مقيدة بشروط جوهرية يجب مراعاتها تحت رقابة السلطة القضائية ([28]) منعا لتجاوز السلطة والتعسف في استعمالها. وتتمثل هذه الشروط في توجيه إنذار لطالب التحفيظ يتضمن الإجراء المطلوب منه وذلك عن طريق رسالة مع الإشعار بالتوصل ([29]). وإذا لم يقم طالب التحفيظ بأي إجراء لمتابعة المسطرة داخل الأجل القانوني المحدد في ثلاثة أشهر من تاريخ توصله بالإنذار، يتخذ المحافظ قرار إلغاء المطلب وتوجيهه إلى طالب التحفيظ بموطنه المختار للإخبار ولفتح المجال أمامه للطعن ضد هذا القرار الذي يبدأ من تاريخ التبليغ.

المطلب الثاني :

الطعن القضائي في قرارات إلغاء المطالب

من المؤكد أن جميع القرارات الصادرة عن المحافظ هي قرارات إدارية لكونه سلطة إدارية ([30])، ولعل من بين هذه القرارات قرار إلغاء مطلب التحفيظ في الحالات المحددة قانونا. ومن الاشكاليات التي أثارت جدلا في أوساط الفقه والباحثين ، إشكالية مدى قابلية هذا القرار للطعن القضائي وما هي الجهة المختصة؟ وقد احتدم هذا النقاش والجدل بسبب سكوت المشرع عن التعرض للمسألة ، وفي هذا الإطار انقسم الفقه إلى اتجاهين اثنين: فريق يقول بعدم قابلية قرار الالغاء للطعن القضائي وفريق ينفي عن هذا القرار أي قابلية للطعن.

ذهب الفريق الذي ينتصر لفكرة عدم قابلية قرار إلغاء المطالب للطعن القضائي إلى كون سكوت المشرع عن الخوض في هذه المسألة يفهم منه استبعاد هذه الطائفة من القرارات من دائرة الطعن القضائي ([31]). وقد تلقف واضع المسودة الأولى لمشروع تحفيظ العقارات هذه الفكرة وضمنها في الفصل 71 من المشروع ([32]).

ويذهب الفريق الثاني إلى أن قرارات إلغاء مطالب التحفيظ غر محصنة ضد الطعن القضائي ، لأن الأصل أن جميع قرارات المحافظ العقاري قابلة للطعن الاداري أو القضائي ([33]) إلا ما استثني بنص قانوني خاص.

ويبدو من خلال الاتجاهين السابقين أن الرأي الأول لم يستطع الصمود أمام قوة الرأي الثاني وحججه الدامغة المستمدة من المعقول والقانون. فمن المعقول ، يقضي المنطق القانوني السليم أن عدم تعرض المشرع لمسألة الطعن ضد قرارات إلغاء مطالب التحفيظ لا يعني إفلات هذه القرارات من المراقبة القضائية ، لأن الأصل كما سبق القول هو قابلية قرارات المحافظ للطعن القضائي. أما الحجج المستمدة من القانون ، فيمكن إجمالها في العمل القضائي للمحاكم الإدارية الذي انتصر لفكرة القابلية للطعن ([34])، والتي تكرست تشريعيا بصدور القانون رقم 41.90 المتعلق بإحداث المحاكم الإدارية ([35]).

19. وبعدما تأكد لنا قابلية قرارات إلغاء مطالب التحفيظ للطعن القضائي من النواحي الفقهية والقضائية والتشريعية ، بقي علينا الآن تحديد الجهة القضائية المختصة للبت في هذا النوع من القرارات. وهنا نبادر إلى القول إن العمل القضائي قد استقر على أن الطعن في قرارات المحافظ العقاري تحكمه قاعدة واستثناء. فالقاعدة هي أن جميع قرارات المحافظ يجوز الطعن فيها أمام القضاء الاداري ، أما الاستثناء فهو ما ورد عليه النص في الفصلين 37 مكرر و 96 وفصول أخرى من قانون التحفيظ العقاري ، وهذا ما جرى عليه العمل القضائي على مستوى محاكم الموضوع ومحكمة النقض ([36]).

أما فيما يتعلق بأجل الطعن ضد قرار إلغاء المطالب ، فإن سكوت القانون رقم 14.07 لا يعني بتاتا استبعاد هذه الطائفة من القرارات من المراقبة القضائية ، لأنه بالرجوع إلى مقتضيات القانون رقم41.90 ، نجد المادة 23 منه تستوجب تقديم طلبات إلغاء القرارات الصادرة عن السلطات الادارية داخل أجل ستين يوما يبتدئ من نشر أو تبليغ القرار المطلوب إلغاؤه إلى المعني بالأمر. ويجوز لأصحاب الشأن أن يقدموا تظلما إداريا، قبل انقضاء الأجل المذكور، وفي هذه الحالة يمكن رفع طلب الإلغاء إلى المحكمة الإدارية المختصة داخل أجل ستين يوما يبتدئ من تبليغ القرار الصادر صراحة برفض التظلم الإداري كليا أو جزئيا.

المبحث الثاني :

رفض التحفيظ آلية لاستبعاد المطالب الفاقدة للمشروعية

21. ينص الفصل 30 من قانون التحفيظ العقاري على أن المحافظ يقوم بتحفيظ العقار خلال الثلاثة أشهر الموالية لانصرام أجل التعرض ، وذلك بعد التحقق من تمام جميع الاجراءات المسطرة ومن شرعية الطلب ومن كفاية الحجج.

ولما كان المحافظ يشرف على تتبع إجراءات مسطرة التحفيظ منذ انطلاقها، فإن هذه الإجراءات يمكن تصحيحها إذا أنجزت بشكل غير صحيح أو تتميمها إذا لم تنجز بكاملها وفق نصوص قانون التحفيظ العقاري. ورب سائل يسأل عن جدوى تحقق المحافظ من شرعية الطلب وكفاية الحجج بعد نهاية إجراءات مسطرة التحفيظ ، على اعتبار أن هذه المراقبة من المفروض أن تمارس عند تقديم طلب التحفيظ ، لأن قبول تسجيله ومتابعة إجراءات المسطرة بشأنه قد يفيد ظاهريا بأن مطلب التحفيظ مشروع وأن الحجج المؤيدة له كافية؟ ثم ماهي الحالات التي يرفض فيها المحافظ تحفيظ العقار رغم إنجاز جميع الإجراءات المسطرية المنصوص عليها في القانون ووجود الحجج والسندات المؤيدة للمطلب وخلو العقار من أي تعرض؟.

بالرجوع إلى الفصل 37 مكرر ([37]) الذي أضافه المشرع إلى قانون التحفيظ العقاري بموجب القانون رقم 14.07 نجد أن هذا الفصل يقتصر على إلزام المحافظ بتعليل قراره وتبليغه لطالب التحفيظ في جميع الحالات التي يرفض فيها التحفيظ دون أن يحدد لنا هذه الحالات أو على الأقل أسباب الرفض كما كان الأمر في الفصل 96 من قانون التحفيظ العقاري قبل التعديل ([38]). بحيث كان الفصل المنسوخ يجيز رفض التحفيظ في حالتين: عدم صحة الطلب وعدم كفاية الحجج. وقد نصل إلى نفس الاستنتاج عن طريق استقراء الفصل 30 من القانون الحالي الذي يستفاد منه أن المحافظ يقوم بتحفيظ العقار بعد التحقق من إنجاز جميع إجراءات مسطرة التحفيظ ، ومن شرعية طلب التحفيظ وكفاية الحجج المدلى بها، وعدم وقوع تعرض ([39]). وهذا يعني أن إعمال مفهوم المخالفة يدلنا على أن رفض التحفيظ لا يعدو أن يكون وراءه سببان اثنان لا غير وهي عدم صحة الطلب أو عدم شرعية الطلب وعدم كفاية الحجج.

وقبل المضي قدما في تحليل ومناقشة رفض التحفيظ ، يلاحظ بداية أن هذا النظام كمفهوم قانوني في ظل التشريع المغربي للتحفيظ يراد به رفض إضفاء الشرعية القانونية على العقار المطلوب تحفيظ عن طريق تحويل المطلب إلى رسم عقاري. ورفض التحفيظ بهذا المفهوم الخاص يختلف عن رفض تسجيل طلب تحفيظ تحت رقم ترتيبي معين عند تقديمه لأول مرة للمحافظة العقارية، لأن قرار رفض التحفيظ كجواب عن الطلب الرامي إلى إخضاع عقار صاحبه إلى نظام التحفيظ العقاري ، لا يمكن تصور صدوره مبدئيا إلا بعد إخضاع العقار لمسطرة التطهير والإشهار والتحديد. والدليل على ذلك أن المشرع لم يتحدث عن رفض التحفيظ إلا ابتداء من الفصل 37 مكرر من القانون ، ومن المعلوم أن ترتيب هذا الفصل في القسم الأول من القانون رقم 14.07 يقع بعد المرحلة الادارية للتحفيظ والمرحلة القضائية للبت في التعرضات وإحالة الملف على المحافظ ، ثم إن الترتيب العددي للفصل المذكور ليس من باب الصدفة بل له مدلوله الخاص ويزكي ما قلناه سابقا.

المطلب الأول:

رفض التحفيظ لعدم شرعية الطلب:

يستفاد من الفصل 37 مكرر من قانون التحفيظ العقاري أن المشرع غلب كفة تعليل قرارات رفض التحفيظ على حساب حالات أو أسباب الرفض ، والدليل على ذلك أن الفصل 96 المنسوخ كان يجمع بين الأمرين معا. ولكي تتبين لنا أسباب رفض التحفيظ ، لا بد من البحث عنها في الفصول القانونية ذات الصلة أو العلاقة ، ولعل من أهم هذه الفصول نجد في طليعتها الفصل 30 من نفس القانون ، الذي يستفاد منه أن المحافظ لا يبادر إلى اتخاذ قرار التحفيظ إلا بعد التحقق من شرعية الطلب. وهذا يعني أنه إذا كان الطلب غير شرعي ، يحق للمحافظ أن يرفض التحفيظ. لكن نعود من حيث بدئنا لنتساءل عن الحالات التي يكون فيها طلب التحفيظ غير شرعي وبالتالي تخول للمحافظ الحق في رفض التحفيظ؟ وهل حالات الرفض قد جاءت على سبيل الحصر أم أن مفهوم الرفض جاء عاما مما يترك هامشا واسعا للمحافظ لتقرير رفض التحفيظ؟

لئن كان المشرع لم يحدد المقصود من شرعية طلب التحفيظ في الفصل 30 من قانون التحفيظ العقاري ، فالمراد من ذلك أن يكون طلب التحفيظ مطابقا لمقتضيات القانون بصفة عامة وقانون التحفيظ العقاري على وجه الخصوص ومن أهمها أن يكون مقدما من مالك العقار أو صاحب حق من الحقوق العينية الواردة على سبيل الحصر في الفصل 10 من قانون التحفيظ العقاري بدليل استعمال المشرع لصيغة النفي لمنع تقديم طلب التحفيظ من غير الأشخاص الواردة صفاتهم في الفصل المذكور ([40]).

ويتحقق المحافظ من صفة طالب التحفيظ عند تقديم الطلب من خلال دراسة الحجج والسندات المدلى بها والتحقق من هوية وأهلية صاحب الطلب ([41]). وهذا قد يوحي كذلك بأن رفض التحفيظ لعدم صحة الطلب يجب أن يكون عند تقديم الطلب لأول مرة أمام المحافظة العقارية، ولكن الأمر ليس كذلك لأن قرار رفض التحفيظ لم يتناوله المشرع إلا بعد قطع عدة مراحل من مسطرة التحفيظ. هذا فضلا عن كون عمليات التحقق والتحري لا تتم دفعة واحدة عند تقديم الطلب ، بل يقوم بها المحافظ خلال جريان مسطرة التحفيظ وعبر مراحل ومنها التحريات التي يقوم بها المهندس المساح المنتدب من قبل المحافظ أثناء إجراء التحديد، بحيث يستفسر طالب التحفيظ والمجاورين والمتدخلين والمتعرضين عن كل ما يتعلق بالملك المطلوب تحفيظه ([42]).

25. ومن التطبيقات القضائية لرفض التحفيظ لعدم شرعية الطلب ، نذكر الحكم الصادر عن الحكمة الادارية بوجدة بتاريخ 05/02/1997 والذي جاء ضمن حيثياته أن قرار المحافظ القاضي برفض التحفيظ لعدم صحة الطلب بعلة عدم موافقة أحد الملاكين على الشياع على طلب التحفيظ لئن كان قرارا إداريا، فإن المشرع المغربي مراعاة منه لخصوصيات أعمال المحافظ العقاري التي ترتبط بالملكية العقارية ترك الاختصاص للمحاكم العادية عملا بالفصل 96 من ظهير التحفيظ العقاري ([43]).

وثمة حكم آخر صدر بتاريخ 09/09/2008 عن المحكمة الإدارية بأكادير ذهبت فيه إلى تكييف قرار إلغاء مطلب التحفيظ لوقوع العقار موضوع المطلب داخل رقعة الملك الغابوي بأنه رفض للتحفيظ لعدم صحة الطلب ، وحكمت بعدم اختصاصها للبت في الطلب استنادا إلى مقتضيات الفصل 96 من قانون التحفيظ العقاري ([44]) التي تم تكريسها في ظل القانون الجديد مع تعديل طفيف يتمثل في الابقاء على قواعد رفض التقييد أو التشطيب لعدم صحة الطلب أو عدم كفاية الحجج في موضعها الخاص بالعقارات المحفظة ، ونقل هذه القواعد إلى القسم المتعلق بالعقارات في طور التحفيظ وإدراجها في إطار الفصل 37 مكرر المضاف بمقتضى القانون رقم 14.07.

وآخر مثال على رفض التحفيظ لعدم شرعية الطلب يبرز لنا تميز رفض التحفيظ عن الالغاء، نذكر حالة صدور أحكام قضائية نهائية تقضي بصحة تعرض كلي على العقار المراد تحفيظه. إذ في هذه الحالة ، يتعين على المحافظ رفض التحفيظ في مواجهة طالب التحفيظ الأصلي ، لأن الحكم القضائي الفاصل في التعرض والكاشف عن الحق أظهر انعدام الصفة القانونية لطالب التحفيظ لتقديم المطلب كما يقضي بذلك الفصل 10 من قانون التحفيظ العقاري، بل أصبح المتعرض الذي حكمت المحكمة لصالحه هو صاحب الصفة في تقديم طلب التحفيظ إذا اختار إخضاع عقاره لهذا النظام القانوني. ولا شيء في قانون التحفيظ العقاري يمنعه من تقديم طلب تحفيظ العقار الذي أقر له القصاء بملكيته ، وذلك عملا بمقتضيات الفصل 13 من قانون التحفيظ العقاري كما كان الوضع في ظل الفصل 37 المنسوخ ([45])، وتطبيقا لمبدأ الاختيارية في التحفيظ. لكن من مصلحة المتعرض الاستفادة من المقتضيات الجديدة التي جاء بها الفصل 37 من القانون رقم14.07 ، وذلك بالحلول محل طالب التحفيظ الأصلي استنادا إلى مقتضيات الفصل 83 من قانون التحفيظ العقاري ([46])، ومن تم استكمال ما تبقى من إجراءات مسطرة التحفيظ مما يوفر عليه الجهد والوقت. وتتمثل مسطرة الحلول في إشهار الحق الذي أقره القضاء بالجريدة الرسمية مع نشر إعلان جديد عن انتهاء التحديد لفسح المجال أمام كل من يرغب في التعرض ضد تحفيظ هذا الحق الجديد المنشأ في المرحلة القضائية ([47]).

لكن الاشكال المطروح في هذا الإطار، هو كيفية التوفيق بين مقتضيات الفصل 38 من قانون التحفيظ العقاري وبين مقتضيات الفقرة الأخيرة من الفصل 37 من نفس القانون؟ لأن الفصل الأول يقرر بأن رفض مطلب التحفيظ لأي سبب كان يؤدي إلى اعتبار التحديد لاغيا ويلزم طالب التحفيظ بمحو آثاره، في حين ينص الفصل الثاني على أن الحق المحكوم به قضائيا لفائدة المتعرض يتم الاعلان عنه بمقتضى ملخص إصلاحي ، ومن المعلوم أن المسطرة المنصوص عليها في الفصل 83 من قانون التحفيظ العقاري لا تلغي عمليات التحديد والمسح العقاري وباقي الإجراءات التي تمت بشكل صحيح ، بل تبني على نتائجها لمواصلة مسطرة التحفيظ إلى نهايتها مع الأخذ بعين الاعتبار للحق المنشأ.

ولعل من الوسائل الفعالة التي تحد من حالات رفض التحفيظ لعدم شرعية الطلب، الدراسة الدقيقة للعقود والوثائق المرفقة بمطلب التحفيظ، وعدم التساهل في قبول تسجيل طلبات تحفيظ تنقصها الأدلة المثبتة لملكية العقارات المطلوب تحفيظها. وإذا كانت هكذا ممارسة من شأنها التقليل من حالات رفض التحفيظ لعدم شرعية الطلب ، فإنها لن تقضي نهائيا على جميع حالات رفض التحفيظ لعدم كفاية الحجج كما سيأتي في الفقرات الموالية.

المطلب الثاني:

رفض التحفيظ لعدم كفاية الحجج والمستندات :

26. يلاحظ بداية أن الحجج والسندات المؤيدة لطلب التحفيظ يجب الإدلاء بها منذ تقديم مطلب التحفيظ لأول مرة للمحافظة العقارية ، وهذا ما يتبين من خلال عدة مقتضيات قانونية خاصة منها اللائحة الحصرية للأشخاص الذين يجوز لهم تقديم طلب التحفيظ الواردة في الفصل 10 من قانون التحفيظ العقاري ، وإلزامية الإدلاء بأصل التملك كما ورد في الفقرة الثامنة من الفصل 13 من نفس القانون ، وضرورة تقديم أصول أو نسخ رسمية للرسوم والعقود والوثائق التي من شأنها أن تعرف بحق الملكية وبالحقوق العينية المترتبة على الملك كما ينص على ذلك الفصل 41 من القانون سالف الذكر.

وأمام حرص المشرع على ضرورة الإدلاء بالحجج والسندات الكافية لتأييد طلبات التحفيظ ، قد يتساءل المرء عن جدوى احتفاظه بآلية رفض طلبات التحفيظ المفتقرة للحجج الكافية، ما دامت المسألة محسومة منذ تقديم الطلب لأول مرة. يرد على ذلك بالقول إن الأسباب الداعية إلى رفض التحفيظ قد لا تظهر في الواقع إلا بعد القيام بأعمال الاشهار والتحري والتطهير التي تقتضيها مسطرة التحفيظ ، إذ من المتوقع أن يكون مطلب التحفيظ موضوع تعرض كلي ويحكم القضاء بصحته وفي هذه الحالة لا يكون أمام المحافظ إلا رفض التحفيظ في مواجهة طالب التحفيظ الأصلي ، أو أن تظهر أعمال التحديد والمسح العقاري فرقا كبيرا بين المساحة المصرح بها وتلك التي أظهرها التصميم العقاري بحيث تصبح المساحة الزائدة بمثابة حق عيني جديد يجب تبريره بالسندات والحجج الكافية ويعتبر الفرق بين المساحة المصرح بها بمطلب التحفيظ والمساحة التي أظهرها المسح العقاري من بين الأسباب الرئيسية التي تقف وراء تجميد مسطرة التحفيظ وتراكم الملفات.

27. وعلى مستوى الممارسة الميدانية ، هناك دورية قديمة صادرة عن المحافظ العام بتاريخ 7 يناير 1936 تلفت نظر المحافظين إلى خطورة إجراء تحديد مساحة زائدة عن المساحة المصرح بها عند إيداع مطلب التحفيظ وما قد يترتب على ذلك من أكل أموال الناس بالباطل والترامي على ملك الغير. لهذا دعت الدورية إلى ضرورة نشر خلاصة تصحيحية لمطلب التحفيظ في كل الحالات التي يكون فيها الفرق في المساحة يزيد على الربع بالنسبة للمساحة المصرح بها من طرف طالب التحفيظ. ثم أعقبتها دورية ثانية بتاريخ 25 يناير 1936 حثت المحافظين على النشر التلقائي للخلاصة التصحيحية إذا تبين للمحافظ انتفاء ضرورة الإدلاء بحجج جديدة حسب قناعته.

28. أما على مستوى الاجتهاد القضائي ، فيمكن القول إن قصاء النقض قد تعامل مع موضوع الفرق في المساحة وفق قاعدة مفادها أن العبرة في الأراضي بالحدود لا بالمساحة، وطبقها في القرارين الصادرين على التوالي بتاريخي 21/04/1999 و 26/01/2000 ([48]). لكن قضاء النقض اعتمد على معيارين مختلفين لتطبيق القاعدة المذكورة ، بحيث اعتبر في القرار الأول أن العبرة في الأراضي بالحدود لا بالمساحة شريطة أن “لا يكون الفرق كبيرا جدا بين المساحة المبيعة المحددة في عقد البيع والمساحة الحقيقية التي أظهرها التحديد”، في حين ذهب في القرار الثاني إلى أنه “إذا بيعت قطعة أرض بحدود معينة ولم يذكر من بين هذه الحدود البائع اعتبر البيع جزافا على الأرض كلها بحدودها كما ذكرت في العقد” حتى ولو كان الفرق في مساحة العقار كبيرا بين ما هو مذكور في عقد البيع وبين المساحة التي أسفرت عنها عملية التحديد والمسح العقاري.

وهكذا يتبين من دورية المحافظ العام ومن القرارين القضائيين المشار إليهما سابقا بأن إشكالية الفرق في المساحة تبقى مطروحة بحدة ، ومن المؤمل أن يعمل المشرع المغربي على إصدار مرسوم تطبيقي للقانون رقم 14.07 يرفع بواسطته الغموض والالتباس حول عدد من المقتضيات القانونية لعل من بينها التخفيف من حدة مشكل الفرق في المساحة. ودون الادعاء بالإحاطة بهذا الاشكال من جميع جوانبه في هذا البحث الموجز، نستطيع اقتراح بعض المعايير والضوابط الموضوعية المستمدة من المنطق ومن القانون ، من بينها القاعدة التي استقر عليها القضاء وهي العبرة في المساحة بالحدود وليس بالمساحة شريطة أن لا تتجاوز المساحة الزائدة حدا معقولا يختلف باختلاف طبيعة العقار ومساحته وموقعه والنظام القانوني للعقارات المجاورة له ومدخل تملك طالب التحفيظ ومدة حيازته وغيرها.

خاتمة:

29. نخلص مما سبق إلى أنه إذا كان كلا من الإلغاء والرفض يشتركان في وحدة النتائج والآثار، فإنهما يفترقان في أمور أخرى نذكر منها ما يلي:

1 – على مستوى الأسباب: يختلف قرار رفض التحفيظ عن قرار إلغاء المطلب من حيث الأسباب الداعية إلى إصدار هذين القرارين ، ولا يمكن أن تكون مشتركة بينهما. بحيث إذا كان رفض التحفيظ يتقرر في حالتين اثنتين هما عدم شرعية أو عدم صحة الطلب وعدم كفاية الحجج. فإن الإلغاء يتقرر في حالة تراخي طالب التحفيظ وتماطله عن متابعة المسطرة وتعذر إنجاز التحديد لمرتين متتاليتين بسبب نزاع حول الملك.

2- قرار إلغاء مطلب التحفيظ له مفهوم عام يمكن أن يستوعب بعض حالات رفض التحفيظ مثل إنذار طالب التحفيظ لتقديم حجج إضافية لتدعيم مطلبه ، وفي حالة بقاءه بدون جدوى يمكن للمحافظ إلغاء المطلب لعدم متابعة المسطرة (الفصل 50 من القانون)، بينما رفض التحفيظ لا يمكن أن يستوعب حالات الالغاء بحيث إذا استجاب طالب التحفيظ للإنذار وقدم سندات مؤيدة لمطلبه ولم يقتنع بها المحافظ لا
يمكنه تقرير الالغاء بل الرفض لعدم كفاية الحجج ، لأن طالب التحفيظ خرج من حالة تماطل وأدلى بما هو مطلوب منه في الإنذار، إلا أن الحجج الإضافية المدلى بها من طرفه تكون غير كافية.

3- قرار رفض التحفيظ يقبل التجزئة بمعنى أنه يمكن اتخاذ قرار رفض التحفيظ في شأن المساحة الزائدة عن المساحة المصرح بها عند إيداع مطلب التحفيظ ، لأنها حقوق عينية جديدة يجب أن تكون مبررة بالسندات والحجج لإمكانية إدماجها في العقار وبالتالي تحفيظه كليا. أما بالنسبة لقرار إلغاء المطلب ، فهو لا يقبل التجزئة بل يترتب على العقار برمته دون استثناء أي جزء منه.

4- قرار رفض التحفيظ يقبل الطعن أمام المحكمة العادية أما قرار إلغاء المطلب فهو يقبل الطعن أمام القضاء الاداري. وهذه الازدواجية في الطعن القضائي ينبغي تجاوزها في ظل توجه التشريع المغربي نحو التخصص القضائي بدءا من إحداث المحاكم الإدارية ومرورا بالقضاء التجاري وانتهاء بقضاء الأسرة والبقية تأتي.

ومن المقترحات التي يمكن تسجيلها، توحيد جهة الطعن القضائي في قرارات المحافظ المتعلقة برفض التحفيظ وإلغاء المطالب وغيرها من القرارات ، وذلك بمنح الاختصاص للمحاكم العادية نظرا لخصوصية أعمال المحافظ وارتباطها بالملكية العقارية ، وانسجاما مع النداءات الداعية إلى إنشاء مخاكم عقارية على غرار إحداث فروع متخصصة من المحاكم مثل المحاكم الإدارية والمحاكم التجارية ومحاكم الأسرة وغيرها.

ولا نبالغ إذا قلنا بأن آمالا كبيرة معقودة على إصدار مرسوم تطبيقي يجمع شتات النصوص الواردة في القرارات الوزارية المتعلقة بالنظام الأساسي للتحفيظ ، ويبين كيفية تطبيق بعض مقتضيات القانون رقم 14.07 التي يشوبه الغموض والالتباس من جملتها قرارات الالغاء والرفض ، والتعرض على الايداع طبقا للفصل 84 من نفس القانون والفرق في المساحة وغيرها، وتمديد التقييد الاحتياطي وغيرها، ومن المؤمل كذلك أن يبين المرسوم التطبيقي المنتظر شروط تطبيق بعض المقتضيات الواردة في القانون رقم 39.08 والمتعلقة بالعقارات المحفظة من بينها المادة 4 منه.


[1] ينص الفصل 6 من قانون التحفيظ العقاري: “إن التحفيظ أمر اختياري، غير أنه إذا قدم مطلب للتحفيظ فابه لا يمكن سحبه مطلقا”، الظهير الشريف الصادر في 9 رمضان 1331 (12 أغسطس 1943) المتعلق بالتحفيظ العقاري كما تم تغيره وتتممه بموجب القانون رقم 14.07 الصادر بتنفيذه الظهير الشريف رقم 1.11.177 بتاريخ 25 من ذي الحجة 1432 (22 نوفمبر 2011)، منشور بالجريدة الرسمية عدد 5998 المؤرخة في 27 ذو الحجة 1432(24 نوفمبر 2011).

[2]    Jacques Caillé, les recours contre les decisions du conservateur de la propriété fonciére au Maroc, R J P U F ? TOMEX 1956; P. 300.

[3] ورد في الفصل 13 من القانون رقم 14.07: “يقدم طالب التحفيظ للمحافظ على الأملاك العقارية ، مقابل وصل يسلم له فورا ، مطلبا موقعا من طرفه أو ممن ينوب عه بوكالة صحيحة ، يتضمن لزوما ما يلي:
1- …؛

2- تعيين عنوان أو موطن مختار في الدائرة الترابية التابعة لنفوذ المحافظة العقارية الموجود بها الملك، إذا لم يكن لطالب التحفيظ محل إقامة في هذه الدائرة؛ …”

[4] ينظر الفصل 25 من القرار الوزيري المؤرخ في 20 رجب 1333 (3 يونيو 1915) المحدد لتفاصيل تطبيق نظام التحفيظ العقاري.

وللمزيد من التفاصيل حول محل المخابرة ودوره في مسطرة التحفيظ، ينظر مقال عبد الإلاه المرابط: دور النيابة العامة في نظام التحفيظ ، المجلة المغربية للاقتصاد والقانون المقارن ، إصدار كلية العلوم القانونية والاقتصادية والاجتماعية بمراكش ، العدد 50 ، السنة 2008 ، ص. 201 وما يليها.

[5] سورة البقرة ، آية 223، قرآن كريم براوية ورش. ويقول العلامة صاحب ابن منظور إن اللغو في الإيمان ما لا يعقد عليه القلب مثل قولك لا والله وبلى والله ، لسان العرب ، المجلد الخامس عشر، دار صادر بيروت لبنان، الطبعة السادسة 1417 هـ- 1997 م ، ص. 250.

[6] محمد ابن أحمد بن رشد القرطبي ، بداية المجتهد ونهاية المقتصد، المجلد الأول ، دار الكتب العلمية ، بيروت- لبنان ، ص. 162.

[7] ابن منظور، م.س ، ص. 251؛ عبد الإله المرابط ، رسالته ، ص. 5

[8] فقد يقرر القرار الصادر عن محكمة الاستئناف إلغاء الحكم الابتدائي واعتباره كأن لم يكن، بحيث يترتب على ذلك إعادة أطراف الدعوى إلى الحالة التي كانوا عليها قبل صدور الحكم الابتدائي.

[9] عبد الإله المرابط ، إلغاء مطلب التحفيظ لعدم متابعة المسطرة ، رسالة لنيل دبلوم الدراسات العليا المعمقة، جامعة محمد الخامس ، كلية العلوم القانونية والاقتصادية والاجتماعية بأكدال- الرباط، السنة الجامعية 2005- 2006، ص. 6؛ هاني الطهراوي ، قواعد وآثار سحب القرار الإداري مع التركيز على قضاء محكمة العدل العليا الأردنية، مجلة الحقوق الكويتية ، العدد الثاني ، السنة 28 ربيع الآخر 1425 (يونيو 2004)، ص. 66

[10] من جملة الآثار المترتبة على إلغاء مطلب التحفيظ كما سيأتي لاحقا، إزالة آثار التحديد التي يلتزم بها طالب التحفيظ طوعا أو كرها عن طريق استعمال القوة العمومية ، إزالة آثار…

[11] ومما يجدر ذكره أن الفصل قبل تعديله بمقتضى ظهير 25 غشت 1954 كان ينص على أن التحفيظ أمر اختياري.
تراجع الجريدة الرسمية عدد 46 بتاريخ 12/09/1913 (عدد خاص خارج تسلسل الأعداد)، وهذ، الصيغة كانت تسمح لطالب التحفيظ بسحب مطلبه في أي طور من أطوار المسطرة. ونظرا لما ترتب على هذه الحرية المطلقة في سحب المطلب ، قرر المشرع تعديل الصيغة الأولى لنص الفصل 6 وتبني الصيغة الحالية التي تمنع طالب التحفيظ من سحب مطلبه وبالتالي تفرض نوعا من الجدية في التحفيظ.

[12] تكييف المشرع لتعذر إجراء عملية التحديد لمرتين متتاليتين على أساس كونه نزاع حول الملك فيه نظر، لأن منع المهندس المساح من إنجاز عملية التحديد قد يكون من طرف مستغل العقار الفلاحي خوفا على حقوقه في الاستغلال ، وقد يكون من قبل المكتري خوفا من طرده من طرف صاحب العقار بعد حصوله على رسم عقاري. وهكذا تبين لنا هذه الأمثلة أن هؤلاء لا ينازعون طالب التحفيظ في حق الملكية او يدعون حقوقا عينية على العقار المراد تحفيظه وانما لهم حقوق شخصية فقط يدفعهم الخوف من ضياعها إلى التصدي للمهندس المساج ومنعه من إجراء عملية التحديد.

[13] يقول الفصل 19 من القانون 14.07: “يقوم المحافظ على الأملاك العقارية بتسيير عمليات التحديد. وينتدب لهذه الغاية مهندسا مساحا طبوغرافيا محلفا من جهاز المسح العقاري ، مقيدا في جدول الهيئة الوطنية للمهندسين المساحين الطبوغرافيين…”.

[14] Paul Decroux, droit foncier marocain, éditions la Porte, P. 79.

[15] إذا كان المشرع قد قرر قاعدة قام المهندس بمعاينة واقع الحيازة ومدتها، فإن هذا المقتضى يبقى نظري ويصعب تفعيله على أرض الواقع لعدة اعتبارات من جملتها ما يرجع إلى المهندس نفسه وتكوينه ومؤهلاته في المجال الطبوغرافي لا تؤهله للقيام بهذه المهمة القانونية الصعبة.

[16] تنص الفقرة الثالثة من الفصل 23 من القانون رقم 14.07 على أن المحافظ على الأملاك العقارية يستدعي لعملية التحديد: طالب التحفيظ والملاكين المجاورين للعقار المطلوب تحفيظه والمتعرضين وأصحاب الحقوق العينية والتحملات العقارية المصرح بهم بمطلب التحفيظ أو الذين أعلون عن أنفسهم بشكل رسمي.

[17] ذهبت محكمة الاستئناف الادارية بالرباط في أحد قراراتها الحديثة إلى إلغاء قرار المحافظ القاضي برفض الاستجابة لطلب المتعرض الرامي إلى إلغاء عملية التحديد المنجزة بتاريخ 5 يونيو 2006 نظرا لعدم استدعاءه لحضورها بشكل قانوني وفق ما ينص عليه الفصل 19 من قانون التحفيظ العقاري مع ما يترتب على ذلك قانونا (القرار رقم 105 المؤرخ في 23/01/2008 ملف عدد 131/07/5 المؤيد لحكم المحكمة الادارية بالرباط الصادر بتاريخ 16/01/2007 عدد 710 ملف رقم 278/06 غ، قرار غير منشور).

[18] قرار المجلس الأعلى عدد 3843 المؤرخ في 2004/12/30 الملف المدني عدد 96/6/1/3806 ، قرارات المجلس الأعلى ، أهم القرارات الصادرة في المادة المدنية ، الجزء الأول.

[19] نفس القاعدة تنسحب على الاعلان عن انتهاء التحديد الذي يخضع كذلك للنشر والتعليق بمقرات المحكمة الابتدائية والسلطة المحلية والمجلس الجماعي ، أنظر الفصل 23 من القانون رقم 14.07.

[20] مثل إعداد الأنصاب الكافية لوضعها في جميع زوايا العقار والطلاء الأحمر والأدوات اللازمة لإنجاز العملية.

[21] ينص الفصل 38 من القرار الوزيري المتعلق بتفاصيل تطبيق نظام التحفيظ العقاري: “إن التقارير المتعلقة بالتحديد أو غيره التي يحررها الأعوان المحلفون بإدارة المحافظة كالمحافظ والمهندس يصح الاحتجاج بها ما لم يثبت ما يخالفها”.

[22] يوجه الانذار عن طريق وسائل التبليغ المنصوص عليها في الفصل 19 من قانون التحفيظ العقاري مع الاشعار بالتوصل ، لأن هذه الوثيقة التي تثبت تاريخ بداية احتساب أجل الشهر المضروب لطالب التحفيظ في الإنذار لتبرير غيابه في موعد إجراء التحديد.

[23] تقول الفقرة الأولى من الفصل 20 من قانون التحفيظ العقاري كما تم تعديله وتتميمه: “ينجز التحديد في التاريخ والوقت المعين له. ولتوفير الظروف الملائمة لإجراء عمليات التحديد، يجب على وكيل الملك تسخير القوة العمومية ، عند الاقتضاء، بطلب من المحافظ على الأملاك العقارية أو من كل من له مصلحة…”

[24] هناك فعلا ضرورة ملحة لإصدار مرسوم تطبيقي لنظام التحفيظ العقاري يجمع شتات القرارين الوزاريين الصادرين بتاريخي 3 و 4 يونيو 1915 والمتعلقان بتفاصيل تطبيق نظام التحفيظ العقاري وبتنظيم المحافظة العقارية ، وذلك تدوينهما في قانون تنظيمي واحد. ثم هناك مطلب ملائمة القرارين الوزاريين سالفي الذكر مع قانون التحفيظ العقاري في حلته الجديدة.

[25] كانت صياغة الفصل 30 المنسوخ بالقانون رقم 14.07 كما يلي: “إن الطلب الرامي إلى التحفيظ والعمليات المتعلقة به تعتبر كأنها ملغاة إذا لم يقم طالب التحفيظ بأي إجراء لمتابعة المسطرة وذلك داخل ستة أشهر من يوم تقديم الطلب وبعد تبليغه إنذارا من المحافظ بواسطة رسالة مضمونة مصحوبة بشهادة التوصل”.

[26] عبد الإله المرابط ، رسالته ، مرجع سابق ، ص. 14

[27] عبد العالي العبودي ، نظام التحفيظ العقاري واشهار الحقوق العينية بالمملكة المغربية، الطبعة الثانية، المركز الثقافي العربي الدار البيضاء، المغرب ، ص. 144؛ جمعة محمود الزريقي ، دور المحافظ في تحقيق الملكية، دراسة مقارنة بين النظام العقاري في المغرب وليبيا، أطروحة دكتوراه 1992- 1993، الدار البيضاء، ص. 163؛ عبد العالي دقوقي، الالغاء والتشطيب بين نظامي العقار في طور التحفيظ والعقار المحفظ في التشريع العقاري المغربي ، أطروحة دكتورة في القانون الخاص، 2001- 2002 الرباط ، ص. 55، عبد الحق أبو حفص ، إلغاء مطالب التحفيظ ورفضها في التشريع العقاري المغربي ، مقال منشور في مجلة التحفيظ العقاري ، العدد 1، مارس 1988 ، ص. 13.

[28] يخضع المحافظ باعتباره سلطة إدارية في اتخاذ قرار إلغاء المطلب لرقابة القضاء الاداري الذي يفحص شرعية القرار من خلال التأكد من سلوك المحافظ للمسطرة القانونية الواجبة الاتباع، أنظر قرار المجلس الأعلى عدد 1411 الصادر تاريخ 1984/07/16 ملف مدني 85026 ، ذكره عبد الإله المرابط في رسالته ، ص. 40، م. س، أنظر كذلك حكم المحكمة الابتدائية بالحسيمة الصادر بتاريخ 2003/06/23 الذي اعتبر أن تقيد المحافظ بمقتضيات الفصل 50 من ظهير التحفيظ العقاري شرط لازم قبل إلغاء مطلب التحفيظ ، وارد ضمن دلائل الأعمال القضائية ، منشورات مجلة الحقوق المغربية، العمل القضائي في نزاعات التحفيظ العقاري، العدد 1، مارس 2009، ص. 41.

[29] يمكن للمحافظ تبليغ الانذار لطالب التحفيظ بموطنه المحدد عن إيداع المطلب بأي وسيلة للتبليغ على وجه الخصوص بواسطة عون التبليغ التابع لنفوذ المحافظة العقارية أو بالبريد المضمون أو عن طريق السلطة المحلية. وينم هذا التنوع في وسائل التبليغ عن أهمية توصل المتدخلين في مسطرة التحفيظ بالرسائل والانذارات ، لأنه غالبا ما يكون عدم توصل المتدخلين بالمراسلات الموجهة إليهـم مصدرا لعدم البت في القضايا ومن ثم يؤدي إلى تراكم الملفات.

[30] لقد استقر العمل القضائي على اعتبار المحافظ العقاري سلطة إدارية سواء قبل إحداث الوكالة الوطنية للمحافظة العقارية أو بعد إحداثها ، انظر أسس هذه القاعدة عند عبد الاله المرابط ، رسالته ، ص. 87.

[31] عبد الحق أبو حفص، م.س، ص. 14؛ أحمد الشحيتي ، قرارات المحافظ على الملكية العقارية بين القابلية وعدم القابلية للطعن ، مجلة التحفيظ العقاري ، العدد السابع ، يناير 2000، ص. 23.

[32] أنظر النص الكامل للفصل 71 من المشروع عند عبد الاله المرابط ، رسالته ، هامش ص. 83

[33] محمد ابن الحاج السلمي ، سياسة التحفيظ العقاري في المغرب بين الاشهار العقاري والتخطيط الاجتماعي – الاقتصادي ، رسالة السلك العالي للمدرسة الوطنية للإدارة العمومية ، السنة الجامعية 1977-1978، ص. 113؛ جمعة محمود الزريقي ، دور المحافظ العقاري في تحقيق الملكية، دراسة مقارنة بين النظام العقاري في المغرب وليبيا، أطروحة دكتوراه في الحقوق ، السنة الجامعية 1992- 1993 كلية الحقوق بالدار البيضاء، ص. 164، محمد خيري ، التعرضات على التحفيظ ، ص. 159.

[34] جاء في أحد الأحكام الادارية: “الطعن بالإلغاء ضد القرارات الادارية يهدف إلى حماية الشرعية ولا يفلت منه أي مقرر إداري ولو تعلق الأمر بمقرر صادر في إطار قانون خاص ينص على عدم قابليته للطعن ما دام مبدأ الشرعية يعتبر مبدأ دستوريا” حكم عدد 45/2000 صادر عن المحكمة الادارية بوجدة بتاريخ 08/03/2000، المجلة المغربية للإدارة المحلية والتنمية ، سلسلة دلائل التسيير العدد 16، 2004، ص. 154، ذكره عبد الاله المرابط في رسالته ، ص. 84 و 85.

[35] تنص المادة الثامنة من القانون رقم 41.90 على ما يلي: “تختص المحاكم الإدارية مع مراعاة أحكام المادتين 9 و 11 من هذا القانون ، بالبت ابتدائياً في طلبات إلغاء قرارات السلطات الإدارية بسبب تجاوز السلطة وفي النزاعات المتعلقة بالعقود الادارية ودعاوى التعويض عن الأضرار التي تسببها في الطريق العام مركبات أيا كان نوعها يملكها شخص من أشخاص القانون العام..
وتختص المحاكم الادارية أيضا بفحص شرعية القرارات الادارية وفق الشروط المنصوص عليها في المادة 44 من هذا القانون”، ظهير شريف رقم 1.91.225 صادر في 22 من ربيع الأول 1414 ( 10 سبتمبر 1993) بتنفيذ القانون رقم 41.90 المحدث بموجبه محاكم إدارية ، ج.ر عدد 4227 المؤرخة في 18 جمادى الأولى 1414 (3 نوفمبر 1993).

[36] عبد الإله المرابط ، رسالته، هامش ص. 89

[37] يقول الفصل 37 مكرر من القانون رقم 14.07: “يجب على المحافظ على الأملاك العقارية في جميع الحالات التي يرفض فيها طلبا للتحفيظ أن يعلل قراره ويبلغه لطالب التحفيظ.
يكون هذا القرار قابلا للطعن أمام المحكمة الابتدائية التي تبت فيه مع الحق في الاستيناف وتكون القرارات الاستينافية قابلة للطعن بالنقض”.

[38] كان الفصل 96 من قانون التحفيظ العقاري ينص على ما يلي: “في حالة ما إذا رفض المحافظ تحفيظ العقار أو تسجيل حق عيني أو التشطيب عليه بسبب عدم صحة الطلب أو عدم كفاية الرسوم ، فإن قراره يكون قابلا للطعن أمام المحكمة الابتدائية التي تبت فيه مع الحق في الاستئناف.
والأحكام الاستئنافية يمكن الطعن فيها عن طريق النقض وتبلغ للأطراف حسب نفس الشروط والشكل المقررة بالفصل 47 المشار إليه أعلاه.” ما هو ملاحظ أن هذا الفصل كان يخصصه المشرع لقررات الرفض التي يصدرها المحافظ سواء في مسطرة التحفيظ أو في مسطرة التقييد بالرسوم العقارية، ولكنه تدارك هذا العيب المنهجي وقام بتشطير مقتضيات هذا الفصل إلى قسمين: قسم خصصه لقرارات رفض التحفيظ وأضافه إلى القسم الأول من ظهير التحفيظ العقاري وأسند له الرقم 37 مكرر أما القسم الثاني الخاص برفض التقييد والتشطيب بالرسوم العقارية، فقد أبقاه المشرع في القسم الثاني المتعلق بإشهار الحقوق الواردة على العقارات المحفظة واحتفظ به في الفصل 96.

[39] يقول الفصل 30 من القانون رقم 14.07: “خلال الثلاثة أشهر الموالية لانصرام أجل التعرض يقوم المحافظ على الأملاك العقارية بتحفيظ العقار بعد التحقق من إنجاز جميع الاجراءات المقررة في هذا القانون ، ومن شرعية الطلب وكفاية الحجج المدلى بها، وعدم وقوع أي تعرض.”

[40] يقول الفصل 10 من قانون التحفيظ العقاري: “لا يجوز تقديم مطلب التحفيظ إلا ممن يأتي ذكرهم:
1 – المالك؛
2 – الشريك في الملك مع الاحتفاظ بحق الشفعة لشركائه وذلك عندما توفر فيهم الشروط اللازمة للأخذ بها؛
3 – المتمتع بأحد الحقوق العينية الآتية: حق الانتفاع، حق السطحية ، الكراء الطويل الأمد، الزينة ، الهواء والتعلية ، الحبس،

4 – المتمتع بارتفاقات عقارية بعد موافقة صاحب الملك.
والكل مع مراعاة المقتضيات المتعلقة بالتحفيظ الاجباري.”

[41] جاء في قرار لمحكمة الاستئناف بالرباط بتاريخ 1931/06/19 عدد 1070 أن: “المحافظ على الأملاك العقارية يجب عليه بمقتضى القانون بأن يتحقق من هوية وأهلية صاحب مطلب التحفيظ ، فهو ملزم عندما يتوصل بالمطلب بأن يتحقق بأن يجوز للشخص الذي وضع باسمه المطلب أن يطلب التحفيظ بصفة نظامية”، أورد ملخص القرار محمد الحداد في رسالته ، م.س ، ص. 8

[42] ورد في الفقرة الثانية من الفصل 20 من قانون التحفيظ العقاري: “… يقوم المهندس المساح الطبوغرافي المنتدب باستفسار طالب التحفيظ والمجاورين والمعارضين والمتدخلين وأصحاب الحقوق العينية والتحملات العقارية المصرح بهم بصفة قانونية عن كل ما يتعلق بالملك المعني. يبين طالب التحفيظ حدود العقار الذي يعتزم تحفيظه ويبدي المجاورون وكل المتدخلين ما لهم من ملاحظات ومنازعات…”

[43] الحكم رقم 97/20 ملف رقم 96/93 غ ، منشورات مجلة الحقوق، م.س ، ص. من 71 إلى 75

[44] منشور ضمن سلسلة الأنظمة والمنازعات العقارية ، الجزء 4، مجلة الحقوق المغربية ، الطبعة الأولى، 2012.

[45] كان الفصل 37 من قانون التحفيظ العقاري قبل التعديل يسمح للمتعرض الدي أقر القفاء بصحة تعرضه بموجب حكم اكتسب قوة الشيء المقضي به أن يتقدم بطلب تحفيظ العقار عملا بمقتضيات الفصل 13 من قانون التحفيظ العقاري. وكان الفصل 37 المذكور ينص على مسطرة تتميز بنوع من الخصوصية ، إذ يتم نشر خلاصة مطلب التحفيظ بالجريدة الرسمية والتعليق والقيام بالاستدعاءات القانونية ومراجعة التحديد، وكل ذلك في ظرف زمني محدود لا يتعدى أربعة أشهر.

[46] جاء في الفقرة الأخيرة من الفصل 37 من قانون التحفيظ العقاري الحالي على أن المحافظ على الأملاك العقارية يقوم بالإعلان عن الحقوق المحكوم بها وفق الشروط والشكليات المنصوص عليها في الفصل 83.

[47] تنظر كيفية تفعيل مقتضيات الفصل 83 من قانون التحفيظ العقاري في الفصل 8 من القرار الوزيري المؤرخ في 3 يونيو 1915 المتعلق بتفاصيل تطبيق نظام التحفيظ العقاري، القانون العقاري الجديد، الصيغة العربية الرسمية المجهولة للتشريعات المتعلقة بالتحفيظ وبالعقارات المحفظة، أحمد ادريوش، منشورات سلسلة المعرفة القانونية 1423 ه/ 2002 م.

[48] القرارين رقم 1847 بتاريخ 21 أبريل 1999 ورقم 315 بتاريخ 26 يناير 2000، أوردهما عبد العزيز توفيق، قضاء المجلس الأعلى في التحفيظ العقاري من سنة 1991 إلى سنة 2002، المكتبة القانونية 14.

https://powderencouraged.com/zht6b3bs66?key=8523542c4aaf6f083ce56f74bd271319
https://powderencouraged.com/w3m6c9b5?key=af8b4909c0965493e9682d74bb50a646
https://powderencouraged.com/ksq5rgwdmh?key=b5b47a0d83f8742dcf71d4de8ef00494
https://powderencouraged.com/bkcduddx?key=0252cc21d0f4e0ae5f53245940611301
×
error: Content is protected !!

اكتشاف المزيد من فضاء المعرفة القانونية -espace connaissance juridique

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

متابعة القراءة