د. المنتصر السويني
باحث في المالية العامة
(أثار البرلمانيون المغاربة في جلسة الأسئلة الشفوية مسألة تطبيق المقررات الاستثنائية وكذلك المقررات المتعلقة بتجاوز رفض التأشيرة الصادرة عن رئيس الحكومة رغم مخالفتها للقانون على اعتبار أنها أوامر رئاسية في نظر النواب وحذت الصحافة الوطنية نفس الحذو اعتبرت عدم التطبيق تمردا للإدارة على سلطة رئيس الحكومة وسنحاول في هذا المقال أن نوضح السلطات المخولة دستوريا لرئيس الحكومة).
يحدد Raymon Polin في كتابه Presse universitaire, Paris, 1967 –L’idée de la légitimité:
إن تحويل القوة السياسية إلى حق أو إلى سلطة لا يمكن أن يتم إلا عبر المشروعية.
فالمشروعية هي مجموع العناصر التي يمكن للحاكم بواسطتها إقناع المحكومين بأحقيته في الحكم لا المشروعية: (légitimité)، بالنسبة لرئيس الحكومة بالمغرب، فإن المشروعية التي يمكن أن يستمد منها قوته أو يمارس من خلالها سلطته هي المشروعية السياسية أو المشروعية المدنية، وهكذا فإنه حسب الباحث Dolf Sregnebnert في كتابه Typologie de la légitimité “فإن المشروعية السياسية أو المشروعية المدنية لا يمكن أن تنتج أو تستمد إلا من انتخابات يتم من خلالها تداول السلطة، حيث تعتبر الانتخابات مكونا من مكونات نمط المشروعية المدنية، هذا النمط من السلطة يعبر عنه من خلال القواعد الدستورية التي تحكم البلد وهكذا فإن رئيس الحكومة المشروع هو رئيس الحكومة الذي يستمد مشروعية من انتخابات حرة، وأغلبية برلمانية، مما يعني أن رئيس الحكومة لا يمكن أن يستمد مشروعيته إلا من خلال صناديق الاقتراع، أي من خلال إرادة الشعب. وهكذا يحدد الدستور المغربي المعدل في فصله السابع والأربعون، يعين الملك رئيس الحكومة من الحزب السياسي الذي تصدر انتخابات أعضاء مجلس النواب وعلى أساس نتائجها” لا يعتبر هذا الشرط كافيا حسب المسطرة الدستورية ليستمد رئيس الحكومة مشروعيته بل يجب عليه كذلك التوفر على الشرط المنصوص عليه في الفصل الثامن والثمانون من الدستور الذي ينص على ” تعتبر الحكومة منصبه بعد حصولها على ثقة مجلس النواب، المعبر عنها بتصويت الأغلبية المطلقة للأعضاء الذين يتألف منهم، لصالح البرنامج الحكومي “. وهكذا وحسب الدستور فإن المشروعية التي يستمد منها رئيس الحكومة بالمغرب سلطته وقوته مرتبطة أساسا بنتائج صناديق الاقتراع بالنسبة
للحزب الذي يتزعمه وتبوأه للمرتبة الأولى من خلال انتخابات نزيهة وشفافة من جهة، ومن جهة أخرى، مدى قدرته على توفير أغلبية برلمانية لبرنامجه الحكومي وبالتالي قدرته على تحقيق الصالح العام.
أما مفهوم الشرعية (légitimité) فيرتبط بمدى احترام رئيس الحكومة أثناء ممارسته لمهامه للقانون على اعتبار أن القانون هو المعيار الوحيد للحق والعدل والمساواة، وكذلك لأن القانون هو المعبر عن إرادة الأمة وبالرجوع إلى الفصل السادس من الدستور المعدل فإن “القانون هو أسمى تعبير عن إرادة الأمة والجميع أشخاصا ذاتيين أو اعتباريين بما فيهم السلطات العمومية متساوون أمامه وملزمون بالامتثال له ” مما يعني أن سلطة القانون باعتباره سلطة نابعة من إرادة الأمة هو سلطة ملزمة، لرئيس الحكومة أثناء ممارسته لسلطته وهو ما سيعبر عنه صراحة محتوى الفصل التاسع والثمانون من الدستور الذي ينص ” تمارس الحكومة السلطة التنفيذية ” مما يضع الحكومة ورئيسها في موضع المنفذ حسب مقتضيات الدستور، أما دور البرلمان فمجسد من خلال محتوى الفصل السبعون من الدستور الذي ينص على “يمارس البرلمان السلطة التشريعية ” مما يعني أن الدستور المغربي حدد سلطتين “سلطة تشريعية -سلطة تنفيذية ” ووضع هذا الدستور كذلك تراتبية معينة بين هذه السلط من خلال الفقرة الثانية من الفصل التاسع والثمانون من الدستور الذي ينص على ” تعمل الحكومة تحت سلطة رئيسها على تنفيذ البرنامج الحكومي وعلى ضمان تنفيذ القوانين والإدارة موضوعة رهن تصرفها ” مما يعني أن رئيس الحكومة ملزم بقوة القاعدة الدستورية، باعتبارها أسمى قاعدة قانونية على احترام القانون وإلا فإن تصرفاته ستكون خارج الشرعية الشعبية التي يستمد منها مشروعيته، وذلك تجسيدا للقاعدة القانونية التي تنص على أن القانون يعتبر أسمى تعبير عن إرادة الأمة والجميع أشخاصا ذاتيين أو اعتباريين بما فيهم السلطات العمومية متساوون أمامه، وملزمون بالامتثال له، لقد حدد مونتسكيو وكذلك روسو ” إن الدولة المشروعة هي الدولة الشرعية ” على اعتبار أن المشروعية ما هي في الحقيقة إلا تعبيرا عن إرادة الأمة وكذلك الشرعية التي تعني ضرورة العمل على احترام ما عبرت عنه الأمة والمجسد من خلال النصوص القانونية، واحترام إرادة الأمة لا يمكن أن يتم إلا من خلال احترام المشروعية وكذلك احترام الشرعية، وهكذا فإنه لا يمكن أن يصل إلى مراكز السلطة السياسية والدستورية إلا من يستمد مشروعية من إرادة الأمة من خلال صناديق الاقتراع ومن خلال انتخابات حرة ونزيهة، وكذلك عليه ان يستمد مشروعيته من خلال أغلبية برلمانية توفر له أغلبية من الإرادة الشعبية المعبر عنها، والشرط الثاني الذي لا يمكن تجاهله هو أنه ورغم التنصيب من طرف البرلمان – من خلال المصادقة على البرنامج الحكومي – في منصب رئيس الحكومة فإن هذا المنصب لا يخول لصاحبه أي استثناء أمام مبدأ المساواة أمام القانون بحجة التوفر على المشروعية الشعبية. بل إن السلطة السياسية ملزمة كذلك باحترام الشرعية المعبر عنها من خلال القوانين والتي تستمد كذلك سلطتها وقوتها من ممثلي الأمة، الذين تم انتخابهم عبر صناديق الاقتراع، وبالتالي فإن القانون يعتبر تجسيدا لإرادة الأمة ويلزم السلطات السياسية رغم توفرها على المشروعية الشعبية باحترام القانون، وهي نفس الخلاصة التي توصل إليها الباحث J. Lagroye في كتابه la légitimation حيث أكد هذا الباحث أن المشروعية لا توجد إلا عبر “الشرعنة ” فالشرعنة هي اكتساب المشروعية، وبالتالي فإن المشروعية الشعبية تبقى محددة عندما تمنح المرتبة الأولى للحزب من بين الأحزاب السياسية المشاركة في الانتخابات، وتمنح بعد ذلك أغلبية برلمانية، تصادق على برنامجه الحكومي، هذه الشروط لا تمنح لرئيس الحكومة إلا مشروعية المنصب وشرعية التنصيب ويكون ملزما في التالي باحترام الشرعية المجسدة بالقوانين المعبرة هي كذلك عن إرادة الأمة، والأغلبية البرلمانية، والتي لا يملك رئيس الحكومة أمامها إلا سلطة التنفيذ، وهكذا فإن رئيس الحكومة بالمغرب، يكون ملزما رغم توفره على المشروعية الشعبية باحترام الشرعية القانونية.
1. رئيس الحكومة واحترام الشرعية القانونية
قال ميشيل دوبري: ” إن إنشاء المجلس الدستوري الفرنسي يعبر عن إرادة إلزام القاعدة القانونية باحترام التراتبية أي أن القاعدة القانونية ملزمة باحترام القاعدة الدستورية ” هذه المقولة يمكن تطبيقها كذلك بالنسبة للقاعدة القانونية والقاعدة التنظيمية (المراسيم التنظيمية) حيث إن محتوى الفصل التاسع والثمانون من الدستور يؤكد على ذلك من خلال التنصيص على أن الحكومة تمارس السلطة التنفيذية من جهة، وبالتالي لا تمارس السلطة التشريعية، لكن الحكومة لا يمكنها أن تتجاوز محتوى القانون احتراما للجهاز التشريعي الذي هو صاحب الاختصاص الدستوري حسب الفصل السبعون من الدستور الذي ينص على أن البرلمان يمارس السلطة التشريعية.
إذا احترام مبدأ الاختصاص المنصوص عليه دستوريا يمنع رئيس الحكومة من مخالفة القاعدة القانونية وتجاهلها أو الإضافة إليها، بل يمنحه الدستور سلطة واحدة منصوص عليها في الفصل التاسع والثمانون وهي سلطة تنفيذ القاعدة القانونية.
يرى أستاذ فلسفة القانون في جامعة لندن خلال النصف الأول من القرن التاسع عشر، ـف ــــض ـــه من ـــوــــشــــ أن القانون من فعل القوة وهو نفس الرأي الذي ذهب إليه الفيلسوف الإنجليزي Tomas Hobbes في القرن السابع عشر لا حيث رأى هذا الفيلسوف أن القانون ليس نصيحة ولكنه أمر” وهو ليس أمرا من أي رجل لأي رجل، ولكنه أمر صادر ممن يدان له بالطاعة وموجه إلى من يجب عليه تلك الطاعة ” أي أن القانون هو صادر عن البرلمان باعتباره يمتلك السلطة التشريعية وموجه إلى الحكومة ورئيسها اللذان يمتلكان فقط السلطة التنفيذية وبالتالي يلزم رئيس الحكومة بتنفيذ الأمر الوارد عن البرلمان من خلال القاعدة القانونية.
يقول الأستاذ Charles Debbasch في كتابه Institutions et droit administratif :
إن الإدارة باعتبارها تابعة للحكومة وتحت سلطة رئيس الحكومة ملزمة باحترام القاعدة القانونية والبقاء خاضعة لها وليس خارج هذه القاعدة القانونية الموضوعة سلفا مما يعني أن الإجراءات الإدارية يجب أن تتجسد وفق القاعدة القانونية التي تبقى المعيار والمقياس لشرعية الإجراءات الإدارية.
إن رئيس الحكومة ليس ملزما فقط باحترام القاعدة القانونية التي نشأت خارج الإدارة بل هو ملزم كذلك باحترام القاعدة القانونية التي تنشأ داخل الإدارة.
بالنسبة للإدارة فإن أهم مصدر للشرعية هو احترام القاعدة الدستورية ثم بعد ذلك احترام القاعدة القانونية الموضوعة من طرف المشرع التنظيمي، واحترام القاعدة القانونية العادية، وفي الأخير احترام القاعدة القانونية الخاصة، هذا دون أن ننسى أن رئيس الحكومة والحكومة ملزم كذلك باحترام ما تشرعه السلطة التنظيمية أي ما تشرعه الحكومة تحت سلطة رئيسها ويشكل كل ما تم ذكره المصادر المكتوبة للمشروعية، وهناك كذلك مصادر غير مكتوبة تنشأ خارج الإدارة، والإدارة ملزمة باحترامها باعتبارها مصدر من مصادر الشرعية القانونية، ومن بين هذه المصادر الغير مكتوبة هناك نظرية القوة المحدودة للشيء المقضي به، ينضاف إلى هذه المصادر كذلك ما يسنه القاضي الإداري من مبادئ عامة للقانون. ومنها (مبدأ المساواة -مبدأ لا رجعية القرارات الإدارية -مبدأ احترام حق الدفاع -مبدأ رفع دعوى لمواجهة القرارات الإدارية). ويؤكد الباحث
الفرنسي R. Chapus إن المبادئ العامة للقانون لها قيمة intra- legislatif ولها قيمة كذلك supra- decretale مما يعني أن المبادئ العامة للقانون لها قوة إلزامية بالنسبة للإدارة وهي من المصادر الغير مكتوبة التي تنشأ خارج الإدارة، وهكذا، فإن المراسيم التي لا تحترم المبادئ العامة للقانون يمكن مواجهتها بالطعن أمام المحاكم الإدارية بحجة عدم احترام القانون، وخصوصا عند ممارسة السلطة التنظيمية المستقلة.
2. رئيس الحكومة والمراسيم التنظيمية
يحدد الفصل التسعون من الدستور أن رئيس الحكومة يمارس السلطة التنظيمية ويمكن أن يفوض بعض سلطه إلى الوزراء، مما يعني أن الدستور يحدد متى يمارس رئيس الحكومة السلطة التنظيمية، وهكذا فإن رئيس الحكومة يمارس السلطة التنظيمية بالنسبة للاختصاص المحدد في الفصل الخامس والستون من الدستور والذي ينص على أنه إذا استمرت جلسات البرلمان أربعة أشهر على الأقل في كل دورة جاز ختم الدورة بمرسوم، كما أن الفصل السادس والستون من الدستور نص كذلك أن رئيس الحكومة يمكن أن يجمع البرلمان في دورة استثنائية بمرسوم، كما أن ختم الدورة الاستثنائية للبرلمان تتم بمرسوم، كما أن الفصل السبعين من الدستور قد حدد كذلك أن السلطة التنظيمية يمكن أن تتدخل إذا ما أذن القانون للحكومة أن تتخذ في ظرف من الزمن محدود ولغاية معينة بمقتضى مراسيم تدابير يختص القانون عادة باتخاذها.
إذن مما سبق يتضح أن الدستور وحده من يحدد الاختصاص التنظيمي لرئيس الحكومة، ويحدد الشكل القانوني لهذا التدخل وهو على شكل مرسوم ويحدد المسطرة الدستورية التي يتخذ بها هذا المرسوم.
المسطرة الدستورية تحدد أن المرسوم التنظيمي يجب أن يتم تداوله في مجلس الحكومة تحت رئاسة رئيس الحكومة، لم يحدد الدستور شكل التداول وكيفية الحسم بعد التداول، هل بالإجماع أو بالأغلبية أو فقط بالكلمة الختامية التلخيصية للمداولات التي قد يمارسها رئيس الحكومة باعتباره يمتلك سلطة رئاسية على الحكومة، هذا ما سيحدده القانون التنظيمي المنتظر صدوره، والمنصوص عليه في الفصل السابع والثمانون من الدستور، حيث ينص ” يحدد قانون تنظيمي، خاصة القواعد المتعلقة بتنظيم وتسيير أشغال مجلس الحكومة والوضع القانوني لأعضائها “.
إن شرط مداولة الحكومة في القضايا التي يمارس فيها رئيس الحكومة السلطة التنظيمية، تعني بالأساس أنه لا يمارس الاختصاص التنظيمي لوحده بل يمارسه بشكل مشترك مع الحكومة، والمراسيم التنظيمية المنصوص عليها دستوريا يجب أن تشير ضمن حيثياتها إلى احترام هذا الاختصاص المزدوج بالإشارة إلى أنه تم التداول في القضية في مجلس الحكومة المجتمع بتاريخ ينص عليه.
مما يعني أن المراسيم التنظيمية لا يمكن اتخاذها من طرف رئيس الحكومة إلا بعد التداول فيها في مجلس الحكومة.
لم يكتف الدستور بهذا الشرط فقط لممارسة السلطة التنظيمية من طرف رئيس الحكومة بل أضاف إليه شرط آخر منصوص عليه في الفصل التسعون.
الفقرة الثانية حيث نصت هذه الفقرة على أن المقررات التنظيمية الصادرة عن رئيس الحكومة تحمل التوقيع بالعطف من لدن الوزراء المكلفين بتنفيذها.
في الخلاصة يتضح أن ممارسة اختصاص السلطة التنظيمية من طرف رئيس الحكومة يبقى مشروطا باحترام مجال الاختصاص ما بين السلطة التشريعية والسلطة التنظيمية، من جهة، وبعد ذلك احترام شرط الاختصاص والشكل المتعلق بالتداول في القضية من طرف مجلس الحكومة والتوقيع بالعطف من طرف الوزراء المكلفين بالتنفيذ.
إذن لا يمتلك رئيس الحكومة أية سلطة أمام المراسيم التنظيمية إلا سلطة التنفيذ احتراما للمسطرة المنصوص عليها في الدستور والتي تحدد وتلزم باحترام شرط وشكل الاختصاص وبالتالي لا يمكن لرئيس الحكومة بمقرر انفرادي أن يتجاوز ما سنته المراسيم من مقتضيات عامة.
3. سلطة رئيس الحكومة كمدبر إداري أو كآمر بالصرف
يمتلك رئيس الحكومة دستوريا الاختصاص المنصوص عليه كرئيس للسلطة التنفيذية من جهة، وصاحب السلطة التنظيمية من جهة أخرى، ولم يمنحه الدستور ولا النصوص القانونية -القانون التنظيمي للمالية -قانون الوظيفة العمومية -والمرسوم الملكي للمحاسبة العمومية -أية سلطة على باقي الوزراء.
حيث إن التدبير الإداري وخصوصا المتعلق (بالتوظيف، النقل، الأمر الرئاسي …) محدد من طرف النظام الأساسي العام للوظيفة العمومية ويعتبر مجالا يختص به القانون حسب الفصل الواحد والسبعون من الدستور، وهكذا فإن قانون الوظيفة العمومية لم يفرق إطلاقا في ممارسة السلطة المنصوص عليها قانونيا ما بين رئيس الحكومة والوزراء – الكل في قطاعه الوزاري له نفس السلطة ولا فرق بين رئيس الحكومة والوزراء كما أن لا سلطة إضافية له على باقي الوزراء في ما يتعلق بقضايا التدبير الإداري رالا فيما يتعلق بتشديد العقوبة المتخذة بحق الموظفين – الفصل الحادي والسبعون من قانون الوظيفة العمومية) وهكذا اعتبرت النصوص القانونية المتعلقة بالتدبير الإداري أن رئيس الحكومة كباقي الوزراء له سلطة المدبر الإداري ولكن فقط في قطاعه الوزاري كباقي الوزراء. (وهكذا سينص الفصل الرابع والعشرين من قانون الوظيفة العمومية على أن الوزير المختص بالقطاع هو من يأذن بالتوظيف).
نفس الشيء بالنسبة لمنح سلطة الآمر بالصرف فلا يتمتع رئيس الحكومة – حسب مقتضيات الفصل الرابع والستون من المرسوم الملكي المتعلق بالمحاسبة العمومية بأية سلطة إضافية على باقي الوزراء إلا فيما يتعلق بتعيين آمرين بالصرف أو آمرين مساعدين بالصرف بالنسبة للمدراء والمدراء العامين ورؤساء المصالح المسيرة بطريقة مستقلة مما يؤكد على أن رئيس الحكومة يمتلك سلطة المدبر الإداري وسلطة الآمر بالصرف ولكن فقط في القطاع الإداري الذي يرأسه – رئاسة الحكومة – لا غير ولا سلطة مالية له على باقي القطاعات، أما فيما يخص السلطة المالية الممنوحة له انطلاقا مما نصت عليه المادة الثانية والثلاثون من القانون التنظيمي للمالية والتي نصت على أن وزير المالية يقوم بتهيئ مشروع القانون المالي تحت سلطة رئيس الحكومة فهو دور يقتصر فيه رئيس الحكومة على ممارسة دور التحكيم ما بين وزير المالية وباقي الوزراء وبالتالي لا يمكنه أن يحل محل الوزراء في قطاعاتهم ليدبر إداريا نيابة عنهم أو يأمر بالصرف من الاعتمادات المخصصة لهم من طرف البرلمان عن طريق القانون المالي. (هذا دون أن ننسى السلطات الواسعة المخولة لرئيس الحكومة انطلاقا من المرسوم المتعلق بالصفقات العمومية سواء تعلق الأمر بتحديد النماذج أو الترخيص باللجوء الى الصفقات التفاوضية رغم أن منح هذا الامتياز الى رئيس الحكومة لا يستند الى أي نص قانوني ولا يستند كذلك الى روح الدستور الحالي الذي يشرعن ويحدد مجال التصرف في إطار احترام القانون).
4. رئيس الحكومة والسلطة المقيدة
إن مبدأ المشروعية يحدد الحدود التي لا يمكن لرئيس الحكومة أو الإدارة تجاوزها احتراما لمبدأ المشروعية وهو ما يطلق عليه السلطة المقيدة. إن السلطة المقيدة هي السلطة التي تكون فيها الشروط القانونية للواقعة متوفرة مسبقا ومنصوص عليها حتى لا يمكن لرئيس الحكومة والإدارة آنذاك إلى تطبيق ما نص عليه القانون بشكل عام في الواقعة المعنية (أنظر في هذا الصدد ما ذهب إليه حكم المجلس الأعلى رقم 109 بتاريخ 1995/4/27 حيث اعتبر أنه بوجود مرسوم يحدد كيفية التعيين في منصب رئيس قسم فإن الوزير لا يملك أية سلطة تقديرية لاختيار من له الحق في الحلول محله بل فقط سلطة مقيدة بما ورد من شروط لتعيين في المنصب المذكور والمنصوص عليها في المرسوم المتعلق بالمناصب العليا).
مما سبق يتضح أن رئيس الحكومة لا يمتلك أية سلطة أمام المراسيم التطبيقية إلا سلطة التنفيذ والتطبيق الحرفي. وهكذا أقر القضاء الإداري أنه بوجود المراسيم فإن رئيس الحكومة وفي حدود قطاعه لا يملك إلا سلطة مقيدة وملزمة بالتنفيذ الحرفي لما ورد في المرسوم المنصوص عليه دستوريا وعلى السلطات المخولة لها دستوريا المشاركة في صياغة المرسوم كما سبق التوضيح.
5. رئيس الحكومة والسلطة التقديرية
إذا كان مبدأ المشروعية يحتم على رئيس الحكومة والإدارة اتخاذ إجراءاتها وفق ما يقتضيه القانون والمرسوم. فإن القانون والمرسوم قد يعملان كذلك على منح الإدارة مرونة ويتيحا لها الفرصة كذلك لتفعيل قدرة الإبداع لديها، فالقاعدة القانونية سواء كانت في شكل قانون أو مرسوم قد تمنح الإدارة حرية معينة عند التنفيذ وبالتالي تمنحها سلطة تقديرية في كيفية وطريقة التنفيذ أو سلطة الملاءمة. أو إن القاعدة القانونية تحدد للإدارة كيفية التنفيذ وبالتالي لا تمنحها إلا سلطة مقيدة للتنفيذ بالشكل الذي حدده المشرع القانوني أو التنظيمي مسبقا مما يعني أنه وحتى في حالة منح النصوص القانونية لسلطة تقديرية للإدارة فإن هذه السلطة التقديرية لا يمكن ممارستها إلا في إطار الصالح العام وبالتالي لا يمكن الانحراف بها عن المصلحة العامة – حتى لا يتعرض القرار المعني للإلغاء أمام القضاء الإداري بسبب الانحراف بالسلطة – الفصل العشرين من قانون المحاكم الإدارية – مما يثبت أنه حتى في الحالة التي يمنح فيها النص القانوني حرية معينة في التصرف فإن رئيس الحكومة يبقى ملزم باحترام المصلحة العامة.
6. رئيس الحكومة والعلاقة مع الوزراء
يحدد الفصل السابع والثمانون من الدستور أن الحكومة تتألف من رئيس الوزراء والوزراء كما يمكن أن تضم كتاب الدولة، أما فيما يتعلق بتنظيم وتسيير أشغال الحكومة والوضع القانوني لأعضائها، فقد أحال الدستور إلى قانون تنظيمي لكي يحدد -التنظيم -وتسيير الأشغال -والوضع القانوني لأعضاء الحكومة، أما الفصل الثامن والثمانون من الدستور فقد منح السلطة الرئاسية لرئيس الحكومة ولكن فقط فيما يتعلق
بتنفيذ البرنامج الحكومي وتنفيذ القوانين وحتى رئيس الحكومة ملزم بتنفيذ القوانين وتنفيذ البرنامج الحكومي باعتباره عضوا في الحكومة حسب الدستور.
منح الدستور سلطة رئاسية لرئيس الحكومة في مسألتين محددتين دستوريا متعلقتان بالتنفيذ فقط وهما -تنفيذ البرنامج الحكومي وتنفيذ القوانين، كما أن الفصل الثالث والتسعون من الدستور يوضح كذلك أن الوزراء يقومون بالمهام المسندة إليهم من قبل رئيس الحكومة والمتعلقة بتنفيذ السياسة الحكومية فقط.
إذن منح الدستور لرئيس الحكومة سلطة رئاسية على المهام الحكومية ذات الصبغة التنفيذية.
وحددت للحكومة كجهاز جماعي الحسم في القضايا ذات الصبغة التصورية والتقريرية والمنصوص عليها في الفصل الثاني والتسعون من الدستور وهي -السياسة العامة للدولة -السياسات العمومية -السياسات القطاعية -طلب الثقة.
مما سبق يتضح أن رئيس الحكومة هو رئيس للحكومة وليس للوزراء ويمتلك سلطة رئاسية على الحكومة ولكن فقط في المهام الموكلة للحكومة والمحددة دستوريا في – تنفيذ البرنامج الحكومي- وتنفيذ القانون ولا يمتلك أية سلطة رئاسية على باقي الوزراء في المهام الموكلة لهم دستوريا وقانونيا- السلطة التنظيمية داخل إدارتهم والسلطة الرئاسية داخل قطاعهم – مما يعني أن السلطة الرئاسية التي يمتلكها رئيس الحكومة ليست عامة وشاملة بل جد محددة في المهام التنفيذية – أما المهام المتعلقة بالتقرير والتصور فيتم التداول فيها بشكل جماعي وبقواعد تنظيم وتسيير يحددها القانون التنظيمي.
7. رئيس الحكومة وعدم دستورية سلطة تجاوز رفض التأشيرة
منحت المادة الثامنة والعشرين من المرسوم رقم 2.07.1235 بتاريخ 4 نونبر 2008 المتعلق بالمراقبة سلطة لرئيس الحكومة تمكنه من تجاوز رفض التأشيرة بمقرر ما عدا إذا كان هذا الرفض معللا بعدم توفر الاعتمادات أو المناصب المالية أو بعدم التقيد بنص تشريعي غير أن للوزير الأول أن يستشير مسبقا الجنة للصفقات لجنة يرأسها الأمين العام للحكومة، هذه السلطة الممنوحة لرئيس الحكومة، بموجب المادة الثامنة والعشرون من المرسوم المتعلق بالمراقبة تستوجب ملاحظتين تتعلق الأولى بعدم دستورية سلطة تجاوز رفض التأشيرة.
يحدد الفصل السبعون من الدستور أن المقررات التنظيمية الصادرة عن رئيس الحكومة يجب أن تحمل التوقيع بالعطف من لدن الوزراء المكلفين بالتنفيذ مما يعني أن الفقرة الثانية من الفصل التسعون من الدستور لم تمنح لرئيس الحكومة أية سلطة على باقي القطاعات الوزارية حيث إنه حتى بالنسبة للمراسيم ولضمان تنفيذها في القطاعات الوزارية ولعدم إمكانية تجاوز سلطة الوزراء داخل قطاعاتهم التي يعتبرون مسؤولين عنها سياسيا أمام البرلمان والرأي العام وقضائيا أمام القضاء المالي أو القضاء الإداري. كما حددت الفقرة الأولى من الفصل الثالث والتسعون من الدستور ” إن الوزراء مسؤولون عن تنفيذ السياسة الحكومية كل في القطاع المكلف به وفي إطار التضامن الحكومي مما يعني أن الدستور قد عمل على حماية القطاع الحكومي للوزراء حماية مطلقة من أية تدخل من أية جهة كانت ولو كانت -رئيس الحكومة -حيث إنه حتى في إطار ممارسة السلطة التنظيمية الممنوحة لرئيس الحكومة فإن تفعيل هذه السلطة يبقى مشروطا بالتوقيع بالعطف من لدن الوزراء المكلفين بالتنفيذ، كما أقر الدستور، كذلك المسؤولية السياسية للوزراء
عن التنفيذ كل في القطاع المكلف به، مما يعني أن الدستور عمل على حماية الاختصاص المطلق للوزراء في قطاعاتهم حتى يصير بالإمكان إقرار مسؤوليتهم عن التنفيذ حيث إن القاعدة القانونية تنص على أنه لا يمكن إقرار المسؤولية لأحد دون تمكينه من سلطة فعلية -لا مسؤولية دون سلطة فعلية -.
إن القاعدة الدستورية رسخت للوزراء سلطة القيادة داخل قطاعاتهم، ثم سلطة التنظيم -ثم سلطة إعطاء الأوامر الرئاسية داخل قطاعاتهم وبالتالي سيج الدستور القطاعات الوزارية ضد أي تدخل خارجي ولو من رئيس الحكومة.
وحيث إن إعطاء رئيس الحكومة سلطة معينة فيما يتعلق بعملية رفض الالتزام يعتبر مخالفا للدستور حيث إن رفض الالتزام صادر عن الخازن العام والخازن العام يتحمل مسؤولية مديرية من مديريات وزارة المالية حسب المرسوم التنظيمي للهيكلة الإدارية المتعلق بوزارة المالية والمسؤول الدستوري عن وزارة المالية هو وزير المالية وحده دون غيره وهو الوحيد المخول له ممارسة السلطة الرئاسية داخل قطاعه فإن منح هذا الحق لرئيس الحكومة من خلال الفصل الثامن والعشرين من المرسوم المتعلق بالمراقبة يعتبر مخالفا للمقتضيات الدستورية، يقولLeon Bertrand إن الحكم والإدارة هما في كل الحالات صرف المال العام وعملية الصرف والمسؤولية المترتبة عن ذلك يتحملها الوزير المعني بالأمر ووزير المالية.
وحسب القانون التنظيمي للمالية، فإن المصاريف يتم احتسابها بالنسبة لكل قطاع معين حسب موضوع وطبيعة النفقة وتخصيصها. (المادة التاسعة والعشرون من القانون التنظيمي للمالية) شرط التخصص يعني التفريق ما بين القطاعات الوزارية بشكل أساسي، بعد الموافقة على القانون المالي، توضع الاعتمادات رهن إشارة الوزراء باعتبارهم آمرين بالصرف بحكم القانون، ويحدد الفصل الرابع والستون من المرسوم الملكي المتعلق بالمحاسبة العمومية أن الوزراء هم بحكم القانون آمرين بالصرف داخل قطاعاتهم الوزارية. وبما أن الوزير يمتلك سلطتين على قطاعه سلطة القيادة والتنظيم وسلطة إعطاء الأوامر الرئاسية، وحيث إن عملية الصرف تقسم إلى أربع مراحل حسب المرسوم الملكي المتعلق بالمحاسبة العمومية (الالتزام، التصفية، الأمر بالأداء والأداء) وهذه العملية يتدخل فيها عمليا: القطاع الذي وضع البرلمان رهن إشارته الاعتمادات وهو مكلف بالتالي بصرف الاعتمادات وفق ما نص عليه القانون المالي وقطاع المالية مكلف بأداء النفقة، وهكذا فإن الآمر بالصرف مكلف بثلاث مراحل من مراحل صرف النفقة (الأداء، التصفية، الأمر بالأداء) بينما يكلف قطاع المالية فقط بأداء النفقة، إذن يضع المرسوم الملكي للمحاسبة العمومية اختصاصين لا ثالث لهما.
احتراما لما ورد في الدستور من علاقة رئيس الحكومة بالوزراء، وهي سلطة الآمر بالصرف وسلطة وزير المالية أو الموظف الموضوع تحت سلطته والمكلف بأداء النفقة.
وحيث إن الالتزام يقع تحت مسؤولية الوزير الآمر بالصرف، وحيث إن هذا الالتزام يلزم ميزانية الدولة فإن تدخلت وزارة المالية – هذا التدخل يشرعنه الفصل الثاني والثلاثون من القانون التنظيمي للمالية الذي يكلف وزير المالية بتهيئ القانون المالي تحت سلطة رئيس الحكومة وكذلك المرسوم الملكي للمحاسبة دون أن ننسى المرسوم المتعلق بالمراقبة – عن طريق موظفيها لمراقبة شرعية هذه النفقة على اعتبار أن النفقة تلزم ميزانية الدولة من خلال منح التأشيرة أو رفضها وحيث إن الرفض يعتبر قرارا سلبيا وجب تبريره بعدم احترام الالتزام للقانون في شكله العام (قانون تنظيمي للمالية، قانون المالية، المرسوم الملكي المحاسبة العمومية، مرسوم المراقبة) مما يعني أنه في حالة عدم وجود خرق للقانون عند القيام بالنفقة فإن النفقة تعتبر مشروعة ومبررة. وتقع تحت سلطة الملائمة للوزير المعني بالنفقة.
إذن تدخل الوزير المعني في النفقة إبان المراحل التي تقع تحت مسؤوليته هي سلطة تعتبر مطابقة للدستور والقانون وتدخل وزير المالية إبان مرحلة الالتزام لمراقبة مدى احترام النفقة للقانون من خلال الالتزام المقترح يدخل في اختصاص قطاعه كذلك، بينما يبقى التساؤل الكبير هو بأي حق يتدخل رئيس الحكومة في النفقة بينما لم يمنحه الدستور أو القانون التنظيمي للمالية أية سلطة للتدخل في النفقة، لهذا نجزم بأن تدخل رئيس الحكومة في النفقة من خلال مسطرة تجاوز رفض التأشيرة يعتبر مخالف للدستور وغير قانوني بل تعتبر هذه السلطة مخالفة لمقتضيات الفصل التسعون والثالث والتسعون من الدستور، إن مسطرة تجاوز رفض التأشيرة على اعتبار أن من رفض التأشيرة هو الخازن الوزاري والخازن العام وهما سلطتان إداريتان تابعتان لوزير المالية كان يجب احترام الدستور والقانون منح سلطة الأمر بتجاوز رفض التأشيرة لوزير المالية لإعطاء أمر رئاسي يحترم الشرعية الدستورية المتمثلة في سلطة الوزير على قطاعه وعلى الهيكلة الموضوعة تحت إمرته ويحترم كذلك الشرعية القانونية.
ويعتبر تدخل رئيس الحكومة غير دستوري في النفقة التي تعتبر حسب النصوص القانونية من اختصاص وزارتين فقط وزير يأمر بالنفقة ووزير يؤدي النفقة في إطار مسطرة فصل السلط ما بين الآمر بالصرف والمحاسب. وفي هذا الصدد، وجب التذكير بالخلاف الذي حصل ما بين البرلمان الفرنسي والحكومة عندما قدم البرلمان مشروع المراقبة المالية الذي كان البرلمان قد صاغ فيه أن المراقبين الماليين الفرنسيين يوجهون للبرلمان وثائق تتعلق بالنفقات الملتزم بها من طرف الآمرين بالصرف. ولكن وزير المالية والحكومة الفرنسية رفضوا ذلك على اعتباران ذلك يمس بسلطة وزير المالية على إدارته ويخرق كذلك مبدأ فصل السلط (انظر منشورات المراقبين الماليين بفرنسا). وتم في الأخير إضافة بعد موافقة وزير المالية احتراما للدستور.
أما الملاحظة الثانية، فتتعلق بمنح سلطة تجاوز رفض التأشيرة الممنوحة لرئيس الحكومة حتى إذا تعلق الأمر بعدم احترام النصوص التنظيمية.
لممارسة سلطة تجاوز رفض التأشيرة يجب أن يكون موضوع رفض التأشيرة غير معلل بعدم توفر الاعتمادات أو المناصب المالية أو بعدم التقيد بنص تشريعي، بينما تم حذف ضرورة احترام النص التنظيمي الذي كان منصوص عليه في المرسوم المتعلق بالمراقبة لسنة 1975 – مع التأكيد أن هذه السلطة لم تكن موجودة في النصوص المتعلقة بالمراقبة لسنة 1921-1959-1969 بل لم يتم إقرارها إلا سنة 1975 وذلك قبل عودة الحياة البرلمانية وفي سياق تاريخي تميز باسترجاع المغرب لصحرائه واندلاع المواجهات مع الانفصاليين مع ما يستلزمه ذلك من إمكانيات مادية وسرعة وبساطة في أداء النفقات ورغم تغير الظروف التاريخية والقانونية، فإن المرسوم المتعلق بالمراقبة لسنة 2001 وسنة 2008 لن يكتفي بسلطة تجاوز رفض التأشيرة مع احترام النص التشريعي والتنظيمي بل سيعمل على تحرير رئيس الحكومة من السلطة الدستورية للمرسوم وستجيز له خرق المقتضيات التنظيمية، مما يعتبر خرقا للدستور حيث إن النص التنظيمي منصوص عليه دستوريا كما أن الدستور هو الذي يحدد المسطرة الواجب اتخاذها والسلطة المخول لها المشاركة في المسطرة التنظيمية وهي (رئيس الحكومة، الحكومة، الوزراء المكلفين بالتنفيذ) ولا يمكن لمقرر صادر عن الوزير الأول (أن يتجاوز الحكومة والوزراء المكلفين بالتنفيذ والشكل) وأن يخرق بالتالي مسطرة منصوص عليها دستوريا – ويتم بالتالي تجاوز مقتضيات تنظيمية بمقرر – .
وهكذا، فإن منح رئيس الحكومة، انطلاقا من سلطة تجاوز رفض التأشيرة الحق في تجاوز المقتضيات التنظيمية يعتبر خرقا للدستور.
8. القضاء الإداري ومقررات التسوية الاستثنائية لرئيس الحكومة من خلال ممارسته لسلطة رفض التأشيرة
تجاهل القضاء الإداري المغربي مطلقا مقررات التسوية التي يصدرها رئيس الحكومة عند مخالفتها للقانون لعيب الاختصاص.
وهكذا سيجزم القرار عدد 628 المؤرخ في 1999/5/27 ملف إداري عدد 1995/1/5/113 المتعلق بودادية المراقبين المساعدين على الأملاك العقارية، حيث اعتبر القضاء الإداري أن رفض تجاوز التأشيرة المعبر عنه من طرف الوزير الأول (التسمية السابقة في الدستور) لا يمكن اعتبارها إلا موقفا إداريا أو وزاريا أو وجهة نظر في موضوع يعود البت فيه لجهات متعددة ولجهاز حكومي بكامله وأن موقف الوزير الأول حسب القضاء الإداري غير منتجة لأي أثر في المجال التنظيمي. مما يعني أن القضاء الإداري لم يعترف بأي سلطة للوزير الأول في عدم احترام المقتضيات الدستورية والقانونية والتنظيمية. مما يستدعي العودة بالمادة الثامنة والعشرون من المرسوم المتعلق بالمراقبة إلى مظلة المشروعية الدستورية والقانونية احتراما لمبدأ المشروعية.
9. رئيس الحكومة وسلطة تغيير القانون والمرسوم
إن القانون والمرسوم المصادق عليهما لا يملك رئيس الحكومة أمامهما إلا سلطة التنفيذ الحرفي.
ولكن الدستور منح لرئيس الحكومة حق تغيير القوانين وليس حق خرق القوانين وذلك في الفصل الثامن والسبعون من الدستور عند ما نص “لرئيس الحكومة ولأعضاء البرلمان على السواء الحق بتقديم باقتراح القوانين وفي إطار مبدأ توازي الشكليات فإن القوانين تغير بنفس المسطرة التي تتم المصادقة لها على هذا القانون من حق الاقتراح إلى النشر”.
أما بالنسبة للمراسيم فيمتلك كذلك رئيس الحكومة حقا دستوريا منصوص عليه في الفصل التسعون من الدستور الذي ينص على أن ” رئيس الحكومة يمارس السلطة التنظيمية مما يعني أنه إذا لم يكن متفقا أو مقتنعا بمرسوم معين يمتلك الحق في إجراء مسطرة التعديل مع احترام مبدأ توازي الشكليات والاختصاصات والمساطر أي باتباع نفس مسطرة إقرار المراسيم التنظيمية (رئيس الحكومة توقيع الوزراء المكلفين بالتنفيذ، الحكومة) أما غير ذلك، فإن رئيس الحكومة لا يمتلك أية سلطة أمام المراسيم التنظيمية إلا سلطة التنفيذ.
10. رئيس الحكومة وسلطة تجميد القانون
إن التنصيص دستوريا على أن الحكومة تعمل على تنفيذ القوانين يعني منح سلطة مهمة للحكومة دون تقييدها دستوريا بأية مهلة زمنية لإصدار المراسيم التطبيقية، مما يعني أن الحكومة قد تلجأ لوضع القوانين التي لا تتفق معها في الثلاجة التنظيمية ولا تصدر بالتالي النصوص التطبيقية المتعلقة بالقوانين مما يعني أن الحكومة ورئيسها يمتلكان حق إيقاف المسطرة التشريعية وهو ما يعد مخالفا للدستور الذي يأمر الحكومة بالتنفيذ (الفصل التاسع والثمانون من الدستور) إن عبارة تنفيذ القانون الواردة في القاعدة الدستورية المشار إليها سابقا وكذلك الأمر بتنفيذ القانون الصادر عن السلطة الملكية والأجل الدستوري المحدد في ثلاثين يوما بعد الموافقة عليه من طرف البرلمان ونفس الآجال المحددة بالنسبة للنشر.
يعني أن المشرع الدستوري قد أحاط مسألة تنفيذ القانون بكل الضمانات المطلوبة لسرعة تنفيذ القانون مما يعني عمليا أن السلطة التنظيمية ملزمة بقوة القاعدة الدستورية بعدم تجاوز المهل المحددة للسلطة الملكية أي أن السلطة التنظيمية ملزمة بإصدار المراسيم التطبيقية داخل آجال معقولة من المفروض أن لا تتجاوز الشهر من تاريخ النشر بالجريدة الرسمية وعمليا شهرين بعد الموافقة على القانون من طرف البرلمان رغم أن التفسير الحرفي للدستور يلزمنا أن نعترف بأن الأمر الملكي بتنفيذ القانون يعني عمليا أن القانون قابل للتنفيذ الفوري والقانون القابل للتنفيذ هو القانون الذي خرج مرسومه التطبيقي إلى حيز الوجود وبالتالي صار بالإمكان تنفيذه. هذا التجميد للقانون سيدفع فقهاء القانون من أمثال Guibal إلى الحديث عن التأخير الحاصل في إصدار المراسيم التطبيقية للقانون وكذلك الشأن بالنسبة للفقيه Charles Debbasch في مقالتين له بجريدة لوموند الفرنسية الأولى بتاريخ 1974/11/5 حملت عنوان: ” رحمة بالقوانين ” والمقالة الثانية بتاريخ 1976/8/12 وحملت عنوان: ” الإدارة ضد القانون “.
ولكن واقع الحال في المغرب يثبت أن بعض المراسيم التطبيقية قد يستغرق وقت إنجازها سنوات وسنوات ولم يتم إنجازها إلا بعد تدخل السلطة القضائية (قانون الاقتطاع من أجل العمل الغير منجز حيث صدر القانون سنة 1984 بينما لم يصدر المرسوم إلا سنة 2000) أما شرط المباراة من أجل التوظيف فلم يصدر بعد المرسوم التطبيقي لتحديد شروط تنظيم المباريات.
مما يتطلب تدخل المشرع الدستوري من أجل إلزام المشرع التنظيمي بآجال محددة من أجل إصدار المراسيم التطبيقية وكذلك تفعيل دور المراقبة السياسية للبرلمان على الحكومة فيما يتعلق بتنفيذ الحكومة للقانون داخل آجال معينة.
كما فعل المشرع الفرنسي في مواجهة التعطيل الحكومي للقانون.
الخلاصة
إن بناء دولة الحق والقانون يتجسد على أرض الواقع من خلال الاحترام الفعلي للجميع سواء كانوا مواطنين عاديين أو مؤسسات عمومية أو بلغة القانون سواء كانوا يمتلكون شخصية ذاتية أو شخصية معنوية للقانون.
إن احترام القانون لا يمكن أن يتم دون احترام تراتبية النصوص القانونية، الدستور، القانون التنظيمي، القانون، المرسوم وكل الإجراءات التي تصدر عن السلطات العمومية سواء كان إجراء عام أو خاص ويتمتع بقوة التنفيذ الفوري دون استشارة أو موافقة المعنيين بالأمر.
إن احترام تراتبية النصوص القانونية ما هو في حقيقة الأمر إلا احترام السلطات الدنيا للسلطات العليا كما أن احترام القانون -لا يتطلب فقط احترام تراتبية النصوص القانونية -بل يتطلب كذلك احترام مبدأ فصل السلط الذي يمنح للشخص سواء كان ذاتيا أو معنويا -المطلوب منه احترام وتنفيذ هذه النصوص القانونية -الحق في التوجه إلى القضاء المستقل لمواجهة السلطات العمومية عند مخالفتها للقانون واعتبار الكل متساو أمام القانون – سواء كان شخصا ذاتيا أو معنويا – أي احترام مبدأ المساواة أمام القانون هذه المبادئ التي تستمد في غالبيتها مشروعيتها من الدستور المعدل تلزم السلطات العمومية على احترام القانون عند ممارستها للسلطة المخولة لها وعند انحرافها عن القانون يلزمها القضاء بالعودة للمشروعية القانونية من خلال قراراته التي تتمتع بقوة الشيء المقضي به – دعوى الإلغاء ودعوى التعويض – .
وعلى اعتبار كل ما سبق نستنتج أن رئيس الحكومة لا يتمتع بأي امتياز دستوري أو قانوني يخول له خرق القانون أو التمتع بامتياز خاص أمام مبدأ المساواة أمام القانون وما القاعدة الدستورية المنصوص عليها في الفصل السادس من الدستور المغربي الذي ينص: “القانون هو أسمى تعبير عن إرادة الأمة والجميع أشخاصا ذاتيين أو اعتباريين بما فيهم السلطات العمومية متساوون أمامه وملزمون بالامتثال له ” إلا دليلا على أن الكل متساو أمام القانون وبالتالي، فإن رئيس الحكومة ملزم باحترام المشروعية الشعبية التي تمنح الأغلبية البرلمانية من خلال احترامه للقانون الصادر عن هذه المشروعية الشعبية وبالتالي على رئيس الحكومة احترام الشرعية القانونية وكذلك احترام المراسيم التنظيمية وإن كانت مستقلة فإن مسطرة المصادقة عليها منصوص عليها دستوريا ويتدخل في إقرارها – رئيس الحكومة والحكومة وكذلك تحمل التوقيع بالعطف من طرف الوزراء المكلفين بالتنفيذ – مما يعني أن الدستور أقر مسطرة تنظيمية مشتركة.
إذا لا يملك رئيس الحكومة أمام القانون والمرسوم إلا سلطة واحدة ووحيدة وهي سلطة التنفيذ حتى لا تتعرض المقررات الصادرة عنه للإلغاء أمام القضاء الإداري بحجة ممارسة الشطط في السلطة لمخالفة القانون – الفصل العشرين من القانون المنظم للمحاكم الإدارية – مما يوضح أن مقررات التسوية الاستثنائية أو مقررات تجاوز رفض التأشيرة تعتبر لا دستورية ولا قانونية عند مخالفتها للقانون أو المرسوم (وإذا كانت مقررات التسوية لا تخالف القانون ولا تخالف المرسوم احتراما للدستور فما هو السبب في وجود سلطة تجاوز رفض التأشيرة) وتمنع مقتضيات الفصل الثامن والعشرين من المرسوم المتعلق بالمراقبة من تطبيقها احتراما لما سبق ذكره كما أنه آن الأوان للعمل من أجل إخضاع السلطات الممنوحة لرئيس الحكومة في مرسوم المراقبة ومرسوم الصفقات وباقي النصوص التنظيمية للدستور والقانون بشكله العام حتى نجسد فعلا دولة الحق والقانون والمساواة وليس دولة الاستبداد.


