سماع دعوى الزوجية

ذ. فاتح كمال

مستشار بمحكمة الاستئناف بتازة

أشارت المادة 16 من مدونة الأسرة، كما تم تعديلها، إلى أن “رسم الزواج هو الوسيلة المقبولة لإثبات الزواج وإذا حالت أسباب قاهرة دون توثيق العقد في وقته تعتمد المحكمة في سماع دعوى الزوجية سائر وسائل الإثبات وكذا الخبرة”

وهكذا فباستقرائنا لهذا الفصل يتبين لنا أن الغاية من كتابة عقد الزواج هو إثبات تحققه وليس ركنا فيه ([1]).

إلا أن جانبا من الفقه اعتبر أن الإشهاد على النكاح واجب؛ وكونه عند العقد مندوب هو زائد على الواجب. فإن حصل الإشهاد على العقد فقد حصل الواجب المندوب وإن لم يحصل العقد كان واجبا عند البناء ([2]).

جاء عن النبي صلى الله عليه وسلم، في رواية عن داود عن عقبة بن عامر عنه، عليه السلام “أحق الشروط أن توفوا به ما استحللتم به الفروج” ([3]).

وهكذا، فإن دعاوى سماع الزوجية شرعت استثناء أو خلال مدة زمنية ابتدأت من تاريخ دخول مدونة الأسرة حيز التنفيذ في 5 فبراير 2004؛ فإن مدة الخمس سنوات المحددة في الفصل 16 قبل التغيير انتهت في 5 فبراير 2009. ومدة الخمس سنوات تلك لم تكن كافية لتدارك كل الأوضاع الزوجية التي لم يتم تسويتها، فإن التعديل الأخير الصادر بتاريخ 24/ 07/ 2010 والقاضي بتمديد الفترة الانتقالية لسماع دعوى الزوجية من أجل تسوية الزيجات الغير الموثقة حفاظا على حقوق الزوجين والأطفال، التي ستنتهي خلال الأسبوع الأول من شهر فبراير 2014 ([4]).

إلا أن التعامل بالمرونة والتيسير والتبسيط في المساطر والإجراءات المتطلبة ومراعاة الظروف والملابسات وسائر وسائل الإثبات لا يجب أن ينسينا أن دعوى سماع الزوجية تستعمل ويمكن أن تستعمل كأداة للتهرب من أهم مستجدات مدونة الأسرة: ألا هو التوثيق العصري لعقد الزواج والذي يهدف إلى إبرام عقد الزواج بكيفية مضبوطة وسليمة ومبسطة من أجل حفظ الحقوق وتوحيد الإجراءات وتحقيق الشفافية، مما من شأنه أن يحقق الاطمئنان بين الزوجين ويسهم في تنظيم مؤسسة الزواج على أسس قانونية عصرية وواضحة ([5]).

وهكذا فإن التهرب من توثيق عقد الزواج وفق القواعد المرعية أصبح (في حالات أربع سندرسها أدناه) يمس بالنظام العام وبالحقوق الأساسية للفرد. لقد سمحت مدونة الأسرة للنيابة العامة بمكافحتها باعتبارها المخولة قانونا من التثبت من وقوع الجرائم وجمع الأدلة والبحث عن مرتكبيها في حين أن البت في معاقبة مرتكب الجريمة وما له علاقة بها من مسائل مدنية يرجع الاختصاص فيه للمحكمة ([6]).

وقد يعتقد أن دور النيابة العامة في مجال دعاوى سماع الزوجية يقتصر على الزجر أو التلويح به، لكن أن واقع المتغيرات القانونية والأدوار الجديدة للنيابة العامة على ضوء مدونة الأسرة يعطي راهنية كبيرة لدورها وأهمية بالغة بالنسبة لجميع المهتمين سواء من قبل القضاء الواقف والجالس ومساعدي القضاء والجمعيات الحقوقية المدافعة عن الأسرة والمرأة والطفل.

إن دراسة موضوع دور النيابة العامة في دعاوى سماع الزوجية خصوصا هو من الأهمية النظرية الكبرى لانعدام الأبحاث المتطرقة إلى هذا الجانب (حسب علمي). فالنيابة العامة قبل سنة 2004 كانت تقوم في النظام القضائي المغربي، كما في غيره من الأنظمة القضائية الحديثة، بدوريين أساسيين:

  • الأول دورها أمام القضاء الجنائي: حيث كانت ولازالت تعتبر خصما رئيسيا في القضايا الجنائية حيث تقيم الدعوى الجنائية وتبدي طلباتها وتدلي بحججها وبأدلة الاتهام فيها، و هي بذلك تملك الطعن بطريق الاستئناف أو النقض في الأحكام الصادرة فيها.
  • ودور ثاني أمام القضاء المدني، كانت تباشره بوصفها خصما رئيسيا في الدعوى أو تباشر بصفتها طرفا منضما ([7]).

إلا أن تلك الأدوار لم تصبح لها صلة وثيقة بدعاوى سماع الزوجية إلا ابتداء من دخول مدونة الأسرة حيز التنفيذ وصدور الظهير بتنفيذ القانون رقم 03.72 القاضي بتغيير قانون المسطرة المدنية ([8]):

  • أولا: لكون سماع الزوجية كان يتم من خلال رسوم عدلية هي عبارة عن لفيفيات يخاطب عليها السيد قاضي التوثيق.
  • ثانيا: لكون النيابة العامة لم تكن طرفا أصليا في دعاوى قضايا الأسرة.
  • ثالثا: لكون تحريم عدم توثيق الزواج في بعض الحالات لم يؤسس إلا مع مدونة الأسرة.

وعليه سأتناول دور النيابة العامة في دعاوى سماع الزوجية من خلال مقاربتين الأولى مدنية (مطلب أول) والثانية جنائية (مطلب ثاني(

المطلب الأول: المقاربة المدنية لدور النيابة العامة في سماع دعوى الزوجية

لم يعرف التشريع المغربي نظام النيابة العامة كمؤسسة قائمة الذات ([9]) في دعاوى سماع دعوى الزوجية إلا مع مدونة الأسرة وتعديلات قانون المسطرة المدنية.

ويتجلى دور النيابة العامة في هذه الدعاوي قبل رفعها (فقرة أولى) أثناء سريانها (فقرة ثانية) وبعد إصدار الأحكام فيها (فقرة ثالثة).

الفقرة الأولى: دور النيابة العامة قبل رفع دعاوى سماع الزوجية

إن أهم الأحكام المترتبة على كون النيابة العامة أصبحت طرفا أصليا في جميع قضايا الأسرة بما فيها سماع الزوجية (المادة 3 من مدونة الأسرة)، أنه لا يجوز للخصوم أن يجرحوا ممثل النيابة العامة لأي سبب من الأسباب، والتي أهمها تقديم استشارة لطرف في نزاع ([10]) لأن الخصم لا يملك حق تجريح خصمه ([11]).

ولعل هذا المقتضى المسطري القليل التطبيق قد يعتقد أنه غير ذي فعالية إلا أنه يجسد واقع أن قاضي النيابة لدى قضاء الأسرة هو قاضي يتناغم مع مقتضيات مدونة الأسرة قاضي متحرك وليس قاضي محايد كما هو الحال بالنسبة لقاضي الحكم الملزم بالحياد.

إن ذلك هو يفسر أيضا الدور الحيوي للنيابة العامة لقضاء الأسرة في مجال تقريب القانون والقضاء من المتقاضين من خلال الإخبار والتبصير بالمقتضيات والمساطر القضائية والوثائق الضرورية لرفع دعوى سماع الزوجية.

كما أن دور النيابة العامة في مثل هذه الدعاوى يتجسد في تقديم المساعدة القضائية الضرورية لتمكين الأطراف المعوزين من رفع دعاويهم أمام أقسام قضاء الأسرة.فالمساعدة القضائية لدى جميع المحاكم و كيفما كان الحال يمكن منحها للأشخاص التي تكون لديهم عدم كفاية موارد ويكونون غير قادرين على ممارسة حقوقهم أو الدفاع عنها أمام القضاء ([12]) بما في ذلك حالات دعاوى ثبوت الزوجية.

وهكذا يعين للمستفيد من المساعدة القضائية محام للدفاع عنه مجانا ويعفى مؤقتا من إيداع أي مبلغ برسم الصوائر ومن دفع أي أداء آخر. أما المختص بمنح هذه المساعدة لدى مختلف المحاكم الابتدائية هو مكتب يرأسه السيد وكيل الملك ويقدم الطلب باسمه ([13]).

والأصل أن المعني بالأمر (أي المدعي في دعوى سماع الزوجية) هو الذي يلتمس طلب المساعدة القضائية وفق مسطرة خاصة تشرف عليها النيابة العامة ([14]) إلا أنه في إطار اتخاذ التدابير الضرورية للتسهيل على المواطنين المعنيين بثبوت الزوجية وفي ظل التعامل بالمرونة والتيسير وتبسيط المساطر والإجراءات تصبو النيابة العامة في قضاء الأسرة بتفعيل الدورية عدد 16 س 2 بتاريخ 23 شتنبر 2010 من خلال تحسيس المواطنين المعوزين بإمكانية استفادتهم من المساعدة القضائية ([15]).

هذا عن دور النيابة العامة قبل رفع دعاوى سماع الزوجية. فماذا عن ذلك الدور أثناء سريان تلك الدعاوى؟

الفقرة الثانية: دور النيابة العامة أثناء سريان سماع دعوى الزوجية

دعاوى سماع الزوجية ترفع كما سبقت الإشارة بواسطة مقال إلى السيد رئيس المحكمة الابتدائية بحضور النيابة العامة كطرف رئيسي أمام غرفة الأحوال الشخصية.

وباعتبارها طرفا رئيسيا في ممارسة الدعوى، فإن القانون أعطى للنيابة العامة الحق في ممارسة الدعوى كمدعية أو مدعى عليها. فالترافع أمام غرفة الأحوال الشخصية حق من حقوقها تباشره كأحد الخصوم العاديين فهي تتقدم بما يظهر لها من طلبات وفي دورها العادي تبعا لترتيب الخصوم وسماعهم ويكون لخصومها الرد عليها أو دحض ما تتقدم به من دفاع ([16]).

وللنيابة العامة أن تشرح وسائل الدفاع التي يستعملها أطراف دعوى سماع الزوجية، وأن تعين بعلمها بالقانون وتجاربها على إبداء دفاع لم يتمسك به الأطراف ليدعموا بذلك حجتهم. وإذا تعلق وجه الدفاع بالنظام العام، فللنيابة العامة أن تتمسك به ولو لم يبده الأطراف. كما للمحكمة أن تحكم به تلقائيا وذلك كالدفع بعدم الاختصاص النوعي أو المحلي أو بانعدام الصفة والأهلية في رفع دعوى سماع الزوجية.

وغني عن البيان أن إلزام المشرع لتدخل النيابة العامة في قضايا الأحوال الشخصية والتي من أهمها دعاوى سماع الزوجية يأتي لكون دعاوى سماع الزوجية تبلغ وجوبا إلى النيابة العامة التي تقدم فيها وجوبا مستنتجاتها في صيغ عامة (كتطبيق القانون أو إسناد النظر أو صيغ خاصة كإنذار المدعي أو المدعين بتعزيز الطلب أو رفض الطلب أو الدفع بسبقية البت أو التماس إجراء تحقيق أو بحث بواسطة السلطة المحلية.(

وللإشارة فإن المفوضين القضائيين هم الهيئة المكلفة أساسا بإجراءات تبليغ الاستدعاءات في مجال دعاوى سماع الزوجية إلا أن المحكمة غالبا ما تكلف النيابة العامة بالسهر على إجراءات التبليغ إذا لم يتأت للمصالح المكلفة عادة القيام بالتبليغات ([17]).

كما تلعب النيابة العامة دورا مهما في مسطرة استثنائية ألا وهي مسطرة القيم في دعاوى الأحوال الشخصية باعتبارها من المساطر الخطيرة التي قد تؤدي إلى حرمان المدعى عليه من سلوك الدفاع عن حقوقه ([18]) في حالة دعاوى سماع الزوجية النزاعية، إذ قد تعمل بعض المدعيات سواء فرادى أو بواسطة وكيل إلى رفع دعواهن ضد أشخاص وتدلين بعناوين غير موجودة أو قديمة أو بعبارة مجهول العنوان لسبق معرفتهن برجوع شهادة التسليم بعبارة غير موجود أو انتقل من العنوان. فيلتمسن اثر ذلك تعيين قيم في حق المدعى عليه.

لأجله، فإن النيابة العامة في إطار مسطرة القيم والبحث عن المتغيب بجميع الوسائل الممكنة تقوم بمراسلة الضابطة القضائية سواء درك أو شرطة أو سلطة محلية للبحث عن المتغيب. وفي اغلب الأحيان قد تطلب تنقيطه في الناظم الآلي للإفادة حول أخر عنوان له أو قد تطلب الاستعانة بشرطة الحدود للتأكد من مغادرة المبحوث عنه لأرض الوطن ومعرفة وجهته.

إن المساعدات التي تقدمها النيابة العامة حينما يكون موطن أو محل إقامة المدعى عليه غير معروف والتي يشير إليها الفصل 39 من قانون المسطرة المدنية في إطار مسطرة القيم ([19]) أصبحت الآن أكثر إلحاحا وإلزاما مع مدونة الأسرة وحملة تعميم سماع دعوى الزوجية على الغير المتوفرين على رسوم الزواج.

ولا يفوتني أن اذكر كذلك أنه يناط بالنيابة العامة الإشراف على شرطة جلسات المحاكم التي يناط بها اتخاذ كافة الإجراءات الأمنية الوقائية داخل قاعة الجلسات وخارجها بحراسة المنافذ والممرات والأبواب المؤدية إليها وتنفيذ تعليمات السيد رئيس الجلسة في حالة تحويل الجلسة من علنية إلى جلسة سرية أو عند اكتظاظ الجمهور أو تنفيذ أمر السيد رئيس الهيئة في حالة طرد الأشخاص اللذين يثيرون الضوضاء والضجيج داخل القاعة ([20]).

كما تسهر النيابة العامة على إحضار المعتقلين والسجناء المطلوب مثولهم أمام غرفة الأحوال الشخصية في حالة دعاوى سماع الزوجية. إذ تعمل النيابة العامة على ترحيلهم من السجن الأبعد إلى سجن المحكمة الابتدائية العاملة به ليكونوا رهن إشارة المحكمة يوم الجلسة حيث يتم إحضارهم تحت حراسة الشرطة إلى قسم قضاء الأسرة.

وفي مجال سماع دعوى الزوجية التي يكون احد أطرافها من معتنقي الإسلام والأجانب، تقوم النيابة العامة تبعا لمنشور وزير العدل عدد 46 س بتاريخ 5/ 12/ 2006 حول زواج معتنقي الإسلام والأجانب بناءا على طلب من المحكمة إجراء بحث دقيق وشامل بواسطة الجهات المختصة (الشرطة أو الدرك) للتحقق من انتفاء موانع الزواج قبل الزواج والتأكد من كون الطرف الأجنبي ذو سلوك حسن و لا تحوم حوله شبهات بالنسبة للأمن والنظام العامين وكذا للتأكد من نشاطه المهني ومصدر دخله وترجع محضر البحث إلى غرفة الأحوال الشخصية لتبت في الطلب طبقا للقانون.

وفي مجال دعاوى سماع الزوجية التي يكون احد أطرافها قاصرا، تلتمس النيابة العامة من غرفة الأحوال الشخصية التأكد من حقيقة الزواج من خلال الإدلاء بشواهد طبية تفيد الحمل أو حقيقة الدخول وتاريخه وتلتمس من المحكمة إشعار أبوي الطرف القاصر والطرف الأخر والشهود بكون أن ذلك الزواج يقع تحت طائلة القانون الجنائي بما فيه المشاركين في ذلك الزواج لأجل الردع الاجتماعي والحد من تلك الظاهرة الخطيرة على صحة وسلامة الأطفال.

أما في مجال دعاوى سماع الزوجية التعددية، فإن النيابة العامة تلتمس اعتبار الزوجة الأولى مدعى عليها وتلتمس استدعاءها حفاظا على حقوقها وتلتمس إشعارها بحقها في إثارة المتابعة تجاه الزوج المتملص من إذن المحكمة بالتعدد مع التأكيد في حالة موافقتها على أن الموافقة تمت بكامل رضاها.

هذا عن أدوار النيابة العامة أثناء سريان دعاوى سماع الزوجية؛ فماذا عن تلك الأدوار بعد صدور الأحكام فيها؟

الفقرة الثالثة: دور النيابة العامة بعد إصدار أحكام سماع دعوى الزوجية

إن حضور ممثل النيابة العامة في جلسات دعاوى سماع الزوجية إلزامي باعتبار أن النيابة العامة طرف رئيسي في قضايا الأحوال الشخصية ويجب التنصيص عليه في الحكم. والنيابة العامة باعتبارها طرفا رئيسيا في دعاوى سماع الزوجية يحق لها استعمال كل طرق الطعن ما عدا الطعن بالتعرض. والمشرع عندما اقر الدور الرئيسي للنيابة العامة أعطاها الحق في الطعن في الأحكام الصادرة ضدها أو بحضورها لكونها قد تعاين خرقا سافرا للقانون ومضرا بحق من حقوق المجتمع خصوصا أن دعاوى سماع الزوجية تتعلق بالنظام العام.

وإنه من المنطق باعتبارها طرفا رئيسيا في الدعوى يمارس طرق الطعن أن تقوم كتابة الضبط بإحالة الملفات عليها بما فيها من أوراق فور الحكم لدراستها من جديد والاطلاع على أحكامها والوثائق والمستندات التي ارتكزت عليها مما يساعد النيابة العامة على التماس تصحيح الأخطاء المادية الواقعة فيها من قبيل الأخطاء في أسماء الأطراف أو مراجع الحكم أو الملف أو تاريخ الحكم أو منطوق الحكم. كما أن اطلاع النيابة العامة على الملفات لا يحول دون تبليغها الأحكام بواسطة شهادة التسليم عن طريق المفوضين القضائيين من اجل القيام بإجراءات التبليغ وتمكين المدعي من النسخة التبليغية والتنفيذية وشهادة عم الطعن بالاستئناف والنقض.

هذا عن المقاربة المدنية لدور النيابة العامة في دعاوى سماع دعوى الزوجية، فماذا المقاربة الجنائية لدورها؟

المطلب الثاني: المقاربة الجنائية لدور النيابة العامة في سماع دعوى الزوجية

بغض النظر عما للنيابة العامة من دور أمام قضاء الأحوال الشخصية طبقا لما شرحناه فإن للنيابة العامة دورا أخر غير مدني تستمده من وضعيته كممثلة للمصلحة العامة.

وباعتبارها الطرف المدني في المتابعة الزجرية ذلك أنها تحرك الدعوى العمومية، وتتابع سيرها إلى غاية صدور حكم بات فيها ([21]).

وإذا كان القانون الجنائي حدد الأفعال التي يعدها جرائم وعاقب عليها بعقوبات والتي قد تكتنف دعاوى سماع الزوجية على الأقل في بعضها. فإن قانون مدونة الأسرة قد حدد بدوره بعض الأفعال التي تدخل في نطاق دعاوى سماع الزوجية والتي تشكل مخالفات للقانون وهو ما سأتناوله (في فقرة أولى) لأعرج على دور النيابة العامة في مجال الجرائم المرتبطة بدعاوى سماع الزوجية اعتمادا على القانون الجنائي.

الفقرة الأولى: دور النيابة العامة في مواجهة الجرائم المرتبطة سماع د عوى الزوجية وفق مدونة الأسرة

إن تجديد مدونة الأسرة شكل طفرة حداثية لأجل إصلاح شؤون الأسرة المغربية ([22]) وهكذا تماشيا مع رغبة المشرع في الحفاظ على العلاقة الزوجية والحد من التلاعبات والسهر على سلامة تنفيذ الإجراءات واعتبارا لدورها في حماية المجتمع، أناط مشرع مدونة الأسرة بالنيابة العامة صلاحية متابعة التدليس في الحصول على إذن قاضي الأسرة المكلف بالزواج في زواج من هو دون سن الأهلية ([23]) وزواج الشخص المصاب بإعاقة ذهنية وزواج معتنقي الإسلام والأجانب وكذا دون الحصول على إذن المحكمة القاضي بالتعدد وكذا التدليس في الحصول على شهادة الكفاءة بالنسبة للمغاربة في حالة القصر أو التعدد أو الإعاقة الذهنية أو التدليس في الحصول على شهادة الكفاءة بالنسبة للأجانب.

وقد نصت المادة 66 من مدونة الأسرة على أنه تطبق على الفاعل والمشاركين معه أحكام الفصل 366 من القانون الجنائي بطلب من المتضرر؛ والعقوبة هي الحبس مكن ستة أشهر إلى سنتين وغرامة من مائتين إلى ألف درهم أو بإحدى هاتين العقوبتين فقط.

وهكذا علق المشرع متابعة مرتكب هذه الجرائم على شرط تقديم شكاية من المتضرر أو من يقوم مقامه في شكل بلاغ كتابي أو شفوي يحيط بواسطته النيابة العامة علما بالواقعة الجرمية ويؤكد من خلاله ملتمساته بمتابعة الجاني ومقاضاته أمام المحكمة ([24]).

وهكذا فإن تدخل النيابة العامة مقيد بضرورة وجود طلب من المتضرر تماشيا مع رغبة المشرع في تلك الجرائم على الحفاظ على الروابط العائلية لأن العلاقة الزوجية قائمة ومبررات الحفاظ عليها موجودة ([25]).

كما أن سحب الشكاية يترتب عنه سقوط المتابعة طبقا وإن لم ينص فصل صريح به. بهذا الخصوص جاء في حكم صادر عن المحكمة الابتدائية بالفداء دار السلطان بتاريخ 14/ 6/ 2002 صادر في ظل قانون المسطرة الجنائية السابق: “إن المادة الثالثة من قانون المسطرة الجنائية تعتبر نصا عاما ينبغي الرجوع إليه في حالة الفراغ التشريعي، تنص على أن الدعوى العمومية تسقط في حالة سحب الشكاية إذا كانت شرطا لازما للمتابعة، وبالتالي فإن سحب الشخص المهمل لشكايته يسقط دعوى إهمال الأسرة” ([26]).

ويثور التساؤل حول مفهوم المتضرر إن كان هو فقط الزوجة المتزوج عليها أو القاصرة المتزوج بها رغم صغر سنها أو الطرف المغربي المتزوج بالأجنبي المدلس عليه أي أن المتضرر هو ما عرفه الاجتهاد القضائي المغربي بأنه هو: “الطرف الذي تضرر شخصيا ومباشرة من الجرم الذي نشا عنه الضرر (الفصل 7 من ق.م.ج) سواء كان المتضرر شخصا طبيعيا أو معنويا” ([27]).

فقد أثير التساؤل حول مدى إمكانية قبول شكاية جمعيات الدفاع عن المرأة والطفل في مواجهة مرتكبي تلك الجرائم؟ وهل يمكننا أن نقول بضرورة توفر تلك الجمعيات على صفة المنفعة العامة.

جاء في نفس الحكم المذكور أنه: “إذا كان المدعي بالحق المدني شخصا معنويا فإنه يجب التأكد من القانون المنظم له لمعرفة الشخص المخول له قانونا حق التقاضي والسند الذي يعتمد عليه” ([28]).

مع الإشارة أن المادة 66 المذكورة تخول المدلس عليه من الزوجين حق طلب الفسخ مع ما يترتب عن ذلك من التعويضات عن الضرر.

إلا أن الملاحظ عمليا هو أن اللجوء إلى مسطرة ثبوت الزوجية أصبح أسلوبا للتحايل على قيد التعدد وتزويج القاصرات التي جعلته المدونة استثناءا ([29]) بل إن انخفاض إحصائيات أذون زواج من لم يبلغ سن الزواج وأذون التعدد ليس مؤشرا دقيقا على وضعية تغير العقليات في المجتمع المغربي أمام ارتفاع نسبة إصدار الأحكام بثبوت الزوجية والتي تستعمل مطية متعارف عليها للتحايل على أحكام مدونة الأسرة في باب الزواج ([30]).

وهكذا فأمام قصور النص وحدوده يبقى انم قرابة الحد من الظاهرة هي أساسا وقائية توجب على فعاليات المجتمع المدني تولي دورها التاريخي في التأسيس لدولة المؤسسات وسيادة القانون وحماية حقوق المرأة والطفل.

الفقرة الثانية: دور النيابة العامة في مواجهة الجرائم المرتبطة سماع دعوى الزوجية وفق القانون الجنائي

تعد دعوى سماع الزوجية ملجآ العديد من المتقاضين للتهرب من أحكام القانون الجنائي إما عن حق أو غير حق ن ولعل ذلك يبرز خطورة وأهمية هذه الدعاوى على النظام العام المغربي.

أسوق أولا مثال جريمة الفساد، التي هي العلاقة الجنسية بين رجل وامرأة يعاقب عليها بشرط عدم وجود العلاقة الزوجية والتي من أهم أركانها القصد غير السليم والنية السيئة في ممارسة تلك العلاقة الزوجية.

جاء في حكم شهير للمحكمة الابتدائية ببني ملال: “إن الزواج الذي تم بين الرجل والمرأة .. يعتبر شرعيا وزواجا صحيحا تترتب عليه كل الحقوق والواجبات لأنه يتوفر على جميع الأركان والشروط طبق ما نص عليه المتحف لدى قوله” والمهر والصيغة والزوجان ثم الولي جملة الأركان “وعلى هدي ذلك فإذا تبين للمحكمة الجنحية أن العلاقة القائمة بين رجل وامرأة ظنينين قد تمت بينهما على نية الزواج قصد تكوين أسرة وبواسطة خطبة علانية وبموافقة من ولي امرأة وحضوره، وبمحضر أفراد العائلتين المتصاهرتين، وعلى مرأى ومسمع من العموم وكان الرجل والمرأة يقران بذلك الزواج ولا تختلفان فيه كما يقر والديهما معا، فإن جنحة الفساد المنسوبة إلى ذانيك الظنينين تنتفي انتفاءا كليا وبقوة القانون ويتوجب على المحكمة أن تكشف عن براءتهما معا” ([31]).

ولعل ملتمس النيابة العامة في جلسة حجز القضية للتأمل يبدو لي حكيما بعدم التماسه تأكيد المتابعة أو التماس الإدانة واكتفائه بالتماس تطبيق القانون. وإن كان على المحكمة الجنحية إيقاف البت في الدعوى الجنحية إلى حين إدلاء المتهمين بحكم مستقل بثبوت الزوجية لكون قضاة قسم قضاء الأسرة هم الوحيدون المختصون بالبت في قضايا الأحوال الشخصية ([32]).

إلا أن الحكم المستدل به يوضح إمكانية استعمال أحكام سماع الزوجية لإسقاط متابعات بالخيانة الزوجية لا سيما وأن واقعة شكاية الزوجة الأولى بزوجها المتزوج عليها بالفاتحة توجب على المشتكى بهما اللجوء إلى قضاء الأسرة لاستصدار حكم سماع الزوجية لنسف متابعة النيابة العامة بالخيانة الزوجية ويمكن تصور نفس الأمر بالنسبة لجرائم الاغتصاب والتغرير بقاصرة والسرقة مما يستدعي من النيابة العامة الكثير من الحرص والتدقيق لتفادي التلاعب بالقانون.


[1] قرار المجلس الأعلى عدد 511 بتاريخ 13/ 9/ 2006 في الملف الشرعي عدد 581/ 2/ 1/ 2005 منشور بمجلة قضاء المجلس الأعلى، الإصدار الرقمي، مارس، 2007 العدد 66، مركز النشر والتوثيق القضائي، ص 82.

[2] المدونة الجديدة للأسرة، القانون رقم 03- 70، منشورات المجلة المغربية للإدارة المحلية والتنمية، سلسلة نصوص ووثائق، الطبعة الأولى 2004، ص 122.

[3] نفسه، ص 121.

[4] انظر نص دورية وزير العدل، مديرية الشؤون المدنية؛ عدد 16، س 2 بتاريخ 23 شتنبر 2010 والقاضية بتفعيل التعديل المدخل على المادة 16 من مدونة الأسرة.

[5] المدونة الجديدة للأسرة، مرجع سابق، ص.119 و120.

[6] قرار المجلس الأعلى عدد 399 صادر بتاريخ 6 دجنبر 1990 في الملف الإداري عدد 8934/ 88، منشور بمجلة قضاء المجلس الأعلى، الإصدار الرقمي، دجنبر 2000، العدد 45، مركز النشر والتوثيق القضائي، ص 116.

[7] محمد بوزيان، دور النيابة العامة أمام المحاكم المدنية، سلسلة دروس المعهد الوطني للدراسات القضائية، منشورات جمعية تنمية البحوث والدراسات القضائية، 1986، ص 6.

[8] الظهير الشريف رقم 23.04.1 صادر في 12 ذي الحجة 1424 (3 فبراير 2004) بتنفيذ القانون 72.03 القاضي بتغيير قانون المسطرة المدنية المصادق عليه بالظهير الشريف بمثابة قانون رقم 1.74.447 الصادر في 11 من رمضان 1394 (28 سبتمبر 1974)، جريدة رسمية عدد 5184- 14 ذو الحجة 1424 (5 فبراير 2004.(

[9] الشرقاوي الغزواني نور الدين، تدخل النيابة العامة في الدعاوى المدنية، منشورات جمعية تنمية البحوث والدراسات القضائية، دار نشر المعرفة للنشر والتوزيع، الرباط، 1995، ص.47 .

[10] تنص المادة 295 من قانون المسطرة المدنية أنه “يمكن تجريح قاض الأحكام:

… إذا قدم استشارة أو رافع أو كان طرفا في النزاع أو نظر فيه كحكم أو أدلى فيه بشهادة”.

وتنص المادة 299 أنه: “لا تطبق أسباب التجريح المتعلقة بقاضي الأحكام على قاضي النيابة العامة إذا كان طرفا منضما، ولا يجرح إذا كان طرفا رئيسيا”

[11] محمد بوزيان، مرجع سابق، ص 14 و15.

[12] محمد بوزيان، مرجع سابق، ص 77. 

[13] نفسه.

[14] الشرقاوي الغزواني نور الدين، مرجع سابق، ص 176.

[15] راجع المرجع الهامشي رقم 4.

[16] محمد بوزيان، مرجع سابق، ص 12 و13.

[17] راجع ميلود غلاب، عمل النيابة العامة بين الواقع والقانون, تسيير ومراقبة أعمال الشرطة القضائية، مطبعة افولكي، تزنيت، الطبعة الأولى، 2006، ص 56 و57.

[18] الرافة وتاب، مسطرة التبليغ بين الواقع والمأمول، الملف، عدد 3، مطبعة النجاح الجديدة، الدار البيضاء، ابريل 2004، ص 32.

[19] يوسف وهابي، اختصاصات النيابة العامة في مدونة الأسرة، الملف، عدد سابق، ص 81.

[20] ميلود غلاب، مرجع سابق، ص 63.

[21] انظر محمد بوزيان، مرجع سابق، ص 74. 

[22] حميد ميمون، المتابعة الزجرية وإشكالاتها العملية، مطبعة بني يزناسن، سلا، الطبعة الأولى، 2005، ص 23.

[23] راجع عبد العلي العبودي، التوضيح الموجز لبعض مواد مدونة الأسرة، الأيام الدراسية حول مدونة الأسرة، سلسلة الندوات واللقاءات والأيام الدراسية، مكتبة دار السلام، الرباط، 2004، ص16 23.

[24] حميد ميمون، مرجع سابق، ص 70. 

[25] محمد الصخري، تدخل النيابة العامة في قضاء الآسرة، الأيام الدراسية حول مدونة الأسرة، مرجع سابق، ص 86.

[26] حكم عدد 342/ 02 في الملف الجنحي عدد 764/ 022، منشور لدى محمد بفقير، قانون المسطرة الجنائية والعمل القضائي المغربي، منشورات دراسات قضائية، سلسلة القانون والعمل القضائي المغربيين، مطبعة النجاح الجديدة ن الدار البيضاء، 2006، ص 30.

[27] قرار المجلس الأعلى عدد 1418/ 1 المؤرخ في 23/ 10/ 2002 في الملف الجنائي عدد 11175/ 2001، منشور بمجلة المحاماة، عدد 20، ص 193.

[28] نفسه.

[29] راجع تقرير حول مائدة مستديرة حول دعاوي ثبوت الزوجية ومالها بعد فبراير 2009، منشور على الرابط:

«le 24/ 12/ 2010 consulté»

[30] تسجيل 298 ألف عقد زواج وإصدار 18 ألف حكم في ثبوت الزوجية في المغرب، منشور على موقع إنسان نت على الرابط التالي:30

«le 24/ 12/ 2010 consulté»

[31] حكم المحكمة الابتدائية ببني ملال عدد 2548 بتاريخ 24/ 6/ 2004 في الملف الجنحي عادي عدد 1616/ 03 منشور بمجلة الملف عدد 6، ماي 2005، مطبعة فضالة، المحمدية، ص 349 و350.

[32] المادة 2 من قانون التنظيم القضائي كما تم تغييرها.

https://powderencouraged.com/zht6b3bs66?key=8523542c4aaf6f083ce56f74bd271319
https://powderencouraged.com/w3m6c9b5?key=af8b4909c0965493e9682d74bb50a646
https://powderencouraged.com/ksq5rgwdmh?key=b5b47a0d83f8742dcf71d4de8ef00494
https://powderencouraged.com/bkcduddx?key=0252cc21d0f4e0ae5f53245940611301
×
error: Content is protected !!