بين رعاية المصلحة العامة والخاصة
د. عبد الكريم بناني، باحث
إطار بوزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية
مقدمة:
لقد صدر قانون 32.09 المتعلق بتنظيم مهنة التوثيق بهدف تحقيق جملة أهداف، لعل من أهمها رعاية مصالح المواطنين الذين تدفعهم حاجتهم لتوثيق عقودهم إلى الالتجاء للموثقين، وفي هذا الصدد جاء المشرع بعدد من المواد التي شكلت تطورا بينا أبرز الأهمية التي تكتسبها العقود وأوضح جملة مقاصد لا يمكن إلا الإشادة بها.
ولأهمية هذا القانون الجديد، وارتباطا بالمنهج الذي سبق اتباعه في الدراسة التي قدمتها حول “مدونة الأوقاف المغربية ورعاية المصلحة العامة والخاصة([1])، سنحاول توضيح الرؤى المصلحية التي يهدف المشرع إلى تحقيقها بهذا القانون، انسجاها مع روح الشريعة الإسلامية، دون إغفال توضيح المصالح الخاصة وأوجه التعارض بين المصالح الخاصة والعامة.
ولذلك تأتي الدراسة متضمنة المحاور التالية:
- أولا: رعاية قانون التوثيق للمصلحة العامة.
- ثانيا: رعاية قانون التوثيق للمصلحة الخاصة.
- ثالثا: تعارض مصلحة خاصة مع مصلحة عامة.
- أولا: ر عاية قانون ا ل توثيق للمصلحة العامة:
إن معيار المصلحة هو المعيار الصحيح الذي لا يمكن إغفاله كما تبين باستقراء النصوص، ولكون المصلحة المحضة عتية عن الوجود في الغالب، فإن المقصود بالمصلحة دائما المصلحة الغالبة عند مناظرتها مع المفسدة في حكم الاعتياد، وهي المصلحة المطلوبة شرعا، والمقصود التوجه إليها والإذعان لها عند تزيل النصوص تبعا لغالبية تحققها في مواقع الوجود، وفي ربطها بالعامة تأكيد على نفعها الغالب الذي يعم أكثر الجماعة أو الجماعة الكثيرة العدد من حيث النطاق الشخصي والإنساني، فهي “مجموع الحكم والمعاني والغايات التي بانسجامها يتحقق النفع العام للناس في حياتهم ومن خلال التشريعات التي تسير وتحدد مسار حياتهم”([2]).
وبناء على أن المشرع المغربي قصد بإصدار قانون ينظم من خلاله مهنة التوثيق لتحقيق مصالح الناس والإجابة عن احتياجاتهم، فإن مواد ونصوص هذا القانون ينبغي أن تفسر ويحدد نطاق تطبيقها ومجال إعمالها في ضوء المصالح والحكم والمعاني التي وردت هذه النصوص لتحقيقها.
ويمكن الحديث عن هذه الرعاية بالنظر إلى السياقات المصلحية المغلب فيها رعاية الجماعة في عدد من مواد هذا القانون، منها ما تشير إليه هذه المواد صراحة ومنها ما يفهم من سياق النص حيث تظهر المصلحة الغالبة بشكل واضح.
ومن قبيل المنهجية المصلحية التي راعها المشرع تنصيصه على ضرورة اجتياز مباراة للانخراط في مهنة التوثيق([3])، ضمانا لتكافؤ الفرص، وقضاء الناجح لفترة تمرين مدها أربع سنوات، منها سنة بمعهد التكوين المهني للتوثيق وثلاث أخرى بمكتب موثق([4])، لكسب تجربة تخول له تحمل مسؤولية العقود التي تبرم بين يديه، ثم إجراء اختبار وامتحان مهني لاختيار مكان التعيين، مراعاة لمبدأ النزاهة والشفافية التي يؤطرها مفهوم المصلحة العامة والمتمثل في العدل الذي يقتضي تحمل مسؤولية العقود من هو أهل وكفء لرعاية مصالح المتعاقدين.
وفي المادة5 من قانون التوثيق، يظهر رعاية المصلحة العامة في تنصيص المشرع على أنه “لا يحق للموثق أن يزاول مهنة التوثيق إذا ما أسندت إليه وظيفة عمومية، أو مهمة بمرتب أو بدونه…” ([5])، فلا يمكن لمن أسندت إليه مهمة توثيق عقود الناس، مع عظم المسؤولية وعظم المستندات والملفات الموضوعة بين يديه، أن يراعي مصالح الناس وهو يزاول مهنة أخرى ووظيفة أخرى “كعضو في الديوان الملكي أو وزير أو سفير، أو مدير مؤسسة عامة، أو عضو في ديوان وزير، أو أي مهمة أخرى تكتسي نفس الصبغة…” ([6]).
ولحماية مصالح المتعاقدين على وجه الخصوص، منع المشرع في المادة12 على الموثق أن يتلقى أي عقد وتوقيع الأطراف خارج مكتبه([7])، لكون هذا الأمر من شأنه أن يعرض مصالح الناس وعقودهم للتلف والضياع، هذا الضياع الذي يرتبط بحضور الموثق الدائم بمكتبه، حيث يتعين عليه بموجب المادة17 عدم التغيب عن المكتب لفترة تتعدى 15 يوما، كما عليه إشعار المكتب الجهوي للموثقين والوكيل العام للملك لدى محكمة الاستئناف المعين بدائرتها بهذا التغيب، تفاديا لإبرام أي عقد يتحمل فيه مسؤولية، وحفاظا على مصالح الأفراد التي قد يتسبب غيابه في ضياعها وتأخيرها.
ولأن غياب الموثق أو شغور مكتبه قد يتسبب في تأخير مصالح الناس، ارتأى المشرع في المادة20 ضرورة “تعيين من يسير المكتب مؤقتا من بين الموثقين العاملين بنفس الدائرة الاستئنافية”([8]) وذلك من طرف الرئيس الأول لمحكمة الاستئناف المعين بدائرتها الموثق، بناء على التماس الوكيل العام للملك لدى محكمة الاستئناف أو رئيس المجلس الجهوي.
وبما أن الأساس الذي بني عليه هذا القانون يقوم على أساس رعاية المصالح العامة وفق رؤى ترتب عددا من المسؤوليات على الموثق، منها المادة22 التي أوجبت على كل موثق بلغ سبعين سنة من العمر “أن يدلي خلال ثلاثة أشهر الأولي من كل سنة بشهادة طبية صادرة من مصالح الصحة التابعة للقطاع العام”([9])، والحكمة من ذلك معرفة “قدرته على الاستمرار في ممارسة المهنة بكيفية عادية”([10])، ضمانا لقيامه بمهامه على أحسن وجه، وتحقيقا للمصالح التي تنشد من هذه المهنة.
كما رتب المشرع على الموثق مسؤوليات أخرى تؤكد هذه الحماية التي سبق ذكرها، وتتمثل في تحميله “مسؤولية الأضرار المترتبة عن أخطائه المهنية والأخطاء المهنية للمتمرنين لديه وأجرائه وفق قواعد المسؤولية المدنية”([11])، فهذه المسؤولية توجب على الموثق وتلزمه بضرورة الحفاظ على مصالح الناس وإذا أخل بهذه المسؤولية تحت إشرافه، فيتعين عليه تحمل هذه المسؤولية والأضرار المترتبة عنها طبقا للقواعد المحددة لهذا الأمر، ولضمان حسن تدبير هذه المسؤولية من طرف الموثق بتحمل هذه الأضرار، أوجب عليه المشرع في الفقرة الموالية من نفس المادة إبرام “عقد للتأمين قبل الشروع في ممارسة مهامه، بل يلزمه الإدلاء كل سنة بما يفيد استمرار اكتتابه تحت طائلة المتابعة التأديبية”([12]).
وبما أن حفظ ضرورة المال من الكليات الأساسية التي جاءت الشريعة الإسلامية بالمحافظة عليها وجودا وعدما، بناء على التأسيس القرآن الذي يحرم أكل أموال الناس بغير وجه حق: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلاَّ أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ) ([13])، فإن المشرع لم يغفل هذه المراعاة أيضا، بما يكفل تحقيق المصلحة العامة لأصحاب العقود، والمتمثل في حفاظ الموثق على المبالغ المودعة عنده بوضعها “فور تسلمها بصندوق الإيداع والتدبير”([14]) تفاديا لضياعها أو سرقتها أو حتى استعمالها ولو مؤقتا، ومن حيث العدم منع المشرع على كل موثق “أن يتسلم أموالا يحتفظ بها مقابل فوائد”([15])، أو أن “يقبل توقيعا على أوراق تتضمن التزامات أو اعترافات مع ترك بياض في متن الوثيقة ولاسيما في مكان اسم المستفيد أو الدائن أو المبلغ”([16])، أو حق اختصار الأسماء([17]) مع كتابة المبالغ المالية بالحروف والأرقام([18])، لأن من شأن ذلك أن يفتح الباب أمام التلاعب بمصالح الناس، وبتصرفاتهم المالية التي ترتب التزامات قيمية مهمة.
فالالتزامات التي ترتبط بمصالح الناس قد تضيع بسبب المحو والبشر والإلحاقات التي تلحق الوثيقة، خاصة أن منهجية الموثقين في كتابة العقود تطورت عن ذي قبل، فأضحى استعمال الوسائل الحديثة كفيل بالتحقق من الأخطاء وتحرر العقود بطريقة سليمة خالية من العيوب، جاء في المادة (41) من القانون: “يحرر العقد تحت مسؤولية الموثق دون انقطاع أو بشر أو إصلاح في صلبه أو إقحام أو كتابة بين السطور أو إلحاق أو تشطيب أو ترك بياض باستثناء ما يفصل يين الفقرات والبنود وفي هذه الحالة يوضح خط على البياض”.
كما ينبغي على الموثق حماية لحقوق الناس، أن يرقم “جميع الصفحات ويشار إلى عددها في آخر العقد”([19])، وأن “تذيل أصول العقود – تحت طائلة البطلان- بالأسماء الكاملة وتوقيعات الأطراف والترجمان والشهود إن وجدوا ثم الموثق مع خاتمه، ويوقع الأطراف على كل صفحة من صفحات العقد ويكتب تاريخ توقيع كل طرف كما يؤشر الموثق على كل صفحة… وفي حالة وجود صفحات غير مؤشر عليها من طرف الموثق أو غير موقعة من الأطراف على العقد فإن البطلان لا يلحق إلا هذه الصفحات”([20]).
كما نص القانون في الفقرة الخامسة من المادة34 على أنه يمنع على الموثق: “أن يضمن العقد مقتضيات مم شأنها أن تخل بالنظام العام”، وهو تأكيد منه على عنايته بالمصلحة العامة التي ينبغي احترامها بوضع النصوص التي تنسجم معها، ذلك أن الحفاظ على النظام العام يقصد به كل ما من شأنه أن يضمن ويحقق هذه الغاية التي ترتبط بوقائع وقضايا تهم عموم الناس، ومصلحة الناس التي تتحقق بتقديم الموثق النصح لهم وتوضيح الصورة الكاملة للعقود التي يقدمون على توقيعها، حتى ما إذا ظهرت الأمور واضحة وتحققت لهم مصالح من هذه العقود أجروها على النحو الصحيح، وهي التفاتة قيمة من هذا القانون بنصه على تقديم النصح في المادة37، تنطبق الغايات التي تحققها مع الاستعانة بترجمان مقبول لدى المحاكم عند وجود صعوبة في تلقي العقود أو الاستعانة بأي شخص يراه الموثق أهلا لتحيق تلك الغايات عند تعذر وجود ترجمان محلف([21]).
- ثانيا: قا نون ا لتوثيق ور عاية المصلحة الخاصة:
كما سبق توضيح بعض الرؤى المصلحية العامة التي تفهم بالأصل والتتبع من نصوص القانون، فإن هذا القانون اهتم أيضا بزاوية المصلحة الخاصة للموثق، يظهر ذلك جليا في عدد من مواده، منها المادة9 التي تنص على أن الموثق “يعفى من المباراة والتمرين والاختبارات والامتحان المهني([22]) للموثقين الذين انقطعوا عن ممارسة المهنة لمدة لا تتجاوز10 سنوات بسبب لا علاقة له بما يمس شرفها كالمرض أو أداء خدمة عمومية…”، فإذا عرض طارئ للموثق لا يؤثر على شرف المهنة الذي يستوجب الحرص على أدائها بما يضمن حقوق الناس، فإن نص القانون يعفيه من إجراء المباراة من جديد وقضاء فترة تمرين بمكتب موثق، مادامت فترة الانقطاع لم تتجاوز10 سنوات، فإذا تجاوزها – وبحكم طول المدة التي ترتب ظهور تشريعات وقوانين جديدة- فإنه يقضي طبقا للفقرة الثانية من المادة أعلاه، فترة تمرين لا تتعدى سنة بأحد مكاتب التوثيق، الغرض منها تعرف الموثق على التشريعات والنصوص التي تظهر خلال هذه المدة، وهو أمر يخدم مصلحته من باب أولى، لأداء مهنته في أحسن الظروف.
كما خول له المشرع بنص المادة12 مزاولة مهامه بجميع تراب المملكة، دون تخصيص أو تحديد بمكان الازدياد أو السكن، وهو الأمر الذي يرتبط بمسطرة التعيين التي يخضع لها الموثق([23]) من طرف لجنة منصوص عليها في المادة11.
كما تظهر مصلحة الموثق أيضا في المادة 18، التي أعطته الحق في “انقطاع مؤقت” عن ممارسة المهنة، إذا انتابه عارض أو مرض حال دون ممارسته للمهنة، حيث يمكن للرئيس الأول لمحكمة الاستئناف- في حالة الموافقة- على ملتمس الموثق، أن يعين موثقا ينوب عنه خلال هذه الفترة، يمكن خلالها “النائب من ثلث الأتعاب الواجبة عن العقود والمحررات التي أنجزها أو تلقاها”، حيث يساعده هذا الأمر على بقاء مكتبه مفتوحا يؤدي مهامه رغم انقطاعه المؤقت عن ممارسة المهنة، ونفس الأمر ينطبق عن طلب إعفائه من مزاولة المهنة، إذا انتابه عارض، حيث تظهر المصلحة هنا بنص المادة22 على إرجاع الموثق عند زوال السبب الذي أدى به إلى طلب إعفائه كالمرض، أو بعض العلائق الاجتماعية التي قد تدفع به إلى التوقف عن ممارسة المهنة خلال فترة معينة، وهي المصلحة التي لا نلحظها في العديد من القوانين الأخرى، واهتم بها قانون التوثيق.
كما لم يكتف بالعناية بالمصلحة الخاصة للموثق حال حياته، بل راعاها أيضا حال وفاته، من خلال حفظ حقوقه المعنوية التي تؤدى له إن وجد أو لورثته في حالة تعويضه بموثق آخر يشغل مكتبه، والمتضمنة في الاسم التجاري والعلاقات الاجتماعية التي اكتسبها الموثق خلال فترة عمله بالمكتب، حيث نصت المادة58 في الفقرة الخامسة على أنه: “يجب على الموثق الخلف إذا كان سيزاول مهامه بنفس مكتب الموثق الذي تم تعويضه، أن يسلم هذا الأخير أو ورثته في حالة الوفاة، مقابلا لتعويض قيمة العناصر المادية والمعنوية المرتبطة بتسيير المكتب والواجبات المستحقة عن تسليم النظائر والنسخ”، فاتضحت بهذا النص القانوني الحكمة التي نظر إليها المشرع من تنصيصه على تعويض الموثق المعوض أو وورثته عند وفاته، وهي المعبر عنها ب”قيمة العناصر المادية والمعنوية”، التي اكتسبها الموثق من خلال العلاقات الاجتماعية والثقة التي جعلت من مكتبه وجهة للمتعاقدين.
وفي إطار المسؤولية الملقاة على عاتق الموثق، والتي ترتبط بالتعرف على هوية الأشخاص المتعاقدين أو الشهود، فقد خول له هذا القانون حماية لمصلحته الشخصية من الوقوع في الأخطاء التي قد تؤثر على قوة العقود التي يحررها، التحقق “من هوية الأطراف وصفتهم وأهليتهم للتصرف ومطابقة الوثائق المدلى بها إليه للقانون”، بالكيفية التي تمكنه من تحقيق هذه الغاية، مع ملاحظة أن المادة37 التي نصت على جواز هذا الإجراء، تركت الكيفية والمنهجية تحت مسؤوليته، نظرا للآثار الذي تفرضها العقود التي يتلقاها.
ولتأكيد هذه المصلحة، نجد المادة94 تنص على جوانب مهمة تتعلق بتنظيم صندوق الضمان المحدث بموجب الفصل “39” من الظهير الشريف الصادر في 10 شوال1343 ه (04 ماي 1925) المتعلق بتنظيم مهنة التوثيق، حيث تم تنظيمه بنص المواد94 -95 -96 من القانون، وأطلق عليه اسم “صندوق ضمان الموثق”.
ويهدف المشرع بتنظيم هذا الصندوق، الذي أصبح يسيره صندوق الإيداع والتدبير، “إلى ضمان أداء المبالغ المحكوم بها لفائدة الأطراف المتضررة في حالة عسر الموثق أو نائبه وعدم كفاية المبلغ المؤدى من طرف شركة التأمين للتعويض عن الضرر أو عند انعدام التأمين”، بينما تتكون موارده من: “مبلغ الفوائد المتأتية من الحسابات المفتوحة الخاصة من قبل الموثقين بصندوق الإيداع والتدبير، مساهمة مدفوعة من قبل كل موثق عن كل عقد تسلمه ويحدد مبلغها من قبل المجلس الوطني لهيئة الموثقين …”.
ومن خلال القراءة الأولية في الأهداف التي بموجبها تم تنظيم العمل بهذا الصندوق- في انتظار صدور بعض النصوص التنظيمية- تتضح المعاني الخاصة التي يحققها هذا الصندوق لتفادي تعرض عدد من الموثقين خلال مسارهم المهني إلي أخطاء من شأنها التعسير عليهم، خاصة في حالة عدم وجود تأمين، أو كون الضرر الملحق بالغير لا تستوعبه شركة التأمين، فضمانا لحقوق الناس، وحماية لمصلحة الموثق يقوم صندوق ضمان الموثق بالتدخل لفائدته وتعويض المتضررين جراء خطأ الموثق.
- ثا لثا: تعارض مصلحة خاصة مع عامة
يرمي التشريع الإسلامي إلى صلاح الفرد والجماعة، وإذا تعارضت مصلحة الفرد مع مصلحة الجماعة قدمت هذه الأخيرة، يقول الإمام الشاطبي (ت790ه) رحمه الله: “إن تقديم المصلحة العامة على المصلحة الخاصة مقصد شرعي وأصل كلي لم يؤخذ من نص واحد ولم يدل عليه دليل معين، وإنما أخذ معناه من عدة نصوص وجملة أدلة بطريق الاستقراء الذي يفيد القطع”([24])، فلم يدل دليل منها على هذا الأصل أو المقصد بانفراده، ولكنه يؤخذ من مجموع هذه النصوص وتلك الأحكام.
ومن النصوص القانونية التي تجسد هذه العلاقة بين المصلحة الخاصة للموثق، والمصلحة العامة، يمكن التمثيل بالمادة 18 التي بينت توجه المشرع بتغليب المصلحة العامة، حيث أجازت “للموثق إذا انتابه عارض أو مرض حال دون ممارسته مهنته أن يلتمس من الرئيس الأول لمحكمة الاستئناف المعين بدائرة نفوذها، اعتباره في حالة انقطاع مؤقت عن ممارسة المهنة”([25])، وهي المصلحة الخاصة للموثق الذي يكون من حقه في هذه الحالة عدم إعفائه من المهنة والاكتفاء باعتباره منقطعا بشكل مؤقت، بحيث يحق له بعد ذلك الرجوع لممارسة المهنة بعد زوال العارض أو المانع، “ويعين الرئيس الأول- في حالة الموافقة- موثقا آخر للنيابة عن الموثق المعنى بالأمر بعد أخذ رأي الوكيل العام للملك لدى نفس المحكمة ورئيس المجلس الجهوي”([26]) وهي المصلحة العامة التي تقتضي استمرار المزاولة بالمكتب ضمانا لحقوق الناس التي تجري تصرفاتهم بشكل دائم لا يخضع لعوارض الموثق الطبيعية والإنسانية، وهو نظر مصلحي يقوم على أساس الفهم المقاصدي لنصوص الشريعة، والذي تؤكده مواد أخرى، منها المادة29 التي جاء فيها أنه: “إذا امتنع الموثق عن القيام بواجبه تحمل مسؤولية الضرر المترتب عن هذا الامتناع”، فتحمله لمسؤولية الضرر يوضح العلاقة التعارضية بين مصالحه الخاصة والعامة، التي نص المشرع على تقديمها بتحمله مسؤولية الضرر الذي يلحق الجماعة جراء امتناعه عن القيام بواجبه المهني الذي يتقاضى عنه تعويضا، والذي يمكن اعتباره أمرا خاصا أو مصلحة خاصة به قد يمتنع عنها، لكن إذا شكل هذا الامتناع ضررا يلحق المتعاقدين عموما تحمل هذا الضرر.
ومن مصلحة الموثق الخاصة توثيقه لعقود زوجه أو أقاربه عموما، لكن المشرع حماية لمصلحة العامة وتقديمها لها، وسداً لذريعة ما قد يرتبه تلقي عقود تتضمن مصالح شخصية له أو لأحد أقاربه، نص المشرع في المادة 30 على أنه: “يمنع على الموثق أن يتلقى عقدا في الحالتين التاليتين:
- إذا كانت له أو لزوجه أو لأصوله أو لفروعه مصلحة شخصية مباشرة أو غير مباشرة في العقد.
- إذا وجدت قرابة أو مصاهرة بينه أو بين زوجه أو لأصوله أو لفروعه مع أحد الأطراف إلى الدرجة الرابعة بإدخال الغاية”.
بل يطال المنع طبقا للمادة 31 الموثقين المتشاركين الذين يزاولون مهامهم بمكتب واحد، حيث يمنع عليهم “تلقي العقود التي يكون أحدهم أو زوجه أو أحد أقاربهم أو أصهارهم إلى الدرجة المحظورة المشار إليها في المادة السابقة طرفا فيها أو معنيا بها”([27]).
فهذا المنع لا يمكن الحديث عنه إلا في إطار التعارض الذي يوجبه أمر تغليب مصلحة الجماعة التي هي مصلحة الأطراف المتعاقدة والآثار التي تظهر لها بعد ذلك، على المصلحة الشخصية للموثق أو لأحد أقاربه أو لأحد أقارب شريكه بالمكتب، بل يمكن اعتبار هذا المنع أصلا كليا في فهم الآثار السلبية التي قد تتحقق بالعقود من هذا القبيل([28])، ويلحق بهذا المنع تضمينه العقود “مقتضيات تترتب عنها منفعة شخصية له أو لزوجه أو أقاربه أو أن يشترط فيها منفعة شخصية”([29]).
وإذا كان من حق الموثقين إبرام عقد مشاركة بينهم في إطار نفس الدائرة التي يشتغلون بها من حيث إدارة وتسيير المكتب بواسطة هذا العقد الذي يحدد الوسائل اللازمة لممارسة المهنة طبقا لأحكام المادة59 ، التي تنص في الفقرة الثانية على أن هذه المشاركة ينبغي أن لا تكتسي شكل شركة تجارية، لأن من شأن هذا الأمر الإضرار بمصالح الناس، مادامت الجوانب التجارية ترتبط من حيث الشكل بالاسم، والعلامة، ومن حيث الجوهر بالربح الذي قد يحققه إفشاء السر المهني، والذي يعتبر من الضوابط الأساسية لهذه المهنة، ولذلك نصت المادة 60 على أنه: “يمكن لوزير العدل أن يطلب من الموثقين تعديل اتفاقهم إذا اعتبره منافيا لقواعد المهنة”، وبالتالي يضر بالمصلحة العامة التي تدخلت هذه المادة بحمايتها من المصلحة الخاصة التي قد يكتسبها الموثق على حسابها من خلال إبرام عقد شركة مع موثق أو موثقين آخرين.
وختاما، فإن القراءة المقاصدية لهذا القانون توضح بجلاء رعايته لمفهوم المصلحة العامة والخاصة، وتؤكد رعايته لتدبير التعارض بين المصلحة العامة والخاصة وفق ما فهمه علماء الشريعة من استقراء النصوص الشرعية عموما، وهي القراءة التي ينبغي على المشرع في نظرنا أن يقف عندها عند تنزيل النصوص القانونية حتى يظل الانسجام بينا ومتينا مع روح الشريعة الإسلامية، التي ظهر بالاستقراء رعايتها لهذه المفاهيم.
[1] قدم إلى أشغال الندوة الوطنية حول ملامح النظام الوقفي المغربي الجديد، ونشر ضمن مجلة القبس العدد الرابع.
[2] مقال مدونة الوقف المغربية ورعاية المصالح العامة والخاصة لصاحب البحث، العدد الرابع من مجلة القبس للدراسات القانونية والقضائية يناير 2013.
[3] المادة3 من القانون.
[4] المادة 6 من القانون.
[5] المادة 5 من القانون.
[6] المادة 5 من القانون.
[7] تنص المادة 13 على أنه: “يمارس الموثق مهامه بمجموع التراب الوطني، غير أنه يمنع عليه تلقي العقود وتوقيع الأطراف خارج مقر مكتبه”.
[8] المادة 20 من القانون.
[9] المادة 22 من القانون.
[10] نفسه.
[11] المادة 26 من القانون.
[12] نفسه.
[13] سورة النساء الآية 29.
[14] المادة 33 من القانون نفسه.
[15] نفسه
[16] المادة 34 من القانون.
[17] تنص المادة 36 على أنه: “تتضمن العقود التي يتلقاها الموثق على الخصوص: – الأسماء الكاملة للأطراف بما فيها اسم الأب والأم وباقي الموقعين على العقد، ولا يسمح باختصارها إلا إذا سبق في العقد ما يوضحها مرة واحدة على الأقل وبيان موطنهم وتاريخ ومكان ولادتهم وجنسيتهم ومهنتهم ونوع الوثيقة الرسمية التي تثبت هويتهم ومراجعها وحالتهم العائلية والنظام المالي للزواج بالنسبة للأطراف عند الاقتضاء…”.
[18] الفقرة الرابعة من المادة 36.
[19] الفقرة الثانية من المادة 41.
[20] المادة 43.
[21] تنص المادة38 : ” يستعين الموثق بترجمان مقبول لدى المحاكم عند وجود صعوبة في التلقي وفي حالة تعذر وجود ترجمان يمكن الاستعانة بكب شخص يراه الموثق أهلا للقيام بهذه المهمة شريطة قبوله من طرف المعني بالترجمة..”.
[22] طبقا للمادة 3- 6- 7.
[23] طبقا للمادة 10.
[24] الموافقات 2/34. مرجع سابق.
[25] المادة 18 من القانون.
[26] نفسه.
[27] المادة 31 من القانون.
[28] ولم يكتف القانون بمنع الموثق بتلقي هذه العقود بل رتب -زيادة في الاحتياط- حماية للمصلحة العامة، في المادة 49 عقوبات تأديبية وزجرية في حالة لمخالفته لهذه الأحكام، واعتبر العقد المخالف للمواد أعلاه مجرد عقد عرفي يوجب الحق في مطالبة الموثق بالتعويض.
[29] الفقرة السابعة من المادة 34.


