-دراسة مقارنة-

الرجراجي زكرياء

كلية العلوم القانونية والاقتصادية والاجتماعية بمكناس

الحجز العقاري مؤسسة قانونية تحمي الائتمان من خلال تشجيع المؤسسات المقرضة على التعامل مع زبنائها بكل ثقة لكونها تعلم أن مصير المدينين لها معرضين للحجز في حالة النكول عن الوفاء، الشيء التي يمكنها من استرجاع ديونها، بل إن الحجز العقاري يحتل نفس مكانة الضمانات العقارية كالرهن الرسمي، ولهذا إذا كان استخلاص الديون بنفس مرونة الحصول على القروض كان للحجز العقاري آنذاك دورا في تشجيع الائتمان والذي من شأنه أن يحقق نهضة اقتصادية بسبب وفرة السيولة للمقاولات والمستثمرين والمنعشين العقاريين.

ويعرف الحجز العقاري بكونه مسطرة من خلالها يتم وضع أموال المحجوز عليه العقارية تحت يد القضاء بشكل تحفظي أو تنفيذي، وذلك بهدف منعه من التصرف فيها تصرفا ضارا بحقوق الدائن أو الدائنين الحاجزين.

ولا يمكن سلوك مسطرة الحجز العقاري إلا بتوافر ثلاثة أركان موضوعية متمثلة في محل الحجز-عقار-وأطراف الحجز -الحاجز والمحجوز عليه -ثم سندات بموجبها يتم الشروع في إجراءات الحجز العقاري وهي التي سنقتصر عليها في تحليلنا.

تعتبر سندات الحجز العقاري بمثابة محررات مكتوبة تتضمن بيانات معينة وفق شكل خاص يحدده القانون، وقد يكون مضمون الالتزام فيها هو القيام بعمل أو الامتناع عن القيام به وهذا هو محل الالتزام في التنفيذ المباشر والتي يخرج عن موضوعنا، أما السندات التي تعنينا فهي تلك التي يلتزم فيها المدين بأداء مبلغ من النقود وتشكل السبب المباشر في التنفيذ .

إن موضوع السندات المرتبطة بمنازعات الحجز العقاري يهدف بالأساس إلى إبراز مدى حرص المشرع المغربي على تقوية الائتمان العقاري من خلال حماية بعض الدائنين المساهمين في التنمية الاقتصادية والاجتماعية وذلك حتى في الحالات التي لا يتوفر فيها طالب الحجز العقاري على حكم كسند تنفيذي.

وحتى يتسنى لنا الجواب على هذا التساؤل سنقف على سندات الحجز العقاري كأحد الأركان الموضوعية في مسطرة الحجز العقاري وفق الخطة التالية:

المحور الأول: سندات الحجز التحفظي العقاري

المحور الثاني: سندات الحجز التنفيذي العقاري

الحمور الأول : سندات الحجز التحفظي العقاري

لم يعرف المشرع المغربي الحجز التحفظي على عكس المشرع الجزائري الذي عرفه في المادة 646 من قانون الإجراءات المدنية والإدارية ([1]) والتي جاء فيها أن: ” الحجز التحفظي هو وضع أموال المدين المنقولة المادية والعقارية تحت يد القضاء ومنعه من التصرف فيها، ويقع الحجز على مسؤولية الدائن “.

ونشير إلى أنه لا يمكن الترخيص بالحجز التحفظي إلا إذا كان بين يدي طالبه دليلا على أن له دينا اتجاه مدينه، والمشرع المغربي كباقي التشريعات المقارنة لم يتشدد في طبيعة هاته السندات، حيث أنه لم يشترط في السند التي بموجبه يتم توقيع الحجز التحفظي أن يكون سندا تنفيذيا ولا رسميا، بل يكفي فيه أن يكون دليلا مكتوبا، ويمكن تصنيف هاته السندات إلى صنفيين:

أولا : السندات القضائية

السندات القضائية هي مجموع الأحكام والقرارات، والأوامر الصادرة عن جهاز القضاء والفاصلة في المنازعات المعروضة عليه:

  1. الأحكام والقرارات غير الانتهائية

جميع الأحكام والقرارات الصادرة عن مختلف المحاكم تشكل سندات قضائية، بموجبها يمكن طلب الحجز التحفظي على عقارات المدين، هذا حتى ولو كانت تلك الأحكام والقرارات قابلة للطعن فيها بالتعرض أو الاستئناف، بل حتى ولو طعن فيها فعلا.

فمادام أن الحجز التحفظي هو إجراء وقتي ولا يمس بأصل الحق فلم يشترط فيه المشرع أن يكون الدين محدد المقدار، وهو ما أكده أمر صادر عن رئيس المحكمة الابتدائية بمكناس جاء فيه :” وحيث إن رئيس المحكمة يصدر الأمر المبني على الطلب بالحجز التحفظي ويحدد الأمر المذكور ولو على وجه التقريب مبلغ الدين الذي رخص الحجز بسببه … ([2]).

كما لا يشترط في الدين أن يكون ثابتا لتوقيع الحجز التحفظي بل يكفي فيه شبهة المديونية كمقال الدعوى أو فاتورات . ولهذا فبمجرد صدور الأحكام وتسليم كتابة الضبط نسخة عادية مطابقة للأصل يمكن المطالبة بتوقيع الحجز التحفظي بناء عليها حتى لو كانت نسخة عادية وليس من أجل التنفيذ.

2- الأوامر الاستعجالية

عرف الأستاذ عبد اللطيف هداية الله ([3]) القضاء الاستعجالي بأنه : “فرع متميز ومستقل عن العمل القضائي العادي وعن التنفيذ القضائي، وهو ذو مسطرة مختصرة واستثنائية وسريعة، ومصاريف قليلة، يسمح لمدع برفع دعوى استعجالية أمام قاض يعرف بقاضي الأمور المستعجلة، يختص بالبت بصورة مؤقتة ودون المساس بالموضوع في كل نزاع يكتسي صبغة الاستعجال “.

والأوامر الاستعجالية الصادرة في إطار القضاء الاستعجالي لا تشكل سندات تنفيذية وإنما سندات صالحة فقط لتوقيع الحجز التحفظي ([4])، وذلك نظرا لكون قاضي المستعجلات لا يفصل في جوهر النزاع ولا يصدر إلا أوامر وقتية، وبعد صدور هذا الأمر يجب على المستفيذ منه أن يرفع دعوى التصديق على الحجز أمام قضاء الموضوع من أجل الحصول على السند التنفيذي.

عموما، كل شخص صدر لصالحه أمر استعجالي كالأوامر القاضية بطرد المكتري التي استعمل العقار المخصص للسكنى لعقار يمارس فيه نشاط تجاري أو صناعي ([5])… فمثل هاته الأوامر تكون صالحة لتوقيع الحجز التحفظي على عقارات المكتري المدين بأجرة الكراء.

ثانيا : السندات غير القضائية

لقد منحت التشريعات الحديثة وفق شروط معينة الثقة في بعض السندات التي يمكن بموجبها توقيع الحجز رغم أنها لم تصدر عن القضاء، ومن أمثلة ذلك العقود الرسمية والأوراق التجارية.

1–العقود الرسمية

جاء في الفصل 418 من ق.ل.ع المغربي أن:” الورقة الرسمية هي التي يتلقاها الموظفون العموميون الذين لهم صلاحية التوثيق في مكان تحرير العقد، وذلك في الشكل الذي يحدده القانون “.

وعرف المشرع الجزائري من خلال المادة 324 من القانون المدني ([6]) العقد الرسمي بما يلي:” العقد الرسمي عقد يثبت فيه موظف أو ضابط عمومي أو شخص مكلف بخدمة عامة ما تم لديه أو ما تلقاه من ذوي الشأن وذلك طبقا للأشكال القانونية وفي حدود سلطته واختصاصه “.

فمن خلال ما تقدم يتبين أن للعقد الرسمي ثلاثة شروط :

1- أن يحرره موظف عام أو ضابط عمومي أو شخص مكلف بخدمة عامة.

2 – أن يكون الموظف أو الضابط أو الشخص المكلف بالخدمة العامة مختصا من حيث الموضوع والمكان في تحرير العقد.

3- أن يراعي في تحرير العقد ما أوجبه القانون من شروط شكلية وموضوعية بمعنى أن يحرره وفقا للإجراءات الشكلية التي قررها المشرع، وحسب ما تقتضيه القوانين المنظمة لموضوع العقد.

ومن جهته فالمشرع الفرنسي أكد في الفقرة الرابعة من المادة 3 من قانون المساطر المدنية للتنفيذ ([7]) على أن العقود المحررة من طرف الموثقين بمثابة سندات تنفيذية ولا تحتاج لمراجعة القضاء ([8])، حيث نصت هاته المادة على ما يلي:

“Seuls constituent des titres exécutoires : … Les actes notariés revêtus de la formule exécutoire”

نفس الأمر في التشريع السوري حيث اعتبر قانون أصول المحاكمات أن الأسناد الرسمية بمثابة سندات تنفيذية كأسناد الدين المنظمة من قبل كاتب العدل ([9])، وعقود الرهن والتأمين العقاري المنظمة مباشرة من قبل رؤساء المكاتب العقارية.

ويطرح السؤال أمام غياب نص صريح في التشريع الوطني حول طبيعة العقود الرسمية، فهل هي سندات تنفيذية أم أنها سندات تخول فقط إمكانية الحجز التحفظي دون التنفيذي؟

بالنسبة لبعض التشريعات المقارنة كانت صريحة في هذا الباب، حيث نجد مثلا المادة 280 من قانون المرافعات المصري تنص على أنه: “… السندات التنفيذية هي الأحكام والأوامر والمحررات الموثقة ومحاضر الصلح التي تصدق عليها المحاكم أو مجالس الصلح والأوراق الأخرى التي يعطيها القانون هذه الصفة …”.

وجاء كذلك في المادة 600 من قانون الإجراءات المدنية والإدارية الجزائري أن العقود التوثيقية بمثابة سندات تنفيذية.

وهكذا ففي كل من التشريع المصري والجزائري يجوز التنفيذ على عقارات المدين دونما حاجة إلى مراجعة القضاء لاستصدار حكم وفق العقود الرسمية.

أما على المستوى الوطني يتساءل الأستاذ الطيب برادة ([10]) حول مدى إمكانية اعتبار العقود الرسمية بمثابة سندات تنفيذية في التشريع المغربي، وفي هذا الصدد يقول : ” الظاهر أن المشرع لم ينص على ذلك- أي لم ينص على أنها سندات تنفيذية – كما أنني لم أعثر عمليا في المحاكم التي زرتها على مثل هاته القضايا وإن كنت أرى أنه يمكن الأخذ بها والتنصيص عليها في تشريعنا كسندات تنفيذية …”

وإذا كان المشرع المغربي لم يفصح عن كون العقود الرسمية سندات تنفيذية، فالواقع العملي يبين أن صاحب هاته العقود ملزم بالرجوع إلى القضاء من أجل الحصول على حكم قبل الشروع في التنفيذ على مدينه.

ويرى الأستاذ عبد العلي حفيظ([11]) ” أن العقود الرسمية المحررة من قبل الموثقين العصريين بالمغرب بمثابة سندات تنفيذية بدليل أن الفصل 20 من ظهير 4 ماي 1925 المتعلق بتنظيم شؤون محرري الوثائق يحيل على الفصل 19 من القانون الفرنسي ([12]) هذا الأخير يؤكد القوة التنفيذية لهاته السندات .

رغم ذلك ينتهي إلى القول أن الواقع العملي يؤكد أنها ليست سندات تنفيذية، وبالتالي لا يخدم ذلك الائتمان العقاري لكون الدائن سيجد نفسه مجبرا على اللجوء إلى القضاء رغم أنه يتوفر على دليل رسمي لا يطعن فيه إلا بالزور.

وهذا عكس العقود المبرمة بالخارج التي اعتبرها المشرع المغربي سندات تنفيذية بصريح الفصل 432 من ق.م.م حيث نص على أنه: “تكون العقود المبرمة بالخارج أمام الضباط والموظفين العموميين المختصين أيضا قابلة للتنفيذ في المغرب بعد إعطائها الصيغة التنفيذية ضمن الشروط المقررة في الفصول السابقة “.

الخلاصة أن العقود الرسمية بالخارج تحتاج فقط إلى الصيغة التنفيذية وبموجبها يمكن اللجوء إلى الحجز التحفظي أو التنفيذي، بينما العقود الرسمية المبرمة داخل تراب المملكة لا يمكن لصاحبها سوى طلب الحجز التحفظي والتوجه نحو قضاء الموضوع إذا رغب في التنفيذ على مدينه.

ونرى أنه من المفروض على المشرع الوطني التدخل من أجل إضفاء الصبغة التنفيذية على العقود الرسمية خدمة للتنمية الاقتصادية والاجتماعية من خلال الثقة التي ستمنح للدائنين عامة وللمؤسسات المقرضة خاصة والتي سيكون بمقدورها تحصيل ديونها بشكل مباشر كما لو كانت تملك حكما دونما حاجة لاستصدار حكم بناء على سند رسمي.

2-الأوراق التجارية

لقد نظم المشرع المغربي الأوراق التجارية بموجب الكتاب الثالث من مدونة التجارة ([13])، وعرفها الفقه بكونها محررات مكتوبة قابلة للتداول ([14])، تمثل حقا نقديا واجب الدفع بمجرد تقديمها للمسحوب عليه، أو بعد أجل قصير أو طويل، وهي بمثابة أداة للائتمان والوفاء.

وتتمثل هاته الأوراق التجارية في الشيكات والكمبيالة، والسندات لأمر، وهي لا تخول حاملها سوى الحق في المطالبة بالحجز التحفظي ([15]) على عقارات المدين دون الحجز التنفيذي.

وبما أن الأوراق التجارية سندات عادية ولا تتضمن سوى مبلغ من النقود لصالح المستفيذ منها فإنه يحق لهذا الأخير اللجوء إلى رئيس المحكمة التجارية للمطالبة بتوقيع الحجز التحفظي على عقارات الملزم بأدائها طبقا لقواعد القانون الصرفي، حيث جاء في الفصل 208 من مدونة التجارة ([16]) أن حامل الكمبيالة يجوز له ممارسة حجز تحفظي في مواجهة الساحبين والقابلين والمظهرين، طبعا يتم ذلك بعد أن يمارس مسطرة احتجاج عدم القبول أو عدم الوفاء أمام مأمور كتابة ضبط المحكمة.

في هذا الصدد صدر عن رئيس المحكمة الابتدائية بوجدة حجز تحفظي عقاري بناءا على شهادة رفض أداء قيمة شيك يحمل مبلغ20.000 درهم ([17]).

كما قضت المحكمة الابتدائية بمكناس ([18]) بتوقيع الحجز التحفظي بناءا على وثيقة اعتراف بالدين وسبع شيكات .

وفي التشريع الأردني نجد أن للأوراق التجارية قوة تنفيذية بموجب المادة السادسة من قانون التنفيذ ([19])، ويمكن للدائنين مراجعة دوائر التنفيذ لاستحصال مبالغها دون ما حاجة إلى استصدار حكم من المحكمة ([20]).

ونفس الأمر بالنسبة للتشريع الجزائري الذي اعتبر بمقتضى المادة 600 من قانون الإجراءات المدنية والإدارية الشيكات والسفاتج سندات تنفيذية بعد التبليغ الرسمي للاحتجاجات إلى المدين طبقا لأحكام القانون التجاري .

كما سار المشرع الفرنسي في نفس اتجاه المشرع الجزائري من خلال الفقرة الخامسة من المادة 3 من قانون المسطرة المدنية للتنفيذ عندما أدرج الشيكات ضمن السندات التنفيذية في حالة عدم الأداء، حيث نصت هاته المادة على ما يلي:

” Seuls constituent des titres exécutoires :

1-……………………….

– 5Le titre délivré par l’huissier de justice en cas de non paiement d’un chèque “.

وما يلاحظ على النص الفرنسي أنه لم يعتبر الشيك في حد ذاته سندا تنفيذيا، وإنما يجب على صاحب الشيك بعد تسلمه شهادة عدم الأداء من طرف المؤسسة البنكية أن يتم تبليغ تلك الشهادة لساحب ذلك الشيك، وهذا التبليغ بمثابة أمر بالأداء، فإذا مر أجل خمسة عشر يوما على تاريخ توصل هذا الأخير دون الوفاء فإن العون القضائي يسلم سندا تنفيذيا لحامل الشيك يمكنه من اللجوء إلى التنفيذ الجبري ضد المدين بما في ذلك الحجز على أمواله ([21]).

واكتفى المشرع المغربي في المادة 301 من مدونة التجارة بالإشارة إلى أن حامل الشيك يحق له أن يمارس حجزا تحفظيا في مواجهة الموقعين على الشيك، وبعد مرور ثلاثين يوما من الحجز دون جدوى يجوز طلب بيع الأشياء التي حجزت، فلا توجد أية إشارة على أن حامل الشيك يحوز السند التنفيذي بمجرد عدم الوفاء كما فعل المشرع الفرنسي.

المحور الثاني: سندات الحجز التنفيذي العقاري

عرف الفقيهان ([22])Roger Perrot وPhilippe Théry السندات التنفيذية بكونها محررات تسلم باسم السلطة وتخول صاحبها سلوك مسطرة التنفيذ الجبري لاقتضاء الحق الذي تتضمنه.

ونص المشرع المصري في المادة 280 من قانون المرافعات على أنه: “لا يجوز التنفيذ الجبري إلا بسند تنفيذي اقتضاء لحق محقق الوجود ومعين المقدار وحال الأداء.

والسندات التنفيذية هي الأحكام والأوامر والمحررات الموثقة ومحاضر الصلح التي تصدق عليها المحاكم أو مجالس الصلح والأوراق الأخرى التي يعطيها القانون هذه الصفة “.

إذن يتبين أن السند التنفيذي بمقتضاه يمكن للدائن حجز وبيع عقارات مدينه على عكس السندات التحفظية التي لا تمكن صاحبها سوى من اتخاذ إجراءات تحفظية دون حق التنفيذ بالبيع في المزاد العلني.

وإذا كانت السندات التحفظية غير محصورة ([23]) فإنه في المقابل تكون السندات التنفيذية واردة على سبيل الحصر في التشريعات وذلك حماية للمدين، ولهذا فالنص القانوني هو الذي يمنح القوة التنفيذية لها.

ويشترط وجود السند التنفيذي كمسألة لازمة وضرورية قبل الشروع في التنفيذ لإبعاد أي تعسف ضد المنفذ عليه، كما أنه لا يجوز الشروع في التنفيذ إلا بناء على صورة من السند التنفيذي عليها صبغة التنفيذ.

عموما، السندات التنفيذية محررات مكتوبة حددها القانون على سبيل الحصر، ولا يجوز للأفراد الاتفاق على تغييرها ما لم يتعلق الأمر بالاتفاق على عدم تنفيذها أو إسقاط الحق فيها.

ولتفصيل الحديث عن هاته السندات ارتأينا دراستها في نقطتين:

أولا: المقررات القضائية

سبق وأن قلنا أن المقصود بالمقررات القضائية في منازعات الحجز العقاري هي كل ما يصدر عن القضاء من أحكام وقرارات وأوامر تقضي بحل المنازعات التي يكون موضوع الدعوى فيها هو أداء مبلغ من النقود.

لكن ليس كل ما صدر عن القضاء في هذا الإطار يصلح لأن يكون وسيلة وسببا مباشرا في التنفيذ، بل لابد من توافر شروط القوة التنفيذية في ذلك السند، وبالتالي فالأحكام والقرارات التحكيمية، والأوامر الاستعجالية وأوامر الأداء لا يمكن التنفيذ بناء عليها إلا إذا كانت لها قوة الشيء المقضي به.

1–الأحكام والقرارات الحائزة لقوة الشيء المقضي به

الحكم هو أهم السندات التنفيذية على الإطلاق، فهو صالح لكافة أنواع التنفيذ سواء بطريق الحجز ونزع الملكية الجبري، أو بالطريق المباشر، وذلك حسب طبيعة الحق الموضوعي الواجب اقتضاءه، وما يهمنا من هاته الأحكام هي التي يكون محلها أداء مبلغ من النقود.

وقبل ذلك تنبغي الإشارة في البداية إلى أن الأحكام والقرارات على ثلاثة أنواع ([24]):

1– الأحكام المقررة أو التقريرية التي تقضي بوجود مركز قانوني أو عدم وجوده دون إلزام المحكوم عليه بشيء، كالحكم بزورية ورقة أو الحكم بثبوت الملكية أو ببراءة الذمة أو بصحة عقد أو بطلانه …

2– الأحكام المنشئة التي تقرر مركز قانوني لأحد الخصوم أو تعديله كالحكم بالتطليق أو الحكم بالإفلاس، أو الحكم بالشفعة أو الفسخ القضائي لعقد، فالحكم المنشئ إما أنه ينشئ حقا معينا أو يعدله أو ينهيه.

3- الأحكام الملزمة ([25]) : وهي التي تقضي على المحكوم عليه لصالح المحكوم له بأداء مبلغ مالي أو القيام بعمل أو بإفراغ …، وهاته الأحكام هي التي لها علاقة بموضوع البحث وتكون قابلة للتنفيذ الجبري عن طريق الحجز إذا كان مضمونها أداء مبلغ من النقود.

فالأحكام المقررة والمنشئة أحكام نافذة بمجردة صدورها ([26]) ويمكن الاحتجاج بها ولكنها لا تقبل التنفيذ الجبري، على عكس الأحكام الملزمة التي تحتاج لوقت معين بعد صدورها خاصة مرور أجل الطعن.

ونشير إلى أن نفاذ الحكم اعم من تنفيذه، فالنفاذ هو سريان الحكم دونما حاجة إلى قوة جبرية لتنفيذه أي دون اتخاذ أي إجراء أو مقدمة من مقدمات التنفيذ كإعلام المحكوم عليه بالحكم، ولا حاجة للمحكوم له في الحصول على نسخة تنفيذية، بل لا يجوز إعطاء صورة تنفيذية أصلا بما أنه لا يقبل التنفيذ الجبري .

ويشترط في الأحكام الملزمة لتكون سندات تنفيذية أن تحوز قوة الشيء المقضي به ([27])، ويتحقق ذلك بعد تبليغ الحكم إلى المدين كضمانة تسمح له بالتعرف على التزاماته ([28])، فإذا ما مر أجل الطعن يصبح ذلك الحكم سندا تنفيذيا بموجبه يمكن حجز أموال المدين، حيث أن هذا الأخير يصبح معترفا ومقرا بوجود الحق اتجاهه.

أما الأحكام الأجنبية ([29]) فلا تكتسب القوة التنفيذية، ولا تتحول إلى سندات تنفيذية إلا بعد تذييلها بالصيغة التنفيذية من طرف المحكمة الابتدائية لموطن أو محل إقامة المدعى عليه، أو محكمة مكان التنفيذ عند عدم وجود موطن أو محل إقامة هذا الأخير ([30])، ويتم ذلك بحكم صادر في جلسة علنية، وعند صدور القرار القاضي بمنح الصيغة التنفيذية يصبح الحكم الأجنبي سندا تنفيذيا من هذا التاريخ ([31]).

وتنبغي الإشارة إلى أن الأحكام الأجنبية يجب أن يكون موضوعها أداء مبلغ من المال حتى يتسنى تنفيذها على الصعيد الوطني عن طريق الحجز العقاري، بحيث أن النزاعات العقارية كدعوى الاستحقاق أو الحيازة لا يختص بها إلا القضاء المغربي لوجود العقار بتراب المملكة ولا يمكن تنفيذ الأحكام الصادرة في هذا الباب عن المحاكم الأجنبية داخل تراب المملكة ([32]).

عموما لا يمكن لعون التنفيذ أن يشرع في تنفيذ الأحكام إلا إذا كانت تحمل الصيغة التنفيذية وذلك تحت طائلة بطلان إجراءات التنفيذ ([33]).

2– قرارات التحكيم

لم تكن لقرارات التحكيم الوطنية والأجنبية بمجرد صدورها لا القوة التنفيذية ولا الحجية إلا بعد تذييلها بالصيغة التنفيذية وذلك قبل تعديلات 2007 ([34])، حيث أن الفصل 320 من ق-م.م القديم ([35]) كان ينص على أنه: “يصير حكم المحكمين قابلا للتنفيذ بأمر من رئيس المحكمة الابتدائية التي صدر في دائرتها”، أما بعد هذا التعديل أصبحت القرارات التحكيمية لها الحجية بمجرد صدورها ولا تحتاج إلى الصيغة التنفيذية، وهذا ما أكده الفصل 26-327 من ق.م.م الذي جاء فيه:” يكتسب الحكم التحكيمي بمجرد صدوره حجية الشيء المقضي به بخصوص النزاع الذي تم الفصل فيه “.

وبالتالي أصبحت القرارات التحكيمية كالأحكام لا تحتاج إلى تدخل رئيس المحكمة لمنحها الصيغة التنفيذية إلا في حالتين اثنتين ([36]) :

1- عندما يكون أحد أطراف التحكيم شخصا معنويا عاما، وهو ما نص عليه الفصل 26 – 327 من ق.م.م.

2- والحالة الثانية نص عليها الفصل 327-31 من ق.م.م: ” لا ينفذ الحكم التحكيمي جبريا إلا بمقتضى أمر بتخويل الصيغة التنفيذية يصدره رئيس المحكمة الصادر الحكم في دائرتها “.

ونشير إلى أن الفقه اختلف حول الطبيعة القانونية لقرارات التحكيم:

1- فهناك من اعتبرها ذات طبيعة قضائية . ([37])
2- وهناك من اعتبرها ذات طبيعة اتفاقية ([38]).

3- وذهب اتجاه آخر إلى أن اتفاق التحكيم ذو طبيعة مزدوجة ([39])، فهو تعاقد نابع من إرادة الأطراف وهو ذو طابع قضائي لضرورة تدخل القضاء لإعطاء الصيغة التنفيذية.

وما يهمنا مما سبق هو أن القرارات التحكيمية تشكل سندات صالحة لتوقيع الحجز التحفظي والتنفيذي معا، فهي تنزل منزلة الأحكام في القوة التنفيذية، وما على الطرف التي صدر الحكم التحكيمي لصالحه إلا أن يتقدم بطلب توقيع الحجز على أموال المحكوم عليه.

ثانيا : السندات التنفيذية غير القضائية

نظرا لخصوصيات بعض السندات ولما يمكن أن تحققه من دور في التنمية فقد جعلها المشرع بمثابة سندات تنفيذية وإن كانت غير صادرة عن القضاء، هاته السندات تمكن الدائن من اللجوء على وجه السرعة إلى جهاز التنفيذ لاستخلاص حقوقه بدلا من اللجوء إلى القضاء لاستصدار حكم قد يستغرق سنوات مما يؤثر على الائتمان العقاري .

وتبقى هاته السندات التنفيذية غير القضائية متنوعة إلا أننا سنكتفي بدراسة نوعين فقط:

1– الشهادة العقارية الخاصة

الحق في التنفيذ الجبري ينشأ بناءا على السندات التنفيذية، هاته الأخيرة منها ما يتم تحت إشراف القضاء والتي تتمثل أساسا في الأحكام والقرارات والأوامر وغيرها، ومنها ما يبقى خارج نطاق القضاء ورغم ذلك تكون لها نفس قوة الأحكام ([40]) في نظر المشرع .

ومن هذه السندات شهادة التقييد الخاصة بالرهن الرسمي ([41]) المعتمدة في توجيه الإنذار العقاري وذلك عملا بالفصل 204 من ظهير2 يونيو 1915 المطبق على العقارات المحفظة الذي نص على ما يلي:” إن الدائن المحرز على شهادة بتسجيل مسلمة له من طرف المحافظ على الأملاك العقارية طبقا للشروط المنصوص عليها في الفصل 85من الظهير المتعلق بالتحفيظ يمكنه وإن لم يكن بيده سند تنفيذي، طلب إجراء البيع عند عدم الأداء في إبانه، وذلك عن طريق النزع الإجباري لملكية العقار أو العقارات التي سجل الدائن حقه عليها “.

كما جاء في الفقرة الرابعة من الفصل 58 من ظهير التحفيظ العقاري ما يلي:” أما باقي المعنيين بالأمر فليس لهم الحق إلا في تسلم شهادة خاصة ([42]).

ويمكن تعريف الشهادة الخاصة ([43]) بكونها وثيقة أساسية تعتمد عليها مسطرة تحقيق الرهن الرسمي، ويكون الحائز لها في غنى عن اللجوء إلى المحكمة للحصول على حكم بغية تحقيق دينه ([44])، وهي بمثابة سند تنفيذي يخول صاحبه الحق في طلب إجراء البيع الجبري للعقارات المرهونة عند عدم الوفاء بالدين.

وفي هذا السياق قضت محكمة الاستئناف التجارية بالدار البيضاء بالقوة التنفيذية لهذه الشهادة من خلال قرار لها جاء فيه:” حيث أن شهادة التقييد الخاصة هي سند تنفيذي في حد ذاتها وانه لا يوجد أي فصل يلزم باعث الإنذار بالإدلاء بوثائق دون شهادة التقييد الخاصة ([45])”

كما نشير إلى أنه في حالة وجود رهن على عقار محفظ دون حصول الدائن المرتهن على الشهادة العقارية الخاصة فإنه لا يستفيد من إجراءات تحقيق الرهن الرسمي، وهذا ما يتبين من خلال أمر استعجالي صادر عن رئيس المحكمة التجارية بوجدة يؤكد ما يلي: “…لكن حيث إن الطلب لم يدعم بالشهادة الخاصة بالرهن والتي تعتبر السند التنفيذي المعتمد في توجيه الإنذار والوثيقة الأساسية التي تتمحور حولها مسطرة تحقيق الرهن الرسمي فهي التي تجسد الدين وتقوم مقام الحكم بالأداء وبناء عليها يفتح ملف الإنذار” ([46]).

ونتساءل عن إمكانية الحصول على شهادة الرهن الخاصة في حالة ما إذا كان العقار المرهون ما زال في طور التحفيظ ؟ .
جوابا على ذلك ذهب المجلس الأعلى في أحد قراراته إلى ما يلي:” نعم الشهادة الخاصة التي يسلمها المحافظ على الأملاك العقارية والمنصوص عليها في الفصل 204 من ظهير 2 يونيو 1915 لا تعطى إلا لمن له رهن رسمي على عقار محفظ ([47])” وموقف المجلس الأعلى ليس على إطلاقه، بل قيده المشرع المغربي باستثناء مؤسسات القرض العقاري والسياحي التي يمكنها الحصول على شهادة الرهن الخاصة حتى بالنسبة للعقارات التي هي في طور التحفيظ .([48])

هكذا يمكن استثناءا أن يسلم المحافظ العقاري شهادة التقييد الخاصة في الحالة المنصوص عليها في الفصل 11 من مرسوم 17 دجنبر 1968 المتعلق بالقرض العقاري والقرض الخاص بالبناء والقرض الفندقي ([49]) ولو كان الأمر يتعلق بعقارات في طور التحفيظ.

ويرى البعض ([50]) أن سبب هذا الاستثناء هو رغبة المشرع في دعم المؤسسات العاملة على تطوير المحيط الحضري والقروي، وتشجيع القروض المتعلقة بالسكن من خلال دعم الائتمان العقاري .

الخلاصة التي يمكن الخروج بها أن المشرع المغربي اجتهد في سبيل حماية مؤسسة الائتمان العقاري، لكن كان ذلك بشكل ضيق حيث أنه اكتفى بحماية الدائن المرتهن فقط سواء أكان شخصا طبيعيا أو معنويا، كالمؤسسات البنكية خاصة والتي يحضى بعضها بامتيازات في إطار مرسوم القرض العقاري والسياحي المشار إليه.

وفي المقابل نجد أن المشرع المغربي لم يوسع من دائرة السندات التنفيذية غير القضائية خاصة في مجال المعاملات التجارية بدليل أن الأوراق التجارية لا تشكل سندات تنفيذية تعفي التجار من اللجوء إلى قضاء الموضوع لاستصدار حكم كسند تنفيذي، وهذا عكس ما هو عليه الأمر في التشريعات المقارنة كالتشريع الأردني والجزائري والفرنسي حيث وسعت من دائرة السندات التنفيذية غير القضائية واعتبرت الأوراق التجارية سندات كافية لسلوك مسطرة الحجز العقاري .

2– السند التنفيذي الضريبي

رغم أن المشرع المغربي لجأ إلى تقنية التصريح والأداء التلقائي للضرائب فلازال تحصيل هاته الأخيرة يتم عن طريق السند التنفيذي الضريبي سواء الجداول الضريبية الجماعية ([51]) أو الأوامر الضريبية الفردية ([52]) خاصة أمام تعنت بعض الملزمين الضريبيين ([53]).

وفيما يتعلق بطريقة اكتساب الجداول الضريبية وقوائم الإيرادات، وأوامر المداخيل التي يصدرها قباض التسجيل عن الرسم القضائي وتلك المتعلقة بعائدات أملاك الدولة للقوة التنفيذية، نجد المادة 8 من مدونة تحصيل الديون العمومية ([54]) تسند الاختصاص في ذلك للوزير المكلف بالمالية أو الشخص الذي يفوضه لذلك والمتمثل في المدير الجهوي أو الإقليمي أو بعض أطر الإدارة المركزية.

أما التذييل بالصيغة التنفيذية على المستوى الحلي فيتم من طرف الآمر بالصرف للهيئة المعنية كما تؤكد ذلك المادة 9 من مدونة تحصيل الديون العمومية.

ويمنح القوة التنفيذية لأوامر المداخيل المتعلقة بديون الدولة والجماعات المحلية والمؤسسات العمومية غير المنصوص عليها في المادتين 8 و9 المشار إليهما، الآمرين بالصرف المعنيين أو إذا اقتضى الحال من طرف المحاسبين العموميين عندما يتعلق الأمر بمبالغ مرجعة من المرتبات والأجور المؤداة دون أمر سابق بصرفها.

وبعد أن تذيل أوامر المداخيل الجماعية والفردية بالصيغة التنفيذية ترسل إلى المحاسبين المكلفين بالتحصيل خمسة عشر يوما قبل الشروع في عملية التحصيل والذين يرسلون إعلاما ضريبيا إلى كل ملزم مقيد بالجداول أو قوائم الإيرادات يبين فيه المبلغ الواجب أداؤه وتاريخ الشروع في التحصيل والاستحقاق.

هذا التحصيل قد يكون بشكل رضائي في حالة إذا ما أدى الملزم الضريبة خلال الفترة المتراوحة بين تاريخ الشروع في التحصيل أو الإصدار وتاريخ الاستحقاق ([55])، ففي هاته الحالة لا مجال للحديث عن الحجز.

وقد يتم اللجوء إلى التحصيل الجبري بناء على السند التنفيذي الضريبي في حالة عدم وفاء المدينين بما في ذمتهم من ديون داخل الآجال المحددة، ويتم ذلك وفق درجات ([56]) نصت عليها المادة 39 من مدونة تحصيل الديون العمومية:

1–الإنذار: أول إجراء جبري، ولا يمكن أن يمارس إلا بعد مرور ثلاثين يوما من تاريخ الاستحقاق، أو بعد عشرين يوما من تاريخ إرسال آخر إشعار دون صائر، ويترتب على ذلك قطع التقادم.

2–الحجز: ينصب على المنقولات والعقارات مع استبعاد السكنى الرئيسية للملزم بالضريبة متى كانت قيمتها لا تتجاوز 200.000 درهم، ولا يتم الحجز إلا بعد مرور ثلاثين يوما من تبليغ الإنذار إلى الخاضع للضريبة وبعد ترخيص من السلطة الرئاسية للمحاسب العمومي.

3-البيع : يتم بعد مرور ثمانية أيام على إجراء الحجز.

وفيما يتعلق بالحجز بناءا على السند التنفيذي الضريبي فقد أشارت إليه المادة67 من مدونة تحصيل الديون العمومية، ويتم ذلك وفق ما جاءت به قواعد المسطرة المدنية، حيث أن أعوان التبليغات والتنفيذات القضائية ([57]) لا يمكنهم الحجز على عقارات الملزمين الضريبيين إلا في حالة عدم كفاية المنقولات أو عدم وجودها.

وحتى يمكن التنفيذ على العقارات لابد من تقديم طلب من طرف القابض المكلف بالتحصيل إلى رئيس المحكمة لتوقيع حجز تحفظي عقاري يتم بعد ذلك تسجيله في الرسم العقاري، فإذا لم يؤد المدين الضريبة يقدم القابض طلب إلى رئيس المحكمة لتحويل الحجز التحفظي إلى حجز تنفيذي ([58])، بينما يرى الأستاذ الطيب عبد السلام برادة ([59]) أنه:”: يتم تقديم طلب إلى المحكمة المختصة بالحجز التنفيذي مرفوقا بشهادة الترخيص صادرة عن رئيس الإدارة التي ينتمي إليها المحاسب المكلف بالتحصيل، وعلى عون التنفيذ أن يفتح ملفا خاصا بالتنفيذ…… ([60]).

أما الجهة المختصة بحجز العقار وبيعه بمناسبة الدين الضريبي فقد ثار الخلاف بخصوصها بين الفقه والقضاء العادي والإداري ([61]):

فمنهم من يرى أن القضاء العادي هو المختص لكون المادة 67 من مدونة تحصيل الديون العمومية أحالت على قانون المسطرة المدنية، كما أن الحجز العقاري قد يثير نزاعات من قبيل دعوى الاستحقاق الفرعية والطعن ببطلان إجراءات الحجز، فهاته النزاعات لا يمكن الفصل فيها إلا من طرف القضاء العادي.

ومنهم من ذهب إلى إسناد الاختصاص للقضاء الإداري مستندا على المادة 8 من قانون إحداث المحاكم الإدارية التي منحت الاختصاص للمحاكم الإدارية في جميع المنازعات المتعلقة بتحصيل الدين العمومي، فضلا على كون هذا الأخير هو المقصود وليس العقار.

ونعتقد أن الصواب هو اختصاص القضاء الإداري في حجز المنقولات، أما حجز العقارات فيبقى القضاء العادي صاحب الاختصاص في كل ما يثار بشأنها من منازعات نظرا لكون مسطرة الحجز العقاري معقدة وتثير صعوبات كثيرة تبقى خاضعة لقواعد المسطرة المدنية.

خاتمة:

من خلال ما تقدم يتبين أن السندات التنفيذية منها ما هو صادر عن القضاء كالأحكام، ومنها ما له القوة التنفيذية رغم أنها سندات غير قضائية، وذلك حماية لبعض الدائنين كالمؤسسات البنكية التي تساهم في التنمية الاقتصادية من خلال عملية القروض، ولهذا سوى المشرع بين بعض السندات غير القضائية وبين الأحكام في مرحلة التنفيذ الجبري لا سيما عند الحجز العقاري، كما هو الحال بالنسبة للشهادة العقارية الخاصة التي يسلمها المحافظ العقاري للدائن المرتهن.

أختم وأقول أن المشرع المغربي لم يضع نظرية عامة للسندات التنفيذية، فقد حصرها فقط في الأحكام متجاهلا باقي السندات الأخرى كالعقود الرسمية.

ونقترح بهذا الخصوص إضافة نص قانوني إلى قانون المسطرة المدنية وفق الصيغة التالية :” السندات التنفيذية هي الأحكام والأوامر والمحررات الموثقة ومحاضر الصلح “.


[1]قانون رقم 08.09 المؤرخ في25 فبراير 2008 بمثابة قانون الإجراءات المدنية والإدارية الجزائري والمنشور بالجريدة الرسمية للجمهورية الجزائرية عدد 21 الصادرة بتاريخ 23 أبريل 2008.

[2]الأمر الصادر عن رئيس المحكمة الإدارية .بمكناس في الملف عدد 2/2008/29 (غير منشور).

[3]عبد اللطيف هداية الله:” القضاء المستعجل في القانون المغربي “، مطبعة النجاح الجديدة، الدار البيضاء، ط1998،1، ص 12

[4]الحجز التحفظي يصدر في إطار الفصل 148 . من ق .م.م أما إذا كان هناك عنصر الاستعجال يمكن اللجوء إلى القضاء الاستعجالي في إطار الفصل 149 من نفس القانون. وعندما يتعلق الأمر برفع الحجز التحفظي فإنه يشكل صعوبة ويعود الاختصاص لقاضي المستعجلات في هاته الحالة.

[5]عز الدين الدناصوري وحامد عكار :” القضاء المستعجل وقضاء التنفيذ”، دون ذكر المطبعة، ط,2004، 8 ص 661

[6]الأمر رقم 75.58 المؤرخ في 20 رمضان عام 1395 الموافق 26 شتنبر 1975 المتضمن القانون المدني الجزائري .

[7]قانون رقم650-91الصادر بتاريخ 9 يوليوز 1991 .بمثابة قانون المساطر المدنية للتنفيذ.

[8] «… le créancier d’une obligation constaté dans un acte notarié peut procéder directement à des mesures d’exécution forcée. Sans qu’il soit besoin pour lui d’obtenir préalablement une décision de justice »,

– V. Roger Perrot et Philippe Théry procédures civiles d’exécution”, Dalloz, 2000, P.331.

[9]نصت المادة 31 من قانون الكتاب بالعدل رقم 54 لعام 1959:” إن أسناد الدين المنظمة من قبل الكاتب بالعدل المستحقة الدفع تنفذ مباشرة في دائرة التنفيذ كالأحكام “.

[10]الطيب برادة : ” التنفيذ الجبري في التشريع المغربي بين النظرية والتطبيق “، رسالة لنيل دبلوم الدراسات العليا في القانون الخاص، جامعة الحسن الثاني، الدار البيضاء، 1987، ص 185 .

[11]عبد العلي حفيظ :” الحجز التنفيذي العقاري “، أطروحة لنيل الدكتوراه في الحقوق، شعبة القانون الخاص، جامعة محمد الخامس أكدال، الرباط، 2008-2009 ص 10..

[12]l’article 19 stipule que :« tous actes notariés feront foi en justice et seront exécutoires dans toute l’étendue de la république ».

[13]القانون رقم 95.15 الصادر بتاريخ 3 أكتوبر 1996 والمنشور بالجريدة الرسمية عدد 4418.

[14]قابلة للتداول بين الناس بطريق التظهير أو بطريق المناولة المباشرة.

[15]إبراهيم بحماني :”تنفيذ الأحكام العقارية “، مكتبة دار السلام، ط 2، 2010، ص 226.

[16]الفصل 171 من القانون التجاري القديم كان يسمح بالحجز على المنقولات فقط عكس التشريع الحالي يسمح بحجز حتى العقارات.

[17]الأمر الاستعجالي الصادر في الملف رقم 2090 -05 بتاريخ 27 دجنبر 2005 ذكره عبد الرزاق نجي:” الحجز التحفظي العقاري – إشكالات تطبيقية”، رسالة لنيل دبلوم الدراسات العليا المعمقة في القانون الخاص، جامعة محمد الأول، وحدة، 2006-2007، ص 78.

[18]القرار رقم 1712 الصادر في الملف 97/9/1658 بتاريخ 28 أبريل 1997، (غير منشور).

[19]قانون رقم 36 الصادر سنة 2002.

[20]عباس العبودي: ” شرح أحكام قانون التنفيذ”، دار الثقافة للنشر والتوزيع، ط 1، عمان – الأردن ،2007، ص59.

[21]Roger Perrot et Philippe Théry, op.cit, P 335.

[22]On appelle titre exécutoire un acte écrit délivré au nom du souverain qui donne pouvoir à son titulaire de procéder à l’exécution forcée du droit qu’il consiste

-V. Roger Perrot et Philippe Théry, op.cit, P 314.».

[23]كل ورقة رسمية كالأحكام والعقود الرسمية وكل وثيقة عرفية كالشيك والكمبيالة تسمح بالحجز التحفظي على عقارات المدين.

[24]عبد العزيز توفيق:” شرح قانون المسطرة المدنية والتنظيم القضائي “، ج1، مطبعة المعارف الجديدة، الدار البيضاء، 1998، ص 273.

[25]الأنصاري الحسن النيداني :” التنفيذ المباشر للسندات التنفيذية “، دار الجامعة، 2001، ص 31.

[26]القرار عدد 201 الصادر بتاريخ 08فبراير 1984 بالملف المدني 85799 منشور .بمجلة قضاء المجلس الأعلى، عدد 35-36، 1985، ص 53 .

[27]يرى بعض الفقه أن قابلية الأحكام للتنفيذ لا تتوقف على اكتسابها قوة الشيء المقضي به إلا إذا كان التنفيذ في وجه الغير أو في حالة التنفيذ التلقائي للحكم الذي تم إلغاءه .

– انظر عبد الرحيم الصقلى: ” صعوبة تنفيذ الأحكام المدنية “، مكتبة الأمان، ط 1، 2005.، ص 62.

[28]» il est indispensable que le débiteur ait été officiellement informé des obligations qui lui incombent et qu’il ait pu en mesurer les conséquences à la lecture de la décision.

-V. Roger Perrot et Philippe Théry, op.cit, P 320.

[29]ويقصد بها الأحكام الصادرة في المادة المدنية والتجارية فقط.

[30]هذا ما جاءت به الفقرة الأولى من الفصل 430 من ق .م.م :” لا تنفذ في المغرب الأحكام الصادرة من المحاكم الأجنبية إلا بعد تذييلها بالصيغة التنفيذية من طرف المحكمة الابتدائية لموطن أو محل إقامة المدعى عليه أو لمكان التنفيذ عند عدم وجودهما “.

[31]Roger Perrot et Philippe Théry, op.cit, P 328.

[32]إبراهيم بحماتي، م .س، ص 53 .

[33]الطيب برادة، م .س، ص 75 .

[34]قانون رقم 08-05 الصادر بتاريخ 30 نونبر 2007 والمنشور بالجريدة الرسمية عدد 5584 بتاريخ 6 دجنبر 2007 المنظم للتحكيم والوساطة الاتفاقية.

[35]في ظل القانون القديم كان يمكن إيقاع حجز تحفظي فقط قبل تذييل القرار التحكيمى بالصيغة التنفيذية.

[36]عبد الكريم الطالب :” الشرح العملي لقانون المسطرة المدنية “، المطبعة والوراقة الوطنية ط5، 2008 ،ص370

[37]وذلك نظرا لكون الاتفاق على التحكيم لا يعني التنازل عن الدعوى في نظر هذا الاتجاه وإنما يتنازلون فقط على اللجوء للقضاء.

– انظر أحمد أبو الوفا:” عقد التحكيم وإجراءاته”، منشأة المعارف بالإسكندرية”، ط 2، 1974، ص222.

[38]أمينة النمر : ” قوانين المرافعات”، ج 3، منشأة المعارف بالإسكندرية، 1982، ص 152 .

[39]أمال أحمد الفزايري : ” المداولة القضائية – دراسة تأصيلية مقارنة “، المكتب المصري الحديث، القاهرة، 1995، 161

[40]حبيبة التايس:” الإشكالات العملية في موضوع الإنذار العقاري “، المجلة المغربية لقانون الأعمال والمقاولات، العدد 2 ماي 2003، ص 36.

[41]والبيانات الواجب توافرها في هذه الشهادة تتمثل أساسا في اسم المدين الراهن، واسم الكفيل العيني حالة وجوده، واسم الدائن المرتهن، واسم العقار المرهون ورقم رسمه العقاري ومساحته، ومبلغ الدين والفائدة، ونوع الرهن ودرجته، إضافة إلى نوع العقد الذي تم بناء عليه تقييد الرهن.

[42]لا يجب الخلط بين هاته الشهادة والشهادة الخاصة المنصوص عليها في الفصل 59 من نفس القانون، فهاته الأخيرة خاصة بالشركاء على الشياع الذين يتسلمون هاته الشهادة من أجل إثبات الحق في ملكية العقار المشاع، أما الشهادة العقارية التي نحن بصددها والمشار إليها في الفصل 58 السالف الذكر من ظهر التحفيظ العقاري فهي خاصة بالدائن المرتهن. ولهذا يرى الفقه أن المشرع المغربي لم يكن دقيقا في استعمال نفس المصطلح في موقعين مختلفين.

[43]تسمى كذلك بشهادة التسجيل كما نص على ذلك المشرع في الفصل 204 من ظهير 2 يونيو 1915 المطبق على العقارات المحفظة، ويسميها القضاء الشهادة الخاصة بالرهن.

[44]محمد سلام : “تحقيق الرهن الرسمي في القانون المغرب “، مطبعة النجاح الجديدة، ط 1، 2002، ص 31 .

[45]القرار رقم6210 /03الصادر بتاريخ 2 يونيو 2003 في الملف عدد3960/98 ذكره رشيد مزوغ: ” الإشكالات العملية في مسطرة تحقيق الرهن الرسمي، رسالة لنيل دبلوم الماستر في قانون العقود والعقار، كلية الحقوق- وحدة، 2007-2008، ص 30 .

[46]الأمر الاستعجالي عدد 04/373 الصادر بتاريخ 8 إبريل 2004 في الملف رقم 13/04/373، ذكره رشيد مزوغ، م .س، ص 31.

[47]قرار عدد 1433 صادر بتاريخ 11 يونيو 1987 منشور بمجلة القضاء والقانون، عدد 139، ص 81 .

[48]محمد سلام، م .س، ص 34.

[49]نص الفصل 11 من المرسوم الخاص بالقرض العقاري والقرض الخاص بالبناء والقرض الفندقي على أنه:” خلافا لمقتضيات الفصل 58من ظهير 12 غشت 1913 المتعلق بالتحفيظ فإن المحافظ يعمل على تسليم شهادة خاصة بالرهن حتى ولو تعلق الأمر بعقار في طور التحفيظ، وفي جميع الحالات فان هذه الشهادة أعتبر سندا تنفيذيا ويجب أن تحمل عبارة شهادة مسلمة طبق الأصل وبقصد التنفيذ “.

[50]مليكة بامي : ” قراءة في بعض فصول مرسوم 17/12/1968 المتعلق بالإنذار العقاري”، مجلة القضاء والقانون، عدد148، ص 215.

[51]هي وثيقة رسمية تسمح لمصالح الحزينة المتمثلة في القباضات بتحصيل المبالغ الضريبية الواردة فيها، وترتبط بالضرائب التي تعتمد على الإحصاء كالضريبة الحضرية وضريبة النظافة، والضريبة المهنية . . .

[52]تصدر الإدارة الضريبية هاته الأوامر في الحالات التي لا يلتزم فيها الأشخاص الخاضعين للضريبة بأداء ما عليهم من ديون بشكل اختياري وتلقائي، ويكون ذلك في الحالات التالية:

-في حالة فرض الضريبة بشكل تلقائي.

-في حالة تصحيح الإقرارات الضريبية.

[53]عبد الحميد الحنودي: ” تحصيل الديون العمومية في التشريع والقضاء المغربي “، أطروحة لنيل الدكتوراه في القانون العام، جامعة محمد الخامس، الرباط، 2006، ص 87.

[54]القانون رقم97.15 الصادر بتاريخ 3 ماي 2000 بمثابة مدونة تحصيل الديون العمومية والمنشور بالجريدة الرسمية عدد 4800 بتاريخ فاتح يونيو 2000.

[55]حسب المادة 13 من مدونة تحصيل الديون العمومية:” تستحق الضرائب والرسوم المدرجة في الجداول عند انصرام الشهر الثاني الموالي لشهر الشروع في تحصيلها “. وهناك حالات الاستحقاق الفوري التي تم ذكرها في المادتين 18 و19 من نفس القانون كحالة الملزم الضريبي الذي لم يعد له موطن أو محل إقامة، أو محل مؤسسة في المغرب .

[56]إبراهيم عقاش: ” إجراءات التحصيل الجبرية في مدونة تحصيل الديون العمومية “، مجلة المناهج، عدد 9-10،2006، ص 60.

[57]مأموري التبليغ والتنفيذ التابعين للخزينة لا يتمتعون بالصفة القانونية لحجز وبيع العقارات وإنما المنقولات فقط.

[58]عبد الحميد الحنودي ،م .س، ص 133.

[59]الطيب عبد السلام برادة، م .س، ص 540 .

[60]أما باقي الإجراءات المسطرية إلى تأتى بعد تقدم طلب الحجز إلى القضاء فهي نفسها المعمول بها في قانون المسطرة المدنية.

– انظر الطيب عبد السلام برادة، م.س، ص 542 .

[61]محمد قصري : ” المنازعات الجبائية المتعلقة بربط وتحصيل الضريبة أمام القضاء المغربي “، دار أبي رقراق للطباعة والنشر، ط 2، 2009، ص 156 .

https://powderencouraged.com/zht6b3bs66?key=8523542c4aaf6f083ce56f74bd271319
https://powderencouraged.com/w3m6c9b5?key=af8b4909c0965493e9682d74bb50a646
https://powderencouraged.com/ksq5rgwdmh?key=b5b47a0d83f8742dcf71d4de8ef00494
https://powderencouraged.com/bkcduddx?key=0252cc21d0f4e0ae5f53245940611301
×
error: Content is protected !!

اكتشاف المزيد من فضاء المعرفة القانونية -espace connaissance juridique

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

متابعة القراءة