السلطة التنظيمية المحلية
ذ. بوعزاوي بو جمعة
أستاذ بكلية الحقوق –سلا
منسق ماستر التدبير الإداري المحلى
” تتوفر الجهات والجماعات الترابية الأخرى، في مجالات اختصاصاتها، وداخل دائرتها الترابية، على سلطة تنظيمية لممارسة صلاحياتها “([1]). تبدو مقتضيات الفصل 140 من الدستور المغربي لسنة 2011، واضحة -رغم ما يلاحظ على الترجمة – ([2]) في إسنادها السلطة التنظيمية للجماعات الترابية (الجهات والعمالات والأقاليم والجماعات الحضرية والقروية) ([3]). فهي مذكورة صراحة، وحتى ولم يتم ذلك يصعب تصور وجود تدبير حر بدونها ([4]). وهذا ما يتعلق بظاهر الأمور ويوحي أن المسألة غاية في البساطة، لكن باطنها يبوح بواحد من الأسئلة الشائكة التي أعلنت عنها الوثيقة الدستورية: هل يتعلق الأمر بسلطة تنظيمية محلية أصلية ومستقلة أم أنها ثانوية وتابعة؟
لكن، وقبل أي شيء، ما المقصود بسلطة؟ وماذا تعنى تنظيمية؟ تحيل السلطة في النظرية السياسية والدستورية للدولة على مفاهيم واضحة ترتكز على أربعة عناصر: وظيفة محددة واختصاصات مقررة سلفا وأجهزة معينة، وقدرة ذاتية. والسلطات التشريعية والتنفيذية والقضائية أمثلة واضحة على ذلك. لكن هاجس التمييز والتدقيق لا يرتبط فقط بالرغبة في التنظيم والترتيب، ولكن أيضا بوضع حدود للسلطة، ليتم احتواء كل جهاز داخل دائرة اختصاصات خاصة، بشكل أن مفهوم السلطة يستدعى فصل السلطات. أما التنظيم (تنظيمية) فيعنى تقرير وسن واتخاذ ما هو عام ومجرد. ومن تم تكون السلطة التنظيمية هي المكنة التي تتوفر عليها بعض السلطات الإدارية لإصدار إجراءات ذات طابع عام ومجرد. فحين يقال إن رئيس الحكومة يمارس السلطة التنظيمية فمعنى ذلك أنه يتوفر على اختصاص تقرير ووضع ضوابط عامة ومجردة.
تتميز السلطة التنظيمية ببعض الخصائص، أهمها أنها سلطة قاعديةpotestad Normativa” ” مادامت تحمل قواعد ([5]) قانونية ذات طابع عام ومجرد. كما تعتبر سلطة قاعدية ثانوية في علاقتها بالقانون، على اعتبار أن هذا الأخير صادر عن جهاز تمثيلي أما التنظيم فلا يعتبر كذلك ([6]). إضافة إلى أنها سلطة أصلية للحكومة ([7])، لأنه يصعب عليها أن تحكم من غير إصدار قواعد عامة ([8]). وأخيرا تعتبر السلطة التنظيمية حكرا على السلطات العامة.
تاريخيا، لازمت السلطة التنظيمية السلطة التشريعية، ومن ثم لا يمكن الحديث عنها إلا في ظل نظام يقوم على الفصل بين السلطات ([9]). تمكن هذه الملاحظة من تقبل، وببساطة، فكرة غياب السلطة التنظيمية كمفهوم حديث وقائم الذات عن الممارسة السياسية والإدارية المغربية قبل 1962. لكن بإصدار دستور 1962 كان منطقيا أن تتجاور السلطة التنظيمية مع السلطة التشريعية. ويكون بذلك للتنظيم مجاله المستقل عن القانون ([10])، وأجهزته الخاصة التي تمارسه ([11]).
أما الجماعات الترابية، وفى كل الدساتير المتعاقبة، لم يحدث أن أسندت إليها السلطة التنظيمية.
لذلك، يمكن القول، وبتحفظ كبير، إن من أهم مستجدات دستور 2011، تنصيصه على السلطة التنظيمية المحلية. ويعد إسناد هذه الوحدات الترابية السلطة التنظيمية تتويجا لارتكازها على التدبير الحر، وتكريسا للمكانة المحورية التي أصبحت تضطلع بها.
إن تمكين الجماعات الترابية من السلطة التنظيمية يثير قلقا إيديولوجيا وفكريا. مرد النوع الأول من القلق إلى أن إدخال البعد المحلى في ممارسة السلطة التنظيمية يشكل عنصرا لا يبعث على الارتياح، لا سيما وأنه ينفتح على سياق أكثر اتساعا وحراكا، يتقيد بإكراهات إيديولوجية وسياسية. فوجود سلطة تنظيمية محلية يطرح إشكالات الوحدة /التعددية، ووحدة الدولة / انقساميتها. أما القلق الفكري فيرتبط بمضمون هذا الوافد الجديد، ومجاله، وحدوده، وطرق ممارسته. وأكثر من ذلك، بالجواب على سؤال جوهري مفاده هل أن الجماعات الترابية ستمارس فعلا سلطة وضع قواعد أصلية ومستقلة عن القوانين الوطنية، أم أنها لا تتعدى أن تضع موضع التطبيق القوانين المتعلقة بالإدارة المحلية، بمعنى سلطة تنظيمية من الدرجة الثانية فرعية لابد لها من الرجوع إلى أصل السلطة (سلطة الدولة) الذي منه تستمد وجودها، وشرعيتها؟
ومهما يكن من أمر، فإن الرجوع إلى التاريخ يظهر أن السلطة التنظيمية المحلية كانت دائما موجودة، وإن لحقها نوع من التضييق بعد ظهور الدولة الحديثة (I)، لذلك سيكون نطاقها محصورا في حدود ما ترسمه لها السلطات المركزية (II).
I. أسس السلطة التنظيمية المحلية
يمكن البحث عن أسس السلطة التنظيمية للجماعات الترابية في اتجاهات مختلفة، وأحيانا متعاكسة ومتقاطعة. فركائزها التاريخية سابقة على وجود الدولة (أولا) بينما أعمدتها القانونية الحديثة غير متينة، ولا ترقى إلى مستوى متانة وأصالة تاريخها (ثانيا).
أولا: الأسس التاريخية للسلطة التنظيمية المحلية
الأسس التاريخية للسلطة التنظيمية المحلية تختلف وتتناقض أحيانا فيما بينها بطريقة يصعب على العقل تقبلها. فبعد أن كانت هي الأصل أصبحت فرعا، وبعد أن كانت تمارس باستقلال عن السلطة المركزية أضحت تمارس في حدود ما تجود به عليها هذه الأخيرة.
فلا جديد يضاف عند القول إن وجود الجماعات الترابية (ليس بمفهومها الحديث) سابق عن الدولة.
هذه القاعدة يمكن تطبيقها على كل الدول كيفما كان شكلها وحجمها. وسيكون من تحصيل الحاصل القول إن قانونها (سلطتها التنظيمية) سابق عن قانون الدولة.
أكد أحد الباحثين ([12]) أن قانون الجماعات التحتية سابق عن قانون الجماعة السياسية. ويضيف بأنه قد يكون هناك شك حول وجود قانون تحت -وطني في روما أو اليونان في العصور القديمة.
لكن في العصر الوسيط، في أوربا وبالأخص في فرنسا، كان هناك فيض من الأعراف القانونية المحلية والجهوية، التي لم يتطابق نطاقها الترابي دائما مع منطقة نفوذ السلطة الفيودالية.
ويؤكد باحث آخر الطرح نفسه. فتحليل اللامركزية في فرنسا يقود بشكل مستمر إلى النظام القديم، حيث وجدت جماعات مستقلة سابقة حتى عن وجود الدولة الموحدة ([13]). فلقد كانت المدن تسير مصالحها الخاصة وتتكلف بأهدافها وببنياتها. ويكون بذلك من السهل الكشف عن قدرة الجماعات على إصدار إجراءات عامة. فإذا كان من غير فائدة الإشارة إلى أن الجماعة كانت تمتلك سلطة الضبط وصلاحية تسيير الممتلكات الجماعية، التي تعتبر مهاما إدارية بطبيعتها، سيكون من الملحوظ استنتاج أن نظام الأشخاص (نظام الملكية، ونظام العلاقات التعاقدية والوراثة) كان يمكن تحديده محليا في حين أنه يعتبر حاليا اختصاصا تشريعيا ([14]).
يمكن الاستدلال على وجود هذا المعطى في المغرب أيضا بسهولة. فقد عرفت المدن الكبرى (فاس ومراكش ومكناس….) نوعا من التنظيم، لا سيما وأنها كانت عواصم للمغرب على فترات تاريخية متعاقبة. كما حافظت الكثير من القبائل ([15]) على استقلالها تجاه سلطة المخزن طوال الفترة التي سبقت الخضوع للحماية ([16]). ونظمت حياتها العامة ([17]) بمقتضى أعراف تم توارثها عبر القرون. كما سيرت شؤونها بواسطة مؤسسة “اجماعة ” ([18]). ولم تكن ترتبط بالسلطة المركزية إلا بالرباط الروحي. بل إنها كانت تلفظ كل قاعدة آتية من الخارج ([19]).
تظهر هذه المؤسسة القبلية العتيقة، في بعض مظاهرها، كرائدة للجماعات الترابية في وقتنا الراهن.
رغم أنها تبتعد عنها من جانب أساسها السوسيولوجى أكر منه الترابي وعدم خضوعها الإداري للسلطة المركزية ([20]) في ذلك الزمان.
تمكن هذه الوقائع من تقبل، وبسهولة، فكرة أن القبائل المذكورة، دبرت شؤونها تدبيرا ذاتيا ومستقلا، طال الجوانب الإدارية والقضائية وحتى التشريعية. فقد سيرت المصالح المشتركة التي تهم الجوانب الاقتصادية والاجتماعية للجماعة، كما فصلت في المنازعات التي كانت تنشأ بين أفرادها. حافظت على حقوق الماء ودبرت الاستفادة من السواقي، وسنت قواعد عرفية للاستفادة والانتفاع بالأراضي. وقد أكدت هذه الحقائق دورية الصدر الأعظم الموجهة إلى العمال والقواد والقضاة والتي جاء فيها “إن الأراضي التي تشغلها بكيفية جماعية القبائل تبقى على الحال التي كانت عليه، وتستمر في الخضوع للأعراف القديمة دون أن تفوت أو تقسم)) ([21])
إن في هذه المعطيات والحقائق التاريخية ما يؤكد ممارسة القبائل والجماعات، في هذه الفترة من تاريخ المغرب، للسلطة التنظيمية المحلية. لأنه إذا كانت السلطة التنظيمية المحلية تعنى القدرة على تقرير إجراءات عامة ومجردة وسن قواعد أصلية دون الاستناد إلى سلطة أخرى، فإن هذه المؤسسات مارست هذه القدرة باستقلال تام عن السلطة المركزية. وهي سلطة تنظيمية قحة وخالصة.
لكن تأكيد ممارسة المؤسسات المذكورة للسلطة التنظيمية المحلية، ينبغي أخذه بكثير من الحذر. لأنه إذا كان جائزا تكييف ما كانت تضعه هذه المؤسسات من أعراف وتنظيمات وضوابط بأنه يشكل سلطة تنظيمية محلية، فإن ذلك لا ينفى التفاوت الصارخ بين جماعات ما قبل خضوع المغرب للاستعمار، والجماعات الترابية في مفهومها الحديث. فالأولى تتميز عن الثانية باتساع مجالات أنشطتها التي مارست فيها “سلطاتها”. أما الثانية فنشأت من رحم الدولة، ومارست اختصاصاتها في حدود ما رسمته لها.
فلقد جردت الدولة هذه المؤسسات الموغلة في القدم من وظائفها الأصلية وأخضعتها لإرادتها. ومن ثم لم تعد شقيقاتها الحديثة تتوفر إلا على سلطة تنظيمية ثانوية وتابعة تدور في فلك السلطة المركزية التي ستحدد لها طبيعتها الجديدة وترسم لها حدودها ومداها.
ثانيا: الأسس القانونية للسلطة التنظيمية المحلية
ترتبط الأسس القانونية للسلطة التنظيمية المحلية أشد الارتباط بنشأة الدولة الحديثة. فقد تزامن حضور سلطة تنظيمية محلية مع ظهور مفاهيم الجماعات الترابية واللامركزية. فنشأة السلطة التنظيمية المحلية رافقت مسلسل دمج التجمعات المستقلة في البنيات الإدارية للدولة. وقاد، بدوره، هذا الدمج البطيء والمتطور، عن طريق التأحيد، إلى انبثاق قانون عام للمؤسسات المحلية. وهو قانون يبدو في ظاهره موحد، لكن باطنه يخفى تنوعا واختلافا فطريا. فقد اكتسبت الجماعات الترابية الشخصية المعنوية، وقاعدة إقليمية، وأخضعت للوصاية، كما تم تمكينها من اختصاصات ذاتية وأخرى منقولة واستشارية، والتي بممارستها تمارس سلطة تنظيمية محلية.
غير أنه إذا كان يسهل إقامة الدليل على وجود سلطة تنظيمية محلية ثانوية، تنحصر في ممارسة الاختصاصات المسندة للجماعات الترابية، وتطبيق ما يتطلبه وضعها موضع التطبيق، فإن المسألة تبدو شائكة وأكثر تعقيدا حين يتعلق الأمر بالسلطة التنظيمية المحلية الأصلية وذات المجال المستقل. وأهم إشكال تطرحه هو ما إذا كانت تتنافى مع طبيعة الدولة الموحدة والبسيطة كالمغرب.
في فرنسا، التي تعتبر مرجعا للمغرب في ما يضعه من قوانين، لا سيما في مجال اللامركزية، لا زال الجدل الفقهي قائما حول ما إذا كانت الجماعات الترابية تتمتع بسلطة تنظيمية حقيقية. ففي الوقت الذي حاول فيه جانب من الفقه الفرنسي إقامة الدليل على وجودها، انبرى جانب آخر لتفنيد وتقويض إمكانية تصور وجود سلطة تنظيمية محلية أصلية.
قاد الفقيه ” تروسا ” ([22]) اتجاها غير مسبوق محاولا تأسيس الاختصاصات التنظيمية للجماعات المحلية على الفصل 72 من الدستور الفرنسي لسنة 1958 ([23]). متسائلا كيف يمكن تفسير “التدبير الحر” بدون “تدبير ذاتي” ((autonomie)) قاعدي ((normative)) في مجال تدخل الجماعات الترابية ([24])؟
فهذه السلطة القاعدية المستقلة تمارس على الأساس المباشر للفصل 72. ويضيف فقيه آخر متبنيا نفس الطرح، أن التدبير الحر المقرر دستوريا يجب أن يفضي إلى استقلال قاعدي (وضع قواعد وضوابط) للجماعات الترابية، يكون خارج اختصاص المشرع كما حدده الدستور، وأن حرية التدبير-كحرية دستورية -تختلف عن اللامركزية الإدارية ([25]) فهذه الأخيرة تدخل في إطار ” الدستور الإداري ” وتنبني على تفويض للسلطة العامة من قبل المشرع للجماعات الترابية. بالمقابل، مع التدبير الحر، ينتج التفويض مباشرة من الدستور (الفصل 72) الذي يضع له المبدأ. ويشكل هذا الفصل بالنسبة للتنظيم المحلى ما يشكله الفصل 37 بالنسبة للسلطة التنظيمية للوزير الأول، أي مصدرا مباشرا للسلطة التنظيمية
المحلية.
الطرح المضاد يشكك أصلا في وجود سلطة تنظيمية محلية أصلية. ويؤكد أصحابه أن المبدأ الدستوري لحرية التدبير المعترف به للجماعات الترابية لا يعنى أي وجود لسلطة قاعدية لصالح السلطات المحلية، خارج ميدان اختصاص المشرع. بمعنى آخر، لا يشكل الفصل 72 من الدستور مصدرا مباشرا للسلطة التنظيمية المحلية التي تمكنها من التدخل في ميدان الإدارة المحلية لتحدد قواعد أصلية، ومستقلة عن القوانين الموجودة ([26]). فمبدأ عدم تجزئ السيادة، يقود في إطار الدولة البسيطة، إلى الحفاظ على السلطة القاعدية لصالح سلطات الدولة، ويستبعد سلطة قاعدية مستقلة لصالح الجماعات تحت-وطنية ([27]) فلا انقسامية السيادة يتعارض مع منح المشرع نظاما للتدبير الحر داخلي جد متطور، من شأنه فتح المجال أمام علاقات من النوع الفدرالي داخل الجمهورية ([28]). ويضيف أصحاب هذا الطرح ان في الدولة الموحدة لا يوجد إلا مصدر واحد للسيادة التي تمارس على كامل التراب الوطني. والسيادة وحيدة لأنها تكمن في الجماعة منظور إليها إجماليا، دون أن تأخذ في الحسبان تنوع التطلعات المحلية، أو اختلاف توجهات المجموعات الثانوية التي ينطوي عليها المجتمع السياسي ([29]) ويبدو أن المجلس الدستوري الفرنسي يعطى أسبقية لوحدة السيادة ([30]) لأن منحها للسلطات اللامركزية سيؤدي إلى انحلال وتفتت ممارسة امتياز يجعله الدستور حكرا على الوزير الأولي (الفصل 21 من الدستور الفرنسي). ومن ثم، تفرض أطروحة احتكار السلطة التنظيمية من قبل الوزير الاول – المنبثقة من أحكام الدستور-على البرلمان عدم منح سلطة تنظيمية إلى طرف آخر.
في المغرب يمكن القول إن ورود اصطلاح “سلطة تنظيمية ” للجماعات الترابية في صلب الوثيقة الدستورية، وإن كان يضع حدا للجدل حول وجودها: “تتوفر الجهات والجماعات الترابية الأخرى، في مجالات اختصاصها، وداخل دائرتها الترابية، على سلطة تنظيمية لممارسة صلاحياتها” (الفصل 140 من الدستور)، فإنه لا يرسم حدودها بدقة، ولا يشفي الغليل حول طبيعتها، بل إن التمعن في المقتضيات الدستورية، ودراسة الدستور كبنية، يقود إلى القول بان الأمر يتعلق بسلطة تنظيمية محلية مشتقة وتابعة وثانوية، وفى جميع الأحوال غير أصلية.
ولنحاول تفكيك البنية اللغوية للفصل محل الدراسة فلعل فيها ما يفيد: مجال الاختصاص يقابله باللغة الفرنسية Domaine de competence”” كما ورد في الوثيقة الدستورية. وتعرف المعاجم اللغوية الاختصاص بأنه الصلاحية في إبرام عمل معين وفقا لقواعد معينة. فهو يفيد الصلاحية والأهلية المعترف بها قانونيا لسلطة عامة لتقوم بتصرف ما في إطار شروط محددة. وعلى مستوى آخر، يعتبر الاختصاص مفهوما وظيفيا، يسمح، حين تناط اختصاصات متماثلة بعدة أجهزة، بتحديد الجهاز الذي سيمارسها. وقد يكون التحديد موضوعيا أو جغرافيا أو زمانيا. وعليه يكون المقصود بعبارة “مجال الاختصاص ” الدائرة المرسومة سلفا للصلاحيات، وما يمارس فيها موضوعيا وجغرافيا من صلاحيات ممنوحة.
أما مصطلح “صلاحية ” <<attribution >> وإن كان مرادفا للاختصاص، فإن معناه ينصرف كذلك إلى الواجب أو الحق أو التكليف الذي يكون به الجهاز أو الموظف أو العامل أو غيرهم صالحا لعمل من الأعمال: “الفصل في الأحكام من صلاحية القضاة “. ويعنى كذلك، مدى ما يخوله القانون للموظف المسئول للتصرف في عمل أو أمر حسب الاختصاص: “له الصلاحية الكاملة للقيام بهذا الامر”: له الاهلية للقيام به.
إن مجال الاختصاص هو الميدان الذي تتدخل فيه الجماعات الترابية، والذي تكون حدوده معلومة سابقا بشكل لا يتداخل مع ميدان آخر من الميادين (بهذا الشكل يكون التعليم ميدانا، والتعمير ميدانا، والبيئة ميدانا…). أما الصلاحية فهي الوظيفة التي تزاولها وتمارسها داخل ميدان الاختصاص، والتي تكون بدورها محددة وممنوحة على شكل تكليف.
إن هذه المعاني اللغوية للمصطلحات واضحة، وصياغة مقتضيات المادة 140 من الدستور تبين أن “مجال الاختصاص ” محدد سلفا، من قبل السلطات المركزية. وأن الصلاحيات / الوظائف نفسها معلومة، ومعينة سابقا، ويتم تحديدها وطنيا وليس محليا. وهو ما يجعل الجماعات الترابية تدور في دائرة محددة. إن هذه القراءة، مضاف إليه ما ورد في مواد أخرى من الدستور، تؤكد معنى واحدا للسلطة التنظيمية الواردة في الفصل 140 من الدستور: أنها ثانوية ومشتقة، ولا تعنى أبدا سلطة تنظيمية أصلية تؤهل الجماعات الترابية لان تسن قواعد تأسيسية قد تهم مجالا لم يحدده لها المشرع، أو سلطة من شأنها تأسيس مجال للتنظيم محلى موازي لمجال القانون.
ولعل ما يدعم هذا الرأي أن الفصل 90 من الدستور يجعل السلطة التنظيمية حكرا على رئيس الحكومة.
فهو ينص: “يمارس رئيس الحكومة السلطة التنظيمية “. بشكل لا يمكن تقبل سوى سلطة تنظيمية أصلية وحيدة، في يد المركز وأخرى محلية لا يمكنها أن تكون إلا ثانوية. ويتأكد هذا الرأي عند مزاوجة هذا الفصل مع مقتضيات نظيره 02 من نفس الدستور: ف ((السيادة للأمة، تمارسها مباشرة بالاستفتاء، وبصفة غير مباشرة بواسطة ممثليها”. فإذا كانت السيادة واحدة والأمة واحدة فإنه بالتبعية لا يمكن للسلطة التنظيمية الأصلية إلا أن تكون وحيدة، وغير مجزأة. ألم نقل بأن الأمر يتعلق بدولة موحدة؟
إن وجود سلطة تنظيمية مشتقة وليس أصلية تؤكده كذلك النصوص الصادرة قبل دستور 2011. فقد نصت المادة الأولى من القانون رقم 06-47 المتعلق بجبايات الجماعات المحلية أنه “يرخص للجماعات المحلية باستيفاء الرسوم المنصوص عليها في هذا القانون ” ([31]). فحتى في مجالها الذي يفترض أنه مستقل ” الجماعات هي وحدات ترابية داخلة في حكم القانون العام تتمتع بالشخصية المعنوية وبالاستقلال المالي” ([32])، يعين ويحدد المشرع للجماعات الترابية ما يتعين عليه فعله.
يضاف إلى ذلك أن الدستور نص في الفصل 71، على أن يختص القانون بالتشريع في الميادين الآتية:
نظام الجماعات الترابية ومبادئ تحديد دوائرها الترابية. والنظام الانتخابي للجماعات الترابية ومبادئ تقطيع الدوائر الانتخابية، والنظام الضريبي، ووعاء الضرائب، ومقدارها وطرق تحصيلها. والتعمير وإعداد التراب. ماذا بقي للجماعات الترابية كمجال خاص؟ ألا يكون الدستور قد عمل فقط على دسترة سلطة تنظيمية محلية قائمة سلفا، لكنها مشتقة وثانوية ومجالها معروف؟ يبدو أن تحفظ الدستور حول طبيعة السلطة التنظيمية ومداها منطقي. فالسلطة التنظيمية المحلية تطرح إشكالية الوحدة والتعددية. والتي بدورها ترتبط بمشكل خاص يتعلق بمجال الصلاحية الترابية لقواعد النظام القانوني الوطني.
يقضى المنطق بأن كل القواعد المشكلة للنظام القانوني الوطني تكون سارية وصالحة بنفس الدرجة فوق كل التراب الوطني. وقد يتعارض ذلك مع تعدد الاجهزة المصدرة للقواعد القانونية (حالة السماح للجماعات الترابية بسلطة تنظيمية أصلية ومستقلة). فالجماعة القانونية المركزية (الدولة ([33])) يتم تعريفها بأنها الجماعة التي يتكون نظامها القانوني فقط وحصرا من قواعد قانونية تسري فوق كامل ترابها الوطني. أما الجماعة اللامركزية فهي الجماعة التي لا تسري قواعد نظامها القانوني إلا على جزء من التراب الوطني. ومعنى ذلك أن تقسيم الدولة إلى دوائر ترابية يفضي إلى أن بعض قواعد النظام لا تكون صالحة إلا داخل جزء ترابي، ومن ثم سيكون النظام القانوني الذي يؤسس الجماعة (الدولة) يتكون من قواعد لها مجال صلاحية ترابية مختلف ومتفاوت. وإذا وصلت اللامركزية إلى حد تعايش عدة جماعات قانونية، وعدة أنظمة قانونية، وبمجالات صلاحية ترابية مستقلة، سنكون قد تجاوزنا حدود اللامركزية… الفدرالية مثلا؟ يصعب تصور تعدد الأنظمة القانونية المتعايشة دون أن يوجد نظام قانوني يحويها كلها، ويصنع جماعة قانونية واحدة ([34]).
II. مجال السلطة التنظيمية المحلية
برزت، تقريبا، كل العناصر القانونية المؤسسة لمفهوم الجماعات الترابية ([35])، بعد تكون ونشأة الدولة الحديثة. إن هذا الاستنتاج يقود إلى اعتبار أن السلطة التنظيمية المحلية ترتبط بما تفوضه الدولة من صلاحيات واختصاصات. وهي (السلطة التنظيمية المحلية) بذلك تكون مشتقة ومحددة، تمارس في حدود الإرادة المركزية ([36]). فالدولة هي التي حددت النظام القانوني للهيئات اللامركزية، ومنحتها الشخصية المعنوية، وعينت حدودها الترابية. ومن ثم تكون هي أصل أهليتها وقدرتها على التقرير. فكما سطر العميد “أوبى ” فإن ” مفهوم اللامركزية يثير نوعا من تنازل الدولة، ويتماشى مع أفضلية وأسبقية منطقية وتاريخية للمركزية ” ([37]).
ومادام أنها ترتبط أشد الارتباط بما تتنازل عنه الدولة، فإن السلطة التنظيمية تتجسد في الاختصاصات المسندة إلى الجماعات الترابية وتتأسس عليها: “في القانون العام، الشرط الأول لكي ينتج تصرف قانوني آثاره يتعين أن يكون الشخص مختصا بإصداره ” ([38]). فالاختصاص يعنى الأهلية التي يسمح بها الدستور أو القانون لإصدار بعض التصرفات. وفى حالة اللامركزية يفيد مجموع صلاحيات الهيئة الإدارية ([39]).
تتجسم السلطة التنظيمية المحلية في الاختصاصات التي عددها المشرع ، وفى المقتضى العام للاختصاص (ب).
أولا: السلطة التنظيمية المرتبطة بالصلاحيات ([40]) المسندة للجماعات الترابية
تكمن اللامركزية في تقليص صلاحيات التقرير الحكومية، في بعض المجالات، لنقلها لممثلي المصالح المحلية أو المصالح الخاصة ([41]). لذلك فإن دراسة ماهية السلطة التنظيمية المحلية لا تتم إلا بتحليل الاختصاصات المسندة للسلطات اللامركزية.
فأهلية التنظيم (ممارسة السلطة التنظيمية) لا يجب أن ينظر إليها كامتياز منفصل عن ممارسة الصلاحيات، وإنما كإجراء قانوني يتميز بطابعه العام والمجرد ويوافق إنجاز بعض المهام المشروعة ([42]).
فنشأة السلطة التنظيمية المحلية هي إذن تاريخيا متعايشة مع ظهور توزيع الاختصاص ([43]) فالمشرع يمكنه، بدون شك، تأهيل الجماعات الترابية لتحديد قواعد تضع موضع التطبيق قانونا معينا. فلا يتعلق الأمر-بالنسبة للمشرع -بالتخلي عن ممارسة اختصاصه بتفويضه، ولكن تحديد الإطار الذي تمتد فيه سلطة التقرير ([44])، ساحبا منه طابعه غير المشروط أو المطلق.
اللامركزية لا تعنى إنشاء دول داخل الدولة ([45]) وبالتالي لا يمكن للسلطات اللامركزية امتلاك سلطة تنظيمية إلا بمقتضى مقتضيات قانونية مناسبة وبالتحديد تشريعية، ماعدا حين يتعلق الأمر فقط بأن تتخذ السلطة اللامركزية مقتضيات تكميلية لتنظيم ما، ضمانا لتطبيقه. إذن، كلما كان هناك تأهيل تشريعي يمكن للجماعات الترابية أن تتخذ بنفسها، ومباشرة، الإجراءات التنظيمية الضرورية لتطبيق القانون.
يمكن أن يعهد للجماعات الترابية بالسلطة التنظيمية إما بطريقة صريحة كأن تطبق قانونا في مجال محدد، وإما بطريقة ضمنية ([46]) عن طريق منح الاختصاص الذي تستتبع ممارسته وجود سلطة تنظيمية (الضبط الإداري أو التعمير). إن القانون حين يمنح اختصاصا تنظيميا لسلطة محلية، سواء بطريقة صريحة أو ضمنية، لا يمكنها سوى من وسيلة لا محيد عنها لممارسة وظيفة محددة، حددها القانون نفسه أو قانون سابق عنه. ولا يكون الهدف منه تمكينه من جزء من السلطة التنظيمية التي يجعلها الدستور حكرا على السلطات المركزية. ولعل المادة 55 من قانون التعمير رقم 90-12خير مثال على ذلك: ” ويسلم رئيس مجلس الجماعة، وفق الإجراءات والشروط التي تحددها السلطة التنظيمية، رخصة السكن …” ([47]).
وتضيف المادة 60 من نفس القانون “يصدر مرسوم تنظيمي بتحديد ضوابط البناء العامة “. تتأسس السلطة التنظيمية المحلية على مسألة تطبيق القوانين والتي لا تطرح أي إشكال حين يكون الاختصاص التنظيمي صريحا ومحددا. لكن يحدث أن النصوص التشريعية تعين المهام المحلية بمصطلحات عامة أو ضمنية، والتي مع ذلك تكون مصدرا للسلطة التنظيمية المحلية. غير أنه في جميع الأحوال تمارس هذه السلطة في حدود الاختصاصات التي حددها المشرع لهذه الوحدات ولا يمكن أن تتعداها، وإلا كنا أمام تجاوز حد السلطة من قبل الجماعات الترابية.
يصعب عمليا وجود ميدان أو مجال لتدخل الجماعات الترابية غير قابل لأن يتم التكفل به تنظيميا باتخاذ قرارات عامة ومجردة. وميادين الضبط الإداري والتعمير خير دليل على ذلك. فالضبط الإداري يحيل على التنظيم والنظام ([48]). وهو شديد الارتباط بالنظام العام ([49]). ويمارس داخل المجتمع، ويقع على خط التماس مع حريات المواطنين. ويشكل تجسيدا واضحا للشأن المحلى. تظهر خصوصية الضبط الإداري على المستوى الوظيفي حيث الحاجة إلى النظام تفرض تنظيم الأنشطة الخاصة، والحد من الحريات الأساسية. وفى هذا الإطار، ينص الفصل 50 من القانون رقم 00-78 المتعلق بالتنظيم الجماعي على أن ” يمارس رئيس المجلس الجماعي اختصاصات الشرطة الإدارية في ميادين الصحة والنظافة والسكينة العمومية وسلامة المرور، وذلك عن طريق اتخاذ قرارات تنظيمية …” ([50]).
ويعد التعمير، بدوره، من الميادين الخصبة بالقرارات التنظيمية. فالأمر يتعلق بنشاط يحد من الحقوق (حقوق الملكية) بهدف حماية متطلبات الصالح العام المحلى (الجمالية، والصحة، والنظافة،…). وينظر إليه من هذه الزاوية كشرطة خاصة للملكية العقارية، التي تجعل حق البناء تابعا لنظام الترخيص المسبق، وينبني على ترسانة جنائية (التنفيذ الجبري والعقوبات. ..). ولقد تجاوزت هذه المادة مؤخرا الإكراهات الكلاسيكية للضبط، لتهم التدبير الشامل للمدينة ([51]). وحين يكون عملياتيا يمارس التعمير مع اختصاصات أخرى لا مركزية (التجهيزات الكبرى، والنقل …) بهدف تحقيق تنمية حضرية ذات جمالية ومتناسقة.
إن قراءة مقتضيات قانون التعمير (القانون رقم 12-90) تبين أهلية ممارسة السلطة التنظيمية من قبل المجالس الجماعية. فالمادة 60 تنص ” لرئيس مجلس الجماعة أن يحدد بقرارات يطلق عليها اسم” “ضوابط البناء الجماعية ” القواعد المنصوص عليها في (….) إذا لم تنص عليها ضوابط البناء العامة أو تصاميم التهيئة. وتصدر الضوابط المشار إليها أعلاه بعد ان تكون محل مداولة في مجلس الجماعة … “.
فضوابط البناء الجماعية هي بمثابة ” تقعيد” و”ضبط ” محليين (سلطة تنظيمية محلية) لا يشترط فيهما سوى عدم مخالفة الأحكام الواردة في ضوابط البناء العامة أو في ضوابط التهيئة.
1. السلطة التنظيمية المحلية المرتبطة بالمقتضى العام للاختصاص
هل يمكن للامركزية أن تتعدى عتبة توزيع الاختصاص، لتصل إلى تقسيم السلطة القاعدية بين الدولة والجماعات الترابية؟ بمعنى آخر هل يمكن منح قيمة قاعدية للمقتضى العام للاختصاص ([52])؟ لا شك أن المقتضى العام للاختصاص يسمح بتحديد محليا المصالح والقضايا. فالقاعدة الصادرة تطبيقا للمقتضى العام للاختصاص تعتبر منتوجا للمبادرة المحلية.
تتوفر الجماعات على ” اختصاص الاختصاص “Mutatis mutandis” “من أجل مهامها ذات المصلحة المحلية. فرغم أنها مدمجة في بنيات الدولة، تحتفظ الجماعات المحلية “باستقلال ” ([53]) كاف لتحديد وتحقيق غاياتها الخاصة في احترام للنظام العام الوطني.
يشكل المقتضى العام للاختصاص ومفهوم الشأن المحلى قاعدة لسلطة تنظيمية أصيلة للجماعات الترابية. فهناك قرارات تنبني على نماذج ” الصالح العام المحلى ” “احتياجات الساكنة ” و”الحاجات المحلية ” أو مشاريع “ذات الفائدة الجهوية ” و”ذات الفائدة الإقليمية ” وذات الفائدة الجماعية ” ([54]).
وهي توضح أن المقتضى العام للاختصاص يشكل قاعدة شرعية لإصدار تنظيمات ([55]) ويمكن اعتبار المادة 35 من القانون رقم 00-78 تجسيدا للمقتضى العام للاختصاص على مستوى الجماعات الحضرية والقروية: ” يفصل المجلس بمداولاته في قضايا الجماعة. ولهذه الغاية، يتخذ التدابير اللازمة لضمان تنميتها الاقتصادية والاجتماعية ” ([56]).
المشرع يؤهل الجماعات، بصورة صريحة، أن تتخذ إجراءات عامة. فالمجلس “يضع ” برنامج التجهيز، و”يتخذ” كل التدابير التي من شأنها المساهمة في الرفع من القدرات الاقتصادية للجماعة، و”يقرر” إبرام كل اتفاقية للتعاون أو الشراكة، و”يحدد” شروط المحافظة على الملك العام، (المادة36).
و”يقرر” فتح حسابات خصوصية، و”يحدد”، في نطاق القوانين والأنظمة، سعر الرسوم، و”يقرر” في الافتراضات والضمانات الواجب منحها (المادة 37). كما يمنحها سلطة تنظيمية مهمة في مجال المرافق العامة. و”يقرر ” المجلس إحداث وتدبير المرافق العمومية الجماعية” (المادة 39). كما أن عقود الامتياز والتدبير المفوض غالبا ما تحتوي على شروط تنظيمية، تفرض على الملتزم أو المفوض له.
خاتمة
كرست الفقرة الثانية من الفصل 140 من دستور 2011 السلطة التنظيمية المحلية، مانحة إياها شهادة الازدياد والتبني دون أن تحدد ماهيتها ولا طبيعتها. وهو ما يعتبر قفزة دستورية نوعية تأسس لقانون دستوري محلى مغربي، يتماشى مع الرهان على جهوية متقدمة بخصوصية مغربية. وينخرط في الحراك العالمي الذي يتقاطع فيها العالمي مع المحلى: فالدولة تبدو جد صغيرة بالنسبة للقضايا الكبرى، وجد كبيرة بالنسبة للشؤون الصغيرة ([57]).
فهل يكون القانون أكثر تقدما ويسمح بسلطة تنظيمية محلية أصلية ومستقلة؟ لا شيء يمنعه سوى رقابة القاضي الدستوري الذي قد لا يسمح بتقسيم امتياز يراد له أن يبقى وطنيا، فضلا عن عائق التنضيد الترابي للجماعات الترابية! .. نعتقد أن هذا الإشكال الأخير قد عمل الدستور نفسه على حله: “تتبوأ الجهة ،… مكانة لصدارة بالنسبة للجماعات الترابية الأخرى …”. فهل تعطى للجهات وحدها أسبقية ممارسة سلطة تنظيمية محلية أكثر قربا من المواطنين وأكر تمثيلا للقضايا ذات الطابع المحلى الخالص ([58])؟ أم أنها تمتد لتشمل باقي الوحدات الترابية؟ يستدعى السماح بهذه الإمكانية الأخيرة تنصيب “شرطي المرور” ينسق بين مختلف القواعد ذات المصادر المتفاوتة والمتنوعة، ويمنع “التصادم ” / التنافي بينها.
آنذاك ستحل “البيمشروعية ” (محليا وجهويا ووطنيا) محل المشروعية.
[1] الفقرة الثانية من الفصل140 من الدستور، الصادر بتنفيذه ظهير شريف رقم 91-11-1، صادر في 27 من شعبان 1432، (29 يوليوز2011)، جريدة رسمية عدد 5964 مكرر بتاريخ 30 يوليوز 2011، صفحة 3600 .
[2] ربما كان الصحيح ترجمة الفقرة الثانية من المادة 140 على الشكل الآتي: “تتوفر الجهات والجماعات الترابية الأخرى على سلطة تنظيمية لممارسة صلاحياتها، في مجالات اختصاصاتها الخاصة، وداخل دوائرها الترابية “.
« Les régions et les autres collectivités territoriales disposent, dans leurs domaines de compétence respectifs et dans leur resort territorial, d’un pouvoir réglementaire pour l’exercice de leurs attributions ».
[3] الجماعات الترابية للمملكة هي الجهات والعمالات والأقاليم والجماعات “، الفصل 135 من الدستور نفسه.
[4]“يرتكز التنظيم الجهوى والترابي على مبادئ التدبير الحر. ..” الفصل 136 من الدستور نفسه.
[5] « Le mot «norme» exprime l’idée que quelque chose doit être ou se produire», Hans Kelsen, théorie pure de droit, 1962.
Traduit par : C. Eisenmann, LGDJ, 1999, p. 13.
[6] L.P.Alfonso, A.J.Blanco et L.O. Alvarez, Manual de derecho administrativo, Ariel derecho, la édición, octobre, 1990, p. 112.
«Traditionnellement, l’acte réglementaire s’analyse en un acte unilatéral créateur de droit et d’obligations, à caractère general et impersonnel.» Cf, M.Hecquard-Théron, essai sur la notion de réglementation, Préface de J.M.Mazères, LGDJ, Paris, 1977,p.27.
[7] يحظى تمييز القانون عن التنظيم “reglement” بأهمية خاصة في الدول التي يعطى فيها الدستور صلاحية إصدار قواعد عامة لبرلمان منتخب من قبل الشعب، لكنه يسمح بأن تحدد وتتمم القوانين بقواعد عامة تصدرها بعض الأجهزة الإدارية.
Hans Kelsen, Théorie pure de droit, 1962. Traduit par : C. Eisenmaim, LGDJ, 1999, p. 231.
[8] M.Hauriou, Précis de droit constitutionnel, Sirey, 1929, p. 442. Cité par M.Hecquard-Théron, essai sur la notion …op.cit., p. 30.
[9] A.Kamal, Le pouvoir réglementaire au Maroc, thèse pour le doctorat de 3e cycle, Toulouse, 1982.
[10] يختص المجال التنظيمي بالمواد التي لا يشملها اختصاص القانون ” الفصل72 من دستور 2011
[11]“يمارس رئيس الحكومة السلطة التنظيمية ” الفصل 90 من الدستور نفسه
[12] H.L. Bruhl, Sociologie du droit; Que sais-je? PUF, 1981, p. 29.
بوعزاوى بو جمعة، علم الاجتماع القانوني، مطبعة الجسور، وجدة، الطبعة الأولى 2005
[13]G. Burdeau, Traité de sciences politiques, LGDJ, 1980, Tome 2, p. 422. Cité par B.Faure, le Pouvoir réglementaire des collectivités locales, LGDJ, 1998, p. 10.
[14] B.Faure, Le Pouvoir réglementaire…, p. 11.
[15]“كانت القبيلة تشكل بالنسبة لكل المغاربة إطارا للتنظيم الاجتماعي. فالفرد كان ينتمي إلى قبيلة معينة وعلى هذا الأساس كان يصنف من طرف سكان باقي القبائل أو من طرف الادارة المخزنية “. راجع محمد المنصور، المغرب قبل الاستعمار: المجتمع والدولة والدين 1792-1822، ترجمه عن الانجليزية محمد حبيدة، ط .1، 2006.
[16] تميل اغلب الدراسات إلى الحديث عن “بلاد المخزن ” و”بلاد السيبة” في مغرب ما قبل الاستعمار دون أن تتمعن في الخلفيات السياسية والاستعمارية لذلك: وإذا كان العديد من المؤرخين والدارسين الأوربيين قد صوروا الدولة على اساس الثنائية المفترضة بين “بلاد المخزن ” و”بلاد السيبة” فإن الدراسات المونوغرافية العديدة التي أنجزت خلال العقود الأربعة الأخيرة حول مغرب القرن التاسع عشر تدعو إلى إعادة النظر في إجرائية هذه الثنائية وصلاحيتها لتفسير تاريخ المغرب الحديث . . . .وإذا كانت لهذه الثنائية خلفيات استعمارية تهدف إلى تبرير الاحتلال، فان وراءها كذلك سوء فهم للواقع المغربي واصرارا على تحليل تاريخه باستعمال مقاييس اقل ما يقال عنها انها لا تأخذ بالحسبان الخاصيات التاريخية والثقافية لبلد كالمغرب . فالسيادة في الإطار الإسلامي هي سيادة دينية وسياسية في آن واحد، وهي لا تقوم دائما على أساس “المفهوم الترابي ” الذي يحدد السيادة بحسب الرقعة الجغرافية التي تستطيع الدولة مراقبتها إداريا وعسكريا. وإذا أخذنا العهد السليماني كنموذج نجد أن العديد من القبائل النائية التي لم يكن بقدرة المخزن إخضاعها عسكريا او إداريا بادرت إلى تقديم بيعتها والانصهار في “سلك الجماعة “. وهكذا نجد سكان توات مثلا، وبإيعاز من أعيانهم، يبادرون في سنة 1800 إلى مبايعة المولى سليمان مبدين استعدادهم لدفع واجب الأعشار والزكاة لبيت المال وطالبين في نفس الوقت تعيين قواد مخزنيين “لكن السلطان، وفى هذه الحالة بالضبط، فضل أن يفوض إدارة منطقة توات لجماعة من الاعيان الذين يحظون بثقة السلطان “، محمد المنصور، المغرب قبل الاستعمار . . . مرجع سابق.
[17] La vie intérieure des tribus a toujours été réglée par les lois coutumières du orf, qui organisent autant les rapports individuels que la vie publique de ces collectivités. ». Cf, M.brahimi, La commune marocaine : un siècle d’histoire de la veille du protectorat à 2009, REMALD, collection “Thèmes Actuels” n° 65, 2010, 133..
[18] M.brahimi, La commune marocaine…op.cité, p. 129.
[19] M.A. Benabdellah, La police administrative dans le système juridique marocain, Publications APREJ, Collection Droit Public, 1987.
[20] M. Brahimi, La commune marocaine .op. cité, p. 129.
[21] جريدة رسمية، عدد 1 لفاتح نونبر 1912.
[22] S.Trosa, Qui a vu passer la décentralisation ? in Pouvoirs locaux, 1990 n° 6, p. 123.
[23] Dans les conditions prévues par la loi, ces collectivités s’administrent librement par des conseils élus et disposent d’un pouvoir réglementaire pour l’exercice de leurs compétences» alinéa 03 de l’article 72 de la constitution française de 1958.
[24] يشار إلى أن القضاء الفرنسي كان قد ربط امتلاك سلطة تنظيمية من قبل سلطة لا مركزية بمبدأ التدبير الحر.
TA Versailles 7 décembre 1984, Préfet du Val-d’Oise, AJ 1985, 286, obs. J.C. Cf, R. Chapus, Droit administratif général, tome 1, 14e édition, Montchrestien, 2000, p. 637.
[25] M.Bourol, Jurisclasseur, collectivités locales, V constitution, n° 60.
[26] A. Roux, Droit constitutionnel local, Economica, Paris , 1995, p. 34.
[27]Ibdem.
[28] Ibid, p. 63.
[29] G.Burdeau, Traité de sciences politiques, t.2, LGDJ, 1967,2e édition, p. 352
[30] «Dans l’etat actuel de la définition des attributions respectives des autorités décentralisées et des organes de l’Etat, le texte de la loi…ne comporte pas de disposition qui, puisse, en tant que telle, être regardée comme portant atteinte au caractère indivisible de la république et à l’intégrité du territoire national» Décision n° 82-138 DC du 25 février 1982.
[31] القانون رقم 47-06المتعلق بجبايات الجماعات المحلية، الصادر بتنفيذه ظهير شريف رقم 1-07-195 بتاريخ 30 نونبر 2007 جريدة رسمية عدد، 6583 بتاريخ 3 دجنبر 2007
[32] المادة 1 من القانون رقم 00-78 المتعلق بالميثاق الجماعي الصادر بتنفيذه الظهير الشريف رقم 297-02-1 بتاريخ 3 أكتوبر 2002، جريدة رسمية عدد 5058.
[33] «L’Etat se présente comme une entité juridique, gouvernée et régie par le droit, mieux encore qui ne peut être saisie et appréhendée qu’à travers le prisme du droit », Cf. J.Chevalier, 1999.
[34] يرى البعض أن السلطات المحلية أصبحت منتجة للقانون: رغم بقائها مندمجة في الفضاء القانوني الوطني، فالمستويات الترابية المختلفة تتجه لتأسيس فضاءات قانونية مستقلة.
J. Chevalier, L’Etat post- moderne, Série politique, 35 LGDJ, p. 117.
[35] J. Morau, Droit administratif, PUF, 1990, p. 2, cité par B. Faure, Le Pouvoir réglementaire…, p. 14.
[36] B. Faure, Le pouvoir réglementaire… op.cité, p. 16.
[37] J.M. Auby, La libre administration des collectivités locales, sous la direction de J. Moureau et G. Darcy, 1984, p. 323.
[38] G.Jeze, Théorie générale de la compétence pour raccomplisssement des actes juridiques en droit français, RD publ.1928, p. 58 et suiv. Cité. Par,M. Hecquard-Théron, essai sur la notion…op. cité, p. 61.
[39] عصام نعمة إسماعيل، الطبيعة القانونية للقرار الإداري: دراسة تأصيلية مقارنة في ضوء الفقه والاجتهاد، منشورات الحلبي الحقوقية، الطبعة الأولى 2009، صفحة 11.
[40] دستور 2011 استعمل مصطلح “صلاحيات ” عوض اختصاصات.
[41] M. Waline, Traité élémentaire de droit administratif, Sirey, 5e édition, p. 181.
[42] B. Faure, Le pouvoir… op. cité, p. 30.
[43] Ibdem.
[44] André Roux, Droit constitutionnel local, op.cité, p. 38.
[45] «Décentraliser n’est pas créer des Etats dans l’Etat», R. Chapus, Droit administratif général, tome 1, 14e édition, Montchrestien, 2000, p. 637.
[46] يلاحظ أن الدستور الإسباني لسنة 1978 منح السلطة التنظيمية للمجموعات المستقلة بطريقة ضمنية في الفصل 153:
«El control de la actividad de los órganos de las Comunidades Autónomas se ejercerá:
«Por la jurisdicción contencioso-administrativa, el de la administración autónoma y sus normas reglamentarias».
[47] القانون رقم 12-90 المتعلق بالتعمير الصادر بتنفيذه الظهير الشريف رقم 1-92-31 بتاريخ 1992/6/17 جريدة رسمية عدد 4159 بتاريخ 15 يوليوز 1992
[48] M.A. Benabdellah, La police administrative dans le système juridique marocain, Publications APREJ, Collection droit public, 1987, p. 13.
[49]Ibid, p. 11.
[50] القانون رقم 78-00المتعلق بالميثاق الجماعي الصادر بتنفيذه الظهير الشريف رقم 297-02-1 بتاريخ 3 أكتوبر 2002، جريدة رسمية عدد 5058 بتاريخ 2/ 11 / 2002
[51] B. Faure, Le pouvoir réglementaire., op.cité, p. 40.
[52] «Elle évoque une compétence sans bornes ni limites et …les parlementaires sont bien en peine de trouver dans la littérature juridique ou la jurisprudence un exposé décrivant de façon claire et précise la nature et la portée de la clause générale de compétence» J.C douence, «la région : collectivité générale ou spécialisée», RFD adm., 1986.
[53] Autonomie= autos soi-même et nomos la règle, la norme.L’autonomie désigne une collectivité maitresse de ses propres règles, partant, libre de la détermination de son statut. Elle s’analyse comme l’aspect positif de l’indépendance, comme le droit de disposer de soi-même.
[54] اللجنة الاستشارية للجهوية، الكتاب الثاني، تقارير موضوعاتية، ص. 31
[55] B. Faure, Le pouvoir réglementaire… p. 66.
[56] المادة 35 من القانون رقم 00-78 سبقت إليه الأشارة
[57] Como ha dicho Ferrajoli, « El Estado es hoy demasiado grande para las cosas pequinas y demasiado pequino para las cosas grandes » Cf, O. Mir Puigpelat, Globalizacion, Estado y Derecho. Las transformaciones recientes del Derecho administrativo, THOMSON,CIVITAS, 2004, p. 212.
[58] « En-deçà de l’Etat, la régulation juridique tend aussi à se localiser et à se segmenter : l’exigence d’adaptation de la norme suppose en effet la proximité de son auteur vis-à-vis des problèmes à résoudre» Cf, J. Chevalier, L’Etat post- moderne, série politique, 35 LGDJ, p. 115.


