قراءة في نص المادة 554 من قانون المسطرة الجنائية
يونس سعيدي
طالب باحث يصف الدكتوراه
جامعة عبدالمالك السعدي بطنجة
مقدمة
لما كانت الأحكام القضائية عملا بشريا قد يرد عليه الخطأ والنسيان وقصور الفهم، وجب أن تتاح للخصم الذي خسر الدعوى أو لم تلبى كل طلباته، فرصة طلب إصلاح العيب أو العيوب التي تتضمنها لتفادي المساوئ التي تترتب على التمسك بحكم غير عادل، مجاف للحقيقة والقانون[1]. لهذا السبب بالذات ظهرت في الشرائع على اختلافها طرق الطعن في الأحكام القضائية، التي تنقسم إلى طرق عادية تشمل التعرض والاستئناف، وطرق غير عادية تشمل النقض و إعادة النظر وتصحيح القرارات والمراجعة.
فإذا كان للمحكمة التي تنظر في الطعن عن طريق التعرض والاستئناف أن تطرح النزاع على بساط البحث من جديد من حيث الواقع والقانون معا، فليس للمحكمة التي تنظر في الطعن بالنقض أن تعرض لبحث الوقائع بحسب الأصل،[2] إذ تنحصر مهمتها في النظر فيما يشوب الحكم المطعون فيه أمامها من خطإ في تطبيق القانون على الواقع.[3]
فبتتبع مسار قضاء محكمة النقض يتضح أن طبيعة قراراتها إما أن تكون حاسمة مفسرة لمسألة قانونية، أو منبهة لخرق إجراء مسطري[4] كعدم تفسير نص قانوني في الحالة الأولى أو عدم الجواب على الدفوع التي يثيرها الأطراف في الثانية تواليا، مما يستوجب نقض القرار المطعون فيه و إحالته[5] على المحكمة المختصة للبت فيه طبقا لمقتضيات المادة 550 من قانون المسطرة الجنائية [6].
و بنقض القرار المطعون فيه و إحالته إلى المحكمة المختصة، نجد أن المادة 554 من قانون المسطرة الجنائية لم تترك الأمور على بساطها و الاكتفاء بمجرد الإحالة و إنما جاءت بقيد قانوني يتمثل في التزام محكمة الإحالة بالنقطة القانونية التي بتت فيها محكمة النقض وذلك بالقول: ” يتعين على المحكمة التي أحيلت إليها القضية بعد النقض أن تلتزم بقرار المجلس الأعلى (محكمة النقض حاليا) فيما يرجع للنقطة القانونية التي بت فيها” ، مما يبقى معه الإشكال مطروحا عن حدود و نطاق السلطات المخولة لمحكمة الإحالة للنظر في القرار المنقوض، أو بالأحرى ما مدى التزام محكمة الإحالة بقرار محكمة النقض، وما هي حدود إجراءات نظر الدعوى أمامها؟
للإحاطة بالموضوع، ارتأينا أن نتطرق له من زاويتين، حيث سنناقش في الأولى مدى التزام محكمة الإحالة بالنقطة القانونية التي بتت فيها محكمة النقض، في حين سنخصص الثانية للحديث عن حدود وإجراءات نظر الدعوى أمامها بعد النقض.
الفقرة الأولى: مدى التزام محكمة الإحالة بالنقطة القانونية التي بتت فيها محكمة النقض
لاشك أن نظام النقض و الإحالة هو الصورة المثلى من صور الرقابة التي تمارسها محكمة النقض عند إلغائها للأحكام [7]، إذ بذلك يصبح القرار في الدعوى المنقوضة كأن لم يكن يستدعي الأمر إحالته للمحكمة المختصة للبت فيه من جديد طبقا للقانون.
فالقاعدة أن كل ما حسمته محكمة النقض تنحصر عنده سلطة محكمة الإحالة، إذ لا يجوز لها مناقشة أي مسألة حسمتها – محكمة النقض – مهما كان وجه الخطأ في قضائها[8] شريطة أن تكون هذه الأخيرة قد بتت في النقطة التي بسببها نقض القرار المطعون فيه[9]، و أبدت وجهة نظرها القانونية التي يمنع على محكمة الإحالة مخالفتها لأنها صارت حائزة لقوة الشيء المقضى به، و ذلك بصريح نص المادة 554 من ق. المسطرة الجنائية التي استهلها المشرع المغربي بصيغة الوجوب و الإلزام [10]، عكس بعض التشريعات المقارنة كالتشريع الفرنسي الذي أجاز لقضاء الإحالة مخالفة رأي محكمة النقض في شأن عيوب الحكم المطعون فيه[11] ما لم يطعن فيه للمرة الثانية [12] و تصر محكمة النقض – الجمعية المكتملة للمحكمة – على رأيها، آنذاك تلتزم محكمة الإحالة بما انتهى إليه قضاء النقض.[13]
و من جهة نظرنا في المسألة نؤيد الطرح الذي سلكه المشرع المغربي لاعتبارات عدة:
أولها:أن تخويل محكمة الإحالة حق مخالفة قضاء النقض يفتح السبيل نحو إطالة الإجراءات مما سيؤدي إلى طعون كيدية.
ثانيها: أنه ليست ثمة نص تشريعي يعفي محكمة الإحالة من الالتزام بالمسائل التي فصلت فيها محكمة النقض.
ثالثها: أن قرارات محكمة النقض هي قرارات حائزة لقوة الشيء المحكوم فيه، و صفة الحجية هاته تمتد إلى الأسباب المرتبطة بالمنطوق ارتباطا لا يقبل التجزئة.
لكن رب قارئ قد يتساءل عن الجزاء في حالة عدم التزام محكمة الإحالة بالنقطة القانونية التي بتت فيها محكمة النقض؟
بالرجوع لنصوص قانون المسطرة الجنائية نجد أن المادة 557 حسمت المسألة بشكل ضمني بالقول أنه: إذا أبطل مقرر، فإن الطعن بالنقض في المقرر الذي يصدر بعد ذلك في نفس القضية و بين نفس الأطراف الذين قدموا طعونهم بنفس الصفة و بناء على نفس الوسائل يعرض على غرفتين مجتمعتين بالمجلس الأعلى (محكمة النقض حاليا) قصد البت فيه…” [14] و مؤدى ذلك أن محكمة الإحالة متى تجاوزت ما قضى به قرار محكمة النقض ولم تلتزم بالنقطة القانونية التي بت فيها بعد النقض من جديد حول نفس الموضوع تعرض القضية على غرفتين مجتمعتين من غرف المحكمة المذكورة[15]، أي أنه يتم الطعن فيه للمرة الثانية، و هنا أقف وقفة تأمل لأشير أن المادة المذكورة لم تنهي الإشكال إذ ليس هناك ما يمنع محاكم الموضوع المحال عليها القرار المنقوض من مخالفة النقطة القانونية التي بتت فيها محكمة النقض، و من ثم يتكرر الطعن في نفس القضية مرارا[16] ، و هو الأمر الذي تفطن له المشرع المصري بإقراره حق التصدي[17] عندما يطلب النقض للمرة الثانية و وضع حد للنزاع بصورة نهائية، وحبذا لو اتجه المشرع المغربي نفس الاتجاه خصوصا بعد التغيير الذي أدى إلى حذف حق التصدي من قاموس قضاء النقض.
الفقرة الثانية: حدود و إجراءات نظر الدعوى أمام محكمة الإحالة
لعل أهم أثر للنقض هو فقدان القرار المنقوض لقوة الشيء المقضي به وزوال القوة التنفيذية التي كان يتمتع بها[18]، وكنتيجة لذلك فإن الأثر الفوري و الفعلي لقرار النقض هو إرجاع القضية والأطراف إلى نفس الحالة التي كانوا عليها من قبل [19]مما يستتبع بالضرورة بطلان جميع إجراءات البحث والتحقيق والخبرة و غيرها من الإجراءات التي يرتبط بها النقض.[20]
لكن إذا كان قرار النقض والإحالة يؤدي إلى استعادة محكمة الموضوع [21] ولايتها على الدعوى من جديد [22]، فإن ذلك رهين باحترامها لضوابط و قيودا قانونية سواء من حيث أطراف الخصومة التي صدر فيها القرار المنقوض، أو من حيث عدم تشديد العقوبة طبقا لمبدأ لا يضار أحد بطعنه، وكذلك من حيث نطاق النقض ما إذا كان كليا أم جزئيا.
فأما على مستوى الأطراف فالقاعدة الأساسية في هذا المجال أنه لا يستفيد ولا يتضرر من النقض إلا الأطراف الذين كانوا ماثلين في القرار المنقوض.
و من ثم فلا يقبل تدخل خصم في الدعوى الجنائية أمام قضاء الإحالة طالما أنه لم يسبق له أن ادعى قبل صدور الحكم المنقوض، ما لم يتعلق الأمر بأشخاص كانوا أطرافا أمام غرفة الجنايات المحكوم بنقض قرارها و لم يكونوا كذلك أمام محكمة النقض متى مس هذا الأخير حقوقهم [23]، آنذاك يمكن لهم أن يتقدموا من جديد بأوجه الدفاع التي رفضها القرار المنقوض طالما أن قرار النقض لم يفصل في تلك الدفوع، كما أن للخصوم أن يتمسكوا أمام قضاء الإحالة بالقوانين الموضوعية الجديدة التي تقبل التطبيق على الخصومات القائمة و التي لم يصدر فيها بعد حكم حائز لقوة الشيء المقضي به أو بقوانين كانت مطبقة من قبل على أوجه دفاعهم ودفوعهم[24]، بالإضافة إلى حقهم في التمسك بعناصر قانونية جديدة، سواء اتصلت بوقائع لم تقم محكمة الاستئناف الأولى بالنظر فيها على وجه دقيق، أو تعلقت بوقائع لاحقة على قرار النقض من شأنها أن تمس أو تعدل من مدى حقوقهم، كما لهم الحق في التمسك بمستندات أو أدلة جديدة تتصل بالوقائع السابق إثارتها أمام محكمة الاستئناف الأولى [25] ،هذا من جهة.
و من جهة ثانية فالمبدأ أو القيد الثاني يتمثل في عدم تسويء مركز الطاعن بعدم معاقبته بأشد مما قضى به الحكم المطعون فيه، و هو مبدأ يطبق بالنسبة لسائر الطعون التي يرفعها الأطراف من غير النيابة العامة، و عليه لا يجوز للمحكمة متى كان المتهم وحده هو من طلب النقض و صدر قرار محكمة النقض لفائدته بنقض القرار المطعون فيه أن تشدد العقوبة التي تضمنها القرار المنقوض[26]، أو تضيف إليها عقوبة إضافية أو تزيد مقدار التعويض، أما إذ كان النقض حاصلا بناء على طعن النيابة العامة فإنه لا مانع من تشديد العقوبة و لو كان المحكوم عليه قد طعن في القرار بدوره.
و إذا كان هذا المبدأ راسخا في جل قرارات محكمة النقض فإن الأمر يدفعنا للتساؤل عن مدى قانونيته في المادة الجنائية؟
يمكن أن نقرر منذ البداية أن قانون المسطرة الجنائية انفرد بتقرير مبدأ عام في هذا الشأن ضمن الفصلين 409 و 410، حيث جاء في الفقرة الثانية من الفصل 409 ما يلي:”… إذا قدم الاستئناف من المتهم وحده، فلا يمكن لمحكمة الاستئناف إلا تأييد الحكم أو إلغاؤه لفائدة المستأنف”، و جاء في الفقرة الثانية من الفصل 410 بخصوص استئناف الطرف المدني أو المسؤول عن الحقوق المدنية أنه:” … لا يخول هذا الاستئناف للمحكمة إلا تأييد الحكم أو تعديله أو إلغاؤه لفائدة المستأنف…”
و من ثم فالقول بعدم جواز تضرر الطاعن بطعنه: نجد مستنده ضمن هذه المقتضيات الصريحة [27] التي تتعلق فقط بالاستئناف و لا نجد لها نصا مماثلا فيما يخص الطعن بالنقض و لا التعرض وغيرها من طرق الطعن في المادة الجنائية، مما يدفعنا للإلحاح و دعوة قضاء النقض للتراجع عن مثل هاته القواعد الغير القانونية بالمرة و التي تتنافى و مبتغاه الذي هو التطبيق السليم لنصوص القانون.
و على اعتبار أن محكمة النقض هي التي تحدد في منطوق قراراتها ما إذا كان النقض كليا أم جزئيا، فلا جرم أنه يجب على محكمة الإحالة التقيد بذلك أثناء نظرها في الخصومة الصادر فيها القرار المنقوض.
فإذا كان النقض كليا فإن النزاع يطرح من ناحية الموضوع كاملا على محكمة الإحالة التي لا تكون مقيدة بأي سبب من أسباب القرار المنقوض ماعدا الالتزام بالنقطة القانونية التي على أساسها نقض القرار.
أما إذا كان النقض جزئيا فإن محكمة الإحالة لا تختص إلا بالجزء من النزاع الذي طرح فيه القرار على محكمة النقض، أي أن الإحالة تكون مقصورة على الأجزاء التي تم الطعن فيها دون باقي أجزاء القرار التي لم يوجه إليها أي طعن.[28]
الخاتمة:
نافلة القول و خير ما نختتم به هذه الدراسة حتى تحقق الغاية التي يرنو إليها المشرع على الوجه الأكمل، نقترح الآتي:
- تكريس ترسانة قانونية تنظم مسألة الإحالة بعد النقض، مع ما لهذه المسألة من أهمية شديدة و ما هي عليه من دقة عظيمة و ما قد يثور بصددها من مشاكل كثيرة.
- إعادة النظر في كيفية الإحالة و ضرورة التعجيل بها لتجنب إهدار الوقت وتعطيل الإجراءات.
- تخويل محكمة النقض حق التصدي للموضوع، بعد الطعن بالنقض في قرار محكمة الإحالة للمرة الثانية .
- ضرورة أن تسهب محكمة النقض – إلى حد ما – في القواعد القانونية التي ترسيها في قراراتها، حتى يسهل الأمر على محكمة الإحالة و ألا تتوانى في تفسير أحكامها التي قد يشوبها لبس أو غموض.
[1] – محمد الكشبور: رقابة المجلس الأعلى على محاكم الموضوع في المواد المدنية:محاولة التمييز بين الواقع و القانون ص 17 الطبعة الأولى .2001.
[2] – أما الاستثناء هو بت محكمة النقض في الخصومات كمحكمة موضوع، وذلك في بعض القضايا الخصوصية (راجع الفصول 265،266 من ق.م.ج).
[3] – جالفقرة الثانية من نص المادة 518 من قانون المسطرة الجنائية.
[4]– عبد الهادي الأمين: سلطات محكمة الإحالة في القضايا الجنائية:مجلة قضاء محكمة النقض العدد 75/2012 ص 382.
[5] – الإحالة تعني نقل الدعوى من المحكمة المرفوعة إليها ابتداء إلى محكمة أخرى و هي تقوم على أنواع عديدة منها على سبيل المثال: النوع الأول الإحالة القضائية بسبب عدم الاختصاص أو الارتباط… والنوع الثاني يتمثل في إحالة الدعوى من قضاء مع انه مختص وفقا للقواعد العادية لاختصاص لمصلحة قضاء آخر بسبب ظروف تعود إلى الشك في حيدة القضاء الأول ، بينما النوع الثالث فهو الإحالة بسبب النقض و هو بيت القصيد في موضوعنا هذا ذلك أنه يترتب على نقض الحكم أو القرار اعتباره كأن لم يكن، أي هو و العدم سواء يترتب عليه إعادة الخصوم إلى ما كانوا عليه قبل صدوره.
[6]– جاء في نص المادة 550 من ق.م.ج: “إذا أبطل المجلس الأعلى مقررا صادرا عن محكمة زجرية، أحال الدعوى والأطراف إلى نفس المحكمة متركبة من هيئة أخرى و بصفة استثنائية على محكمة أخرى من نفس نوع و درجة المحكمة التي أصدرت المقرر المطعون فيه.
غير أنه في حالة الإبطال من أجل عدم اختصاص المحكمة التي أصدرت الحكم المقرر إبطاله، يتعين إحالة القضية إلى المحكمة المختصة قانونا.”
[7]– عرفت الشرائع اللاتينية نظام النقض حيث انحصر اختصاصها- كأحد عام – منذ نشأته في رقابة الجانب القانوني من الحكم دون الجانب الموضوعي باعتباره جهازا لمحاكمة الحكم و العمل على حسن تطبيقه للقواعد و المبادئ القانونية.
[8]– ” و حيث أن محكمة النقض نقضت قرار محكمة الاستئناف لعدم الجواب على دفاع المتهم و المسؤول المدني و شركة التأمين الذين طالبوا بإيقاف البت في الدعوى إلى أن يقع الفصل في طلب النقض ضد القرار الذي بت في المسؤولية إلا أن محكمة الإحالة لم تتقيد بهذه النقطة التي بت فيها و عرضت قرارها للنقض” القرار عدد 1170 بتاريخ 7/2/82 ملف جنحي عدد 5991.
[9]– يقصد بالنقطة القانونية الواردة في المادة 554 من ق.م.ج المسألة التي طرحت على محكمة النقض في شكل وسيلة أثيرت من طرف الطالب أو أثارتها محكمة النقض تلقائيا إذا كانت تتعلق بالنظام العام و أدلى فيها المجلس برأيه، فاكتسب حكمها قوة الشيء المقضى به في حدود هذه المسألة بحيث يمنع على محكمة الإحالة عند نظر الدعوى المساس بهذه الحجية.
[10]– يتعين على المحكمة التي تحال عليها القضية أن تتقيد بقرار النقض فيما يرجع للنقطة القانونية التي بت فيها المجلس الأعلى (محكمة النقض حاليا).
إذا نقض المجلس قرار غرفة الجنايات بمحكمة الاستئناف جزئيا فيما يخص ظروف التخفيف و رفض طلب النقض فيما عدا ذلك، فإن محكمة الإحالة ملزمة بالتقيد بالنقطة القانونية التي بث فيها المجلس و بتعليل ما ستقضى به تعليلا كافيا و صحيحا من غير أن تعمد إلى إعادة تكييف الوقائع مرة ثانية من جناية إلى جنحة ما دام أن هذا التغيير في التكييف قد وقع التصديق عليه بقرار المجلس الصادر سابقا بالنقض الجزئي و برفض طلب النقض في باقي ما كان ينتقد على القرار المطعون فيه، القرار الصادر عن المجلس الأعلى سابقا – محكمة النقض حاليا – عدد 846/1 الملف الجنحي عدد 3820/97 المؤرخ في 19/4/2000 منشور بمجلة قضاء المجلس الأعلى العدد المزدوج 58.57 ص 343.
[11]– سبب ذلك راجع إلى الاتجاه الذي كان سائدا و هو استغلال القاضي و عدم تبعيته أو تلقيه للأوامر من أي جهة أو هيئة مهما علت و ذلك فيما يتعلق بعمله الفني أو الوظيفي.
[12]– هذا الاستثناء راجع للتغيير الذي طرأ على المادة 231/2 من التنظيم القضائي الفرنسي بمقتضى القانون 79/9 الصادر بتاريخ 03/01/1979 حيث أصبحت محكمة الإحالة لا تلتزم بحكم محكمة النقض إلا أذا كان صادرا عن الجمعة المكتملة للمحكمة سواء كان هذا الحكم صادرا منهما بمناسبة طعن لأول مرة أو بمناسبة طعن ثان في حكم محكمة الإحالة، أما إذا كان الحكم صادرا من تشكيل آخر لمحكمة النقض غير الجمعية المكتملة فلا تلتزم به محكمة الإحالة و لو كان طعن ثان.
[13]– بل أكثر من ذلك فبالرجوع للمادة 114.1 من ق.التنظيم القضائي الفرنسي نجدها تنص على أنه “….. للمحاكم وبمقتضى مقرر قضائي غير قابل للطعن، و قبل أن يبت في نزاع مطروح أمامها أن تطلب من محكمة النقض رأيها في مسألة تتعلق بقانون جديد يشكل صعوبة جدية في التأويل شريطة أن يكون هذا النوع من النزاعات مما يتردد كثيرا على المحاكم….” و من وجهة نظرنا فهذه المسطرة لها مآخذ غير محمودة لعل أهمها حجم القضاء عن البحث و الاجتهاد والإبداع حيث سينساقون إلى الاتكال و عدم تحمل المسؤولية و الاستنجاد بمحكمة النقض.
[14]– للإشارة فقرارات محكمة النقض تكون ملزمة لمحاكم الموضوع في حالتين:
- حالة صدورها من غرفتين مجتمعتين.
- حالة صدورها بجميع الغرف مجتمعة (الغرفة المدنية – غرفة الأحوال الشخصية والميراث – الغرفة التجارية – الغرفة الإدارية- الغرفة الاجتماعية – الغرفة الجنائية.).
[15] – جاء في إحدى القرارات الصادرة عن محكمة النقض: “يتعين على المحكمة التي تحال عليها القضية أن تتقيد بقرار النقض فيما يرجع للنقطة القانونية التي بت فيها المجلس.
وحيث أن المجلس نقض قرار محكمة الاستئناف لعدم الجواب على دفاع المتهم و المسؤول المدني وشركة التأمين الذين طالبوا بإيقاف البت في الدعوى إلى أن يقع الفصل في طلب النقض ضد القرار الذي بت في المسؤولية إلا أن محكمة الإحالة لم تتقيد بهذه النقطة التي بت فيها المجلس وعرضت قرارها للنقض” قرار رقم 1170 صادر بتاريخ 7/2/1982 غير منشور ، و في قرار آخر “يجب على محكمة الإحالة التقيد بالنقطة القانونية التي من أجلها تم النقض و الإحالة، و إلا عدت مشتطة في قضاءها بمسها حجية الأمر المقضى به، و لما كان منطوق قرار محكمة النقض القاضي بالنقض الجزئي والإحالة بخصوص قيام الضمان قد أصبح حائر القوة الشيء المقضى عملا بمقتضيات 451 من ق.ل.ع فإن المحكمة عندما تبث في القضية على ضوء ما انتهى إليه القرار المذكور يكون قضاءها مؤسسا و معللا تعليلا سليما و كافيا” قرار عدد 717 الصادر بتاريخ 3/6/2015 في الملف الجنحي عدد 9729/6/2/14 منشور بنشرة قرارات محكمة النقض الغرفة الجنائية العدد 20.
[16]– مناقشة شفوية مع الأستاذ الطيب أنجار بتاريخ 01/11/2016 بمحكمة النقض.
[17]– يقصد بالتصدي مبادرة محكمة النقض إلى إعمال رقابتها على عيوب لحقت بالحكم المطعون عليه دون أن يثيرها الطاعن.
[18]– جدير بالذكر أن الدعوى تستأنف سيرها تلقائيا أمام محكمة الإحالة بعد إصدار محكمة النقض قرارها بالنقض والإحالة لأن المشرع المغربي لا يعلق ذلك على تقديم طلب ممن له المصلحة من الأطراف خلافا لما عليه الوضع في التشريع الفرنسي و المصري إذ يتطلب تحريك الدعوى أمام محكمة الإحالة تقديم طلب أو تصريح تحت طائلة عدم القبول.
[19]– “النقض يؤدي إلى رجوع الأطراف إلى الحالة التي كانوا عليها قبله، تقييد القرار المطعون فيه بالنقطة القانونية التي تبت فيها محكمة النقض و المتعلقة بعدم رد القرار المنقوض على الدفع “بالحيازة” لا يعفي محكمة الإحالة من الرد على باقي الدفوع الأخرى التي تمسك بها الأطراف و لم تكن محل مناقشة في قرار النقض و الإحالة.”
قرار عدد 28/08 صادر عن محكمة النقض – بغرفتين – في الملف المدني عدد 753/1/8/2013 بتاريخ 21/1/2014
[20]– المنتصر الداودي: حدود تقييد محكمة الإحالة بقرار النقض ، مقال منشور بسلسلة ندوات محكمة الاستئناف بالرباط الجزء الأول العدد الثالث ص 111 السنة 1998.
[21]– جدير بالذكر أنه لا يمكن أن تتشكل محكمة الإحالة من أي قاض سبق أن كان عضوا في الهيئة التي أخذت القرار المحال عليها على إثر نقضه، فقد قررت محكمة النقض أنه “إذا أبطلت محكمة النقض حكما صادرا عن محكمة زجرية وأحال الدعوى و الأطراف على نفس المحكمة لتبت فيها و هي متركبة من هيئة أخرى فلا يجوز لأحد القضاة الذين شاركوا في إصدار الحكم المنقوض أن يشارك من جديد في تشكيل الهيأة التي تعيد محاكمة المتهم و إلا تعرض حكم المحكمة للنقض” القرار 563 الصادر بتاريخ 23/1/86 ملف جنحي عدد 16476 منشور بمجلة قضاء المجلس الأعلى عدد 40 ص 236.
[22]– إذا كان أثر قرار النقض و الإحالة هو إعادة القضية و طرفيها إلى الحالة التي كانوا عليها قبل صدور القرار المنقوض مع ضرورة تقيد محكمة الإحالة فقط بالنقطة القانونية التي تبث فيها محكمة النقض، فإن الصلاحية تبقى لمحكمة الإحالة في اعتماد وسائل أخرى، و المحكمة لما اعتمدت في قرارها المطعون فيه على قوة الشيء المقضي به بمقتضى القرار الاستئنافي المستدل به و تكون بذلك قد جعلت قضاءها مرتكزا على أساس قانوني”. القرار عدد 20 الملف المدني عدد 1088/1/1/14 بتاريخ 13/01/2015 غير منشور.
[23]– عمليا نادرا ما نجد محكمة للإحالة تتخذ هذا الإجراء و ذلك باستدعاء الأطراف من جديد، وهذا في حد ذاته يعتبر خرقا لحقوق الدفاع.
[24] – ذ.عبد الهادي الأمين “مرجع سابق ص 379”
[25] – لقد عززت محكمة النقض ذلك في جل قرارتها بالقول أن نقض الحكم يترتب عنه عودة الخصومة إلى ما كانت عليه قبل صدور الحكم المنقوض و كذا عودة الخصوم إلى مراكزهم القانونية الأولى بما سبق لهم أن أبدوه من دفوع وتمسكوا به من مستندات و للمحكمة مطلق الحرية في إقامة حكمها على فهم جديد لوقائع الدعوى تستخلصه من جميع عناصرها، و لا يقيدها في ذلك إلا رأي محكمة النقض في المسألة القانونية التي فصل فيها.
[26]– ” تبقى محكمة للإحالة مقيدة بنطاق الدعوى المعروضة عليها، و بالتالي لا يجوز لها دفع الغرامة المالية المحكوم بها على الطاعن مادام لم يستأنف غيره الحكم الابتدائي و ذلك تطبيقا لقاعدة لا يضار أحد بطعنه” قرار عدد 571 صادر عن محكمة النقض في الملف الجنحي عدد 25731/6/1/218 منشور بمجلة نشرات محكمة النقض العدد 14.
[27]– نجد ان المشرع المصري تناول هذه القاعدة بنص صريح في المادة 43 من قانون النقض والتي جاء فيها انه: “إذا كان نقض الحكم حاصلا بناء على طلب أحد الخصوم غير النيابة العامة فلا يضار بطعنه”.
[28]– أحمد هندي: آثار أحكام محكمة النقض و قوتها، دراسة تحليلية في القانونين المصري والفرنسي ص 180-181 طبعة 1998.



اترك رد