بدائل عقوبة الإعدام في ضوء السياسة الجنائية المعاصرة
( دراسة مقارنة )
د. / ياسر محمد اللمعى
مدرس القانون الجنائى كلية الحقوق – جامعة طنطا
المقدمة
إن السياسة الجنائية المعاصرة قد نجحت فى تحويل الفكر الجنائى من فكر عقابى صرف إلى فكر اجتماعى هدفه الدفاع الاجتماعى ضد الظاهرة الإجرامية عن طريق الوقاية والإصلاح والتأهيل للتآلف مع الحياة الاجتماعية. رغم ذلك لم تتخلى عن مبدأ العدالة كقيمة متأصلة فى الضمير الإنسانى، ومبدأ الردع العام كغرض تقليدى للعقوبة.
وتعد عقوبة الإعدام من أقدم العقوبات التى عرفتها البشرية، حيث كانت شائعة فى الشرائع القديمة بل كانت هى العقوبة الغالبة وكان تنفيذها يتم بالوحشية والقسوة التى تفوق مجرد إزهاق الروح إذ كانت تهدف إلى تعذيب المحكوم عليهم تمشياً مع فكرة الانتقام والردع، ولكن مع تطور الفكر الجنائى وتغير النظرة إلى أهداف العقوبة دوراً كبيراً فى استبعاد الوسائل الوحشية التى كانت تصاحب تنفيذ تلك العقوبة واقتصر تنفيذها على مجرد إزهاق الروح كما اتجهت التشريعات إلى تقليل الحالات التى تطبق فيها عقوبة الإعدام.
إن وقف تطبيق عقوبة الإعدام وإيجاد بدائل لها لا يعنى بأى حال الإفلات من العقاب، وإنما العفو عن إزهاق الأرواح وحماية الحق فى الحياة والتركيز على قيم العدالة والتسامح وتجاوز العصبيات الثأرية التى تتحكم فى الكثير من المواقف والسلوكيات.
وذلك من خلال احترام المعايير الدولية وخاصة البروتوكول الثانى الملحق بالعهد الدولى الخاص بالحقوق المدنية والسياسية بشأن إلغاء عقوبة الإعدام كذلك احترام ضمانات المحاكمة العادلة والمنصفة وتسليط الضوء على قيمة الحق فى الحياة وتأكيد على قيم التسامح والعفو والتى تنادى بها الشرائع السماوية.
وعلى سبيل المثال اتجهت السياسة الجنائية الحديثة فى الأردن إلى بدائل أخرى لعقوبة الإعدام فى العديد من الحالات، فقد جمدت الأردن من عام 2006 تطبيق عقوبة الإعدام رغم وجود أحكام بالإعدام فى السجون وذلك بتطبيق عقوبة السجن المؤبد باعتبارها بديل من بدائل عقوبة الإعدام.
وكان هناك اتجاه من بعض الدول يهدف الي التضييق من تطبيق عقوبة الإعدام إلى حد الوصول إلى إلغائها، مع منع تطبيق عقوبة الإعدام على الأطفال والنساء والشيوخ لمن تجاوز الستين من العمر والأشخاص ذوى الاحتياجات الخاصة باعتبار ذلك بديل من البدائل.
إلا اننا نري انا التشريعات تحتاج الي مجموعة من الاجراءات لكفالة هذا المبد وهي :
- مراجعة التشريعات لوضع ضوابط وشروط أكثر حزماً فى إجراءات التحقيق الجنائى الخاصة بالقضايا الجنائية التى تعاقب بعقوبة الإعدام. وضع بدائل لعقوبة الإعدام والسجن المؤبد الذى لا يفسح المجال لإعادة تقييم وضع المحكوم عليه كل ما أكن ذلك.
- التحول فى استخدام بدائل لعقوبة الإعدام، ولكن على أن يتم ذلك بأسلوب منهجى وتدريجى على أن يتم تقليص عدد الجرائم إلى الحد الأدنى وأن تتوافر الشروط التالية:-
أ – إلغاء عقوبة الإعدام بالنسبة للجرائم السياسية، وضع بدائل لذلك.
ب – إلغاء المحاكم الاستثنائية وقوانين الطوارئ.
ج – دعم استقلال القضاء.
د – تفعيل دور علماء الاجتماع وعلم النفس الجنائى فى معالجة أسباب ظاهرة الإجرام وخاصة الجرائم المعاقب عليها بالإعدام، وذلك من خلال العمل على خلق وتطوير المجتمعات الديمقراطية واعتبار ذلك فى ضوء حقوق الإنسان.
أما بالنسبة لاستبدال عقوبة الإعدام والردع :
الأصل هو أن حكم الإعدام لا يردع وإنما عقوبة الإعدام هى عقوبة
رادعة لمن تسول له نفسه أن يرتكب الجريمة([1]) فثمة محرضات، ثمة إغراءات،
تزين للمرء الجريمة، مهما كان نوعها أو شكلها، ولا يحول دونها رادع من
أى نوع.
ثمة دوافع تتركه يذهب إليها، يذهب إلى الجريمة، إلى حبل مشنقة أو إلى المقصلة.
وبالتالى يمكنه الإبقاء على نص عقوبة الإعدام مع عدم الحكم بعقوبة الإعدام، وبالتالى يتحقق الردع العام واستبدال عقوبة الإعدام بعقوبة السجن المؤبد. وبالتالى يمكنه تلافى أهم الانتقادات التى وجهت إلى عقوبة الإعدام وهى أنها من العقوبات التى تردع دون أن تصلح أو تعالج.
سوف نتناول في هذه الدراسة لبدائل عقوبة الاعدام وذلك علي النحو التالي:
المبحث الاول : العقوبات الرضائيه البديلة ودورها فى تخفيف أثر عقوبة الإعدام.
المبحث الثاني : موقف التشريع المصرى من بدائل عقوبة الإعدام.
المبحث الثالث : نحو الحد التدريجى لعقوبة الإعدام فى تشريعاته الوطنية.
المبحث الأول
العقوبات الرضائية البديلة ودورها فى تخفيف أثر عقوبة الإعدام
يعتبر مبدأ العقوبات الرضائية هو إحدى وسائل العدالة الرضائية كبديل من بدائل التحقيق من غلواء العقوبات، كما تقلل من مخاطر تعرض المتهم لأخطاء المحاكمات فيها تعتبر وسيلة من وسائل السياسة الجنائية وفقاً للاتجاهات الحديثة([2]) فى الفقه الجنائى التى تهدف إلى تفعيل دور العدالة الجنائية.
وبالتالى تخفف العبء عن كاهل أجهزة تنفيذ القانون، وبالتالى الإقلال من الجهد الذى تبذله الهيئات المكلفة بالبحث الجنائى، كما تعتبر ضمانة للتقليل من الإسراف فى إصدار أحكام عقوبة الإعدام وبالتالى تعتبر تغيير عن اتجاه السياسة الجنائية الرشيدة فى عدم الإسراف فى استخدام قواعد العقاب خاصة عقوبة الإعدام.
إن تطبيق سياسة الحد من العقاب ([3]) dépénalisation الرضائية consenaulisme. ويرجع الفضل للمؤتمر السادس لوزراء العدل فى أوروبا والمنعقد فى عام 1979([4]) فى مدينة لاهاى إلى تركيز الضوء على سياسة الحد من العقاب، فقد تبنى كلاً من الأستاذين M.Beria & M. Ancel مفهوماً واسعاً للحد من العقاب على النحو التالى: «إضعاف ردة الفعل الاجتماعى الذى يهجر أحياناً الطريق الجنائى بمعناه الضيق وأحياناً التخفيف منه، وأحياناً استبداله بأساليب أخرى أقل تصادماً، وأكثر فعالية»([5]).
وقد نادى بهذا الاتجاه الفقهى Pradel وهو الحد من العقاب بقوله أى شكل
من أشكال التخفيف داخل النظام الجنائى، أو التخلى عن النظام الجنائى لصالح نظم أخرى بديلة، موجودة فى قوانين أخرى كالقانون الإدارى، والقانون المدنى، أو الوساطة([6]).
المطلب الاول
موقف الشريعة الإسلامية من مبدأ العقوبات الرضائية
اول : الجرائم المعاقب عليها بالإعدام فى الشريعة الإسلامية:
يقسم الفقهاء فى الشريعة الإسلامية العقوبات إلى ثلاث أقسام تبعاً لنوع الجريمة المقررة لها وهى كالتالى: «جرائم الحدود – جرائم القصاص – جرائم التعزير».
1- بالنسبة لجرائم الحدود: الحدود هى تلك التى فرضها الشارع على أفعال محددة تجب حقاً لله.
وجرائم الحدود المعاقب عليها بالإعدام هى زنا المحصن، والإعدام هنا وجوبى، أما جريمة الحرابة فعقوبة الإعدام هنا اختيارية مع عقوبات أخرى. يضاف إلى ذلك جريمتا الردة والبغى عند من يراهما من جرائم الحدود وعقوبة الإعدام هنا وجوبيه لهما.
2 – بالنسبة لجرائم القصاص: هى تلك التى فرضها الشارع على أفعال محددة تجب حقاً من حقوق الأفراد، يعاقب بالإعدام فى جريمة واحدة وهى القتل العمد وهى هنا عقوبة اختيارية، وذلك لقول الرسول صلى الله عليه وسلم «من قتل له قتيل فهو بخير النظرين إما أن يفتدى وإما أن يقتل».
3- بالنسبة لجرائم التعزير : وعقوباتها تثبت فى كل معصية ليس فيها حد ولا كفارة، ويجوز لمن له سلطة التشريع أن يفرض عقوبات تعزيرية على الأفعال المرتكبة تصل أحياناً إلى عقوبة الإعدام([7]).
وتعتبر الشريعة الإسلامية سباقة فى الأخذ بمبدأ العقوبات الرضائية وخاصة من خلال الأخذ بالدية كبديل عن طلب القصاص شرعاً، حيث تعتبر الدية هى مقدار معين من المال يدفع فى جرائم القتل والجرح، فتعتبر عقوبة وتعويضاً، لأن معنى الزجر الجانى بحرمانه من جزء من ماله وكذلك تعويض المجنى عليه. ويترتب على قبول الدية من أسرة المجنى عليه انقضاء حق أولياء الدم فى طلب القصاص([8]) وبذلك يتحقق الهدف من العقوبة وهى زجر وردع للجانى، والتعويض والتشفى لأولياء القتيل. فالدية تعتبر من البدائل الرضائية عن القصاص فى جرائم النفس.
وقد روى عن أنس بن مالك قال: «ما رأيت النبى صلى الله عليه وسلم رفع إليه شئ فيه قصاص إلا أمر فيه بالعفو»([9]). أخرجه أبو داود فى سننه أكثر من حديث يحث فيها رسول الله صلى الله عليه وسلم القاضى على عرض العفو على المجنى عليه، ويحث فيها أيضاً المجنى عليه القبول، بل أن أبا داود ترجم لهذه الأحاديث بقوله: باب – الإمام يأمر بالعفو فى الأمر – وكأنه بذلك يحض القاضى على ضرورة عرض العفو، أو الصلح على المجنى عليه، أو ولى الدم».([10])
ثاني : التوبة كبديل عن تنفيذ عقوبة الإعدام فى الشريعة الإسلامية:
فى جرائم الحدود «حد الحرابة» :
يقول الحق عز وجل : )إِنَّمَا جَزَاء الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الأَرْضِ فَسَادًا أَن يُقَتَّلُواْ أَوْ يُصَلَّبُواْ أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُم مِّنْ خِلافٍ أَوْ يُنفَوْاْ مِنَ الأَرْضِ ذَلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنْيَا وَلَهُمْ فِي الآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ* إِلاَّ الَّذِينَ تَابُواْ مِن قَبْلِ أَن تَقْدِرُواْ عَلَيْهِمْ فَاعْلَمُواْ أَنَّ اللّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ(([11]).
فقد أجمع الفقهاء استناداً إلى هذه الآية إلى أن التوبة تحول دون إقامة
دعوى الحق العام على المحارب ولكن بشرط أن تكون هذه التوبة قبل القدرة عليه([12]) أى قبل القبض عليه وتنفيذ عقوبة الحرابة المنصوص عليها فى القرآن الكريم، بالإضافة إلى أنه يشترط أن المحارب لم يرتكب جرائم تمس حقوق العباد أو جرائم تمس حقوق الله تعالى، فإذا ما ارتكب شيئاً من هذه الجرائم حكم عليه بعقوبة هذه الجرائم.
إلا أنه لا يكون للتوبة أى أثر بالنسبة لجرائم القصاص والدية، وإنما يجوز العفو بطبيعة الحال من أصحاب الحق فى هذه الجرائم، فإنه يجب على القاضى أن يطلب من أولياء المقتول العفو عن الجانى، الذى تاب توبة صادقة ظهرت دلائل صدقها، فإذا لم يقبلوا ذلك عرض عليهم قبول الدية، ورغبتهم فى قبولها، وكذلك فإن الدية واجبة على القاتل حتى وإن تاب([13]).
موقف المواثيق والإعلانات الدولية من عقوبة الإعدام:
وهذا الموقف من الشريعة الإسلامية نادى به الإعلان العالمى لحقوق الإنسان بقرار من الجمعية العامة للأمم المتحدة فى 10/12/1948 ونص فى مادته الثالثة على أن «لكل فرد الحق فى الحياة والحرية وسلامة شخصه». ونص فى المادة الخامسة على أنه «ولا يعرض أى إنسان للتعذيب ولا للعقوبات أو المعاملات القاسية أو الوحشية أو الحاطة بالكرامة».
وقد انعكس ذلك على الاتفاقية الدولية للحقوق المدنية والسياسية التى أقرتها الجمعية العامة للأمم المتحدة فى 16 ديسمبر 1966، فقد نصت المادة السادسة على أن «لكل إنسان حق أصيل فى الحياة، ويتمتع بهذا الحق وجوباً بحماية القانون ولا يجوز تحكماً حرمان أى إنسان من حياته».
وقد أخذ الغرب من الشريعة الإسلامية نظام التوبة ولكن بطريقة مختلفة بعض الشئ، وهو نظام الاعتراف المسبق بالجرم باعتباره أحد صور نظام العقوبة الرضائية والذى يمثل أحد الحلول لتفعيل السياسة الجنائية من خلال تجنب المتهم إجراءات المحاكمة الجنائية وبالتالى توفير الوقت والجهد والمال. ويلاحظ أن نظامى التوبة فى الشريعة الإسلامية ونظام المثول على أساس الاعتراف المسبق بالجرم متشابهان فى كثير من القواعد، إلا أنهما يختلفان من حيث الطبيعة القانونية. حيث أن التوبة يتم تكييفها على أنها من طائفة الأعذار القانونية المعفية من العقاب، أما نظام المثول على أساس الاعتراف بالجرم فهو أحد الأنظمة العقابية الرضائية البديلة، وأنه يمكن تصنيف النظامين على أنهما من الأنظمة الرضائية([14]).
ثالث: جرائم القصاص والدية وبدائل لعقوبة الإعدام :
جرائم القصاص: هى الجرائم القصاص هو العقوبة الأصلية فيها لجرائم الاعتداء على النفس أو ما دون النفس أو ما يسمى بفقه القانون الوضعى، جرائم الاعتداء على الأشخاص فتشمل جرائم القتل والإيذاء([15]).
أما جرائم الدية: فهى الجرائم الدية هى العقوبة الأصلية المقررة لجرائم الاعتداء على النفس «القتل» التى تقع بشكل غير عمدى «خطأ»([16]).
وحيث أن الشريعة الإسلامية تجعل لإرادة المجنى عليه أو أوليائه دوراً أساسياً فى منع توقيع العقاب أى العقوبات الأصلية بتقريرها جواز الصلح عن القصاص من قبل المجنى عليه فى جرائم الإيذاء أو من قبل أوليائه فى جرائم القتل وذلك مقابل دفع مبلغ الدية([17]) وهى بالتالى عقوبة بديلة رضائية مع جواز ذلك فى أى مرحلة تكون عليها الدعوى الجنائية، وذلك مصداقاً لقول الله سبحانه وتعالى:)يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ وَالأُنثَى بِالأُنثَى فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ(([18])
وكذلك لقول الرسول صلى الله عليه وسلم «اشفعوا إلى ويقضى الله على لسان نبيه ما يشاء». وهو ترغيب فى العفو فى كل أمر فيه قصاص([19]).
أما بالنسبة للدية، فقد قال الله سبحانه وتعالى: )وَمَن قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَئًا فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُّؤْمِنَةٍ وَدِيَةٌ مُّسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ إِلاَّ أَن يَصَّدَّقُواْ(([20])
ويترتب على دفع الدية عدم توقيع عقوبة القصاص، أما بالنسبة للجريمة التى استوجبت القصاص، فلا تأثير للعفو عليها فتبقى قائمة وتصبح محلاً للتعزير من أولى الأمر([21]) فقط وهى بالتالى من العقوبات البديلة الرضائية.
أما العفو فقد شرع الله سبحانه وتعالى العفو فى جرائم القصاص لشفاء غيظ أهل المجنى عليه أولياء الدم ولاستئصال غريزة الانتقام المتأصلة فى النفس البشرية، ذلك أن وقع الجريمة فى الدماء شديد، وأثرها فى المجتمع خطير، وأثرها فى نفس أهل المجنى عليه أشد وقعاً. لذلك كان لابد من المعالجة النفسية، وشد أزرهم وتمكينهم من سلطان إنزال العقاب بالجانى ما يجعلهم يحسون بالعدل ويحسون بالتضامن من المجتمع معهم فيشفى غيظهم فيعفون عن الجريمة عن عزة ومقدرة لا عن ضعف([22]).
المطلب الثانى: موانع الحكم بالإعدام
تنقسم الاحوال التي يسقط فيها الحكم بالإعدام الي احوال عامة و احوال خاصة و هى علي النحو التالي :
[1] الأحوال العامة التى يسقط فيها الحكم بالإعدام:
1- صغر السن 2- الجنون 3- النوم 4- السكر.
[2] الأحوال الخاصة لسقوط عقوبة الإعدام:
1- سقوط عقوبة الاعدام فى جرائم الحدود «أثر التوبة فى سقوط عقوبة المحارب».
2- سقوط عقوبة الإعدام فى القصاص.
3- سقوط عقوبة الإعدام فى جرائم التعزير.
اول: الأحوال العامة :
1- صغر السن :
– ذهب جميع الفقهاء فى الشريعة الإسلامية إلى أنه يمتنع الحكم بالإعدام إذا كان الجانى هو صبى أى دون سبع سنوات ولكن يسأل عن الدية فى ماله.
وكذلك الصبى المميز حتى سن خمسة عشر سنوات، أما الصبى من خمسة عشر إلى دون التاسعة عشر، فالحكم هنا يسقط ولا يحكم بالإعدام ولكن توجب الدية كذلك([23]).
– يمتنع الحكم على الصبى فى حالة أن إدراكه العقلى لم يكتمل بعد.
فعن رسول الله صلى الله عليه وسلم فى صحيح البخارى وسنن ابن ماجه قال لعمر [أما علمت أن القلم رفع عن المجنون حتى يفيق وعن الصبى حتى يدرك وعن النائم حتى يستيقظ] ([24]).
2- الجنـــون :
يمتنع الحكم بعقوبة الإعدام إذا ثبت أن الجانى مجنون واشتهر عنه الجنون لقول صلى الله عليه وسلم: [رفع القلم عن ثلاث النائم حتى يصحو والطفل حتى يحلم والمجنون حتى يستفيق].
3- النــــوم :
حالة إذا كان الجانى نائماً مستغرقاً فى نومه فإذا قتل رجلاً وهو نائم فإنه لا يعاقب.
4- السُكْــــر :
حالة إذا كان الجانى فى حالة سكر غير اختيارى تسقط عقوبة الإعدام عنه باعتباره حالة من حالات موانع المسئولية الجنائية.
ثاني : الأحوال الخاصة لسقوط عقوبة الإعدام :
1- سقوط عقوبة الإعدام فى جرائم الحدود :
لا يسقط الحد هنا إلا بفوات محل العقوبة وهو الجانى كأن يكون قد مات أثناء المحاكمة، أو يكون قد قتل فى حد آخر غير الذى يحاكم من أجله ويعتبر هنا السقوط نتيجة منطقية خاصة فى الشريعة الإسلامية. ومبدأ شخصية العقوبة أو عدم تعدى العقوبة([25]).
مصداقاً لقوله تعالى: )أَلا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى *وَأَن لَّيْسَ لِلإِنسَانِ إِلا مَا سَعَى(([26]).
حالة خاصة عن أثر التوبة فى إسقاط عقوبة المحارب :
وهى المتعلقة بعقوبة جريمة الحرابة والثابت أن هذه العقوبة حدية لا تسقط أبداً ما دامت قد ثبتت ووجب الحكم فيها وتنفيذها ومادام المحارب قد اقترف جريمته فإنه يقتل ولو كان أنثى([27]).
إلا أن الحق سبحانه وتعالى فتح باب التوبة للمحارب حتى يصبح فرداً صالحاً فى المجتمع، فقد رفع حد هذه الجريمة بجميع درجاته عن الذى يتوب قبل قدرة الإمام عليه أو الولى، أى قبل أن يصدر أمراً بالقبض عليه من ولى الأمر أو من المتولى للشئون القضائية والجنائية.
مصداقاً لقوله تعالى: )إِلاَّ الَّذِينَ تَابُواْ مِن قَبْلِ أَن تَقْدِرُواْ عَلَيْهِمْ فَاعْلَمُواْ أَنَّ اللّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ(([28]).
ولكن هناك حالتين :
الحالة الأولى: توبة المحارب تكون برد المال على صاحبه إذا كان أخذ المال الغير مع العزم ألا يفعل ذلك فى المستقبل([29]).
الحالة الثانية : إذا كان المحارب قتل فإنه يسقط عنه الحد قتلاً ولكن لا يسقط قصاصاً، فإنه قتل المحارب كان ولى الأمر أن يعرض شأنه على ولى الدم واحداً أو أكثر إن كان قتل المحارب أكثر من نفس فإن شاءوا قتلوه قصاصاً وإن شاءوا قبلوا الدية أو الصلح أو أنهم يعفون عنه، وإن شاءوا طالبوا بالقصاص فيقتل([30]).
وبذلك تنزل عقوبة جريمة الحرابة إلى عقوبة من الحدود إلى عقوبة
القصاص والذى فيه مظنة النجاه من الموت بالدية أو الصلح ولربما العفو تماماً عنه من ولى الدم.
2- سقوط عقوبة الإعدام فى القصاص :
القاعدة : فى الشريعة الإسلامية أن المجنى عليه ليس له فى الجرائم العامة العفو عن العقوبة.
الاستثناء: للمجنى عليه أو وليه فى جرائم القصاص والديه دون غيرها من الجرائم العفو عن العقوبة.
وذلك لأنها تمس المجنى عليه أكثر مما تمس أمن المجتمع ونظامه، وعلى ذلك فالعقوبة فى جرائم القصاص تسقط فى الأحوال الآتية:
أ – فوات المحل: مات من عليه القصاص أو القتل ظلماً بغير حق أو بحق بالردة أو قصاص آخر.
ب- العفو : أى أن يعفو ولى الدم عن الجانى بمقابل أو بدون مقابل ولكن يشترط أن يكون العفو صادراً من جميع الأولياء فلولى الدم الحرية فى أن يطالب بتنفيذ القصاص أو العفو ويشترط أن يكون العفو ممن يملكه وأن يكون بالغاً عاقلاً.
مصداقاً لقوله تعالى: )يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ وَالأُنثَى بِالأُنثَى فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ وَأَدَاء إِلَيْهِ بِإِحْسَانٍ ذَلِكَ تَخْفِيفٌ مِّن رَّبِّكُمْ وَرَحْمَةٌ فَمَنِ اعْتَدَى بَعْدَ ذَلِكَ فَلَهُ عَذَابٌ أَلِيمٌ(([31]).
– حق العفو لا يؤثر هنا على أمن المجتمع وإنما يمس حق المجنى عليه فإن الشريعة الإسلامية تعطى هذا الحق للمجنى عليه فى أولوية دون أن يؤثر على الأمن العام، أما احتمال إسراف المجنى عليه فى استعماله هذا الحق والإسراف هنا احتمال بعيد جداً حيث وفقاً للمنطق أن اتصال الجريمة بشخص المجنى عليه يدعوه على التشدد فى استعمال حق العفو، بل المطالب فى الغالب الأعم فى القصاص. فطبيعة الإنسان تتمثل في الانتقام ممن اعتدى عليه.ثم أن العفو عن العقوبة هنا لا يكون إلا بعد الصلح والتراضى مما يؤدى إلى مصلحة المجتمع كله.
جـ – الصلــــح : يجوز الصلح فى جرائم القصاص باتفاق فقهاء الشريعة الإسلامية سواء كان ذلك بأكثر من الدية أم بمثلها أم بأقل منها أو بدونها على الإطلاق([32]).
والدية هنا هى عقوبة بديلة عن عقوبة الإعدام بحيث إن لم تطبق العقوبة الأصلية وهى الإعدام طبقت عقوبة الدية.
وفى حالة عدم إمكانية الحكم بالقصاص يرى اتجاه من الفقهاء عقاب
الجانى بعقوبة تعزيرية مع الدية كذلك إذا اقتضت ذلك مصلحة عامة، وهو مذهب الإمام مالك.
3- سقوط عقوبة الإعدام فى جرائم التعزير :
الجرائم التعزيرية تتعلق بحق الله أو المجتمع أو لأحد الأفراد وهو ليس منصوص عليه كحد من الحدود أو قصاص وهو ما يقرره الوالى أو هيئة من القوانين فى الدولة الإسلامية.
فإنه يجوز لولى الأمر هنا حق العفو عن العقوبة فى تلك الطوائف من الجرائم، ولكنه مقيد بشرط تحقق مصلحة الدولة الإسلامية. فعلى ولى الأمر أن يعمل فكره مستهدياً بفلسفة العقوبة فى التشريع الجنائى الإسلامى، ومن ثم ترك لولى الأمر تحديد\ مدى ضرورة اللجوء إلى تطبيق عقوبة الإعدام بشأنها، أو تقرير عقوبة أخرى غيرها([33]).
العقوبات البديلة في الشريعة الاسلامية :
وهى العقوبات التى تحل محل عقوبة أصلية إذا امتنع تطبيق العقوبة
الأصلية لسبب شرعى، ومثالها الدية إذا درئ القصاص والتعزير إذا درئ الحد أو القصاص.
والعقوبات البديلة هى عقوبات أصلية قبل أن تكون بديلة، وإنما تعتبر بدلاً لما هو أشد منها إذا امتنع تطبق العقوبة الأشد، فالدية عقوبة أصلية فى القتل شبه العمد والخطأ، ولكنها تعتبر عقوبة بديلة بالنسبة للقصاص، والتعزير عقوبة أصلية فى جرائم التعازير، ولكن يحكم به بدلاً من القصاص أو الحد إذا امتنع الحد أو القصاص بسبب شرعى([34]).
المطلب الثالث
الضمانات التى تكفل حماية حقوق الذين يواجهون عقوبة الإعدام
وقد قررت الأمم المتحدة فى دورتها (23) فى 26 نوفمبر 2012 قرارها 2393 بشأن ضرورة اتباع أدق الإجراءات القانونية وتوفير أكبر الضمانات الممكنة للمتهمين فى الجرائم المعاقب عليها بعقوبة الإعدام، وكذلك إلى موقف الدول الأعضاء من إمكانية الحد من زيادة استعمال عقوبة الإعدام أو إلغائها كلياً. وبالتالى التضييق التدريجى لعدد الجرائم التى تجوز المعاقبة عليها بعقوبة الإعدام وهي علي النحو التالي :
[1] لا يجوز أن تفرض عقوبة الإعدام إلا فى أخطر الجرائم على أن يكون مفهوما أن نطاقها ينبغى ألا يتعدى الجرائم المتعمدة التى تسفر عن نتائج مميتة أو غير ذلك من النتائج البالغة الخطورة.
[2] لا يجوز أن تفرض عقوبة الإعدام إلا فى حالة جريمة ينص القانون، وقت ارتكابها على عقوبة الإعدام فيها، على أن يكون مفهوماً أنه إذا أصبح هناك حكم قانون جديد يقضى بعد ارتكاب الجريمة بفرض عقوبة أخف، استفاد المتهم من ذلك وفقاً لمبدأ القانون الأصلح للمتهم.
[3] لا يحكم بعقوبة الإعدام على الأشخاص الذين لم يبلغوا سن الثامنة عشر وقت ارتكاب الجريمة، ولا ينفذ حكم الإعدام على الحوامل أو الأمهات الحديثى الولادة ولا الأشخاص الذين أصبحوا فاقدين لقواهم العقلية.
[4] لا يجوز فرض عقوبة الإعدام إلا حينما يكون إجرام الشخص المتهم قائماً على دليل واضح ومقنع لا يدع مجالاً لأى تفسير بديل للوقائع.
[5] لا يجوز تنفيذ عقوبة الإعدام إلا بموجب حكم نهائى بات صادر عن محكمة مختصة بعد إجراءات قانونية توفر كل الضمانات الممكنة لتأمين محاكمة عادلة، مماثلة على الأقل للضمانات الواردة فى المادة (14) من العهد الدولى الخاص بالحقوق المدنية والسياسية([35]). بما فى ذلك حق أى شخص مشتبه فى ارتكابه جريمة يمكن أن تكون عقوبتها الإعدام أو متهم بارتكابها فى الحصول على مساعدة قانونية كافية فى كل مراحل المحاكمة ومنها بالطبع توفير محامى للدفاع عنه.
[6] لكل من يحكم عليه بالإعدام الحق فى الاستئناف لدى محكمة أعلى، وينبغى اتخاذ الخطوات الكفيلة بجعل هذا الاستئناف إجبارياً.
[7] لكل من يحكم عليه بالإعدام الحق فى التماس العفو، أو تخفيف الحكم، ويجوز منح العفو أو تخفيف الحكم فى جميع حالات عقوبة الإعدام.
[8] لا تنفذ عقوبة الإعدام إلى أن يتم الفصل فى إجراءات الاستئناف أو أية إجراءات تتصل بالعفو أو تخفيف الحكم.
[9] حين تحدث عقوبة الإعدام، تنفذ بحيث لا تسفر إلا عن الحد الأدنى الممكن من المعاناة([36]).
أول: المنع والتقصى للفاعلين لعمليات الإعدام خارج نطاق القانون والإعدام التعسفى والإعدام دون محاكمة:
الإجراءات الوقائية :
[1] حظر جميع عمليات الإعدام خارج نطاق القانون والإعدام التعسفى والإعدام دون محاكمة، ولا يجوز التذرع بالحالات الاستثنائية، بما فى ذلك حالة الحرب أو التهديد بالحرب، أو عدم الاستقرار السياسى الداخلى أو أى حالة طوارئ عامة أخرى، لتبرير عمليات الإعدام هذه.
ولا يجوز تنفيذ عمليات الإعدام هذه أياً كانت الظروف، حتى فى الظروف التى تضم على سبيل المثال لا على سبيل الحصر، حالات النزاع المسلح الداخلى، وحالات استخدام القوة بصورة مفرطة أو مخالفة القانون من جانب موظف رسمى أو شخص غيره يتصرف بصفته الرسمية، أو جانب شخص يعمل بتحريض أو بموافقة صريحة أو ضمنية منه، وحالات الوفاة أثناء الاحتجاز.
[2] وتوخياً لمنع عمليات الإعدام خارج نطاق القانون والإعدام التعسفى والإعدام دون محاكمة، تتكفل الدول بفرض رقابة دقيقة، ذات تسلسل قيادى واضح، على جميع الموظفين المسئولين على القبض على الأشخاص وتوقيفهم واحتجازهم وحبسهم وسجنهم وعلى الموظفين المخول لهم قانوناً استعمال القوة والأسلحة النارية.
[3] تحظر على الرؤساء وعلى السلطات العامة إصدار أوامر ترخص لأشخاص آخرين بتنفيذ أى نوع من أنواع الإعدام خارج نطاق القانون أو الإعدام التعسفى أو الإعدام دون محاكمة أو تحرضهم على ذلك. ولأى شخص كان حق وواجب الامتناع عن الامتثال لهذه الأوامر.
[4] تكفل بالوسائل القضائية وغيرها من الوسائل، حماية فعالة للأفراد والمجموعات المهددين بحظر الإعدام خارج نطاق القانون أو الإعدام التعسفى أو الإعدام دون محاكمة، وضمنهم من يتلقون تهديدات بالقتل.
[5] لا يعاد أحد عنوة أو يسلم إلى بلد توجد أسباب جوهرية للاعتقاد بأنه يمكن أن يذهب فيه ضحية للإعدام خارج نطاق القانون أو الإعدام التعسفى أو الإعدام دون محاكمة.
[6] تكفل الدول وضع الأشخاص المجردين من الحرية فى أماكن للاحتجاز معترف بها رسمياً، وموافاة أقاربهم أو محاميهم أو غيرهم من الأشخاص المتمتعين بثقتهم، فوراً، بمعلومات دقيقة عن احتجازهم وأماكن وجودهم، بما فى ذلك عمليات نقلهم.
[7] يضطلع مفتشون مؤهلون، ضمنهم موظفون طبيون، أو سلطة مستقلة مناظرة لهم، بعمليات تفتيش منتظمة فى أماكن الاحتجاز، ويمنحون صلاحية إجراء عمليات تفتيش مفاجئة، بمبادرة منهم، مع توفير ضمانات كاملة لاستقلالهم فى أدائهم هذه المهمة. ويكون لهم حق الوصول بلا قيود إلى جميع الأشخاص المحتجزين فى أماكن الاحتجاز هذه وكذلك إلى جميع ملفاتهم.
[8] تبذل الدول قصارى جهدها لمنع عمليات الإعدام خارج نطاق القانون والإعدام التعسفى والإعدام دون محاكمة، وذلك باتخاذ التدابير التالية:-
أ- الوساطة الدبلوماسية.
ب– تحسين إمكانيات اتصال الشاكين بالهيئات الدولية الحكومية والهيئات القضائية.
ج- الشجب العلنى لهذه الممارسات.
د- تستخدم آليات دولية حكومية للتحقيق فيها تتضمنه البلاغات عن أى عمليات إعدام من هذا القبيل ولاتخاذ إجراءات فعالة ضد هذه الممارسات. وتقيم الحكومات بالإضافة إلى التعاون فيما بين الدول فى التحقيقات الدولية فى هذا الموضوع.
(التحقيق) :-
[9] يجرى تحقيق شامل عاجل نزيه عند كل اشتباه بحالة إعدام خارج نطاق القانون أو إعدام تعسفى أو إعدام دون محاكمة. بما فى ذلك الحالات التى توحى فيها شكاوى الأقارب أو تقارير أخرى جديدة بالثقة، بحدوث وفاة غير طبيعية فى ظل الظروف المشار إليها أعلاه. والغرض من التحقيق هو تحديد سبب الوفاة وطريقة ووقت حدوثها والشخص المسئول عنها، وأى نمط أو ممارسة قد يكون السبب فى وقوعها. ويتضمن التحقيق القيام على النحو المناسب، بتشريح الجثة وجمع وتحليل كل الأدلة المادية والمستندات وأقوال الشهود.ويميز التحقيق بين الوفاة الطبيعية والوفاة بحادث والانتحار والقتل.
[10] يكون لهيئة التحقيق سلطة الحصول على جميع المعلومات
اللازمة للتحقيق. وتوفر للأشخاص القائمين به جميع الموارد المالية والتقنية
اللازمة لإجراء تحقيق فعال، وتكون لهم أيضاً سلطة إلزام الموظفين المدعى تورطهم فى أى من عمليات الإعدام هذه، بالمثول أمامهم والإدلاء بشهاداتهم، وينطبق ذلك
على الشهود أيضاً. ويخولون، لهذه الغاية، إصدار أوامر لإحضار الشهود،
وضمنهم الموظفون الذى يعزى إليهم التورط فى القضية، ليطلبوا منهم إظهار ما عندهم من أدلة.
[11] حيث تكون إجراءات التحقيق المعتادة غير وافية بسبب افتقار إلى الخبرة أو النزاهة، أو بسبب أهمية المسألة، أو بسبب وجود نمط تعسفى واضح، وحيث تقدم أسرة المجنى عليه شكاوى من وجود أوجه القصور هذه، أو تكون هناك أسباب جوهرية أخرى، تواصل الحكومات التحقيق بواسطة لجنة تحقيق مستقلة، أو عن طريق إجراء مماثل، ويكون للجنة سلطة الحصول على جميع المعلومات اللازمة للتحقيق، وتجرى التحقيق وفقاً لما تمليه هذه المبادئ أو على أن تشكل أعضاء اللجنة من أشخاص مشهود لهم بالنزاهة والكفاءة والاستقلال.
[12] لا يجوز التصرف فى جثة المتوفى إلا بعد إجراء تشريح واف له
بواسطة طبيب يكون إن أمكن، خبيراً فى الباثولوجيا الشرعية. ويحق للقائمين على التشريح الاطلاع على جميع البيانات المتعلقة بالتحقيق، ودخول المكان الذى اكتشفت فيه الجثة، والمكان الذى يعتقد أن الوفاة حصلت فيه. وإذا اتضح بعد التحقيق أن الوضع يتطلب إجراء تحقيق، تخرج الجثة وفق القواعد العلمية ودون إبطاء لتشريحها. وإذا اكتشفت بقايا هيكل عظمى، تخرج بعناية وتدرس وفقاً للتقنيات الإنثروبولوجية المنهجية.
[13] تتاح جثة المتوفى لمن يجرون التفتيش لفترة زمنية تكفى لإجراء تحقيق شامل. ويسعى التشريح إلى أن يحدد ما يلى:
أ – هوية الشخص المتوفى وسبب الوفاة وكيفيتها.
ب – ويحدد ضمن الإمكان وقت الوفاة ومكانها.
ويتضمن تقرير التشريح صوراً ملونة تفصيلية للشخص المتوفى بغية توثيق ودعم النتائج التى تخلص إليها التحقيق. ويعدد التقرير أى إصابات تظهر على المتوفى، وضمن ذلك أى دليل على تعرضه للتعذيب.
[14] وبغية ضمان الحصول على نتائج موضوعية، يجب أن يكون باستطاعة القائمين بالتشريح العمل بنزاهة، ومستقلين عن أى أشخاص أو منظمات أو هيئات يحتمل أن تكون لهم يد فى القضية.
[15] يحمى مقدمو الشكاوى والشهود والمحققون وأسرهم من العنف والتهديد بالعنف وأى أشكال أخرى من أشكال التخويف. ويجب إبعاد من يحتمل أن يكونوا متورطين فى عمليات الإعدام خارج نطاق القانون أو الإعدام التعسفى أو الإعدام دون محاكمة عن أى مركز يجعل لهم هيمنة أو سلطة، مباشرة أو غير مباشرة، على مقدمى الشكاوى والشهود وأسرهم أو على القائمين بالتحقيق.
(الإجراءات القانونية) :-
[16] تكفل الدول محاكمة الأشخاص الذى يظهر التحقيق أنهم اشتركوا فى عمليات الإعدام خارج نطاق القانون أو الإعدام التعسفى أو الإعدام دون محاكمة، فى أى إقليم يخضع لنطاق اختصاصها، وتضطلع إما بتقديمهم للمحاكمة وإما بالتعاون على تسليمهم إلى البلدان الأخرى التى ترغب فى ممارسة اختصاصها القانونى عليهم. وينطبق هذا المبدأ بغض النظر عن هوية الجناة أو المجنى عليهم وجنسياتهم ومكان ارتكاب الجريمة.
ثانيا : الإعلان العالمى لحقوق الإنسان وحق فى الحياة :
المادة (3) من الإعلان العالمى لحقوق الإنسان، التى تؤكد على حق كل شخص فى الحياة، وكذلك المادة (6) من العهد الدولى الخاص بالحقوق المدنية والسياسية، والمادتين (6) و (37) ( أ ) من اتفاقية حقوق الطفل.
وهذا وقد استبعدت كل من المحكمة الجنائية الدولية ليوغوسلافيا السابقة والمحكمة الجنائية الدولية لرواندا والمحكمة الجنائية الدولية فى لاهاى سلطة فرض عقوبة الإعدام([37]).
المبحث الثانى
موقف التشريع المصرى من بدائل عقوبة الإعدام
المطلب الاول: التشريع المصرى بدائل وضمانات عقوبة الاعدام
اول: بدائل عقوبة الإعدام بالنسبة للأحداث
القانون رقم (31) لسنة 1974 بشأن الأحداث ينص فى المادة (15) منه على أنه «إذا ارتكب الحدث الذى تزيد سنة على خمس عشرة سنة ولا تجاوز ثمانى عشرة سنة جريمة عقوبتها الإعدام أو الأشغال الشاقة المؤبدة بحكم عليه بالسجن مدة لا تقل عن عشر سنوات …. ويجوز للمحكمة بدلاً من الحكم على الحدث بإحدى هذه العقوبات أن تحكم بإيداعه إحدى مؤسسات الرعاية الاجتماعية مدة لا تقل عن سنة طبقاً لأحكام هذا القانون».
والمحكمة المختصة هى وفقاً لنص المادة(29) من قانون الأحداث وهى محكمة الأحداث دون غيرها بالنظر فى أمر الحدث عنه اتهامه فى الجرائم.
ولا يعتد فى تقدير سن الحدث بغير وثيقة رسمية فإذا ثبت عدم وجودها تقدر سنة بواسطة خبير وذلك وفقاً للمادة (32).
ولما كان ذلك وكان تحديد سن المحكوم عليه ذا أثر فى تعيين نوع العقوبة وتحديد مدتها، فإنه يتعين ابتغاء الوقوف على هذا السن الركون فى الأصل إلى الأوراق الرسمية لأن صحة الحكم بعقوبة الإعدام رهن – وفقاً للقانون سالف الذكر – بمجاوزة سن المحكوم عليه ثمانى عشرة سنة وقت ارتكاب الجريمة ومن ثم كان يتعين على المحكمة وقد عاقبت المحكوم عليه بالإعدام استظهار هذا السن على نحو ما ذكر، لما كان ذلك وكان الأصل أن تقدير السن هو أمر يتعلق بموضوع الدعوى لا يجوز الجدل فيه أمام محكمة النقض، إلا أن محل ذلك تكون محكمة الموضوع([38]).
ثاني: القانون المصرى وضمانات عقوبة الإعدام
ينص القانون المصرى على إجراءات ضمانات وحماية تنفيذ عقوبة الإعدام يمكن تقسيم هذه الضمانات إلى:
[1] إجراءات سابقة على صدور الحكم بالإعدام:
المادة 381 الفقرة الأولى من قانون الإجراءات الجنائية: لا يجوز لمحكمة الجنايات أن تصدر حكم بالإعدام إلا بإجماع آراء أعضاءها، ويجب عليها قبل أن تصدر هذا الحكم أن تأخذ رأى مفتى الجمهورية ويجب إرسال أوراق القضية إليه، فإذا لم يصل رأيه إلى المحكمة خلال العشرة أيام التالية لإرسال الأوراق، حكمة المحكمة فى الدعوى.
وفى حالة خلو وظيفة المفتى أو غيابه أو قيام مانع لديه يندب وزير العدل بقرار منه من يقوم مقامه.
ولا يجوز الطعن فى أحكام محاكم الجنايات إلا بطريق التقاضى أو إعادة النظر. ويستفاد من هذا النص اشتراط لصحة الحكم بالإعدام أن تتخذ المحكمة الإجراءات التالية:
1- إجماع آراء أعضاء المحكمة: والحكمة عند هذا الإجراء هو حرص المشرع إلى إحاطة الحكم بعقوبة الإعدام بضمان إجرائى يكفل حصر النطق بها فى الحالات التى تكون أقرب إلى اليقين.
2- أخذ رأى مفتى الجمهورية: وعلة هذا الإجراء أنه يدخل فى روع المحكمة عليه بالإعدام اطمئناناً إلا الحكم الصادر بإعدامه إنما يأتي وفقاً لأحكام الشريعة الإسلامية.
[2] إجراءات لاحقة على إصدار الحكم بالإعدام :
1- عرض الحكم بالإعدام على محكمة النقض : نصت المادة 46 من القانون رقم 57 لسنة 1959 بشأن حالات وإجراءات الطعن أمام محكمة النقض. وهذا النص يلزم النيابة يعرض أحكام الإعدام على محكمة النقض.
2- رفع الدعوى إلى رئيس الجمهورية: بواسطة وزير العدل المادة 370 من قانون الإجراءات الجنائية.
3- حدد قانون تنظيم السجون إجراءات تنفيذ الحكم الصادر بالإعدام:
– لا يجوز تنفيذ حكم الإعدام فى أيام الأعياد الرسمية والأعياد الخاصة بديانة المحكوم عليه وفقاً لنص المادة 69 من قانون تنظيم السجون.
– إرجاء تنفيذ الحكم بالإعدام على المرأة الحامل حتى تم حملها إلى ما بعد شهرين. وفقاً لنص المادة 68 من قانون تنظيم السجون.
– ينفذ حكم الإعدام داخل السجن وفى مكان مستور وفقاً للمادة 473 إجراءات جنائية والمادة 65 من قانون تنظيم السجون.
[3] الحالات التى تطبق فيها عقوبة الإعدام فى مصر :-
نص قانون العقوبات المصرى على عقوبة الإعدام فى عشرين حالة ولكن القوانين المصرية تقرر الإعدام لعدد 105 جريمة ونص عليها فى أربعة قوانين هى (قانون العقوبات، قانون مكافحة المخدرات، قانون الأحكام العسكرية، قانون الأسلحة والذخائر).
هذا ويلاحظ أن المشرع المصرى قد استخدم ألفاظاً ذات مدلولات سياسية، وهى مدلولات ليست لها معايير موضوعية غير متفق على تحديد معناها ولا تصلح فى مجال التجريم والعقاب الذى يوقع على شخص ارتكب فعلاً محدداً، مثال على ذلك :
المادة (77) الفقرة الأولى من قانون العقوبات المصرى التى ينص فيها على: «يعاقب بالإعدام كل من ارتكب عمداً فعلاً يؤدى على المساس باستقلال البلاد أو وحدتها أو سلامة أراضيها».
فاستخدام لفظ «سلامة أراضيها» دون تحديد ما المقصود بسلامة أراضيها.
المادة (78) الفقرة من قانون العقوبات تنص على:- «يعاقب بالإعدام كل من تدخل لمصلحة العدو فى تدبير لزعزعة إخلاص القوات المسلحة أو إضعاف روحها أو روح الشعب المعنوية أو قوة المقاومة عنده» فتحتوى ألفاظ فضفاضة وهى «زعزعة إخلاص القوات المسلحة، وإضعاف روحها وروح الشعب المعنوية».
المادة (83) الفقرة ( أ ) من قانون العقوبات تنص على:- «تكون العقوبة الإعدام على أية جريمة مما نص عليه فى الباب الثانى من هذا الكتاب إذا وقعت بقصد المساس باستقلال البلاد أو وحدتها أو سلامة أراضيها أو إذا وقعت فى زمن الحرب، ويقصد إعانة العدو أو الإضرار بالعمليات الحربية للقوات المسلحة وكان من شأنها تحقيق الغرض المذكور».
حيث استخدم المشرع فيها لفظ «سلامة أراضيها وحدة أراضيها» وهو مصطلح فضفاض وغير محدد.
وبالتالى الملاحظ أن هذه النصوص السابقة لا تشترط وقوع اعتداء فعلى على حياة الأفراد أو سقوط قتلى حقيقيين سواء من رجال الشرطة أو المدنيين أو سواهم. ولكنه اكتفى القانون بالنتيجة المحتملة للفعل الإجرامى لتوقيع عقوبة الإعدام. وبالتالى جعل من تلك النتيجة حتى ولو لم تتحقق سبباًَ للحكم بعقوبة الإعدام مما يمثل استئثار لحياة الأفراد لتوقى أخطار محتملة.
بالإضافة إلى أن السياسة الجنائية المعاصرة اتجهت إلى التخفيف والتلطيف من استعمال عقوبة باعتبارها وسيلة للاصطلاح بدل الانتقام وبالتالى الاهتمام بالمجرم واعتبار العقوبة وسيلة للإصلاح عوض الانتقام. لذلك خول المشرع للقاضى سلطة منح تخفيف القضائية فى غالبية الجرائم وبالتالى إمكانية استبدال عقوبة الإعدام بالسجن المؤبد أو المشدد وذلك فى نطاق الظروف والأعذار القانونية المخففة للعقوبة([39]).
وذلك يتنافى مع الإعلان العالمى لحقوق الإنسان الذى استنكر أى شكل من أشكال الحرمان من الحياة كما هو الحال فى استنكاره للحرمان من الحرية.
«المادة 3 من الإعلان العالمى لحقوق الإنسان» : فلكل فرد حق فى الحياة والحرية وفى الأمان على شخصه، باعتبار الحق فى الحياة باعتباره من الحقوق اللصيقة بالشخصية.
وكذلك فإن الفقرة الثانية من المادة (6) من العهد الدولى الخاص بالحقوق المدنية والسياسية والتى تقضى بأنه : «عدم جواز الحكم بعقوبة الإعدام فى البلاد التى لم تلغى هذه العقوبة إلا جزاءاً لأشد الجرائم خطورة وفقاً للتشريع النافذ وقت ارتكاب الجريمة وغير المخالف لأحكام هذا العهد ولاتفاقية منع جريمة الإبادة الجماعية والمعاقبة عليها. كما لا يجوز تطبيق هذه العقوبة إلا بمقتضى حكم نهائى بات صادر عنه محكمة مختصة.
المشرع المصرى يعاقب بالإعدام على جرائم ليست على القدر من الخطورة الكافى لها: مثال على ذلك المادة (34) من قانون العقوبات المصرى:
فمجرد تهيئة مكان لتعاطى المواد المخدرة ليس بالجسامة التى تستوجب تطبيق عقوبة الإعدام.
كما تعاقب المادة (86) مكرر بالإعدام: «كل من أنشأ أو أسس أو أدار جمعية أو هيئة أو منظمة أو جماعة أو عصابة يكون الغرض منها الدعوة بأى وسيلة إلى تعطيل أحكام الدستور أو القوانين إذا كان الإرهاب ملحوظاً فيها».
كما تعاقب المادة (89) عقوبات بالإعدام: «كل عصابة هاجمت طائفة من السكان أو قاومت رجال السلطة العامة».
أما المادة (93) عقوبات فتنص على: «كل من قدم نفسه لرئاسة عصابة حاملة للسلاح أو تولى فيها قيادة ما، وكان ذلك بقصد اغتصاب أو نهب الأراضى أو الأموال المملوكة للحكومة أو لجماعة من الناس أو مقاومة القوة العسكرية المكلف بمطاردة مرتكبى هذه الجنايات».
في حين تعاقب المادة (102) عقوبات: «كل من استخدم المفرقعات بنية اختطاف وسيلة من وسائل النقل الجوى أو البرى أو المائى أو بغرض ارتكاب قتل سياسى أو تخريب المبانى والمنشآت المعدة للمصالح العامة أو المؤسسات ذات
النفع العام أو للاجتماعات العامة أو غيرها من المبانى أو الأماكن المعدة لارتياد الجمهور».
استخدام المشرع المصرى ألفاظ ذات مدلولات سياسية، وهى مدلولات ليست لها معايير موضوعية غير متفق على تحديد معناها، ولا تصلح فى مجال التجريم والعقاب الذى يوقع على شخص ارتكب فعلاً محدداً، مثال ذلك المادة (77) من قانون العقوبات التى استخدمت لفظ «سلامة البلاد» دون تحديد ما المقصود بسلامة البلاد.
والمادة (83) عقوبات أيضاً استخدام فيها لفظ «سلامة البلاد ووحدة أراضيها».
ويقول روبير كاريو Cairo Robert ([40]):-
أن العدالة الترميمية لم توجد إلا بسبب محنة العدالة الجنائية الحديثة ويضيف، ثبت بالممارسة أن العقوبة لا تفى بالغرض، وأن تكرار الفعل أصبح أمراً شائعاً وأن الثقة ضعيفة فى النظام الجنائى.
وبالتالى من قواعد العدالة الترميمية تخفيف المحكوم عليهم بالإعدام بإيجاد عقوبات بديلة وهى السجن وكذلك إيجاد عقوبات بديلة للسجن وهى توجيه إنذار، تقديم اعتذار، الوساطة بين المجرم والضحية، إصلاح الضرر، قيام الفاعل بأعمال خدمة عامة دون مقابل من أجل التعويض عن سوء تصرفه فى المجتمع، التعويض، المصالحة، احترام قواعد السلوك السلمى، برامج تدريب.
وبالتالى فالعدالة الترميمية ذات طابع مختلط لكونها مزيجاً من التدابير العقابية والإصلاحية والتربوية والمساعدة الاجتماعية والوقائية الإصلاحية.
المطلب الثاني: موقف محكمة النقض من عقوبة الإعدام
فى بعض القضايا التى نظرتها محاكم الجنايات وأصدرت فيها أحكاماً بالإعدام، غير أن محكمة النقض قضت بنقضها مستندة فى ذلك إلى عدة مبادئ ولعل أهمها:-
أن وظيفة محكمة النقض فى شأن الأحكام الصادرة بالإعدام ذات طبيعة خاصة تقتضيها إعمال رقابتها على عناصر الحكم كافة موضوعية وشكلية وتقضى بنقض الحكم فى أية حالة من حالات الخطأ فى القانون أو البطلان ولو من تلقاء نفسها غير مقيدة فى ذلك بحدود أوجه الطعن أو مبنى الرأى الذى تعرض به النيابة العامة تلك الأحكام وذلك هو المستفاد من الجمع بين الفقرة الثانية من المادة (35) والفقرتين الثانية والثالثة من المادة (39) من القانون رقم (57) لسنة 1959([41]).
حيث أن محكمة النقض المصرية قد أصدرت طيلة الفترة من 1990-2001، (65) حكماً متعلقاً بالقضايا المحكوم فيها بالإعدام، أيدت فيها 34 حكماً صادراً بالإعدام، ونقضت 31 حكماً آخرين.
فيما يخص قضايا القتل العمدى اهتمت محكمة النقض بالتدليل على توافر نية القتل العمد، حيث أن العديد من الأحكام لم يتم الإشارة فيها إلى توافر نية القتل العمد لدى المتهم، وهو الأمر الذى يعيب الحكم، حيث أكدت المحكمة أنه «تتميز جناية القتل العمد قانوناً عن غيرها من جرائم التعدى على النفس بعنصر القصد الجنائى الخاص وهو أن يقصد الجانى من ارتكاب الفعل الجنائى إزهاق روح المجنى عليه حيث أن هذا العنصر ذا طابع خاص يختلف عن القصد العام الذى يتطلبه القانون فى سائر تلك الجرائم، فإن الحكم الذى يقضى بإدانة متهم فى هذه الجناية يجب أن يعنى بالتحدث عن هذا الركن استقلالاً أو استظهاراً بإيراد الأدلة التى تكون المحكمة قد استخلصت منها أن الجانى حين ارتكب الفعل المادى المسند إليه كان فى الواقع يقصد إزهاق الروح. وعلى الحكم أن يبينها بياناً واضحاً ويرجعها إلى أصولها فى الدعوى».
كما أكدت محكمة النقض على ضرورة أن يتم التيقن من الاعترافات المنسوبة للمتهمين خاصة متى تم الدفع ببطلان الاعتراف المنسوب للمتهم، حيث أن تلك الاعترافات لا تصح إن كانت وليدة إكراه معنوى أو بدنى، ففى حكم محكمة النقض قضت بأنه: «الدفع ببطلان الاعتراف هو دفع جوهرى يجب على محكمة الموضوع مناقشة والرد عليه رداً سائغاً مادام الحكم قد عول فى قضائه بالإدانة على هذا الاعتراف، وأن الاعتراف الذى يعتد به يجب أن يكون اختيارياً صادراً عن إرادة حرة فلا يصح الاعتراف متى كان وليد إكراه أو تهديد، وتأثيره على حرية المتهم فى الاختيار بين الإنكار أو الاعتراف ويؤدى إلى حمله على الاعتقاد بأنه قد يجنى من وراء الاعتراف فائدة أو يتجنب ضرراً، مما كان يتعين معه على المحكمة أن تتولى هى تحقيق هذا الدفاع وتبحث الصلة بين الإكراه وسببه وعلاقته بأقوال المتهم، ولذلك فإن حكمها يكون معيباً بالإخلال بحق الدفاع فضلاً عن القصور([42]).
ويستفاد من ذلك أن القضاء المصرى، لا يساير المشرع فى توسعة نطاق تطبيق عقوبة الإعدام، وإنما يحكم بها فى عدد أو نوعية معينة من الجرائم أبرزها جرائم قتل ارتكبت بطريقة وحشية أو اقترنت بها أو تقدمتها جرائم أخرى.
المبحث الثالث
نحو الحد التدريجى لعقوبة الإعدام فى تشريعاته الوطنية
أولاً : الحد من عقوبة الإعدام:
- وذلك بتقليص عدد المواد القانونية التى توقع به عقوبة الإعدام.
- التوقف عن تنفيذ العقوبة «الامتناع عن تنفيذ عقوبة الإعدام».
مثال على ذلك : الأردن امتنع عن تنفيذ أحكام الإعدام الصادرة عن المحاكم حيث لم تنفذ عقوبة الإعدام من مايو عام 2006 رغم وجود ما يزيد عن 100 محكوم بالإعدام عليه فى السجون الأردنية. وذلك يحقق غاية منظومة العدالة الجنائية فى إصلاح المجرمين عبر برامج تأهيلية وليس إنهاء حياتهم.
ثانياً: استبدال عقوبة الإعدام بعقوبة الأشغال الشاقة المؤبدة «السجن المؤبد»:
مثال : الأردن استبدل عقوبة الإعدام بعقوبة الأشغال الشاقة المؤبدة فى الجرائم الماسة بأمن الدولة فى المواد 112، 120، والجنايات الواقعة على الدستور الأردنى، المادة 136 من قانون العقوبات الأردنى.
وبدائل عقوبة الإعدام لا تعنى الإفلات من العقاب.
الاتفاقية الأوروبية لحقوق الإنسان، تنص فى المادة (2) منها الفقرة الأولى، على: «الحق فى الحياة» على أنه يجب حماية حق كل شخص فى الحياة من خلال القانون، ولا يمكن أن يحرم أى إنسان فى حقه فى الحياة إلا فى حالة تنفيذ حكم قضائى عن جريمة يعاقب عليها بالإعدام بموجب القانون.
الفقرة الثانية، لا يعتبر الإعدام أو الاعتداء على الحق فى الحياة، مخالفة لحكم هذه المادة عندما يأتى نتيجة لاستعمال قدر من القوة لا يتجاوز الضرورة القصوى:-
أ – دفاعاً عن شخص ضد عنف غير مشروع.
ب – لإلقاء القبض على شخص لسبب مشروع أو لمنع هروب شخص معتقل لسبب مشروع.
ج – أثناء اتخاذ إجراءات مشروعة بغرض إخماد تمرد أو فتنه.
كذلك تنص المادة (3) من هذه الاتفاقية على أنه لا يجوز إخضاع أحد للتعذيب ولا للمعاملة أو العقوبة القاسية أو اللاإنسانية أو الحاطة بالكرامة.
ثالثاً: موقف التشريع الفرنسى :
استبدال عقوبة الإعدام بعقوبة السجن المؤبد:
فى المادة 221-2 الفقرة الأولى من قانون العقوبات الفرنسى الجديد، جاء فيها أن ارتكاب جريمة القتل العمدى المرتبطة بجناية أخرى يعاقب عليها بالسجن المؤبد (مدى الحياة) وفى الواقع هذا تعديل للمادة السابقة التى تم إلغائها وهى المادة (304) من قانون العقوبات والتى كانت تنص على أن العقوبة هنا هى الإعدام عندما سبقت أو عاصرت ارتكاب جريمة القتل العمدى جناية أخرى.
حيث أنه منذ صدور القانون رقم 908-81 فى أكتوبر 1981 استبدال المشرع الفرنسى عقوبة الإعدام فى كل الجرائم المعاقب عليها بهذه العقوبة بعقوبة السجن المؤبد (مدى الحياة). وذلك هو ما تم تأكيده فى نص المادة 221-2 من قانون العقوبات.
وهذا الاستبدال لعقوبة الإعدام إذا أدى إلى وقف كل الخلافات والصعوبات التى تواجه الفقه الجنائى فى التفرقة بين القتل البسيط والقتل المشدد، وفى الفترة الانتقالية من عام 1981 إلى تاريخ صدور قانون العقوبات الفرنسى الجديد فى 1 مارس 1994 تم وضع جداول للعقوبات لتطبيق الأصلح للمتهم وهو استبدال كل عقوبة بالإعدام بعقوبة السجن مدى الحياة (السجن المؤبد) وبالنسبة للمادة 221-1 جريمة القتل البسيط يعاقب بالسجن لمدة لا تزيد عن ثلاثين عاماً([43]).
رابعاً : تعلق تنفيذ عقوبة الإعدام كبدل من البدائل:
مثال حالة اليابان:
البحث عن بدائل لعقوبة الإعدام مع عقوبة أخرى مسألة تحتاج إلى توفير العديد من الضمانات خاصة فى حالة تعليق تنفيذ عقوبة الإعدام ومدى تعارض ذلك مع تقادم عقوبة الإعدام.
وهذا الاقتراح المتعلق بتعليق أحكام الإعدام كان قد صدر فى فبراير 1972 من قبل اللجنة الفرعية لقسم القانون الجنائية للجنة القضائية الاستشارية لوزير العدل فى اليابان Hôsei Shingikai وذلك فى الأعمال التحضيرية لإصلاح القانون الجنائى اليابانى، وذلك كوسيلة لتنظيم أو الحد من أحكام الإعدام وذلك من خلال وضع نظام مراقبة من قاضى فى تنفيذ الأحكام لمنع السابقة قبل تنفيذ حكم الإعدام([44]).
وهذا النظام ليس مفتوح أمام القاضى ولكنه يلزم هنا أن يكون مدة وقف تنفيذ حكم الإعدام لمدة 5 سنوات، وبعد فترة فأن للقاضى تخفيف عقوبة الإعدام أو تطبيقها، وفى حالة تبديل العقوبة لا يحق للمحكوم عليه الاستفادة من نظام الإفراج الشرطى وهو الإفراج بعد مرور 20 سنة من السجن.
ومزايا أنصار هذا الاتجاه ما يلى:-
1- الحد الكبير فى أعداد حالات تنفيذ عقوبة الإعدام.
2- تحقيق مبدأ العقوبة الرضائية من خلال موافقة أسرة ضحايا هذه الجرائم والعفو عن المحكوم عليهم.
3- الحد من مخاطر الخطاء التى تقع فى الأحكام الصادرة بالإعدام.
4- الحد من مخاطر التمثيل التعسفى للضحايا فى اللجان المتخصصة لمساعدة القاضى فى قراره([45]).
إلا أن هناك انتقادات واسعة لأنصار هذا الاتجاه([46]) من وقف تنفيذ أو تعليق عقوبة الإعدام وذلك للأسانيد التالية:
1- وهو سبب منطقى أن عقوبة الإعدام هى «العقوبة القصوى» وبالتالى لا يتصور أن يكون هناك عقوبة الإعدام كعقوبة أدنى.
2- أنه لا لزوم لهذا الإجراء، فلماذا يحكم القاضى بالإدانة بعقوبة الإعدام وهو يعلم أنه لن يتم تنفيذ هذه العقوبة وسوف يتم تعليق الحكم. مع أن القانون الجنائى قد وفر مجموعة من البدائل الأخرى من تدابير لتخفيف العقوبة وفقاً للسلوك الإجرامى المرتكب.
3- يتعلق بغموض معايير تطبيق تعليق تنفيذ عقوبة الإعدام وعدم ملائمتها للتطبيق الواقعى.
خطورة هذا الإجراء :
لأن أغلب القضاء يميلون إلى تنفيذ أحكام الإعدام المعلق بتنفيذه، وبعبارة أخرى أن تعليق التنفيذ مع الاختبار القضائى لا يوفر راحة معنوية أو فكرية للقاضى حتى يستطيع أخذ رأيه النهائى.
بالإضافة إلى أن تعليق تنفيذ عقوبة الإعدام يؤدى على الاتجاه أو السير نحو إلغاء عقوبة الإعدام وبالتالى تفقد العقوبة أهم أغراضها وهى تحقيق الردع([47]).
خامساً: غموض مفهوم العقوبات البديلة لعقوبة الإعدام:
فالعقوبة البديلة هى: بالنسبة للعقوبات الجنائية تبديل العقوبات التى تمثل إنهاء للحياة بعقوبات جنائية أخرى لا تنهى الحياة، ومفهوم العقوبات البديلة هو غامضة لأنه يمثل موقفين مختلفين:
ففى الحالة الأولى: تفترض مسبقاً وجود عقوبة الإعدام قبل الإلغاء وحتى تقابله عقوبة بديلة.
وفى الحالة الثانية : العقوبة البديلة تحل محل عقوبة الإعدام ولكن من المفترض أن يتم توفير بديلاً يكون موثوقا فيه بما فيه الكفاية لعقوبة الإعدام.
وهذا فى حد ذاته مشكلة، وكان للنهج اليابانى تأثيره الواضح على أحكام الولايات المتحدة الأمريكية وعقوبة السجن مدى الحياة دون إمكانية الإفراج الشرطى. بدلاً من عقوبة الإعدام، باقتراح إلغاء العقوبة البديلة من المحامين أو الجنائيين وذلك تحت الخوف من إلغاء عقوبة الإعدام.
فعقوبة الإعدام هى عقوبة قاسية وتعتبر الأعلى فى التسلسل الهرمى للعقوبات التى تتناسب مع خطورة الجريمة، وينظر لها على أنها شرعية وملائمة لمفهوم القصاص من الجانى بالعقاب الملائم بناء على أسس العدالة الجنائية.
وبالتالى إلغاء عقوبة الإعدام يلغى معه فكرة التدرج فى العقوبة وفقاً لخطورة الجريمة. بالإضافة إلى تأثير ذلك على عدم تحقق أغراض عقوبة الإعدام وهو الردع. فعقوبة الإعدام هذه هى عقوبة جذرية واستئصالية غير قابلة بطبيعة الحال للإلغاء، وبالتالى لا يمكن استبدالها بعقوبة أخرى.
إلا إذا كان مصدر هذا الاستبدال هو فكرة الدافع الاجتماعى وأن عقوبة الإعدام تمثل فشل المجتمع فى إصلاح وتأهيل المجرم وبالتالى فإن تطور الفكر الجنائى بالنسبة لأغراض العقوبة أصبحت من أغراضها التأهيل والإصلاح للمجرم، وهذا لا يمكن تصوره فى عقوبة الإعدام، لأنه يمثل فى هذه الحالة فشل اجتماعى للمجتمع فى حالة تنفيذ عقوبة الإعدام.
بالإضافة إلى ذلك، فإن السجن مدى الحياة باعتباره بديلاً لعقوبة الإعدام مع عدم إمكانية استعمال الرأفة أو العفو أو الإفراج الشرطى للمحكوم عليه أثناء ذلك، فإن السجين لا يكون له أمل أثناء فترة السجن، وبالتالى التخلص من سيئاته ومعونة لجوئه للتوبة وبناء على ذلك يصعب تأهيله وإصلاحه فيظل طوال فترة بقاءه فى السجن خطراً على المجتمع([48]).
وبالتالى فإن الاقتراح هنا هو حذف عقوبة السجن مدى الحياة كبديل لعقوبة الإعدام والاستعاضة عنها بعقوبة السجن لمدة 30 سنة. وذلك وفقاً لنص المادة (31) من قانون العقوبات الفرنسى التى تنص على «أن تقادم عقوبة الإعدام هى (30) سنة من تاريخ حكم نهائى([49]) وهو نفس موقف بالنسبة المشرع المصرى.
وبالتالى لا يكون هناك تعارض بين استبدال عقوبة الإعدام وفكرة تقادم العقوبة والاستفادة من أن بعد مرور 30 سنة تسقط العقوبة بالتقادم، وبالتالى فالاستبدال يكون لعقوبة السجن مدة لا تزيد عن ثلاثين سنة.
وفى هذه الحالة تعتبر العقوبة البديلة لعقوبة الإعدام مرحلة وسطية بين الدول التى مازالت تنفذ عقوبة الإعدام والدول التى قد ألغت تنفيذ عقوبة الإعدام. فهى عملية تطورية يتم من خلالها الاتجاه خطوة وسيطية تؤدى فى النهاية إلى إلغاء عقوبة الإعدام وليس مجرد بداية لهذه العملية، أى أنها مرحلة انتقالية تؤدى بالدول إلى إلغاء عقوبة الإعدام([50]).
وهى مرحلة برجماتية بالنسبة للدول التى يستحيل معها أو فى ظروفها إلغاء عقوبة الإعدام. وذك إما لضغط الرأى العام أو القوى السياسية فى البرلمان أو المجالس الشعبية. فهى تعتبر حل وسطى وواقعى مقبول بدلاً من البقاء على الوضع الراهن. مثال البحث عن (القاسم المشترك الأدنى) أو (حد أدنى من التوافق بين الاتجاهين الرافض والموافق على بقاء عقوبة الإعدام). وهو حل جدير بالثناء فى الذهن ولكنه لا يملك تأثير حجب أو منع الهدف النهائى وهو إلغاء عقوبة الإعدام كدافع لهذا الاعتبار فى المستقبل حتى ولو كان بعيداً ولكنه ليس مؤكداً([51]). حيث أن النهج التطورى ينص على أن العلاج لا يحول دون العودة إلى الوراء كخيار من الخيارات، ولكن المؤكد أنها سوف تؤدى إلى تجميد عقوبة الإعدام فعلياً مع الاحتفاظ بها كعقوبة دون أن تكون محلاً للتطبيق على أرض الواقع إلا في حالات نادرة.
هذا وقد اختار الاتجاه المؤيد لإلغاء عقوبة الإعدام هذا النهج العملى البرجماتى ولكن مازال يثار العديد من القلق والاستفهامات هو استمرار وجود عقوبة الإعدام فى التشريعات حتى ولو كانت معلقة التنفيذ من الناحية التطبيقية ويتم استبداله بعقوبة السجن. فالتعليمات الصادرة إلى أعضاء النيابة العامة هو إحلال عقوبة الإعدام بعقوبة السجن المؤبد مدى الحياة بالنسبة لمرتكبى الجرائم الخطرة، ولا يستفيد المحكوم عليه من الإفراج الشرطى مع تشديد العقاب بالنسبة لجرائم القتل والسطو والاغتصاب([52]).
سادساً: موقف دول المغرب العربى من بدائل عقوبة الإعدام:
تنص المادة (20) من الدستور المغربى الصادر فى يوليو 2011 على أن «الحق فى الحياة هو أول الحقوق لكل إنسان، يحمى القانون هذا الحق».
وقد عرفت عقوبة الإعدام فى المغرب تجميداً لتطبيقها منذ 1993 ويوجد حالياً فى سجون المغرب ما يقارب 125 محكوماً بالإعدام مجمد تنفيذ العقوبة فى حقهم.
حيث لا يمكن تطبيق عقوبة الإعدام فى القانون المغربى إلا بأمر من وزير العدل بعد إخبار من النيابة العامة التى تقدم فى نفس الوقت طلب العفو، ويتم عرض عقوبة الإعدام على لجنة العفو ليتخذ فيها ملك البلاد قراره، حتى ولو لم يطلب ذلك المحكوم عليه أو عائلته.
ويأتى ذلك الموقف من دولة المغرب تماشياً مع القرار الأخير للجمعية العامة للأمم المتحدة الذى اعتمدته 109 دولة فى 21 ديسمبر 2010.
سابعاً: الحد من تنفيذ عقوبة الإعدام :
والذى يدعو إلى وقف عالمى لتنفيذ عقوبة الإعدام ويؤكد الزخم الدولى المتزايد من أجل إلغاء عقوبة الإعدام.
فى 20 ديسمبر 2012 صوتت الجمعية العامة للأمم المتحدة للمرة الرابعة لصالح قرار يحمل عنوان: «وقف تنفيذ أحكام الإعدام»:
وبالتالى تشجيع جميع الدول على اعتماد إجراءات لاحترام القانون الدولى والحد من تنفيذ عقوبة الإعدام وذلك من خلال الإجراءات التالية:
1- حماية الفئات المستضعفة كالنساء والحوامل والقاصرين من تنفيذ عقوبة الإعدام، بالإضافة إلى الأشخاص فى وضعية الإعاقة الذهنية والأشخاص المصابون بمرض عقلى، والأشخاص الأحداث.
2- الحد من تطبيق عقوبة الإعدام من خلال تقليص عدد الجرائم التى يعاقب عليها بالإعدام وتجميد تنفيذ أحكام الإعدام.
وحيث أن عقوبة الإعدام عقوبة غير قابلة للاسترداد فى حال أنظمة العدالة الجنائية التى يحتمل فيها وقوع خطأ أو تمييز، وبالتالى فإن عقوبة الإعدام تفرض على الأبرياء بشكل لا مناص منه. وفى كثير من الدول التى لا تزال تطبق عقوبة الإعدام، يوجد مدى واسع للتطبيق، فالجرائم التى عقوبتها الإعدام، لا تقتصر على الجرائم الأشد خطورة حسبما يعرفها القانون الدولى، حيث لا يتم مراعاة الحد الأدنى من الضمانات، وتفرض عقوبة الإعدام غالباِ بشكل عشوائى، كما أن السجناء الذين ينتظرون
تنفيذ حكم الإعدام بهم يمضون فترة الاحتجاز فى ظروف تزيد من معاناتهم البدنية والعقلية.
وبناء على ذلك فإن التحدى فى نظام العدالة الجنائية يكون فى منع أو وقف تطبيق عقوبة الإعدام. مع توفير الظروف الإنسانية للسجناء المحتجزين فى حالة استبدال عقوبة الإعدام بعقوبات بديلة مثل السجن المشدد أو السجن المؤبد مع إمكانية إطلاق السراح (الإفراج تحت شرط)، فى حالة إذا كان المحكوم عله حسن السلوك فى السجن.
وتنص المادة (4) من الميثاق الأفريقى على :- «أن عقوبة الإعدام هى عقوبة قاسية وغير مبررة، لا فائدة ترجى منها، لا يمكن الرجوع عنها إن تم تنفيذها، وغير منطقية، أنها تمثل انتهاكاً خطيراً لحقوق الإنسان الأساسية، ولاسيما الحق فى الحياة».
وبالتالى يجب على الدول التى لا تزال تنفذ أحكام الإعدام بوقف تنفيذ عقوبة الإعدام.
مثال ذلك: ففى الجزائر رغم أن عقوبة الإعدام لا تزال سارية قانوناً، إلا أنه لم يتم تطبيقها منذ 1995. وكذلك تونس تمتنع عن تنفيذ عقوبة الإعدام منذ عام 1991. وكذلك مالى وموريتانيا.
وهذا يتوافق مع نص الفقرة الرابعة من العهد الدولى الخاص بالحقوق المدنية والسياسية 1966 والتى ينص على ضرورة الامتثال لأحكام العهد الدولى وبالتالى عدم تنفيذ عقوبة الإعدام. واستثنوا من تطبيق عقوبة الإعدام الأشخاص دون الثامنة عشر عاماً والنساء الحوامل (الفقرة الخامسة).
وفى فرنسا تم تعديل الدستور فى 19 فبراير 2007 لتنص على أنه «لا يمكن لأحد أن يحكم عليه بالإعدام».
أما بالنسبة للخطوات اللازمة لتنفيذ ولزيادة تعزيز حماية حقوق الذين يواجهون عقوبة الإعدام، فهى كالتالى([53]):-
1- كفالة حماية خاصة للأشخاص الذين يواجهون جريمة يعاقب عليها بالإعدام بتوفير الوقت والتسهيلات التى يحتاجون إليها لإعداد دفاعهم بما فى ذلك المساعدة الملائمة من محام فى كل مرحلة من مراحل الإجراءات.
2- النص على وجوب الاستئناف أو المراجعة فى جميع قضايا الجرائم التى يعاقب عليها بالإعدام مع توفير شروط طلب الرأفة أو العفو فيها جميعاً.
3- تعيين حد أقصى للسن التى لا يجوز بعدها الحكم على الشخص بالإعدام أو تنفيذ إعدامه.
4- إلغاء عقوبة الإعدام بالنسبة للأشخاص الذين يعانون من التخلف العقلى أو الأهلية العقلية المحدودة إلى درجة كبيرة سواء مرحلة الحكم أو التنفيذ.
الخاتمة
التوصيات :
1- نناشد المشرع المصرى إلى أن يتدخل، ويقوم بالحد من تطبيق عقوبة الإعدام، وأحاطتها بضمانات فعلية، وذلك تمشياً مع الالتزامات الدولية دونما تعرض أو إخلال بمبادئ الشريعة الإسلامية.
الأمر الذى يحد من هذه العقوبة وقصر نطاقها على عدد معين ومحدد من الجرائم، ذات الخطورة الجسيمة.
2- منع التعذيب أثناء التحقيق وخصوصاً فى القضايا التى يعاقب عليها بعقوبة الإعدام، ورفض الاعترافات الناتجة عن التعذيب مع إقامة المسئولية الجنائية وضمان إجراء المحاكمة العادلة طبقاً لما تتطلبه المعايير الدولية مع حيادية واستقلال القضاء.
ندعو القضاء المصرى على استعمال المادة (17) من قانون العقوبات كبديل عن الحكم بعقوبة الإعدام حيث يستعمل الرأفة لظروف الجانى الصحية والاجتماعية ويستبدل عقوبة الإعدام بعقوبة السجن المؤبد أو المشدد.
3- إنشاء صندوق لدفع تعويض المدنى فى جرائم القتل العمد والخطأ، على أن يكون للصندوق شخصية اعتبارية تمكنه من الرجوع إلى الجانى وعائلته.
4- الحرص على احترام أحكام قانون الإجراءات الجنائية فيما يتعلق بالمحكوم عليهم بالإعدام، وإبلاغهم بقرار محكمة النقض، وإرساء نظام للطعن فى قرارات محاكم جنايات أمن الدولة، بما يتفق مع ضمانات الأمم المتحدة التى تكفل حماية حقوق الذين يواجهون عقوبة الإعدام فى ضوء مبدأ احترام الكرامة الأصيلة للبشر.
5 – تكريس جهود الدولة لتغيير الثقافات المتعلقة بالأخذ بالثأر وتفعيل برامج الإرشاد والتنوير، لأن واجب العدالة فرض المساواة بين الأفراد في تطبيق القانون، واجب المواطن الاقتناع بأن القانون يعاقب ولا ينتقم، وأن العقاب يصلح ويحمى الحياة ولا يزهقها.
[1]انظر : روبير بادينتير ، الإلغاء، إلغاء عقوبة الإعدام، ترجمة المحامى عبد الهادى عباس، ومراجعة موريس جلال، مركز الإنماء الحضارى، حلب، 2003.
[2]د/ السيد عتيق، التفاوض على الاعتراف فى قانون الإجراءات الجنائية الفرنسى فى ضوء أحدث التعديلات، دراسة مقارنة، دار النهضة العربية، القاهرة، 2005، ص 29.
[3]د/ محمد سامى الشوا، القانون الإدارى الجزائى، ظاهرة الحد من العقاب، دار النهضة العربية، القاهرة، خالى من سنة النشر، ص 14.
Jacues de Bresson, J., Inflation des lois pénal et Législations ou réglementation Techniques, Rev, sin. Crim. 1989, no2, p. 241.
[4](3)Le sixième conference de ministres européens de la justice, la Haye, 20-28, 1979.
[5]د/ محمد سامى الشوا، القانون الإدارى الجزائى، المرجع السابق، ص14.
[6](2)J. Pradel, Droit pénal géneral, éd. Gujas, paris, 2001, p.27
[7]د/ سامى سالم الحاج، عقوبة الإعدام بين الإيفاد والإلغاء، معهد الإنماء العربى، بيروت، الطبعة الأولى، 1988، ص 32.
[8]د/ أحمد فتحى سرور، بدائل الدعوى الجنائية، مجلة القانون والاقتصاد للبحوث القانونية والاقتصادية، مطبعة جامعة القاهرة، السنة الثالثة والخمسون، 1983، ص 218.
د/ حمدى رجب عطية، بدائل الدعوى الجنائية، مجلة المحاماة، جمهورية مصر العربية، العدد الخامس والسادس، 1991، ص 109.
[9]الإمام أبى داود سليمان ابن الأشعث السجستانى الأزدى، سنن أبى داود، المكتبة العصرية، بيروت، الجزء الثالث والرابع، كتاب الديات، باب الإمام يأمر بالعفو فى الدم، 1428هـ – 2007م ، ص 835.
[10]د/ شوقى إبراهيم عبد الكريم علام، إيقاف سير الدعوى الجنائية وإنهاؤها بدون حكم فى الفقه الإسلامى والقانون الوضعى، دراسة مقارنة، رسالة دكتوراه، جامعة الأزهر، كلية الشريعة والقانون، 1996، ص 96.
[11]سورة المائدة الآيتان 32، 33.
[12]د/ محمد محمد مصباح القاضى، التدابير الاحترازية فى السياسة الجنائية الوضعية، دار النهضة العربية، القاهرة 1996، ص 111.
[13]د/ يوسف قاسم، نظام التوبة وأثره فى العقاب، مجلة القانون والاقتصاد، السنة الثالثة والأربعون، العدد الثالث، سبتمبر 1973، ص 74.
[14]د/أحمد محمد براك، العقوبة الرضائية فى الشريعة الإسلامية والأنظمة الجنائية المعاصرة، دراسة مقارنة، رسالة دكتوراه، كلية الحقوق جامعة القاهرة، 2009، ص 462.
[15]د/ محمود طه جلال، أصول التجريم والعقاب فى السياسة المعاصرة، دراسة استراتيجيات استخدام الجزاء الجنائى وتأصيل ظاهرتى الحد من التجريم والعقاب، رسالة دكتوراه، الطبعة الأولى، دار النهضة العربية، القاهرة، 2005، ص377.
[16]د/ عوض أحمد إدريس، الدية بين العقوبة والتعويض فى الفقه الإسلامى المقارن، رسالة دكتوراه، دار مكتبة الهلال، لبنان، الطبعة الأولى، 1986، ص 14.
[17]د/ محمد سليم العوا، فى أصول النظام الجنائى الإسلامى، دراسة مقارنة، دار المعارف، القاهرة 1979، ص 239.
[18]سورة البقرة، الآية رقم 178.
[19]الإمام جلال الدين السيوطى، الجامع الصغير فى أحاديث البشير النذير، المطبعة الخيرية، مصر، 1375هـ، الجزء الخامس، ص 77 وما بعدها.
[20]سورة النساء، الآية رقم 92.
[21]د/ عبد القادر عوده، التشريع الجنائى الإسلامى، الجزء الأول، دار الكتاب العربى، بيروت، خال من سنة النشر، ص 82.
[22]الإمام/ محمد أبو زهرة، الجريمة والعقوبة فى الفقه الإسلامى، الجريمة، دار الفكر العربى، القاهرة، 1998، ص 82.
[23]د/ عبد القادر عودة، المرجع السابق، ص 602، بند 432.
[24]صحيح أبى عبد الله البخارى بشرح الكرمانى، الجزء الثالث والعشرون، الناشر عبد الرحمن افندى محمد، ميدان الأزهر الشريف، القاهرة، سنة 1356هـ – 1937م، ص 202، 203، سنن ابن ماجه، سنن الحافظ أبى عبد الله محمد بن يزيد الغزوينى ابى ماجه، الناشر عيسى البابى الحلبى وشركاه، 1972، ص 856، الحديث رقم 2561.
[25]د/ محمد أحمد شحاتة، الإعدام فى ميزان الشريعة الإسلامية وأحكام القضاء، 2007، المكتب الجامعى الحديث، ص 50، ص 51.
[26]سورة النجم، الآيتان 38، 39.
[27]الشيخ محمد الشربينى الخطيب، شرح معنى المحتاج للنووى، مؤسسة التاريخ العربى وإحياء التراث العربى، بيروت، الجزء الرابع، ص 180.
[28]سورة المائدة الآية 34.
[29]أ.د/ عبد الودود السريتى، جريمة الحرابة وعقوبتها فى الفقه الإسلامى، 1409هـ – 1989م، بدون دار نشر، ص 123.
[30]المجموع شرح المهذب للمحقق محمد حسين العقبى، الجزء الثامن، الناشر زكريا على يوسف، القاهرة، بدون تاريخ، ص 343، بدائع الصنائع فى ترتيب الشرائع للكاسانى، لعلاء الدين أبى بكر سعود الكاسانى الحنفى، دار الكتب العربى، بيروت طبعة لبنان 1402هـ – 1982م، طبعة زكريا على يوسف، ج7، ص 96.
[31] سورة البقرة الآية 178.
[32] د/ هلالى عبد اللاه أحمد، أصول التشريع الجنائى الإسلامى، دار النهضة العربية، القاهرة، 1995، ص 274.
[33]د/ عبد الله عبد القادر الكيلانى، عقوبة الإعدام فى الشريعة الإسلامية والقانون المصرى، دراسة مقارنة، الطبعة الأولى، منشأة المعارف، الإسكندرية، 1996، ص 133 ، 134.
[34]د/ محمد محمد مصباح القاضى، العقوبات البديلة فى الفقه الإسلامى، دار النهضة العربية، القاهرة، 2012، ص 15.
[35]قرار الجمعية العامة للأمم المتحدة، 2200 ألف (د – 21).
[36]ضمانات تكفل حماية حقوق الذين يواجهون عقوبة الإعدام، الأمم المتحدة، المجلس الاقتصادى والاجتماعى، القرار رقم 1984/50، بتاريخ 25 مايو 1989.
[37]الأمم المتحدة، مكتب منع الجريمة والعدالة الجنائية، خلاصة وافية لمعايير الأمم المتحدة فى مجال منع الجريمة والعدالة الجنائية، الجزء الأول، الفصل الخامس، عقوبة الإعدام، الوثائق الرسمية للجمعية العامة، الدورة السادسة والعشرون، الملحق رقم 3 (A/8403)، ص 155.
[38]الطعن رقم 4791 لسنة 52ق، جلسة 13/12/1982، مكتب فنى 33، ص 973.
[39](1)Stefani Levasseur, Bouloc Dt. Pénalgénéral, No 470, Paris, PP. 409 , 509.
[40](1)Cairo Robert, Victimologie, De L’effraction du lien intersubjectif à la restauration sociale, Ed, L’harmation, Coll. Traité de Science criminelles, vol. 1-2, 2éme éd, 2001, p. 272.
[41]الطعن رقم 1964 لسنة 49ق، جلسة 31/1/1981، مكتب فنى 31، ص 165.
[42]المنظمة المصرية والفيدرالية لحقوق الإنسان، ندوة حول عقوبة الإعدام بين الشريعة الإسلامية والمعايير الدولية لحقوق الإنسان، تشكل لجنة من فقهاء الشريعة والقانون لطرح بدائل لعقوبة الإعدام، 25، 26 فبراير 2006.
[43](1)YVES MAYAU, Personnes physiques, Meurte, Répertoire de droit pénal et de procédure pénale, Février 2006, p. 87.
[44](2)Pour une présentation des débats au sein de ce sous – comite, Mihara Kenzô, Shikei Haishi no Kenkyû, recherches sur L’abolition de la peine capitale, Tokyo, 2005, Seibundô, p. 148 s.
[45](1)Saitô Siüi, Shikei seido imamade yôi no Ka 2 Faut – il laisser en l’état la peine capitale? , In Morishita Tadashi et Alii, Nihon Keijihô no riron to Tenbô, principes et perspectives du droit criminal au Japon, Tokyo, 2002, Shin Zansha, Vol. 1, p. 562 s.
[46](2) V. Par eX, Fujimoto Tetsuya, Keiji Seisaku gairon, précis de politique criminelle, Tokyo, 2005, S’eirin shoin, p. 135.
[47](1)Sur tous ces points, Morishita Tadashi, Keiji seisaku non ronten II, Les points de controverse en matière de politique criminelle II, Tokyo, 1994, Seibundô, p. 30.
[48](1)Masaki Akira, Gendai no chijoku: Watakushi no shi haishi – ron, “L’infamie contemporaine”: Ma conception de L’abolitione de la peine capitale, Tokyo, 1968, Kyôsei Kyôkai, pp. 144-145; Saitô yoshiyuki, shinpan shikei saikô- ron, nouvelles considerations sur la peine capitale, 1980, seibundo, p. 290.
[49](2)Hanai Takuzô, Keiho Zokuron, Analyes du code pénal, Tokyo, 1922, Hakubunsha, p. 202-203.
[50](1)Kikuta Kôichi, Shikei ni daisansuru shûshinkei, La perpétuite réelle comme substiut à la peine capitale, Nenpô shikei haishi, 2003, Tokyo, 2003, Inpakuto shuppankai, p. 55.
[51](2)Eric Seizelet, “L’abolition de la peine capitale et la notion de peine de substitution: Le cas Japonais” Rev. Sin. Crim, 2008, p. 541. S. ; La Rev. Sin. Crim, dans son no3, 2008 a consacré uns dossier à la peine de mort et au suicide (intitulé peine de mort et suicide) constitue, outre la présente contribution, des articles:-
V – Avant – propos pr Geneviève Giudicelli-Detage, p. 511.
V- Approches de la vie et de la mort en Europe par Geneviève Giudicelli – Delage, p. 513.
V- L’abolition de la peine capitale en Europe: Le cercle vertueux de la politique criminelle to les risques de rupture par Stefano Manacorda, p. 563.
[52](1)Instruction du procureur général près la cour suprême Francaise, no 887 du 19 Juin 1998.
[53]الأمم المتحدة، المجلس الاقتصادى والاجتماعى، قرار رقم 1989/64، بتاريخ 24 مايو 1989.


