ا لأزمة المالية العالمية

أسبابها وآثارها ا لاقتصادية وكيفية مواجهتها

إعداد

د/ مصطفي حسني مصطفى

مدرس الاقتصاد والمالية العامة

كلية الحقوق- جامعة المنوفية

 

الجوانب القانونية والاقتصادية للأزمة المالية العالمية

في الفترة من1-2 إبريل 2009

بقاعة السنهوري بكلية الحقوق جامعة المنصورة

مقدمة:

تعرضت أسواق المال العالمية خلال الشهور الماضية إلى حالة خطيرة من عدم الاستقرار رافقتها انهيارات كبرى في أسعار الأسهم في الأسواق الرئيسية العالمية، وخاصة في الولايات المتحدة الأمريكية التي شهدت أعنف الهزات المالية عندما فقدت أسعار الأسهم فيها نحو 23% من قيمتها، ومن ثم التداعيات التي أعقبت هذه الانهيارات من انخفاض أسعار الأسهم في أسواق لندن، وفرانكفورت، وباريس وغيرها، وانتقال هذه الأزمة بهزات ارتدادية في أسواق الخليج، إذ بلغت نسبة الانخفاض 7% في البورصة السعودية و4% في سوق الدوحة، ولا تزال آثار هذه الأزمة المالية تتوالى على مختلف بلدان العالم بدرجة أو بأخري([1]

وفي هذا البحث نتعرض للأزمة المالية التي صدمت العالم في منتصف سبتمبر. عام ٢٠٠٨، والتي اشتعلت شرارتها الأولى في الولايات المتحدة الأمريكية- قلب النظام الرأسمالي ومركزه- لنتعرف على أسبابها وأهم الآثار الاقتصادية الناجمة عنها ثم نحاول تبيان الحلول التي تفيد في كيفية مواجهة الأزمة، وذلك في مباحث ثلاثة كما يلى:

المبحث الأول: أسباب الأزمة المالية الأمريكية.

المبحث الثاني: أهم الآثار الاقتصادية للأزمة.

المبحث الثالث: كيفية مواجهة الأزمة.

وأخيراً نختم هذا المبحث بتناول أهم الدروس المستفادة من الأزمة لنخرج منها ببعض المقترحات والتوصيات التي تفيد في تلاقى تكرارها مستقبلاً.

المبحث الأول

أ سباب الأزمة المالية

مفهوم الأزمة: الأزمة في اللغة تعنى الشدة والقحط، يقال تأزم الأمر أي اشتد وضاق، وتأزم أي أصابته أزمة، والأزمة أي الضيق والشدة.

ويدور المعنى الاصطلاحي لمفهوم الأزمة بصفة عامة حول نفس المعنى، إذ يمكن تعريف الأزمة بأنها” مرحلة حرجة تواجه المنظومة الاجتماعية وينتج عنها خلل أو توقف في بعض الوظائف الحيوية لهذه المنظومة أو كلها، ويصاحبها تطور سريع في الأحداث ينجم عنه عدم استقرار في النظام الأساسي لهذه المنظومة ويدفع سلطة اتخاذ القرار فيها إلي ضرورة التدخل السريع لنجدتها وإعادة التوازن لهذا النظام.([2]

وفى إطار هذا المفهوم ينطبق مصطلح الأزمة المالية بشكل كبير على عديد من المواقف التي تفقد فيها بعض المؤسسات المالية أصولها فجأة أو جزءاً كبيراً من قيمتها المالية. وتتضمن تلك المواقف انهيار أسواق رأس المال وظهور الفقاعات المالية وأزمات العملة والتوقف عن السداد…إلخ.

ولا يوجد تعريف أو مفهوم محدد للأزمة المالية، لكن من المفاهيم المبسطة لمصلح الأزمة المالية هو أنها اضطراب حاد ومفاجئ فنى بعض التوازنات الاقتصادية يتبعه انهيار في عدد من المؤسسات المالية تمتد آثاره إلي القطاعات الأخرى.([3] وفى القرن التاسع عثر وأوائل للقرن العشرين ارتبطت الأزمات المالية بالذعر المالي الذى ساد البنوك وتزامنه مع حالات كساد.([4]

أثر العمولة على انتشار الأزمات المالية في العالم:

شهد الربع الأخير من القرن العشرين العديد من التحولات والتغيرات الخطيرة، منها سيادة وسيطرة التضخم الركودي أو الكساد التضخمي”Stagflation”(أي التضخم في ثانياً الركود، الحروب وصراع الحضارات والاستعمار الجديد وغزو الأسواق والسيطرة على المقدرات الاقتصادية للدول والشعوب، انتشار الشركات متعددة الجنسيات، الخصخصة وتقليص دور الدولة في الحياة الاقتصادية والاجتماعية، هجرة العقول والكفاءات العلمية من الدول النامية إلى الدول الصناعية المتقدمة، انتشار الفساد الاقتصادي والاجتماعي وتدهور اللغة والدين والقيم والعادات والتقاليد ….. إلخ.

كما شهدت البيئة الاقتصادية العالمية عدداً من الصدمات الاقتصادية الخارجية نظراً لزيادة درجة الاعتماد المتبادل بين الدول المختلفة وارتباطها بشبكة كثيفة من العلاقات التجارية والمالية والنقدية، وبرزت مشكلة الفجوة السحيقة والمتزايدة بين الدول الصناعة المتقدمة والدول النامية(أو دول الشمال ودول الجنوب والتدهور الحاد في معدلات التبادل الدولي لهذه الدول الأخيرة ….إلخ.

كما انتهت القطبية الثنائية التي سيطرت على العالم منذ نهاية الحرب العالمية الثانية، وانفردت الولايات المتحدة بالهيمنة على العالم وفرضها النموذج الرأسمالي على جميع الدول، كما برزت على الساحة العالمية ظاهرة العولمة أو الكوكبة”Globalization” نتيجة الثورة العلمية والتكنولوجية خاصة في مجال الاتصالات والمعلومات.([5]

ومع السرعة في تكنولوجيا الاتصالات والمعلومات أصبح العالم كله مجرد قرية اليكترونية، حيث أصبح التأثير المتبادل لأحداث العالم على بعضها يأخذ اقل من الثانية. إن سرعة المواصلات والاتصالات أدت إلى انكماش الزمان والمكان وتهميش الحدود الجغرافية، بمعنى أن المسافات الزمنية والمكانية تتقلص بين أرجاء المعمورة. ونتيجة للعولمة يظهر أثر

العدوى “Contagion Effect” في انتقال الأزمات المالية، مثل تلك الخاصة بأسعار العملة وانهيار أسواق الأسهم، وانتشار هذه العدوى من دولة لأخرى.([6]

ونظراً لمكانة الاقتصاد الأمريكي بين اقتصادات العالم فقد كان لتشابك العلاقات الاقتصادية بينه وبين غيره من اقتصادات العالم الأخرى- وخاصة

المتقدمة_ الأثر الواضح في تعدى آثار الأزمة المالية الحالية إلى جميع أنحاء العالم في وقت قياسي لم يكن أحد يتوقعه.

فعلى إثر هبوط قيم الأسهم في بورصة” وول ستريت” بأمريكا وهبوط المؤشر العالم بنسبة 7,1%، حدث انتقال للعدوى. فقد انخفض هذا المؤشر العام في بورصة فرانكفورت إلى 8,8%، وفى باريس إلى 5,4%، وفي لندن إلى 7,5%، وفى مدريد إلي 3,8% و طوكيو إلى 5,1%، وشنغهاي إلى 6%، وساو باولو إلى 9,8%، والرياض إلى 9,4%، ودبي إلى 3%، وبيروت إلى 3%، والقاهرة إلى 4,3%. وبالتالي انتشرت عدوى الأزمة الأمريكية إلى جميع أنحاء العالم.([7]

حقيقة الأزمة المالية الأمريكية:

ويثور التساؤل عن حقيقة الأزمة المالية الأمريكية، هل هي أزمة مقصودة ومستهدفة؟

يرى البعض أن هذه الأزمة مفتعلة بغرض السيطرة على الودائع العربية في البنوك الأمريكية وعائد الدولارات البترولية.([8]

أم هي خطأ أمريكي تحاول تغطيته بالودائع والفوائض العربية؟ هل الأزمة مفاجئة أم كانت متوقعة؟([9]

الأزمة كانت متوقعة بسبب سلسلة الأخطاء في السياسات الاقتصادية والمالية الأمريكية، وخاصة فبما يتعلق بالرهن العقاري، وهو ما نوضحه فيما يلى: مما لا شك فيه أن الأزمات المالية لا تأتى من فراغ، بل تتفاعل مع الوضع الاقتصادي الكلى الذى يعانى في الولايات المتحدة من مشاكل خطيرة يأتي في مقدمتها عجز الميزانية واختلال الميزان التجاري وتفاقم المديونية العامة والخاصة والارتفاع المستمر لمؤشرات البطالة والتضخم والفقر:([10]

1- عجز الميزانية: يقدر العجز المالي الأمريكي في ميزانية 2008 بمبلغ 410 مليار دولار، أي 2,9% من النتائج المحلى الإجمالي، وهذا يؤكد

ضرورة الاهتمام بالتوازنات الاقتصادية وليس المالية. ويغلب الطابع العسكري على النفقات العامة، حيث لا يهدف الإنفاق العام إلى التشغيل بقدر ما يهدف إلى تمويل العمليات الحربية الخارجية، كما أن الضرائب تستخدم كوسيلة للحصول على أصوات الناخبين بدلاً من الحصول على إيرادات لتمويل العجز المالي.

٢_ العجز التجاري: يلاحظ أن العجز التجاري الأمريكي يزداد منذ عام 1971، إذ أنه لم يسجل أي فائض، بل عجز يزداد سنوياً حتى وصل في عام 2006 إلى ٧٥٨ مليار دولار. ويعود السبب الأساس في ذلك العجز إلى عدم قدرة الجهاز الإنتاجي على تلبية الاستهلاك.

٣– المديونية: أظهرت إحصاءات وزارة الخزانة الأمريكية ارتفاع الديون الحكومية( الإدارة المركزية والإدارات المحلية من 4,3 تريليون دولار في عام 1990 إلى 8,4 تريليون دولار في عام 2003، وإلى 8,9 تريليون دولار في عام 2007. وأصبحت هذه الديون العامة تشكل 64% من الناتج المحلي الإجمالي.([11]

ولا يتوقف ثقل المديونية الأمريكية على الإدارات الحكومية بل يشمل الأفراد والشركات أيضاً. فقد بلغت الديون الفردية 9,2تريليون دولار منها ديون عقارية بمبلغ 6,6 تريليون دولار. ولقد ساهمت هذه الديون العقارية مساهمة فعالة في الأزمة المالية الحالية، وتشكل أكتر من نصف الناتج المحلى الإجمالي الأمريكي. أما ديون الشركات فتحتل المرتبة الأولى من حيث حجمها البالغ 18,4 تريليون دولار. وبذلك يكون المجموع الكلى ٣٦ تريليون دولار، أي ثلاثة أضعاف الناتج المحلى الإجمالي، وتعد هذه الديون في ذاتها أزمة اقتصادية خطيرة تواجهها الولايات المتحدة الأمريكية.

كما تعانى الولايات المتحدة من مشاكل اقتصادية أخرى في مقدمتها التضخم الذي تجاوز 4%، والبطالة التي تشكل ٥%، مع تراجع الأهمية النسبية للصناعة من مجموع الناتج.

الرهن العقاري والأزمة المالية الأمريكية:

يرى عدد كبير من الاقتصاديين والمفكرين والخبراء أن السبب الأساس للازمة المالية الأمريكية يرجع إلى غياب الرقابة على البنوك وشركات التأمين وشركات الرهن العقاري مما أدى إلى انفجار فقاعة الرهن العقاري وتفجر الأزمة ومن ثم إفلاس العديد من البنوك والبورصات وشركات التأمين والرهن العقاري.

فالسبب الرئيسي للازمة كما يرى الدكتور فؤاد شاكر رئيس اتحاد المصارف العربية هو التوسع الكبير في القروض العقارية في السوق الأمريكي اعتماداً على الارتفاع الكبير في أسعار العقارات. لكن مع تراجع النمو الاقتصادي في الولايات المتحدة تراجعت أسعار العقارات من جهة، وتوقف مقترضون عن سداد ديونهم للبنوك مع زيادة البطالة، من جهة أخرى، وبالتالي وجدت البنوك أنها لا تستطيع بيع العقارات لاسترداد قيمة الفروض، لأن قيمة هذه العقارات- ببساطة- أصحبت أقل كثيراً من قيمة القروض. والنتيجة أن فقاعة القروض العقارية قد انفجرت([12].

ويضيف الدكتور إبراهيم البدوي- الخبير الاقتصادي بالبنك الدولي- والذى يؤكد أن أراءه تعبر عن رأيه الشخصي ولا صلة لها بالبنك الدولي الذى يعمل به أن المؤسسات المالية تشترى سندات مالية Securities بضمان الديون العقارية وهذه السندات المالية يتم إعادة إنتاجها وإعادة بيعها في السوق الموازية Secondary market عدة مرات طالما أن هناك من يشتريها، بمعنى آخر يتم تداول القروض العقارية في الأسواق دون رقابة

ودون ضوابط. صحيح أن تدوير رؤوس الأموال يؤدى إلى خلق فرص تمويلية جديدة، لكنه أيضاً يحمل مخاطر كبيرة، خاصة وأن جانباً كبيراً من هذه القروض العقارية يصبح بلا ضمان إذا انهارت أسعار العقارات، وهو ما حدث بالفعل.([13]

فبوادر الأزمة ارتبطت بصورة أساسية بما يسمى فقاعة الربا، أي الارتفاع المتوالي لسعر الفائدة من جانب بنك الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي منذ عام 2004، وهو ما شكل زيادة في أعباء القروض العقارية من حيث خدمتها وسداد أقساطها، خاصة في ظل التغاضي عن السجل الائتماني للعملاء وقدرتهم على السداد حتى بلغت تلك القروض نحو 1,3تريليون دولار في مارس عام 2007، وتفاقمت تلك الأزمة مع حلول النصف الثاني من عام2007 حيث توقف عدد كبير من المقترضين عن سداد الأقساط المالية المستحقة عليهم، وكان من نتيجة ذلك تكبد أكبر مؤسستين للرهن العقاري في الولايات المتحدة وهما” فاني ماي” Fannie Mae، و” فريدي ماك” Freddie Mac خسائر بالغة حيث تتعاملان بمبلغ ستة تريليونات دولار، وهو مبلغ يعادل ستة أمثال حجم اقتصاديات الدول العربية مجتمعة.

أما الفقاعة الثانية، وهى فقاعة بيع الديون، فجاءت من خلال” توريق” أو “تسنيد” تلك الديون العقارية، وذلك بتجميع الديون العقارية الأمريكية وتحويلها إلى سندات وتسويقها من خلال الأسواق المالية العالمية.([14] وقد نتج عن عمليات التوريق هذه زيادة في معدلات عدم الوفاء بالديون لرداءة العديد من تلك الديون، مما أدى إلي انخفاض قيمة هذه السندات المدعمة بالأصول العقارية في السوق الأمريكية بأكثر من 70%.

ومنذ عام 2000 بدأت فقاعة جديدة تنمو وتكبر ألا وهى فقاعة القطاع العقاري، ذلك القطاع الذى أقبل عليه الأمريكان إقبالاً شديداً، ومن ثم أخذت قيم العقارات وبالتالي أسهم الشركات العقارية المسجلة بالبورصة في الارتفاع بصورة مستمرة في جميع أنحاء العالم، خاصة في الولايات المتحدة، حتى أصبح شراء العقارات أفضل أنواع الاستثمار في حين أن الأنشطة الأخرى بما فيها التكنولوجيا الحديثة معرضة للخسارة .([15]

وقد زاد إقبال الأمريكان أفراداً وشركات على شراء العقارات بهدف السكن أو الاستثمار طويل الأجل أو المضاربة، واتسعت التسهيلات العقارية إلي درجة أن الكثير من المصارف منحت ائتمانيات وقروضاً حتى للأفراد غير القادرين على سداد ديونهم بسبب دخولهم الضعيفة. واستمرت الشركات العقارية تجنى الأرباح الكبيرة نتيجة لاستمرار ارتفاع أسعار العقارات واستمرار المصارف بمنح القروض العقارية دون قيود كبيرة حتى بدأ عام ٢٠٠٧ ليعلن انفجار الفقاعة العقارية بعد انفجار فقاعة الانترنت.([16] حيث هبطت قيمة العقارات ولم يعد الأفراد قادرين على سداد ديونهم حتى بعد بيع عقاراتهم المرهونة، وفقد أكثر من مليوني أمريكي ملكيتهم العقارية وأصبحوا مكبلين بالتزامات مالية طيلة حياتهم.

ونتيجة لتضرر المصارف الدائنة بسبب علم سداد المقترضين لقروضهم هبطت قيم أسهمها في البورصة، وأعلنت شركات عقارية عديدة عن إفلاسها.([17] وكان انفجار الفقاعة العقارية الأمريكية عاملاً مهماً في هبوط أسهم الشركات الأخرى غير العاملة في القطاع العقاري. ولعل تزايد ظاهرة الذعر المالي لدى الأفراد وتوجههم نحو سحب أموالهم من المصارف بسرعة غير متوقعة أدى بشكل كبير إلى انهيارات مالية في كبريات المصارف أهمها بنك ليمان بروذرز.

وفى رأينا فإن السبب الرئيسي للأزمة وجوهرها يكمن في العلاقة غير المتوازنة بين الاقتصاد الحقيقي أو العيني والاقتصاد المالي والنقدي.([18]

وهذا راجع إلى التطور الحاصل في الرأسمالية ذاتها من رأسمالية المنافسة إلى الرأسمالية الاحتكارية ثم إلى الرأسمالية المعلوماتية التي تعنى الانتقال من التركيز على الإنتاج المادي إلى التركيز على إنتاج العلامات والصور والأوراق مستفيدة من التطور الحاصل في تكنولوجيا الاتصالات والمعلومات. وأدى ذلك إلى تخلى الدول الصناعية المتقدمة عن صناعات عديدة (إما بسبب تلويثها للبيئة، أو بسبب حاجتها إلى يد عاملة كثيفة.

وفي المقابل توسع النظام المالي والخدمات المالية حيث تصاعدت العمليات المالية في المراكز الرأسمالية العالمية وفى ما بينها حتى أصبحت تشكل أكثر من 90% من مجموع المعاملات الاقتصادية العالمية، خاصة في ظل إطلاق حرية المصارف والائتمان والمؤسسات العقارية دون ضوابط أو رقابة انطلاقاً من الاعتقاد بأن الأسواق قادرة على تصحيح الاختلالات والانحرافات ذاتياً ومن ثم فهي قادرة على أن تتوازن من تلقاء نفسها دونما رقابة.([19]

وقد نتج عن ذلك خلل زايد في السنوات الأخيرة بين أداء وسير الاقتصاد العيني من ناحية، وبين التوسع في الاقتصاد المالي والنقدي بما يشمله من تسهيلات ائتمانية للبنوك وتداول الأسهم في الأسواق العالمية، من ناحية أخرى، وتتجلى مظاهر ذلك فيما يلى:

١- تضخم حجم الأصول المالية على المستوى العالمي والتصاعد الهائل في حجم المعاملات المالية. فقد كانت هذه المعاملات تغطى عمليات الإنتاج والتجارة، أما اليوم فقد وصل حجم المعاملات المالية إلى أرقام مذهلة تتجاوز ألفى تريليون دولار في العام فيما الناتج المحلي العالمي لا يتجاوز ٤٤ تريليون دولار.([20]

2_ السرعة الهائلة في انتقال هذه الأصول، وخاصة بالنسبة للمشتقات المالية، وذلك في ظل تدويل العمليات المصرفية والمالية وزيادة معدلات الاندماج، ومع ثورة الاتصالات والتطور السريع في عمليات الحاسب الآلي والانترنت.

وعلى ذلك فإن الأزمة المالية المصرفية الحالية هي نتيجة للتوسع غير المنضبط في قروض القطاع المالي في الولايات المتحدة، والإسراف في إصدار أصول المديونيات بأكثر من حاجة الاقتصاد العيني٠ ومع هذا التوسع في إصدار الأصول المالية ازداد عدد المدينين وعجز عدد كبير منهم عن السداد، مما أدى إلى انهيار عدد من البنوك والمؤسسات المالية الأمريكية.

ونتيجة للتشابكات والتداخلات بين قطاعات الاقتصاد، من جهة، وبين اقتصاديات مختلف الدول، من جهة أخرى، انتشرت الأزمة المالية الأمريكية انتشار النار في الهشيم إلى باقي أنحاء العالم لتفجر أزمة مالية عالمية.([21]

المبحث الثاني

الآثار الاقتصادية للأزمة المالية

مقدمة:

أحدثت الأزمة العديد من الآثار الاقتصادية، سواء على مستوى الاقتصاد الواحد أو على مستوى الاقتصاد العالمي، التي أخذت تتفاعل لدرجة أنها أخذت تلوح بدخول الاقتصاد العالمي في كساد كبير على غرار الكساد الكبير الذى حدث في 1929- 1932 بما أحدثه من آثار ودمار في كل جوانب الاقتصاد العالمي.

ويرى كثير من المحللين أن الأزمة المالية التي استحكمت منتصف العام الماضي وما صاحبها من موجة ركود اقتصادي عالمي لم تصل إلى مداها بعد ومن المتوقع أن يكون القادم في مسار الأزمة أسوأ. وإذا كانت الانهيارات العام الماضي تركزت في قطاع البنوك والشركات والمؤسسات المالية والتدهور الأكبر في مؤشرات أسهم الأسواق المالية، فإن هذا العام سوف يشهد موجة من إفلاس الشركات في قطاعات أخرى من الاقتصاد. وبالطبع سيكون لتلك الانهيارات صداها على الاقتصاد العالمي بشكل عام بما يعمق أزمة الركود الحالية نتيجة تدهور الثقة في الاقتصادات الرئيسية وتأثير ذلك في الاقتصادات الصاعدة والنامية حيث ستعم الخسائر الهائلة على جميع مظاهر الحياة الاقتصادية.

فالأزمة المالية التي يشهدها للعالم حالياً هي جزء رئيسي من أزمة اقتصادية أوسع بدأت تلقى بظلالها وتداعياتها على الاقتصاد الأمريكي والاقتصاديات الأوروبية وكثير من دول العالم في شكل تأثيرات مباشرة وغير مباشرة، ولا تزال التأثيرات مستمرة([22] والجانب الهام في الأزمة هو أنها تطورت لتؤثر في الاقتصاديات المختلفة مؤدية إلي تباطؤ في النمو وإيقاف إنتاج بعض القطاعات الاقتصادية وتنامى معدلات البطالة وتسريح ملايين العمال.([23]

وسنوضح فيما يلى الأثار الاقتصادية للأزمة على الدول المتقدمة، ومعها الاقتصادات الصاعدة(وعلى رأسها الصين، وروسيا، والبرازيل، وعلى الدول النامية والفقيرة بصفة عامة، وعلى المنطقة العربية ومصر بصفة خاصة.

أولاً: آثار الأزمة على الدول المتقدمة( ومعها الاقتصادات الصاعدة

 

على الرغم من الجهود الحثيثة التي تبذلها الدول الصناعية الكبرى للخروج من الأزمة وضخ مليارات الدولارات لإنقاذ نظامها المالي والمصرفي، إلا أن تداعيات الأزمة لا تزال تعصف باقتصاديات هذه الدول. فقد انفجرت الأزمة من داخل القطاع المالي والمصرفي في الولايات المتحدة الأمريكية وأدت إلى انهيار وإفلاس الكثير من البنوك والشركات والمؤسسات المالية، ثم انتقلت إلى باقي قطاعات الاقتصاد (لاسيما قطاع العقارات والسيارات، تم انتقلت إلى اقتصاديات الأوروبية ثم إلى باقي دول العالم.

وبالفعل اعلنت دول كثيرة عن دخولها في مرحلة ركود، حيث أعلنت الهيئة الوطنية للبحث الاقتصادي في أمريكا عن دخول أمريكا في” ركود” اقتصادي. كما أعلنت بريطانيا أنها دخلت رسمياً مرحلة ركود اقتصادي هي الأولى منذ 18عاماً بعد ما سجل الاقتصاد البريطاني انكماشاً حاداً في نهاية عام 2008، نتيجة للأزمة المالية الطاحنة التي تعصف بالأسواق العالمية.

وفى ذات الإطار قالت المفوضية الأوربية إن نمو اقتصاد الاتحاد الأوربي سيتجه للتوقف عام ٢٠٠٩، على أن يبدأ في الصعود اعتباراً من عام ٢٠١٠ نتيجة للأزمة المالية التي ألقت بتداعياتها على أحد أكبر التكتلات الاقتصادية في العالم” أما فيما يتعلق باقتصادات أكبر أربع دول في الاتحاد_ وهى ألمانيا وفرنسا وإيطاليا وبريطانيا- قالت المفوضية إن بريطانيا سوف تتعرض لركود كامل عام ٢٠٠٩ مع انكماش الناتج المحلى الإجمالي لينمو بنسبة واحد بالمائة بالسالب، بينما يمكن توقع تحقيق ألمانيا وفرنسا وإيطاليا معدل نمو نسبته صفر في عام2009.([24]

كما تلقى اقتصاد اليابان ضربة موجعة في بداية عام ٢٠٠٩ بسبب تهاوى الصادرات اليابانية إلى النصف تقريباً مقارنة بالفترة نفسها من العام الماضي، الأمر الذى أدى إلى خسارة الميزان التجاري بنسبة غير مسبوقة بلغت ناقص ثمانية مليارات يورو خلال أول شهر من عام ٢٠٠٩، حيث هوت صادرات اليابان إلى أوروبا بنسبة فاقت السبعة وأربعين بالمائة وأكثر من ستة وأربعين بالمائة في آسيا.([25]

وبالنسبة للصين، فعلى عكس ما أحدثته الأزمة المالية من أثار سيئة باقتصادات العالم الغربي، فإن الصين كانت بمنأى عن التأثر المباشر بهذه الأزمة سواء بسبب انعزال نظامها المالي بشكل كبير، أو بسبب امتلاكها لقدر هائل من الاحتياطي النقدي أو بسبب الفائض الكبير في ميزانها التجاري مع الولايات المتحدة ودول أوربا. إلا أن الأزمة أثرت على الاقتصاد الصيني بصورة غير مباشرة بسبب تأثر صادرات الصين لأسواق أمريكا والدول الأوربية التي تأثرت بالأزمة المالية العالمية. وقد انعكس ذلك على معدلات نمو الاقتصاد الصيني وعلى ما تملكه من احتياطي نقدى من العملات الحرة وعلى حجم التجارة الخارجية لها مع دول أمريكا وأوربا.([26]

ومن الاقتصاديات الناشئة في أمريكا اللاتينية نالت البرازيل- التي تعد القوة الاقتصادية الكبرى في القارة- حصتها من تأثيرات الأزمة المالية. فرغم أن البرازيل تملك سادس أكبر صناعة للسيارات في العالم ، إلا أن شركات كبرى لصناعة السيارات هناك( مثل مرسيدس وفولكسفاجن منحت عمالها إجازات إجبارية مع احتمال الاستغناء عن أعداد كبيرة منهم في حال عدم ارتفاع مبيعات السيارات.

ثانياً: أثر الأزمة على الدول النامية والفقيرة بصفة عامة:

من المؤكد ان الأزمة المالية التي يمر بها العالم وما يترتب عليها من ركود ستكون لها تداعيات سلبية على الدول النامية والفقيرة، لاسيما في أفريقيا وأمريكا اللاتينية، بفعل الانخفاض الكبير في أسعار المنتجات الأولية التي تمثل الصادرات الأساسية لهذه الدول (المعادن بنسبة 45%، البترول بنسبة ٣٢%، المنتجات الزراعية بنسبة 24%، مما تسبب في إحداث نكسات كبيرة في برامج التنمية والحد من الفقر في هذه الدول.([27]

ولاشك ان تأثير الأزمة على الدول الصناعية والتي تمثل أكبر مستورد لصادرات الدول النامية سوف يعمق من معاناة الدول النامية، حيث أن الدول الصناعية سوف تقلل من وارداتها نتيجة الأزمة مما سينعكس سلباً على صادرات الدول النامية، وبالذات تلك المرتبطة بعلاقات تجارية وثيقة مع الولايات المتحدة الأمريكية والاتحاد الأوربي. كما أن تدفق الاستثمارات من الدول الصناعية إلى الدول النامية سوف يتراجع.([28]

ويلاحظ ان تأثير الأزمة على الأسواق المالية للدول الفقيرة والنامية يتفاوت من دولة لأخرى. ويشير البعض إلى أنه كلما كانت الدولة أكثر فقراً كلما كانت تداعيات الأزمة عليها أقل، وذلك لأن الأسواق المالية في الدول الفقيرة تعتمد بالدرجة الأولى على الرأسمال الحكومي، كما أن البنوك في هذه الدول ليست مرتبطة بشبكة علاقات عالمية كبيرة، ولا تعتمد بشكل كبير على رؤوس الأموال الأجنبية بل من خلال الاستثمارات المباشرة ومن المساعدات التنموية ثم التحويلات الخارجية من قبل المهاجرين.

وحتى إذا كانت بعض البلدان ليس لديها الكثير من التعاملات في أسواق المال العالمية ما يؤثر عليها في الجولة الأولى من الأزمة، فإن بطء النمو الاقتصادي في البلدان الكبرى سيؤثر بالتأكيد على الدول النامية، لأن أسعار المواد الأولية ستخفض، وأسواق التصدير ستركد، والاستثمارات الأجنبية المباشرة ستتقلص تقلصا حاداً، وسوف تتباين الآثار والتداعيات من بلد لآخر، ولكنها في النهاية ستعنى هبوط عائدات التصدير وانخفاض الدخول وتراجع الاستثمارات ولاسيما إذا كانت بتمويل أجنبي.

وعلي ذلك يمكن تلخيص الآثار المتوقعة للازمة على البلدان النامية في ثلاثة محاور:

المحور الأول: هو انخفاض الطلب على منتجات الدول النامية- لا سيما تلك المصدرة للمواد الخام- نتيجة انخفاض الطلب العالمي، وهو ما سينعكس على موازنات الدول النامية وقدرتها على تمويل مشاريعها التنموية وعلى استمراريتها في دعم الغذاء لسكانها.

المحور الثاني: احتمال تقلص الاستثمارات الأجنبية في الدول النامية ومنح القروض مما يعيق من قدرتها على التنمية.

المحور الثالث: وجود مخاوف من أن تؤثر الأزمة على المساعدات التي تتلقاها الدول الفقيرة من الدول الصناعية، مما سيؤدى إلى زيادة حجم الفقر والفقراء.

آثار الأزمة على الفقر والفقراء في العالم:

حذر عدد من المؤسسات الإنسانية والمنظمات الدولية العاملة في مجال مكافحة الجوع في العالم من زيادة كبيرة في عدد الذين يعانون من الجوع في العالم، حيث وصل الرقم إلى نحو مليار إنسان يعيش معظمهم في آسيا وأفريقيا( وذلك وفقاً لما ذكره تقرير معهد واشنطن لأبحاث السياسات الغذائية، كما توقعت هذه المؤسسات ازدياد أعداد الفقراء في الدول النامية نتيجة الأزمة العالمية الراهنة: هذا الأمر حدا بالمنظمات الإنسانية والدولية المعنية إلي دق ناقوس الخطر محذرة من تناسى مأساة الفقراء الذين سيكون وقع الأزمة عليهم أكثر ايلاماً، ومذكرة الدول الغنية بتنفيذ تعهداتها إزاء الدول الفقيرة، إلى حد أن المنظمة الألمانية للمساعدة على مكافحة الجوع في العالم(فيلت هونجر هيلفه طالبت الدول الصناعية الكبرى بتبني” حزمة إنقاذ للجوعى” على غرار حزم الإنقاذ المالي، أي خطط إنقاذ للجوعى على غرار حزم إنقاذ البنوك.([29]

ثالثاً: أثر ا لأزمة على المنطقة العربية ومصر بصفة خاصة:

 

من الصعب الحديث عن آثار الأزمة المالية والاقتصادية العالمية على الاقتصاديات العربية مجتمعة، نظراً لاختلاف الهيكل الاقتصادي لكل دولة وطبيعة صادراتها ووارداتها ومدى قدرتها على الاستفادة من العوائد لتكوين اقتصاديات منتجة وتخفيف أثر الصدمات الخارجية والتكيف مع المستجدات. فالدول العربية تتباين ظروفها الاقتصادية، وبالتالي فإن درجة تأثرها بالأزمة تخضع للعديد من العوامل مثل درجة انفتاحها على أسواق العالم ونوعية صادراتها والتوزيع الجغرافي للصادرات ومدى متانة القطاع المالي فيها.([30]

فالدول العربية المنتجة للنفط ستتأثر عائداتها بشكل كبير نتيجة انخفاض أسعار النفط عقب الأزمة، في حين سيمثل انخفاض هذه الأسعار بعداً ايجابياً للدول المستوردة للنفط من حيث قليل العجز في الميزان التجاري وتخفيض تكاليف الإنتاج. كما آن السياسات النقدية تعتبر أحد المحددات فيما يتعلق بتأثير الأزمة، حيث أن الدول التي ترتبط عملتها بالدولار من المتوقع أن يكون حجم تأثرها أكبر من الدول التي ترتبط عملتها بسلة من العملات الأجنبية.

ويزداد حجم تأثر الدول الخليجية بالأزمة نتيجة لارتفاع حجم الاستثمارات والأموال الموظفة في البنوك والمصارف وأسواق المال الأمريكية([31]، إلى حد أن بعض الصناديق السيادية تعرضت لخسائر فادحة([32] ورغم أن الحسابات الجارية لمعظم دول الخليج المصدرة للنفط لا تزال جيدة، بسب وفرة العائدات في السنوات الأخيرة نتيجة ارتفاع أسعار

النفط عن المستويات التي حددتها في ميزانياتها، إلا أن ذلك لن يمنع تأثر تلك الاقتصاديات بأزمة الركود العالمي وتراجع أسعار النفط في العامين المقبلين. أما الدول غير النفطية- وخاصة كثيفة السكان منها- فإنها ستعانى معاناة مضاعفة: فإلى جانب تراجع النمو الاقتصادي الذى كانت تحتاج إلى زيادته لمواجهة مشاكل البطالة والفقر، فإن فترة الوفرة والنمو الاقتصادي لم تعكس تحسناً ملحوظاً على قطاعات واسعة من سكانها ومن ثم ستضاعف المشاكل في تلك الدول مع احتمال أن يؤدى التباطؤ الاقتصادي في الدول النقطية المستوعبة للعمالة منها إلى تقليص مشروعاتها، وبالتالي عودة تلك العمالة إلى دولها لتزيد من الضغوط على اقتصادها الذى يعانى أصلاً. أضف إلى ذلك أن وفرة العائدات النفطية في دول الخليج ساهمت في زيادة استثماراتها في اقتصاديات بعض دول المنطقة( كالأردن ومصر ولبنان وسوريا وغيره ولن تجد تلك الدول الآن مورداً استثمارياً خليجياً يعزز نمو اقتصادها. وإذا كانت دول كقطر والسعودية والإمارات لديها من الأموال ما يمكنها الاستمرار في بعض مشروعات تطوير الطاقة الأساسية، فإن أي استثمارات متوقعة من الشركات الكبرى أو احتمالات اقتراض أو تمويل من السوق العالمي تتضاءل الآن في ظل الركود. وتفادياً لاحتمالات العجز في الميزانية أو الحساب الجاري، تتردد معظم حكومات المنطقة في التوسع في تلك المشروعات في الفترة المقبلة مما يعنى المساهمة في انكماش النشاط الاقتصادي ولا يساعد على زيادة النمو.

ولابد من الإشارة إلى التأثر الكبير للبورصات العربية بسبب الأزمة، بالإضافة إلى الاستثمارات العربية في أسواق رأس المال العالمية التي تأثرت إلى حد كبير. كما أن الصادرات العربية للدول غير النفطية تأثرت أيضاً بالتراجع كما تراجعت أسعارها أيضاً.

وتتوقع عدة مصادر دولية انخفاض معدل نمو اقتصادات دول الشرق الأوسط وشمال أفريقيا بمقدار النصف في عام ٢٠٠٩ نتيجة الأزمة المالية والاقتصادية العالمية والتراجع الشديد في أسعار النقط([33]. وفى المتوسط سيصل نمو الناتج المحلى الإجمالي لدول المنطقة إلى ما بين 2.5 و 2,8% مع تباين كبير في معدلات النمو في الدول المختلفة.

آثار الأزمة المالية العالمية على الاقتصاد المصري:

من المؤكد أن الاقتصاد المصري سيتأثر بالأزمة المالية العالمية التي لحقت بالاقتصاد الأمريكي وانتقلت إلى أوروبا، خاصة بعد أن تحولت إلى أزمة اقتصادية ستهبط بمعدلات نمو الاقتصاد الأمريكي وعدد من الاقتصاديات الأوروبية إلى الصفر. ونظراً لأن الاقتصاد المصري جزء من هذا العالم ومتشابك في علاقات شتى بالاقتصاد الأمريكي والاقتصاديات الأوروبية، فسوف يتأثر بالأزمة بشكل مباشر([34]. وسوف يتأثر تراجع معدلات نمو الاقتصاد المصري على البنوك المصرية وذلك في جانب الطلب على خدماتها بشكل أساسي. وسوف نتعرض فيما يلى إلى أثر الأزمة المالية على الاقتصاد المصري، وعلى الجهاز المصرفي المصري.([35]

أولاً: أثر الأزمة المالية العالمية على الاقتصاد المصري:

حقق الناتج المحلى الإجمالي معدلات نمو مرتفعة خلال القترة الماضية بلغت ٦,٨%، 7.1%، 7.2% خلال الأعوام 2005/2006، 2006/2007، 2007/2008.

ويقدر الناتج المحلى الإجمالي لعام 2007/2008 بنحو 783.2 مليار جنيه(ما يعادل 142 مليار دولار، إلا أن الأزمة المالية العالمية ستؤدى إلى حدوث تباطؤ في الاقتصاد المصري- نتيجة للركود الاقتصادي العالمي- ليتراجع معدل نمو الناتج المحلى الإجمالي إلى 6% وفى أسوأ الظروف إلى 5% خلال العام المالي الحالي، وذلك بسبب التشابك مع الاقتصاد العالمي حيث أن 75% من الناتج المحلى الإجمالي يتمثل في التبادل التجاري فنحو 32% من صادرات تتجه للولايات المتحدة الأمريكية، 32,5% من الواردات تأتى من أمريكا والاتحاد الأوروبي، وثلثي الاستثمارات الأجنبية المباشرة خلال العامين الماضيين من أمريكا وأوروبا.

وتتوقع وزارة التنمية الاقتصادية أن يبلغ صافي الخسائر الناتجة عن الأزمة أكثر من ٤ مليارات دولار خلال العام المالي الحالي، وأكثر القطاعات تضرراً هو قطاع الصناعات التحويلية، حيث من المتوقع تراجع الصادرات السلعية بنحو 2.2 مليار دولار. ففي ظل الانكماش العالمي سيقل الطلب بشكل عام على المعروض من المنتجات مما سيجعل هناك أولوية للطلب على المنتج المحلى للدول التي يتم تصدير المنتج المصري إليها، ومن ناحية أخرى سيزيد حجم المنافسة على التصدير. ونظراً لانخفاض حجم الطلب ستقلل المصانع من إنتاجها مما سيقلل من حوافز العاملين وبالتالي انخفاض القوة الشرائية للمنتجات مما يؤدى إلى الركود في الأسواق.

كما تتوقع وزارة التنمية الاقتصادية انخفاض الميزان البترولي بنحو مليار دولار حيث انخفضت أسعار البترول من ١٤٧ دولار للبرميل إلى 39,5 دولار للبرميل، وانخفاض تحويلات العاملين المصريين بالخارج بما يعادل ٦٠٠ مليون دولار، وانخفاض الإيرادات السياحية خلال عام ٢٠٠٩ بأكثر من ٢ مليار دولار مما ينعكس على كافة الأنشطة الاقتصادية المرتبطة بالسياحة(المقاولات- الأثاث- الصناعات الغذائية- الصناعات الحرفية…. إلخ، وانخفاض إيرادات قناة السويس بنحو 400 مليون دولار(نتيجة لتباطؤ حركة التجارة العالمية. وبالنسبة للأثر الايجابي على الميزان التجاري فمن المتوقع انخفاض قيمة الواردات بنحو ٤ مليارات دولار(انخفاض حجم وأسعار السلع المستوردة ومن المتوقع أن تؤثر هذه الخسائر على قيمة الجنيه المصري والذي انخفضت قيمته أمام الدولار من ٥٣٠ قرشا إلى ٥٥٠ قرشا.

وبالنسبة للموازنة العامة للدولة فإن جانب الإيرادات سيتم سلباً نتيجة لتوقع تراجع حصيلة الضرائب والجمارك وحصيلة الخصخصة وستتزايد النفقات العامة على الرغم من توقع انخفاض فاتورة دعم السلع(انخفاض أسعار البترول- أسعار المواد الغذائية وسيتم ضخ 15مليار جنيه لمواجهة آثار الأزمة المالية العالمية مما يزيد من حجم العجز في الموازنة.

ثانياً: أثر الأزمة على الجهاز المصرفي المصري:

 

يعد أثر الأزمة المالية على الجهاز المصرفي المصري محدوداً لعدة أسباب:

–  أن تكامل القطاع المالي المصري في النظام المالي العالمي ما زال محدوداً وأن النظام المصرفي المصري لم يندمج بقوة في النظام العالمي.

– تبنى البنك المركزي المصري خطة إصلاح الجهاز المصرفي خلال الفترة 2004-2008 والتي شجعت على الاندماجيات لخلق كيانات مصرفية قوية، وتضمنت إعادة الهيكلة المالية والإدارية للبنوك وتنقية محافظ البنوك من الديون الرديئة.

– الضوابط التي وضعها البنك المركزي المصري في مجال منح الائتمان والقيمة التسليفية للضمان ونسب السيولة والاحتياطي والحدود القصوى لاستثمارات البنك في الأوراق المالية وفى التمويل العقاري والائتمان لأغراض استهلاكية.. إلخ. وفى هذا الصدد فإن البنك المركزي وضع قواعد ممارسة البنوك لأنشطة التمويل العقاري بما لا يتجاوز5% من إجمالي محفظة القروض لدى البنك والتناسب بين آجال موارد البنك وآجال الإقراض لأغراض التمويل العقاري، إضافة إلى حظر وضع أي بنك أكثر من 10% من مجموع ودائعه لدى بنك آخر خارجي لتجنب مخاطر الإفلاس.

– الاهتمام بإدارة المخاطر بوضع البنك المركزي المصري مجموعة من القواعد التي تتعلق بأسس إدارة المخاطر الائتمانية وتكوين المخصصات لكل من القروض والتزامات العرضية والارتباطات والقروض لأغراض استهلاكية ولأغراض عقارية.. إلخ.

– توافر السيولة لدى الجهاز المصرفي المصري حيث أن نسبة الائتمان لا تتعدى 52% من إجمالي هذه السيولة ولا تزال في الحدود الآمنة التي تتراوح ما بين 75% إلى ٨0%.

– قوة المراكز المالية للبنوك المصرية والتي تصل إلى ٧٤ مليار جنيه (13.4 مليار دولار حالياً مقابل ٣٧ مليار جنيه عام 2004.

 

– إن البنوك لازالت في الحدود الآمنة للائتمان العقاري حيث بلغ حجم التمويل العقاري ٣ مليارات جنيه فقط.

– انخفاض حجم الاستثمارات المالية للبنوك في الخارج مقارنة بحجم ودائعها، وبالنسبة للاحتياطيات الدولية فقد بلغت ٣٥ مليار دولار، 98% منها مودع في سندات واذون خزانه أمريكية وأوربية وهى سندات ممتازة ومضمونة، 2% منها مودعة في بنوك عالمية قوية. ومن المتوقع أن يستمر تأثير الأزمة المالية العالمية على البنوك المصرية نتيجة لتأثر الاقتصاد المصري بالأزمة خلال الفترة القادمة نتيجة للعوامل التالية:

– انخفاض حصيلة الجهاز المصرفي من النقد الأجنبي(نتيجة انخفاض المتحصلات من السياحة- البترول- تحويلات العاملين من الخارج- قناة السويس- الصادرات السلعية ويعوض ذلك جزئياً تراجع المدفوعات عن الواردات والناجم عن تراجع الواردات من السلع الوسيطة والرأسمالية والاستهلاكية، إضافة إلى توافر السيولة حالياً بالجهاز المصرفي من العملات الأجنبية.

– انخفاض معدل النمو في الودائع( الحكومية- قطاع الأعمال العام- قطاع الأعمال الخاص- القطاع العائلي والناجم عن تراجع معدل نمو الناتج المحلى الإجمالي سواء بالعملات الأجنبية أو بالعملات المحلية٠

– تراجع حجم نشاط البنوك في مجال التجزئة المصرفية( قروض شخصية- قروض تمويل سيارات- تمويل عقاري….إلخ. نتيجة لتوقع انخفاض الطلب الكلى على السلع الاستهلاكية أو الأغراض العقارية، وقد تفرض بعض البنوك ضوابط جديدة على منح قروض التجزئة المصرفية.

– تأثر كافة تعاملات البنوك المرتبطة بالتجارة الخارجية أو الداخلية(الاعتمادات المستندية- خطابات الضمان- الشيكات- التحويلات- البطاقات الائتمانية .. إلخ نتيجة لتراجع نشاط الصادرات والواردات وتراجع معدل نمو الناتج المحلى الإجمالي ومن ثم تأثر حركة التجارة الداخلية.

– اتجاه أسعار العائد إلى التراجع حيث سيتجه معدل التضخم إلى الانخفاض نتيجة للركود العالمي وانخفاض أسعار السلع المستوردة.

وقد بدأت البنوك بالفعل في خفض أسعار العائد وخاصة على الأوعية الادخارية بالدولار واليورو.


المبحث الثالث

مواجهة الأزمة

الولايات المتحدة الأمريكية ومواجهة الأزمة:

بمجرد إعلان بنك ليمان براذرز عن إفلاسه في منتصف شهر سبتمبر ٢٠٠٨ أدركت الحكومة الأمريكية أن الأزمة المالية التي كانت تواجهها على مدى ما يزيد عن العام ونصف العام قد دخلت في مرحلة الأزمات المالية الكبرى ومن ثم سارعت بالتدخل([36] فأعدت وزارة الخزانة خطة عاجلة لإنقاذ المؤسسات المالية والبنوك المتعثرة عرفت باسم” خطة الإنقاذ المالي والتي تقوم على إنشاء صندوق لشراء الديون المتعثرة من المؤسسات المالية بمبلغ ٧٠٠ مليار دولار، وتعد أكبر تدخل حكومي منذ الكساد الكبير، والهدف الأساسي منها توفير السيولة اللازمة في أسواق المال والقطاع المصرفي لمنع إنهيار النظام المالي الأمريكي. وقد اعلنت الحكومة الأمريكية أنها ابتغت من وراء خطة الإنقاذ المالي تحقيق عدة أهداف، أهمها:

– إنقاذ للبنوك والمؤسسات المالية بشراء وزارة الخزانة لأوراقها المالية التي تستند إلى قروض عقارية ذات أصول عالية المخاطر.

– إمداد بنك الاحتياطي الفيدرالي( البنك المركزي الأمريكي بالسيولة اللازمة له لأداء مهامه في إنقاذ البنوك لتجنب انكماش مدمر في النشاط الائتماني.

– طمأنة المودعين على ودائعهم لدى البنوك التجارية لمنعهم من سحب مدخراتهم -بسبب الذعر المالي المصاحب للأزمة- والحفاظ على السيولة المناسبة لأداء وظائفها.

  • الجهود الدولية لمواجهة الأزمة:

منذ أن اندلعت الأزمة المالية العالمية في سبتمبر ٢٠٠٨ والجهود الدولية تبذل من أجل الوصول إلى أفضل السبل لمواجهتها. وفيما يلى نعرض- بإيجاز- لأهم الجهود الدولية التي بذلت منذ بدء الأزمة.([37]

١ اجتماع مجموعة الدول الصناعية السبع الكبرى:

أجتمع وزراء مالية الدول الصناعية السبع الكبرى( الولايات المتحدة الأمريكية، فرنسا، ألمانيا، المملكة المتحدة، إيطاليا ، البابان ، كند في أكتوبر عام ٢٠٠٨ في واشنطون وتعهدوا بالعمل معاً لإعادة الاستقرار إلى أسواق المال العالمية واستعادة التدفقات النقدية ودعم النمو الاقتصادي العالمي.

وقد اتفق وزراء المالية ومحافظوا البنوك المركزية في هذه الدول على” خطة تحرك” من خمس نقاط بهدف إعادة الثقة في أسواق المال، وتمثلت هذه النقاط فيما يلي:

١- اتخاذ كافة الإجراءات اللازمة واستخدام كل الأدوات المتوفرة لدعم المؤسسات المالية ذات الأهمية في النظام المالي ومنع إفلاسها.

٢- اتخاذ كل الإجراءات اللازمة لتحرير الأسواق النقدية، والتأكد من وصول البنوك والمؤسسات المالية إلى السيولة الملائمة.

٣- العمل على تمكين بنوك المجموعة وغيرها من المؤسسات المالية الوسيطة الكبرى، عند الضرورة، من جمع رؤوس الأموال من المصادر العامة والخاصة على حد سواء، وبمبالغ كافية، لإعادة الثقة فيها، والسماح لها بمواصلة الإقراض الاستهلاكي والاستثماري على السواء.

4- العمل على أن تكون البرامج الوطنية في دول المجموعة لضمان الودائع المصرفية متينة ومتجانسة، بما يسمح لصغار المودعين بمواصلة ثقتهم في سلامة ودائعهم.

٥- اتخاذ القرارات الملائمة في الوقت المناسب لإنعاش أسواق الرهن العقاري الثانوية وغيرها من الأصول، مع ضرورة إجراء عمليات تقييم دقيقة، ونشر معلومات شفافة عن هذه الأصول، وتطبيق معايير المحاسبة المناسبة بالنسبة لها.

تلى ذلك مصادقة دول الاتحاد الأوربي في منتصف شهر أكتوبر ٢٠٠٨ بالعاصمة البلجيكية” بروكسل” على الخطة الأوربية المشتركة لمواجهة الأزمة المالية بموافقتها على منح ضمانات حكومية لقروض المصرفية المتبادلة بين بنوك دول الاتحاد الأوربي، والنظر في إمكانية التأميم الكامل أو الجزئي للبنوك التي وجدت نفسها على حافة الافلاس، مع الاتفاق على عقد قمة عالمية اقتصادية من أجل إصلاح المنظومة المالية العالمية ووضع مبادئ جديدة للرأسمالية من خلال” بريتون وودز جديدة” تتلاءم مع متطلبات القرن الحادي والعشرين.

٢ قمة دول منطقة اليورو:

عقبت تلك القمة في باريس في 12/10/2008 حيث أبدت دول منطقة اليورو استعدادها لضمان عمليات إعادة تمويل البنوك حتى نهاية عام009. وجاء في البيان الصادر عن تلك القمة أن الدول الأوربية ستحول دون إفلاس البنوك المتعثرة عبر الوسائل المناسبة بما فيها إعادة التمويل. وتطبيقاً لخطة العمل التي تبنتها القمة الأوربية بدأت كل من الدول الأعضاء بصورة متزامنة في إعلان تفاصيل خططها لإنقاذ نظامها المالي والمصرفي. وقد لوحظ على منطقة اليورو الأوربية أنها أقرت ما يسمى بالتأميم الجزئي كأحد السبل الضرورية والمؤقتة لعلاج الأزمة المالية وتداعياتها من خلال ما يسمى” برنامج شراء الأصول” لحين استقرار الأوضاع المصرفية وأوضاع الشركات المتعثرة وإعادة بيع هذه الأصول أو الأسهم في البورصة.

٣ اجتماع مجموعة الــ15:

عقدت مجموعة الــ 15 التي تضم 15 دولة نامية من بينها مصر اجتماعاً في” نيودلهي” في منتصف شهر أكتوبر ٢٠٠٨ لبحث تأثير الأزمة على الغذاء والطاقة، وأكدت خلاله على الحاجة إلى إجراء تعديلات في أيديولوجيات وهياكل المؤسسات العالمية المشكلة لمنظومة العولمة الحديثة وعلى رأسها هيكل النظام المالي العالمي والضوابط اللازمة لدعم أيديولوجية السوق لحرة، كما أكدت على أهمية قيام المؤسسات الاقتصادية العالمية بلعب دور أكبر تشارك فيه مجموعة من الدول تمثل مختلف الاقتصادات المتقدمة والناشئة والنامية.([38]

٤ القمة الأوربية الآسيوية وسبل علاج الأزمة:

اجتمعت القمة الأوربية الآسيوية في 25/10/2008 تحت مبدأ التعاون والثقة بين القارتين العملاقتين، حيث يعول عليهما أهمية كبيرة لإخراج العالم من أزمته الاقتصادية. وقد اتفقت القمة على المسئولية التضامنية لكل الأطراف في مواجهة وعلاج الأزمة العالمية حيث أن الكل مضار وسيصيبه الضرر أكثر لو لم يكن هناك تضامن وتعاون وثقة، وأن المواجهة التضامنية ستنقذ العالم من الدخول في كساد عالمي كبير، وأن إعادة هيكلة منظمات بريتون وودز( صندوق النقد الدولي والبنك الدولي وإعادة توزيع الأدوار أصبحت ضرورية.

٥ قمة مجموعة دول العشرين([39]:

عقدت في العاصمة الأمريكية واشنطن القمة الاقتصادية العالمية لمجموعة دول العشرين في 15 نوفمبر ٢٠٠٨ لوضع” خارطة طريق” لمواجهة الأزمة المالية والاقتصادية العالمية. ومن أبرز الأهداف التي رأت القمة أهميتها للخروج من الأزمة المالية:

١ الوصول إلى تفهم كامل لأسباب وجذور الأزمة العالمية.

٢ تعزيز رؤوس أموال البنوك والاستمرار في السياسات المالية والنقدية التوسعية.

٣ مراجعة الإجراءات والتدابير التي اتخذتها وستتخذها الدول الأعضاء لمواجهة الأزمة الحالية.

٤ الاتفاق على المبادئ العامة لإصلاح الأسواق المالية في الدول الأعضاء.

٥ اعتماد خطة العمد لتنفيذ مبادئ وأسس الإصلاح وتكليف الوزراء المعنيين لتقديم مقترحاتهم في مؤتمر القمة الاقتصادية لدول العشرين التي ستعقد في أبريل عام2009.

٦ المساعدة في الحد من تدهور الأوضاع الاقتصادية عبر التعهد بالحفاظ على التجارة الحرة من خلال إحياء محادثات مؤتمر الدوحة.

  • استجابة مجموعة البنك الدولي للأزمة([40]:

اتخذ البنك الدولي إجراءات مهمة لحماية البلدان النامية من آثار الأزمة المالية العالمية. ويعمل البنك من خلال المؤسسة الدولية للتنمية ومساهمات المانحين التي ستبلغ ٤2 مليار دولار على مدى السنوات الثلاثة القادمة(٢٠٠٩- ٢٠١١ على مساندة أشد بلدان العالم فقراً، ومن المتوقع أن يزيد الإقراض من البنك الدولي للإنشاء والتعمير التابع لمجموعة البنك الدولي.

بواقع ثلاثة أمثال ليصل إلى أكثر من ٣٥ مليار دولار أمريكي مقارنة بـ13.5 مليار دولار السنة الماضية لتلبية الطلبات الجديدة للبلدان النامية.([41]

ويقوم البنك من خلال مؤسسة التمويل الدولية التابعة له بتوسيع نطاق المساندة التي يقدمها إلى القطاع الخاص بإجمالي 30 مليار دولار خلال السنوات الثلاثة القادمة.

الدول النامية ومواجهة الأزمة:

إن آثار الأزمة المالية والاقتصادية العالمية سيكون وقعها أشد وطأة على الدول النامية إما فورياً او آجلاً على المدى المتوسط والبعيد. ولذلك فإن الأمر الذى يجب أن تعيه هذه الدول هو حسن استغلال وتوجيه مواردها الذاتية، وأن تقوم بتعبئة ما لديها من طاقات من أجل الإسراع بمعدلات التنمية فيها.

  • على الدول النامية أن تعمل على تتويع أسواق الصادرات، وأن تقوم بتكثيف التجارة فيما بينها، وكذلك محاولة تأسيس أسواق إقليمية مشتركة(كما هو الحال في منطقة جنوب شرق آسي، وانتهاج سياسات وطنية وإقليمية تخفف من الارتباط والتبعية للأسواق المالية العالمية ولصندوق النقد الدولي.
  • حث البنوك المركزية فيها على اعتماد إجراءات نقدية أكثر مرونة بتسهيل شروط منح القروض من خلال تخفيض أسعار الفائدة( تقليل تكاليف الإقراض، وتقليص نسبة الاحتياطي الإلزامي المودع لديها بهدف رفع مستوى السيولة النقدية لدى البنوك التجارية مما يؤدى إلى زيادة المعروض النقدي وإتاحة السيولة الكافية ليس فقط للشركات كي تتمكن من تمويل احتياجاتها الاستثمارية والاستمرار في ممارسة أعمالها أو التوسع في مشاريعها، بل أيضا لزيادة قدرة الناس على الشراء، وذلك بهدف تحريك الطلب الإنتاجي والاستهلاكي وتنشيط الأسواق.
  • تقديم مساعدات نقدية للشركات والقطاعات المتضررة من الأزمة، والتي لا تملك اللجوء إلى تمويل مشاريعها عن طريق الاقتراض من البنوك ومؤسسات التمويل في ظل شح المعروض النقدي ونقص السيولة، وكذلك تقديم تسهيلات ضريبية للمنتجين لمساعدتهم على تجاوز الأزمة.
  • توفير المناخ التشريعي والضريبي الملائم لجذب الاستثمارات وزيادة الإنتاج وتطويره باستمرار.

– الاهتمام بتمويل وتنمية المشروعات الصغيرة والمتوسطة لمالها من دور هام في زيادة فرص العمل والحد من البطالة وتقليل مساحة الفقر والخروج من الركود الاقتصادي.

– تحديث وإصلاح النظم المصرفية بشكل يؤهلها لأن تلعب دورها

الحيوي في دفع عجلة الاقتصاد ومواجهة التحديات التي خلقتها الأزمة.

  • مصر وتحديات الأزمة:

لا ريب أن الاقتصاد المصري سيكتوى بنار الأزمة الاقتصادية العالمية الحالية نتيجة ارتباطه بمنظومة الاقتصاد العالمي، وخاصة بالاقتصاد الأمريكي والأوربي، مما يستتبع ضرورة اتخاذ بعض الإجراءات والسياسات الاقتصادية والمالية والنقدية التي تساهم في تخفيف الآثار السلبية للأزمة، وضرورة تكاتف الجهود للتصدي لتداعيات الأزمة على الاقتصاد المصري، ومن ذلك بصفة خاصة:

– زيادة الإنفاق العام مع الاهتمام بالاستثمار القطاعي، وخاصة قطاعا الصناعة والزراعة([42]، وتشجيع وجذب الاستثمارات الأجنبية مع توجيهها لأوجه الاستثمار المفيدة والنافعة للاقتصاد المصري.

– تقليل درجة الاعتماد على الغرب وتنويع محفظة الاستثمارات مع الدول الآسيوية ودول أمريكا اللاتينية، وفك الارتباط بين الجنيه والدولار وتكوين سلة عملات من النقد الأجنبي.

أن يكون للدولة دور واضح وفعال لتنظيم السوق وضبط ايقاعه بهدف زيادة فاعلية السوق على أساس المنافسة والشفافية الحقيقية، وتنسيق السياسات الاقتصادية بين الحكومة والقطاع الخاص، وتشجيع القطاع الخاص غير المستغل والملتزم بقوانين الدولة وأهدافها وتكاليف الجميع للتصدي للتداعيات السلبية للأزمة([43].

– لابد من إجراء تخفيضات على الضرائب غير المباشرة( وخاصة ضريبة المبيعات والضرائب الجمركية على المواد الغذائية والمواد الأولية ومستلزمات الإنتاج، الأمر الذى يؤدى إلى تخفيض تكاليف الإنتاج ومن ثم تمرير هذه التخفيضات على الأسعار، وبالتالي دفع معدلات التضخم إلى الهبوط وتحفيز الإنفاق وتحريك الطلب وتنشيط الأسواق.([44]

– تنمية الموارد البشرية والاهتمام بالتعليم والتدريب والربط بين سياسة التعليم والتدريب والتنمية الاقتصادية والاجتماعية في مصر.([45]

– إعادة جدولة ديون الأفراد والشركات لتمكينهم من الوفاء بالتزاماتهم المالية المتعثرة.

وقد أكد رئيس الوزراء المصري أن الحكومة وضعت خطة متكاملة لمواجهة الأزمة على المدى البعيد. وترتكز هذه الخطة على جذب الاستثمارات الخارجية، وتشجيع إقامة المشروعات الأساسية التي توفر فرص عمل للمواطنين، وترشيد استخدام مياه الري لزيادة الرقعة الزراعية لإنتاج الغذاء اللازم للحد من الاستيراد الغذائي، وتنمية المشروعات المحلية بالمحافظات، ودعم الشركات القائمة وتشجيع إقامة المصانع ذات العمالة الكثيفة لمواجهة أزمة البطالة وتشجيع البنوك لإقراض القطاع الخاص من المدخرات المحلية لدفع عجلة التنمية. وأضاف رئيس الوزراء إن خطة الحكومة تركز أيضاً علي تطوير نظام التجارة الداخلية من خلال إنشاء مناطق تخزين وتوزيع حضارية في كل المحافظات لضمان وصول السلع إلي المواطن بسعر مناسب وقد اعتمدت الحكومة لهذا المشروع نحو48 مليار جنيه علي مدي السنوات الثلاث القادمة.([46]

  • الاقتصاد الإسلامي وضوابط الأمان من الأزمات:

يقوم النظام المالي العالمي والأسواق المالية على نظام المشتقات. المالية التي تعتمد اعتماداً أساسياً على معاملات وهمية ورقية شكلية تقوم على الاحتمالات ولا يترتب عليها أية مبادلات فعلية للسلع والخدمات، والأسوأ من ذلك أن معظمها يقوم على ائتمانات من البنوك في شكل قروض، وعندماً تأتى الرياح بما لا تشتهى السفن ينهار كل شيء وتحدث الأزمة المالية.

كما يقوم النظام المصرفي التقليدي على نظام الفائدة أخذاً وعطاء، ويعمل في إطار منظومة تجارة الديون شراء وبيعاً ووساطة، وكلما ارتفع معدل الفائدة على الودائع كلما ارتفع معدل الفائدة على القروض الممنوحة للأفراد والشركات مما يلقى المزيد من العبء على المقترضين الذين يحصلون على القروض سواء لأغراض الاستهلاك، أو لأغراض الإنتاج.

كما يقوم النظام المالي والمصرفي التقليدي على نظام جدولة الديون بسعر فائدة أعلى، أو استبدال قرض واجب السداد بقرض جديد بسعر فائدة مرتفع(كما كان المرابون يقولون في الجاهلية: أتقضى أم تربى؟؟، وهذا يلقى بأعباء إضافية على المقترض المدين- الذى عجز عن دفع القرض الأول- بسبب سعر الفائدة الأعلى.

وقد أدى ذلك إلى التوسع غير المنضبط في قروض القطاع المالي في الولايات المتحدة والإسراف في إصدار أصول المديونيات بأكثر من حاجة الاقتصاد العيني مما كان سبباً أساسياً في تفجر الأزمة المالية في الولايات المتحدة وانتشارها بعد ذلك إلى باقي انحاء العالم لتفجر ازمة مالية عالمية جرت عواقب وخيمة على الاقتصاد العالمي.

ولا يستطيع منصف أن ينكر أن قواعد النظام المالي والاقتصادي الإسلامي تضمن عدم حدوث مثل هذه الأزمات. ومن أهم هذه القواعد([47]

أولا: يقوم النظام المالي والاقتصادي الإسلامي على منظومة من القيم والمثل والاخلاق( مثل الأمانة والمصداقية والشفافية والبيئة والتيسير والتعاون والتكامل والتضامن، ولا شك أن هذه المنظومة من القيم والضمانات تحقق الأمن والأمان والاستقرار لكل المتعاملين(منتجين ومستهلكين، بائعين ومشترين، مقرضين ومقترضين، دائنين ومدينين …… وفى نقس الوقت تحرم الشريعة الإسلامية المعاملات المالية والاقتصادية التي تقوم على الغش والكذب والتدليس والغرر والجهالة والمقامرة والاحتكار والاستغلال والربا والغبن.

ثانياً: يقوم النظام المالي والاقتصادي الإسلامي على قاعدة المشاركة في الربح والخسارة وعلى التداول الفعلي للأموال والموجودات.

ثالثاً: حرمت الشريعة الإسلامية جميع عقود الاستثمار القائمة على التمويل بالقروض بفائدة والتي تعتبر من الأسباب الرئيسية للأزمة المالية العالمية الحالية. وقد وضع فقهاء المسلمين مجموعة من عقود الاستثمار والتمويل الإسلامي القائمة على ضوابط شرعية، ومن هذه العقود صيغ التمويل بالمضاربة وبالمشاركة وبالمرابحة وبالاستصناع وبالسلم وبالإجارة والمزراعة والمساقاة…

رابعاً: حرمت الشريعة الإسلامية نظام المشقات المالية والتي تقوم على معاملات وهمية يسودها الغرر والجهالة.([48]

خامساً: حرمت الشريعة الإسلامية كل صور وأشكال بيع الدين بالدين([49]، كما حرمت نظام جدولة الديون مع رفع سعر الفائدة،( وقد أكد المحللون والخبراء أن من أسباب الأزمة المالية المعاصرة هو قيام بعض شركات الوساطة المالية بالتجارة في الديون.

ومن ذلك يتبين بوضوح أن قواعد وضوابط النظام المالي والاقتصادي الإسلامي تمثل درعاً واقياً من الأزمات المالية التي تعبر عن الخلل في هيكلية النظام الرأسمالي الذى يقوم على بعض المبادئ والقواعد التي هي أساس تدميره إذا لم تعالج وتصوب تصويباً عاجلاً.([50]

خاتمـــــة

يتفق الكثير من الخبراء والمحللين مع المقولة التاريخية والاقتصادية والفلسفية والسياسية بأن التاريخ يعيد نفسه، وكذلك مع مقولة أن الأزمات المالية والاقتصادية تعود لتكرر من جديد، وإن اتخذت صوراً وأشكالاً مختلفة تحمل نفس الأسباب والتي يتمثل أهمها في ذلك النقص الحاد في السيولة والانحسار الشديد في الائتمان المصرفي وانعدام الثقة بين الأفراد والمؤسسات المالية من جانب، وبين المؤسسات المالية وبعضها من جانب آخر.([51] والأمر المؤكد هو أن ثمار الأزمة الحالية تحمل في بطنها بذوراً لأزمات أخرى قادمة، الأمر الذى يؤكد تكرار هذه الأزمات وإن اختلفت قليلاً في مسبباتها، وضرورة الاهتمام بالدروس المستفادة من الأزمات السابقة ودراستها وتحليلها لتجنب الوقوع في مثل هذه الأزمات من جديد.([52]

أولا ً: بعض الدروس المستفادة من الأزمة:

1-كشفت الأزمة عن أن بنوك الاستثمار في الولايات المتحدة الأمريكية لا تخضع لرقابة البنك المركزي، ومن هنا توسعت بعض منه البنوك في الإقراض دون ضوابط، مما أدى إلى حالة من الانفلات الائتماني الضار ليس فقط بتلك البنوك ووصولها إلى حالة إفلاس، بل تسببت في حالة من الانهيار في النظام المالي والمصرفي وفى النظام الاقتصادي بأكمله. وهذا يتطلب إخضاع البنوك الاستثمارية- وغيرها من البنوك- لرقابة صارمة

من قبل البنك المركزي، وتقوية دور البنك المركزي واستقلاليته كسلطة نقدية وتعميق دوره كضابط إيقاع للجهاز المصرفي، وإحداث حالة من التناسق الضروري بين سوق النقد وسوق رأس المال.

٢-كشفت الأزمة أن النظام المالي والمصرفي في الولايات المتحدة والدول المتقدمة قد ابتدع وسيلة جديدة لزيادة حجم الإقراض عن طريق أسلوب المشتقات المالية، وهو أسلوب خطير يمكن بواسطته توليد موجات متتالية من الأصول المالية بناء على أصل واحد، وهو ما يؤدى إلى تعميق الاختلال ببن القطاع المالي والاقتصاد الحقيقي أو العيني وخلق أرباح وهمية، الأمر الذى يؤكد ضرورة تشديد الرقابة على أسواق المال والمضاربات والصفقات التي تجرى فيها، وتطبيق المساءلة والمعايير والمبادئ المحاسبية في عملية إصدار المشقات المالية وعمليات التأمين المرتبطة بها.

٣- أظهرت الأزمة أن العولمة غير المنضبطة والتراخي في الرقابة على القطاعات المالية في الولايات المتحدة الأمريكية والدول الكبرى هما أساس الأزمة المالية وهما اللذان أسهما في الانتشار العالمي السريع لها، ولذلك فإن الحاجة ماسة إلى تطوير الجهات والأنظمة الرقابية على القطاعات المالية وتعزيز دور صندوق النقد الدولي في الرقابة على هذه القطاعات في الدول المتقدمة لمنع تكرار الأزمات المالية مستقبلاً.

٤-أبرزت الأزمة أهمية وضرورة دور الدولة الاقتصادي والاجتماعي، وأهمية وجود تنظيم ورقابة فعالة على الأسواق، فضلاً عن أهمية التدخل الايجابي من قبل الدولة لإصلاح ما افسدته الحرية المطلقة لأليات السوق. فقد كشفت الأزمة فشل الافتراضات التي يقوم عليها اقتصاد السوق الحر- وأهمها قدرة السوق على تصحيح الاختلالات، والانحرافات ذاتياً- مما يفسح الطريق لظهور” تيوكينزية” تعيد للدولة ذلك الدور الذى تقرضه الأزمات، أي التدخل الواسع من أجل الحد من الفوضى وتصحيح الاختلالات، لإنقاذ الرأسمالية ذاتها.([53]

٥- كشفت الأزمة المالية عن غياب دور فعال لكل من صندوق النقد الدولي والبنك الدولي في مواجهة الأزمة- وتتفق أراء الخبراء والمصلحين وصانعي السياسة الاقتصادية في العالم على ضرورة إصلاح صندوق النقد الدولي والبنك الدولي وتقوية قدراتهم المالية لإكسابهما قدرة أكبر على مواجهة وعلاج الأزمات.

ولا شك أن هذه الأزمة ستغير كثيراً من طريقة عمل الأسواق المالية والنظام المالي والنقدي الدولي، بل ستغير دور الاقتصاد الأمريكي والولايات المتحدة في النظام الاقتصادي العالمي الجديد. ([54]

٦-أسقطت الأزمة دعاوى الاندماج في الاقتصاد العالمي والدوران في فلك العولمة كسبيل وحيد أمام البلدان النامية من أجل تحقيق النمو والتقدم، كذلك سقطت أسطورة أن الاقتصاد الأمريكي لديه معدة قوية قادرة على هضم الأزمات مهما كان نوعها وحجمها، فهذه المعدة القوية الهاضمة عجزت عن هضم الأزمة المالية المصرفية التي تجتاح هذا الاقتصاد الآن.

٧- أحيت الأزمة التفكير مرة أخرى فيما يطلق عليه” الطريق الثالث”([55] النابع أساساً من ظروف وخصوصية كل دولة والمرحلة التي يمر بها اقتصادها، وضرورة التخلي عن الرأسمالية الطائشة أو المتوحشة والاشتراكية المنهارة، وإجراء محاولات جادة للتوفيق بين دواعي الكفاءة الاقتصادية وترشيد آليات السوق وبين اعتبارات العدالة الاجتماعية وتوسيع قاعدة الرفاهية الاقتصادية والاجتماعية.

ثانياً: إيجابيات الأزمة:

تحدثت غالبية الكتابات ووسائل الإعلام عن السلبيات والعواقب التي تنتظر بلدان العالم، كبيرها قبل صغيرها، من جراء الأزمة المالية العالمية الراهنة، إلا انه- ومن منطلق رب ضارة نافعة- قد تكون هناك بعض الإيجابيات التي يمكن الخروج بها من هذه الأزمة.

أولاً: لعل أول ايجابيات تلك الأزمة يتمثل في انتهاء هيمنة القطب الواحد في العلاقات المالية الدولية، وهو أحد أهم الأسباب التي أدت إلى حدوث هذه الأزمة. فالآن هناك مناطق جذب كبيرة تتمثل في أوربا وآسيا بما فيها منطقة الخليج مما يعنى المزيد من الاستقرار في النظام المالي العالمي، وهذه مسألة في غاية الأهمية لإعادة تشكيل وهيكله العلاقات الدولية في مرحلة ما بعد الأزمة في ظل المشاكل الاقتصادية والمالية الهيكلية التي يعانى منها الاقتصاد الأمريكي والتي من المرجح أن تظل لسنوات قادمة.

ثانياً: وثانية هذه الإيجابيات ينبع من المطالبة بإعادة صياغة للأنظمة والقوانين التي تنظم عمل المؤسسات المالية العالمية، وخاصة صندوق النقد الدولي والبنك الدولي، حيث كانت هذه الأنظمة ملائمة لمرحلة ما بعد الحرب العالمية الثانية (إذ كانت تعبر عن القوى الاقتصادية المسيطرة في ذلك الوقت إلا أنها أصبحت غير مناسبة لمرحلة العولمة وبروز قوى اقتصادية جديدة ومؤثرة في العلاقات الاقتصادية الدولية( مثل الاتحاد الأوربي والاقتصادات الصاعدة وعلى رأسها الصين وروسيا، و الهند.([56]

ثالثاً: والإيجابية الثالثة تتعلق بتغيير خارطة العالم الاستشارية من خلال الفرص التي ستقدمها مناطق الاستقطاب الجديدة لرؤوس الأموال العالمية، وذلك بالتزامن مع إعادة تكوين العلاقات التجارية من خلال منظمة التجارة العالمية والتي تتيح التخصص بناء على المزايا النسبية والأفضليات الإنتاجية التي تتمتع بها كل دولة، مما يتيح للبلدان العربية بشكل عام فرصاً نادرة إذا ما استطاعت استغلال هذه الفرص التي سوف تتمخض عن الأزمة الحالية.

رابعاً: أن النظام المالي والمصرفي العالمي القادم سوف يتميز بالرقابة والشفافية والحكومة المعولمة التي ستشمل إجراءات جماعية، بما في ذلك الحد من استخدام المشتقات المالية بهدف تعظيم الأرباح وتضخيم الثروة بصورة مصطنعة لا تعبر عن حقيقة قيمة الأصول والموجودات المتداولة.([57]

خامساً: من النتائج الهامة لهذه الأزمة أنها تدعم الفلسفة الاقتصادية التي تدعو إلى تدخل الدولة بشكل أكبر في عمل الجهاز المصرفي والأسواق المالية.

والنشاط الاقتصادي بوجه عام. فالتدخل الحكومي في بعض الحالات يكون ضرورة لا يمكن الاستغناء عنها لضبط إيقاع السوق وإعادة الاقتصاد إلى التوازن المطلوب كلما انحرف عنه.([58]

ثالثاً: بعض المقترحات لمواجهة الأزمة:

– من الأسباب الرئيسية للأزمة فوضى السوق وعدم وجود دور فعال للدولة، ومن المؤكد أن الوسيلة الفعالة لمعالجة الأزمة الحالية هو ضرورة تدخل الدولة لإصلاح ما أفسدته حرية السوق. بل إن ضمان عدم تكرار تلك الأزمة هو أن يكون للدولة دور واضح وايجابي في التنظيم والرقابة وضبط ايقاع السوق.

– تشديد رقابة السلطات النقدية- وعلى رأسها البنك المركزي- في ممارسة العمل المصرفي بصفة عامة ومنح الائتمان بصفة خاصة، والحزم فيما يتعلق بإدارة السيولة والربحية وإدارة مخاطر الائتمان.

-الاستمرار في ضخ سيولة في شرايين الاقتصاد حتى لاتنهار أساسيات القاعدة الإنتاجية ويدخل في كساد كبير كما حدث.

– ضرورة أن تسعى البنوك ومؤسسات التمويل لإنشاء صندوق طوارئ لمواجهة الأزمات المالية يمول من أرباح تلك البنوك والمؤسسات السنوية ويستثمر في مجالات تدر عائداً دورياً يسمح بمواجهة الأزمة المالية والمصرفية.

– التفكير الجاد في تطبيق التمويل الإسلامي الذي يمثل وقاية من الدخول في الأزمات المالية بما ينطوي عليه من عمليات المرابحة والمشاركة والمضاربة من منظور تطبيق الشريعة الإسلامية.

– توطين الثروة العربية على الأرض العربية واستخدامها في إنتاج حقيقي بعيداً عن المضاربات والاقتصاد الورقي.

– ضرورة إصلاح النظام المالي والنقدي العالمي، وإعادة النظر في توزيع حصص رأس المال في كل من صندوق النقد الدولي والبنك الدولي، حتى تتمكن مجموعة الدول الناشئة والنامية من زيادة قوتها التصويتية والدفاع عن مصالحها الاقتصادية.

– لابد من إعادة صياغة وتكوين نظام اقتصادي عالمي جديد أكثر وضوحاً وأكثر عدالة، نظام اقتصادي تلعب فيه الاقتصاديات الناشئة والكيانات العملاقة الجديدة دوراً رئيسياً في إعادة تشكيله في وضعه الجديد. فقد آن الأوان لإقامة نظام عالمي جديد يعاد فيه توزيع الأدوار في ضوء هذا الانهيار للاقتصاد الأمريكي، نظام يسعى فيه الجميع لإصلاح النظام الاقتصادي العالمي الحالي من خلال حوار صريح شارك فيه كل الدول والمنظمات المعنية والتكتلات الاقتصادية الإقليمية لإقامة نظام عالمي جديد يكون أكثر قدرة على مواجهة الأزمات والتعامل معها، والسعي نحو تحقيق الاستقرار الاقتصادي وتحسين مستويات المعيشة في كافة الدول. نظام أكثر عدالة يحقق مصلحة الجميع ويعمل على الحد من التفاوت الحاد ببن الدول المتقدمة والدول النامية.

قائمة بأهم مراجع البحث

  • الكتب :
العولمة والطريق الثالث، مكتبة الأسرة، القاهرة، ١٩٩٩ 1-السيد ياسين:
العولمة، سلسلة اقرأ، دار المعارف، القاهرة، ١٩٩٩ 2- د. جلال أمين:
دور الدولة في الاقتصاد، دار الشروق، القاهرة، ١٩٩٩. 3- د. حازم الببلاوي:
التبادل الدولي- دراسة في منهجية وآليات التبادل الاقتصادي الدولي المعاصر، دار النهضة العربية، القاهرة، ٢٠٠٢. ٤- عماد محمد الليثي:
ضوابط الاقتصاد الإسلامي في

معالجة الأزمات المالية العالمية، دار النهضة للطباعة والنشر والتوزيع، سوريا-دمشق، ٢٠٠٨.

٥ – د. سامر مظهر قنطقجي:
الأزمة المالية وإصلاح النظام المالي ٠٦ د. إبراهيم عبد العزيز النجار:
العالمي، الدار الجامعية، الإسكندرية ،٢٠٠٩.
عولمة الفساد وفساد العولمة، منهج نظري وعملي، الدار الجامعية، الإسكندرية، الطبعة الأولى، ٢٠٠٩. ٧— د. حمدي عبد العظيم :
الديون المصرفية المتعثرة والأزمة المالية المصرفية العالمية(أزمة الرهن العقاري الأمريكية، الدار الجامعية، الإسكندرية، ٢٠٠٩. ٨— د. عبد المطلب عبد الحميد:
إدارة التغبير الاستراتيجي العربي لمواجهة الأزمة المالية العالمية، الدار الجامعية، الإسكندرية، ٢٠٠٩- ٢٠١٠. ٩— د. فريد راغب النجار:

Web Sites:


[1] في شهر يوليو ١٩٢٩ شهد العالم أزمة مالية عنيفة عرفت باسم الكساد العظيم أدت إلى انهيار البورصة الأمريكية وإفلاس الآلاف من البنوك وتنامي معدلات البطالة وانخفاض معدل النمو الاقتصادي وانتشار الفقر….

وفى الخامس عشر من سبتمبر ٢٠٠٨ (وقبل أقل من شهر من الإعلان عن فوز العالم الاقتصادي الأمريكي: بأول كروجمان بجائزة نوبل في الاقتصاد استيقظ العالم من جديد علي دوى أزمة مالية عاصفة أتت من نفس منبع الكساد الكبير وتسارعت خطاها بدرجة كبيرة فتعدت إلى كل أنحاء العالم بدءاً من الدول التقدمة وأصابت كل قطاعات النشاط الاقتصادي، وبلغت من قسوتها- منذ نشأتها- أن وصفها الأمين العام للأمم المتحدة” بان كي مون” في كلمته أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة آنذاك بقوله” ما يواجههه العالم اليوم يشكل أزمة من نوع مختلف، أزمة لا تعرف حدوداً وتؤثر على جميع الدول وتمثل تحدياً للقيادة العالمية”.

كما قال ” آلان غرنيسبان” الرئيس السابق لبنك الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي ” الأزمة هي الأخطر منذ قرن ولم تنته بعد وستستغرق مزيداً من الوقت، وأتوقع انهيار العديد من المؤسسات المالية الكبرى بسبب القوة الاستثنائية لهذه الأزمة. وأكد “دومينيك استراوس” مدير صندوق النقد الدولي كذلك أن ما يحدث لا يمكن وصفه بغير كلمة “انهيار”، كما وصفها بأنها” أخطر أزمة تتعرض لها الأسواق المالية منذ الكساد الكبير سنة 1929. وقد بلغ من تأثير هذه الأزمة أنها ساهمت – مع عوامل أخرى (مثل الحروب التي خاضتها الولايات المتحدة الأمريكية ضد ما أسمته بالإرهاب في سقوط الحزب الجمهوري في انتخابات الرئاسة الأمريكية بفارق غير مسبوق.

[2] (نعايم سعد زغلول، تكنولوجيا المعلومات في إدارة الأزمات، رسالة ماجستير مقدمة لكلية الاقتصاد والعلوم السياسية- جامعة القاهرة،1999، ص22.

[3] (د. عبد المطلب عبد الحميد، الديون المصرفية المتعثرة والأزمة المالية المصرفية العالمية(أزمة الرهن العقاري الأمريكية الدار الجامعية، الإسكندرية،2009،ص189.

[4] (يرى بعض الاقتصاديين أن العديد من حالات الكساد كانت في جزء كبير منها بسبب الأزمات المالية، ومع ذلك يذهب بعض الاقتصاديين إلى أن الأزمات المالية قد حدثت من جراء الكساد، وليس العكس. وحتى إذا كانت الأزمة المالية تمثل الشرارة الأساسية التي تفجر الكساد، فقد تكون هناك عوامل أخرى أكثر أهمية في إطالة أمد الكساد. فقد ذهب كل من ميلتون فريمان- وأناشفارتز إلى أن الركود الاقتصادي الذى تزامن مع أزمة الكساد الكبير عام 1929وحالات الفزع التي سادت البنوك في الثلاثنيات من القرن العشرين لم تكن لتتحول إلى فترة كساد طويلة إذا كان لم يتم تعزيزها بأخطاء سياسية نقدية من جانب بنك الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي.

[5] ( أصبحت الشركات متعددة الجنسية أو عابرة القارات إحدى سمات العولمة. ويرى العديد من المفكرين أن العولمة تؤدى إلى فقدان الحكومة لسيطرتها علي الاقتصاد القومي، وتجعل الشركات العملاقة متعدية القوميات قادرة علي أن تحل محل الدولة والسياسات القومية في مجالات الاستثمار والأعمال والتجارة والضرائب والجمارك. وقد تضخم عدد الشركات عابرة الجنسيات في العالم كله(فقد وصل إلى أكثر من 40000 شركة ولها حوالى 170000فرع وشريك في مختلف أنحاء العالم باستثمارات مالية ضخمة، كما تطورت أنشطة هذه الشركات وتحولت من الاحتكار في تصدير المنتجات الزراعية إلى استخدام التكنولوجيا الحديثة بما فيها تكنولوجيا المعلومات والإدارة بما جعل نشاط هذه الشركات منتشراً جغرافياً وتخصصياً. وقد نتج عن سيطرة الشركات العالمية الكبرى واحتكارها لأسواق السلع والخدمات سوء استغلال الموارد الطبيعية وتلويث البيئة واستخدام العمالة الرخيصة في الدول النامية(ومن هنا جاءت المعارضة للعولمة في الدول الصناعية من دعاة البيئة ومن نقابات العمال.

[6]( في التاريخ الاقتصادي الحديث أمثلة عديدة علي هذا التأثير المتبادل. ويكفى للتدليل على ذلك أن نذكر مثال الأزمة العالمية الكبرى التي بدأت شرارتها الأولى بانهيار سوق الأوراق المالية في نيويورك(يوم الاثنين” الأسود” عام 1987 ولم تلبث أن اندلعت في كل أجزاء الاقتصاد العالمي، وأخذت موجات الكساد تغذى بعضها البعض وتتجاوب من بلد لآخر تجاوب الصدى إلى أن أغرقت العالم بأسره في أطول وأعمق أزمة اقتصادية في التاريخ المعاصر. أضف لذلك ما تكرر في يوم الخميس الموافق ٢٣ أكتوبر عام 1997 (والذى أطلق عليه الخميس” الأسود”، عندما حدثت الأزمة في أسواق تايلاند وسنغافورة وماليزيا وإندونيسيا وسرعان ما انتقلت إلي بورصة طوكيو ومنها إلى أسواق وبورصات العالم في نيويورك ولندن وباريس وزيورخ…الخ

[8](د. فريد راغب النجار، إدارة التغيير الاستراتيجي العربي لمواجهة الأزمة المالية العالمية، الدار الجامعية، الإسكندرية،2009- 2010، ص57

[9] (تنبأ بعض الخبراء بوقوع الأزمة المالية والاقتصادية العالمية الحالية منذ سنوات، واستندت تنبؤاتهم إلى نظرية العالم الروسي “نيكولاي كوندراتيف” Nikolai Kondratiev في العشرينات من القرن العشرين. وفي تصور كوندراتيف أن النظام الرأسمالي يتأرجح بين الصعود والهبوط في كل مرحلة تدوم خمسين عاماً. وكتب في عام 1926 أن العالم يسير إلى هبوط جديد، وسرعان ما واجه العالم حالة من الكساد الاقتصادي انطلقت من أمريكا. وطبقاً لنظرية كوندراتيف الذي توفى عام 1938 إن العالم قد يشهد بداية للنهوض الجديد في عام 2015.

[10] ( أحمد باهض تقى الحميداوي:          WWW.pathways.cu.edu.eg

– د. صباح نعوشWWW.aljazeera.net

– د. عبد المطلب عبد الحميد، الديون المصرفية المتعثرة والأزمة المالية المصرفية العالمية، مرجع سابق، ص 286.

[11] يعادل حجم هذه الديون عشرة أضعاف الناتج المحلى لجميع الدول العربية، ويعادل ثلاثة أضعاف الديون الخارجية للدول النامية.

[12]http://www.Pathways.Cu.Edu.eg.

[13] ww.Pathways.Cu.Edu.eg.

[14]  عندما يجتمع لدى البنك محفظة كبيرة من الرهونات العقارية فإنه يلجأ إلى استخدام هذه المحفظة من الرهونات العقارية لإصدار أوراق مالية جديدة يقترض بها من المؤسسات المالية الأخرى، أي بضمان هذه المحفظة، وهو ما يطلق عليه” التوريق” فكأن البنك لم يكتف بالإقراض الأولى بضمان هذه الرموز العقارية، بل أصدر موجة ثانية من الأصول المالية بضمان هذه الرهون العقارية. فالبنك يقدم محفظته من الرهونات العقارية كضمان للاقتراض الجديد من السوق عن طريق إصدار أوراق مالية مضمونة بالمحفظة العقارية.

وهكذا فإن العقار الواحد يعطى مالكه الحق في الاقتراض من البنك، ولكن البنك يعيد استخدام نفس العقار ضمن محفظة أكبر للاقتراض بموجبها من جديد من المؤسسات المالية الأخرى، وهذه هي المشتقات المالية، وتستمر العملية في موجة بعد الأخرى بحيث يولد العقار موجات متتابعة من الإقراض بأسماء المؤسسات المالية واحدة بعد الأخرى. ولا تقتصر المشتقات المالية على هذه الصورة فقط من التوريق أو التسنيد(أي إصدار موجات متتابعة من الأصول المالية بناء على أصل عيني واحد، بل تأخذ صوراً اخرى وخاصة فيما يتعلق بالتعامل مستقبلي. فالتعامل المالي لا يقتصر على التعامل في أصول عينية موجودة بالفعل(في الحاضر، بل قد ينصرف إلي أصول محتملة سوف توجد في المستقبل. فهناك التصرفات الآجلة, فضلا عما يعرف” بالمستقبليات”. وقد لا يقتصر الأمر علي مجرد بيع و شراء حقوق مستقبلة، بل وتشمل أيضاً” خيارات” قد تستخدم أو لا تستخدم وفقاً لرغبة أحد الطرفين.

[15] عن أسباب الأزمة المالية والاقتصادية الحالية يقول الخبير الروسي” أندريه كوبيا كوف”( وهو واحد من الخبراء الذين توقعوا منذ سنوات حدوت الأزمة المالية الحالية أن الميكرو اليكترونيات والكومبيوتر والانترنت والهاتف المحمول شكلت قاطرة للاقتصاد العالمي خلال العقود الأخيرة وانهالت الاستثمارات على هذه القطاعات، إلا أن السوق لم يعد يطلب أعداداً هائلة جديدة من هذه الأجهزة وتباطأت بالتالي وتيرة نمو الصناعة فيها في بداية الألفية الثالثة إلى أن انفجرت” فقاعة الانترنت”. وسرعان ما اندفع أصحاب الأموال للبحث عن أماكن لتوظيف أموالهم تدر عليهم إيرادات كبيرة خارج القطاع الصناعي ووجدوها في مجال أسواق المال، وهو بمجال اقتصادي وهمى افتراضي في جانب كبير منه. ولابد أن يتبدد الوهم طال الزمن أو قصر.

ولا يمكن أن يدخل الاقتصاد العالمي إلى مرحلة جديدة من النهوض لمجرد أن يتحرر من الفقاقيع المالية، بل يتطلب الأمر قاطرة جديدة تجر الاقتصاد العالمي إلى طريق التقدم ثانية. وقد تتمثل هذه القاطرة في التكنولوجيا الحيوية أو التكنولوجيا الطبية الجديدة أو صناعة المواد بمواصفات محددة أو تكنولوجيا الصغائر(تكنولوجيا الناتو. (وكالة أبناء نوفوستي الرسمية الروسية، برافدا 2/2/2009.

[16] منذ نحو عقدين من الزمن يحصد الاقتصاد الأمريكي العديد من النجاحات وانطلق كالحصان الجامح نحو السيطرة والهيمنة على الاقتصاد العالمي انسجاماً مع ما تحقق للولايات المتحدة من مكاسب سياسية كبيرة على الصعيد الدولي. وكان من بين ما حصد الاقتصاد الأمريكي ثمار الثورة التكنولوجية الحديثة، وتوجه المستثمرون نحو شركات الانترنت والبرمجيات وبلغ هذا النشاط ذروته في عام 2000 عندما انفجرت فقاعة الانترنت التي أطاحت بكثير من المكاسب ==المالية التي حققتها تلك الشركات. ومن النتائج التي ترتبت على تلك الأزمة قيام بنك الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي بخفض سعر الفائدة من 6.25% إلى 1% لحفز النمو الاقتصادي.

[17] وفي بداية عام 2008 وتحديداً في شهر كانون الثاني بدأت المؤشرات تجسد حالة التراجع في السوق العقارية حيث خسرت الأسهم الأمريكية في مؤشرات داو جونز 4,6% وناسداك 9.9%. وعندما قورنت هذه النسبة(حينه بأخطر أزمة حصلت في الاقتصاد الأمريكي في تشرين الأول عام 1987 (حيث سجل مؤشر داو جونز انخفاضاً حاداً بلغ 22.6%، أي بنسبة فاقت بكثير النسبة التي تحققت في بداية عام ٢٠٠٨ ومع ذلك فإن الأزمة الراهنة أخطر لأنها نجمت عن تراجع الاستهلاك الفردي، في حين كان ارتفاع أسعار الفائدة هو السبب الأساسي في أزمة عام 1987

[18] ويعطينا الاقتصاد الأمريكي مؤشراً خطيراً وواضحاً عن عمق الفجوة بين القطاع المالي والقطاع الحقيقي، حيث بلغ حجم التداول في سوق “الوول ستريت” نحو ٣٤ تريليون دولار بينما بلغ حجم الناتج المحلى الإجمالي الأمريكي نحو ١٣ تريليون دولار وفقاً لعام ٢٠٠٦ مما يعطى مؤشراً واضحاً عن الفجوة الكبيرة بين الاقتصاد المالي والاقتصاد الحقيقي.

[19]  د. منير الحمش        http://www.pathways.Cu.Ed.eg.

[20] (أدى تلاقى ثورة المعلومات والاتصالات، من ناحية، مع الحاجة إلى غزو الأسواق، من ناحية اخرى، إلى” ثورة مالية” لا تقل خطورة عن الثورة الصناعية في مراحلها الأولى. فإلى جانب الثروة العينية من أراضي ومناجم ومصانع وبنية أساسية، أصبحت الثروة المالية- التي يعبر عنها في شكل رموز( أسهم وسندات وأوراق متعددة تمثل حقوقاً ومطالبات على هذه الثروة العينية وتسهل من حركتها وانتقالها، فظهرت أشكال جديدة وتطورت الأشكال القائمة في عدد متزايد من المشتقات المالية.

[21] ذكر رئيس الوزراء البريطاني” غوردن براون” أن الاستهتار داخل الولايات المتحدة بالنظام المالي هو الذى أدى إلى ازمة الائتمان المالي التي يعانى منها العالم. كما أعلن  وزير المالية الألماني” بير شتاينبروك” أن الولايات المتحدة تتحمل مستولية الأزمة المالية العالمية الراهنة بسبب السعي لتحقيق رباح كبيرة ومكافآت هائلة للمصرفيين وكبار مديري الشركات. كما قال الرئيس الروسي، هذا لم يعد عدم إحساس بالمسئولية من جانب بعض الأفراد، بل عدم إحساس بالمسئولية لدى النظام كله الذى يتباهى بالزعامة العالمية( يقصد الولايات المتحدة الأمريكية بالطبع.

[22] (ووفقاً لمؤشرات مؤسسة التمويل الدولي فإن العالم سيشهد انخفاضاً في الناتج المحلى القومي بنسبة قد تزيد عن 1.5% وهو الانخفاض الأكثر حدة منذ ثلاثينات القرن الماضي، وذلك بعد نمو متواضع في عام ٢٠٠٨ وصل إلى 1.8%. وقد تعانى الدول الصناعية الكبرى هبوطاً يصل إلى 2.7% بالسالب وذلك بعد نمو ضئيل في عام ٢٠٠٨ بلغ 0,7%كذلك يتوقع انخفاض معدلات النمو في عدد من الدول الناشئة، إلا أن مؤسسة التمويل الدولي نتوقع أن تتمكن الدول الناشئة في منطقة الشرق الأوسط وأسيا== من تحقيق معدل نمو لا بأس به وهو 1.9% وذلك بعد أن كان قد بلغ 5.7% عام ٢٠٠٨. وفى إعلان لصندوق النقد الدولي فإنه من المتوقع أن تنخفض معدلات النمو خلال عام ٢٠٠٩ لتصبح صفراً في الولايات المتحدة وأوربا واليابان، و 3% في المتوسط بالنسبة لباقي دول العالم فيما عدا الصين(ينخفض المعدل من 11 إلى10% والهند (9 إلى 8%.

[23](توقعت منظمة العمل الدولية أن يبلغ عدد العاطلين عن العمل في العالم ١٩٨ مليون شخص، وأن العدد سيرتفع إلى ٢٣٠ مليون إذا ما استمرت هذه الأزمة، ودعت المنظمة حكومات الدول إلى إدراج قضية خلق فرص عمل في أولويات خططها الاقتصادية. ففي الولايات المتحدة مازالت الأزمة تتعمق، حيث أعلنت شركة صناعة الطائرات الأمريكية” بوينج” ثاني أكبر شركة لصناعة الطائرات في العالم عن تراجع كبير في طلبات الشراء لديها للطائرات التجارية بسبب الركود الاقتصادي العالمي، مما يعزز توجهها للاستغناء عن عشرة آلاف وظيفة بسبب الانخفاض الكبير في أرباحها في الربع الأخير من العام الماضي. كما أستمر ركود سوق السيارات الأمريكية، فقد كشفت تقارير أمريكية عن تراجع مبيعات السيارات الأمريكية بنسبة 41% خلال فبراير الماضي فيما يعد أقل معدل لها منذ ديسمبر ١٩٨١. كما استمرت المصارف الأمريكية بإعلان إفلاسها منذ بدابة عام ٢٠٠٩، وأصبحت أخبار إفلاس البنوك والشركات من الأخبار اليومية مما دفع الرئيس الأمريكي”باراك أوباما” لدق ناقوس الخطر بسبب ارتفاع معدل البطالة في بلاده( حيث ارتفعت نسبة البطالة إلي 6.7% مسجلة أعلي مستوي لها في 16 عاماً. محذراً من استمرار الوضع علي ما هو عليه، ومشيراً إلي أن الركود الحالي قد يستمر عدة سنوات وأن الاقتصاد الأمريكي سيخسر خمسة ملايين وظيفة إضافية.

وفي كندا كذلك تأثرت صناعة الطائرات بشكل كبير حيث أعلنت شركة “بومبارديير” الكندية ثالث أكبر شركة صناعة طيران عالمية أنها ستلغي 1350 وظيفة( أي 4.5% من قوتها العاملة لتواجه مشكلة انخفاض الطلب علي طائرات رجال الأعمال. كما طالت الأزمة القطاعات الاقتصادية الكندية الأخرى  وأدت إلي تسريح عدد كبير من العمال مما أدي إلي ارتفاع نسبة البطالة إلي 2.7%( وذلك وفقاً للمعهد الرسمي للإحصاءات في كند وهي نسبة لم يشهدها البلاد منذ الثمانينات.

كما أعلنت شركة” أوبل” الألمانية لصناعة السيارات عن اعتزامها تسريح 3500 موظف في حالة رفض الحكومة الألمانية مساعدتها وتقديم معونة مالية لها.

http://news.Syriarose.Com/news/4937,html

[24] في خطوة عملية لتجاوز الأزمة كشفت الحكومة الإيطالية من حزمة تحفيز قيمتها 2مليار يورو( 2.56 مليار دولار لصناعة السيارات والأجهزة المنزلية المتعثرتين في محاولة لتشجيع الإنفاق وانتشال الاقتصاد من الركود.

وفي فرنسا ارتفع العجز التجاري إلي مستوي قياسي ليبلغ 55.7 مليار يورو( 71.35 مليار دولار في عام 2008 بسبب تراجع الصادرات الفرنسية. ورغم أن فرنسا لا تواجه نفس المصاعب الاقتصادية التي تؤرق جيرانها( مثل إسبانيا وبريطاني فإن معدل البطالة يقفز باطراد. ومع توقعات المحللين بانكماش الاقتصاد بما يصل إلى 2% العام ==الحالي، صاغ للرئيس الفرنسي ساركوزي برنامجاً للتحفيز الاقتصادي قيمته ٢٦ مليار يورو (34 مليار دولار في نهاية العام الماضي بهدف تشجيع الاستثمار وحماية الصناعات الرئيسية. نفس الموقع السابق.

[25] صناعة السيارات كانت الأكثر تضرراً، في اليابان نتيجة التراجع في الواردات بنسبة بلغت 66%، مما أجبر تيوتا على تخفيض الإنتاج بنسبة 45% وهوندا بنسبة 33%، اما نيسان فخفضت إنتاجها بنسبة 54%.

كما أطلقت شركة” هيتاشي” أكبر صانع للإلكترونيات في اليابان تحذيراً من أنها ستواجه أكبر خسارة سنوية لشركة صناعية يابانية، بينما أعلنت شركة إن. أي. سي كورب صانعة رقائق ذاكرة الحاسوب عن تسريح 20 ألف عامل، وهو أكبر تسريح للعمال في آسيا منذ بدأ الأزمة المالية.

ولم تسلم شركة الخطوط الجديدة اليابانية من الأزمة، حيث منيت تجارة صافية قدرها 38.5 مليار ين ياباني( 428 مليون دولار في الربع الأخير من عام ٢٠٠٨، وعزت الشركة هذه الخسارة إلي تراجع للطلب في الولايات المتحدة وأوربا في ظل الأزمة المالية العالمية وارتفاع سعر صرف الين مقابل العملات الرئيسية الأخرى.

[26]  لهذا أعلنت الصين عن خطة تحفيز لسنة 2009، 2010 بهدف تحقيق نمو نسبته 7% لإجمالي الناتج المحلى، وهو معدل كبير جداً، لكى يعوض الطلب المحلى تراجع الطلب الأجنبي. ولذلك فإن الصين ستبنى مزيداً من المساكن ومزيداً من الطرق، ولاسيما في المناطق الريفية، كوسيلة للحفاظ على معدلات نمو كافية للحفاظ على فرص العمل للصينيين.

[27]  في محاولة لاحتواء تداعيات الأزمة المالية العالمية على الدول الأكثر فقراً، حذر صندوق النقد الدولي من إمكان وقوع أزمة إنسانية في الدول الأكثر فقراً بسبب الانهيار الاقتصادي العالمي، وحث مدير الصندوق الدول المانحة على مد يد العون للدول الفقيرة والحيلولة دون تعرضها لكارثة إنسانية محققة.

[28] إن الوجه القبيح للأزمة يتمثل في الخسائر التي فرضت على أفراد وشركات ليس لهم ناقة ولا جمل، ونقصد بهؤلاء الخاسرين العمال وصغار الموظفين والشركات ومؤسسات الأعمال في شتى بلدان العالم النامي تأثروا بالأزمة بصورة مباشرة أو غير مباشرة نتيجة لحالة الركود التي تمر بما أسواقهم على أثر الأزمة.

[29]  يعتبر” بيرت فال” الخبير الألماني والناقد المعروف للعولمة، أن المرونة التي بدت بها الدول الصناعية في التحرك لمواجهة الأزمة المالية بالمليارات، في الوقت الذى تلكأت فيه في الوفاء بالتزاماتها تجاه الدول الفقيرة، حالة من” الازدواجية الأخلاقية”، واعتبر أن هذا السلوك يعكس الأنانية وحب الذات من جانب الدول الصناعية. وجدير بالذكر أن الأمين العام للأمم المتحدة ذكر أنه يمكن القضاء علي الفقر في العالم إذا قدمت الدول الغنية فقط 72 مليار دولار سنوياً( علماً بأن الحرب على العراق وأفغانستان تكلفت 800 مليار دولار.

[30] في المؤتمر الصحفي الذى عقد في ختام أعمال ملتقى مؤسسة التمويل الدولية الثاني عشر لقيادات بنوك الشرق الأوسط وشمال أفريقيا في شهر فبراير ٢٠٠٩، والذى استضافه البنك العربي الإفريقي الدولي بالتعاون مع مؤسسة التمويل الدولية، اتفق المشاركون على أن العالم اليوم يواجه أزمة اقتصادية خطيرة تعوق النمو، إلا أنهم أجمعوا على أن منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا في موقع أفضل يمكنها من مواجهة الآثار السلبية للأزمة، كما أكدوا على أن التقدم الذى تحقق في إعادة بناء المؤسسات المالية في المنطقة سيساهم بشكل أساسي في مواجهة الأزمة بنجاح. وحول هذه النقطة قال جورج العبد المستشار الأول التنفيذي ومدير دائرة الشرق الأوسط بمؤسسة التمويل الدولية إن الأزمة ستكون أقل ضرراً في منطقة الشرق الأوسط من مناطق أخرى في العالم. ووفقاً لما صرح به الأمين العام لجامعة الدول العربية على هامش القمة الاقتصادية التي انعقدت أخيرا في الكويت، فإن خسائر العالم العربي من تفاعلات هذه الأزمة بلغت 2500 مليار دولار.

[31] ومثال على ذلك مساهمة هيئة استشار أبو ظبى بمبلغ ٧٠٥ مليار دولار في بنك” سيتي بنك”، ومساهمة هيئة الاستثمار الكويتية بــ 2 مليار دولار في بنك “ميريل لينش” و ٣ مليار في” سيتي بنك”.

[32] تشير بعض التقديرات إلى أن الصناديق السيادية التابعة لدول الخليج، والتي تتكون من عائدات النفط والاحتياطيات النقدية الأجنبية، قد خسرت ما يقارب 400 مليار دولار. كما قدرت الخسائر التي لحقت بدول الخليج جراء الأزمة الراهنة بحوالي ٢٠٢ تريليون دولار، وهذا المبلغ هو أكتر من ضعف الناتج المحلي لدول الخليج والبالغ ٩٠٠ مليار دولار. وإجمالاً فقد قدر بعض الخبراء الاقتصادين الخسائر التي تعرضت لها دول الخليج بـ 50% من استثماراتها المحلية والدولية على مستوى الدول والأفراد.

[33] تكمن أزمة المنطقة في انخفاض أسعار النفط إلى حد كبير، فبعد ما وصلت أسعار النفط إلى أعلى مستوياتها( قرابة 150 دولار للبرميل هبطت إلى مستوى أقل من 40دولار للبرميل، ولم يفلح خفض منظمة الدول المنتجة والمصدرة للبترول( أوبك سقف إنتاجها في وقف تدهور أسعار النفط في الأسواق العالمية.

[34] أكد الخبراء أن عام ٢٠٠٩ سيكون من الأعوام الصعبة على جميع القطاعات الاقتصادية في مصر بسبب تداعيات الأزمة العالمية، خصوصاً للمصدرين والعاملين في قطاع السياحة والفنادق(فقد بدأت المصانع تخفض من طلقتها الإنتاجية بسبب تراجع التصدير كما بدأت الفنادق وشركات السياحة تعانى من تراجع حجم الحجوزات القادمة من دول أورب، بالإضافة إلى التوقعات بتراجع حجم الاستثمار الأجنبي المباشر.

[35] (http://www.idbe-egypt.com/doc/financia%20 crisis%20and20%egypt.doc

[36] اضطرت الحكومة الأمريكية إلى التدخل بشكل سريع وحاسم لإنقاذ نظامها المالي والمصرفي من الانهيار، حيث تدخلت الحكومة الأمريكية لإنقاذ عملاقي الرهن العقاري” فريدي ماك” و” فاني ماي”( الذين يستحوذان على نصف الرهون العقارية في الولايات المتحدة والتي يبلغ إجمالها 12 تريلون دولار، حيث سارعت بضخ 200مليار دولار في خزائنهما ليتمكنا من مواصلة وظيفتهما(توفير الضمانات للقروض العقارية التي تمنحها البنوك. كما تدخل البنك المركزي الأمريكي لإنقاذ أكبر شركة تأمين في العالم (أمريكان انترناشونال جروب AIG ووفر لها قروضاً بقيمة 85 مليار دولار مقابل الحصول علي 80% من أسهم الشركة والتنازل عن منصب المدير العام التنفيذي الذي يتكفل بتعيينه وزير المال الأمريكي، وبالتالي تم إنقاذ شركة AIG لأن إفلاسها يؤثر سلباً علي مجمل الاقتصاد الأمريكي.

[37] لمزيد من التفاصيل:

د. عبد المطلب عبد الحميد، الديون المصرفية المتعثرة …، مرجع سابق،صـ344 وما بعدها.

د. إبراهيم عبد العزيز النجار، الأزمة المالية وإصلاح النظام المالي العالمي، مرجع سابق، صـ 120 وما بعدها.

[38]  ارتفعت الأصوات تنادى بزيادة تمثيل الدول الناشئة في مجلس إدارة صندوق النقد الدولي، وأفرزت الأزمة المالية العالمية تفاهماً دولياً على أهمية توسيع قاعدة التمثيل في إدارة النظام المالي العالمي، واستقر الرأي على إشراك 20 دولة في ذلك تمثل ثلثي سكان العالم ويسيطر اقتصادها على 90% من اقتصاده.

[39] (تضم مجموعة العشرين (G.20 إلى جانب الدول الصناعية السبع الكبرى والاتحاد الأوربي مجموعة الدول الاقتصادية الناشئة وهى؛ الصين، روسيا، البرازيل، الأرجنتين ، الهند ، استراليا، السعودية، جنوب افريقيا، كوريا الجنوبية، اندونيسيا، المكسيك، تركي.

[41] (إن التحدي الذى يواجه البلدان النامية والبلدان الفقيرة هو أن يكون إنفاقها المالي كافياً لحماية أكثر فئات السكان تضرراً، وكذلك أن تكون قطاعاتها المالية قوية بدرجة كافية حتى تستطيع الحصول في وجه العاصفة.

[42] إن الأمن الغذائي يمثل بعداً استراتيجياً بجب أن توليه الدولة اهتمامها في المقام الأول (وخاصة بعد اتجاه بعض الدول إلى استخدام الحبوب الغذائية في إنتاج الوقود الحيوي، وبعد تحرير أسعار المواد الغذائية وإلغاء الدعم الحكومي عنه.

[43] إن الرأسمالية التي ترتكز على حرية اقتصادية بغير ضوابط أخلاقية وقانونية تصبح رأسمالية مستغلة تؤدى إلى نتائج اجتماعية بالغة القسوة والضراوة.

[44] لابد من مراعاة معاناة الناس، ومن ثم فإن تخفيف الأعباء الضريبية على المشروعات( لاسيما الصغيرة والمتوسطة منه وعلى المواطنين( لاسيما الفئات الاجتماعية محدودة الدخل سواء يساعدهم على تجاوز الصعوبات المعيشية اليومية التي سوف تزداد وطأتها بفعل الأزمة الاقتصادية العالمية ومضاعفاتها السلبية على الحالة العامة للاقتصاد.

[45] الإنسان هو وسيلة التنمية وهو غايتها في ذات الوقت. ومصر تملك ثروة حقيقية متمثلة في مواردها البشرية وقواها العاملة، ولذلك يجب تنمية هذه القوى البشرية وتعليمها وتدريبها باستمرار للاستفادة منها حتى لا تصبح عبئاً على الاقتصاد القومي.

[46] وأوضح رئيس الوزراء أن من بين الاجراءات اللازمة لمواجهة الأزمة المالية هو إيداع الاحتياطي في بنوك «آمنة ومضمونة»، «وتنويع سلة العملات»  بما يتماشى مع المعاملات الخارجية الأساسية، بالإضافة إلى توجيهات البنك تمركزي للبنوك بتحديد نسبة الإيداعات الخارجية، مضيفاً أن «البنك المركزي» يؤكد سلامة المدخرات المصرية تماماً، ويضمن كل إيداع داخل البنوك المصرية»

[47] د. حسين شحاتة: الأزمة المالية وأثرها والدروس والعبر المستفادة منها

http://www.Darelmashora.com

كيف النجاة من أثر الأزمة المالية الرأسمالية على أسواق المال العربية

http://www.dr-hussienshehata.com

د. سامي مظهر قنطقجي، ضوابط النظام الإسلامي في معالجة الأزمات المالية العالمية، دار النهضة للطباعة والنشر والتوزيع، سوريا- دمشق ،٢٠٠٨.

[48] نهى رسول الله-صلي الله عليه وسلم – عن الاقتصاد الورقي” قائلاً ” لا تبع ما ليس عندك”، وقد كيف علماء الاقتصاد الإسلامي مثل هذه المعاملات على أنها من المقامرات المنهى عنها شرعاً.

[49] نهى رسول الله _صلي الله عليه وسلم – عن بيع الكاليء بالكالئ (أي بيع الدين بالدين

[50] طالب “رولان لاسيكن” رئيس تحرير صحيفة ” Le Journal de finance”بضرورة تطبيق الشريعة الإسلامية في المجال المالي والاقتصادي لوضع حد لهذه الأزمة التي تهز أسواق العالم من جراء التلاعب بقواعد التعامل والإفراط في المضاربات الوهمية غير المشروعة، وجاء مقاله بعنوان: هل تأهلت وول ستريت لاعتناق مبادئ الشريعة الإسلامية؟ كما أشارت الباحثة الإيطالية” لوورتيا نابليوني في كتاب لها بعنوان ( اقتصاد ابن آوى إلى أهمية نظام التمويل الإسلامي ودوره في إنقاذ الاقتصاد الغربي، وأوضحت أن التوازن في الأسواق المالية يمكن التوصل إليه بفضل التمويل الإسلامي وأن المصارف الإسلامية يمكن أن تصبح البديل المناسب للبنوك الغربية.

راجع : د. سامر مظهر قنطقجى، ضوابط الاقتصاد الإسلامي في معالجة الأزمات المالية العالمية. مرجع سابق، ص97.

[51] والأمثلة على ذلك قديمة ومتعددة بدءاً من أزمة زهرة الثيوليب الهولندية في القرن السابع عشر، إلى فقاعة بحر الجنوب في القرن الثامن عشر، إلى تدهور السوق الآجلة للقطن في القرن التاسع عشر، ثم الكساد الكبير في ثلاثينات القرن العشرين. وما حدث بالأزمات السابقة هو نفسه ما حدث في أزمة انهيار الأسواق المالية في دول جنوب شرق آسيا في عام ١٩٩٧.

[52] يتخوف البعض من أن يكون العالم بانتظار أزمة مالية جديدة بسبب الديون الردئية لبطاقات الائتمان. فقد ذكر خبراء أن من المتوقع أن يصل حجم الديون المعدومة من جراء قروض بطاقات الائتمان إلى نحو ١٠٠ مليار دولار(كإحصائية أولية. فقد كانت قروض البطاقات الائتمانية لا تسبب مشكلة للاقتصاد الأمريكي في حالة ازدهاره، ولكنها ستتسبب في خسارة كبيرة للبنوك في ظل الظروف الراهنة لا تقل عن الخسائر الفادحة التي أسفرت عنها أزمة القروض العقارية في الولايات المتحدة، ومن ثم فمن غير المستبعد حدوث أزمة مالية عالمية جديدة نتيجة خسائر البنوك والمؤسسات المالية العالمية التي على وشك شطب هذه الديون. ومن المحتمل أن يكون قرار الإعلان عن هذه الحقائق مخبأً في أدراج صناع القرار بالدول الكبرى.( سعود الأحمد، جريدة الشرق الأوسط بتاريخ 17/11/2008.

[53]  لا شك أن الاقتصاد الحر واتجاه الحكومات إلى تقليل القيود والرقابة بهدف تحفيز المستثمرين أو المنتجين ورجال الأعمال يخلق شعوراً عاماً بضعف دور الدولة في= الرقابة، الأمر الذى يؤدى إلى ارتفاع قيمة عائدات الفساد مما يؤثر كثيراً على استعداد الموظفين للانحراف في ظل الإغراءات المالية الكبيرة، خاصة في العقود والصفقات الدولة المتعلقة بالتجارة الدولية، أو تلك المتعلقة بإنشاء مشروعات البنية الأساسية(خاصة في الدول النامية بواسطة الشركات متعددة الجنسيات والتي يكون لديها استعداد كبير لدفع مقابل مرتفع للحصول على الأعمال والصفقات بطريقة غير مشروعة.

[54] أعلن الرئيس الفرنسي ساركوزي صراحة أن الأزمة تعنى انتهاء عصر الأسواق المالية الحرة، وطالب وزير المالية الألماني الولايات المتحدة بالاعتراف بأنها لم تعد قوة اقتصادية عظمى. وحتى من داخل الولايات المتحدة كانت هناك تحليلات ومواقف من اقتصاديين بارزين وسياسيين لهم وزن كبير يدينون فيها النظام الاقتصادي الأمريكي. فلقد ذكر الرئيس الأمريكي السابق بيل كلينتون( في ندوة البنك الوطني الكويتي الدولية- تشرين الثاني 2008 أن أحد أهم أسباب الأزمة المالية الحالية التي يعيشها الاقتصاد الامريكي والتي ألقت بظلالها على العالم أجمع يرجع إلى أن 90%، الأرباح التي تم جنيها في السنوات الأخيرة ذهبت إلى 1% فقط من الأميريكيين.

[55] ظهرت فكرة الطريق الثالث لأول مرة عام 1936 علي يد الكاتب السويدي” ARQUIS Child” حيث تجمع بين مفهومي الرأسمالية الغربية والاشتراكية الماركسية ولا تتبنى السقف الأعلى أو الحد الأقصى لكل نظرية.

[56] إذا كانت طبيعياً أن يعكس صندوق النقد الدولي- وغيره من المؤسسات العالمية- عند إنشائه قوة الدول التي كانت تسيطر علي مقدرات العالم في ذلك الوقت، فإنه مع تغير توازن القوى الاقتصادية وظهور كيانات اقتصادية عملاقة مثل الصين واليابان والهند والبرازيل تمثل أهمية كبيرة في الاقتصاد العالمي ينبغي أن تتمتع هذه القوى الاقتصادية الجديدة بوزن نسبي في إدارة صندوق النقد الدولي يعكس الأهمية الاقتصادية لهذه القوى. لذا طالبت اليابان مجموعة العشرين بمراجعة نظام التصويت في صندوق النقد الدولي والبنك الدولي وغيرهما من المؤسسات الدولية الأخرى. كما اعترفت أوربا على لسان رئيس المفوضية الأوربية بأنه حان الوقت لتخفيض تمثيل أوربا في المؤسسات المالية- الدولية لإتاحة مساحة أكبر أمام الصين وغيرها من الاقتصادات الناشئة، ورحبت الولايات المتحدة بهذا.

[57] إن حجم الخسائر التي انطوت عليها الأزمة المالية تتجاوز اضعافاً مضاعفة قيمة الأصول التي تم تبادلها، وهذا هو جوهر الاقتصاد الرمزي أو الشكلي( والذى كان السبب الجوهري في الأزمة القائم على المضاربات والمراهنات والاستثمار في النقود الساخنة التي تنتقل بسرعة البرق عبر الحدود والذى يعد أبرز معالم العولمة المالية التي تتجاوز فيها قيمة الأوراق المالية المتداولة قيمة الأصول والموجودات في الاقتصاد الحقيقي(سلع وخدمات وزراعة وصناعة ومعادن نفيسة…..

[58] إن الأزمة المالية والاقتصادية العالمية الراهنة ستحتم على الدول ترتيب أولوياتها فيما يتعلق بهاذين المبدأين بالذات: الحرية الاقتصادية في مقابل التدخل الحكومي، أي أن على كل دولة أن تحدد الخطوط الفاصلة بين تقييد الحرية الاقتصادية في نشاط معين أو تبرير التدخل الحكومي في نقاط أخر، وألا يكون هناك استخدام مفرط لأحد المبدأين على الآخر بما يؤدى إلى نتائج اقتصادية غير محمودة العواقب.

https://powderencouraged.com/zht6b3bs66?key=8523542c4aaf6f083ce56f74bd271319
https://powderencouraged.com/w3m6c9b5?key=af8b4909c0965493e9682d74bb50a646
https://powderencouraged.com/ksq5rgwdmh?key=b5b47a0d83f8742dcf71d4de8ef00494
https://powderencouraged.com/bkcduddx?key=0252cc21d0f4e0ae5f53245940611301
×
error: Content is protected !!

اكتشاف المزيد من فضاء المعرفة القانونية -espace connaissance juridique

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

متابعة القراءة