نظرة في مشروع القانون رقم 32.09
المتعلق بتنظيم مهنة التوثيق وبإحداث هيئة وطنية للموثقين
المقتضيات الجنائية – المواثيق الدولية
محمد مصطفي الريسوني
رئيس سابق لجمعيات هيئات المحامين بالمغرب
مقدمة:
تجب الإشارة إلى أن تقديم مشروع قانون يهم تحديث مهنة التوثيق وإعادة تنظيمها يعتبر في حد ذاته حدثا قانونيا بارزا، مرده أن القانون الصادر بالظهير الشريف المؤرخ في 10شوال عام 1343 الموافق 4مايو سنة 1925. لم يسبق أن خضع لتعديل جوهري منذ صدوره لحد الآن.
لقد صدر القانون المذكور في شكل ظهير شريف يتعلق بتنظيم شؤون محرري الوثائق الفرنسويين (كما ورد في صيغته) وتم إصداره في الجريدة الرسمية عدد 661 المؤرخ في فاتح ذي الحجة 1343 (23 يونيو 1925)، مذيلا بالعبارة التالية “اطلع عليه وأذن بنشره بالرباط في 12 يونيو 1925، المعتمد بالإقامة العامة- أوربان بلان-” ويكفي للإشادة بهذا المشروع أن يرفع على الأقل الإهانة التي تلحق بكل مغربي ظل ملزما بتطبيق قانون صادر أيام الاستعمار ومذيلا بصيغة مهينة للوطن.
وليس متعارضا بين الإشادة بعرض هذا المشروع الذي سيحل بعد مناقشته والمصادقة عليه محل القانون السابق، وبين ما يمكن أن يوجه الى المشروع من انتقادات، فالأمر هنا يهم فقط الثناء على عمل يرمي على تغيير القوانين الصادرة إبان الاستعمار واستبدالها بقوانين مغربية ذات طبيعة ومصدر مغربي.
لقد ورد في الورقة التقديمية لهذه الندوة أن معالجة ما تهدف إليه هو السؤال العريض الكبير، هل يستجيب مشروع القانون رقم 32.09، للمعايير الدولية المعتمدة في تنظيم المهن الحرة، وهل يتطابق مع ما نص عليه الفصل 82 من الدستور، وما نصت عليه المادة العاشرة من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان.
ودون الدخول في تفاصيل هذه المقارنة أود أن أعرض في هذه المداخلة إلى الأفكار التالية:
صياغة النصوص القانونية والمواثيق الدولية
إن تقنية التشريع وصياغة النصوص القانونية تتطلب الدقة في اختيار الألفاظ والكلمات والجمل وتستوجب أن تكون العبارات دقيقة المعنى واضحة المفهوم لا تحتمل كثيرا من التأويل بأن الأفضل أن تنصب إلى معنى واحد ظاهر، حتى لا تكثر التفاسير وتختلف لاجتهادات بشأنه.
ومن جهة ثانية فإن مصادقة المغرب على الأغلبية الكبرى من الإعلانات والمواثيق الدولية المعنية بحقوق الإنسان، وكذا انخراط المملكة المغربية في المنظومة الدولية وهيأتها بطريقة مشرفة ونص الدستور في ديباجته على احترام هذه المواثيق واعتبار المغرب الدولة العربية الإسلامية الوحيدة التي انخرطت في مسلسل العدالة الانتقالية ابتداءاً بهيئة التحكيم المستقلة للتعويض وانتهاءاً بهيئة الإنصاف والمصالحة وما جاءت به هذه الأخيرة من توصيات أسست للمجال الحقوقي والديمقراطي بالمغرب، إن كل هذه الاعتبارات تجعل المشرع (أي واضع القانون) ملتزما بما ورد في هذه الإعلانات والاتفاقيات ومتعهدا بملاءمة جميع القوانين لتلك المواثيق، الأمر الذي يقتضي مراجعة الترسانة القانونية بالمغرب سواء منها ما صدر إبان الاستعمار أو ما صدر بعد استرجاع المغرب لسيادته ووحدته.
ولعل أهم من تجب الإشارة إليه هو وجوب تضمين القوانين ما تستلزمه المحاكمة العادلة من قواعد نصت عليها مختلف الإعلانات والمواثيق والعهود، وسيكون من غير المعقول صدور أي قانون يخالف قاعدة من تلك القواعد الراسخة والثابتة والضامنة لمساطر قانونية موحدة ومطبقة على المواطنين سواء بسواء، وملتزمة بحق الدفاع وممارسته على أوسع نطاق وحق الطعن والمراقبة القضائية بالدرجات المعروفة والمعهودة وأمام قضاء مستقل ونزيه حر في قراراته غير متأثر سوى بقواعد القانون وضمير أعضائه.
مشروع القانون رقم 32.09 والمقتضيات الجنائية
تجب الإشارة أولا إلى أن ظهير 4مايو 1925 لم يكن ينص على عقوبات جنائية، بل كل ما نص عليه هو عقوبات تأديبية أو مالية انفرد الفصل التاسع والعشرون منه بالإشارة إليها، ثم جاءت الفصول التالية لتأسيس طرق تطبيقها والمخالفات المستحقة لهذه العقوبات.
وهكذا كانت المخالفات التي تهم الجانب الجنائي موكولة إلى قواعد القانون الجنائي وما يحدده لبعض الأفعال من عقوبات كالنصب وخيانة الأمانة.
ويظهر أن المشرع في المشروع الجديد سار على النهج المعمول به حاليا في جميع القوانين التي تنظم المهن الحرة، وذلك بالنص على عقوبات جنائية تحمي في بعضها أصحاب المهنة، وتعاقبهم من جهة أخرى في حالة ارتكاب مخالفات ذات طابع مهني خطير كاستعمال السمسرة أو ما يدخل في حكمها من أعمال كاللجوء إلى الإشهار.
وتنقسم هذه المستجدات على قواعد حمائية وأخرى زجرية عقابية.
-
حماية الموثق
أ) نصت المادة 92 من المشروع على أن الموثق يتمتع أثناء مزاولة مهامه أو بسبب قيامه بالحماية التي تنص عليها مقتضيات الفصلين 263 و267 من مجموعة القانون الجنائي.
وهذا الفصل ينص على ما يلي:
“يعاقب بالحبس من شهر إلى سنة وغرامة من مائتين وخمسين إلى خمسة آلاف درهم، من أهان أحدا من رجال القضاء أو من الموظفين العموميين أو من رؤساء أو رجال القوة العمومية أثناء قيامهم بوظائفهم أو بسبب قيامهم بها، بأقوال أو إشارات أو تهديدات أو إرسال أشياء أو وضعها، أو بكتابة رسوم غير علنية وذلك بقصد المساس بشرفهم أو بشعورهم أو الاحترام الواجب لسلطتهم.
وإذا وقعت الإهانة على واحد أو أكثر من رجال القضاء أو الأعضاء المحلفين في محكمة أثناء الجلسة، فإن الحبس يكون من سنة إلى سنتين وفي جميع الأحوال يجوز لمحكمة القضاء علاوة على ذلك، أن تأمر بنشر حكمها وإعلانه، بالطريقة التي تحددها، على نفقة المحكوم عليه، بشرط أن لا تتجاوز هذه النفقات الحد الأقصى للغرامة المقررة في الفقرة الأولي”.
وينص الفصل 267 على ما يلي:
“يعاقب بالحبس من ثلاثة أشهر إلى سنتين من ارتكب عنفا أو إيذاءا ضد أحد من رجال القضاء أو الموظفين العموميين أو رؤساء أو رجال القوة العامة أثناء قيامهم بوظائفهم أو بسبب قيامهم بها.
وإذا ترتب عن العنف إراقة دم أو جرح أو مرض أو إذا ارتكب مع سبق الإصرار أو الترصد، أو ارتكب ضد أحد من رجال القضاء أو الأعضاء المحلفين أثناء الجلسة، فإن الحبس يكون من سنتين إلى خمس سنوات.
فإذا ترتب عن العنف قلع أو بتر أو حرمان من استعمال عضو أو عمى أو عور، أو أي عاهة مستديمة، فإن العقوبة تكون السجن من عشر إلى عشرين سنة.
وإذا ترتب عن العنف موت دون نية إحداثه، فإن العقوبة تكون السجن من عشرين إلى ثلاثين سنة.
وإذا ترتب عن العنف موت مع توفر نية إحداثه تكون العقوبة “الإعدام”.
وعلاوة على ذلك يجوز بالنسبة للمحكوم عليه بعقوبة الحبس الحكم بمنعه من الإقامة من سنتين إلى خمس سنوات”.
ب) نصت المادة 93 من المشروع على عقاب كل من أدعى لقب موثق دون استيفاء الشروط اللازمة بالعقوبة المنصوص عليها في الفصل 381 من القانون الجنائي.
وينص هذا الفصل على ما يلي:
“من استعمل أو أدعى لقبا متعلقا بمهنة نظمها القانون أو شهادة رسمية أو صفة حددت السلطة العامة شروط ارتكابها دون أن يستوفي الشروط اللازمة لحمل ذلك اللقب أو تلك الشهادة أو تلك الصفة، يعاقب بالحبس من ثلاثة أشهر إلى سنتين وغرامة من مائتين إلى خمسة آلاف درهم أو بإحدى هاتين العقوبتين فقط، ما لم يوجد نص خاص يقرر عقوبة أشد”.
-
قواعد زجرية عقابية
نص المشروع على العقوبات الزجرية التالية:
- عقوبة الحبس من ثلاثة أشهر إلى سنة وغرامة عشرة آلاف (10.000.00) درهم أو بإحدى هاتين العقوبتين فقط، لكل موثق امتنع عن تسليم الوثائق بعد صدور عقوبة العزل أو الإيقاف في حقه (المادة 87 من المشروع).
- العقوبة المنصوص عليها في الفصل 381 من القانون الجنائي في حالة قيام الموثق بتصرف مخالف لقرار عزله أو إيقافه (المادة 89 من المشروع).
- عقوبة الحبس من سنتين إلى أربع سنوات وغرامة من 20.000.00 إلى 40.000.00 درهم في حالة قيام الموثق بأي عمل يدخل في نطاق سمسرة الزبناء أو. (جلبهم المادة 90 من المشروع).
- عقوبة الغرامة من ألف درهم إلى خمسة آلاف درهم في حالة تضمين اللوحة التي يضعها الموثق خارج البناية التي يوجد بها مكتبة معلومات غير تلك التي سمحت المادة 91 من المشروع.
ويلاحظ أن مشروع القانون الجنائي الذي أعدته وزارة العدل حاليا قد احتفظ بنص الفصلين 263 و267 مع بعض التعديلات الطفيفة التي همت عقوبة الحبس والغرامة، وحفظت عقوبة الإعدام المنصوص عليها في الفصل 267 إلى عقوبة السجن من عشرين إلى ثلاثين سنة، وهو ما سار نفس المشروع عليه منذ تعديله للفصل 381 من القانون الجنائي الحالي أي تخفيف العقوبة الحبسية وتغيير مقدار الغرامة في حديها الأدنى والأقصى.
خلاصة
إن المتتبع للمشروع المعروض حاليا على أنظار المصادقة والنشر وفق المسطرة المعمول بها، سيجد نفسه أمام قانون يغير بعض القواعد التي نظمها القانون السابق ويأتي بقواعد جديدة، وهيئات جديدة منتخبة وفق قواعد محددة، غير أنه يحافظ على هيمنة وزارة العدل وهي سلطة تنفيذية، على مقتضيات التعيين والتأديب (المادتان 10 و11 من المشروع)، كما أسندت مهمة المراقبة المالية إلى السيد الوكيل العام ووزارة المالية (المادة 95 من المشروع) وأسند التوقيف المؤقت للسيد الوكيل العام للملك، وعموما ودون الدخول في التفاصيل فإن خضوع الموثق للنيابة العامة ووزارة العدل بصفة عامة قد يحد من استقلاله، وقد يمس بمبدأ فصل السلط المنصوص عليه دستوريا والمعتمد بالمواثيق الدولية، وخاصة الفصل 82 من الدستور والمادة 10 من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان والمتعلقة بضمان المحاكمة العادلة.
ومن جهة أخرى فإن الهيئة الوطنية للموثقين المحدثة بموجب المادة 98 وما بعدها من المشروع،لا يدخل في اختصاصها التعيين أو التأديب، اللهم ما كان من عضوية رئيس المجلس الوطني للموثقين أو من ينوب في اللجنة المكلفة بإبداء الرأي في التعيين والنقل والإعفاء والبت في المتابعات التأديبية (المادة 11 من المشروع)، وكذا إبداء النظر في الشكايات الموجهة ضد الموثقين ورفع تقرير بشأنها إلى الوكيل العام للملك (المادة 99 من المشروع).
وفي نظري، وكما يقول المثل العربي “إن أهل مكة أدرى بشعابها” أنه كان من اللائق إسناد التعيين والتأديب والنقل وغير ذلك من الأمور المندرجة في مجال تسيير مهنة التوثيق إلى الهيئة الوطنية للموثقين، على غرار ما هو معمول به في مهنة المحاماة، مع منح جميع الأطراف والسيد الوكيل العام حق رفع طلبات الطعن أمام المحاكم الإدارية وفق القانون رقم 41.90 المنظم لهذه الأخيرة (المادة 84 من المشروع).
وبعد:
- هل جاء هذا القانون مطابقا لما يسمو إليه السادة الموثقون وما يتطلعون إليه بعد مرور أزيد من ثلاثة أرباع قرن على صدور القانون الأول؟
- وهل تمت مراعاة قواعد فصل السلط ومقتضيات المحاكمة العادلة وهل روعيت مقتضيات المواثيق الدولية عند إعداد هذا المشروع في ظل الملاءمة اللازمة؟
إن الجواب عن هذين السؤالين هو ما ستلخص إليه هذه الندوة الهامة في تقريرها النهائي.


