السياسة الجنائية في قضايا الأحداث على ضوء مشروع قانون المسطرة الجنائية
الدكتور: عبد الرحيم زضاكي
إن الحديث عن الحماية الإجرائية للحدث ينصب في إطار صيانة كرامته وحماية حقوقه ضمن المنظومة العامة لحقوق الإنسان؛ كما تبناها المشرع المغربي من خلال المصادقة على مجموعة من المواثيق والاتفاقيات الدولية التي تهدف بالأساس إلى حماية المصلحة الفضلى للحدث، كما أن المحددات الرئيسية للوضعية القانونية للحدث بالمغرب نستقيها من خلال المعالجة التشريعية والمؤسساتية بكل تصنيفاتها لحالات الجنوح المطبقة عليها، والواردة في متن قانون المسطرة الجنائية باعتباره المصدر الرئيسي لتشريع الأحداث ومنطلقا للسلطات والصلاحيات الممنوحة لكل أجهزة العدالة الجنائية ذات الصلة بالأحداث.
وجودة التشريع ليس في صياغة النصوص القانونية فقط، بل تتجلى أيضا من خلال تنزيل هذه النصوص على أرض الواقع من خلال توفير الوسائل والآليات لهذا التنزيل لتحقيق الأهداف المرجوة والمتوخاة منه وهي حماية الحدث بالإضافة لتوفير الإمكانيات المادية والبشرية اللازمة حتى تحقق تلك النصوص الغاية التي وجدت من أجلها.
لكن على الرغم من أوجه الحماية الهامة التي حظي بها الحدثلينعم بالأمان والطمأنينة، فإن الواقع المعاش يشهد على خلاف ذلك، حيث يعكس صورة قائمة يحياها الأحداث من خروقات تطال هذه الفئة وتمس بكرامتهم.
في أطار تعزيز ضمانات وحقوق الأفراد وحرياتهم وكفالتها بما يتوافق مع المواثيق الدولية، خصوصا الضمانات الممنوحة للأحداث أثناء البحث التمهيدي باعتباره المرحلة الأولى في البحث معه، ونظرا أيضا لما افرز قانون المسطرة الجنائية من ثغرات ونقائص وفراغ على مستوى النصوص القانون المنظمة للجنوح الأحداث، هذا الوضع دفع المشرع للبحث عن صياغة قانون يستجيب لمتطلبات العدالة بصفة عامة، وكذا مواكبة التطورات التكنولوجيا، بالإضافة لتطور الجريمة وآلياتها الشيء الذي اضحى معه توفير سبل جديدة للحد من الجريمة، زيادة على ذلك تعزيز الضمانات الممنوحة لكافة أطراف الخصومة الجنائية من متهمين وضحايا وكافة المتدخلين فيها.
ولمعالجة هذا الموضوع سنحاول الإجابة على اشكالية مفادها حدود الحماية الإجرائية للأحداث أثناء البحث التمهيدي؟
من خلال محورين أساسيين:
– المحور الأول: صلاحيات النيابة العامة في تحريك المتابعة
– المحور الثاني: إشكالات تعترض مسطرة متابعة الحدث أمام النيابة العامة
– المحور الأول: صلاحيات النيابة العامة في تحريك المتابعة
تعتبر الدعوى العمومية آلية قانونية تسمح للنيابة العامة ببسط الخصومة الجنائية أمام الجهة القضائية المختصة ضد الشخص المشتبه فيه بخرقه قواعد القانون الجنائي، ومتابعتها إلى حين انقضائها بصدور حكم في موضوعها ما لم تنقض بأحد أسباب السقوط[1]، وبالتالي فالدعوى العمومية هي وسيلة أو عمل اجرائي يستهدف منه المطالبة بحق، والحق هو ما للدولة من حق شخصي يتصل بمعاقبة مرتكب الجريمة[2]، وهي أولى إجراءات الخصومة الجنائية[3].
وتتلقى النيابة العامة ممثلة في وكيل الملك في قضايا المخالفات والجنح والوكيل العام للملك في قضايا الجنايات المحاضر المحررة من طرف ضباط الشرطة القضائية، وكدا الشكايات والوشايات المرفوعة إليها وتتخذ ما تراه ملائما[4] بشأنها عبر إقامة الدعوى العمومية ومراقبتها[5] ، وهو نفس التوجه الذي سلكه المشرع الفرنسي الذي منح للنيابة العامة سلطة تقديرية في تحريك الدعوى العمومية في المادة 40 من قانون المسطرة الجنائية الفرنسية.
واستثناءا من القواعد العامة المتعلقة بمتابعة الرشداء لا يكمن متابعة الحدث الجانح بمقتضى ادعاء مدني من المتضرر أو متابعته مباشرة من طرف الإدارات العمومية[6] التي يخول لها القانون الحق في متابعة مرتكبيها، ففي كل الأحول وسواء كانت القضية جناية أو جنحة يجب أن تمر عبر جهاز النيابة العامة ( وكيل الملك أو الوكيل العام لملك)، كل حسب حدود اختصاصه[7].
وفي سياق تجسيد الأهمية التي أولاها المشرع للأحداث استلزم المشرع ضرورة تكليف احد قضاة النيابة العامة بقضايا الأحداث[8]، وهو ما يعكس التوجه الحمائي في معالجة جنوح الأحداث، باعتبار النيابة العامة طرف أصيل في الدعوى العمومية إذ تنعت بالخصم الشريف في الدعوى الجنائية لأنها حامي للحدث.
وتمارس النيابة العامة الدعوى العمومية بموجب المادة 463 من ق.م.ج المغربي التي تنص على أنه ” يمارس الدعوى العمومية عند إجراء المتابعة في الجنح والمخالفات التي يرتكبها أحداث، وكيل الملك لدى المحكمة الابتدائية المنتصب في دائرتها قاضي الأحداث المختص، ويمارسها الوكيل العام للملك في الجنايات والجنح المرتبطة به”
ومن خلال المادة أعلاه فلا يمكن إقامة الدعوى العمومية بواسطة شكاية مباشرة من قبل الطرف المدني[9] في حق الحدث[10]، لكن المادة 464 من ق.م.ج أجازت لكل متضرر من جريمة ينسب اقترافها لحدث لم يبلغ من العمر ثمان عشرة سنة المطالبة بالحق المدني، شريطة إدخال الممثل القانوني للحدث في الدعوى المدنية باعتباره مسؤولا مدنيا، حسب ما ذهبت إليه المادة 465 من نفس القانون، ولا شك أن الغاية من ذلك طبيعة التعامل مع جنوح الأحداث وخصوصية الإجراءات المتبعة، وأيضا لعدم المساس بخيارات النيابة العامة التي وضعت لإيجاد الأنسب للمصلحة الفضلى للحدث الجانح.
وعلى خلاف المشرع المغربي فقد خول المشرع الجزائري للإدارات العمومية حق متابعة الحدث في حالة ارتكابه جريمة، حيث حددت المادة 448/2 من قانون الإجراءات الجزائية أن المتابعة تكون من صلاحيات وكيل الجمهورية لوحده وذلك بناء على شكوى مسبقة من الإدارة صاحبة الشأن، ويعود ذلك إلى حرص المشرع وأخذه بعين الاعتبار لوضع الحدث وسنه، توخيا لعدم بعث الرهبة في نفسه وعدم التأثير عليه، لتفادي أي تعسف في حقه.
كما أوجد المشرع الجزائري طريقا آخر لتحريك الدعوى العمومية ومتابعة الأحداث الجانحين يتمثل في طريق الادعاء المدني المنصوص عليه في المادة 475 من قانون الإجراءات الجزائية التي تقضي أنه ” يجوز لكل من يدعي أصابته بضرر ناجم عن جريمة نسبها إلى حدث لم يبلغ الثامن عشر أن يدعي مدنيا”.
لذلك فإن المدعي المدني الذي يقوم بدور المبادرة إلى تحريك الدعوى العمومية فلا يجوز له الإدعاء إلا أمام قاضي التحقيق المختص بشؤون الأحداث بمقر قسم الأحداث التي يقيم بدائرتها الحدث.
وهو نفس الاتجاه الذي سلكه المشرع الموريتاني الذي نص في المادة 107 من قانون الحماية الجنائية للطفل على أنه ” يمكن أن يحرك الدعوى العمومية الطفل أو ممثله الشرعي، كما أنه لا جوز بأي حال من الأحوال متابعة طفل بطرق الاستدعاء أو بواسطة محضر أو المثول الفوري”.
كما نصت المادة 108 من نفس القانون أعلاه أنه في حالة حفظ الدعوى من طرف وكيل الجمهورية يحق للطفل ولممثله الشرعي القيام بالحق المدني عن طريق رفع دعواه المدنية لدى قاضي التحقيق أو محكمة الأطفال أو أمام المحكمة الجنائية الخاصة بالأطفال.
وقد خص المشرع الجزائري النيابة العامة بمهمة تحريك الدعوي العمومية ومباشرتها عندما يقتضي الأمر، حيث خرج كليا عن القواعد العامة، مميزا بين الحدث الجانح والحدث في خطر معنوي، ذلك أنه إذا كان من الصائب استعمال تعبير- تحريك الدعوى العمومية بالنسبة للحدث الجانح نظرا لإجرامه، فإن ذات التعبير لا يصلح استعماله بالنسبة للحدث في خطر معنوي باعتبار أنه لم يقترف أي جرم، وبناءا على ما سبق ذكره فإن مسألة تحريك الدعوى العمومية في شأن الحدث الجانح قد خصها المشرع بقواعد خاصة لا يجوز مخالفتها.
ولا يفوتنا في هذا السياق الإشارة إلى أن طريقة تحريك الدعوى العمومية في قضايا الأحداث في التشريع المغربي لا تختلف كثيرا عن التي تسلكها في قضايا الرشداء، اللهم بعض الخصوصية المرتبطة به، فبمجرد تقديم الحدث لممثل النيابة العامة المكلف بالأحداث، يستمع إليه هذا الأخير بمكتبه، ولا يجوز له استنطاقه مع باقي الرشداء من المتهمين، ثم بعد ذلك يقرر إقامة الدعوى العمومية ضد الحدث أو حفظ الملف لعدم كفاية الأدلة.
فالنيابة العامة حينما تتخذ إجراء ما في حق الحدث أثناء فترة البحث التمهيدي ففي الحالة التي تأمر بتدبير الاحتفاظ فلا إشكال في ذلك، فهنا يقدم الحدث أمامها رفقة المحضر المنجز في حقه، لكن إذا كانت أمرت بتسليم الحدث إلى ذويه أو من يتولى رعايته فعمليا قد لا يتم إحضار الحدث الجانح من طرف من سلم إليه، وقد لا يكون هذا الأخير عالما بتاريخ إحالة الملف على قاضي الأحداث[11] ؛ وهنا تكون النيابة العامة مضطرة لإحالة الملف دون الحدث إلى القاضي المختص.
بالرغم مما أوردناه فإن يثير الانتباه أن المشرع المغربي قام بتقليص صلاحيات النيابة العامة في قضايا الأحداث، مقارنة مع قضايا الرشداء وهذا يعزى إلى طبيعة التعامل مع ظاهرة الأحداث، ومن ثمة فالنيابة العامة تقوم بإحالة الحدث على قاضي الأحداث أو المستشار بالأحداث عوض الإحالة المباشرة[12].
وهذا الإشكال المطروح حول مدى إلزامية إحالة الحدث من طرف النيابة العامة على قاضي الأحداث، ذلك أن الفقرة الثانية من المادة 461 من ق.م.ج توجب على النيابة العامة أن تكون ملفا خاصا بالحدث إذا وجد معه مساهمون أو مشاركون رشداء، بحيث يتم فصل قضية هؤلاء عن تلك المتعلقة بالحدث، وهذا الأمر أكثر ضمانة للأحداث باعتبار أن الفصل بينهم وبين الرشداء الذين يسهمون معهم في ارتكاب الجريمة، فيحال الحدث وحده أمام قاضي الأحداث، لأن محاكمة الأحداث مع الرشداء أمام قضاء جنائي عادي يؤدي إلى ضياع الاهتمام والدراسة المعمقة لحالة الحدث.
وفي هذا الصدد يمكن للنيابة العامة أن تصدر لصالح الحدث أمرا بحفظ الشكاية إذا تبين لها عدم كفاية الأدلة[13]، أو لأسباب تتعلق بشخصية الجاني إذا كان مبتدئا، أو لأسباب تتعلق بالنظام الاجتماعي، ودرجة الخلل الذي أحدثته الجريمة بهذا النظام[14]، وقرار الحفظ هذا ليس نهائيا بحيث يمكن للنيابة العامة طلب إخراجه من الحفظ متى ظهرت لها عناصر جديدة[15].
لكن ما العمل في حالة ما إذا اتخذت النيابة العامة قرارا بالحفظ وتعذر عليها تسليم الحدث إلى ذويه أو من يتولى رعايته؟
في هذه الحالة وفي إطار ضمانات الحدث وحماية مصلحته، فإنه يجوز للنيابة العامة إيداع الحدث – شريطة ألا يكون سنه أقل 12 سنة- بمراكز الملاحظة أو مؤسسة مختصة بالرغم من أن هذا الإجراء يجعل وضعية الحدث من الناحية القانونية غير سليمة.
ومطالبة النيابة العامة بوقف سير الدعوى العمومية في حالة سحب الشكاية أو تنازل المتضرر بناءا على الاعتبارات السالفة الذكر؛ ما هو إلا ترجمة للمبادئ التي جاءت بها قواعد الأمم المتحدة النموذجية الدنيا للتدابير غير الاحتجازية لسنة 1990 حيث تشير القاعدة الخامسة منها على تخويل الشرطة أو النيابة العامة أو غيرها من الأجهزة المعنية بمعالجة القضايا الجنائية سلطة إسقاط الدعوى المقامة على الجاني؛ متى رأت أن السير فيها غير ضروري لحماية المجتمع أو منع الجريمة أو تعزيز احترام القانون وحقوق المجني عليهم.
وإذا كان المشرع المغربي قد اعتبر إجراء الحفظ قرارا إداريا قابلا للإلغاء، فإن بعض التشريعات ضمانا لحقوق الضحية من تعسف النيابة العامة عند اتخاذها قرار الحفظ، خولته حق إحالة قرار النيابة العامة على غرفة الاتهام، في حين مكنت تشريعات أخرى المشتكي من اللجوء إلى الوكيل العام لدى محكمة الاستئناف في حالة رفض الطعن[16].
إلى جانب قرارات النيابة العامة بالحفظ، يمكن للنيابة العامة متابعة الحدث من أجل الأفعال الإجرامية المنسوبة إليه، وإحالته على قاضي الأحداث لاتخاذ الإجراء المتعين في حقه.
ومما ينبغي الإشارة إليه أن فترة مثول الحدث أمام النيابة العامة فهي تكتفي في النهاية بالمتابعة – عندما تقرر فتحها- وإحالة القضية على قاضي الأحداث بالمحكمة الابتدائية، أو المستشار المكلف بالأحداث بمحكمة الاستئناف، ويمنع عليها اعتقال أو اتخاذ أي تدبير في حقه، وإنما تقتصر فقط على تقديم ملتمس إلى قاضي الأحداث لحمايته إذا كان في وضعية صعبة[17].
وارتباطا بهذه الغايات فإن المشرع المغربي لم يلزم النيابة العامة عند اتخاذ قرار المتابعة إشعار ولي الحدث، وإنما ألزم بذلك قاضي الأحداث[18] وهو ما يؤثر على الضمانات الممنوحة للحدث ، والحال أنه كان من الأجدر منح هذه الصلاحيات للنيابة العامة إعمال بقواعد بكين المتعلقة بالقواعد النموذجية لإدارة شؤون قضاء الأحداث.
المحور الثاني: إشكالات تعترض مسطرة متابعة الحدث أمام النيابة العامة
تحرص النيابة العامة خلال فترة البحث التمهيدي وكذا خلال مرحلة المتابعة على اتخاذ مجموعة من التدابير التي يروم لحماية الحدث، لكن تكريس هذه المبادئ يجد لها معيقات تمنع النيابة العامة من اتخاذ كثير من الإجراءات وتحتم عليها في الوقت ذاته اتخاذ تدابير أخرى بديل لها.
أولا: محدودية التدابير حماية الحدث الجانح
1ـ مدى احترام فصل مسطرة الأحداث عن الرشداء
تعتبر النيابة العامة أول جهاز قضائي يتعامل مع الحدث، وهي أيضا الجهة الوحيدة المختصة بتحريك الدعوى العمومية، حيث إنه بمجرد تقديم الحدث أمام وكيل الملك المكلف بالأحداث أو الوكيل العام للملك لدى محكمة الاستئناف، يتم الاستماع إليه وإذا ما كان في نفس القضية حدث وراشد يتم فصل المسطرة مراعاة لخصوصية الاستنطاق مع الأحداث.
وبالرجوع إلى الواقع العملي يلاحظ أن مسطرة الفصل هذه قد افرغت من محتواها إذا ما عاينا أن الفصل في قضية الحدث يوقف إلى حين البت في قضايا الرشداء أولا، مما يكون معه تعطيل للمسطرة وضياع لحقوق الحدث.
2ـ تعذر تحقق بعض التدابير المتعلقة بنظام الحراسة المؤقتة
بالرجوع إلى مقتضيات المادة 471 ق.م.ج التي نصت على تدابير الحراسة المؤقتة، فأن هذا الإجراء في تفعيله يعرف مجموعة من المعيقات والإكراهات، إذ أنه كثيرا ما يتعذر تسليم الحدث لأبويه فتقرر النيابة العامة إيداعه بمركز للملاحظة والمقصود به هنا مركز حماية الطفولة، إلا أنه من الناحية العملية كثيرا ما يصطدم بمجموعة من العراقيل التي تقف حاجزا يمنع الحدث من الاستفادة من تلك الضمانات التي يكون هدفها الأول الإصلاح، فكما أشرنا أن الإيداع بمركز حماية الطفولة باعتباره تدبيرا مؤقتا لا يمكن أن تتجاوز مدته خمسة عشر يوما، وقد يترتب عنه في غياب المراقبة فرار الحدث وهو ما يجعل هذا النص لا يحقق الغاية المرجوة مما يدفع بالنيابة العامة بالمتابعة إذا توفرت الشروط لذلك واحالة الحدث على قاضي الأحداث.
كما أنه وأمام غياب مراكز لإيواء الأحداث يجعل نظام الحراسة غالبا ما لا بخرج عن تدبيرين أساسيين، إما التسليم إلى أبوي الحدث أو الوصي عليه أو المقدم عليه، أو كافله أو حاضنه أو شخص جدير بالثقة.
3ـ غياب نيابة عامة خاصة بالأحداث
لقد أصبح من الثابت و مما تدعو إلیه أغلب نصوص القانون الدولي للأحداث أن التخصص في العمل القضائي مطلوب و مرغوب فیه ، و لیس ثمة من شك في أن اعتناق المشرع لنهج تخصص قضاة الأحداث بما فیهم قضاة النیابة من شأنه أن یزید من خبرة القضاة الذین یشتغلون على قضایا الأحداث ، و یوفر لهم من الجهد و من الوقت ما یجعلهم أقدر من غیرهم على الإلمام بمختلف النصوص التشریعیة ، وكذلك الإحاطة بالمبادئ والنصوص التنظیمیة الخاصة بالأحداث على كثرتها و تشعبها في التشریع الوطني.
في إطار تشكيل الأجهزة الخاصة بالأحداث على مستوى النيابة العامة، نصت المادة 467 من ق.م.ج على أنه ” يكلف وكيل الملك بصفة خاصة، قاضيا أو عدة قضاة من النيابة العامة بالقضايا المتعلقة بالأحداث”.
من خلال هذه المادة يظهر على أنه يتم تكليف احد ممثل النيابة العامة بمهام الأحداث، إلا أن على المشرع المغربي إلزام أن يكون ممثل النيابة العامة المكلف بالأحداث يتميز بعدة مميزات تساعده على التعامل مع الأحداث، إضافة إلى عقد دورات تدريبية لتسهيل التعامل مع الأحداث.
إن إنشاء نیابة خاصة بالأحداث یجعل من الأدوار و الوظائف التي تؤدیها تتجاوز مخاصمة المتهمين و طلب إدانتهم أو براءتهم كما في قضایا الحق العام لیتعدى ذلك إلى البحث في سبل حمایة الحدث و وقایته من خطر الجریمة مستقبلا من خلال النظر في ظروفه الشخصیة و أسرته و البیئة المحیطة به و سلوكه العام تمهیدا للحكم علیه بالتدبیر التربوي الملائم لحالته، و بذلك تنتقل بالدعوى العمومیة من أغراض الردع و تحقیق الشعور العام بالعدالة إلى أغراض ذاتیة خاصة تتمثل في حمایة مصلحة الطفل الفضلى ، لأن الأصل أن تكون ممثلا للمجتمع في حمایة و رعایة أبنائه ممن وقعوا ضحایا لظروف لیسوا مسئولین عنها . و یكون للنیابة المتخصصة بشؤون الأحداث المزید من الجهد و الوقت و بعد النظر في معالجة قضایا الأحداث المعرضین لخطر الجنوح من خلال السعي في معالجتها بما یحمي مصلحة الطفل و ینأى به عن الأخطار الناجمة عن الإجراءات الرسمیة للتحقیق و المحاكمة عن طریق التصرف – لاسیما في البسیطة منها – من دون عرضها على قضاء الأحداث لتشغله على معالجة المهم منها .
ثانيا : مستجدات مشروع القانوني المسطرة الجنائية
عموما فإن النيابة العامة هي الجهاز المشرف على ضباط الشرطة القضائية وهو الجهاز الذي أوكل له المشرع اختصاص تحريك الدعوى العمومية في مواجهة الأحداث، فاستجابة لطلبات النيابات العامة ، فقد عمل المشروع على تمكين النيابة العامة بعشرين اجراء.
ومن أهم المستجدات التي جاء المشرع هو إجراء الصلح الذي تقوم به النيابة العامة حيث يرمي المشروع إلى وضع مقاربة جديدة للصلح كآلية بديلة للدعوى العمومية تتوخى إضفاء نوع من المرونة على مستوى الإجراءات، وكذا تجاوز الصعوبات التي كشفتها لممارسة العملية منذ إقرار هذه الآلية، تشمل التعديلات التالية:
ـ توسيع وعاء الجرائم القابلة للصلح، حيث تم رفع سقف الغرامة المالية للجنح الضبطية التي تجوز الصلح بشأنها إلى مائة ألف درهم، كما تم تخويل الأطراف حق اللجوء إلى الصلح في بعض الجنح التأديبية التي أبانت الممارسة عن محدودية خطورتها وإلى ارتباطها بحقوق الضحايا ويتعلق الأمر بالجنح المنصوص عليها في الفصول 401 و 404 ( البند 1) و 425 و 54 و 445 و 505 و 517 و 524 و 525 و 526 و 538 و 540 و 542 و 547 و 549و 571 من القانون صراحة على ذلك بالنسبة لجرائم أخرى.
ـ منح الأطراف حق التراضي على الصلح دون اشتراط موافقة النيابة العامة؛
ـ إقرار إمكانية الصلح أمام قاضي التحçقيق[19]؛
ـ إمكانية عرض الصلح من طرف وكيل الملك على الخصوم، وهو ما يعطي للنيابة العامة حق اتخاذ المبادرة للتصالح أو لدعوة الأطراف إليه إذا تبين لها جدوى؛
ـ تكليف محامي الأطراف أو وسيط أو أكثر للقيام بالصلح، ويكون الوسيط من اقتراح الأطراف أو يختاره وكيل الملك[20]؛
ـ الاستغناء عن مصادقة رئيس المحكمة على الصلح، وهو إجراء لم يثبت نجاعته بالإضافة إلى افتقاده لكل جدوى بالنسبة للأطراف.
ـ كما نص على إسناد مهمة تفقد الأحداث المودعين بالمؤسسات السجنية أو مراكز الملاحظة للنيابة العامة على الأقل مرة كل شهر وله إمكانية تفويض ذلك إلى أحد نوابه أو لأحد موظفي النيابة العامة المكلفين بمهام المساعدة الاجتماعية، عكس ما هو معمول به بالنسبة للقانون المسطرة الجنائية الذي يجعل هذه الزيارة مقصورة على قاضي الأحداث من خلال المادة 473 في فقرته الرابعة.
وختاما لا يكفي لإقرار حماية حقيقية للحدث التنصيص على مجموعة من الضمانات القانونية لتحصين حقوقه، بل يجب أن تكون هذه الضمانات المحصنة للحق دقيقة حتى تفي بالغرض منها من جهة وحتى تحقق علة التجريم هدفها من جهة ثانية حيث يصدق هذا القول على العديد من النصوص المحضة جنائيا لحقوق الحدث لتكريس المصلحة الفضلى للحدث وكذا ملائمة التشريعات الوطنية مع المواثيق الدولية، عملت مجموعة من الهيئات على تقديم مجموعة من التوجيهات والمقترحات التي من شأنها مساعدة الأحداث الجانحين.
[1] عبد الواحد العلمي، شروح في القانون الجديد المتعلق بالمسطرة الجنائية، الجزء الأول، مطبعة النجاح الجديدة ، الدار البيضاء، 2006، ص 81.
[2] ادريس الحياني، عمر انجوم، محاضرات في قانون المسطرة الجنائية، مطبعة قرطبة الطبعة الخامسة،2014، ص 38.
[3] المادة 36 من ق.م.ج ” تتولى النيابة العامة إقامة وممارسة الدعوى العمومية ومراقبتها وتطالب بتطبيق اقانون، ولها أثناء ممارسة مهامها الحق في تسخير القوة العمومية مباشرة”.
[4] اختلفت النظم التشریعیة حول مدى حریة النیابة العامة في تحریك الدعاوى العمومیة إلى مذهبین : مذهب الشرعیة حیث یلزم القانون النیابة بتحریك جمیع الدعاوى العمومیة متى كان ظاهرها جدیا ، و مذهب الملائمة حیث یفسح القانون للنیابة حریة تحریك الدعوى أو الأمر بحفظها.
[5] يقصد بإقامة الدعوى العمومية تحريكها وإحالة الخصومة الجنائية على المحكمة لتنظر فيها، وأما ممارستها فهي تتبع الدعوى وتقديم الملتمسات بشأنها وحضور الجلسات وسلوك طرق الطعن التي يتيحها القانون،.وزارة العدل، شرح قانون المسطرة الجنائية، الجزء الثاني، العدد 7، مطبعة فضالة، الطبعة الرابعة، المحمدية، 2006،ص 27.
[6] عهد المشرع لبعض الجهات إقامة الدعوى العمومية عن طريق المطالبة بالتعويض المدني ك المندوبية السامية للمياه والغابات في الفصل 57 من ظهير المياه والغابات، وإدارة الجمرك في المادة 249 من مدونة الجمارك.
[7] ابراهيم يوسات، حماية الأحداث الجانحين في ضوء قانون المسطرة الجنائية والعمل القضائي ومؤسسات التنفيذ، مجلة القانون المغربي، العدد 28، 2015، ص 43.
[8]محمد العمري، حماية خصوصية الحدث الجانح من الوصم الجنائي والاجتهاد – دراسة على ضوء قانون المسطرة الجنائية المغربية-، المجلة المغربية للطفل والأسرة، العدد 1 يناير 2010، ص 171.
[9] وهو نفس التوجه الذي ذهب إليه المشرع السوري في المادة 41.
[10] إلا أن هذا التوجه في اعتقادنا يمكن الحدث من الإفلات في العقوبة أو التدابير الوقائية إذا لم تتم متابعته من طرف النيابة العامة، وبالتالي يبقى لهذه الاخيرة السلطة الطلقة لتحريك الدعوى العمومية وحدها.
[11] وما يعزز هذه التوجه أن المشرع من خلال المادة 471 من ق.م.ج نص على امكانية قاضي الاحداث اتخاذ تدابير في حق الحدث دون أن يلزم هذا الأخير بذلك، وهو نفس وما يعزز هذا الطرح ما نص عليه المشرع في الفقرة الأخيرة من المادة 478.
[12] تنص الفقرة الرابعة من المادة 73 من ق.م.ج، على أنه ” إذا ظهر أن القضية جاهزة للحكم، أصدر الوكيل العام للملك أمرا بوضع المتهم رهن الإعتقال واحالته على غرفة الجنايات داخل أجل خمسة عشر يوما على الأكثر”
[13] حسب المادة 40 والمادة 49 في فقرتها ما قبل الاخيرة من ق.م.ج.
[14]Michélé laur rassar.ministére public entre son entre son passé et son avenir L.G.J.paris 1967 p 87-88.
[15] الفقرة الأخيرة من المادة 461 من ق.م.ج.
[16] البشير أزميزم، حقوق الحدث الجانح خلال مرحلة البحث التمهيدي، مجلة المتوسط للدراسات القانونية والقضائية، العدد 2 دجنبر 2016، ص 239.
[17] حسب المادة 512 من ق.م.ج.
[18] بموجب المادة 475 من ق.م.ج
[19] المادة 1-215 م.ق.م.ج تنص على أنه ” يقوم قاضي التحقيق عند وقوع الصلح أثناء سريان التحقيق الإعدادي في جريمة من الجرائم المنصوص عليها في المادة 41 من هذا القانون، بإحالة الملف إلى النيابة العامة لتقديم ملتمسها في الموضوع”.
[20] المادة 41 من م.ق.م.ج في فقرتها الثالثة تنص على أنه” يمكن لوكيل الملك إذا بدت له مؤشرات كافية لإقامة الدعوى العمومية وقبل تحريكها، أن يقترح الصلح على الطرفين ويسعى إلى تحقيقه بينهما أو يمهلها لإجرائه، كما يمكنه أن يعهد بذلك إلى محامي الطرفين أو وسيط أو أكثر يقترحه الأطراف أو يختاره وكيل الملك”.


