العقوبات البديلة عن السجن للأحكام التعزيرية
ومن هذا المنطلق يسرنا أن تكون (ندوة العدل ([*])) بهذا العدد عن بدائل العقوبات.
قال معالي وزير العدل الدكتور محمد بن عبد الكريم العيسي ([*]) أن البديل ليس قاعدة مطردة تلغي مفهوم السجن في جميع الأحوال، بل قد يكون السجن الأنسب في بعض الوقائع، وفي أخرى يضطلع البديل بتحقيق المقصد الشرعي في التعزيز بما لا يقوم به السجن، وعزا تقدير ذلك إلى مبدأ السلطة التقديرية التي يتمتع بها القاضي في أحكامه –وهي مساحة رحبة- ما لم تخالف نصاً، أو مبدأ استقر عليه القضاء، فإن خالفت نصاً تعين رد الحكم، وإن خالفت مبدأ لزم مصدر الحكم بيان وجه حكمه، وكلمة الفصل في ذلك للمحكمة الأعلى فإن توجه عندها التسبيب أخذت به وعدلت عن مبدأها وفق التراتيب النظامية. وإلا أجرت اللازم القضائي حيال الحكم، واعتبر معالي الوزير بأن الحكم البديل للسجن يستصحب أمراً مهماً وهو أن السجن لم تجر بحكمه قاعدة: “الاستصطلاح” إلا ردعاً وزجراً؛ لحفظ الأمن (جلباً للمصالح ودرءاً للمفاسد) لا محض الإيذاء والإضرار، فضلاً عن كون عقوبة السجن تعزيزية تتوخي المصلحة، ومن هذا المفهوم تركب المدلول الفهقي الحديث لفكرة البدائل وتوسع بطرح رؤى نسعي إلى أن تبرز نظرياً وتطبيقياً في ندوة علمية شاملة بمشاركة الجهات ذات العلاقة، كما أننا سنفيض في دراسته –إن شاء الله- في مجلة “القضائية” التي تعتزم الوزارة إصدارها قريباً.
وأضاف بأن مفهوم البدائل في العقوبات التعزيزية لا يمثل فكرة جديدة لدي قضاتنا، بل هم على استيعاب لمفردة البحثي ومدلوله المقاصدي، وقد أصدر فيه العديد من القضاة أحكاماً متميزة، تمثل عمقاً في التسبيب يحتذي بها وينسج على منوالها، وتخطئ على كفاءتنا الشرعية عندما نقصر استيعاب هذا المدرك المهم في ميزان العدالة بمفاهيم تتوخي المصلحة على قضاة معينين دون سواهم، وأكد الوزير بأن هذا يمثل فصلاً مهماً في قضايا التعزيزات يستوعبه قضاة الوزراء، وهم على دراية تامة بأنه يجري في سياق السلطة التقديرية لكل قاض، لكن في نطاق المقاصد الشرعية المعتبرة، والمبادئ القضائية المستقرة، وقد سمعنا في هذا الشأن من كبار القضاة ممن هم في سدة المواقع الإشرافية على الأحكام ما يسر الخاطر، ما يدل على أن هذا الموضوع محل استيعاب من قبل أعضاء السلك القضائي، وصدرت بشأنه أحكام مختلفة من قبل جمع من القضاة وهو ما تحكمه وقائع كل قضية ومبررات الاقتضاء.
وأشار بأن إدراك قضاة الوزراء لأهمية هذه الأحكام ينبع من رسوخهم في أحكام الشريعة، وفهمهم العميق لمقاصدها الجليلة، وعندما يصرف القضاء نظرة عن الحكم البديل فإننا لا نشك في أنه استنتج وقائع تتطلب ذلك، في سبيل تطبيق مقصده العدلي، وهو تحقيق المصلحة الشرعية في الجزاء والاستصلاح.
تعريف العقوبات والتعزيز
العقوبة –كما عرفها الفقهاء-: اسم جنس تشمل ثلاثة مصطلحات شرعية، هي: الحد، والتعزير، والكفارة: موضوعنا من خلال هذه الندوة يركز على الجانب التعزيزي. وللتعزير في اللغة معان متعددة، منها:
المنع، ومنها النهر، لأنه منع لعدوه من أذاة، وقد ورد هذا المعين في القرآن الكريم في قوله تعالى: (وَتُعَزِّرُوهُ وَتُوَقِّرُوهُ) [الفتح: 9] أي تعظموه، ثم اشتهر معني التعزير في التأديب والإهانة دون الحد، وذلك لأنه يمنع الجاني من معاودة الذنب.
والتعزير اصطلاحاً عند الفقهاء: العقوبة المشروعة على معصية أو جناية لأحد فيها ولا كفارة، سواء أكانت الجناية على حق الله تعالى أم حق العباد، ومن موجبات التعزيز ومسبباته: الجرائم التي لم يكن فيها جلد، كالجناية التي لا قصاص فيها، ومن ذلك: (التعزيز بالجلد، أو التشهير، أو التغريب أو الوعظ، أو التهديد ونحوه).
فالحكم التأديبي لا يتعارض مع الشريعة الإسلامية بالجملة؛ لكن يجب ضبطه بضوابط، لئلا تضيع حقوق الناس، ولئلا ينفلت الأمن، بسبب أن أحكامه لا تليق مع بعض الجرائم أو المجرمين.
من يقوم بعملية التعزير
المسؤول عن التعزير ولي الأمر أو نائبه، ويكون التعزير إما بالضرب، أو السجن، أو بالتقريع والتوبيخ ونحوها، بحسب ما يراه ولي الأمر رادعاً للجريمة التي ارتكبها صاحبها، وذلك يختلف باختلاف أحوال الناس.
شروط وجوب التعزير
اشترط العلماء لوجوب التعزير بارتكاب جناية ليس لها حد مقدر في الشرع (العقل)، فيعزر كل عاقل ذكراً كان أو أنثي مسلماً أو كافراً، بالغاً أو صبياً عاقلاً، لأن هؤلاء –غير الصبي- من أهل العقوبة. أما الصبي فيعزر تأديباً لا عقوبة.
مقدار التعزير
أقل التعزير في الضرب ثلاثة أسواط فصاعداً، وليس لأقل التعزير حد معين، واختلف الفقهاء في أكثره، فعند الحنفية والشافعية والحنابلة لا يبلغ بالتعزير أدنى الحدود المشروعة، فينقص منه سوط، استناداً لقوله صلي الله عليه وسلم :من بلغ حداً من غير حد فهو من المعتدين” ولأن العقوبة على قدر الإجرام والمعصية، والمعاصي المنصوص على حدودها أعظم من غيرها، فلا يجوز أهون الأمرين عقوبة أعظمهما.
وعند فقهاء المالكية يضرب الإمام في التعزير أي عدد أدى إليه اجتهاده، حتى ولو تجاوز أعلى الحدود. فيجوز التعزير مثل الحدود أو أكثر أو أقل على حسب اجتهاد الإمام أو نائبه، واستدل المالكية بما روي أن معن بن زائدة عمل خاتماً على نقش خاتم بيت المال، ثم جاء به صاحب بيت المال فأخذ منه مالاً، فبلغ عمر رضي الله عنه فضربه مائة ضربة وحبسه، فكلم فيه فضربه مائة أخرى، فكلم فيه من بعد، فضربه ونفاه.
وكان جلد عمر لمعن على عدة جرائم اقترفها وهي:
- تزويره لخاتم بيت المال.
- أخذه المال من بيت المال.
- فتحه باب الاحتيال لغيره من الناس.
ويؤيد رأي المالكية في هذه المسألة ما روي عن الإمام علي رضي الله عنه أنه جلد من وجد مع امرأة من غير زنا مائة سوط، إلا سوطين. وقال شيخ الإسلام ابن تيمية: (فإن العقوبات الشرعية إنما شرعت رحمة من الله بعباده، فهي صادرة عن رحمة الله وإرادة الإحسان إليهم، ولهذا ينبغي لمن يعاقب الناس على الذنوب أن يقصد بذلك الإحسان إليهم، والرحمة بهم، كما يقصد الوالد تأديب ولده، وكما يقصد الطبيب معالجة المريض).
المقاصد الشرعية للتعزير
أهم المقاصد الشرعية للتعزير هي:
- الإصلاح والتأديب: وهذا من أهم مقاصد التعزير، وقد صرح بعض الفقهاء أن التعزير سمي بذلك لأن التعزير شرع للتطهير والتأديب الذي يعود الجاني به إلى الصلاح والاندماج في المجتمع.
- الزجر والردع: منع الجاني من معاودة ارتكاب الجريمة أو التمادي في الإجرام، فهو يمنع الجاني من العود إلى الجريمة ويرده عنها ويمنع غيره من ارتكابها ويبعده عن محيطها.
- إرضاء المجني عليه ورد حق المجتمع من الجاني: فكان من مقاصد الشريعة أن تجعل حدا لإبطال الانتقام بطرق شرعية محكمة، كما يحصل بالتعزير صيانة حرمات المجتمع بأكمله.
- تحقيق العدالة: لأن العقوبة التعزيرية تنزل بالجاني ألماً يكفر به عن أثمة، ويطهر به نفسه، وهي في الوقت ذاته تهدئ من شعور السخط الذي تحدثه الجريمة في المجتمع.
بدائل العقوبات
أما البدائل فهي جمع بديل على قياس صرفي، وفي اللغة: ما يخلف الشيء ويقوم مقامه.
وبدائل السجن مصطلح لم يتطرق الفقهاء إلى تعريفه، ولهذا لم يظهر تعريف في كتبهم، إلا أن أحد مشرعي بدائل السجن المقترح في وزارة العدل قد عرفه بقوله: (هو مجموعة من التدابير التي تحل محل عقوبة السجن، وتعمل على تطبيق سياسة تمنع الجريمة).
فبدائل السجن إذن، هي ما يحل محل السجن في تحقيق المصلحة الشرعية للفرد وللجماعة من عقوبات التعزير، وهي عند بعض الأصوليين من المصالح المرسلة.
وهناك أصل قديم في هذا المنحي، فقد طلب الرسول صلوات الله وسلامة عليه وآله وصحبه من عدد من أسرى بدر، أن يفتدوا أنفسهم بتعليم بعض صبيان المسلمين القراءة والكتابة.
ويبدو أن لبدائل السجون أسباباً كثيرة تدعو إلى الأخذ بها عوضاً عن عقوبة السجن، مثل ما قد يقع من السجن من عيوب وعواقب وخيمة، وطغيان استخدام السجن على جل الجرائم، وعدم تحقق مصلحة إصلاح الجاني وحماية المجتمع من وراء عقوبة السجن، وتوافر بدائل للجسن تقوم مقامه، مثل الجلد، والحرمان من ممارسة بعض التصرفات، أو العزل عن العمل، والإقامة الجبرية في المنزل، وتكليف المحكوم بعمل خيري أو مفيد له ولمجتمعه يراه القاضي، وسحب بعض الأوراق الرسمية، مثل جواز السفر، وغير ذلك.
وهناك شروط ذكرها البعض يجب توافرها لمشروعية الأخذ بالحكم البديل وهي كثيرة، إلا أن أهمها أن لا يكون للحكم البديل ضرر أكبر من ضرر السجن، فلا يكون فيه امتهان لكرامة الإنسان، أو الانتقاص من آدميته وشرفه ومهابته، أو تحقيره وتسفيهه وتصغيره، أو السخرية منه، وأن تقتصر العقوبة البديلة على الحق العام دون الخاص، حتى لا يتشفي الخصم من خصمه في أحكام بديلة، قد يطلبها أو يدعيها، كما هو الحال فيمن يطلب جلاء خصمه في الدم إذا سوى الأمر صلحاً، وأن يترك له داره ومزارعه وما يملك، وهذا حصل ويحصل في قضايا الدم إذا خرجت من المحاكم، وأصبحت بين الوسطاء.
حكم الأخذ بالبدائل
إن المأخذ الشرعي للعقوبة التعزيرية هو اجتهاد من له سلطة التعزير، وإن مبدأ التعزير هو الاجتهاد الذي قد يصل إلى الإلزام بالأعمال التطوعية، فالتأمل في كلام الفقهاء المتقدمين والمعاصرين يدل إجمالاً على عدم اختصاص الاجتهاد بالاختيار من العقوبات التي درج عليها، وهذا مما يفهم منه من حيث العموم عدم المنع من الاجتهاد في إيجاد عقوبات أخرى يمكن أن يتحقق بها حكم ومقاصد تلك العقوبات، كالإلزام بالأعمال التطوعية والبدائل المناسبة.
أدلة الأخذ بالبدائل
من العقوبات التي ورد التعزي ربها في الاجتهاد الفقهي في الغالب: الحبس والجلد، ولكن هناك عقوبات بديلة، ومنها الالتزام ببعض الأعمال الخيرية والإصلاحية. باستقراء الأدلة الشرعية ومقاصد الشريعة وقواعدها العامة يمكن أن نجد من الأصول ما يمكن أن يستند إليه في القول بمشروعية الأخذ بهذه العقوبة، ومن هذه الأدلة:
- ما ورد عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: نهي رسول الله صلي الله عليه وسلم عن الوصال، فقال له رجال من المسلمين: فإنك يا رسول الله تواصل! فقال رسول الله صلي الله عليه وسلم: (أيكم مثلي! إني أبيت يطعمني ربي ويسقين) فلما أبوا أن ينتهوا عن الوصال واصل بهم يوماً، ثم رأوا الهلال فقال: (لو تأخر لزدتكم) كالمنكل بهم حين أبوا، وهذا الحديث يعد أصلاً في التعزير بالإلزام بالأعمال التطوعية التي هي من قبيل العبادات المحضة القاصرة ..
- ما فعله النبي –صلي الله عليه وسلم- مع بعض أساري غزوة بدر الكبرى من المشركين، فقد طلب منهم تعليم أناء المسلمين الكتابة بدلاً من دفع الفداء المالي. فعن عبد الله بن عباس- رضي الله عنهما- قال: كان ناس من الأسرى يوم بدر لم يكن لهم فداء، فجعل رسول الله –صلي الله عليه وسلم- فداءهم أن يعلموا أولاد الأنصار الكتابة، قال: فجاء غلام يوماً يبكي إلى أبيه، فقال: ما شأنك؟ قال: ضربني معلمي، فقال: يطلب بدخل بدر، والله لا تأتيه أبداً.
فهذا الحديث يفيد أن استبدال عمل يخدم فئة من المجتمع، وهو تعليم الكتابة للصغار بالعقوبة المالية، وهي مبلغ الفداء هنا، له أصل في الشريعة من فعل النبي صلي الله عليه وسلم، فلا مانع –بناء عليه- من التعزير بذلك وأمثاله إذا كان فيه مصلحة.
- الأخذ بالقاعدة المعروفة في الشريعة وهي: (جلب المصالح وتحصيلها ودرء المفاسد وتقليلها).
قال فضيلة الشيخ محمد بن صالح العثيمين عند استدلاله على مشروعية التعزيز عموماً: (أما الأدلة العامة فهي أن الشريعة جاءت مبنية على تحصيل المصالح، وتقليبل المفاسد، وهذه القاعدة متفق عليها، ومن المعلوم أن في التعزير تحصيلاً للمصالح وتقليلاً للمفاسد، يقول الله –عز وجل- مقرراً هذه القاعدة: (وَمَنْ أَحْسَنُ مِنْ اللَّهِ حُكْماً لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ) [المائدة: 50] ويقول: (أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَحْكَمِ الْحَاكِمِينَ) [التين: 8] فهذه القاعدة تنطبق على العقوبات التعزيرية التي وردت بعينها في النصوص الشرعية وغيرها، كالإلزام بالأعمال التطوعية.
- القياس على إطعام عدد من المساكين في بعض الكفارات، كإطعام ستين مسكيناً في كفارة الجماع في نهار رمضان وفي كفارة الظهار، وإطعام عشرة مساكين أو كسوتهم في كفارة اليمين. ووجه القياس: أن كلا الأمرين إلزام بخدمة فئة مختاجة من المجتمع، وهي محل للتطوع، نتيجة الوقوع في مخالفة شرعية، وهذا وإن كان حكماً من الله –تعالى- كفارة للمعصية، فإن فيه معني العقوبة.
- أنه يتحقق بالتعزير بالإلزام بالأعمال التطوعية جميع الحكم التي شرع من أجلها التعزير، كما يتحقق بالعقوبات الأخرى، كالسجن والضرب والتشهير ونحوها، ومنها تأديب وزجر وردع الجاني وغيره، وإصلاحه وتهذيبه، ورد حق المجتمع، بل يزيد عليها بتحقيق مصالح كثيرة أخرى، وإذا كان الأمر كذلك فما المانع من المعاقبة به؟
والذي يظهر من تأمل أدلة الشريعة أن الشريعة تتسع لكل عقوبة تصلح الجاني، وتؤدبه، وتحمي الجامعة من الإجرام، والقاعدة العامة في الشريعة الإسلامية: (أن كل عقوبة تؤدي إلى تأديب الجرم واستصلاحه وزجر غيره، وحماية الجماعة من شر المجرم والجريمة، هي عقوبة مشروعة).
المصالح المترتبة على الأخذ ببدائل العقوبات
- إن استبدال الأعمال التطوعية بالسجن الذي هو أكثر العقوبات التعزيزية تطبيقاً، سيضع حداً لما يحصل في كثير من السجون من المفاسد المترتبة على خلط السجناء مع بعضهم مع الاختلاف في نوع الجريمة، وخاصة فئة الحداث، حيث تكتسب المهارات في الإجرام وطرقه، فعندما يختلط الحدث الذي ارتكب جنحة يسيرة بأصحاب سوابق ومجرمين محترفين سيتعلم ذلك الحدث –أثناء المصاحبة الطويلة خلال الإقامة بالسجن والحديث فيما بينهم عن جرائمهم التي دخل بسببها السجين-، سيتعلم الحدث أساليب وطرق الإجرام والاحتراف فيه بسماع هذه الوقائع وكيفية تطبيقها، فيكون السجن قد أتي بأثر عكسي، فبدل أن يكون وسيلة للإصلاح والردع والزجر والتأديب يصبح مدرسة لتعليم الاحتراف في الجريمة.
- تدريب الجاني على العمل عموماً وتقبله له، وهذا مما يؤدي إلى رفع همته وانتشال نفسيته التي قد تكون محبطة نتيجة البطالة، بل قد تؤدي به هذه العقوبة إلى البحث عن فرصة عمل بعد انتهاء محكوميته، بل قد يجد له فرصة في الجهة التي ألزم بالتطوع فيها نتيجة قناعة المسؤولين فيها بمهارته وجديته وانضباطه، ومن المعلوم أن البطالة من أبرز أسباب الوقوع في الجريمة وخاصة من الأحداث.
- تدريب الجاني على العمل التطوعي بخصوصه، وإكسابه المهارة اللازمة لذلك، والتقبل النفسي لمثل هذه الأعمال، وهذا مما يدفعه إلى الاستمرار في خدمة مجتمعه بعد انتهاء محكوميته، سواء في العمل الذي ألزم فيه أو في غيره، ومن المعلوم أن كافة دول العالم تشجع على الانخراط في العمل التطوعي وتحث عليه.
- إفادة المجتمع والجهات الرسمية وغير الرسمية المنوط بها أدوار خدمية عامة، كالبلديات ودور الرعاية الاجتماعية والمستشفيات ومكاتب الدعوى والجمعيات الخيرية ونحوها بتوفير عدد من الأفراد المتطوعين في خدمة المجتمع.
- دمج الجاني بالمجتمع حال خدمته له بالأعمال التطوعية بدل عزله بالسجن أو النفي أو نحو ذلك، وهذا يجعل عودته إلى المجتمع وانسجامه معه بعد انتهاء محكومتية أمراً سهلاً، دون أثر نفسي يذكر.
- زجر وردع سائر أفراد المجتمع عن ارتكاب الجريمة، وذلك حينما يشاهدون العقوبة تطبيق أمامهم في المرافق العامة بجدية وانضباط، وهذا من أهم مقاصد عقوبة التعزيز.
- تخفيف الازدحام الحاصل في كثير من السجون، وذلك باعتبار أن التعزير بعقوبة السجن من أكثر العقوبات التعزيرية تطبيقاً إن لم تكن أكثرها.
- الحد من الأعباء المالية التي تتحملها الدولة نتيجة تنفيذ عقوبة السجن، وهذه الأعباء تتمثل في بناء السجون وتجهيزها وصيانتها، ورواتب العاملين فيها، وتأمين الغذاء والدواء للسجناء .. ونحو ذلك.
الآثار النفسية والاجتماعية للسجين
تعرض السجين داخل السجن إلى قلق وعزلة توصلان إلى الاكتئاب، وقد تؤدي للانتحار، إضافة إلى العدوانية لديه، ثم يكون ناقماً على من حوله والقائمين على أمره. هذه العدوانية نتيجة لشعور السجين بأنه مظلوم، وخاصة في القضايا التي يرتكبها العديد، كالاختلاء، وتعاطي المخدرات والمسكرات .. فيبدي السجين أن هناك الكثير ممن يرتكبونها لم يصبهم شيء، ولكن حظه العاثر هو الذي أوقعه، إضافة إلى محكوميته التي بدا أنها أكثر من الآخرين، خاصة إذا تشابهت القضايا، وهذا مما يتطلب ضرورة الدعم الأسري وقوة الشخصية للسجين، لأن تأثير السجن ينعكس على الأسرة كلها، خاصة إذا تعرضت الأسرة للتحقيق، كما أن أكثر ما يواجه السجين هو الرفض المجتمعي والأسري، ومنها رفض بعض الأهالي في استلام بناتهم في بعض القضايا، فتتحول إلى عدوانية وتكون الانتكاسات قوية بعد الخروج من السجن في ظل غياب السلطة الأبوية (الأب) في هذا الجانب.
ضوابط الأخذ بالعقوبات البديلة
عند أخذ القاضي بمعاقبة الجاني بعقوبات بديلة لابد أن تتحقق بها الحكم والمقاصد العامة للتعزير، وهذا مما يتطلب وجود ضوابط تساهم في تطبيق هذا النوع من العقوبات التعزيرية، ومن أهم الضوابط:
- أن لا تكون العقوبة مما يترتب عليه إهانة للكرامة الإنسانية، بل يجب أن تراعي كرامة الإنسان وحقوقه المشروعة في دين الإسلام، فالإسلام جعل لجنس الإنسان أياً كان، مسلماً أو كافراً كرامة وحقوقاً، يقول الله –جل وعلا-: (وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنْ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلاً) [الإسراء: 70] والمرجع في ذلك هو الشرع، وكذلك العرف السائد عند الناس في البلد الذي تطبق فيه العقوبة، ونظير ذلك ما أنكره بعض الفقهاء من تسويد الوجه- أي صبغة باللون الأسود وتعزيراً.
- أن لا يترتب على هذه العقوبة مفسدة أعظم منها، كأن تكون مما يؤدي إلى الوفاة، أو اتلاف عضو أو ذهاب منفعته.
- أن تكون هذه العقوبة بقدر الجناية، ومتكافئة معها، انطلاقاً من مبدأ العدالة الذي جاءت به الشريعة وأكدت عليه في مواضع كثيرة، منها قول الله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ لِلَّهِ شُهَدَاءَ بِالْقِسْطِ وَلا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلاَّ تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ) [المائدة: 8]، وقوله تعالى: (إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ إِنَّ اللَّهَ نِعِمَّا يَعِظُكُمْ بِهِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ سَمِيعاً بَصِيراً) [النساء: 58] وقوله تعالى: (إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنْ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ) [النحل: 90].
وبناء على ذلك لا يجوز أن تعظم هذه العقوبة، فيقع بها الظلم على الجاني، أو أن تترتب عليها عقوبة أخرى غير مقصودة في عين تلك العقوبة، كالتشهير بالجاني، كما لا يجوز أن ينقص منها بحيث لا تؤدي الغرض المقصود وهو التأديب والزجر والردع والإصلاح.
- أن يتناسب العمل المعاقب به مع نوع الجناية التي ارتكبها الجاني، لتكون أبلغ في تحقيق الغرض من عقوبة التعزيز، فعلي سبيل المثال من يقوم بتجاوز إشارة المرور الحمراء، أو يقوم بما يسمي بـ (التفحيط) يمكن أن يعاقب بالخدمة في قسم الإسعاف، أو قسم العظام في المستشفيات، ليري ضحايا وآثار الحوادث المرورية فيتعظ ويرتدع، ومن يعرف بتهاونه في أمر الصلاة أو صلاة الجماعة يعاقب بصيانة وتنظيف المساجد .. وهكذا.
- أن يخصص تطبيق عقوبة الإلزام بالأعمال التطوعية بالجرائم الصغيرة التي تحصل من صغار السن، أما أصحاب الجرائم الكبيرة كالتي تتعلق بالقتل أو تهريب المخدرات، أو تمس أمن الدولة أو نحو ذلك فلا تشملها، بل لها عقوباتها التي تناسبها.
- أن يراعي أن تكون العقوبة متضمنة تكييف الجاني بالعمل في المهنة أو الحرفة التي يجيدها، فالسباك في السباكة والنجار في النجارة، والكهربائي في الكهرباء وفني التكييف في صيانة وتركيب المكيفات، والممرض في التمريض … وهكذا، وذلك لتكون عقوبة الجاني أكثر إفادة للمجتمع.
- أن تصدر العقوبة بحكم قضائي مكتسب القطعية، ويتم تنفيذها تحت إشراف قضائي.
- أن لا يتعدي أثر العقوبة إلى غير الجاني، كالحكم بقيام الجاني بحلق الرؤوس أو الحجامة ونحوها، مما يلحق معرته أهل الجاني وأقاربه.
- أن يتم التكامل التعاوني بين الجهات ذات العلاقة باقتراح هذا النوع من العقوبات وإصدارها وتنفيذها، وهي القضاء، والادعاء، وجهات التنفيذ، ومقار التنفيذ، وجهات الدراسة والبحث، وجهات التنظيم وإصدار التعليمات. فالعقوبات التعزيرية تشرف عليها عدة جهات تعني بالمطالبة بها، ثم العمل لإيقاعها، ثم السعي لتنفيذها، ولابد من التكامل التعاوني بين هذه الجهات، لنه إذا لم يحصل التنسيق والتعاون لم تتحقق النتائج، فلو طالب الادعاء –مثالاً- بإيقاع عقوبة لم يتصورها القضاء ويدرس أبعادها ونتائجها فإنه لن يحكم بها، كما أن القضاء لو حكم بحكم لا يوجد لدي جهات التنفيذ الآلية المحققة لإيقاعه فإنه لا نفاذ لهذا الحكم ولا ثمرة له.
- أن لا يكون التعزير هنا بالإلزام بالعبادات المحضة القاصرة، ومفهومه اقتصار التعزير بالإلزام بالأعمال التطوعية على الأعمال الخدمية ذات النفع المتعدي.
- أن يراعي في العقوبة التعزيرية بالإلزام بالأعمال التطوعية تحقق المقاصد الشرعية من العقوبة التعزيرية.
- صدور التنظيمات القضائية ممن له سلطة التنظيم لتكون منظمة لهذا النوع من العقوبات تنفيذاً ونوعاً، لضمان انتظام الأحكام القضائية المتعلقة بهذا النوع من العقوبات، وضمان تقاربها في التطبيق بين القضاة.
د. القحطاني:
جمعية حقوق الإنسان تولى
عناية خاصة بالأخذ بالبدائل فقد أقامت ندوة وطبعت بحوثها وطالبت
بالأخذ ببدائل عقوبة السجن وعرضت العديد منها
آراء وتطلعات
بين الدكتور مفلح بن ربيعان القحطاني رئيس الجمعية الوطنية لحقوق الإنسان أن الجمعية الوطنية لحقوق الإنسان تولى عناية خاصة لقضايا السجناء، لما لدخول السجن من تبعات اقتصادية واجتماعية ونفسية وصحية.
فإذا كان الهدف من عقوبة السجن هو إصلاح النزيل وتهذيبه وإعادته للمجتمع فرداً صالحاً كارهاً لماضيه الجرمي، فإن اختلاط السجين بغيره من ذوي السوابق والمتمرسين في الإجرام يجعله معرضاً للانحراف أكثر، ويجعل من السجن وسيلة غير مناسبة للإصلاح والتهذيب.
وحتى لو افترضنا أنه استفاد من فترة سجنه وتهذب سلوكه وهجر ماضيه، فإنه سيواجه نظرة المجتمع المتمثلة في أن كل من يدخل السجن غالباً ما يوصف بأنه غير جدير بالتعامل معه أو الثقة فيه، إضافة إلى تفكك أسرة السجين أثناء سجنه ومعاناتهم، بل أحياناً تعطل مصالحهم من عمل ودراسة وعلاج وتنقل عندما يكون السجين هو العائل الوحيد لهم، أضف إلى ذلك إهدار الطاقات وتعطيل الإنتاج وإرهاق ميزانية الدولة وقتل الشعور بالمسؤولية ووجود القدوة السيئة، بل أحياناً انتهاك الحقوق داخل السجن أو بسببه، سواء فيما يتعلق بعدم إطلاق السجين بعد انتهاء محكوميته، أو عدم توفير الرعاية الصحية اللازمة لحالته، مما قد يترتب عليه وفاته، وبالتالي لا يتحقق الهدف من عقوبة السجن.
ولذلك ظهرت الدعوات لإيجاد بدائل لعقوبة السجن، وانتشرت في بعض الدول وكأن لها فوائد كبيرة، وقد اهتمت الجمعية الوطنية لحقوق الإنسان في المملكة بهذا الموضوع وعقدت ندوة لهذا الغرض في عام 1427هـ شارك فيها نخبة من المتخصصين، كما دعت الجمعية الجهات ذات العلاقة لتبني بدائل عن عقوبة السجن، لأن الحاجة تدعو لإيجاد هذه البدائل، على أن تكون هذه البدائل منسجمة مع أحكام الشريعة الإسلامية، وذات أثر إيجابي في تهذيب سلوك السجين.
وقد صدر الأمر السامي البرقي ذو الرقم 2523/ م ب في 19/3/1430هـ الموجه أصلاً لصاحب السمو الملكي النائب الثاني وزير الداخلية الداعي إلى تشجيع الأخذ ببدائل عقوبة السجن المالية والبدنية والاجتماعية، والتدابير المقيدة للحرية الواردة بوثيقة الرياض وغيرها مما يمكن تطبيقه من البدائل من قبل المحاكم وجهات القبض والتحقيق والادعاء العام لمرتكبي المخالفات لأول مرة، لكن نلاحظ أن التوسع في الأخذ ببدائل عقوبة السجن أمام القضاء السعودي لا زال محدوداً، بل يبني على اجتهادات فردية من قبل بعض القضاة، وهذا مما يتطلب إعادة النظر في هذا الموضوع ووضع لائحة أو حتى نظام للعقوبات البديلة يحددها ويبين آلية تطبيقها وتنفيذها ومراقبة التنفيذ واقتراح البديل في حالة عدم التنفيذ أو عدم الالتزام من قبل الشخص المعني، وحتى يتم ذلك يمكن وضع قوائم بالعقوبات التعزيرية البديلة لعقوبة السجن، وقوائم بالمخالفات والجنح والجرائم التي يمكن تطبيق هذه العقوبات البديلة على مرتكبيها، وأن يطلب من القضاة الأخذ بها وتفعيله على أرض الواقع.
فالمواثيق الدولية المهتمة بالشأن الحقوقي تطالب بضرورة ابتعاد المجتمع عن اللجوء إلى التجريم والعقاب الذي يمثل مساساً بالحقوق و(سلب الحرية)؛ إلا إذا لم يكن بالإمكان حماية المصلحة الاجتماعية بتدابير أخرى، وإلا أصبح عملاً تعسفياً واستبداداً، بمعني أن القيام بعملية التجريم وفرض عقوبة جنائية في مواجهتها هو وضع تمليه الضرورة لا ينبغي اللجوء إليه إلا عقب استنفاد الوسائل الأخرى. فسلب الحرية لا يكون إلا لمن تشكل حريته خطراً على الآخرين أو إفساد في الأرض، فمبادئ حقوق الإنسان تحض على لجوء المنظم أو المقنن إلى بدائل العقوبة قبل اللجوء إلى العقوبة.
وقد احتلت بدائل عقوبة السجن الموضوع الرئيسي للمؤتمر الدولي للسجون عام 2000م الذي عقد بجامعة مدينة لستر بانجلترا في أبريل عام 1994م، والمؤتمر الأول لمكافحة الجريمة الذي عقد بمركز البحوث الاجتماعية والجنائية بالقاهرة في يناير 1961م، الذي أوصى بإلغاء عقوبة الحبس قصير الأجل، وأن تستبدل به عقوبة بديلة. وفي هذا الصدد أوضح القحطاني بعضاً من العقوبات البديلة المقترحة والتي يطبق بعضها في عدد من الدول وثبتت فائدتها:
- الغرامة النقدية: كعقوبة لبعض جرائم المال والمخالفات المرورية وغيرها.
- الأساور الإلكترونية: التي تقيد حرية المحكوم في إطار مكان معين لا يتجاوز عدة أكيال لكي يستطيع الذهاب إلى عمله وقضاء حاجياته بنفسه، فإذا تجاوز
المسافة المحددة لحركته فإن السوار الإلكتروني يرسل تنبيهاً لأقرب قسم شرطة، فتتم متابعته.
- عقوبة الخدمات الاجتماعية: كفتح طريق أو تكليف بتنظيف مسجد، أو نظافة مدرسة أو شارع، أو مصلحة حكومية أو زيارة مرضي أو تقديم خدمات للمسنين من شراء حاجياتهم والاهتمام بهم أو العمل بالحدائق والمتنزهات العامة أو المشاركة في برامج المحافظة على البيئة ونحو ذلك.
- مراقبة السلوك: كالتكليف بالعمل في المكتبات العامة، أو النوادي الرياضية والاجتماعية والأدبية، أو في المساجد بما يضمن توجيهه وإصلاحه.
- العمل في مكان مقفل فترة معينة: في مزرعة أو مصنع أو معمل.
- الحرمان من بعض الحقوق: كالمنع من دخول بعض الأماكن فترة من الزمن أو الحرمان من قيادة السيارة فترة زمنية معينة، وتفيد هذه العقوبة عند ارتكاب المخالفات المرورية.
- ترحيل الأجانب عند ارتكابهم أي مخالفات كبيرة بعد استيفائهم لحقوقهم وعدم وجود علاقة قرابة لهم مع سعوديين كأزواج وأبناء السعوديات.
- عقوبة الإبعاد عن مكان الجريمة: فيبعد مرتكب الجريمة فترة زمنية معينة عن مكان ارتكاب الجريمة.
- وضع الشخص تحت المراقبة القضائية: فلا تقرر له عقوبة السجن إلا في حالة فشل الاختبار القضائي، وبمقتضاه يظل الجاني تحت المراقبة القضائية بإشراف القاضي ومتابعة الأجهزة الأمنية أو الضبطية، فإذا انضبط سلوك الجاني سقطت العقوبة، ويصدر حكم من القاضي بذلك.
- التعليم والتثقيف: كحفظ القرآن الكريم والأحاديث النبوية، وحضور برامج تعليمية أو تدريبية، أو حضور محاضرات وندوات توجيهية.
- مصادرة الأموال: وهذه تأتي في الجرائم التي يكون في محل الجريمة مال أو يتقوم بمال.
- دفع تعويضات للضحية أو ذويه.
- الخضوع للعلاج النفسي أو الطبي.
- الاكتفاء بالتوبيخ والتأنيب والنصح من قبل القاضي.
- عقوبة السجن مع وقف التنفيذ، وهذه يأخذ بها ديوان المظالم لدينا في بعض القضايا، فإذا عاد الشخص لارتكاب جريمة تطبق عليه عقوبة الجريمة السابقة التي تم وقفها، وكذلك عقوبة الجريمة الحالية.
وأختم بأن هذه البدائل قد تساهم في إصلاح الجاني وتمنع اختلاطه بالمجرمين وأصحاب السوابق، على أنه ينبغي أن يراعي القاضي حال الجاني بحيث يغلب على الظن أن هذه العقوبة ستحقق الهدف المنشودة، وأن تحقق الرد، كما أن على القاضي أن يراعي في تقدير العقوبة نوع الجريمة وزمانها ومكانها وما يترتب عليها وبواعث ارتكابها، وحالة المجرم من حيث السن والمعيشة والعقل، وما يتعلق بسلوكه بعد ارتكاب الجريمة، وإذا اقتضت حماية الجماعة حبس المجرم حبس، فالهدف من العقاب إصلاح الجاني وتهذيب سلوكه، ولكن بما يضمن حماية المجتمع.
د. القاسم:
ما تشهده السجون من تكدس يستدعي إعادة النظر في الأخذ بالبدائل
كما أكد د. يوسف بن أحمد القاسم أستاذ الفقه المساعد بالمعهد العالي للقضاء:
ليس سراً أن السجون اليوم له تعد هي العقوبة المثلي لعديد من الجرائم التعزيرية، فقد صارت السجون في كثير من البلاد العربية وغيرها تشكل عبئاً لا يطاق على الأجهزة الحكومية؛ لأن اغلب العقوبات لا تكاد تخطئ هذه السجون، ولهذا تسعي الدول اليوم بين وقت وآخر إلى إفراغ هذه السجون من نزلائها قبل انتهاء محكومياتهم تحت ذرائع كثيرة، وكثير من عمليات الإفراغ لها آثارها السلبية إذا نالت أصحاب الجرائم الكبيرة، وأصحاب السوابق.
ومن هنا، فإنه يتأكد إعادة النظر في هذا النوع من العقوبات من أجل الحد منه، لتتسع السجون لأصحاب الجرائم والسوابق، وتضيق عن أصحاب الجنح والمخالفات، حتى لا تكون السجون هي العقوبة الأوفر حظاً من بين سائر العقوبات، ولأن السجون لم تعد تشكل عبئاً مالياً فقط، بل إنها في بعض الدول النامية أصبحت تشكل خطراً على سلوك بعض مرتكبي الجنح الخفيفة بمخالطتهم أصحاب السوابق، كما أنها أضحت تشكل مصدراً للدخل المحرم، ببيع المخدرات وترويجها داخل السجون ..! لا ..، بل السجون اليوم في بعض الدول أصبحت منطلقاً لعمليات إجرامية تنفذ خارج السجن، وتدار من الداخل عبر الرؤوس المدبرة، لأكثرهم الله ..! ومن هنا، يتأكد إعادة النظر في دراسة بدائل جديدة، تحد من عقوبة السجن، بحيث تكون حكراً على أصحاب الجرائم الكبيرة والسوابق، وتتمكن الأجهزة الحكومية من إحكام رقابتها داخل السجون.
إن العقوبات التعزيرية يجب أن تكون محققة للمصلحة العامة، ولتأديب الجاني وزجره، بالعقوبات المنسجمة مع حجم الجريمة، ومن حكمه الشارع أنه جعل لبعض الجرائم عقوبات محددة، كجرائم القصاص والحدود؛ لنها جرائم كبرى تنال من الضرورات الخمس بحظ وافر، ولهذا تكفل الشارع بوضع عقوباتها المناسبة؛ لئلا تضطرب أحوال الناس بعقوبات غير متكافئة لتلك الجرائم، ولم يحدد الشارع لجرائم التعزير عقوبات محددة، وذلك لن الجرائم متنوعة ومتجددة، ولهذا عهد الشارع لولاة الأمور سن العقوبات المناسبة حسب عظم الجريمة وخفتها، وحسب اختلاف الزمان والمكان، وهذا يكشف عن عظمة الشريعة الإسلامية التي فسحت المجال بتقنين العقوبات بما ينسجم مع حجم الجريمة بتطورها وتجددها، كجرائم غسل الأموال، وخطف الطائرات، وتفجير المنشآت، وسرقة الأعضاء البشرية .. الخ، فليست عقوبة مخالفة أنظمة المرور، كعقوبات تلك الجرائم الكبيرة التي تستهدف المجتمع بأسره، قال العلامة ابن القيم –رحمه الله-: “لما كانت مفاسد الجرائم بعد متفاوته غير منضبطة في الشدة والضعف، والقلة والكثرة ..، جعلت عقوبتها راجعة إلى اجتهاد الأئمة وولاة الأمور، بحسب المصلحة في كل زمان ومكان، وبحسب أرباب الجرائم في أنفسهم، فمن سوى بين الناس في ذلك، وبين الأزمنة والأمكنة والأحوال لم يفقه حكمه الشرع” أ. هـ.
إن ما تشهده السجون اليوم من أعداد غفيرة في كثير من الدول، تستدعي إعادة النظر في عقوبات بعض الجرائم الصغيرة، والتي يمكن أن يبتكر لها عقوبة مناسبة، تهيئ مرتكب المخالفة أو الجنحة ليعود مواطناً صالحاً في المجتمع. ولهذا انبري عدد من المهتمين والمختصين من قضاة وأكاديميين، لدراسة هذا الموضوع بإبعاده الفقهية والسلوكية، وقام مركز التميز البحثي في فقه القضايا المعاصرة بجامعة الإمام لدراسة مسألة الإلزام بالأعمال التطوعية في العقوبة التعزيرية، وأن تكون هذه العقوبات مقننة تحت درجات مختلفة بحسب المخالفة، وبهامش من الاجتهاد للقاضي؛ كي يعطي كل حالة ما تستحقه من عقوبة حسب ملابساتها، وأن يكون ذلك بآلية معينة، واضحة المعالم، يتحقق معها مقصد الشارع من الردع والزجر.
د. المطلق:
عقوبة السجن لم تعد قادرة على تحقيق إصلاح السجناء
وأوضح الدكتور فهد بن محمد المطلق مدير عام الشؤون الاجتماعية بمنطقة القصيم ورئيس لجنة رعاية السجناء والمفرج عنهم وأسرهم عن بدائل السجون فقال:
تعتبر السجون في المفهوم الحديث مؤسسات إصلاحية، تهدف إلى إعادة تأهيل المنحرف اجتماعياً ونفسياً ومهنياً، ليكون فرداً يلتزم بالمعايير الاجتماعية والقوانين السائدة في المجتمع.
ومن هذا المنطلق يمكن تقييم السجون بالفشل أو النجاح في تحقيق أهدافها أو عدمها، والناظر اليوم لحال السجون في غالبية دول العالم يجدها أصبحت بيئة تحتاج إلى كثير من الجهد والعمل حتى تحقق أهدافها.
لذا بدأت في السنوات الأخيرة كثير م الدول تراجع سياستها العقابية، بهدف السعي والبحث عن جوانب عقابية أخرى، والعمل على تلافي إيداع
المنحرف في السجن، وفقاً لعدد من الضوابط والشروط لما في السجون من سلبيات منها:
- التكاليف المادية الباهظة.
- تعلم خبرات انحرافية جديدة.
- إيجاد بيئة صحية غير سليمة بسبب الاكتظاظ.
- الآثار النفسية والسلبية للسجين، وخصوصاً نظرة المجتمع السلبية له بعد الإراج (صدمة الإفراج).
- انعدام قوة الردع هيبة السجن).
وأكد أنه بسبب هذه السلبيات اتضح أن عقوبة السجن لم تحقق الغاية مع معظم المساجين، فهي لم تنجح في تأديب المجرمين أو إصلاحهم ولم تزجر غيرهم، لذا لم تحم المجتمعات من الجريمة.
وبالرغم من أن السجن يعتبر عقوبة أساسية في كثير من التشريعات، إلا أن بعض الدول بدأت في تطبيق نظام بدائل السجون، والتي يقترح منها:
- الإقامة الجبرية في المنزل.
- الالتزام بالعمل في إحدى القطاعات الاجتماعية الخدمية.
- الغرامات المالية.
- شرطة الحصول على مؤهل علمي.
- شرط الحصول على مؤهل المهني.
- شرط حضور دورات محددة.
- شرط حفظ أجزاء من القرآن الكريم، والأحاديث النبوية.
- إقامة الحدود أو التعازير الخاصة بالجلد فوراً وتلافي الإيداع في السجن.
- إقفال الحسنات البنكية الشخصية مؤقتاً.
- الأخذ بأسلوب السجن المفتوح.
- الوضع تحت الاختبار (الاختبار القضائي).
واختم، فأقول بإن هذه الضوابط يجب أن تكون محققة للمصلحة المقصودة من شرع التعزير، ومتوافقة مع حقوق الإنسان الأساسية ومكانته الاجتماعية وإمكاناته وظروفه الشخصية، وأن يكون القضاء هو مصدر تلك التدابير، وهو الذي يحدد الآلية الرقابية التي ينص تنفيذها على الوجه الصحيح، مع موافقة المحكوم عليه على اقيام بتلك البدائل.
د. اليوسف:
الأخذ بالسجن وحده فيه إرهاق للدولة وتكدس للسجناء وآثار سلبية متعددة
وقال الدكتور عبد الله بن عبد العزيز اليوسف وكيل وزارة الشؤون الاجتماعية لشؤون الرعاية والتنمية: إن بدائل السجون أصبحت خياراً مطروحاً على مستوى العالم، لمجموعة من الاعتبارات المنهجية والعملية، من أبرزها: استحالة تغير إصلاح وتهذيب المجرمين الخارجين على القانون بالعقوبة السلبية وحدها، لأسباب كثيرة، منها: أن الاعتمادات المالية المقدمة للسجون على مستوى العالم ضئيلة، والوسائل البشرية والتجهيزات الفنية ضعيفة، والأبنية غير كافية لاستيعاب كل السجناء، مضيفاً إلى إن الأبحاث العلمية العالمية تشير إلى فشل السجون في أداء رسالها الإصلاحية، لأن نسب العودة للسجون لمن خرجوا منه تصل إلى 50 بالمائة من الرجال و40 بالمائة من النساء.
وأشار اليوسف إلى فشل السجون في أداء دورها الإصلاحي، وما تحدثه من آثار سلبية للسجن على الفرد والأسرة والمجتمع بحيث يتعدي أي جهد للإصلاح وضرورة الاهتمام بشريحة الخارجين على القانون ووجوب مساعدتهم في الانخراط في المجتمع، مبيناً أن دور العقوبة الإصلاحي يجب أن لا يتجاوز الدور التأهيلي وحق المتهم بالاندماج الاجتماعي.
وقال: إن من سلبيات الأخذ بالسجون وحدها إرهاق ميزانية الدولة، وتكدس السجون، والذي ينتج عنه مجموعة م المشكلات منها انتشار الأمراض،
والضغط على مرافق السجون، وتأخر خروج السجين ومعاناة النزيل، وعدم قدرته على النوم والراحة، مع اشتراك أكثر من نزيل في غرفة واحدة، والضغط على العاملين، حيث لا يمكن العمل بشكل احترافي، وفقدان السيطرة مما يسبب الشغب والعنف داخل السجون، موضحاً أن الاهتمام ببدائل السجون على مستوى العالم شغلت العديد من مؤتمرات الأمم المتحدة، وتم تركيز اهتمام المؤتمر السادس لمنع الجريمة ومعاملة المجرمين على موضوع بدائل السجون.
ابن زاحم:
تجارب الدول أدت إلى نجاح تطبيق البدائل في المملكة
وقال المحامي سلطان بن إبراهيم بن عبد الله ابن زاحم: إذا نظرنا للغرض من العقوبة نجد أنها لإصلاح الفرد وتقويمه، وليس للتشفي والانتقام منه.
ويؤكد المختصون أن الحكم القضائي البديل يقتصر على الأحكام التعزيزية دون الحدود والقصاص. وفي تصوري أن أنواع الأحكام التعزيزية كثيرة، منها ما له مقصود ذاتي: كالتزام المحكوم عليه ببعض العلوم النافعة، كحفظ القرآن أو بعض الأحاديث كالأربعين النووية، أو تكليفه بعمل بدني: كالعمل مع فئة ذات نفع تطوعي اجتماعي (كالجمعيات الخيرية)، أو ما يتم تطبيقه من الجهات بموجب نظام، كإلزامه بدفع مبلغ مالي، كقسيمة المرور أو خصم تذاكر الطيران أو التأخر بتجديد رخصه القيادة وغيرها، وقد تصل إلى التوبيخ والنهر في مجلس الحكم، وقد تصل في غالب الأحيان للسجن أو الجلد.
والعقوبة التعزيرية بالسجن غير مقننة (ملزمة) للقاضي كما يظن، بل له (أي للقاضي) حرية توقيع نوع العقوبة الملائمة لإصلاح المحكوم عليه بما يتناسب مع ظروفه، كسنة وحالته الاجتماعية، وغيرها كثير من المعايير التي لا تخفي على قضاتنا، لأن بعض المحكوم عليهم (شريف وعزيز وله مكوناته اجتماعية) يصلحه التوبيخ في مجلس الحكم، والبعض يتأثر بالعقوبة المالية كالعمالة الأجنبية، وغالبية الشباب بسبب بعدهم عن مناهج الإصلاح فإن المصلح لهم هو الانخراط بالفئات الخيرية، والتجار يتأثرون بمنعهم من السفر أو حرمانهم من ممارسة نشاطهم التجاري مدة معينة أكثر وقعاً في نفوسهم من غيرها من العقوبات، أما الفتاة أو المرأة فقد ينفعها التهديد بتغليظ العقوبة حالة العود، أكثر من سجنها الذي يتحقق بعده في الغالب ضياع سمعتها، فضلاً عن بعض من يرفض تسلمها من قبل ذويها أو حتى قد ينتهي بها الأمر للقتل أحياناً.
وبحثت كثير من الدول موضوع البدائل، وأتصور أن المملكة من أواخر الدول التي بدأت بهذه اللفتة ولكنها تعد في مقدمة الدول في دخولها حيز التنفيذ، مقارنة بمدة الدراسة وقناعة المجتمع لهذا التنوع من العقوبات.
ومن المعلوم أن ضمن أشهر البدائل المقترحة الأسورة الإلكترونية التي تجبر المحكوم عليه أن لا يغادر حيزاً محدداً، أو العمل الخمي في معسكر أو مزرعة مغلقة، أو غرامات مالية خاصة للعمالة الوافدة التي تضار من هذه العقوبة عن غيرها من العقوبات، أو عقوبة ذاتية كانخراط المحكوم عليه بفئة معينة لإصلاحه وتقويم سلوكه، أو حرمان المحكوم عليه مدة معينة من ميزة معينة، كالسفر مثلاً أو منعه من سياقه السيارة فترة معينة، أو حتى الإقامة الجبرية بمدينة معينة.
وحسب علمي أن سمو النائب الثاني وزير الداخلية رفع مشروع بدائل الأحكام التعزيرية للمقام السامي لاعتماده وإقراره ليتم العمل به.
لأنه لا يخفي أن الأضرار السلبية على السجين حالة سجنه متعددة، مثل مفارقة زوجته وتشتت أبنائه وفساد رعيته، ويلحق بها عقوبة تبعية في الغالب كفصله من الوظيفة، مما ينتج عنه فقده لمورد عيشة، ويعكس ذلك لازدياد البطالة وفي الغالب رفع مستوى الجريمة.
وأشيد بموقف وزارة العمل لاحتساب العامل السجين الواحد كعاملين من غيره ضمن العاملين بالمنشأة، والتقدير موصول لصندوق الموارد البشرية (هدف) لتحمل 50% خمسين بالمائة من راتبه مدة سنتين باعتبارها مدة كافية لاكتشاف قدرة السجين وحسن تعامله مع ظروف العمل.
وتوصلت الدول المتقدمة منها بريطانيا نسبة العود 50% من الرجال و40% من النساء، والسعودية من 20% إلى 30%، وهذا يرجع لعدة أسباب أهمها زوال هيبة السجن، وإحساسه الذاتي بأنه فاشل وغير نافع اجتماعياً، وردة فعله المعاكسة (الخاطئة) بالحقد الناقم على أي نجاح يتحقق لأفراد المجتمع، لأن التراكمات النفسية السلبية في تصاعد دون أن يكبحها أي إيجابيات واعدة.
ولا يمكن اعتبار أن كل حكم تعزيري يمكن أن يكون بديلاً عن السجن، لأن من معوقات بدائل السجون عدم وجود من يراقب تنفيذ العقوبة البديلة، وقد تكون حالة بعض المحكوم عليهم تشير إلى الخطورة المتعدية للإضرار بالغير، وقد تكون تصرفاته تجاوزت حداُ معيناً تغلب المصلحة العامة نفيه أو تقله في بعض الأحيان.
أما بالنسبة لمن بلغ خطؤه حداً معيناً ولم يصل لحد النفي أو القتل، فقد اطلعت على تقرير بريطاني قديم يفيد بأن عقوبة الجلد أكثر وقعاً وتأثيراً على نفس المجرم من عقوبة السجن، ومن أبرز محاسن الجلد: 1) أنه لا يتعطل غيابه عن عمله ولا يتعرض للفصل بسبب غيابه بالسجن وضمان استمرارية المورد المالي. 2) أنه لا يغيب عن أسرته وإعالتهم والإشراف عليهم وضياعهم في الغالب في حالة السجن. 3) ثقته بنفسه وحفظ كرامته أمام ذاته وأمام عائلته ومجتمعه في الحي وفي العمل؛ لسرية الجلد وقدرة إخفائه عن أقرب الناس حوله. 4) تكون أحرى بفتح المجال لاستقامة أخلاقه ومراجعة سلوكه وتهذيبها.
لذا فإن العقوبة التعزيرية لا تقتصر على السجن أو الجلد، بل كثير من الناس يكفيهم التوبيخ في مجلس الحكم، وبعضهم الحكم بالجلد مع وقف التنفيذ، وقد تكون تعويضاً مالياً إذا كان المحكوم له (بالحق الخاص) محدود الدخل؛ جبراً لنفسه وتطييباً لخاطره، أما النساء فالبعد عن السجن هو الأولى والأحرى في إصلاحهن، فأما العمالة فالجزاءات الما
اترك رد