مدى التزام الإدارة بتنفيذ القرارات القضائية الإدارية الصادرة ضدها
ميمونة سعاد أستاذة بجامعة تلمسان
باحثة بصف الدكتوراه في القانون العام
مقدمة:
لقد استطاع القانون الإداري، رغم حداثته على أن يفرض وجوده ضمن بقية القوانين الأخرى، ليكون في الأخير فرعا من فروع القانون العام. وتحدثنا عن القانون الإداري دفعنا بالضرورة إلى الحديث عن نشاط الإدارة وما تثيره هذه الأنشطة من منازعات، مع الأشخاص الطبيعية والمعنوية، هذه المنازعات تتجسد بشكل خاص في دعوى الإلغاء ودعوى التعويض، وقد بات من الواضح أن هذه المنازعات التي تعرض على القضاء الإداري تثير مشكلات هامة، سواء أثناء الخصومة القضائية لتتعقد أكثر كثر بمجرد صدور القرار القضائي الذي يفصل تلك المنازعة.
وإذا رجعنا إلي المادة 145 من دستور 1996 أكدت على الصرامة في تنفيذ الأحكام القضائية بقولها: “…على كل أجهزة الدولة المختصة أن تقوم في كل وقت وفي جميع الظروف بتنفيذ أحكام القضاء”.
ولما كان الامتناع المتعلق بتنفيذ الأحكام والقرارات القضائية، الصادرة في مواجهة الأفراد لا يثير مشاكل كثيرة لسبب واحد: هو أن الإدارة تملك في مواجهة الأفراد كل الوسائل القانونية، لإجبارهم على الامتثال لأحكام القضاء باعتبارها المشرفة على وسائل التنفيذ الجبري. لذا سوف تقتصر الدراسة على كيفية تعامل الإدارة مع القرارات القضائية الصادرة ضدها، وذلك لأن هذا الأمر لا زال يثقل كاهل المتقاضي الذي لا يجد بدلا سوى الانتظار حتى ترضخ الإدارة وتنفذ ما عليها من أحكام قضائية. ومنه فما مصير القرار القضائي الإداري الصادر في مواجهة الإدارة؟
للإجابة على هذا التساؤل قسمنا البحث إلى مبحثين: يتضمن المبحث الأول تنفيذ الإدارة للقرارات القضائية الصادرة ضدها، أما المبحث الثاني فيتضمن عدم تنفيذ الإدارة للقرارات القضائية الصادرة ضدها.
المبحث الأول: تنفيذ الإدارة للقرارات القضائية الإدارية الصادرة ضدها:
إن تنفيذ الإدارة للقرار القضائي الصادر ضدها يتطلب توفر الشروط الآتية:
- أن يتضمن القرار القضائي التزاما معينا تقوم به الإدارة.
- أن يتم تبليغ القرار القضائي للإدارة ([1]).
- أن يكون القرار القضائي ممهورا بالصيغة التنفيذية ([2]).
- ألا يكون هناك قرار قضائي آخر صادر بوقف التنفيذ ([3]).
ومنه القرار القضائي الإداري يتمتع بالقوة الملزمة فالالتزام بتنفيذه يقع بمجرد إعلانه إلى الأطراف حتى ولو كان ابتدائيا، وذلك لماله من خاصية النفاذ المعجل بعكس الأحكام القضائية الأخرى التي لا تثبت لها هذه القوم الملزمة إلا بعد تمتعها بقوة الشيء المقضي به، أي بعد أن تصبح نهائية. وبناء على ذلك لا يمكن للإدارة أن تتنصل من واجبها في اتخاذ جميع التدابير والإجراءات اللازمة لتنفيذ هذا القرار والتي تختلف باختلاف موضوعه، فإما أن يكون قرارا صادرا في دعوى تجاوز السلطة أو صادرا في دعاوى القضاء الكامل وبالأخص القرار الصادر بالتعويض.
المطلب الأول: تنفيذ الإدارة لقرارات الإلغاء:
إن القرارات الصادرة في دعوى تجاوز السلطة تفرض على الإدارة أثناء تنفيذها التزامين قانونين: التزام إيجابي والآخر سلبي.
الفرع الأول: الالتزام الإيجابي:
مفاده أن على الإدارة أن تتخذ جميع الإجراءات الضرورية واللازمة لإعادة الوضع كما كان عليه سابقا قبل صدور القرار الملغى وإزالة جميع آثاره القانونية منها أو المادية، وذلك من يوم صدوره إضافة إلى تنفيذ القرار القضائي الإداري تنفيذا حقيقيا لا صوريا.
والالتزام الإيجابي للإدارة يمكن تحديده في أربع صور:
- التزام الإدارة بتنفيذ القرار القضائي الإداري بأثر رجعي.
- التزام الإدارة باستبدال القرار الإداري الملغى.
- التزام الإدارة نحو الأعمال القانونية التي رتبها القرار الإداري الملغى.
- التزام الإدارة نحو الأعمال المادية التي نتجت عن القرار الإداري الملغى.
أولا: التزام الإدارة بتنفيذ القرار القضائي الإداري بأثر رجعي:
أي أن القرار القضائي الإداري الصادر بالإلغاء له اثر رجعي، بمعنى آن القرار الإداري المحكوم بإلغائه يعتبر كان لم يكن ويجب أن تنمحي جميع الآثار المترتبة عليه بناء على قاعدة مفادها ما بني على باطل فهو باطل، وبالتالي فالقرار الإداري الصادر تنفيذ القرار دعوى تجاوز السلطة يسري مفعوله من وقت صدور القرار الملغى لا من زمن إلغاء القرار غير المشروع. هذا المبدأ هو من إنشاء مجلس الدولة الفرنسي ويجد المجال الخصب لتطبيقه في ميدان الوظيفة العامة وفي هذا الصدد يعد قرار مجلس الدولة الصدر في قضية “روديار” ومما جاء في هذا القرار: “…إذا كان المبدأ يقتضي بان تنظيمات وقرارات السلطة الإدارية باستثناء تلك المتخذة تنفيذا لقانون له اثر رجعي لا يمكن أن تفصل إلا بالنسبة للحاضر فان هده القاعدة يرد عليها استثناء، عندما تتخذ تلك القرارات تنفيذا لقرار صادر عن مجلس الدولة والذي وبواسطة الإبطالات التي يصرح بها تنتج بالضرورة بعض الآثار في الماضي بسبب أن القرارات محل الإبطال لتجاوز السلطة تعد كأنها لم تصدر أبدا …”([4]).
لكن ما يلاحظ بان تطبيق هذا المبدأ يواجه صعوبات جمة من النمية العلمية من ذلك مثلا: حالة إلغاء قرار تعين موظف، حيث انه ونظرا لان القرارات التي اتخذها الموظف من تاريخ تعيينه إلى تاريخ إلغاء ذلك التعيين قد رتبت مراكز قانونية محدثة فلا يمكن اعتبار هذه القرارات كان لم تكن بل هي صحيحة استنادا إلى نظرية الموظف الفعلي ([5]).
ثانيا: التزام الإدارة باستبدال القرار الإداري الملغى:
هناك حالات تتطلب من الإدارة اتخاذ قرارات إدارية لتنفيذ القرار القضائي الصادر بالإلغاء واستبدال القرار الإداري الملغى بقرار آخر سليم قد يكون جوازيا وقد يكون وجوبيا وقد يتم بطريقة تلقائية.
فيكون الاستبدال جوازيا بالنسبة للإدارة إذا كان القرار الصادر بالإلغاء يلزمها باتخاذ قرار آخر يحل محل القرار الملغى مثال: إلغاء قرار إداري صادر بحل إحدى الجمعيات ([6]).
وقد يكون الاستبدال وجوبيا وذلك عندما تكون هناك حبة لمليء الفراغ القانوني الناشئ عن قرار الإلغاء مثال: طلب احدهم رخصة بناء فرفضت الإدارة يجوز لهذا الشخص الطعن بدعوى تجاوز السلطة فإذا صدر قرار قضائي بإلغاء قرار الرفض وجب على الإدارة إصدار قرار إداري بالترخيص بالبناء إذا توافرت الشروط.
وفي حالات أخرى يتم استبدال القرار الإداري محل الإلغاء بصفة تلقائية أو آلية كما لو كان القرار الملغى صدر تعديلا أو إلغاء لقرار إداري سابق له، ومنه القرار القضائي الصادر بإلغاء القرار اللاحق يؤدي بطريقة تلقائية إلى ظهور أحكام القرار السابق ووضعها موضع التنفيذ مرة أخرى مثال: في البداية صدر قرار ببالة موظف إلى التقاعد ثم صدر قرار بفصل هذا الموضوع رفع هذا الموظف دعوة تجاوز سلطة فصدر قرار قضائي بإلغاء قرار الفصل، ومنه فمن شان إلغاء القرار اللاحق الذي هو قرار الفصل إحياء القرار السابق الخاص ببالة الموظف إلى التقاعد.
ثالثا: التزام الإدارة نحو الأعمال القانونية التي رتبها القرار الإداري الملغى:
إن الأعمال القانونية للإدارة تنقسم إلى قسمين أعمال صادرة بإرادة منفردة هي القرارات الإدارية وأعمل أخرى صادرة باتفاق الإرادات تسمى عقود الإدارة وتنقسم إلى عقود إدارية وعقود خاصة.
وتطبيقا لمبدأ الأثر الرجعي في تنفيذ القرار القضائي الصادر في دعوى تجاوز السلطة فان الإدارة ملزمة كقاعدة عامة بإلغاء جميع الأعمال القانونية التي ترتبت عن تنفيذ القرار الذي تم إلغاؤه، ومنه فعملية تنفيذ القرار القضائي تختلف باختلاف القرار الأصلي محل الإلغاء ([7]) فإما أن يكون قرارا تنظيميا أو فرديا أو يكون جزء من عملية قانونية مركبة.
- إذا كان القرار الأصلي قرار تنظيميا: إذا تم الطعن في القرار التنظيمي الأصلي والقرارات الفردية المترتبة عليه في آن واحد فان مصيرها الإلغاء ([8]). أما إذا ثم الطعن في القرار التنظيمي الأصلي ولم يطعن في القرارات الفردية الصادرة عنه فلا يمكن إلغاؤها لأنها رتبت حقوق مكتسبة، أما إذا وجه الطعن للقرار الفردي الناتج عن قرار تنظيمي لم يطعن فيه فعلى القاضي الإداري أن يتصدى لفحص مشروعية القرار التنظيمي أولا، فإذا تبين مخالفته لمبدأ المشروعية فمصير القرار الفردي هو الإلغاء.
- إذا كان القرار الأصلي قرار فرديا: وصدرت قرارات فردية أخرى استنادا عليه فالقاعدة هي إلغاء وبطلان جميع القرارات المرتبطة بالقرار الملغى، وهذا متى ثبت أن القرار اللاحق ما كان ليصدر لولا صدور القرار الأصلي الذي قرر إلغاؤه ([9]).
- إذا كان القرار الإداري يدخل في عملية قانونية مركبة: كالعقد الإداري مثلا هنا يجب التمييز بين كون قرار الإلغاء سابق على التعاقد وبين صدوره بعد إبرام العقد.
ففي الحالة الأولى مجرد صدور قرار قضائي إداري يتضمن الإلغاء كاف لان يقضي على العقد المزمع إبرامه، أما إذا صدر قرار الإلغاء بعد إبرام العقد فانه لا يؤثر على هذا الأخير لان دعوى تجاوز السلطة تنصب على مخاصمة القرار الإداري فقط ولا يمكن رفعها على العقود الإدارية.
رابعا: التزام الإدارة نحو الأعمال المادية التي نتجت عن القرار الإداري الملغى:
هي تلك الأعمال التنفيذية المادية الناتجة عن تنفيذ القرار الإداري قبل القضاء بإلغائه كنزع الملكية أو الاستيلاء على عين…، فالإدارة ملزمة بإزالة جميع هذه الآثار عن طريق قيامها بإزالة جميع هذه الآثار، عن طريق قيامها بجميع الإجراءات اللازمة لإزالة مظاهر التنفيذ المادي الناتجة عن القرار الملغى، لكن أحيانا يصعب على الإدارة أن تزيل الإثارة المادية للقرار لان الأمر مرتبط بنوعية الآثار التي يرتبها القرار محل الإلغاء مثل ذلك: إلغاء قرار إداري صادر بمنع تجمع في مناسبة معينة ثم الغي القرار بموجب قرار قضائي إداري، فالتنفيذ هنا يصبح بدون جدوى لأنه من غير الممكن السماح بالتجمع وذلك لفوات المناسبة المرتبطة به، ولكن هذا لا يمنع الإدارة من تعويض المحكوم له كنتيجة لاستحالة التنفيذ العيني لقرار الإلغاء.
الفرع الثاني: الالتزام السلبى:
ويقصد به امتناع الإدارة عن اتخاذ أي إجراء يمكن اعتباره تنفيذا للقرار الإداري المقضي لإلغائه، وذلك بالامتناع عن تنفيذ القرار الإداري الملغى أو إعادة إصداره وإحيائه مرة ثانية ([10]).
وتتمثل صور الالتزام السلي فيما يلي:
- الالتزام بعدم تنفيذ القرار الإداري محل الإلغاء: يتعين على الإدارة أن تتوقف عن تنفيذ القرار الإداري المقضي بإلغائه بمجرد صدور القرار القضائي إذا كانت مستمرة في التنفيذ، كما يجب عليها لا تبدأ في التنفيذ إذا لم تكن قد بدأت فيه قبل صدور القرار القضائي.
- الالتزام بعدم إعادة إصدار القرار الإداري محل الإلغاء: تلتزم الإدارة بعدم إعادة إصدار القرار الملغى سواء في صورته الأولى، أو بإضفاء عليه بعض التعديلات لكن هذه القاعدة يرد عليها استثناء، إذا ما شاب القرار الملغى عيب من العيوب الخارجية كعيب الشكل أو الاختصاص، فهنا لا تمنع الإدارة من إعادة إصدار القرار الملغى متى تم تصحيح هذه العيوب ([11]).
المطلب الثاني: تنفيذ قرارات التعويض:
يصدر القرار القضائي الإداري بالتعويض بناء على مسؤولية الإدارة القائمة إما على أساس الخطأ أو بدون خطا، وهذا القرار يكون في غالبه عبارة عن مبالغ تلتزم الإدارة بصرفها لمن صدر لصالحه، ويكون ذلك باتخاذ جميع الإجراءات التي تؤدي إلى تنفيذه.
الفرع الأول: طرق تنفيذ القرار القضائي الإداري الصادر بالتعويض:
كقاعدة عامة يكون تنفيذ هذا النوع من القرارات القضائية اختياريا من طرف الإدارة، ويخضع في ذلك للإجراءات التي يتم بها تسجيل النفقات في الميزانية وإصدار الأمر بصرفها. وتعد التعويضات المالية التي تلتزم بها الإدارة في القرار القضائي الإداري الصادر ضدها من النفقات المالية الإلزامية، وإما أن تكون من النفقات العادية أو المحتملة من التعويضات المتعلقة بمرتبات الموظفين، أو أن تكون من المبالغ والتعويضات غير المحتملة كالتعويضات التي يحكم بها على أساس نظرية المخاطر.
ومنه فان طرق تنفيذ القرار القضائي الإداري الصادر بالتعويض لا تختلف عن تلك التي حددها القانون المدني الجزائري حيث نص على أنه: “يعين القاضي طريقة التعويض مقسطا، كما يصح أن يكون إيرادا مرتبا، ويجوز في هاتين الحالتين إلزام المدين بان يقدر تأمينا.
ويقدر التعويض بالنقد، على انه يجوز للقاضي تبعا للظروف وبناء على طلب المضرور أن يأمر بإعادة الحالة إلى ما كانت عليه، وأن يحكم ذلك على سبيل التعويض، بأداء بعض الإعانات تتصل بالفعل غير المشروع”([12]).
الفرع الثاني: إجراءات تنفيذ القرار القضائي الإداري الصادر بالتعويض:
لقد تدخل المشرع الجزائري في هذا الموضوع ووضع قواعد قانونية لتنفيذ القرارات القضائية المتضمنة إدانة مالية والصادرة ضد الإدارة، وقد تجسد ذلك في القانون رقم 91-02 المؤرخ في 08 جانفي 1991 المحدد للقواعد الخاصة المطبقة على بعض أحكام القضاء ([13]).
هذا القانون جعل مهمة تنفيذ أحكام القضاء التي تتضمن إدانة مالية من اختصاصات أمين الخزينة على مستوى الولاية، وسواء تعلق الأمر بتنفيذ القرارات القضائية بين الإدارات العمومية أو بين الأفراد والإدارة العمومية، فانه في كلتا الحالتين يتعين أولا تبليغ الإدارة المحكوم ضدها بالقرار ممهورا بالصيغة التنفيذية وذلك عن طريق الحضر القضائي. ومنه فالأصل انه يقع على الإدارة واجب تنفيذ هذا القرار القضائي الذي تضمن تعويضا ماليا لكن في أحيان أخرى قد تمتنع الإدارة المدينة عن التنفيذ وهذا ما سوف نتطرق إليه بالتفصيل في المبحث الثاني من هذه الدراسة.
المبحث الثاني: عد م تنفيذ الإدارة للقرارات القضائية الإدارية الصادرة ضدها:
إن القاعدة العامة تقضي بأن الإدارة ملزمة بتنفيذ القرارات القضائية الصادرة ضدها لكن يرد على هذه القاعدة استثناءين: إما أن الإدارة تمتنع بإرادتها عن تنفيذ القرار القضائي أو لأنه استحل عليها تنفيذه.
المطلب الأول: امتناع الإدارة عن تنفيذ القرارات القضائية الإدارية الصادرة ضدها:
إن امتناع الإدارة عن تنفيذ القرار القضائي الإداري يعد من اخطر الأساليب التي تلجا إليها هذه الأخيرة لمواجهة التنفيذ.
الفرع الأول: صور الامتناع عن تنفيذ القرار القضائي:
يمكن حصر هذه الصور فيما يلي:
- الامتناع الصريح عن التنفيذ.
- الامتناع الضمني عن التنفيذ.
- التراخي في التنفيذ.
- التنفيذ الناقص للقرار.
أولا: الامتناع الصريح عن التنفيذ:
يتمثل هذا الامتناع في صدور قرار إداري صريح بالرفض يفهم منه رفض الإدارة القاطع لتنفيذ القرار الإداري، والذي لا يدع مجالا للشك في مخالفتها لحجية الشيء المقضي به ومجاهرتها بروج على أحكام القانون. حيث قد يكون الامتناع الصريح من قبل الإدارة ما هو إلا بدافع شخصي يرمي إلى الانتقام من الشخص الذي أهدر قرارها الإداري وليس بدافع المصلحة العامة.
ومثال ذلك: هو قرار مجلس الدولة الفرنسي القاضي بما يلي: “حيث أن رئيس بلدية اصدر قرار بعزل حارس البلدية عن عمله بدون وجه قانوني، وتم إلغاء القرار من مجلس الدولة الفرنسي غير أن رئيس البلدية أعاد إصدار القرار الملغى وتم إلغاؤه مرة ثانية من طرف مجلس الدولة وتكرر الإصدار والإلغاء حتى بلغ 10 مرات”. وكل هذا كان بدافع الانتقام من طرف الحارس وإرضاء لرغبة رئيس البلدية الشخصية ([14]).
ثانيا: الامتناع عن التنفيذ الضمني:
يرى البعض أن هذه الصورة هي الأكثر شيوعا لان الإدارة هنا تلتزم السكوت إزاء القرار القضائي الإداري الصادر ضدها، دون الحبة إلى إصدار قرار صريح بالرفض ولكنها تقوم بالاستمرار في تنفيذ القرار الإداري الملغى ومن أمثلة ذلك:
قرار رئيس الغرفة الإدارية بمجلس قضاء الجزائر العاصمة الصادر في 13 ماي 1979 في قضية تتلخص وقائعها أن إدارة الضرائب اقتطعت من إحدى الشركات الفرنسية العاملة بالجزائر مبلغا ماليا قدره 1932677.78 دج بدون وجه حق، فرفعت هذه الأخيرة دعوى أمام الغرفة الإدارية لجلس قضاء الجزائر العاصمة لوقف الإجراءات التنفيذية لهذا الاقتطاع ورد المبلغ المقتطع، وكان أن صدر الأمر بذلك غير أن إدارة الضرائب لم تستجب لأمر الغرفة الإدارية ولم تتوقف عن إجراءات التنفيذ إلى غاية تأميم تلك الشركة ([15]).
ثالثا: التنفيذ المتأخر للقرار القضائي:
هنا تلجا الإدارة إلى التباطؤ في تنفيذ القرار القضائي الإداري الصادر ضدها، بالرغم من أن قانون 91-02 المحدد للقواعد الخاصة المطبقة على بعض أحكام القضاء السالف الذكر، حدد مدة قصوى لتنفيذ القرار القضائي المتضمن إدانة مالية ضد الإدارة، فقد أوجب على أمين الخزينة العامة أن يتخذ إجراءات السداد في اجل أقصاه شهران من تاريخ إيداع طلب التنفيذ بالنسبة لتلك الصادرة لصالح الإدارة، وخلال 3أشهر بالنسبة للأفراد أما بالنسبة لأحكام الإلغاء كانت تفتقد لمدة تنفيذها في قانون الإجراءات المدنية لكن المشرع تفطن أخيرا حيث سمح في قانون الإجراءات المدنية والإدارية الجديد للقاضي الإداري في المواد 978 و 979 بتحديد اجل لتنفيذ التدابير التي فرضها على الإدارة، وذلك تفاديا لأي مناورة من الإدارة للتهرب مما قضي به وفي حالة عدم تحديد القاضي للمدة فالمشرع في المادة 987 حدد مدة 3 أشهر من اجل تنفيذ الإدارة للقرار القضائي الصادر ضدها.
رابعا: التنفيذ الناقص للقرار:
ويسمى أيضا بالتنفيذ الجزئي أو التنفيذ المعيب ومفاده أن الإدارة لا تقوم بالتنفيذ الكامل للقرار القضائي الإداري القرار القضائي الذي يلزم بإعادة الموظف المفصول إلى منصبه وتمكينه من حقوقه المالية فتعمد الإدارة إلى تنفيذ الشق الأول من القرار القضائي دون الثاني.
وقد أشار مجلس الدولة الفرنسي لهذه الحالة في قراره الصادر في 30جوان 1997 بقوله: “إذا كانت الإدارة قد اكتفت بأداء التعويض المحكوم به دون الفوائد القانونية المترتبة على التأخير في تنفيذه فان هذا يعني: أنها لم تنفذ القرار إلا جزئيا مما يستوجب القضاء ضدها بغرامة تهديديه 500 فرنك يوميا حتى تقوم بدفع هذه الفوائد”([16]).
الفرع الثاني: جزاء الامتناع عن تنفيذ القرار:
يصطدم التنفيذ في مواجهة الأشخاص المعنوية العامة مع مبدأ عدم قابلية الأموال العامة للحجز عليها. إذ أن حماية المال الموجه للنفع العام تقتضي ألا تنزع ملكيته عن الإدارة جبرا بطريق الحجز عليه، كالأموال التي تخضع لأحكام القانون الخاص غير أن مصداقية القضاء في مواجهة سلطة الإدارة تكمن في فرض تنفيذ الأحكام والقرارات والأوامر القضائية، وحمل الجميع بما فيهم الإدارة على تنفيذ ما يقضي به وعند رفض الاستجابة يكون لصاحب المصلحة اتخاذ إحدى الاختيارات التالية:
- الإلزام بالدفع عن طريق تقديم السند إلى الحاسب العمومي وهو أمين الخزينة العامة إذا كان الإلزام يتعلق بمبلغ مالي على ذمة الإدارة المقضي ضدها.
- طلب تدخل الجهة القضائية الإدارية التي أصدرت السند التنفيذي.
- اللجوء للقضاء الجزائي ([17]).
أولا: تطبيق القانون رقم 91-02:
لم يكن يتضمن قانون الإجراءات المدنية نصا صريحا يحيل التنفيذ حينما يتعلق الأمر بإلزام احد الأشخاص المعنوية العامة بدفع مبلغ مالي محدد القيمة إلى القانون رقم 91-02 وهو ما تضمنه القرار الصادر عن الحكمة العليا رقم 118-92 ([18]) حيث نص على ما يلي: “من المقرر قانونا انه يمكن للمتقاضين المستفيدين من أحكام القضاء التي تتضمن إدانة الدولة والجماعات الحلية والمؤسسات العمومية ذات الطابع الإداري، أن يحصلوا على مبلغ الديون لدى الخزينة العمومية التي يقع فيها موطنهم على أن يقدم المعنيون لأمين الخزينة عريضة مرفقة بالوثائق التي تثبت الإجراءات المذكورة”. وهذا ما تداركه قانون الإجراءات المدنية والإدارية في المادة 986 منه.
وقد نص القانون رقم 91 – 02 على الشروط التالية:
- عريضة مكتوبة: أي تحرير طلب موجب إلى أمين الخزينة العمومية يشرح الدائن بموجبها أسباب مطالبته بتطبيق أحكام ق 91-02 وهي عبارة عن طلب عادي لا تخضع لشكليات العرائض القضائية.
- النسخة التنفيذية الأصلية من السند القضائي: سواء كان صادرا عن محكمة درجة أولى أو صادرا عن مجلس قضائي.
- الوثائق والسندات الدالة على فشل الطرق الودية: تتضمن التكليف بالوفاء الذي يوجهه الحضر القضائي للطرف المحكوم ضده، بحيث يمهل اجل 15 يوم للاستجابة قبل اللجوء إلى التنفيذ الجبري، يضاف إلى ذلك المراسلات اللاحقة إن وجدت والرامية إلى تذكير المحكوم ضده بوجوب الاستجابة لمنطوق ما قضت به الجهة القضائية ([19]).
- مهلة المحاولات الودية: تختلف المهلة الحدثة فيما لو تعلق الأمر بين أشخاص القانون العام، كطرفي النزاع وبين حالة المطالبة بالتنفيذ من شخص يخضع للقانون الخاص، ففي الحالة الأولى يجب على طالب التنفيذ أن يقدم كل الوثائق أو المستندات التي تثبت بان جميع المساعي لتنفيذ الحكم بقيت طيلة 4 أشهر بدون نتيجة. بينما الحالة الثانية يكون الدائن مطالبا بتقديم كل الوثائق أو المستندات التي تثبت بان إجراءات التنفيذ عن طريق المحضر القضائي وديا بقيت طيلة شهرين بدون نتيجة، ابتداء من تاريخ إيداع الملف لدى الضابط العمومي.
- اطلاع النائب العام: بعد استيفاء الشروط يقوم أمين خزينة الولاية بموافاة كل من النائب العام والجهة المدينة بنسخة من الملف المقدم من طرف الدائن، حيث يجب على أمين الخزينة اطلاع النائب العام المشرف على الجهة القضائية التي أصدرت الحكم، وذلك بموجب طلب يتضمن التحقيق في سلامة الملف المقدم من طرف الدائن مع الإشارة إلى أن رأي النائب العام ملزم لأمين الخزينة ([20]).
- تسديد المبلغ: يقوم أمين الخزينة بعد استيفاء الشروط الواجب توافرها بسحب مبلغ الدين من حسابات الهيئة المحكوم عليها لصاع المحكوم له، حيث يأمر الولاية تلقائيا وعلى أساس الملف المكون بسحب مبلغ الدين من حسابات الهيئة المحكوم عليها لصالح الطرف الدائن ([21]).
ثانيا: الجزاءات المنصوص عليها في قانون الإجراءات المدنية والإدارية:
لم يتضمن قانون الإجراءات المدنية أي نص صريح يجيز للقضاء حمل الأشخاص المعنوية العامة على اتخاذ تدابير معينة أو إجبارها على التنفيذ بطريق التهديد المالي، هذا الفراغ القانوني تداركه المشرع الجزائري في قانون الإجراءات المدنية والإدارية حيث تم إدراج أحكام تنفيذ جديلة في المادة الإدارية وهي:
- إلزام احد الأشخاص المعنوية العامة باتخاذ تدابير تنفيذ معينة.
- الغرامة التهديدية ضد احد الأشخاص المعنوية العامة.
- الأمر باتخاذ التدابير الضرورية للتنفيذ.
- إلزام احد الأشخاص المعنوية العامة باتخاذ تدابير تنفيذ معينة:
لقد استحدث قانون الإجراءات المدنية والإدارية اتخاذ تدابير تنفيذ معينة ([22])، ضمانا للتنفيذ الفعلي لهذه السندات. لكن ما يلاحظ بالنسبة لهاته المواد أنها لا تتضمن قاعدة آمرة فالأمر باتخاذ تدابير تنفيذ معينة إنما يخضع للسلطة التقديرية للجهة القضائية بناء على طلب صاحب المصلحة، وتشمل هذه الصلاحية كل السندات التنفيذية الصادرة عن الجهات القضائية الإدارية سواء أمام القضاء الاستعجالي أو قضاء الموضوع بدرجتيه، من محاكم إدارية ومجلس الدولة، واشترطت المادتين أن يقع الإلزام في مواجهة احد الأشخاص المعنوية العامة ويقصد بها الدولة أو الولاية أو البلدية أو إحدى المؤسسات العمومية ذات الصبغة الإدارية، أو الهيئة التي تخضع منازعاتها لاختصاص الجهات القضائية الإدارية فقد تكون منظمة أو نقابة مهنية، أو مؤسسة عمومية اقتصادية تسير مرفقا عاما أو مكلفة بإنجاز مشروع ممول من الخزينة العمومية.
والمقصود باتخاذ تدابير تنفيذ معينة انه لا يكتفي القضاء الإداري بإلغاء القرار الإداري، وإنما يتضمن إلزام الإدارة بعمل كان تأمر الجهة القضائية المختصة بإلغاء القرار الإداري المتضمن تنزيل الموظف إلى رتبة سفلى مع إفادته بترتيب معين وفقا للسلم الإداري، ففي قرار صدر عن مجلس الدولة الفرنسي رقم 312701 في 2009/8/5 حيث تم إلزام وزارة الدفاع بإدماج عسكري ضمن صفوف الجيش مع تحديد اجل شهر لتنفيذ القرار ([23]).
على أن اتخاذ تدابير تنفيذ معينة إما أن يكون أثناء سير الخصومة طبقا للمادة 978 من قانون الإجراءات المدنية والإدارية، حيث يتم ذلك ضمن نفس الحكم القضائي الفاصل في الدعوى، أو أن يتم المطالبة بتلك التدابير بموجب دعوى مستقلة بعد الفصل في الدعوى إن لم يتم تقديم الطلب أثناء الخصومة طبقا للمادة 979 من نفس القانون، وفي هذه الحالة تقوم الجهة القضائية الإدارية المطلوب منها الأمر باتخاذ تدابير تنفيذ معينة بإصدار قرار إداري جديد يعد سندا تنفيذيا.
- الغرامة التهديدية:
إن القضاء لم يعرف موقفا مستقرا بشان الغرامة التهديدية قبل صدور قانون الإجراءات المدنية والإدارية، وذلك بين موقف معارض وآخر مؤيد للغرامة التهديدية.
- الموقف المؤيد: وهذا ما جاء في القرار رقم 28881 الصادر عن الحكمة العليا، حيث نص على: “متى كان من المقرر قانونا انه لا يمكن القضاء على الولاية من طرف الجلس القضائي في حالة فصله في القضايا المدنية بدفع غرامة تهديدية، فان القضاء بمثل هذا الحكم يشكل مخالفة تجاوز السلطة وعدم الاختصاص فضلا عن عيب انعدام التعليل القانوني، إن الحكم القضائي على الولاية بدفع الغرامة التهديدية من اختصاص القضاء الإداري لذلك يستوجب نقض القرار الذي قضى بغرامة تهديدية على الولاية”([24]).
- الموقف المعارض: من ذلك قرار رقم 14989 صادر عن الغرفة الخامسة لجلس الدولة بتاريخ 8/4/2003، وقد جاء فيه ما يلي: “الغرامة التهديدية ينطق القاضي بها كعقوبة وبالتالي ينبغي تطبيق مبدأ قانونية الجرائم والعقوبات عليها أي يجب سنها بقانون لا يجوز للقاضي الإداري النطق بها في المسائل الإدارية ما دام لا يوجد قانون يرخص بها حيث انه لا يجوز للقاضي في المسائل الإدارية النطق بالغرامة التهديدية لأنه لا يوجد أي قانون يرخص بها. وأن القرار المستأنف بإرفاقه قرار الطرد بغرامة تهديدية قد تجاهل هذا المبدأ، مما يستوجب بالنتيجة قبول طلب وقف التنفيذ”([25]).
وقانون الإجراءات المدنية والإدارية سمح للقاضي الإداري بفرض الغرامة التهديدية على شخص معنوي عام لكن ما يلاحظ من نص المادة 980 انه لا يجوز الأمر بالغرامة التهديدية إلا إذا اقتضى الأمر أو الحكم أو القرار إلزام الجهة المحكوم ضدها باتخاذ تدابير تنفيذ معينة، ولم تستجب الإدارة له فالغرامة التهديدية لا يقضى بها في غير المادتين978 و 979 كان تقتصر الدعوى على المطالبة بإلغاء قرار إداري أو تعويض.
أما ما جاءت به المادة 981 بأنه يجوز للجهة القضائية المطلوب منها تحديد تدابير التنفيذ التي لم يتم تحديدها بموجب القرار القضائي محل عدم التنفيذ أن تأمر بغرامة تهديدية، وتقوم الجهة القضائية بتصفية الغرامة التهديدية التي أمرت بها أي وضع حد لسريانها مع تحديد المبلغ الإجمالي عن طريق عملية ضرب المبلغ الحدد في عدد الأيام التي لم يستجب فيها المنفذ عليه، وذلك بموجب دعوى قضائية يرفعها صاحب المصلحة أمام هذه الجهة القضائية وذلك طبقا لنص المادة 983.
وقد أجازت المادة 984 للجهة القضائية الإدارية مراجعة الغرامة التهديدية بالتخفيض أو الإلغاء حتى في حالة عدم التنفيذ، إذا تبين لها أن عدم الاستجابة غير مقترنة بسوء نية. كما قد أجيزت للجهة القضائية التي أمرت بتصفية الغرامة التهديدية أن تقرر عدم دفع جزء من الغرامة التهديدية إلى المدعي، إذا تجاوزت قيمة الضرر وتأمر بدفعه إلى الخزينة العمومية وذلك بهدف تجنب إثراء المدعي بدون سبب ([26]).
- الأمر باتخاذ التدابير الضرورية للتنفيذ ([27]):
في حالة امتناع الإدارة بتنفيذ القرار القضائي فلا يجوز تقديم طلب من اجل الأمر باتخاذ التدابير الضرورية لتنفيذ القرار، إلا بعد انقضاء 3 أشهر ابتداء من تاريخ التبليغ الرسمي للحكم. وفي حالة تحديد القرار القضائي الإداري للأجل الذي يجب على الإدارة أن تنفذ أثناءه، فلا يمكن تقديم طلب اتخاذ التدابير الضرورية للتنفيذ إلا بعد انقضاء هذا الأجل.
أما إذا سبق لطالب التنفيذ أن وجه تظلما للإدارة من اجل تنفيذ الحكم الصادر عن الجهة القضائية الإدارية، وتم رفض التظلم فيبدأ سريان أجل 3 أشهر بعد قرار الرفض.
ثالثا: الجزاء المنصوص عليه في قانون العقوبات:
لقد أدرجت هذه الجريمة ضمن قانون العقوبات اثر تعديله في2001، بغرض مواجهة الرفض التعسفي من طرف الموظفين العموميين لتنفيذ حكم قضائي. حيث نص: ” كل موظف عمومي استعمل سلطة وظيفته لوقف تنفيذ حكم قضائي أو امتنع أو اعترض أو عرقل عمدا تنفينه يعاقب بالسجن من 6 أشهر إلى 3 سنوات وبغرامة من 5000 دج إلى 50000 دج”([28]).
على انه لا يمكن متابعة الموظف العمومي عن الفعل الجرم وفقا للمادة إلا إذا أرفقت الشكوى بمحضر محرر من طرف محضر قضائي، يفيد بان الموظف العمومي استعمل سلطة وظيفته لوقف تنفيذ حكم قضائي، أو امتنع أو اعترض أو عرقل عمدا تنفينه.
المطلب الثاني: استحالة التنفيذ:
إن تنفيذ القرارات الإدارية قد يكون في بعض الحالات مستحيلا بسبب بعض التغيرات، ولما كان من المقرر انه لا تكليف بمستحيل، فانه لا مجل للبحث عن وسائل قانونية لإجبار الإدارة على تنفيذ القرارات القضائية الإدارية إذا استحل تنفيذها، وذلك متى كان المبرر قائما ومشروعا، ولعل من أهم المبررات التي تحتج بها الإدارة يرجع إما إلى استحالة واقعية أو استحالة وقتية.
الفرع الأول: الاستحالة الواقعية:
امتناع الإدارة عن تنفيذ التزاماتها يرجع هنا إلى واقعة خارجة عن نطاق القرار القضائي الإداري، بحيث يعتري تنفيذه عارض يستحيل معه التنفيذ، ومرد هذه الاستحالة لا يخرج عن صورتين هما: الاستحالة الشخصية والظرفية.
- الاستحالة الشخصية:
تكون هذه الاستحالة في التنفيذ راجعة إلى الشخص المتقاضي المحكوم له، بحيث تطرأ تغيرات تؤدي إلى ذلك مثال ذلك: هو أن يصدر قرار قضائي إداري يقضي بإلغاء القرار الإداري الذي فصل موظفا عن وظيفته، وعند تنفيذ
هذا القرار القضائي يكون الموظف قد وصل إلى سن التقاعد فيستحيل التنفيذ في هذه الحالة. وهذا ما ذهب إليه مجلس الدولة الفرنسي في قرار صادر في 1987/3/27 يتعلق بالقرار القاضي بإلغاء فصل موظف بعد بلوغه سن التقاعد مما استوجب معه القضاء برفض طلب الغرامة التهديدية، لإجبار الإدارة على التنفيذ ([29]).
- الاستحالة الظرفية:
يقصد بها تلك الظروف الاستثنائية التي لا يكون أمام الإدارة إذا وقعت إلا أن تؤثر على تنفيذ القرار القضائي الإداري ومثال ذلك: القرار القضائي الإداري الذي يطالب الإدارة بتسليم وثائق معينة للمتقاضي الذي صدر القرار لصالحه، لكن عند التنفيذ يتضح أنها قد تلفت نتيجة حريق أو سرقة.
الفرع الثاني: الاستحالة الوقتية:
أو ما يطلق عليها اصطلاحا بالإشكال في التنفيذ، والمقصود بها كل طارئ يعيق مباشرة إجراءات التنفيذ وفقا للقانون، مما يحول دون مواصلة المكلف بالتنفيذ لعمله أو يجعله غير ممكن سواء أثناء مقدمات التنفيذ أو حين اللجوء للتنفيذ الجبري، لذا فالغرض من المنازعة في إشكال تنفيذ قرار قضائي إداري هو وقف تنفيذه مؤقتا.
وكمثال عن ذلك:
أنه صدر قرار في 28 جانفي 1997 عن الغرفة الإدارية بمجلس قضاء الجزائر يقضي على (خ ط) بالتخلي عن قطعة أرضية تطبيقا للقانون رقم 90-25 المتضمن التوجيه القضائي. وفي الاستئناف اصدر مجلس الدولة قرارا في 13 جويلية1999 ، قضى فيه بتأييد القرار المستأنف. وعند شروع والي ولاية البليدة في تنفيذ القرار عن طريق الحضر القضائي، أثار (خ ط ) أمام هذا الأخير إشكالا في التنفيذ. ولأجل ذلك حرر محضر بالإشكال العارض، على أساس أن خ ط لا يمكن له إخلاء العقار محل النزاع، إلا بعد حصوله على التعويض عن المنشاة التي أقامها. ورفع هذا الإشكال أمام القاضي الاستعجالي الإداري بمجلس قضاء البليدة وفصل في الدعوى برفضها لعدم التأسيس، وأمر بمواصلة التنفيذ([30]).
الخاتمة:
ما يمكن قوله بان المشرع الجزائري قد اخذ بعين الاعتبار أخيرا الطرف الضعيف في المنازعة الإدارية، حيث أعطى للقاضي الإداري الحق في إصدار أوامر للإدارة وكذا الحق في فرض غرامات تهديدية على هذه الأخيرة، وهذا بعد أن كان قانون الإجراءات المدنية لا يتضمن أي وسائل قانونية تضمن تنفيذ القرارات القضائية الإدارية. ولكن بالرغم من ذلك فان قانون 91-02 الذي أضحى عائقا كبيرا أمام تنفيذ الأحكام والقرارات والأوامر الصادرة عن الجهات القضائية الإدارية، ضد مختلف الإدارات العمومية بسبب المتاعب التي لازال يصادفها الضباط العموميون المكلفون بالتبليغ والتنفيذ أثناء لجوئهم للتنفيذ على الإدارات، جراء لجوء ممثلي الإدارات الوطنية لرفض تطبيق منطوق القرار مثلما هو حاصل في النزاعات الاجتماعية، القاضية بإعادة إدماج العمال المطرودين حيث يرفض مدراء المؤسسات العمومية إرجاع العمال والاكتفاء بالتعويض المادي، هذا القانون الذي أصبح لا يتماشى مع هذه الإجراءات الجديدة المتضمنة في قانون الإجراءات المدنية والإدارية، هذه الإجراءات التي بدورها قد لا تجد نفعا أحيانا لأننا في منازعة تتضمن طرفا قويا ذو إراثة أعلى من الطرف الآخر، وهو الشخص المعنوي العام الذي لا يمكن لأحد إجباره إلا إذا أراد ذلك بمحض إرادته.
[1]يتم التبليغ طبقا للمواد 894 و 895 من قانون الإجراءات المدنية والإدارية الجزائري.
[2]المادة 601 من نفس القانون.
[3]المنصوص عليه في المواد 913 و 914 من القانون نفسه.
[4]Charles DEBBASCH, Jean CLAUDE RICCI, Contentieux administratif, 7éme édition, Dalloz, 2001, p826.
[5]شادية إبراهيم المحروقي، الإجراءات في الدعوى الإدارية، دار الجامعة الجديدة، الإسكندرية، 2005، ص 292. والموظف الفعلي هو شخص يوجد عيب جسيم في فرار تعيينه أو أن فرار تعيينه لم يصدر على الإطلاق ومارس مهاما إدارية، فطبقا لنظرية الموظف الفعلي فان هذه الأعمال تعتبر مشروعة إذا كنا في الظروف العادية على أساس الظاهر واحترام الغير حسن النية، أما إذا كنا في الظروف الاستثنائية فهي مشروعة على أساس فكرة الضرورة تبيح المحظور.
[6]شادية إبراهيم المحروقي، المرجع السابق، ص 294.
[7]عبد الغني بسيوني عبد الله، القضاء الإداري، منشاة المعارف، الإسكندرية، مصر، 1997، ص 325.
[8]عبد الغني بسيوني عبد الله، المرجع نفسه، ص 325.
[9]مصطفى أبو زيد فهمي وماجد راغب الحلو، الدعاوى الإدارية، دار الجامعة الجديدة، الإسكندرية، مصر، 2002، ص 311.
[10]أعاد علي حمود القيسي، القضاء الإداري وفضاء المظالم، الطبعة الأولى، دار وائل للطباعة والنشر، عمان، الأردن، 1999، ص 242.
[11]سامي جمال الدين، الدعاوى الإدارية والإجراءات أمام القضاء الإداري، الطبعة الأولى، منشاة المعارف، الإسكندرية، مصر، 1991، ص 398.
[12]المادة 132.
[13]الجريدة الرسمية الجزائرية رقم 02، الصادرة بتاريخ 9 جانفي 1991.
[14]Les grands arrêts de la jurisprudence administrative,p28.
[15]أمر استعجالي إداري رقم 60صادر بتاريخ 13ماي 1979، غير منشور.
[16]جورج فوديل وبيار ديلفولفيه، القانون الإداري، الجزء الثاني، المؤسسة الجامعية للدراسات والنشر والتوزيع، لبنان، 2001، ص225.
[17]عملا بالمادة 138 مكرر من قانون العقوبات.
[18]قرار المحكمة العليا الصادر في 11-4-1993، المجلة القضائية عدد 01 لسنة 1994، ص191.
[19]المادة 612، من قانون الإجراءات المدنية والإدارية الجزائري.
[20]المادتين 4 و 9 من قانون 91-02.
[21]المادتين 3 و 8 من قانون 91-02.
[22]المادتين 978 و 997 من قانون الإجراءات المدنية والإدارية.
[23]بربارة عبد الرحمان، طرق التنفيذ، الطبعة الأولى، منشورات بغدادي، الجزائر، 2009، ص 308.
[24]قرار صادر عن المحكمة العليا في1983/6/27 ، المجلة القضائية عدد 01 لسنة 1989 ص185.
[25]بربارة عبد الرحمان، المرجع السابق، ص 320.
[26]المادة 985 من قانون الإجراءات المدنية والإدارية.
[27]المادتين 987 و 988 من قانون الإجراءات المدنية والإدارية.
[28]المادة 138 مكرر من قانون العقوبات الجزائري.
[29]محمد باهي أبو يونس، الغرامة التهديدية كوسيلة لإجبار الإدارة على تنفيذ الأحكام الإدارية، الطبعة الأولى، دار الجامعة الجديدة للنشر، مصر، 2001، ص 145.
[30]مجلة مجلس الدولة، العدد 04لسنة 2003، ص 172، 173.


