تفويض تدبير المرافق العمومية نحو شراكة متينة مع الخواS

د. الشريف الغيوبي

أستاذ باحث بكلية الحقوق، سلا

 

ارتبط التدبير المفوض بتطور مفهوم الشراكة بين القطاعين العام والخاص الذي طبع تسيير الشأن العام والعلاقات بين السلطات العمومية والقطاع الخاص، وبالتحولات التي طرحت على الدولة ([2]) في ظروف اقتصادية ومالية تطبعها المطالب المتزايدة على التجهيزات الأساسية والمرافق العمومية، ثم الحاجة إلى تدبير عقلاني فعال وملائم لتلك القائمة، انسجاما مع التوجه السياسي والاقتصادي، الذي يتسم باللجوء إلى منطق المردودية والتنافسية والخوصصة وتبني الشراكة بين القطاعين العام والخاص ([3])، سعيا لبناء اقتصاد عصري ومتطلع للمستقبل لمواجهة رهانات التنافسية والعولمة.

وتعد الشراكة بين القطاعين العام والخاص فكرة جديدة ([4]) تعوض الأشكال التقليدية للتعاون، أي الانتقال من علاقات عمودية إلى علاقات أفقية قائمة ليس على المساعدة وإنما على الشراكة، لتستجيب لحاجيات التجديد ودمقرطة العلاقات بين الفاعلين عبر توسيع مجالات التعاون لتشمل المؤسسات العامة والخاصة لدعم العمل الاجتماعي ([5])، إلا أنها لم تحض بدراسات قانونية أو مالية ، بينما الواقع الدولي يشهد على أنها مفهوم قائم الذات ظهر بالأنظمة الأنجلوسكسونية قبل أن ينتشر في باقي البلدان وله تاريخ ومتداول في البحوث الوطنية والدولية الاقتصادية والمالية والقانونية ، والبحث في الانترنيت يعطينا عددا كبيرا من المواقع ، تنصب على قطاعات متنوعة لاتفق عند البنية التحتية ، مما جعل البنك الدولي يلح على ضرورة الأخذ بها من أجل الإقلاع الاقتصادي والاجتماعي وطنيا ومحليا، وذلك بجانب بعض المفاهيم القريبة منها، وهي الخوصصة والتحرير وتمويل المشاريع والاقتصاد المختلط.

وقد اتسمت العلاقة التقليدية القائمة بين القطاعين العام والخاص دائما بالتعارض، فالقطاع العام يسعى إلى توسيع نشاطه حسب منهج ومنطق المرفق العام التقليدي، أي تحقيق أهداف الصالح العام بعيدا عن الربح والرؤية التجارية ، بينما القطاع الخاص ارتبط دائما بالبحث عن الربح. هذه النظرة التعارضية للمرفق العام والاقتصاد المبني على الحدود الفاصلة بين الميدان العام والميدان الخاص المقابل له توارت في وقتنا الحاضر.

أصبحت الرساميل وطرق التدخل للقطاعين العام والخاص تعاونية وتضامنية وتكاملية ([6])، بحيث يمكن أن يتناوبا في تحقيق نفس الأهداف ([7])، من خلال الاتفاق على هدف مشترك والسماح لكل شريك أن يخدم مصالح الآخر مع الاحتفاظ بخصوصيته، مما يجعل كل واحد منهما محتاج للآخر. فالإجماع اليوم محقق حول اعتبار أن الدولة العصرية عليها أن تتجنب العلاقات الرقابية مع شركائها الخواص والاستثمار في كل القطاعات وتدير التفاصيل، وتقتصر عملها على الوظائف الأساسية السيادية والضبطية. مما سيضمن تحررها من عدد من الأنشطة التي يمكن أن يقوم بها الخواص، لضمان أفضل للمصلحة العامة وتوجيه عملها نحو القطاعات الاجتماعية الأساسية.

وقد أخذ التدبير المفوض ، كأحد أشكال التدبير الخاص للمرافق العمومية ، أبعادا مهمة مع الانكباب على إصلاح القطاعات الأكثر استراتيجية تجلت بالنص على قانون 05-54، الذي هدف من إقراره إقامة محيط تنافسي وفتح عدة قطاعات في وجه المبادرة الخاصة ، من خلال نهج الشراكة بين القطاعين العمومي والخاص عبر العقود. مما يطرح مسألة ضرورة إقرار تعايش بين المحافظة على خاصية ومبادئ المرفق العام ومنطق المبادرة الخاصة، أي التوفيق بين الصالح العام وتحقيق الأرباح .

وسأحاول من خلال هذه المداخلة التطرق لثلاث نقط:

– تطور أساليب التسيير الخاصة للمرافق العمومية،

– دواعي اللجوء للشراكة في تدبير المرافق العمومية،

– آفاق الشراكة مع الخواص في ظل قانون التدبير المفوض.

  1. تطور أساليب التسيير الخاصة للمرافق العمومية

لم تعرف بلادنا فقط التدبير العمومي للمرافق العمومية ([8]) بل إن التسيير الخاص شهد تطورا كبيرا يرجع إلى فترة ما قبل الحماية والحماية ([9])، حيث عرف تدخل عدد من الشركات الأجنبية بعد التوقيع على اتفاقية الجزيرة الخضراء، عبر عقود الامتياز ، وفي عدد من القطاعات الأساسية الحيوية كالماء والكهرباء والاتصالات والسكك الحديدية والموانئ والنقل البري ، عملت بعد ذلك السلطات المغربية بعد الاستقلال على استرجاع تلك الامتيازات أو عدم تجديد ما انتهت مدته منها، وإدارتها عبر مؤسسات عمومية محتكرة لقطاعات جد هامة شملت جميع الميادين الاقتصادية والاجتماعية والثقافية ….

وبالرغم من التراجع الكبير في إشراك الخواص في تدبير المرافق العمومية في بداية الاستقلال إلا أنه سيتطور وبحدة مع الثمانينات من القرن الماضي، حيث عرفت بلادنا تجربة التقويم الهيكلي ، ونهج سياسة الخوصصة، عبر نقل المؤسسات العمومية إلى القطاع الخاص بناءا على قانون 89-39، الذي هدف إلى التحرير التدريجي للتجارة الخارجية وانفتاح الاقتصاد الوطني على الاستثمارات الأجنبية ودعم الصادرات والإصلاح الجبائي وإعادة هيكلة المؤسسات العمومية.

هذه السياسة الهدف منها تخلي الدولة عن قطاعات يمكن أن يقوم بها الخواص وعقلنة تسيير المؤسسات العمومية ، عبر تقليص التحويلات المالية للدولة واقتصار مجهوداتها على القطاعات الاجتماعية وتحسين خدماتها. وسيشهد منتصف التسعينات توسيعا جديدا لسياسة الخوصصة بتخلي الدولة عن قطاعات تحتكر تسييرها كالطرق السيارة والكهرباء والماء والموانئ والنقل والمطارات والخدمات الحضرية المرتبطة بتوزيع الماء والكهرباء والتطهير السائل والصلب ، ورغم وصول حكومة التناوب التي يقودها حزب اشتراكي لم يغير من هذا التوجه شيئا.

بدورها عرفت الجماعات المحلية تطورا كبيرا مع الإصلاحات اللامركزية الأخيرة ولم تبق على هامش هذه الحركية ، عبر الانفتاح على كل الفعاليات القادرة على المساهمة في تحقيق التنمية المحلية من خلال إعادة هيكلة الوكالات المستقلة وشراكات مع المجتمع المدني والقطاع الخاص الوطني والأجنبي، لاسيما وأن قانون مختلف الوحدات المحلية ينص على اختصاص مجالسها في اختيار طرق تدبير المرافق العمومية المحلية، إذ سيستعمل لأول مرة مصطلح التدبير المفوض في الميثاق الجماعي الجديد الصادر في 3 أكتوبر 2002، حيث نصت المادة 39 من قانون رقم 78-00 على أن المجلس الجماعي “يقرر في طرق تدبير المرافق العمومية المحلية عن طريق الوكالة المباشرة والوكالة المستقلة والامتياز وكل طريقة أخرى من طرق التدبير المفوض للمرافق العمومية طبقا للقوانين والأنظمة المعمول بها”، وقد صار ميثاق العمالات أو الأقاليم في نفس التوجه بنصه في المادة 36 من قانون “00-79، الصادر بنفس التاريخ ، على أن مجلس العمالة أو الإقليم ” يقرر في إحداث المرافق العمومية للعمالة أو الإقليم ، وتحديد طرق تدبيرها إما عن طريق الوكالة المباشرة أو الوكالة المستقلة أو أي طريقة أخرى من طرق التدبير المفوض للمرافق العمومية طبقا للقوانين والأنظمة المعمول بها”، حيث شهدت عدد من التجارب للشراكة بين القطاعين العام والخاص ، لإنجاز بنيات تحتية وتجهيزات جماعية لمواجهة ضعف مواردها وعدم قدرتها على تلبية المطالب المتزايدة على المرافق العمومية.

وقد استندت المجموعة الحضرية الدار البيضاء في إبرام عقد التفويض إلى الإمكانية التي يخولها إياها الفصل 59من الميثاق الجماعي لسنة 1976 الذي خضع للتعديل سنة 2002 ([10])، والذي يمنحها الحق في تدبير بعض الميادين المتعلقة بالماء والكهرباء وأشغال التطهير، حيث وافق مجلس المجموعة الحضرية بالإجماع في 15أبريل 1997 على إبرام عقد التفويض مع الشركة الفرنسية “لاليونيز دي زو” أو “ليدك” لمدة 30 سنة تهم توفير خدمات الماء والكهرباء والتطهير La lyonnaise des eaux بجميع تراب ولاية الدار البيضاء المكون من 23جماعة ، بهدف توسيع وتحسين وعصرنة الخدمات الأساسية المرتبطة بهذه القطاعات ، عبر اعتمادات مالية ترصد لكل قطاع واستعمال تكنولوجيا عصرية متطورة ومناهج حديثة في التسيير. هذه التجربة فتحت شهية عدد من الجماعات في مدن أخرى لإبرام مثل هذا العقد مع شركات أجنية أخرى إسبانية- برتغالية “ريضال” مع المجموعات الحضرية للرباط وسلا والصخيرات تمارة والجماعتين الحضريتين للصخيرات وبوزنيقة والجماعات القروية لسيدي بوقنادل والسهول وعين عتيق والصباح ومرس الخير وسيدي يحيى زعير وشراط، من نفس المدة سنة 1998، وإن كان إبرام العقدين تم نتيجة عرض دولي إلا أنه لم يتم احترام معايير المنافسة.

إلا أن هذا المفهوم ظل غامضا وغير محدد بطريقة دقيقة ([11])، بسبب غياب الإطار القانوني والذي ظل سائدا منذ إبرام عقود التفويض سنة 1997 ، تاريخ انطلاق هذه التجربة في الدار البيضاء إلى حدود الإقرار القانوني مع قانون 54-05 أواخر سنة 2005، خصوصا مع تنامي عدد المدن المغربية الساعية لمنح مرافقها العمومية للخواص مغاربة وأجانب.

وتجدر الإشارة أن هذا النهج الذي اتبعه المغرب في هذا المجال مستوحى من النموذج الفرنسي، الذي تميز بمنح امتيازات في التسيير للشركات الخاصة منذ القرن التاسع عشر في عدد من القطاعات (النقل السككي، توزيع الماء والكهرباء والغاز والنقل البري … )، ولم يغير من هذا التوجه إلا مع الأزمة الاقتصادية لسنة 1929، حيث شهدت سياسة التأميم ، لتتراجع عنها لفائدة التحرير والخوصصة مع الثمانينات من القرن الماضي ، حيث عرفت الدولة والجماعات المحلية تطبيقا كبيرا لهذه الإمكانية ، واستعمل التشريع والفقه خلال هذه المرحلة للدلالة على ذلك تعبير ” تفويض المرافق العمومية ” لتجميع الميكانيزمات التعاقدية في ميدان تسيير المرافق العمومية لتبسيط التركيبات القانونية والمالية التي مست بالمنطق الداخلي للمفاهيم الكلاسيكية كعقد الامتياز والوكالة والإيجار ومشاطرة الاستغلال ([12]).، إذ صدرت مجموعة من القوانين ارتبط النقاش حولها بهذا الميدان([13]). فأول قانون استعمل “اتفاقيات لتدبير المرافق العمومية” هو 6 فبراير 1992 والمتعلق بالإدارة الترابية للجمهورية ، ثم رافقه قانو 29 يناير 1993 المتعلق بالوقاية من الرشوة وشفافية الحياة الاقتصادية والمساطر العمومية ، وقانون 8 فبراير 1995 المتعلق بالصفقات العمومية وتفويض المرافق العمومية ([14]) ولعل القاسم المشترك بين هذه النصوص هو إرادة جمع الميكانيزمات التعاقدية وتحديد نظامها القانوني، الذي يجب إخضاعه لقواعد مشتركة تتمحور حول الشفافية واحترام المنافسة التي فرضتها التشريعات الحديثة ([15]).

وإذا كان هذا هو التطور الذي عرفته فرنسا، فإن للمغرب أسباب واعتبارات أخرى ([16])من وراء إقرار هذا التوجه نحو فتح المجال للشراكة مع الرأسمال الخاص الوطني والأجنبي، في إطار قانون التدبير المفوض للمرافق العمومية المحلية.

  1. دواعي اللجوء للشراكة في تدبير المرافق العمومية المحلية

إن الظرفية الراهنة والتحولات التي يعرفها المغرب والتحديات التي من واجبه مواجهتها تفرض عليه اعتماد خيارات حديثة للتنمية الاقتصادية تتجلى في المردودية، التي تبيح لمرافقه تنمية إمكانياتها، وتوجيه كل قطاع نحو الإنتاجية والمردودية وتحسين طرق إدارته وضبط موارده ومراقبة قراراته، عبر إنتاج قواعد التقويم والتأطير.

وتعد الشراكة بين القطاعين العام والخاص في إطار التدبير المفوض وسيلة جد هامة لتلبية المطالب الاجتماعية ([17])، التي هي مستمرة في التزايد مع التوسع الحضري الناتج عن الهجرة القروية المتزايدة ، والتعمير العشوائي والتراجع الكبير في التزود بالتجهيزات الأساسية ، فقطاعات مثل توزيع الماء والكهرباء والنقل والتطهير السائل والصلب ، أصبحت تعاني من عجز كبير ولم تستطيع تغطية احتياجات المواطنين، نتيجة لارتفاع الساكنة الحضرية من 3.5 سنة 1960 إلى أزيد من 16مليون حاليا مما أثر على جودة الخدمات المقدمة وساهم في تفاقم الهوة بين العرض والطلب ، فالمغرب يحتاج إلى 25 مليار درهم لمواجهة احتياجات السكان خلال العشرين سنة القادمة في مجال توزيع المياه الصالحة للشرب و 30.5 مليار درهم لتوزيع الكهرباء. لذا يعتبر التدبير المفوض كوسيلة مثلى لمواجهة الاستثمارات الضخمة لهذه القطاعات خلال العشرين سنة القادمة ولمعالجة العجز الذي تعانيه ، وتطويرها حتى تتماشى مع الاحتياجات الاجتماعية للاقتصاد الوطني ([18]) . ويمكن تلخيص أهم الأسباب الداعية إلى هذا النوع من الشراكة في النقط التالية:

– تقلص الحدود بين القطاعين العام والخاص مع تخلي الدولة وليبرالية وخوصصة أهم القطاعات واكتفائها بمهمة التنظيم والضبط والتوجيه.

– الاستجابة للحاجيات المتزايدة، وبالتالي ضرورة حضور القطاع الخاص بجانب الدولة والجماعات المحلية في تلبيتها ([19]).

– محاولة تجاوز الانتقادات الموجهة للإدارات المباشرة المنعوتة في تسييرها بمقاومة التغيير وغياب التجديد وصعوبة التكيف مع المطالب الاجتماعية وتكلفة التسيير العالية ، والاستثمارات غير المناسبة والموارد البشرية غير المؤهلة …

– للبحث عن الموارد المالية، في وقت لا تستطيع الجماعات المحلية الزيادة في الضرائب وأداء متأخرات الدين لأغلب المؤسسات العمومية التابعة لها (المكتب الوطني للكهرباء والمكتب الوطني للماء) واستقطاب الاستثمارات الخاصة.

– اللجوء للتسيير الخاص استجابة للإنصاف، عبر آلية تمكن من جعل المستعمل هو من يؤدي وليس الملزم.

– اللجوء للتسيير الخاص للبحث عن الكفاءة والمهنية والتجربة التقنية التي لا يملكها القطاع العام.

– اللجوء للتسيير الخاص استجابة لمطلب الفعالية في التسيير، من خلال الابتعاد عن الشكليات الموجودة في القوانين والبحث عن المنافسة التي تدفع للانضباط في التسيير.

– اللجوء للتسيير الخاص للبحث عن المرونة في التسيير والتعامل مع العاملين في المرفق وفي إبرام الصفقات والمحاسبة ([20]).

بجانب الأسباب السالفة الذكر هناك أهداف عدة مشتركة بين السلطات العمومية وشركائها الخواص ذكرها الأستاذ بوعشيق ([21]) منها:

  • توسيع وتحسين وعصرنة الخدمات،
  • توفير جودة أفضل في الخدمات المقدمة للمرتفقين،
  • تمويل البنيات التحتية من قبل الشركات الأجنبية،
  • إدخال منطق المقاولة في تنظيم وتسيير المرافق العامة المحلية السوقية،
  • انفتاح المرافق العامة المحلية على الوسائل التكنولوجية الحديثة،
  • إعادة تحديد دور الجماعات المحلية لتعزيز القطاعات الاجتماعية التي تعرف عجزا كبيرا،
  • تحفيز الاستثمار المحلي،
  • تمكين الجماعات المحلية من الحصول على موارد مالية قارة بغية توظيفها في مجالات ذات طابع اجتماعي،
  • عصرنة تدبير الوكالات المستقلة التي تعرف الفساد والإفساد، التبذير والعبث في التسيير،
  • ترشيد التسيير وإعادة هيكلة الوكالات المستقلة الجماعية خلال فترة التدبير المفوض .
  1. آفاق الشراكة مع الخواص في ظل قانون التدبير المفوض

ترتكز الشراكة بين القطاعين العام والخاص على أهم عنصر هو الثقة المتبادلة:

. ثقة السلطات العمومية في شريكها الخاص، من حيث كفاءته ومهنيته وقدرته على التكيف مع التحولات الحالية في إدارته.

.ثقة الشركاء الخواص في السلطات العمومية في حسن نيتها وقدرتها على خلق الجو الملائم للنجاح، من خلال الاستقرار، فعدم الاستقرار السياسي والاقتصادي يبقى العائق الأساسي لتنمية الاستثمارات الخاصة إضافة إلى عامل مهم هو الرشوة.

لذا من الضروري أن تعلن الأشخاص العمومية عن استراتيجيتها التنموية مستقبلا لتمكين المقاولات من الاستثمار للمدى الطويل.

في هذا السياق صدر قانون 54-05 المتعلق بتنظيم التدبير المفوض الذي فتح فضاء واسعا للشراكة بين القطاعين العمومي والخاص، والذي هدف من خلاله توفير إطار قانوني موحد حول التفويتات ، لضبط عملياته على المستويات القانونية والتقنية والمالية، وأن يعطي تصورا وضمانات للمستثمرين المغاربة والأجانب المعنيين بالتدبير المفوض ، خاصة في قطاع التجهيزات الأساسية وترسيخ مبادئ الشفافية والتعامل على أساس المساواة مع المستثمرين فيما يتعلق بإبرام العقود. فهل اتخذت السلطات كل الاحتياطات اللازمة من أجل حماية حقوق المواطن ، المستهدف الأساسي من عمليات التفويت ، من ارتفاع تكاليف الخدمات ؟

أثار القانون الجديد للتدبير المفوض نقاشا سياسيا وقانونيا ([22])، خصوصا وأن بلادنا اكتسبت تجربة لابأس بها من هذا النوع من الشراكة، سواء في إطار عقود الإمتياز أو مع عقود التدبير المفوض المبرمة في غياب الإطار القانوني. وبالرغم من التحسن الملاحظ في جودة الخدمات المقدمة في بعض المرافق إلا أن بعض التجارب شابتها اختلالات وأعطاب تجلت في غلاء الفواتير وارتفاع تكاليف الخدمات المقدمة للمواطنين ذوي الدخل المحدود، ارتبطت بالخصوص بغياب الإطار القانوني وعدم تفعيل المراقبات لدفع المفوض إليه إلى تطبيق بنود الاتفاقيات ، والنقاش الحاد الذي رافق اختياره وبعد التوقيع وأثناء التطبيق.

وفي هذا السياق حدد القانون الجديد أطراف العقد، وهم إما الجماعة المحلية أو المؤسسة العمومية والشخص الخاص واستثنى بذلك مرافق الدولة ، أما عن مكوناته فتضم الاتفاقية ودفتر التحمل والملحقات ونشر العقد، حيث أن العلاقة التعاقدية تضم الإنشاء أو التدبير أو هما معا، وعرفه على أنه ” يعتبر التدبير المفوض عقدا يفوض بموجبه شخص معنوي خاضع للقانون العام يسمى ” المفوض “، لمدة محددة ، تدبير مرفق عام يتولى مسؤوليته إلى شخص معنوي خاضع للقانون العام أو الخاص يسمى ” المفوض إليه “، يخول له حق تحصيل أجرة من المرتفقين أو تحقيق أرباح من التدبير المذكور أو هما معا” . كما نص على طرق إبرام العقد والحالات التي يمكن أن تختار فيها السلطات الاتفاق المباشر، وأشكال حل النزاعات ، والنظام المالي والمحاسبي ، وأموال الرجوع ،وحقوق وواجبات الطرفين دون أن يتطرق إلى حقوق المرتفقين، إلا ما كان في الحق في الإعلام ، وحتى اللجوء للقضاء يجب أن يتم بعد نفاذ مسطرة التحكيم ، وأشكال الرقابة الداخلية والخارجية …. ([23]).

وقد عالج القانون الجديد عددا من الإشكاليات القانونية التي طرحت عند إبرام العقود السابقة لضمان التزام الشركات الخاصة المفوض إليها باحترام تعهداتها المتضمنة في دفاتر التحملات، حيث تضمن هذا القانون مواد عدة تضمن سلطة المفوض في المراقبة (المواد 17- 18- 19 -20 من القانون 05-54)، سواء من خلال المستندات أو بعين المكان ، للتأكد من حسن تنفيذ العقد، والقيام بالتدقيقات ومراقبة خارجية، بالاستعانة بالخبراء لضمان حسن سير المرفق المفوض، ووضع نظام للإعلام والتدبير والمراقبة الداخلية والإشهاد على الجودة (المادة 30)، فضلا عن التزام المفوض باتخاذ جميع الإجراءات الضرورية لأجل حسن تنفيذ التدبير المفوض ، وخاصة التعريفات ( المادة 20)، ومسطرة حل النزاعات ([24])

مع إقرار العقوبات والتعويضات في حالة عدم الوفاء بالالتزامات الواردة في البنود التعاقدية ، وذلك قبل أن تتحقق الأسباب الموجبة لفسخ عقد التدبير المفوض ، كحالة الخطأ الجسيم وعدم التفويت وشروط التمديد وإرجاع أموال الرجوع للمفوض …

ومن شأن هذا القانون أن يملأ فراغا تشريعيا في تدبير المرافق العمومية عن طريق الشراكة بين القطاعين العام والخاص ، وأن يضمن شروط النزاهة والشفافية في إبرام عقود التدبير المفوض ، قصد الحصول على أحسن عرض في المجال التقني والمالي والتدبيري ، سواء أثناء إعداد الملفات أو الإعلان عن طلب العروض ومساطر التقييم التقني والمالي والمفاوضات وكناش التحملات ، وكل هذا يقتضي توفر السلطة المفوضة على خبرة كبيرة تقنية ومالية ومحاسباتية في اختيار الشريك الخاص والاتفاق معه على أساس تعاقدي جد واضح في تحديد وحصر الخدمات المنتظرة ، عبر ملائمة الأهداف والنتائج المنتظرة مقارنة مع التدخلات والوسائل المقترح تسخيرها لتحقيق الأهداف ، مع مراعاة الطاقات المالية للجماعات المعنية ، وضمان رقابة ملائمة بالاستعانة بالخبراء المختصين والمحايدين لتقييم أداء المرفق من النواحي التقنية والمالية والتنظيمية ، من خلال الدراسات المعدة في هذا الجانب ، ومحاولة إرساء جهاز دائم يسهر على متابعة التقدم الحاصل في أداء المرفق الخاضع للتدبير الخاص ، وذلك لتمكين المواطن من أفضل خدمة بأقل تكلفة.

وهكذا فحضور السلطات العمومية التنظيمي والرقابي ، من أجل شراكة فعلية ، ضروري بل ملح لكونه يجسد أهم فارق بين الشراكة والتحرير والخوصصة ، لضمان التنافس الفعلي ، وتجنب البحث فقط على المردودية المالية . وأيضا لتوفير المناخ الملائم لانخراط الخواص ، فالأمن القانوني والقضائي جد مهم للسماح بإقرار مشاريع للشراكة بين القطاعين العام والخاص سواء مع مرحلة الانتقاء التمهيدي للمرشحين، من خلال تهيئ ملفات طلب العروض من نظام طلب العروض ودفاتر التحملات المرتبطة بكل مرفق والاتفاقية والوثائق الملحقة التي تضبط الجوانب التقنية والإدارية والقانونية والمالية لعقد التدبير المفوض ، أو بالنسبة للمرحلة الحاسمة للتقييم التقني والمالي للعروض ، والتي تستدعي مستوى عال من الخبرة والمهارة في الميادين التقنية والمالية ، لكون الخوصصة دفعت الحكومة إلى تغيير تعاملها مع القطاع الخاص ، عبر التأكيد على الدور الاقتصادي والاجتماعي الموكول له ودعواتها إياه إلى التحلي بروح المقاولة المواطنة التي توفق بين متطلبات المردودية والفعالية والإنتاجية ، من جهة ، ومبادئ المرفق العام القائمة على السعي إلى تحقيق المصلحة العامة ، من جهة ثانية.


[1]   مداخلة قدمت في اليوم الدراسي المنظم بكلية الحقوق سطات بتعاون مع كليتي الحقوق للمحمدية ووجدة يوم 12 أبريل 2007 في موضوع ” التدبير المفوض: الحصيلة، التأثيرات، التقويم والآفاق” .

[2]عرفت الدولة محطات متعددة من التحول وانتقلت من :

-الدولة الدركية الليبرالية مع النصف الأول من القرن 19، لا تتدخل إلا ناذرا في الشأن الاقتصادي والاجتماعي؛

-الدولة المنظمة للأمة الداعمة للتماسك الاجتماعي والسيادة الوطنية مع عشرينات القرن 20؛

-الدولة المتدخلة التي انطلقت مع الأزمة الاقتصادية في سنوات الثلاثينات من القرن 20، الهادفة إلى التقدم الاقتصادي والاجتماعي؛

-دولة التخلي الحالية تحت ضغط الموجة الليبرالية، عبر استبدال تدخلاتها الثقيلة بتشجيع القطاع الخاص للتخفيف من سلبيات اقتصاد السوق.

GERARD VINDT, « Deux siecles de developpement de l’Etat », Alternatives Economiques, Hors Serie, n° 61, 3C trimestre 2004, p. 16.

[3]Francois ASCHER, « Le partenariat public, prive dans le «(re) developpement», in Partenariat public-prive dans l’amenagement urbain, WERNER Heinz, ed. L’Harmattan, 1994, p. 197.

[4]عرفت مديرية المياه والتطهير بوزارة الداخلية في أحد تقاريرها الشراكة بين القطاعين العام والخاص بأنها عقود طويلة الأمد تتعدى القيام بعمل معين أو إسداء خدمة ما، بل تمنح للمتعامل مع الإدارة إمكانية استغلال المرفق لمدة طويلة في ظروف متغيرة وترتكز على اقتسام الأخطار وعلى تحقيق أهداف وتوازن اقتصادي خلال مدة تنفيذ العقد.

 [5]El Hadj MBODJ, « Les perspectives du partenariat entre les villes africaines », In Quels partenariats pour la ville ?: Approches Internationales, Sous la direction de Vincent HOFFMANN-MARTINOT et Leszek A.KOSINSKI, Ed, Pedone, 1999, p. 19.

 [6]Mohamed IBRAHIMI, « L’experience municipale de delegation des services publics marchands», REMALD, serie “themes actuels”, n° 30, 2001. p. 15.

[7]وهذا ما تترجمه تصرفات بعض المقاولات مع الحديث عن مفهوم المقاولة المواطنة.

[8]M. ROUSSET, Le service public au Maroc, ed. La porte, Rabat, 1993, p. 21.

[9]Mohammed Amine BENABDELLAH, « Le contentieux contractuel »,REMALD n° 40, septembre 2001, p. 127.

[10]قانون 78-00 الصادر في 3 أكتوبر 2002 ألغى ظهير 30 شتنبر 1976 بمثابة قانون المتعلق بالتنظيم الجماعي.

[11]محمد اليعكوبي ، ” المفهوم القانوني للتدبير المفوض”، م.م.إ.م.ت.، عدد 65 ، نونبر- دجنبر 2006، 75.

[12]محمد اليعكوبي ، م .س . ص . 76.

[13]Bruno JOBERT, « Le service public local et le retour de l’Etat», In le service public local: des imperatifs de la modernisation aux exigences de la democratic, Ouvrage collectif, S/D de Jean-Charles FROMENT et Jamil SAYAH, Presse Universitaire de Gronoble, 1998, p. 141.

[14]Jean-Paul VALLETE, Le service public a la Francaise, ellipses, 2000, p. 123.

[15]Gilles-J- GUGLIELMI, GENEVIEVE KOUBI, Droit du service public, Montchrestien, E.J.A, 2000, p. 252.

[16]Amal. MECHERFI, « La gestion deleguee au Maroc : un nouveau mode de 1’execution des services publics locaux », In REMALD, n° 30, 2001, p. 51.

[17]ALI SEDJARI, « Partenariat public prive et renouveau de I’action publique », In gouvemance et conduite de l’action publique du 21e siecle, Ed l’Harmattan, Rabat 2003, p. 247.

[18]حنان بنقاسم، ” التدبير المفوض بين التنظير والتطبيق: دراسة مقارنة” ، م.م.إ.م.ت. عدد 61 مارس- إبريل 2005، ص.68.

[19]Paul LIGNIERES, « Quel PPP dans la France de demain ? », In developpement des territoires : quels outils financiers pour le PPP ? ed, la documentation Francaise, Paris 2003, p. 19.

[20]Paul LIGNIERES, Partenariat Public Prive, Litec, Paris, 2000, p. 24 et suivant.

[21] أحمد بوعشيق، المرافق العامة الكبرى على ضوء التحولات المعاصرة، دار النشر المغربية، الدار البيضاء، الطبعة الثامنة،2004، ص.200.

[22]خصوصا وأن عقود التدبير المفوض لمرفق توزيع الماء والكهرباء والتطهير السائل بكل من الدار البيضاء والرباط أبرمت مع شركات أجنبية بموجب اتفاق مباشر بدون اللجوء إلى الإشهار وطلب العروض لضمان التنافس.

للمزيد من التفصيل انظر مقال الأستاذ آمال المشرفي السالف الذكر صفحة 51 وما يليها.

[23]انظر: الظهير الشريف رقم  1-06-15 الصادر في 15 محرم 1427 ( 14 فبراير2006 ) بتنفيذ القانون رقم 54-05المتعلق بالتدبير المفوض للمرافق العامة.

[24]Yves GAUDMET, « Les contrats de partenariat public prive : etude historique et critique », In partenariat public prive et gouvernance future, Rabat, 2005, p. 211.

https://powderencouraged.com/w3m6c9b5?key=af8b4909c0965493e9682d74bb50a646
https://powderencouraged.com/ksq5rgwdmh?key=b5b47a0d83f8742dcf71d4de8ef00494
https://powderencouraged.com/bkcduddx?key=0252cc21d0f4e0ae5f53245940611301
×
error: Content is protected !!

اكتشاف المزيد من

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

Continue reading