ضبط المرافق العمومية

أ.راضية شيبوتي

كلية الحقوق والعلوم السياسية

جامعة منتوري قسنطينة – الجزائر

 

ملخص:

بعدما تم توضيح مختلف المضامين المتعلقة بفكرة المرفق العمومي حسب وظائفالدولة الحديثة، فإن الأمر يتعلق بتبيان مختلف عوامل تطور المرفق العمومي وتحديد معنى ضبط المرافق العمومية، هذه الفكرة التي ما فتئت تجتاح معظم المرافق العمومية بصفة إلزامية.

 

Résumé

Le service public est une dimension essentielle de l’Etat moderne. La présente étude traite de l’évolution de la notion de service public et des problèmes posés pour sa régulation.

مقدمة:

رغم كونه من المفاهيم الأكثر إثارة للجدل، لا يزال المرفق العمومي يشكل الوظيفة الأساسية للإدارة، فهو يعد أداة أصلية لتنظيم الدولة ووسيلة لحماية وجودها وكيانها وحسن تنظيمها، ومن يقول الدولة يعني المرفق العمومي، ومن خلاله تستطيع الدولة تقديم الخدمات للمواطنين وتحقيق النفع العام سواء عن طريق المرافق العمومية الإدارية أو التجارية والصناعية، حيث الأفراد والهيئات تعجز عن تحقيقها بحجة الضرورة التقنية.

غير أن هذا المدلول لمفهوم المرفق العمومي لم يعد مطلقا بفعل عوامل عديدة، حيث لم تعد تحقيق المصلحة العامة وظيفة حصرية للدولة، إذ أن بعض الخدمات تقدم من طرف الخواص بشكل أفضل من الدولة.

فالنظرية الليبرالية الجديدة القائمة على أساس فكرة العولمة أثرت في وظيفة الدولة وفي مبادئ تسييرها، حيث أصبح الانفتاح على السوق والمنافسة الحرة في قطاعات عديدة خيار لا رجعة فيه.

إن الانفتاح على السوق الحر حمل معه نظرة جديدة لوظيفة الدولة الحديثة، فتحرير المرافق العمومية الكبرى نحو المنافسة الحرة بما تحمله هذه الكلمة من محتوى (المساواة في التنافس، حري الأسعار…) كان له الأثر البالغ في ظهور مفاهيم جديدة أو إعادة تكييف مفاهيم سابقة ضمن بيئة جديدة.

فالمصلحة العامة كهدف رئيسي ووحيد لإنشاء المرافق العمومية شهدت تحولات كبيرة، حيث لم تعد المبرر للإضرار بالحريات الاقتصادية وإقامة قواعد تأطير أو منع من اللعبة الاقتصادية بل أصبح التنظيم التنافسي للسوق من متطلبات المصلحة العامة.

بذلك فإن تكييف المرافق العمومية وفق هذا المنطق الجديد استدعى وضع آليات قانونية ومؤسساتية تضمن سلامة الانتقال بمهام المرفق العمومي من بيئة احتكارية إلى محيط تنافسي وهو ما يسمى “ضبط المرافق العمومية”.

فما المقصود بضبط المرافق العمومية؟ وما هي نتائجها؟ ما هي الجهة المكلفة بالضبط؟ أين هي من فكرة الوصاية الممارسة من طرف الدولة؟

هي أسئلة قانونية تبحث عن أجوبة منطقية في ظل القانون الجزائري والقانون المقارن لاسيما القانون الفرنسي باعتباره مرجع تاريخي للجزائر، وذلك على ضوء تأثيرات قوانين الاتحاد الأوروبي كون الجزائر شريك استراتيجي للعديد من دول الاتحاد.

لذلك سوف نحاول الإجابة عن هاته التساؤلات من خلال تحليل مفهوم المرفق العمومي في ظل التطورات التي تعرفها الدولة الحديثة عموما والجزائر خصوصا، ثم محاولة توضيح وتحديد وظيفة الضبط المرافق العمومية وآلياتها، وذلك من خلال دراسة تحليلية ومقارنة وفق خطة عمل ثنائية بالشكل الآتي:

المبحث الأول: تطور وظائف الدولة الحديثة وانعكاساتها على المرافق العمومية.

أولا: وظيفة الدولة الحديثة: من القيادة إلى الاستراتيجية.

ثانيا: المرفق العمومي: بين متطلبات المصلحة العامة وحرية المنافسة.

المبحث الثاني: ضبط المرافق العمومية: رهان جديد

أولا: مفهوم ضبط المرافق العمومية ومجالاته

ثانيا: آليات ضبط المرافق العمومية.

المبحث الأول: تطور وظائف الدولة الحديثة وانعكاساتها على مفهوم المرفق العمومي.

سبق القول أن المرفق العمومي مرتبط باعتبارات فلسفية سياسية واجتماعية شأنه في ذلك شأن القانون الإداري ككل، لذلك فإن حساسيته للمتغيرات الحاصلة في البيئة التي يتطور فيها شديدة الوضوح فانتقال الدولة لطور الحداثة كان له دور في رسم معالم جديدة للمرافق العمومية.

أولا: وظيفة الدولة الحديثة: من القيادة إلى الاستراتيجية.

بفعل ضغط العولمة وتأثيراتها الداخلية على الدول، قلصت الوصاية الممارسة من طرف الدولة على الحياة الاجتماعية والاقتصادية، غير أن هذا لا يعني نهايتها (نهاية الدولة) أو يعني العودة إلى مفهوم الدولة الليبرالية القديمة، لكنه يعني الانتقال إلى مفهوم جديد لدور الدولة يرسم نموذج جديد للدولة لا تزال ملامحه غير واضحة، وهذه هي إحدى مميزات “ما بعد الحداثة”(1).

فبعدما كانت الدولة هي الموجه والمسير للاقتصاد، وهي التي تحدد مفهوم المصلحة العامة، وفي سبيل ذلك تتمتع بامتيازات لا تنبغي لغيرها مما يجعل دورها الاقتصادي يتمحور حول عدم المساواة وهو ما يترجم وضعية الاحتكار(2).

غير أن الانتقال لاقتصاد السوق الحر وحرية المنافسة كان له الأثر البالغ في ظهور أفكار إصلاح الدولة التي ألقت بظلالها في إعادة رسم وتحديد الدور الجديد للدولة، الأمر الذي استدعى بالضرورة إدخال تعديلات أساسية في لتنظيم محيط العمل ومناهج سيرورة الدولة في إدارتها الأمر الذي يحقق فعاليتها، فالمسألة تتعلق بالانتقال من دولة بوظيفة إدارية إلى مجموعة آليات مستلهمة من التسيير العمومي الجديد حيث تحترم فيه الإدارة قواعد المنافسة وهو ما ينقص من هيمنة الدولة على الاقتصاد.(3)

وتطبيقا لذلك يتحدد دور الدولة الحديثة في الاقتصاد من “النموذج” إلى “الاستراتيجي” تظهر فيه كضابطة مكلفة بضمان صيانة التوازنات الكبرى وإعادة إدماج تناقضات مختلفة، لان تطور اقتصاد السوق جعل من هذا التدخل ضروري الأمر الذي يفسر استمرارية تمتع الدولة في ظل ما بعد الحداثة بامتيازات في مجال رسم الاستراتيجيات والخطط ووسائل تنفيذها، فالدولة الحديثة تتمحور حول تركيز قوي لبعض المهام والصلاحيات المعتبرة ضرورية لفكرة السيادة والمسماة بالنشاطات والتي تعتبر نواة الدولة ومن غير الممكن إنقاصها وتبرر غاية إنشائها.

غير انه وبالرجوع للواقع نجد أن الدولة الحديثة لم تعد تكتفي بدور الحكم أو الضبط، بل تمارس دور نشيط في المجال الاقتصادي، فهي دولة فاعلة في هذا المجال مما يمنحها بعض الامتيازات، وهي ما تسمى بالدول ذات الاقتصاد المختلط، والملاحظ أن جميع الدول الليبرالية الحديثة هي دول ذات اقتصاد مختلط، والحقيقة أن هذا الوضع يشكل مبادئ توصف تقليدية للمرفق العمومي الفرنسي الذي يقوم على طرق تنظيم دول ذات اقتصاد مختلط(4) وهي الحال بالنسبة للجزائر حيث يبقى القطاع العام يحتل مكانة هامة في المجال الاقتصادي بغض النظر عن مدى فعاليته، وهو ما يبرر استمرارية وضعية الاحتكار الممارسة من طرف الدولة في بعض القطاعات.

ثانيا: المرفق العمومي: بين متطلبات المصلحة العامة وحرية المنافسة.

أمام التطور التقني والتكنولوجي المتسارع، ومظاهر العولمة السائدة والمفروضة، كان لزاما على الدولة الحديثة أن تنسحب من عدة قطاعات وفسح المجال أمام الخواص للتنافس على تقديم الخدمة في أفضل الظروف وأفضل الأسعار خدمة للمواطن، وهو ما يعبر عنه بالخوصصة أي خوصصة القطاع الاقتصادي، وهو ما استدعى سريعا مراجعة العديد من المفاهيم.

ومن هذه المفاهيم مفهوم المصلحة العامة كهدف رئيسي ووحيد للمرافق العمومية ومفهوم حرية المنافسة كمبدأ قار للاقتصاد الحر حيث تظهر جدلية واضحة بينهما، فالأصل أن حرية المنافسة تناقض فكرة المصلحة العامة، غير أن هذه الأخيرة شهدت تحولات في معناها وحجمها ونطاقها بفعل عوامل اقتصادية واجتماعية وثقافية، مما خلق نوع من التكامل والتزاوج بينها وبين فكرة حرية المنافسة فأضحت حرية المنافسة الحرة والنزيهة من متطلبات فكرة المصلحة العامة والتي يكاد يتقلص مداها في المجال الاقتصادي فقط.

إن هذه المتغيرات أثرت بشكل عميق في مفهوم المرفق العمومي وامتد أثرها إلى مفهوم القانون الإداري ونطاق اختصاص القاضي الإداري. والواقع أن هذه التغيرات لها ما يبررها، ولها نتائجها.

أما من حيث المبررات: فإن ضرورة استجابة المرفق العمومي لهذه المتغيرات الحاصلة ليس أمرا دخيلا عنه، فهو في حقيقة الأمر تجسيدا لمبدأ هام تقوم على أساسه المرافق العمومية، وهو مبدأ “التكيف” حيث يهدف المرفق للاستجابة إلى حاجيات المواطنين ومتطلبات الصالح العام وتأمينها، وبما أن هذه المتطلبات والحاجيات تتطور فبالضرورة فإن المرفق العمومي يتطور، وذلك بإدخال التغيرات اللازمة والكفيلة بتلبية هذه المتطلبات والحاجيات الجديدة.

فكل هذه المتغيرات سواء كانت ذات طبيعة قانونية أو اقتصادية أو تقنية التي تطرأ أو تمس المرافق العمومية تفرض على السلطة العمومية أن تكيف نشاطها معها، وفي الحالة العكسية (السلبية) سيؤدي إلى انصراف المواطنين عنها، وبالتالي توقف المرفق العمومي وهو ما يعبر عنه بالتغيير المستمر أو التكيف(5).

أما من حيث نتائج هذه المتغيرات: فقد مست مفهوم المرفق العمومي بحد ذاته والذي بدا يعاني من أزمة مفاهيم، كما مست كذلك علاقة المرفق بمرتفقيه.

  1. المرفق العمومي وأزمة المفاهيم:

على مستوى القانون المقارن، فإن مفهوم المرفق العمومي على الطريقة الفرنسية التقليدية عرف أزمة مفاهيم حديثة بفعل التطور الحاصل لاسيما في ظل قوانين الاتحاد الأوربي.

فالاتحاد الأوربي مبني أساسا على أسلوب اقتصادي موجه لترقية حرية المنافسة لصالح السوق المشتركة مما يوفر الأمن والازدهار داخل مجال حرية حركة الأفراد والخدمات ورؤوس الأموال، وبذلك تجاهل منطق المرفق العمومي، فقوانين الاتحاد تدعم الثقة في مبادئ السوق وحرية المنافسة من اجل الوصول لإشباع المصلحة العامة(6) وهو ما دعا بالفقه للقول أن القانون الاتحادي لا يسبح في فلك المرفق العمومي(7).

إن هذا الواقع فرض ظهور نوع آخر من المرافق يختلف في فلسفته عن المرفق العمومي التقليدي، وأهمها:

  • مرفق ذو مصلحة اقتصادية عامة: وهو ما يعبر عن النظرة الألمانية لمفهوم المرفق العمومي والذي يحاول استخلافه، فهو كل نشاط يهدف إلى تحقيق المصلحة العامة يمارس من طرف كيان عمومي أو خاص بتفويض من السلطة العمومية ويخضع في ذلك لقواعد المنافسة.

وبذلك فإن مرفق ذو مصلحة اقتصادية عامة يشكل الترجمة العمومية للنشاطات الاقتصادية. وقد ظهر هذا النوع من المرافق في اتفاقية روما المؤرخة في 1957-03-25 المتعلق بالاتحاد الأوربي وذلك بدلا من مرفق عمومي(8).

  • المرفق لصالح الجميع: وقد عرف بأنه: مرفق أساسي يقدم الخدمة للجميع في كامل المجموعة بأسعار موحدة ومستوى نوعي مقبول(9). وقد ظهر هذا المفهوم في التشريع الجزائري ضمن القانون رقم 2000_03 المؤرخ في 05_08_ 2000 الذي يحدد القواعد العامة المتعلقة بالبريد والمواصلات السلكية واللاسلكية(10)، حيث جاء فيه: “…توفير خدمات مطابقة للأحكام القانونية والتنظيمية للمرافق لصالح الجميع…” وقد عرفته المادة 08 من نفس القانون بأنه: “يقصد في مفهوم هذا القانون بالمرفق لصالح الجميع للمواصلات السلكية واللاسلكية جعل تحت تصرف الجميع القدر الأدنى من الخدمة، تتمثل في خدمة هاتفية ذات نوعية خاصة…”، بالإضافة لبعض المراسيم التوضيحية كالمرسوم التنفيذي رقم 03_232 والذي يحدد مضمون المرفق لصالح الجميع للبريد والمواصلات السلكية واللاسلكية والتعريفات المطبقة عليه.

لذلك فإن هذا المفهوم مرتبط منذ نشأته بقطاع الاتصالات السلكية واللاسلكية وقد ظهر في بداية القرن العشرين في الو.م.أ لاستبعاد المنافسة مع الدولة في مجال الاتصالات(11).

ويختلف المرفق العمومي عن هذا الأخير كون الأول نشأ وتطور في محيط محمي من المنافسة، في حين الثاني نشأ وتطور في فلك المنافسة والخوصصة وفوضى القطاعات، ويتضمن الالتزامات الدنيا للمرفق العمومي. لذلك يرى البعض أن المستقبل الوحيد للمرفق العمومي هو الانحلال في النموذج الليبرالي، غير أن البعض دعا لضرورة وضع ميثاق للمرافق العمومية.

  1. علاقة المرفق بمرتفقيه

المعلوم أن المشرع الجزائري يميز بين المرافق العمومية ذات الطابع الإداري والمرافق العمومية ذات الطابع الصناعي والتجاري (حسب القانون رقم 88_01 المؤرخ في 12_01_1988 المتعلق بالقانون التوجيهي لاستقلالية المؤسسات الاقتصادية لاسيما المادة 5 منه) بما لهذا التمييز من نتائج.

فالمرافق العمومية الاقتصادية تخضع للقانون العادي (خاصة في علاقتها مع الغير بما فيهم المنتفعين أو المرتفقين) في مجالات الإنتاج والتوزيع.

فالمرتفق في علاقته مع هذه المرافق ليس في مركز تنظيمي لائحي إنما في مركز تعاقدي ناشئ عن توافق الإرادتين، غير أن هذا التوافق يبقى صوري لاسيما في وضعية الاحتكار الممارس من قبل بعض المرافق حيث يبقى المنتفع في حالة تبعية .غير أنه وبعد الانفتاح على المنافسة وتلاشي الاحتكار والانتقال لوضعية العرض الفائض تحولت العلاقة إلى تجارية بحتة حيث أصبح المرفق العمومي الاقتصادي لا يقدم أداء عاما كما كان، بل يقدم خدمة أو منتوجا أكثر فردية، وتحول المنتفع إلى مستهلك(12) تطبق عليه أحكام قانون حماية المستهلك, وتحول المرفق العمومي إلى محترف.

المبحث الثاني: ضبط المرافق العمومية: رهان جديـد

إن ضبط المرافق العمومية هو البعد الاستراتيجي للتنظيم الجديد، وهو ما دعا للتفكير في الأشكال الجديدة لهياكل الدولة ومؤسساتها لمواجهة التغيرات المفروضة بفعل العولمة، وبالرغم من الإجماع على ضرورة هذه المهمة (الضبط) إلا أنها لا تجد لها تعريفا واضحا، وبالرغم من ذلك فالمشرع وبغض النظر عن التعريفات التي تركها للفقه يمضي قدما لتحديد معالم هذا التنظيم الجديد.

أولا: مفهوم ضبط المرافق العمومية ومجالاته:

يعكس الضبط أسلوب للعمل للتأثير في مجموع المتغيرات الاقتصادية، لذلك حاول الفقه إعطاء تعريف دقيق لما يسمى ضبط المرافق العمومية، فتوصل بذلك لوضع تعريفين: المعنى الواسع والمعنى الضيق.

  1. المعنى الواسع: ويقصد به مجموع الترتيبات الضرورية لمختلف المتغيرات التي تنظم عمل المرافق العمومية لجعلها أكثر فعالية(13)
  2. المعنى الضيق: وهو العمل على تكييف المرافق العمومية وفقا لقوانين السوق والمنافسة الحرة.(14)

وبهذا المعنى يختلف الضبط عن التنظيم، فالتنظيم هو خلق الإطار القانوني الذي يمارس من خلاله عملية الضبط، وعمليا فإن ضبط المرافق العمومية يتطلب ويترجم المنافسة في قطاع حيث لم تكن موجودة من قبل، ويضمن نوعية المرفق العمومي في محيط تنافسي.

وبذلك فإن الدولة تسعى للتوفيق بين مبادئ المنافسة ومهام المرفق العمومي لاسيما المصلحة العامة وفي هذا الإطار يظهر أن الدولة تلعب بهذا الصدد دور ثلاثي (15) يظهر من خلال:

أولا: المشرع ويحدد الإطار الذي من خلاله تمارس مهام المرفق العمومي بالربط مع الأولويات الكبرى الاقتصادية والاجتماعية.

ثانيا: الأجهزة الإدارية والتي تقوم على تنظيم هاته المرافق.

ثالثا: الرقابة (الوصاية) على الهيئات والمؤسسات التي تقوم بمهام المصلحة العامة.

غير أن هذا الدور الأخير أصبح محل تساؤلات حيث ظهر منذ سنوات مفهوم جديد يحل محل الوصاية تدريجيا ألا وهو “وظيفة الضبط” التي ما فتئت أن تطورت بشكل لافت بفعل الابتكار التكنولوجي ومفهوم الديمقراطية التشاركية وتعدد مستويات القرار، وتوسيع حقل المنافسة في القطاعات الكبرى.

لذلك فالضبط يختلف عن الطريقة التقليدية لتدخل الدولة في الاقتصاد فهو يتضمن مراقبة اللعبة الاقتصادية لحفظ التوازن بحيث تظهر الدولة كحكم وليس كفاعل اقتصادي.(16)

غير أن الجدير بالتنبيه أن وظيفة الضبط هاته لا تطال جميع المرافق العمومية حيث يجب التمييز بين المرافق العمومية الإدارية (الشرطة، العدالة…) وهي غير معنية بالمنافسة وبالتالي بعملية الضبط، غير أنها تحتاج لطرق تسيير حديثة تتمثل أساسا في المناجمنت.(17)

أما المرافق الصناعية والتجارية والتي بفعل التطورات الحاصلة وجدت مهامها وطرق تمويلها في حالة اضطراب، فهذه هي التي تشكل موضوعا لوظيفة الضبط.

  • مجال عملية الضبط: إن ضغوطات واختلالات آليات السوق تستدعي من الدولة التدخل في مجالات ليست حكرا عليها كذلك يمكنها تنظيم بعض النشاطات كقطاع البنوك كما هو الحال بالنسبة للدولة الجزائرية حيث تتدخل في نشاطات فيها مخاطر لكن اجتماعيا ضرورية مثل المرافق العمومية، وهو ما يحدد دور الدولة في الاقتصاد على المستوى الوطني والدولي .بذلك تحافظ الدولة على دورها في حماية القواعد القانونية المطبقة على النظام الاقتصادي عن طريق وظيفة الضبط، وهو ما يسمى بالدولة الضامنة، أي أنها تضمن تطبيق القانون على جميع المتعاملين الاقتصاديين وذلك حماية للسيادة بالمفهوم الاقتصادي.(18)

وتمتد هذه المهمة أساسا لمراقبة قواعد المنافسة في القطاع المعني ومراقبة الأسعار وتقييم الفعالية الاقتصادية والاجتماعية للمرافق العمومية بالنظر إلى المصلحة العمومية وتصحيحها حسب الحالة، ونستثني من ذلك تحديد التوجهات الكبرى للسياسة الاقتصادية والتي يجب أن يبقى الاحتكار الحصري فيها للسلطات العمومية عن طريق السلطة التشريعية والتنفيذية.

ثانيا: آليات ضـبط المرافق العمومية:

إن انتقال الجزائر من اقتصاد مسير نحو اقتصاد حر يتطلب وضع مجموعة من القواعد والهيئات في إطار شامل ومنسجم للتحول والذي يضمن الاستقرار ويتفادى بذلك الاقتصاد الصدمات الداخلية والتي تجعل من الانتقال صعب ومكلف جدا.(19)

لذلك لم يسند المشرع الجزائري، على غرار غيره، وظيفة الضبط للإدارة التقليدية في شكلها المركزي أو اللامركزي فطالما اتهمت هذه الأخيرة بالمحاباة والبيروقراطية والرشوة (20)، وهو الأمر الذي يجعل من المتعاملين الاقتصاديين يشعرون بالا أمن القانوني مما يعني تآكل الثقة في الإدارة التقليدية بالإضافة للضغط المتزايد للقوى الاقتصادية التي تزايدت قوتهم بفعل العولمة.

لهذا السبب ومن اجل إصلاح الدولة ودورها فقد رافقت عملية الانفتاح على المنافسة إنشاء هيئات مميزة مكلفة بضمان الانتقال السليم للمرافق العمومية وحماية الاقتصاد الوطني وتقييم العملية التنافسية وتثبيت بعض المصالح.

وتمثلت هذه الهيئات فيما يسمى “بسلطات الضبط الإدارية المستقلة” وهي عبارة عن تنظيم إداري جديد ومحايد عن الغدارة التقليدية، ولدت بفعل تأثير الليبرالية التي توصي بضرورة الفصل بين المتعامل الاقتصادي والجهة الإدارية.(21)

والملاحظ أن هناك عدد متزايد لهذه الهيئات ولإجراءات الضبط، لأنه من غير المعقول أن تنحصر في يد سلطة وطنية واحدة تترأس مجموع المرافق العمومية على اختلافها.

وتطبيقا لذلك يصنف الضبط إلى:

  1. ضبط قطاعي: ويتمثل في مجال الطاقة (الكهربائية، المناجم، المياه…)
  2. ضبط جغرافي: يمارس على كل مستويات القرار (وطني أو محلي).
  3. ضبط وظيفي: فبعض وظائف الضبط يمكن تجميعها في هيئة واحدة، لكن وظيفة تقييم عملية الضبط نفسها يجب أن تكون محايدة.

والملاحظ في الجزائر أن عملية الضبط المتبناة هي الضبط القطاعي (la régulation sectorielle)، أي أن المشرع لجأ لإنشاء هيئات ضابطة في كل قطاع على حدة، مثل مجال الطاقة، المناجم، الاتصالات السلكية واللاسلكية…الخ والتي تسمى بالمرافق الشبكاتة، بالإضافة لسلطة ضبط ذات اختصاص عام وهو مجلس المنافسة.

وقد نظم المشرع العلاقة بين مجموع هذه السلطات بطريقة تضمن انسجام تدخلات هذه السلطات في قطاعات نشاطها وذلك خدمة للغاية النهائية وهي محاولة وضع إجابات للأسئلة المعقدة التي أفرزتها مرحلة الانتقال من اقتصاد مسير إلى اقتصاد حر.(22)

خاتمة:

من خلال هذه الدراسة نخلص إلى أن مفهوم المرفق العمومي ليس مفهوما مجردا ومحايدا، ولا يمكن تحديد له أي معنى إلا في إطار محتواه والأهداف الاجتماعية والاقتصادية المسندة إليه. كما أن عملية المنافسة لا تعد إجراء خطيرا وقاتلا للمرافق العمومية لكن يجب ضبط العملية في إطار مبادئ الدولة الحديثة, وذلك من أجل تطوير المرفق العمومي وتفعيل أدائه وتحسين النوعية وتكييفه ليكون عند تطلعات مرتفقيه وخدمة للصالح العام. وهذا ما يعبر عنه بضبط المرافق العمومية كاستراتيجية جديدة وجماعية تحل محل تقنيات التسيير التقليدية وتقوم على مشاركة العديد من الفاعلين في اتخاذ القرار وهو ما يسمى بالديمقراطية التشاركية التي تنبني عليها الدولة في طور ما بعد الحداثة والتي هي في طور البناء في الجزائر، حيث تولي أهمية لإعادة تأهيل وتطوير المرفق العمومي، وذلك تطبيقا فعليا لبرنامج قطاعي ضمن البرنامج (PCSC)(32)، لذلك فالأمر يتعلق بإصلاح عن طريق وظيفة الضبط مما يستوجب دعم هذا الدور الجديد وآلياته.

المراجع والهوامش:

  1. Jacques Chevallier ,L’Etat Post moderne, L.G.D.J 2004 ,Paris,P48
  2. Jean François Aubuy, Olivier Raymundie, Le Service public,collection analyse juridique,France,2003 .p95.
  3. Amina Chihchibani, Le secteur public en Algérie à L’ère de la mondialisation, in revue « réformes économiques et intégration en économie mondiale, Ecole supérieur de commerce, Alger .n8/2010,p13.
  4. J .F.Aubuy, O,Raymundie, op cit, p 17.
  5. ناصر لباد، القانون الإداري، الجزء الثاني: النشاط الإداري، الطبعة الأولى 2004، الجزائر، ص 105.
  6. J .F.Aubuy, O,Raymundie,.Ibid,p105.
  7. Idem,p108.
  8. Idem,p113.
  9. ناصر لباد، المرجع السابق، ص 119.
  10. القانون رقم 2000_03 المؤرخ في 05_08_2000 ج ر رقم .48. 11.Cf
  11. JF.Aubuy ,op cit,p115 et s.
  12. محمد بودالي، مدى خضوع المرافق العامة ومرتفقيها لقانون حماية المستهلك، مجلة الإدارة، العدد 122، 2002، ص54.
  13. Ouverture à la concurrence et régulation des services publics, dispo à: www .vie-publique-politique .fr.
  14. Claude Klein, La Régulation des services publics, http://www.vie-publique.fr.
  15. op cit.
  16. J.Chevallier,op cit,p 56.
  17. ناصر لباد، المرجع السابق، ص 118.
  18. Amina Chihchibani,op cit,p 06.
  19. Taher Latreche, Concurrence , régulation et vérité des prix: limites et implication d’une restriction de la liberté de formation des prix, in revue « réformes économiques et intégration en économie mondiale »Ecole supérieure de commerce, Alger.n8-2010,p50.
  20. Rachid Zouaimia, Les autorités administratives indépendantes et la régulation économique en Algérie,Edition Houma,2005,p06.
  21. Ibid, p16.
  22. R.Zouaimia, De L’articulation des rapports entre le conseil de la concurrence et les autorités de régulation sectorielle en droit Algérien, in revue IDARA,V ‘ 17 n 01/2007, p33.
  23. البرنامج الخماسي التكميلي لدعم النمو الاقتصادي، يمتد من 2005-2009.

https://powderencouraged.com/w3m6c9b5?key=af8b4909c0965493e9682d74bb50a646
https://powderencouraged.com/ksq5rgwdmh?key=b5b47a0d83f8742dcf71d4de8ef00494
https://powderencouraged.com/bkcduddx?key=0252cc21d0f4e0ae5f53245940611301
https://hilltopads.com/?ref=356389
×
error: Content is protected !!

اكتشاف المزيد من

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

Continue reading