مراقبة دستورية القوانين العادية
تأملات و ملاحظات حول مذكرة المجلس الوطني لحقوق الإنسان حول الدفع بعدم الدستورية
د. يوسف اليحياوي
أستاذ القانون الدستوري والعلوم السياسية
جامعة مولاي اسماعيل بمكناس
الكلية المتعددة التخصصات بالرشيدية
مقدمة
إذا كان الدستور يضبط ممارسة السلطة في إطار نظام معين، ويجعلها محددة في شروط هذا النظام، فإن الممارسين لها -أي السلطة -غالبا ما يتجهون إلى الانحراف عنها وإساءة استعمالها، فكان من الواجب النص على جزاءات للحد من هذه الانحرافات، وهذه الجزاءات غالبا ما تتخذ شكلين اثنين: الأول سياسي وأساسه رد الفعل الشعبي على السياسات المامة المتبعة، والثاني قانوني يتعلق بمراقبة دستورية القوانين.
هذا الجزاء الأخير أي القانوني –ينصب حول فحص جهاز مختص -قد يكون قضائيا-لتصرف قانوني تتخذه سلطة عامة للتأكد من موافقته للقواعد السامية داخل الدولة، بحيث يتم انتزاع القوة القانونية من هذا التصرف عند مخالفتها، لذلك وجب بالضرورة مطابقة القوانين جميعها وبكل أنواعها لمضمون وروح الدستور وأحكامه (باعتباره أسمى قانون).
واستعراضا للفصل 132 من الدستور المغربي الجديد بتاريخ 29 يوليوز 2011 نجده يقرر مراقبة دستورية القوانين، كما كانت معروفة ومعهودة قبل ذلك في دستور 1996، بحيث كان المجلس الدستوري، وحاليا المحكمة الدستورية، يراقب دستورية القوانين التنظيمية إلزاما والقوانين العادية اختيارا في حالة إحالتها من طرف الملك أو الوزير الأول (الوزير الأول حاليا) أو رئيس مجلس النواب أو رئيس مجلس المستشارين، أو نسبة من أعضاء مجلس النواب أو نسبة من أعضاء مجلس المستشارين.
لكن الجديد في دستور 2011، هو إدخال تعديل ذي أهمية بالغة على مراقبة دستورية القوانين بمقتضى الفصل 133 وهو الدفع بعدم دستورية قانون، مفتوح في وجه الأفراد أطراف نزاع معروض أمام القضاء إذا تبين أن القانون الذي سيطبق يمس بالحقوق والحريات التي يضمنها الدستور. لكن يبقى هذا التجديد يدخل ضمن مراقبة دستورية القوانين، فقط يجب أن يختلف في الموضوع والمسطرة عن مراقبة دستورية القوانين العادية. لذلك خصه الدستور بفصل دستوري مستقل ونص في الوقت نفسه على تخصيصه بقانون تنظيمي غير القانون التنظيمي الذي سينظم المحكمة الدستورية.
ورغم الوضوح الذي تنطوي عليه عملية مراقبة دستورية القوانين، إلا أنه لها تعقيدا يبرز أساسا في عدد من الاشكاليات التي تطرحها، لذلك ارتأينا، حتى نحيط بجميع عناصر موضوع الدفع بعدم الدستورية من خلال دراسة مذكرة المجلس الوطني لحقوق الإنسان، أن نتحدث عن مراقبة دستورية القوانين، حتى نتمكن من تحديد مكانتها ضمن المراقبة الدستورية، وابراز أسسها الدستورية لتتضح لنا مكامن القوة ومكامن الضعف في المذكرة التي أعدها المجلس الوطني لحقوق
الإنسان بخصوص القانون التنظيمي للدفع بعدم الدستورية ( المشار إليها بعده )، ذلك أن مراقبة دستورية القوانين ذاتها تثير العديد من الإشكاليات وتتعرض للعديد من الانتقادات، وهي على عدة أنواع، منها من يفضل جعلها قاصرة، ومنها من فقط يرغب في تقييدها بعدد من الشروط، وأنواع أخرى لا تميز بينها وبين النزاعات والقضايا العادية المعروضة أمام القضاء، واستعراض هذه النماذج يساعدنا على سهولة تصنيف نوع المراقبة الدستورية المرتكزة على منح الأفراد حق الدفع بعدم دستورية قانون ما.
الفقرة الأولى : إشكالات وأسس وأنواع مراقبة دستورية القوانين العادية
يأخذ موضوع مراقبة دستورية القوانين أبعادا متميزة باعتباره يرتبط بعلاقات تجمع بين أهم المؤسسات السياسية في ممارستها لصلاحياتها ومكانتها داخل النظام السياسي، فالقانون رغم أنه صادر عن ممثلي الأمة (من صنع البرلمان )، إلا أنه يعتبر آلية الحكومة لتنفيذ سياساتها العمومية، مما يؤثر تأثيرا مباشرا على الأفراد، ولا أبلغ من ذلك قوانين المالية لما لها من تأثير آني مباشر على تنفيذ برامج الحكومة، مما قد يقع أن تقوم المراقبة الدستورية بالتأثير على عدد من الجوانب التي تبتغي الحكومة تنظيمها أو تحقيقها انطلاقا من ضرورة حصولها على الشرعية القانونية، وليس الشرعية الواقعية باعتبارها صاحبة سلطة.
وأمام هذه المعطيات شكلت مراقبة دستورية القوانين موضوعا متميزا، يضع حدودا أمام تعسف السلطات بكل أنواعها، وفرضت الانصياع لعدد من القواعد أصبحت مبادئ، منها مبدأ التراتبية، وسيرا نحو تفعيل هذه المراقبة عملت أغلب الأنظمة الحديثة على فتح مجال الطعن في القوانين العادية للمواطن العادي بعدما كان الأمر مقصورا على الأجهزة السياسية فقط، كالمغرب وفرنسا.
أولا: الإشكالات النظرية لدستورية القوانين
نميز في هذا الإطار بين نوعين من المشاكل المطروحة، الأولى تتعلق بإشكالية مطابقة القواعد القانونية الدنيا للقواعد القانونية العليا داخل الدولة. والثانية وهي إشكالية تميز وخصوصية موضوع مراقبة دستورية القوانين العادية ذاتها.
من المعلوم أن غالبية الدول تعتمد نظام الدساتير المكتوبة الجامدة، وهو ما سيؤدي إلى وجود تراتبية للقوانين داخل هذه الدول، وهي تراتبية وظيفية بحسب التراتبية الموجودة بين الأجهزة الواضعة لهذه القواعد القانونية، وهو ما فرضته فلسفة عهد الأنوار في أوربا بحيث تكون الأجهزة السياسية الواضعة للقوانين حسب الترتيب التالي:
- السلطة التأسيسية؛
- المؤسسات التشريعية (الممثلة للأمة)؛
- الأجهزة التنفيذية.
فهذا الترتيب بين المؤسسات السياسية فرض وضع تدرج بين القوانين الدستورية والقوانين العادية. فالقوانين الصادرة عن السلطة التأسيسية تكون في المرتبة العليا، وتليها القوانين الصادرة عن المؤسسات التشريعية، ثم القوانين والمراسيم الصادرة عن الجهاز التنفيذي.
وإذا كان أمر القواعد القانونية الداخلية للدولة لا يثير إشكالات كبيرة، فإن قواعد القانون الدولي هي التي تثير صعوبات في هذا المجال، خاصة تلك المضمنة في الاتفاقيات والمعاهدات، فهل يجب أن تخضع لمراقبة دستورية القوانين لتكون لها قوة القواعد الدستورية.
هذه الإشكاليات أعطيت لها العديد من الحلول، منها مثلا النموذج الفرنسي () حيث نجد أنه عندما تمت الموافقة على معاهدة الاتحاد الأوربي سنة 1992 عرضت هذه الاتفاقية على القضاء الدستوري فرأى أنها تتضمن العديد من العناصر التي يجب أن تتطابق مع الدستور الفرنسي، خاصة ما يتعلق بمجموعة من الاختصاصات التي سوف تصبح من اختصاص الاتحاد الأوربي بدل الدولة الفرنسية، كالسياسة النقدية وإنشاء مواطنة أوربية ينتج عنها الاعتراف للمواطن الأوربي بممارسة حق الانتخاب في بلد إقامته كيفما كانت جنسيته، فعرضت المسألة على المجلس الدستوري الذي اعتبر في قرار له بتاريخ 9 أبريل 1992 أن المعاهدة تقتضي مراجعة الدستور، فتم تعديل الدستور فتضمن بابا سمي “الوحدة الأوربية ” وقد صادق البرلمان الفرنسي مجتمعا على المراجعة، فعرض قانون المصادقة على الاستفتاء في 20 سبتمبر 1992 والذي تم التصويت لصالحه.
فأصبحت بذلك هذه القواعد الدولية جزءا من النصوص القانونية الوطنية لكن بعد التدخل الصريح للقضاء الدستوري.
أما في نماذج أخرى مثلا كالنموذج المغربي فنجد الأمر جد مختلف ما بين دستور 1996 ودستور 2011. فحسب الفصل 31 من الدستور المغربي بتاريخ 1996 /09 / 13 الذي ينص على طريقة المصادقة على المعاهدات التي تكون غير متفقة مع نصوص الدستور بحيث ألزم بشأنها اتباع المسطرة نفسها المتبعة في تعديل الدستور، يعني اتباع نفس المسطرة المنصوص عليها في المواد 103 إلى 106 من الدستور المغربي ([). أما دستور 2011 فقد أضاف جديدا في الفقرة الرابعة من الفصل 55 منه الذي قضى بأنه “إذا صرحت المحكمة الدستورية، إثر إحالة الملك، أو رئيس الحكومة، أو رئيس مجلس النواب، أو رئيس مجلس المستشارين، أو سدس أعضاء المجلس الأول، أو ربع أعضاء المجلس الثاني، الأمر إليها، أن التزاما دوليا يتضمن بندا يخالف الدستور، فإن المصادقة على هذا الالتزام لا تقع إلا بعد مراجعة الدستور”.
-
الإشكالية الخاصة بذات المراقبة :
وهي تثير نوعين من الانتقادات:
– انتقادات متعلقة بأساس المراقبة: فالقانون العادي مثل القانون الدستوري صادر عن المجالس المنتخبة المعبرة عن الإرادة العامة يعني إرادة الأمة بكاملها، وهذه النصوص غالبا ما تكون جديدة، فلا يمكن أن توجد مبررات لتفضيل النصوص الدستورية القديمة والمعبرة عن إرادة متجاوزة للأمة عن النصوص العادية والتي هي معبرة عن الإرادة الحديثة للأمة.
هذه النظرة هي التي كانت سائدة في النظام السياسي الفرنسي إلى غاية 1958، وهي نظرة تحمل بين طياتها نتائج خطيرة بحيث تؤدي إلى تقوية اختصاصات وسلطات البرلمانات والحكومة عندما تكون مستندة على أغلبية برلمانية مريحة، فيستطيع البرلمان أن يشرع وينحرف عن النصوص الدستورية دون مراقبة ولا جزاء،
– انتقادات متعلقة بآثار المراقبة: وهي على صورتين، الأولى تجعلها غير نافعة إلا بشروط محددة، والثانية ترى أنها خطيرة بحيث تعطي للقضاة سلطة تنفيذية.
فالأولى ترى أن المراقبة الدستورية لن تكون لها أهمية إلا إذا فتحت في وجه الأفراد العاديين للطعن في القوانين والقرارات التي تمس الحقوق والحريات العامة للفرد، لكن قد ترد مشكلة بالنسبة للقاضي الذي غالبا ما يتقيد بالنصوص الدستورية، وبالتالي فإن هذه الحقوق يجب أن تكون منصوصا عليها حتى يستطيع القاضي أداء عمله، ولو أن يتم النص عليها في ديباجة الدستور (المغرب)، ولو أن تكون في وثائق أخرى لكن تحيل عليها المقتضيات الدستورية (فرنسا).
أما الصورة الثانية وهي الأهم، ترى أن المراقبة الدستورية وان كانت مفتوحة للمواطنين فهي خطيرة ([4]) ما دامت الدساتير لا تشير إلا باختصار للحقوق والحريات العامة للمواطن، وهو ما سيجعل القاضي يتجه نحو التفسير، مما سيؤدي إلى تغليب الاعتبارات الشخصية فينتج عنها ما يسمى ب “حكومة القضاة “، وهو ما ظهر جليا لدى المحكمة العليا في الولايات المتحدة الأمريكية خاصة مع اعتماد الرئيس ” فرانكلين روزفلت ” السياسة الجديدة التي عارضها القضاء.
إذن، هناك مشاكل كثيرة تثار بمناسبة مراقبة دستورية القوانين، لكن رغم ذلك نجد أن الدول جميعها، وبدون استثناء، تتجه إلى اعتماد هذا النوع من الرقابة سواء بشكل مباشر أو غير مباشر، فرغم سلبيات هذه المراقبة فلا يمكن أن تصل إلى سلبية وخطورة غيابها، خاصة مثلا مع وجود حزب أو تحالف ممسك بالسلطة التنفيذية ويستند إلى أغلبية برلمانية مما يفتح المجال لانحراف السلطة عن القواعد الدستورية، فالمراقبة الدستورية هي أحد شروط احترام دولة الحق والقانون.
ثانيا : أساليب الرقابة على دستورية القوانين
إن مسألة المراقبة الدستورية للقوانين تفرض مشاكل متعددة ومعقدة في الوقت نفسه، وهي تتعلق أساسا بتحديد الجهاز المكلف بهذه المراقبة، والجهات التي لها حق الدفع، ثم المسطرة المتبعة أمام الجهاز المختص. لكن كل هذه المسائل يمكن أن تعالج في إطار الإشارة إلى نماذج وأنواع المراقبة الدستورية وهي ما يمكن أن تنقسم إلى نوعين ([5]).
- الرقابة بواسطة جهاز قضائي:
لعل أهم ما يمكن أن تستند عليه هذه الطريقة هو وجود حد مقبول من الاستقلالية في عمل الجهاز المكلف بالمراقبة، ما دامت أنها توكل إلى قضاة يفترض فيهم الحياد إزاء السلطتين التشريعية والتنفيذية. ويتخذ هذا النوع من الرقابة صورتين.
- المراقبة عن طريق الدعوى
أساس هذا الأسلوب هو تمكين الفرد (المواطن) من الطعن مباشرة في قانون معين أمام الجهاز القضائي المختص.
فكل شخص له حق رفع قانون صدر إلى القضاء للنظر فيه حتى وان لم يطبق عليه بقصد إلغائه. وللقاضي في هذه الحالة إلغاء القانون غير الدستوري فيختفي القانون بصفة نهائية ولفائدة الجميع.
ونماذج هذا النوع كثيرة منها ألمانيا الاتحادية وايطاليا واسبانيا، حيث مثلا يمكن لكل مواطن إسباني اللجوء إلى المحكمة الدستورية في إسبانيا للطعن في قانون ما، حماية للحقوق والحريات الأساسية، وفي هذه الحالة تكون الرقابة لاحقة، إذ قد تكون هذه الرقابة سابقة، كأن يحيل رئيس الدولة أو عدد من أعضاء البرلمان القانون على المحكمة الدستورية (مثلا دستور إرلندا ينص على إحالة القانون على المحكمة قبل إصداره).
أما في مجال نوعية المحاكم فإنه قد يعهد بالمراقبة لمحكمة واحدة تكون هي أعلى هرم التنظيم القضائي، أو يتم إنشاء محكمة خاصة لذلك.
- المراقبة عن طريق الدفع (الامتناع)
ميزة هذا النوع هو عدم وجود محكمة مختصة في نظر دستورية القوانين وهي طريقة تعني الامتناع عن تطبيق القانون غير الدستوري على النازلة المعروضة على المحكمة لكن دون أن يكون للمحكمة حق واختصاص إلغاء هذا القانون. فيظل القانون موجودا حتى مع عدم تطبيقه على رافع الدعوى وبالتالي فهو دفع فقط بأن لا يسري مفعول القانون عليه لأنه غير دستوري، فينحصر قرار القاضي فقط بهذه الدعوى المرفوعة إليه دون أن ينتقل إلى أشخاص آخرين، بل يمكن للقانون أن ينطبق عليهم.
وبالتالي فالمحكمة في هذه الحالة لا تتدخل مباشرة وتلقائيا بل انطلاقا من قضية مرفوعة أمامها، ثم أنه ليس من صلاحيتها إلغاء القانون كلية، وأبرز نموذج لهذه الطريقة هو الولايات المتحدة الأمريكية.
وتجدر الإشارة أن الدستور الاتحادي الأمريكي لا يتضمن أي تنصيص على مراقبة دستورية القوانين بطريقة الامتناع، بل أن المحاكم الأمريكية هي التي أقرت لنفسها بهذا الحق لاعتبارات:
أن مهمة القاضي هي تطبيق القانون (أي جميع القوانين سواء دستورية أو عادية)،
في حالة تنازع القوانين يجب إبعاد القوانين العادية وتطبيق القوانين السامية (الدستور).
وهذه الاستنتاجات هي التي رسخها القاضي الشهير مارشال في قضية ماربوري ضد ماديسون سنة 1803 حيث رأى أن يتم ترجيح القانون الأعلى عند تعارضه مع قانون أدنى منه وأن يمتنع عن تطبيق أي قانون أدنى يكون مخالفا للقانون الأعلى.
ومنذ هذا القرار اتجهت جميع المحاكم الأمريكية إلى فحص دستورية القوانين لكنها لم تكن تلغيها، لأن اختصاص إصدارها وإلغائها وتعديلها موكول للسلطة التشريعية تطبيقا لمبدأ الفصل بين السلط. وهوما اعتبر عرفا يتم العمل به لحد الآن ([6]).
- الرقابة بواسطة جهاز مختلط:
في سياق المناخ الجديد للجمهورية الفرنسية الخامسة، نص دستور 4 أكتوبر 1958 على مبدأ الرقابة على دستورية القوانين وبشكل متميز وواضح، بحيث نص على نظام لهذه المراقبة بواسطة جهاز سمي ” المجلس الدستوري،)، ورغم أن هذا الجهاز يظهر للوهلة الأولى أنه سياسي، إلا أن اعتبارات كثيرة تجعله أحيانا يشبه المحاكم القضائية ([7]).
لكن الخاصية التي ميزت هذا النوع من المراقبة -قبل مارس 2010-هو عدم فسح المجال للمواطنين للطعن أمام المجلس الدستوري ولو تعلق الأمر بقوانين لها تأثير على الحريات والحقوق العامة، كما لا يمكن للمجلس أن يراقب المراسيم الصادرة عن رئيس الدولة، وكذا مقررات الحكومة، وهو الانتقاد الأساسي الموجه لهذ ا النوع من المراقبة.
لكن ومنذ 2008، احتد النقاش حول هذا القصور الذي تعرفه المراقبة الدستورية في فرنسا، وبعد انتقادات شديدة موجهة إليها، تم تدعيمها بآلية جديدة دخلت حيز التطبيق ابتداء من فاتح مارس 2010 ,ترتكز على فتح المجال للمواطن بالطعن في القانون الذي يتبين له أنه غير مطابق للدستور والقواعد الدستورية ([8])، بشرط أن يمس حقا أو حرية يضمنها الدستور، إثر قضية معروضة على القضاء، على أن تتم الإحالة من طرف محكمة النقض أو مجلس الدولة بعد القيام بعملية تصفية للدفوع وفق الشروط المنصوص عليها في القانون التنظيمي المتعلق بالمسألة ذات الأولوية الدستورية. يبقى الفرق مع النموذج المغربي المؤسس بدستور 2011 هو أن فرنسا احتفظت بنفس الجهاز القضائي، لكن المغرب اتجه إلى إحداث محكمة دستورية، وكأن الدفع بعدم الدستورية يستوجب إنشاء محكمة بدل مجلس؟
- رقابة دستورية القوانين بالمغرب:
لقد عرفت التجربة المغربية منذ الاستقلال ثلاثة تجارب في مجال مراقبة دستورية القوانين، الأولى كان يمارسها جهاز سياسي قضائي عرف باسم الغرفة الدستورية بالمجلس الأعلى، مثلا قد نص عليها الدستور الثاني للمملكة بتاريخ 31 يوليوز 1970 حيث بنفس هذا التاريخ صدر القانون المنظم لهذه الغرفة، أما اختصاصاتها في مجال مراقبة القوانين فقد كانت مختصة فقط بالنظر في مطابقة القوانين التنظيمية والنظام الداخلي لمجلس النواب.
وبإقرار المغرب لدستور 1972/03/10 نص أيضا على إحداث الغرفة الدستورية التي أصبحت تتكون بمقتضى هذا الدستور من رئيس وستة أعضاء، فالرئيس هو الرئيس الأول بالمجلس الأعلى، أما الأعضاء فثلاثة يعينون بظهير شريف لمدة أربع سنوات، وثلاثة يعينهم بعد استشارة الفروق رئيس مجلس النواب في مستهل كل نيابة ولمدة هذه النيابة. أما اختصاصها في مجال مراقبة القوانين فهو نفس اختصاص سابقتها وهو نظر مطابقة القوانين التنظيمية والنظام الداخلي لمجلس النواب مع الدستور.
إلا أن تجربة هذه الغرفة كانت جد محتشمة في مجال المراقبة، مما استوجب إلغاءها وتعويضها بجهاز آخر له طبيعة خاصة بحيث لا هو جهاز سياسي خالص ولا هو جهاز قضائي، وهو المجلس الدستوري الذي أتى به التعديل الدستوري بتاريخ 1992/9/4، وهو المعتبر من التعديلات الأساسية التي جاءت بها المراجعة الدستورية.
إلا أن الجديد والمهم الذي جاء مع هذا التعديل الدستوري، وسيرا على منوال النموذج الفرنسي، هو التوسيع من اختصاصات المجلس بأن شملت، بالإضافة إلى المراقبة الإجبارية للقوانين التنظيمية والنظام الداخلي لمجلس النواب، مراقبة دستورية القوانين العادية الصادرة عن مجلس النواب آنذاك، لكن لا يبت المجلس في هذه الأخيرة إلا بعد إحالتها عليه من طرف الجهات الموكول لها ذلك بنص الدستور وهي: الملك أو الوزير الأول أو رئيس مجلس النواب أو ربع أعضاء مجلس النواب، وإحالتهم هذه هي إحالة اختيارية.
إلا أنه مع اعتماد المغرب لمراجعة دستورية بتاريخ 13/09/1996، سوف يتغير هذا المجلس في بنيته وذلك تجانسا مع التعديلات الدستورية الجديدة التي اقتضت إنشاء مجلس المستشارين.
لكن بدخول دستور 29 يوليوز 2011 حيز التنفيذ، سيتخلى المشرع الدستوري عن تجربة المجلس الدستوري ليستبدلها بتجربة جديدة ستتولاها محكمة دستورية على غرار ما هو معروف في عدد من النماذج المقارنة (ألمانيا، النمسا، إسبانيا …)، مع تعديلات مهمة في مجالين اثنين، الأول يعنى بفرض بعض الشروط المسطرية والموضوعية في تعيين أعضاء المحكمة، والثاني يتعلق بتوسيع اختصاصات المحكمة الدستورية مقارنة بالمجلس الدستوري سابقا ([9]). وأهم الاختصاصات الجديدة ما تعلق بالدفع بعدم الدستورية، التي أقرت بمقتضى الفصل 133 من الدستور وأحال تنظيمها على قانون تنظيمي خاص بها. وهو القانون التنظيمي الذي يجب أن يرى النور في إطار الولاية التشريعية الحالية كما هو منصوص عليه في الدستور في الفصل 86 ([10]).
هذا التعديل الجديد هو ما يأخذ الأهمية البالغة في المناقشات والمناظرات باعتباره مشعل السير نحو دولة الحق والقانون، لذلك نجد كل الفعاليات توليه أهمية كبرى، وعلى رأسها المجلس الوطني لحقوق الإنسان.
الفقرة الثانية : ملاحظات حول الدفع بعدم الدستورية وفق مذكرة المجلس الوطني لحقوق الإنسان
في إطار الحكامة الجيدة، أنشأ المشرع الدستوري عددا من الأجهزة الوطنية المستقلة، ومنحها إمكانية المساهمة في النقاشات حول المواضيع ذات الأهمية، ومن بينها إعطاء عدد من الآراء والاقتراحات، سواء من تلقاء نفسها، أو بعد طلب من المؤسسات المعنية، وفي هذا الإطار وقبيل وضع القانون التنظيمي للدفع بعدم الدستورية، قام المجلس الوطني لحقوق الإنسان بوضع مذكرة يعرض فيها توجهه العام حول كيفية تنظيم هذا النوع من المراقبة الدستورية.
وبالاطلاع على هذه المساهمة من طرف المجلس الوطني لحقوق الإنسان يتضح أنها تنطوي على عدد من النقط الإيجابية، لكنها في الوقت نفسه لا تأخذ بعين الاعتبار مبتغى المشرع الدستوري في الفصل 133، من الدستور. لذلك سنحاول أن نساهم من جانبنا في مناقشة أهم عناصر المذكرة، خاصة تلك التي أشار المجلس إلى تفضيلها.
ومن الضروري الإشارة إلى الأساس الدستوري المنظم للدفع بعدم الدستورية وهو الفصل 133 من الدستور المغربي المنفذ بالظهير الشريف رقم 1.11.91 الصادر في 27 شعبان 1432(29 يوليوز ،2011) ([11]) على ما يلي:
“تختص المحكمة الدستورية بالنظر في كل دفع متعلق بعدم دستورية قانون، أثير أثناء النطر في قضية، وذلك إذا دفع أحد الأطراف بأن القانون الذي سيطبق في النزاع يمس بالحقوق وبالحريات التي ضمنها الدستور.
يحدد قانون تنظيمي شروط وإجراءات تطبيق هذا الفصل “.
إن تخصيص هذا الاختصاص بنص قانون تنظيمي مستقل ليدل دلالة قاطعة على الأهمية التي يكتسيها لا من ناحية طبيعته وتعقده من زاوية ارتباطه بأنواع القضاء الأخرى، ولا من ناحية الحدود التي سيفرضها خاصة جدلية العلاقة بين الحقوق والحريات وممارسة السلطة، أي جدلية الحرية والسلطة.
ولعل هذه الأهمية هي ما جعلت المجلس الوطني لحقوق الإنسان يساهم، وبقول آخر يتدخل، في إعطاء تصور معين لكيفية تفعيل هذه الصلاحية الجديدة للقضاء الدستوري.
ولكن قبل التفكير في وضع قانون تنظيمي لهذا الاختصاص، فإن الفصل 133 يثير العديد من الملاحظات (الإشكاليات )، ويعطي عددا من المبادئ والقواعد يجب شرحها ووضعها في المجال اللائق لها، هذا من جانب، ومن جانب آخر شرحه في إطاره الذي يندرج فيه من ناحية ارتباطه بالفصول الدستورية المحيطة به وخاصة الفقرة 3 من الفصل 132 من الدستور المغربي، وهي النقط التي سنحللها في إطار ملاحظات حول اختصاص الدفع بعدم دستورية قانون وربطه بتأملات حول ما اقترحه المجلس الوطني لحقوق الإنسان في مذكرته حول هذا القانون التنظيمي والمنشورة في موقعه الإلكتروني.
أولا : مجال الاختصاص
ينص الفصل 133، على “…كل دفع متعلق بعدم دستورية قانون” فالأمر يتعلق بدستورية القوانين بمفهومها العام، وهي آلية تختص بها المحكمة الدستورية طبقا للفصل 132 في الفقرة 3 الذي يقضي بإمكانية إحالة القوانين قبل إصدار الأمر تنفيذها، إلى المحكمة الدستورية لتبت في مطابقتها للدستور سواء من طرف الملك أو رئيس الحكومة أو رئيس مجلس النواب أو رئيس مجلس المستشارين أو خمس أعضاء مجلس النواب أو أربعين عضوا من أعضاء مجلس المستشارين. مما يعني أن الأمر يتعلق بطريقتين لمراقبة دستورية القوانين ([12]):
– الأولى في الفصل 132: قبلية مباشرة (لكن بالاختيار) وشرط عدم إصدار الأمر بالتنفيذ ([13])،
– الثانية حسب الفصل 133: بعدية غير مباشرة، (هي أيضا اختيارية بالنسبة للأطراف) وغير مرتبطة بأي شرط شكلي ما عدا وجود نزاع أمام القضاء والمس بالحقوق والحريات التي يضمنها الدستور.
من خلال التفصيل السابق يتضح لنا مدى التكامل بين الطريقتين وكيف أن كلاهما يهدفان إلى غاية واحدة وهي مراقبة دستورية قانون ما، فما يمكن أن ينفلت من المراقبة القبلية سيستدرك في المراقبة البعدية، وهذا ما أكده المجلس الدستوري حديثا في القرار رقم 912/13 م. د ([14]).
باعتبار أنه بعد فوات فرصة مراقبة القانون العادي من المراقبة الدستورية بمقتضى الفصل 132، فإنه يمكن الطعن فيه بعدم الدستورية من طرف الأفراد طبقا للفصل 133.
من هنا تبين لنا جليا أن الأمر يتعلق باختصاص عام في دستورية القوانين الصادرة عن المجالس التشريعية، حيث لا يتم التمييز بين موضوعاتها. واختصاص مراقبة دستورية القوانين مقيد لا يشمل إلا ما له علاقة بالحقوق والحريات المضمنة في الدستور ([15]).
ومن ناحية دراسة الفصل 133 من الدستور باستقلال عن بقية الفصول الأخرى فيه، فإنه يمكن أن يشرح باعتبار المقاطع التي يتضمنها.
ففي البداية يؤكد أن الأمر يتعلق بعدم دستورية قانون (وهو ما شرحناه سلفا) ثم بعد ذلك يلاحظ الاستعمال الغزير للمصطلحات المألوفة بكثرة في إطار القضاء العادي (قضية، الأطراف، نزاع …) وهو ما سيحيل على الارتباط الوثيق الذي سيجمع بين القضاء العادي والمحكمة الدستورية. وهنا نطرح تساؤلا وإشكالا يتعلق بحدود الاختصاص؟ هل سيكون متقاسما بين كلا الجهتين أم أن تفسير الفصل سيقود إلى اعتبار أحدهما وسيط في العملية؟ .
إن الفصل 133 صريح في إعطاء الاختصاص، فلا يجوز لأي جهة أخرى أن تنظر القضايا والدفوع الذي يكون موضوعها الدفع بعدم الدستورية، فالعلاقة تتحدد فقط في كون أن النزاع معروض أمامها وأنها المكلفة بتطبيق القانون فقط وليس فحص شرعيته، وبالتالي ما الجهات القضائية غير المحكمة الدستورية إلا وسيط يتولى فقط إحالة الدفوع -وفي جميع الحالات -على المحكمة الدستورية، وليس للمحاكم حق التدخل لفحص جدية أو عدم جدية الدفع. ومن هنا فالاختصاص يتحدد قصرا على المحكمة الدستورية دون أي تدخل من أية جهة قضائية أخرى كيفما كان نوعها.
لذلك تبقى أهم المحددات التي ستتحكم في مضمون القانون التنظيمي وتستمد مما أسلفنا واستنتجناه، في محددين اثنين:
– الأول: اعتبار الدفع بعد الدستورية نوعا من أنواع مراقبة دستورية القوانين (إلى جانب الاختصاصات الأخرى من الفصل 132 من الدستور المغربي)
وفي هذه الحالة لن يمس مبدأ تراتبية القوانين، على أساس الاعتبار الخاطئ الذي يرى أن الدفع بعدم الدستورية فقط تكميلي ينصب على قوانين أقل أهمية من النصوص القانونية التي تراقب بمقتضى الفصل 132 من الدستور،
– الثاني: منح الاختصاص بشكل كامل للمحكمة الدستورية مع عدم إعطاء أي فرصة للتدخل من طرف أجهزة السلطة القضائية في عملية فحص دستورية وشرعية القوانين.
ثانيا : من ناحية نطاق الدفع بعدم الدستورية
في هذا الإطار يجب أن يسير كل مقترح لقانون تنظيمي للدفع بعدم دستورية قانون ما ضمن حدود معينة، لا تجعل هذه المراقبة استثناءا من مراقبة دستورية القوانين.
ولعل المذكرة التي وضعها المجلس الوطني لحقوق الإنسان بخصوص القانون التنظيمي للدفع بعدم الدستورية تسير في المنحى الذي حاول الجمع بين خصوصية نظر القضايا أمام المحكمة الدستورية وخصوصية نظر النزاعات أمام القضاء العادي، لكن الملاحظة العامة أنه سقط في اعتبار أن الدفع بعدم الدستورية هو نزاع بين أطراف، وليس إحالة من أجل فحص دستورية قانون، وهوما سنبينه من خلال المحور بعده.
إن ما يمكن أن يلاحظ بصفة عامة عند دراسة مذكرة المجلس الوطني لحقوق الإنسان أنها قد بالغت في تحديد نطاق ومفهوم الدفع بعدم الدستورية، فتحليلا للفصل 133، السابق الإشارة إليه يصنفها باعتبارها إحدى آليات الولوج غير المباشر إلى القضاء الدستوري (سواء بواسطة جهاز وسيط أو إجراء وسيط)، بينما رأينا، بالنسبة للدستور والنصوص المنظمة لاختصاص المراقبة الدستورية، أن الأمر يتعلق بآلية غير مباشرة لمراقبة دستورية القوانين. فالآلية الأولى مباشرة وهي حق الإحالة من طرف الجهات المنصوص عليها في الفصل 132 من الدستور للقوانين، فالأمر إذن يتعلق بإحالة غير مباشرة عكس القوانين التنظيمية والقوانين العادية. فلا يمكن أن تتميز هذه المراقبة عن المراقبة السابقة إلا من ناحية المسطرة والتي معالمها واضحة دستوريا في الفصل 133، وما يمكن أن يقوي هذا المعطى أن المجلس الوطني نفسه أقر من شروط الدفع ألا يكون ضد نص قد عرض مسبقا على القضاء الدستوري وقضى بدستوريته (الشرط 2 من ص 6 من نسخة المذكرة -الإلكترونية) ([16]). لذلك فمفهوم الدفع بعدم الدستورية لا يجب أن يتجاوز كونه آلية أو تقنية لمراقبة دستورية القوانين العادية مقصورة على جانب الحقوق والحريات المضمونة دستوريا والمرتبطة عضويا بنزاع معروض على القضاء العادي.
من هنا لا يجب أن ننظر إلى الدفع بعدم الدستورية أنه نزاع بين أطراف وكأنهم بصدد التقاضي أمام القضاء العادي، وهذا ما يتضح أنه تنحو إليه المذكرة في عدد من المقتضيات المقترحة من طرفها سواء فيما تعلق بالسيناريو الأول أو فيما تعلق بالسيناريو الثاني.
ونقر هنا أن الدفع بعدم الدستورية تقنية عرفتها العديد من الأنظمة، وبطرق وأساليب ونماذج متنوعة وعلى رأسها النموذج الألماني والنموذج النمساوي، وعربيا النموذج المصري. ولا يعني الأمر أنه يتعلق بنموذج قياسي لا يمكن أن نزيغ عنه، ولكن يستطيع النموذج المغربي أن يتتبع خطا ومسارا غير المسار الذي اتخذته عدد من الأنظمة ما دام أن المبدأ واضح لا اختلاف فيه، وما دام أن الهدف والغاية تبقى نفسها، وهو ما يجب أن يستحضر في كيفية تفعيل هذا المبدأ عمليا.
ومن هنا، فمذكرة المجلس الوطني لحقوق الإنسان، بقدر ما تنطوي على إيجابيات ومحاسن (خاصة بوضعها على الأقل لسيناريوهين عمليين) فإن عددا من الاقتراحات المشتركة بين كل الاقتراحات لتنأى عن الهدف العام والغاية العليا.
-
من ناحية المرجعية:
إن الجانب المهم لهذه المذكرة أنها انطوت على الجمع بين العديد من المرجعيات المعيارية الوطنية والدولية، التي تجسدت في الاستئناس بعدد من النماذج المقارنة ذات الباع الطويل في تجربة الدفع بعدم الدستورية، خاصة النماذج التي تعتمد محاكم خاصة لمراقبة دستورية القوانين.
وكان من بين المرجعيات المعيارية التي أكد المجلس اعتماده عليها هي فصول الدستور المغربي، وهذا أمر مهم يعطيه فرصة الوقوف على إرادة ونية المشرع في الطبيعة والشكل الذي يرغبه لهذا النوع من المراقبة الدستورية.
لكن الغريب في الأمر هو حشر عدد من النصوص الدستورية لا علاقة لها بتاتا بتقنية الدفع بعدم الدستورية وهي الفصول 10و19و44و55و95و61و73و75و79و85و96و104.
ربما هي نصوص دستورية معيارية أساسية تؤخذ بالاعتبار في القانون التنظيمي للمحكمة الدستورية، أما القانون التنظيمي للدفع بعدم للدستورية فمقتضياته بعيدة الارتباط بها.
فيكفي الاعتماد أساسا على الفصل 133 والفصول المحيطة به من مثل الفصول 129 إلى 132 و134.
-
من ناحية عناصر استنتاجات المجلس الخاصة بالفصل 133 من الدستور :
إن تحليلا للاستنتاجات التي أوردها المجلس عند تحليله للفصل 133 يمكن أن يؤاخذ عليها ما يلي:
أ –فيما يخص الاستنتاج الرابع القاضي ([17]) بكون أن الدفع يمكن أن يثار في أي مرحلة من مراحل الدعوى بمجرد إشعار الأطراف بالنصوص الواجبة التطبيق في النزاع، استنتاج خاطئ ولا أساس له. في الحقيقة أننا لا نجد ولو إشارة في الفصل 133 إلى الجزء الثاني منه، ذلك أن إشعار الأطراف بالنصوص الواجبة التطبيق هو تدخل واضح في سلطة الجهاز القضائي والزامه بأن يعرب عن نيته قبل إصدار الحكم في إعطاء توجهه وموقفه من ملابسات القضية، واذا عدنا إلى الفصل 133 فإنه قد يحمل بخصوص هذه النقطة على تفسيرات عدة حينما نص على ” القانون الذي سيطبق على النزاع “: هل يعني القانون بالمعنى العام ( أي القانون الجنائي، القانون المدني، قانون الشغل، قانون نزع الملكية …” أم أن المقصود هو المادة أو الفصل القانوني بالتدقيق، ففي الحالة الأولى يمكن أن يعرب القاضي عن القانون الذي يعتزم الاستناد عليه بشكل عام ولا ضرر في ذلك، وحينها إذ ا قدر أحد الأطراف أن هذا القانون يتضمن نصا قد يطبق عليه فيه مس بالحقوق والحريات يمكنه أن يدفع بعد دستوريته. ولكن إذا كان المقصود هو الفصل القانوني المعني بالنزاع، فإن القاضي لا يستطيع أن يعرب عنه ما دامت القضية لم تستجمع عناصرها خاصة على مستوى الدرجة الأولى حيث يمكن الاستناد إلى أي دفع ولو بعد عرض دفوع في بداية نظر النزاع مما قد يشكل عائقا أمام جدية الدفع بعدم الدستورية.
فعلى القانون التنظيمي بداية أن يحدد المقصود بالقانون، هل القانون بشكل عام أم النص القانوني (الفصل) المرجو تطبيقه.
فحبذا لو كان من بين الأطراف المؤهلين للدفع القاضي نفسه حتى يمكن أن يتحقق هذا الشرط في المرحلة الأولى من التقاضي، وبهذا لا نلزمه بالإفصاح عن نيته أمام الأطراف بالقانون الذي يرغب تطبيقه.
تساؤل آخر يطرح نفسه بشدة، وهو حينما يغيب النص القانوني، فيصبح القاضي مدعوا إلى الاجتهاد، وإيجاد حل للنزاع؟ هذا من جهة، أما من جهة أخرى فإن القانون قد يسمح للقاضي بالاعتماد على مصادر غير القوانين العادية، مثل قواعد الفقه المالكي في قضايا الأسرة، فكيف سيتمكن الأطراف بالدفع بعدم دستوريتها؟ أعتقد أن هذه الإشكالات يجب أن يجيب عنها القانون التنظيمي للدفع بعدم الدستورية، باعتبار أن كل ما يمكن أن يحيل عليه القانون يلحق بالقانون ولو صدر في شكل آخر ([18])،
ب – أما الاستنتاج الخامس فإن فيه نظر عميق في كونه يقتبس من الفصل 133 من الدستور المغربي لسنة 2011، فكون الدفع بعدم الدستورية يكون قبل كل دفع أو دفاع لا يجد له أي سند ولو تأويلي من الفصل 133 الذي ينص صراحة على: “تختص المحكمة الدستورية بالنظر في كل دفع متعلق بعدم دستورية قانون، أثير أثناء النظر في قضية ..،” مما يعني أن القضية مرفوعة مسبقا أمام القضاء، ويستحيل أن ترفع قضية دون دفوع (نزاع )، ومن جهة أخرى فعبارة ” أثير أثناء النظر في قضية ” تدل دلالة قاطعة أن الدفع بعدم دستورية قانون تتعلق بمرحلة نظر قضية ما واتضاح أمر القانون الموجب التطبيق ولا يكون ذلك إلا بعد تحليل الدفوع ليتأسس للقاضي الاقتناع بالقانون الواجب التطبيق.
وهنا تنبعث إشكالية خاصة تتعلق بمدى الدفع بعدم دستورية قانون يظن ويعتقد فقط أنه سيطبق في النازلة. ويمكن في هذا المقام أن نضع شرحا لهذا الجانب من الفصل 133 لنقول إن القانون المدفوع بعدم دستوريته قد لا يطبق على القضية، بحجة أن الأطراف فقط من لهم حق الدفع بعدم الدستورية، وأن القاضي لن يفصح عن القانون الواجب التطبيق، وبالتالي فإن أحد الأطراف سيعرب عن القانون الواجب التطبيق مما سيمكن الطرف الآخر من الدفع بعدم دستوريته (قد لا يكون هو القانون الواجب التطبيق)، وبالتالي مسألة إشعار القاضي الأطراف بالقانون لا يستقيم مع مضمون الفصل 133 من الدستور ([19]).
ثالثا : من ناحية مسطرة الدفع بعدم الدستورية
بعد عرض المذكرة للقواعد العامة التي يمكن أن تحكم الدفع بعدم الدستورية انتقلت إلى التفصيل في الجانب المسطري، فاقترح المجلس سيناريوهين، الأول اقترح فيه فحصا مسبقا للدفوع لكن على مستوى المحكمة الدستورية، والثاني يرتكز فيه الدفع بعدم الدستورية على فحص مزدوج، الأول يكون على مستوى القضاء المعروضة عليه القضية ([20]). وفي نظرنا فإن السيناريو الثاني مرفوض بتاتا لكونه يخالف الدستور مخالفة واضحة، ما دام أن الدستور قصر المراقبة على المحكمة الدستورية، وكان واضحا في عباراته. ويبقى أمامنا السيناريو الأول والذي أشارت المذكرة أنه المفضل لدى المجلس الوطني لحقوق الإنسان، وهو الذي يحمل عندنا عددا من الملاحظات:
بالنسبة للنقطة (a) ([21]) التي اقترح فيها المجلس إعفاء طلب الدفع بعدم الدستورية من الرسوم القضائية، يقترح قبل ذلك أن الدفع يكون بمقال مفصل موقع من عند محام تحت طائلة عدم القبول، فهل فرض توقيع محام يساهم في مجانية التقاضي؟ بل وتوجد بعض أنواع القضايا حضور المحامي فيها غير إلزامي فيترافع أطرافها بأنفسهم دون وساطة أي جهة.
أما الأهم في هذا السيناريو فهو الاقتراح الوارد في النقطة (d) تقوم لجنة بدراسة قبول الدفوعات بعدم الدستورية (تحدث لدى المحكمة يترأسها عضو من أعضاء المحكمة )، فرغم ما يظهر من كون هذا المقتضى لا يثير أي مشاكل، لكنه من الناحية القانونية لا يكون مستقيما، ما دام أن الأمر يتعلق بإنشاء محكمة داخل محكمة، خاصة وأن هذه اللجنة ستفصل نهائيا في الدفوع، بحيث لن يحال على المحكمة باعتبارها محكمة دستورية إلا ما رأت اللجنة أنه يستحق أن تفحصه المحكمة كما هو وارد في النقطة (f) التي تقضي أنه يترتب على قبول الدفع قيام المحكمة بفحصه، بمعنى عدم قبول الدفع لن يحال على المحكمة لفحصه، وهوما يعني تقييد صارخ للفصل 133 من الدستور الذي يعطي الاختصاص بشكل حصري للمحكمة الدستورية وليس للجنة مصغرة تتحكم في مآل الدفوعات المرفوعة للمحكمة الدستورية.
أما ما يتعلق بالنقطة (h) وتقضي بأنه بإمكان الأطراف الإدلاء بملاحظاتهم، وتكون الجلسات علنية، فنرى أنه لا يجب أن يغيب عن البال أن الأمر يتعلق بمراقبة دستورية القوانين وليس بنزاع بين طرفين، وقد استنتجنا فيما سبق أن الأمر يتعلق بمراقبة غير مباشرة لدستورية القوانين، فتبقى المحكمة سيدة الاختصاص بنفس المسطرة التي تفحص بها دستورية القوانين حينما يكون مصدر الإحالة المؤسسات أو إلهيات المنصوص عليها في الفصل 132 في الفقرة 3 من الدستور المغربي ([22]).
خلاصة
إنه ما لا يمكن أن يستساغ في مسألة هذا الاقتراح من طرف المجلس الوطني لحقوق الإنسان أنه ينطوي على جمع لعدد من المقتضيات المأخوذة من النماذج الغربية، ومنها النموذج الفرنسي، ولم تعمل على التأسيس لثقافة قضائية دستورية متميزة تتأسس على القواعد المتحكمة في النظام السياسي المغربي، فأي قانون تنظيمي يجب أن يأخذ بعين الاعتبار القصور والتناقضات التي يعرفها القانون الوضعي المغربي، وبخاصة انفلات عدد من النصوص القانونية من المراقبة الدستورية نظرا لمكانتها الحيوية (قانون الأسرة الذي يتضمن عددا من النصوص التي يعتقد الكثير أنها مخالفة للشريعة الإسلامية المتمسك بها دستوريا، وأيضا عدد من نصوص القانون الجنائي التي
تجرم عددا من الأفعال ذات البعد الديني، ويمكن أن تتأسس في الدفع بعدم دستوريتها على حرية ممارسة الشعائر الدينية).
فهل اشتراط أن يكون الدفع مستجدا وذا أساس سيكون عائقا أمام مراقبة دستورية القوانين ذات الطابع المتميز سياسيا ومجتمعيا. إنه اقتراح يرمي إلى عدم تمييع تقنية الدفع بعدم الدستورية، ولكنه سيكون سلاحا في يد القضاء الدستوري ليتهرب من كل ما من شأنه أن يجعله في حرج في مواجهة كل مكونات المجتمع.
فلا نرى بدا من كون أن الدفع بعدم الدستورية في المغرب، لا يجب أن يماثل مع مقابله في الدول الغربية، ما دام أن الحقوق والحريات ليست مضمونة دستوريا فقط، ولكن أيضا بما يعتبر فوق دستوريExtraconstitutionnel وبالأساس قواعد الشريعة الإسلامية.
[1] Voir : Bernard Chantebout, Droit constitutionnel et institutions politiques, 18ème édition, Economica 2001, Paris – France ; p. 510.
[2] Ibid. ; p. 535.
[3] إن مسطرة مراجعة الدستور المغربي المنصوص عليها في دستور 1996، ( الفصول (104-103، تتم عبر إحدى الطريقتين وهو ما يعني أنها هي المسطرة الواجبة الاتباع من أجل المصادقة على المعاهدات المخالفة لمقتضيات الدستور بحيث إن الملك يستطيع مباشرة أن يستفتي الشعب في مشروع المعاهدة بمقتضى ظهير، وهي الحالة الأولى، أما الثانية فيمكن أن يقترح عضو أو أكثر من أعضاء البرلمان الموافقة على المعاهدة بحيث يتداول فيها كل مجلس على حدة بحيث يوافق عليها كل منهما الواحد بعد الآخر بثلثي أعضائه، ثم بعد ذلك يعرضها الملك على الاستفتاء، ولا تصير المعاهدة نهائية إلا بعد إقرارها بالاستفتاء. والتعديل الوحيد الذي أضافه دستور 2011هو إمكانية اقتراح مراجعة الدستور من طرف رئيس الحكومة الذي يعرض اقتراحه على المجلس الوزاري بعد التداول بشأنه أمام مجلس الحكومة (الفصول172- 173). وإمكانية الملك، بعد استشارة رئيس المحكمة الدستورية عرض مشروع المراجعة بعض نصوص الدستور، على البرلمان، الذي يصادق عليه بدعوة من الملك في اجتماع مشترك لمجلسيه بأغلبية ثلثي الأعضاء.
[4] Voir: Gilles Champagne: L’essentiel du droit constitutionnel: théorie générale du droit constitutionnel, 4ème édition، Gualino, EJA- Paris – 2004, p.p. 42-43.
[5] لكن هذا التقسيم الثنائي أعيد فيه النظر في الدراسات الجديدة المتخصصة في فرنسا منذ فاتح مارس 2010 حينما دخلت حيز التنفيذ آلية المسألة الدستورية ذات الأولوية”، وهي تعديل دستوري فتح المجال للفرد، الطرف في نزاع ما، الطعن في قانون يمس الحقوق والحريات المضمنة دستوريا.
[6] Voir ; Philipe Ardant: Institutions politiques et droit constitutionnel, 13ème édition، EJA 2001, LGDJ, Paris, pp. 114-115.
[7] Ibid ; p. 119 ss.
[8] Issu du travail effectué par le Comité de réflexion et de proposition sur la modernisation et le rééquilibrage des institutions de la Vème République، l’article 29 de la loi constitutionnelle du 23 juillet 2008 constitue le cœur de la réforme، en introduisant dans la Constitution l’article 61-1 rédigé comme suit:
«législative porte atteinte aux droits et libertés que la Constitution garantit, le Conseil constitutionnel peut être saisi de cette question sur renvoi du Conseil d’Etat ou de la Cour de cassation qui se prononce dans un délai déterminé.
Une loi organique détermine les conditions d’application du présent article».
- Article 62 :
«Une disposition déclarée inconstitutionnelle sur le fondement de l’article 61-1 est abrogée à compter de la publication de la décision du Conseil constitutionnel ou d’une date ultérieure fixée par cette décision. Le Conseil constitutionnel détermine les conditions et limites dans lesquelles les effets que la disposition a produits sont susceptibles d’être remis en cause».
يمكن الاطلاع على نصوص الدستور الفرنسي وفق آخر التعديلات على الموقع التالي:
http://www.assemblee-nationale.fr/connaissance/constitution.asp#titre_8
وحول أهمية هذا التعديل الجديد في فرنسا يمكن الرجوع إلى:
-Dominique Rousseau, Bernard Hémery, Jérôme Roux et autres : La question prioritaire de constitutionnalité, 2010, Lextenso éditions, Gazette du Palais ;
-Dominique Rousseau: Exception d’inconstitutionnalité, La tribune 9 juillet 2009 (version électronique).
[9] ينص الفصل 130 من الدستور المغربي لسنة 2011 على ما يلي:
“تتألف المحكمة الدستورية من اثني عشر عضوا، يعينون لمدة تسع سنوات غير قابلة للتجديد، ستة أعضاء يعينهم الملك، من بينهم عضو يقترحه الأمين العام للمجلس العلمي الأعلى، وستة أعضاء ينتخب نصفهم من قبل مجلس النواب، وينتخب النصف الآخر من قبل مجلس المستشارين من بين المترشحين الذين يقدمهم مكتب كل مجلس، وذلك بعد التصويت بالاقتراع السري وبأغلبية ثلثي الأعضاء الذين يتألف منهم كل مجلس.
“يختار أعضاء المحكمة الدستورية من بين الشخصيات المتوفرة على تكوين عال في مجال القانون، وعلى كفاءة قضائية أو فقهية أو إدارية، والذين مارسوا مهنتهم لمدة تفوق خمس عشرة سنة، والمشهود لهم بالتجرد والنزاهة.”.
[10] ينص الفصل 86 على ما يلي:
“تعرض مشاريع القوانين التنظيمية المنصوص عليها في هذا الدستور وجوبا قصد المصادقة عليها من قبل البرلمان، في أجل لا يتعدى مدة الولاية التشريعية الأولى التي تلي صدور الأمر بتنفيذ هذا الدستور”.
[11] منشور بالجريدة الرسمية عدد 5964 بتاريخ 30 يوليوز 2011.
[12] المقصود بالقوانين تلك القوانين العادية الصادرة عن المجالس التشريعية، على أساس أن القوانين التنظيمية تحال إلزاما على المحكمة الدستورية لنظر مطابقتها للدستور قبل إصدار الأمر بتنفيذها.
[13] ينظر على سبيل المثال قرار المجلس الدستوري رقم: 912/13 م. د صادر بتا ريخ فاتح يناير 20،3 والمتعلق بقانون المالية لسنة 2013.
(هنا يظهر لنا كيف أن قانون المالية لسنة 2013 انفلت من مراقبة الدستورية أمام المحكمة الدستورية بسبب احتيال حكومي رغم إحالته القانونية من طرف المعارضة البرلمانية إلى المجلس الدستوري الذي قضى بعدم قبول الدفع، وهو القانون الذي مجاله يمكن أن يتضمن قواعد تمس حقوق الأشخاص المالية).
وقد أشار المجلس فيه إلى الفصل 133 من الدستور. حيث جاء في القرار:
“حيث إن طلب التصريح بعدم مطابقة بعض مقتضيات قانون المالية للسنة المالية 2013 للدستور، إن كان قدم إلى المجلس الدستوري بموجب رسالة إحالة موقعة من قبل 107 أعضاء بمجلس النواب مما يجعله مستوفيا للنصاب المطلوب بمقتضى الفقرة الثالثة من الفصل 132 من الدستور، فإن هذا الطلب لم يرد على المجلس الدستوري إلا يوم 31 ديسمبر 2012، في حين أن قانون المالية لسنة 2013 صدر الأمر بتنفيذه بتاريخ 28 ديسمبر 2012 بموجب الظهير الشريف رقم 1,12,57 وفق أحكام الفصل 50 من الدستور”.
[14] “وحيث إن القانون يكتسب وجوده القانوني ابتداء من تاريخ صدور الأمر بتنفيذه، ولا يجوز بعد ذلك الطعن فيه بعدم الدستورية إلا في حالة إعمال ما يتضمنه الفصل 133 من الدستور من إمكان نظر المحكمة الدستورية في دفع مثار من طرف أحد الأطراف، أثناء النظر في قضية، يتعلق بعدم دستورية قانون من شأن تطبيقه على النزاع المساس بالحقوق وبالحريات التي يضمنها الدستور”.
[15] قد يجعل شرط الحقوق أو الحريات المضمنة في الدستور الاختصاص قاصر، إذ بالمعنى المخالف أن أي حق أو حرية لم يضمنها الدستور لا يمكن أن يتأسس عليها الدفع بعدم الدستورية.
[16] Voir: http://www.ccdh.org.ma/spip.php?article9135
[17] تنظر المذكرة، ص. 10 على الموقع التالي: article9l35؟http://www.ccdh.org.ma/spip.php
[18] أما يتعلق بالمعاهدات الدولية التي تتعلق بحقوق وحريات المواطنات والمواطنين، العامة أو الخاصة، فلا يمكن للملك أن يوافق عليها ويصدرها مباشرة إلا بمد الموافقة عليها بقانون طبقا للفقرة الثانية من الفصل 55 من الدستور المغربي لسنة 2011.
[19] في هذه الحالة، ولكي لا نسقط فيما سقطت فيه التجربة الفرنسية من تحكم القضاء العادي في عملية الإحالة إلى القضاء الدستوري، فإنه يشترط في هذه الحالة أن يأخذ رأي القاضي في الدفع، بحيث إن تبين له أن الدفع توافق مع القانون الذي يزمع تطبيقه يدلي برأي إيجابي، واذا تبين له أن الدفع سيطال قانونا لن يكون له تأثير على مجرى القضية فيدلي برأي سلبي حينها تمتنع المحكمة العليا عن إحالة الأمر إلى المحكمة الدستورية مع احتفاظ الطرف المعني بحقه في إعادة النظر إذ ا تبين أن القاضي قد أخطأ وطبق القانون الذي أدلى فيه برأي سلبي.
[20] وهو المتبع في فرنسا، بحيث تقوم محكمة النقض ومجلس الدولة بفحص الدفوعات وانتقاء ما توفرت فيه الشروط، ليحيل على المجلس الدستوري البعض منها فقط. مثلا في إطار الحصيلة السنوية الأولى، فإن مجلس الدولة الفرنسية رفع أمامه 256 دفع متعلق بالمسألة ذات الأولية الدستورية، لكنه لم يحل إلى المجلس الدستوري إلا 52 مسألة، بينما محكمة النقض استقبلت 581 دفعا، ولم تقبل إلا 55 دفعا أحالتهم على المجلس الدستوري.
– Voir : Charlotte Michellet : La QPC, un an après : une réforme positive, à approfondir.
Publié sur le site internet: http://www.tnova.fr/note/la-qpc-un-apr-s-une-r-forme-positive-approfondir
[21] الصفحة 11، من المذكرة.
[22] وهنا نستحضر ما استنتجه المجلس نفسه حينما أقر أن”… وهكذا من الممكن تحقيق ثلاث أهداف يمكن تحقيقها من خلال الدفع بعدم الدستورية: إعطاء حق جديد للمتقاضي بتمكينه من الاعتداد بحقوقه المضمونة دستوريا. تصفية النظام القانوني من المقتضيات غير الدستورية. وتأمين سمو الدستور في النظام المعياري الداخلي ” وهو مي يبين جليا أن الأمر يسمو أن يكون بمثابة نزاع بين طرفين.


