المحاكم الجهوية للحسابات والديمقراطية المحلية بالمغرب
ذ. محمد اليعكوبي
أستاذ بكلية الحقوق بسلا
تشكل المحاكم الجهوية للحسابات نقطة التقاء أساسية بين عدة مواد: القانون الدستوري، والمالية العامة، والقانون الإداري، الخ.
فالأمر يتعلق بمحاكم كرسها الدستور المغربي حيث يؤكد الفصل 149 من دستور 2011 على أنه ” تتولى المجالس الجهوية للحسابات مراقبة حسابات الجهات والجماعات الترابية الأخرى وهيئاتها وكيفية قيامها بتدبير شؤونها” ([1]). وفى نفس السياق، تنص المادة 48 من القانون المتعلق بتنظيم الجهات على أنه “يتولى المجلس الجهوي للحسابات وفقا لأحكام الفصل 98 من الدستور مراقبته حسابات الجهة وهيئاتها وكيفية قيامها بتدبير شؤونها تطبيقا للنصوص التشريعية الجاري بها العمل ” ([2]).
ومن شأن تكريس المحاكم المالية من قبل القانون الأسمى أن يساهم في إغناء القانون الدستوري المحلى خصوصا وأن الجماعات الترابية تتمتع أيضا بالتأطير الدستوري الذي يمنحها ضمانة الوجود وضمانة الاستقلال الوظيفي وضمانة المشاركة في بلورة السيادة الوطنية من خلال تمثيلها في مجلس المستشارين.
وتتجلى السمة المشتركة الأخرى في كون التكريس الدستوري للمحاكم الجهوية للحسابات والجماعات الترابية يهدف بالأساس وفى الحالتين معا لإنشاء وتطوير الديمقراطية المحلية. ولذلك، فهذه المحاكم مدعوة لأن تشغل مكانة متميزة في المشهد الإداري والسياسي المحلى.
ولقد أكد الملك محمد السادس في الرسالة بتاريخ 24 أبريل 2001 الموجهة إلى المشاركين في الجمعية العامة للمجموعة العربية للمؤسسات العليا لمراقبة المالية العامة على أنه “حرصا على تدعيم سياسة اللامركزية التي تنهجها بلادنا فقد نص دستور المملكة على إحداث مجالس جهوية للحسابات عهد إليها بممارسة الرقابة العليا على حسابات وتسيير الجماعات المحلية والهيآت التابعة لها”.
إن الديمقراطية المحلية من الأهداف المعلن عنها في الخطب السياسية والنصوص التشريعية المتعلقة باللامركزية الإدارية. إلا أن الفقه أبدى ملاحظات نقدية لعدم تبنى مقتضيات قانونية كافية لتأمين مشاركة ملموسة للمواطنين والأقليات المختلفة في المسلسل التقريري المحلى ([3]).
فهناك من يظن أن اللامركزية أدت إلى تقوية سلطة الأعيان المحليين وأن الديمقراطية المحلية لا تشكل بعدا أساسيا ومعيارا موثوقا به للنتائج الإيجابية التي تحققها اللامركزية الجماعية ([4]). كما يعتبر البعض الآخر أن طبيعة الشأن المحلى تختلف عن ماهية الشأن الوطني، وأنه إذا كان الموضوع المحلى ( (Local 1′ objet لا يشكل إلا مجرد إعادة إنتاج مبادئ تسيير الدولة، فالبعد المحلى للتدبير العمومي من شأنه أن يسهل أكثر توطيد المثل الأعلى الديمقراطي. ومن هذا المنظور، فمن المحتمل أن يصبح تدخل المحاكم الجهوية للحسابات غير ملائم للديمقراطية المحلية التي تنبني على مسؤولية المنتخبين.
إلا أن هذا الموقف لا يتطابق مع المنطق والعقل. بل أكثر من ذلك، تحجب هذه الطريقة في التفكير الدور المنوط بالمحاكم الجهوية للحسابات في تسيير الديمقراطية المحلية. ومن الضروري تقييم وظيفة المحاكم المالية بالرجوع إلى مجموع التحولات التدريجية التي طبعت العمل المحلى، والتي أصبحت بالتالي تقتضي التدخل الضبطي للمحاكم الجهوية للحسابات.
ويجب الانتباه إلى أن التكريس الدستوري لهذه المحاكم قد تم سنة 1996، أي في وقت لاحق على التكريس الدستوري للجماعات المحلية. ولذا فمن الطبيعي أن نطرح التساؤل التالي: هل ستساهم هذه المحاكم كمؤسسات في إغناء الديمقراطية المحلية، أم على العكس من ذلك، ستشكل مجرد مراقبة إضافية أو بالأحرى عرقلة أمام تنمية المبادرات المحلية؟ فحسب مدونة المحاكم المالية “تتولى المجالس الجهوية…. بمراقبة حسابات الجماعات المحلية وهيئاتها وكيفية قيامها بتدبير شؤونها” (المادة 117)، كما أن المجلس الجهوي ” يمارس الاختصاصات التالية في حدود دائرة اختصاصه: البت في حسابات الجماعات المحلية وهيئاتها والمؤسسات العمومية الخاضعة لوصاية هذه الجماعات والهيئات ومراقبة تسييرها، مراقبة تسيير المقاولات المخولة الامتياز في مرفق عام محلى أو المعهود إليها بتسييره والشركات والمقاولات التي تملك فيها جماعات محلية أو هيئات أو مؤسسات عمومية خاضعة لوصاية هذه الجماعات المحلية وهيئاتها على انفراد أو بصفة مشتركة بشكل مباشر أو غير مباشر أغلبية الأسهم في الرأسمال أو سلطة مرجحة في اتخاذ القرار، مراقبة استخدام الأموال العمومية التي تتلقاها المقاولات غير تلك المذكورة أعلاه، أو جمعيات أو أجهزة أخرى تستفيد من مساهمة في رأس المال أو مساعدة مالية كيفما كان شكلها تقدمها جماعة محلية أو هيئة أو جهاز آخر يخضع لمراقبة المجلس الجهوي، ممارسة مهمة قضائية في ميدان التأديب المتعلق بالميزانية والشؤون المالية بالنسبة لكل مسؤول أو موظف أو مستخدم يعمل في: الجماعات المحلية وهيئاتها والمؤسسات العمومية الخاضعة لوصاية هذه الجماعات والهيئات وكل الشركات أو المقاولات التي تملك فيها الجماعات المحلية أو الهيئات على انفراد أو بصفة مشتركة بشكل مباشر أو غير مباشر أغلبية أسهم في الرأسمال أو سلطة مرجحة في اتخاذ القرار. ويخضع كل من الوالي والعامل لقضاء المجلس الجهوي في الحالات التي يعملان فيها باعتبارهما آمرين بالصرف لجماعة محلية أو هيئة، وفى الحالات الأخرى تطبق عليهما مقتضيات الفصل الثاني بالباب الثاني من الكتاب الأول من هذا القانون “. كما تساهم المجالس “في مراقبة الإجراءات المتعلقة بتنفيذ ميزانيات الجماعات المحلية وهيئاتها ” (المادة118).
وعلى ضوء هذه المهام تبدو مساهمة المحاكم الجهوية للحسابات حاسمة لحسن سير الديمقراطية المحلية، إلا أنه يجب أن تتوافر بعض الشروط لكي تتمكن هذه المحاكم من الوصول إلى مرحلة النضج.
القسم الأول
عوامل مساهمة المحاكم الجهوية للحسابات في الديمقراطية المحلية
إن العوامل التي تفسر وتبرر مساهمة هذه المحاكم في الديمقراطية المحلية كثيرة ومتنوعة، وتتميز بتداخل حقيقي. لكن رغم تشابكها، يمكن أن نصنفها إلى فئتين: العوامل الصريحة والعوامل الضمنية.
أ- العوامل الصريحة
يمكن الإشارة إلى ثلاثة عوامل:
– يمكن شرح التكريس الدستوري للمحاكم الجهوية للحسابات سنة 1996 بالمخالفات المالية التي طبعت تدبير المالية المحلية. ويؤكد الخطاب السياسي هذا التفسير حيث أوضح الملك في الرسالة السابق ذكرها أنه يولى “أهمية بالغة للرقابة على الأموال العمومية اعتبارا للدور الهام الذي تضطلع به أجهزتها العليا في مجالات ترشيد الإنفاق العمومي وعقلنة تدبير الشأن العام وتخليق مرافقه وهو الأمر الذي يساعد على تعزيز ركائز دولة الحق والقانون وتوسيع نطاق الديمقراطية وتعميم مبادئ الشفافية والمساءلة وخدمة الصالح العام “.
كما أن الصحافة تحدثت في هذه المرحلة عن الاختلاسات وتبديد الأموال العمومية وإعمال الرشوة، خصوصا منذ أوائل الثمانينات. ولذا فالمحاكم الجهوية مدعوة للمساهمة في تخليق التدبير المالي للجماعات الترابية.
وتبدو هذه المساهمة إيجابية خصوصا وأن تسيير الجماعات والأقاليم والجهات أصبح يتميز بسمتين أساسيتين.
فمن جهة، يلاحظ أن الهاجس الانتخابي أصبح يتحكم أكثر فأكثر في المنتخبين المحليين وبالتالي يؤثر سلبا على التدبير العمومي. ومن جهة أخرى، يجب أن لا ننسى أن المنتخبين هم، أولا وقبل كل شيء، مدبرين حقيقيين للميزانيات المحلية. ورغم أن الاستقلال المالي مازال محدودا إلا أن التدبير المالي يعد من المكونات الأساسية لعمل المنتخبين المحليين.
– ثانيا، من الممكن تبرير مساهمة المحاكم الجهوية للحسابات بالعجوزات التي تطبع الوصاية الإدارية ([5]).
فمن المعروف أن هذه المراقبة تتم قبل تنفيذ مجموعة من المداولات والقرارات كالميزانية، والحسابات الخصوصية والحسابات الإدارية والاقتراضات والضمانات وفتح اعتمادات جديدة ورفع مبالغ الاعتمادات والتحويلات من فصل إلى فصل وتحديد سعر الرسوم وتعريفة الحقوق والواجبات والحقوق المختلفة، الخ، والحال أن المراقبة المسبقة ليس من طبيعتها أن تؤمن تدبيرا سليما للأموال العمومية. فبعد المصادقة على القرارات تصبح السلطات المحلية محررة عمليا من كل مراقبة. والقضايا التي تنظر فيها المحاكم الإدارية والمحاكم الزجرية تبين أن القاعدة القانونية لا تحترم على مستوى التنفيذ.
من الواضح إذن أن تدخلات المحاكم الجهوية للحسابات لا تشكل تكرارا لمراقبة الشرعية التي تمارسها سلطات الوصاية أو بالأحرى تناقضا مع هذا الصنف من الرقابة، فالمصادقة لا تعنى تصديقا على الصحة القانونية للقرارات.
فالهدف من إنشاء هذه المحاكم هو تأسيس الشفافية المالية في تدبير المالية المحلية. ذلك أن الأمر يتعلق بمحاكم مالية تتكون مبدئيا من قضاة مكلفين بتطبيق مسطرة ذات صبغة قضائية الخ. والشفافية التي تنجم، بطبيعة الحال، عن تدخلات هذه المحاكم في التدبير المالي والمحاسبي يعد عنصرا مكملا بطريقة إيجابية وناجحة للشفافية الإدارية الناتجة عن تدخلات المحاكم الإدارية.
– العامل الثالث الكامن وراء إحداث المحاكم الجهوية للحسابات يكتسي طابعا بنيويا.
فمنذ 1976 لاحظنا أن اللامركزية الإدارية عرفت تطورا مستمرا إذ يتعلق الأمر بمسلسل بطيء وعميق في آن واحد. وعلى أية حال، لقد أصبح العمل المحلى أكثر فأكثر غير قابل للفهم والاستيعاب نظرا لتعقده بظاهرة أساسية تتمثل في مجالية التراب ( (Territorialisation كمرجعية ويشكل هذا التطور المزدوج عقبة أمام حسن سير الديمقراطية المحلية حيث تقتضي هذه الأخيرة التحكم من قبل المنتخبين في السياسات التي ينوون قيادتها وفى إخبار المواطنين، كشرط لا محيد عنه لمشاركتهم في الحياة المحلية.
إلا أن التدبير المحلى تأثر منذ الستينات بالصبغة التسلسلية والعمودية لتسيير الدولة نحو الجماعات المحلية. فهذا التدبير تطور ليصبح تدريجيا تدبيرا ترابيا أفقيا حيث يتم تحديد الحاجيات العمومية في المحيط بعيدا عن المركز وفوق مناطق ترابية غير متجانسة وبسلطة سياسية مجزأة. فالتراب، عكس جهاز الدولة، هو الذي بات يشكل إطار تحديد الحاجيات العمومية، مما جعل مقروئية السياسة العامة المحلية صعبة الاستيعاب بفعل تشتت التراب وتداخل السياسات العمومية المحلية.
ب- العوامل الضمنية
إن الإدارة المحلية أصبحت تتأثر بظاهرة بنيوية أخرى وهى ظاهرة التتبيع ( Satellisation)، حيث يتم تسيير، خارج الميزانية، عدد متزايد من المرافق العمومية المحلية من طرف بنيات خاصة كشركات التدبير المفوض وشركات الاقتصاد المختلط والجمعيات ذات المنفعة العامة الخ. والمادة 42 من الميثاق الجماعي تصب في نفس الاتجاه حيث تسمح للمجلس الجماعي بأن يقوم ” بجميع أعمال التعاون والشراكة التي من شأنها أن تنعش التنمية الاقتصادية والاجتماعية والثقافية للجماعة، وذلك مع الإدارة والأشخاص المعنوية الأخرى الخاضعة للقانون العام والشركاء الاقتصاديين والاجتماعيين الخواص، أو مع كل جماعة أو منظمة أجنبية ” ([6]).
ويتضح من كل ذلك أن دور المحاكم الجهوية للحسابات يتجلى في وظيفة ضبطية مواتية لما تكون بصدد فحص تدبير البنيات الجماعية والبين جماعية والمؤسسات التابعة لها (les satellites) الخ ونفس الملاحظة تنسحب على المستويين الإقليمي والجهوي.
ويمكن تفسير إحداث المحاكم الجهوية للحسابات، كإجراء مناسب، بتنامى الأنشطة الاقتصادية والاجتماعية للجماعات المحلية.
وبالفعل، فمن السهل على الملزم بالضريبة أن يقيم تدبير المرافق العمومية الإدارية، ويشق عليه ذلك بالنسبة للمرافق ذات الطبيعة الاقتصادية. ولذلك يمكن، إلى حد ما، أن نتحدث عن مفارقة حقيقية. فهامش التقييم يبقى صعبا في حين تتميز المرافق الصناعية والتجارية بأكثر عدد من المخاطر.
والجدير بالذكر في هذا السياق أن الميثاق الجماعي قد قام بتطوير المسؤوليات المحلية وتقويتها، مما أدى منطقيا إلى توطيد التدخلات الاقتصادية. ويمكن ملامسة هذه النقطة من خلال الطريقة التي دقق وفصل بها المشرع اختصاصات ومهام الجماعات والأقاليم أو العمالات والجهات ([7]).
وعلى العكس من ذلك، فلا يمكن لغياب المراقبة إلا أن تساهم في تسهيل انحراف العمل العمومي المحلى وابتعاده عن الضوابط القانونية، خصوصا وأن مراقبة المحاكم الجهوية للحسابات تنصب على القطاعات الحساسة والمنطوية أكثر على الأخطار، والأقل سهولة في التقييم من لدن المواطنين.
فالنصوص المنظمة لللامركزية تبرز السلطة القانونية السائدة إن لم نقل المهيمنة للمجالس التداولية ([8])، والسبب في ذلك يرجع إلى كون المجالس الجماعية أجهزة منتخبة بالاقتراع العام المباشر والمجالس الجهوية تتحمل مسؤوليات كبرى في الميادين الاقتصادية والاجتماعية.
إلا أنه، في الواقع، غالبا ما تتركز السلطة الحقيقية بين يدي السلطة التنفيذية المحلية، سواء كانت منتخبة أو معينة. والعوامل التي تقوي ظاهرة “ترئيس” السلطة ( (présidentialisation du pouvoirتكمن أساسا في أمرين: التعدد الدائم للمسؤوليات المحلية ومتطلبات التدبير اليومي للشؤون المحلية. فقضايا الفساد الإداري ترتبط أكثر بالسلطات التنفيذية المنتخبة وأقل بأعضاء المجالس التداولية.
ومن الضروري، لتحسين سير الديمقراطية المحلية، إقحام المنتخبين المحليين داخل المجالس التداولية والمواطنين لمجابهة السلطات التنفيذية المحلية التي تستأثر بمزيد من المسؤوليات. ومن شأن المراقبة المتعددة الأوجه التي تمارسها المحاكم الجهوية للحسابات أن تساهم في تسهيل عملية إخبار المنتخبين من المعارضة ومن الأغلبية. ولا يمكن لهذه الرقابة إلا أن تدعم مراقبة المجلس التداولي على الرئيس وتمنعه من مصادرة السلطة من المجلس المنتخب.
لكن يجب أن تتوافر بعض الشروط الضرورية لتتمكن المجالس الجهوية للحسابات من القيام بعملها فى ظروف جيدة.
القسم الثاني
شروط اشتغال المحاكم الجهوية للحسابات
يمكن التمييز بين الشروط العامة والشروط الخاصة.
أ –الشروط العامة
– يتعين على المحاكم الجهوية للحسابات أن تحترم سلطة المنتخب في تحديد المصلحة العامة المحلية، وتهم الإشكالية تقييم ملاءمة القرارات التي تتخذها المجالس المنتخبة والسلطات التنفيذية المحلية.
وفى الواقع، ليس من مهام المحكمة المالية تحديد المصلحة العامة المحلية سواء تعلق الأمر بالمراقبة القضائية لحسابات المحاسبين العموميين أو بفحص تدبير الآمرين بالصرف المحليين. وبخلاف ذلك، يجب على المحاكم الجهوية للحسابات أن تعتبر نفسها الضامنة لاحترام تحديد المصلحة العامة من لدن السلطات المحلية المختصة.
وهكذا، يجب على المحاكم المالية، في إطار المراقبة القضائية لحسابات المحاسبين العموميين ومن خلال مسطرة الاستئناف، أن تسهر بالضبط على أن لا تتدخل في تحديد المصلحة العامة المحلية الذي يدخل حصرا في اختصاص السلطات المحلية.
ولذلك فتحديد المصلحة العامة الذي تقوم به المجالس المنتخبة يفرض نفسه على المحاسب العمومي الذي يتعين عليه أن لا يتدخل في تحديد المصلحة العامة التي تنطوي عليها النفقات. فلا يمكن للمحاسب العمومي وقاضى الحسابات أن يقيما صحة القرار المحلى وبالأحرى ملاءمته.
ويجب على المحاكم الجهوية للحسابات أن تتخذ نفس الموقف لما تقوم بفحص تدبير الأجهزة المحلية، باقتصارها على مراقبة شرعية وجودة التسيير. فمن المؤكد أن المراجع القانونية تسمح بتأمين تجانس الملاحظات التي تثيرها مجموع المحاكم الجهوية. إلا أن الأمر غير ذلك بالنسبة لفحص جودة التدبير. إذ من المستحب تأسيس داخل المحاكم الجهوية لجنة تختص في المناهج بهدف تحقيق التناسق في الملاحظات التي تبديها وإعداد المراجع النافعة لمراقبة جودة التسيير المحلى.
كما يجب على قاضى الحسابات أن يضمن احترام تحديد المصلحة العمومية المحلية في إطار المشروعية من قبل السلطات المختصة. ومن المفروض أن تنعكس هذه المهمة الحمائية في المراقبة القضائية للحسابات وفى فحص التدبير.
وفى هذا السياق، يجب أن تهدف مراقبة القضاة على تطابق النفقة مع الميزانية والواجب الملقى على عاتق المحاسب الفعلي ليقدم المداولة السياسية التي تقضى بأن النفقات التي نفذت من المنفعة العامة إلى تأمين احترام اختصاص السلطة السياسية في تحديد المصلحة العامة المحلية. كما يمكن للملاحظات حول التدبير أن تنصب على عدم احترام اختصاص المجلس المحلى من قبل السلطة التنفيذية.
– كما لا يجب أن يخفى على أحد أن فعالية الرقابة الخارجية للمحاكم الجهوية للحسابات تتوقف على وجود مراقبة داخلية. ففي الرسالة الملكية المشار إليها سابقا تم التأكيد على البعد الشمولي لآليات المراقبة “التي من شأنها أن تجعل من مختلف مكونات المنظومة الرقابية الوطنية وحدة متكاملة ومتناسقة تتكون من محاكم مالية متمثلة في المجلس والمجالس الجهوية للحسابات ومن هيئات للتفتيش والمراقبة الداخلية وتوظيف نتائج أعمالها في ممارسة مختلف اختصاصاته بوصفه الجهاز الأعلى للرقابة “.
فبالنسبة للمحاكم الجهوية للحسابات، من المؤكد أن الوصاية الإدارية تؤدي إلى التفاوض والنقاش في تطبيق القاعدة القانونية ([9]) وبالتالي ينتج عن ذلك نوع من الأمن القانوني، إلا أن هذه المراقبة لم تساعد على تقوية الرقابة داخل الجماعات المحلية. فكان من المفروض أن تساهم اللامركزية وموازاة مع اللاتمركز في توطيد المراقبة اللاحقة وتنمية مساطر المراقبة الداخلية أو الذاتية.
ويتضح من التجارب الأجنبية أن تقوية المراقبة الداخلية تكتسي أهمية كبرى مزدوجة.
فمن شان هذا الصنف من الرقابة أن يحقق أمنا قانونيا كبيرا للجماعات المحلية والمنتخبين خصوصا في علاقاتهم مع مؤسسات المراقبة. وبعبارة أخرى من المنطقي أن تكون مراقبة المحاكم الجهوية للحسابات مرضية إذا كانت الرقابة الداخلية منظمة.
ومن جهة أخرى، يبدو واضحا أن فعالية المراقبة الداخلية بالنسبة للديمقراطية المحلية تقتضي أن تقوم الجماعات المحلية بالتحديد الدقيق لأهداف السياسات المحلية والعمل على الإعلان عنها بواسطة النشر.
وفى هذا الصدد، يمكن الإشارة إلى الفقرة الثانية من المادة 147 من مدونة المحاكم المالية التي توضح ما يلي: “تشمل مراقبة المجلس الجهوي جميع أوجه التسيير، ويقيم المجلس لهذا الغرض مدى تحقيق الأهداف المحددة والنتائج المحققة وكذا تكاليف وشروط اقتناء واستخدام الوسائل المستعملة “.
فمن شأن الإعلان عن الأهداف التي تدخل في إطار ملاءمة التدبير أن تسمح بحصر فحص التدبير من طرف القاضي المالي في المراقبة القانونية وجودة التسيير. إن دولة القانون تقتضي أولا وقبل كل شيء احترام القواعد القانونية من قبل السلطات المحلية. فالديمقراطية المحلية هي إذن ديمقراطية المساطر وتنطوي على مشاركة المواطنين في تحديد الاختيارات الجماعية. وبعبارة أخرى هي ديمقراطية الجوهر وليس الشكل ([10]).
فالمحاكم الجهوية للحسابات لا تشكل عرقلة بل آلية لتجسيد المتطلب الديمقراطي، وباستجابتها لهذه الضرورة فهي تخدم الديمقراطية المحلية.
ومن المستحب، أيضا، أن تناط بهذه المحاكم اختصاصات استشارية تشبه تلك التي يمارسها المجلس الأعلى للحسابات بموجب الفصل 148 الفقرة الثالثة من دستور 2011 الذي ينص على أن المجلس الأعلى للحسابات يبذل ” مساعدته للبرلمان وللحكومة في الميادين التي تدخل في نطاق اختصاصاته بمقتضى القانون “. وأكدت الرسالة الملكية السابق ذكرها في هذا الصدد أن الدستور جعل من المجلس الأعلى للحسابات “مؤسسة دستورية مستقلة عن الجهازين التشريعي والتنفيذي وسلطة استشارية محايدة تقدم آراء واقتراحات موضوعية تستنير بها الجهات المعنية في اتخاذ قراراتها وتقويم الاختلالات التي يبرزها المجلس “.
أما بالنسبة للأجهزة اللامركزية، فيمكن القول إن الحريات المحلية التي تم الاعتراف بها للمنتخبين من قبل الدستور والنصوص التشريعية من شأنها أن تدفع بالجماعات المحلية الصغيرة والمتوسطة إلى الاشتغال في نوع من العزلة، لاسيما وان المنتخبين يميلون إلى الخلط بين الاستقلال والقدرة على التدبير.
فالتحقيق من طبيعته أن يغنى العلاقات بين المنتخبين والموظفين الترابيين من جهة والقضاة من جهة أخرى، خصوصا وأن قضاة مستقلين يقومون بافتحاصات بدون مقابل بالنسبة للوحدات الترابية. كما أنه بإمكان السلطات المحلية وممثلي الدولة التوجه إلى المحكمة الجهوية بطلب معلل للقيام بمراقبة التسيير المحلى للجماعة. ومن شان هذه الرقابة أن تقلص من الدعاوى الموجهة إلى القاضي الجنائي وتحد من مساطر التدبير الفعلي.
ولقد ركزنا في دراسة أخرى على أهمية منح المحاكم الإدارية وظيفة استشارية ([11]) إذ ستتقوى مكانة السلطات المحلية كانت منتخبة أو معينة في تدخلاتها وقراراتها إذا قامت الفئتين من المحاكم بممارسة هذه الوظيفة في آن واحد.
والآن ماذا عن الشروط الخاصة؟
ب- الشروط الخاصة
يتعين أن يخضع توظيف قضاة المحاكم الجهوية للحسابات إلى رقابة صارمة تسمح بانتقاء المرشحين على أساس الاستحقاق والكفاءة. كما يمكن للقضاة أن يكونوا من بين الموظفين الأكثر تكوينا والأكثر تجربة في الفروع المختلفة كالقانون الجبائي، والمالية العمومية، والمحاسبة، والإفتحاص، والقانون الإداري والتنظيم الإداري، الخ.
يجب، ثانيا، أن يتمتع قضاة المحاكم المالية بضمانات دستورية وقانونية تسمح بتقوية استقلالهم عن السلطة التنفيذية. ويتعلق الأمر هنا على الخصوص بمسألتي العزل والنقل.
لكن، لسوء الحظ، توضح مدونة المحاكم المالية أن القضاة لا ينتمون لنظام القضاة العاديين ولا يخضعون لولاية المجلس الأعلى للقضاء. بل تم إحداث مجلس للقضاء خاص بالمحاكم المالية يترأسه رئيس محكمة جهوية للحسابات ويكون مكلفا بالسهر على تطبيق النظام الأساسي للقضاة الماليين.
يتعين، ثالثا، التدقيق في مهام المحاكم المالية. فمن المستحب منح هذه المحاكم اختصاصات جديدة طبقا لتوصيات المنظمات الدولية.
وهذا ما ينطبق على تقييم برامج الخوصصة. فممارسة هذه المهمة تسمح للحكومة والمواطنين بالتأكد من الحفاظ على حقوق الدولة وحماية حقوق المستعملين والمستثمرين. كما يمكن تكليف المحاكم المالية بمهمة الكشف عن أعمال الغش والفساد، خصوصا في الميادين الحساسة والمعرضة أكثر للانحرافات كالضرائب، والمصالح الاقتصادية والصفقات العمومية، والإعانات المالية، والتراخيص، ومصلحة الموظفين والجمارك، وعمليات الخوصصة، ورخص البناء والتجزئات، الخ.
وأخيرا، من المهم إخضاع ميزانيات المحاكم المالية إلى افتحاص خارجي ينجزه مكتب مستقل مع تقويته بمراقبة قبلية ومراقبة لاحقة. والهدف من هذا الشرط هو تحقيق استقلال المحاكم في علاقاتها مع مختلف البنيات الإدارية الوطنية والترابية. ولتفادي حالة التنافي لا يجب أن يقوم بهاتين المراقبتين لجنة تتكون من المفتش العام للمالية، والمراقب العام للالتزام والنفقات ومدير الميزانية، إذ أن هؤلاء الموظفين يسيرون مصالح هي بنفسها خاضعة لرقابة المحاكم المالية، وإلا سيؤدي ذلك إلى مفارقة كبيرة.
[1] نفس المقتضى ورد في الفصل 98 من دستور 1996
[2] القانون رقم 96-47 المتعلق بتنظيم الجهات، ج. ر. عدد 4470 بتاريخ 1997
[3] M.EL Yaâgoubi, « La décentralisation administrative serait-elle une théorie irréaliste ? Le cas du Maroc», REMALD 1995 n° 12, p. 42..
[4] A.Chahir, « Leadership politique local au Maroc : le cas du conseil de la ville de Casablanca», Thèse Casablanca, 2010 p. 77.
[5] محمد اليعكوبي، “اللامركزية الجماعية وإشكالية وصاية الملاءمة بالمغرب “، مجلة القانون والاقتصاد 1998، عدد 15، ص. 119.
[6] انظر كذلك الفقرات الأخيرة من المادة 36 من القانون المتعلق بالعمالات والأقاليم السابق ذكره
[7] الباب الرابع من الميثاق الجماعي، الفصول الثلاثة الأولى من القانون المتعلق بتنظيم العمالات والأقاليم، الباب الثاني والخامس من القانون المنظم للجهات
[8] نفس المراجع
[9] انظر المقتضيات التي تتعلق بدعوة المجالس المنتخبة لأجراء دراسة جديدة بشأن مسألة سبق أن تداولت فيها: المادة 70 من الميثاق الجماعي، المادة 61 من القانون المتعلق بالأقاليم والمادة 42 من القانون المنظم للجهات
[10]. J.Chevalier, L’Etat de droit, Montchrétien, 1994, p. 149.
[11] محمد اليعكوبي، “دور المحاكم الإدارية في التنمية المحلية “، المجلة المغربية للمنازعات، 2004 عدد 1، ص. 33.


