الضبط الإداري وحماية البيئة
إعداد
أ.د/رمضان محمد بطيخ
أستاذ ورئيس قسم القانون العام
كلية الحقوق – جامعة عين شمس
جمهورية مصر العربية
مقدمة:
لقد كان من الحتمي على المشرع, إزاء ما طرأ على المجتمع من تقدم تكنولوجي هائل وما ترتب عليه من آثار سلبية خطيرة أصابت البيئة التي تعيش فيها في مقتل –أن يتدخل ويعالج التلوث الذي امتد إلى كل عناصر هذه البيئة الطبيعية وغير الطبيعية وذلك إدراكا منه لخطورة هذا التلوث على مستقبل الحياة بصفة عامة والحياة البشرية بصفة خاصة, لذلك فقد سن القانون بقواعده الملزمة وتنظيماته الفعالة لمواجهة هذا الأمر.
ولعل القانون الإداري – بما يتضمن من سلطات وامتيازات وقواعد آمرة هدفها تحقيق الصالح أو النفع العام, يعد أكثر فروع القانون اتصالا بمكافحة تلوث البيئة, ويعتبر الضبط الإداري على وجه الخصوص بسلطاته من أهم وسائل ذلك القانون في هذا الشأن.
حقيقة أن معظم وسائل العالم تكاد تتفق على النص القائل.
حقيقة أن معظم دساتير العالم تكاد تتفق على النص القائل بضرورة كفالة حريات الأفراد. بل إن بعض هذه الدساتير يذهب إلى تفصيل وبيان هذه الحريات ومثال ذلك دستور دولة الإمارات العربية المتحدة لعام1971 حيث يفرد لها بابا كاملا (الباب الثالث) بعنوان الحريات والحقوق والواجبات العامة, و ينص فيه على ضرورة كفالة الحرية الشخصية – حرية التنقل والإقامة – حرية الرأي والتعبير – حرية المراسلات – حرية القيام بشعائر الدين – حرية الاجتماع –حرية اختيار العمل… الخ.
ولكن من جانب آخر إذا ترك الأفراد وشأنهم عند ممارستهم لمثل هذه الحريات, فقد يحدث لا ومن المؤكد أنه سوف يحدث نوع من التضارب أو التعارض مما تنتفي معه الحريات ذاتها إذ يستأثر بها في هذه الحالة القوى دون الضعيف وتأخذ بالتالي مفهوم التسلط والاستبداد, ومن ثم ينقلب المجتمع إلى مجتمع تسلطي أو فوضوي لا ضمان فيه لسلامة المواطن وأمنه الاجتماعي والاقتصادي والبيئي.
من هنا برزت فكرة الضبط الإداري لتقيم نوعاً من التوازن بين حق الأفراد في ممارستهم لحرياتهم وحق المجتمع في البقاء آمناً اجتماعياً واقتصادياً وبيئياً. فما هو إذاً المقصود بالضبط الإداري وما هي أهداف الضبط الإداري ووسائله وحدود سلطاته هذا ما نبينه فيما يلي:
تعريف الضبط الإداري و التمييز بينه وبين أنواع الضبط الأخرى:
أولاً:تعريف الضبط الإداري:
الضبط الإداري واجب من أهم واجبات الإجارة يتمثل في تنظيم الحريات الفردية أي وضع القيود والحدود عليها بهدف المحافظة على النظام العام في المجتمع بمدلولاته المعروفة وهي الأمن العام والصحة العامة والسكينة العامة وهو ما يجسد في واقع الأمر حماية للبيئة من كافة أنواع التلوث كما سنرى.
فهناك إذن علاقة واضحة بين الضبط الإداري وحماية البيئة, ولذا فهو يتسم بنظام قانوني خاص يميزه عن كافة الأنشطة الإدارية الأخرى, نظام يهدف إلى إقامة التوازن بين ممارسة الحرية من جانب وصيانة النظام العام من جانب آخر فهو إذن نظام لا تغنى لمجتمع ما عنه,أي أمه يمثل ضرورة اجتماعية باعتباره نظاما وقائيا يهدف إلى منع الجرائم قبل وقوعها وإنما إلى المحافظة على سلامة الإنسان في راحته وصحته وسكينته, وهو بهذا يختلف عن الضبط القضائي الذي لا يتدخل إلا بعد وقوع الجرائم سواء كانت جرائم اجتماعية أو اقتصادية أو بيئية من أجل محاسبة مرتكبيها وإنزال العقاب بهم.
بالإضافة إلى ذلك فإن الضبط الإداري إذا كان يهدف إلى تنظيم الحريات الفردية وحماية لأمن المجتمع اجتماعياً واقتصادياً وبيئياً, فإن مثل هذا التنظيم قد يتم بقانون أو بتشريع يصدر من البرلمان وهو ما يطلق عليه الضبط التشريعي.
وأخيراً فهناك ضبط إداري عام وضبط إداري خاص وذلك بالنظر إلى الأغراض التي يهدف إليها كل منها.
وترتيبا على ذلك يتعين التمييز بين الضبط الإداري و أنواع الضبط الأخرى وهذا ما نبينه في الآتي:
ثانيا: الضبط الإداري والضبط القضائي:
يتميز الضبط الإداري عن الضبط القضائي في كونه نشاطاً وقائياً أو مانعاً من الإخلال أو الاستمرار في الإخلال بالنظام العام. سواء أكان هذا الإخلال مكونا لجرائم يعاقب عليها القانون أم لم يكن كذلك. في حين أن الضبط القضائي نشاط علاجي أي لاحق على ارتكاب الجرائم يهدف إلى التحري عنها وجمع الأدلة اللازمة للتحقيق فيها وكذلك تعقب مرتكبيها وتقديمهم للمحاكمة وإنزال العقاب بهم.
وتبدو أهمية هذه التفرقة في تحديد الجهة القضائية المختصة بنظر المنازعات التي بثور بصددهما بل وقي تحديد النظام القانوني الذي يطبق على كل منهما. ذلك أن أعمال الضبط الإداري تخضع لقواعد القانون الإداري ومن ثم يختص القضاء الإداري بنظر المنازعات التي تثوب بصددها.
في حين أن المنازعات المتعلقة بأعمال الضبط القضائي تدخل في اختصاص القضاء العادي(المحاكم الجنائية) وتحكمها قواعد كل من قانون الإجراءات الحنائية وقانون العقوبات.
ومع ذلك ورغم الاختلاف بين نوعي الضبط وما يترتب على هذا الاختلاف من نتائج, فثمة علاقات متبادلة بينهما… وأول هذه العلاقات أم الأشخاص المكلفين مهمة الضبط الإداري فد يباشرون أيضا مهمة الضبط الإداري أي أنهم يجمعون بين الصفتين. فرجل الشرطة مثلا يكون من رجال الضبط الإداري في حالة تنظيمه لحركة المرور في الشوارع وعند حراسته للمنازل والمتاجر حفاظا على النظام العام, ويكون ذاته من رحال الضبط القضائي عند تحريره لمحضر تصادم بين سيارتين أو عند القبض على اللص أو السارق للمنزل أو المتجر أو عند جمع الأدلة اللازمة عن الحادث, وكذلك الشرطي الذي يقف لحراسة الخزانات العامة لمياه الشرب من أعمال التلويث أو التخريب يقوم بعمل من أعمال الضبط الإداري لأنه يحافظ على النظام العام. فإذا وقع حادث تخريب أو تلويث في مجال حراسته وجب عليه متابعة الجاني والقبض عليه وجمع الأدلة عن الحادث, وهي من أعمال الضبط القضائي.
ومن ناحية أخرى, فإن الضبط الإداري والضبط القضائي يكمل كل منهما الآخر. فالضبط القضائي بما يحدثه من رهبة وخوف في نفوس المواطنين لما ينزله من عقاب على من تثبت إدانتهم يقلل من احتمالات الإخلال بالنظام العام قبل وقوعه, كما أن الضبط الإداري وما يهدف إليه من مراقبة نشاط الأفراد وتوجيهه بصورة تكفل منع الإخلال بالنظام العام قبل وقوعه يقلل من احتمالات الجرائم المرتكبة والتي تدخل في مهمة الضبط القضائي.
ثالثاً: الضبط الإداري والضبط التشريعي:
يتفق كل من الضبط الإداري والضبط التشريعي في أن كلا منهما ينصرف إلى تنظيم الحقوق والحريات العامة بقصد المحافظة على النظام العام بمدلولاته السابقة, وذلك رغم اختلاف وسائل كل منهما في هذا الخصوص حيث تتمثل في الحالة الأولى في اللوائح والقرارات الفردية بينما تتمثل في الحالة الثانية في القوانين.
ومن ثم لا تنفرد سلطات الضبط الإداري بمثل هذا التنظيم وإنما تشاركها في ذلك سلطات الضبط التشريعي والمتمثلة في البرلمان, بل إن هذه السلطات الأخيرة تملك في هذا الخصوص اختصاصا أصيلاً, إذ لا يجوز بحسب الأصل فرض القيود والحدود على الحريات العامة إلا بقانون أو بناء إلى قانون. ففي مجال البيئة مثلا صدرت العديد من التشريعات التي تهدف إلى حمايتها ووقايتها من التلوث.
يتفرع عن ذلك أن الضبط الإداري يحب أن يدور في إطار الضبط التشريعي باعتبار أنه يتم بأداة أدنى من القانون, وهي كما ذكرنا اللوائح والقرارات الفردية. غير أن ذلك لا يعني حرمان سلطات الضبط الإداري- في حالة عدم وجود نص تشريعي- من اتخاذ أحكام لائحية مستقلة تقيد من الحريات الفردية وذلك إذا كانت أهداف الضبط الإداري تتطلب مثل هذا التقييد من ناحية وأنه لا يوجد نص يمنعها من ذلك من ناحية أخرى. ومثال ذلك الأمر المحلى رقم 61 لسنة 1991 بشأن أنظمة حماية البيئة في إمارة دبي بدولة الإمارات العربية المتحدة, بل ولا نجاوز الحقيقة إذا قلنا إن الضبط الإداري يملك في بعض الأحيان مخالفة النصوص التشريعية ذاتها أو تعطيل بعض أحكامها إذا كان هناك مبرر لذلك كما في حالة الظروف الاستثنائية كما سنرى فيما بعد.
رابعاً: الضبط الإداري العام و الضبط الإداري الخاص:
يقصد بالضبط الإداري العام حماية النظام العام في كافة صوره والمتمثلة كما سنرى في الأمن العام والصحة العامة والسكينة العامة, أما الضبط الإداري الخاص فيقصد به تحقيق أغراض محددة يرى المشرع ضرورة إسنادها إلى هيئات إدارية خاصة. ولذا فهو يضع لنا وسائل مغايرة ويقرر لنا كذلك جزاءات أشد أو أقسى من تلك المقررة للضبط الإداري العام.
وهذه الأغراض المحددة قد تدخل ضمن أغراض النظام العام كما هو الشأن في الرقابة على المحلات الخطرة والمضرة بالصحة العامة حيث يعهد بها المشرع إلى هيئات إدارية خاصة تملك سلطات أكبر مما تملكه هيئت الضبط الإداري العام. كما قد تخرج هذه الأغراض من أغراض النظام العام وذلك كالضبط الإداري الخاص بحماية الآثار والأماكن الأثرية والسياحية, الضبط الإداري الخاص بحماية الغابات أو صيانة الحدائق العامة والمنتزهات والضبط الإداري الخاص بالصيد والذي يهدف إلى المحافظة على الحيوانات و الأسماك والضبط الإداري الخاص بالمنشآت الخطرة سواء أكانت صناعية أو بيئية تسبب مخاطر أو مضايقات فينا يتعلق بالأمن العام أو الصحة العامة أو السكينة العامة.
ومن ذلك مثلاً قانون مكافحة التلوث البيئي في انجلترا الصادر عام 1974 وذلك لحماية المجتمع من الآثار السلبية للتطور الصناعي في البلاد, وفي النرويج صدر قانون مكافحة التلوث عام 1981 وفي الولايات المتحدة الأمريكية صدر العديد من القوانين التي تهدف إلى مكافحة التلوث, مثل قانون الهواء النظيف لعام 1963.. وكذلك قوانين حماية البيئة التي صدرت في معظم الدول العربية, ومنها القانون رقم 62 الصادر في دولة الكويت عام1982والقانون رقم 10 لسنة 1984 في سلطنة عمان والقانون رقم 4 لسنة 1994 في مصر….
أهداف الضبط الإداري:
تتمثل الأهداف التي يجب أن تتولاها سلطات الضبط الإداري في المحافظة على النظام العام وذلك بمنع الإخلال به أو الحد من الاستمرار في مثل هذا الإخلال. و من ثم إذا استهدفت هذه السلطات غرضاً آخر غير المحافظة على النظام اتسم تصرفها كما سنرى بالانحراف بالسلطة أو إساءة استعمالها حتى ولو كان هذا الغرض من أغراض المصلحة العامة كتحقيق موارد مالية للدولة مثلاً.
ولكن ما هو المقصود بفكرة النظام العام كإطار تعمل في حدودها سلطات الضبط الإداري؟ هذا ما سنبينه في الآتي ثم تعقب ذلك التوسع الذي طرأ على هذه الفكرة.
أولاً: المقصود بالنظام العام:
يصعب في الواقع وضع تعريف قانوني محدد للنظام العام, ذلك أنه فكرة مرنة متطورة تختلف باختلاف الزمان والمكان, بل وباختلاف المذاهب السياسية والأسس الفلسفية والاجتماعية السائدة في المجتمع.
ولذلك تكتفي التشريعات المختلفة بالإشارة إليه كهدف للضبط الإداري دون تحديد لمضمونه أو محتواه. فقانون هيئة الشرطة المصري رقم 109 لسنة 1971 ينص في المادة الثالثة على أم تختص هيئة الشرطة بالمحافظة على النظام والأمن العام والآداب وبحماية الأرواح والأعراض والأموال, وعلى الأخص منع الجرائم وضبطها, كما تختص بكفالة الطمأنينة والأمن للمواطنين في كافة المجالات, وتنفيذ ما تفرضه عليها القوانين واللوائح من واجبات. كما تنص المادة السادسة من القانون رقم 12 لسنة 1976 في شأن الشرطة والأمن بدولة الإمارات العربية المتحدة بأن تكون القوة مسئولة عن:
- حماية أمن دولة الاتحاد من الداخل.
- مكافحة الجرائم والأفعال التي من شأنها المساس بصالح الدولة وأمنها ومنع وقوعها وضبط مرتكبيها في حالة وقوعها وجمع الأدلة الموصلة إلى إدانتهم والقيام بأعمال التحقيق التي يعهد بها إليها طبقاً للقانون.
- تنفيذ القوانين واللوائح وكافة الأوامر والإجراءات التي يناط بها تنفيذها.
حقيقة أن هذا النص لم ينص صراحة إلى فكرة النظام العام إلا أن المهام التي تناولها تدخل جميعها في إطار هذه الفكرة أو بمعنى آخر في إطار الهدف العام من الضبط الإداري وهو المحافظة على النظام العام في المجتمع.
وإذا كانت الأماكن العامة والحدائق العامة مثل الشوارع والميادين والمحلات التجارية وغير التجارية, هي التي تشكل الميدان الأساسي لهيئات الضبط الإداري للمحافظة على النظام العام, فإن مفهوم هذه الأماكن في مجال تلوث بداخلها يمكن أن يمتد إلى خارجها, وهو أمر كثير الحدوث. فتلوث الهواء بالغازات الضارة المتصاعدة من مداخن مصنع خاص يخضع لنظام الضبط الإداري, لأن الهواء في حالة حركة مستمرة, وهو لا يلبث أن ينتقل من مكان المصنع الخاص إلى غيره من الأماكن. و تلوث قنوات الري أو الصرف بالمبيدات في مزرعة خاصة يستدعي تدخل الضبط الإداري لمكافحة التلوث ما دامت هذه القنوات تصب في الترع أو المصارف أو مجاري المياه العامة. والضوضاء الشديدة أو الإشاعات الذرية الناجمة عن تشغيل أحد المصانع أو المعامل تتسرب في الغالب إلى خارجه.. و هكذا, فإن العلاقة وثيقة بين الأماكن الخاصة والعامة, لاسيما في مجال تلوث البيئة.
وأيا كان الأمر فإن للنظام العام مفهوم محدد لدى الفقهاء فهو يشتمل أساسا على ثلاثة عناصر تتمثل في الأمن العام- الصحة العامة- السكينة العامة, وهي العناصر التي يهدف الضبط الإداري إلى المحافظة عليها على النحو التالي:
أ– الأمن العام:
ويقصد به كل ما يهدف إلى حماية الأرواح والأموال, أو بمعنى آخر كل مل يطمئن الإنسان على نفسه وولده وعرضه وماله من خطر الحوادث – الكوارث والاعتداءات…… سواء أكان مصدرها الطبيعة كالفيضانات والبراكين والزلازل والحرائق, أم كان مصدرها الإنسان كما في حالة الإشعاعات النووية القاتلة أو إقامة محطات أو أعمدة كهربائية ذات ضغط عالي…..
ولهذا يجب على سلطات الضبط الإداري اتخاذ كل ما يلزم لتحقيق هذه الحماية وذلك بتنظيم المرور على الطريق العام مثلاً ومنع حدوث الكوارث سواء أكانت من صنع الطبيعة كالزلازل و الفيضانات والحرائق وانهيار المباني أو من صنع الإنسان كالاعتداءات والانتهاكات التي قد تحدث من المجرمين أو العابثين أو إقامة مشروعات ذات أثر سلبي على حياة الإنسان أو تلك التي تحدث من الحيوانات المفترسة أو الضالة والخطرة.
ب–الصحة العامة:
ويقصد بها كافة الإجراءات التي من شأنها أن تحفظ صحة الجمهور ويقيها شر الأمراض أو الأوبئة المختلفة. وتبدو أهمية هذا العنصر في وقتنا الحاضر بعد أن ازداد عدد السكان زيادة هائلة وتعقد الحياة الحديثة و انتشار الإشعاعات النووية, بل والاعتماد في كثير من الأحيان على الأغذية المحفوظة والمعاملة بهذه الإشعاعات. ولهذا يقع على عاتق الإدارة اتخاذ كل ما يلزم من إجراءات لمنع الأوبئة أو تفشي الأمراض المختلفة. ومن هذه الإجراءات مراقبة المواد الغذائية المستورد منها أو المصنع محليا-بناء المساكن وما يحب أن تشتمل عليه من تجهيزات صحية- جعل التطعيم ضد بعض الأمراض إجباريا- رعاية نظافة الأماكن العامة- توفير المياه النقية- التخلص من الفضلات أو القاذورات وبصفة عامة اتخاذ سائر الإجراءات الوقائية لمنع تلوث البيئة خاصة المتعلق منها بمشرب الأفراد ومأكلهم ومسكنهم.
ج– السكينة العامة:
ويقصد بها كل ما من شأنه أن يمس راحة المواطنين, أي المحافظة على السكون والهدوء في الطرق والأماكن العامة أو المناطق السكنية.
ونظراً لما لهذا العنصر من أهمية خاصة في منع الأمراض النفسية والعصبية والتي يطلق عليها أمراض العصر, فإنه يجب على الإدارة اتخاذ كافة الإجراءات اللازمة لمحاربة الضوضاء المقلقة للراحة كالأصوات المنبعثة من مكبرات الصوت أو من أجهزة الراديو والتليفزيون المستعملة في المنازل أو المقاهي أو في أي مكان آخر أو من السيارات المارة في الشوارع. كما تشمل المحافظة على السكينة العامة أيضاً منع المضايقات التي يسببها المتسولون أو الباعة المتجولون. وكذلك منع استخدام الأنوار المبهرة للسيارات ليلا لما يمكن أن تؤدي إليه من حوادث نتيجة إخلالها بالرؤية بالنسبة للآخرين. فقد نصت المادة 35 من قانون المرور الكويتي رقم 67 لسنة 1976 على منع استعمال الأنوار العالية المبهرة أو المصابيح الكاشفة على وجه مخالف للمقرر في شأن استعمالها. كما نصت المادة الثالثة من مرسوم الأسواق الكويتي لعام 1977 على منع استخدام الأنوار المبهرة في الأسواق.
ثانياً: التوسع في مدلول النظام العام:
أدى تطور الظروف الاجتماعية وازدياد تدخل الدولة في مختلف مجالات الحياة إلى تغير مفهوم النظام العام بالمدلول التقليدي والذي كان يقتصر – كما بينا على المحافظة على الأمن والسكينة والصحة العامة, حيث لم يعد هذا المفهوم والذي تحميه سلطات الضبط الإداري كافياً لتغطية كافة غايات أو أغراض هذا الضبط. ومن ثم فقد ظهرت عناصر جديدة في إطار فكرة النظام العام البيئي تسمح بتحقيق هذه الأغراض أو تلك الغايات نذكر منها ما يلي:
أ– جمال الرونق والرواء:
ويقصد به المظهر الفني والجمالي للشارع والذي يستمتع المارة برؤيته. فكما هو واضح لم يكن هذا المظهر معتبرا من بين أغراض الضبط الإداري على أساس أنه لم يكن مندرجا في مفهوم النظام العام بالمدلول التقليدي. إلا أن جانبا من الفقه ذهب إلى ضرورة اعتبار ما تتخذه سلطات الضبط الإداري من إجراءات بقصد المحافظة على الجمال والتنظيم والتنسيق في المدن أو في الأحياء أو في الشوارع بمثابة طائفة من تدابير النظام العام, ويذهبون في تبرير ذلك إلى القول بأن الإدارة مسئولة عن حماية مشاعر الفن والجمال لدى المارة, كمسئوليتها من ضمان حياتهم وسلامتهم, وأن للإنسان الحق في حماية حياته الأدبية والثقافية, والروحية, علاوة على حياته المادية, باعتبارها كلها جوانب لازمة للوجود البشري المتكامل. أو القول بأن الرواء هو نفسه نظام, لأنه يخلق النظام والانسجام وأنه يمثل عاملا في السلام الاجتماعي.
ولهذا فقد قضى مجلس الدولة الفرنسي في حكم له بتاريخ 23/10/1936 بشرعية لائحة أصدرها أحد المحافظين في فرنسا تحظر توزيع الإعلانات والنشرات على المارة في الطرقات خشية إلقائها بعد تصفحها فيشوه منظر الطرقات ورواء الأحياء السكنية.
وفي دولة الإمارات العربية المتحدة من الممكن أن نعتبر من هذا القبيل ما نراه في الميادين والدوارات من إعلانات تحذر من إلقاء المخلفات في غير الأماكن المعدة لذلك, أو من نوافذ السيارات, وإلا تعرض المخالفون لدفع غرامة قدرها 500 درهم.
بل إن المشرع في دولة الإمارات العربية المتحدة كما هو الحال في مصر أجاز لهيئات الضبط الإداري رفض الترخيص بإنشاء المحال التجارية والصناعية في غير المناطق المخصصة لذلك من أجل تنسيق المدن والمحافظة على مظهرها. والقضاء الإداري ذهب في بعض أحكامه هذا المذهب فقد قضت محكمة القضاء الإداري المصرية أن الإدارة لما لها من وظيفة البوليس الإداري ” مكلفة بمراعاة هدوء الأحياء السكنية وصيانتها من حيث الأمن والصحة والمظهر”.
على أنه إذا جاز التسليم بتغير مفهوم النظام العام وأتساع مدلوله على هذا النحو, إلا أنه يجب أن نشير إلى أن المحافظة على جمال الرونق والرواء لا يعتبر في ذاته هدفا كافيا لاتخاذ تدابير الضبط الإداري, إذ يجب لتبرير مثل هذه التدابير أن يكون الإخلال به قد بلغ حدا معينا من الجسامة أو الخطورة وإلا لكان في ذلك تهديد للحريات العامة.
ب– الآداب العامة:
من مظاهر التوسع في مفهوم النظام العام أيضا ظهور فكرة الآداب العامة كصورة متميزة له, تعمل سلطات الضبط الإداري على المحافظة عليها.
فحتى وقت قريب لم تكن هذه الفكرة معتبرة كذلك على أساس أنها لا تمثل سوى أمورا معنوية غير محسوسة أو غير ملموسة في حين أن تدابير الضبط الإداري لم تكن تستهدف سوى حماية النظام العام في مظهره المادي, لهذا ما كان لمثل هذه التدابير أن تتدخل لحماية الآداب العامة بالمفهوم التقليدي لهذا النظام والذي يشتمل على صورة الثلاثة السابق بيانها, وهي الأمن والصحة والسكينة العامة ,إذا كان لقضاء مجلس الدولة الفرنسي الفضل في ظهور هذه الفكرة إلا أنه تطور في هذا الخصوص على النحو التالي:
فقد ذهب في بداية الأمر إلى القول بأن الإخلال أو المساس بالآداب العامة لا يمثل في ذاته هدفا لتدابير الضبط الإداري, إلا إذا اتخذ مظهرا خارجيا انعكس أثره على النظام العام بمفهومه المادي, أم بمعنى آخر لا يحق لسلطات الضبط الإداري التدخل لحماية الأخلاق أو الآداب العامة إلا إذا اتخذ الإخلال بها مظهرا خارجياً يهدد النظام العام المادي. ولهذا فقد ذهب مجلس الدولة الفرنسي إلى القول بأنه لا يحق لسلطات الضبط أن تحظر عرض فيلم حتى ولو كان منافيا للأخلاق أو الآداب العامة إذا لم يثبت أن هذا العرض سيؤدي إلى أثارة المظاهرات أو أعمال العنف ومن ثم لم يكن ينظر إلى الأخلاق أو الآداب العامة كعنصر متميز عن النظام العام وإنما باعتبارها جزء مندمجا في هذا النظام لا تتم حمايته إلا بمناسبة حماية النظام العام ذاته.
غير أن قضاء مجلس الدولة الفرنسي قد تطور في هذا الخصوص, إذ سمح لسلطات الضبط الإداري بالتدخل لحماية الأخلاق أو الآداب العامة في ذاتها أي حتى ولو لم يترتب على الإخلال بها مساس بالنظام العام في مظهره المادي.
فقد قضى في أحد أحكامه أن لسلطة الضبط الإداري أن تحظر عرض أفلام سينمائية إذا كان من شأن هذا العرض ليس فقط احتمال إثارة إضرابات جسيمة وإنما أيضا إذا كانت متسمة في ذاتها بصفة غير خلقية ضارة بالنظام العام.
فمنذ هذا الحكم ويذهب الفقه إلى الاعتراف بأن مفهوم النظام العام أصبح يتسع لصورة جديدة تضاف إلى صوره التقليدية تتمثل في الآداب أو الأخلاق العامة, بحيث يجوز للإدارة أن تتدخل لحمايتها حتى ولو لم يترتب على الإخلال بها تهديد باضطراب مادي. وتأكيدا لذلك قضت دائرة النقض الجنائية الفرنسية بشرعية لائحة تحرم على النساء ارتداء ملابس الرجال في الأماكن العامة. وكذلك حكم مجلس الدولة القاضي بشرعية تدخل الإدارة لحماية مواطني إحدى المستعمرات من تعاطي المشروبات الكحولية لان ذلك يهم النظام العام مباشرة.
هذا وقد أقر المشرع المصري هذا الاتجاه إذ ينص في القانون رقم 109 لسنة 1971 على أن تختص هيئة الشرطة بالمحافظة على….. الآداب….. و الأعراض كما نص في المادة 23 من القرار بقانون رقم 371 لسنة 1956 في شأن المحال العامة من أنه” يحظر في المحال العامة ارتكاب أفعال أو إبداء إشارات مخلة بالحياء أو الآداب التغاضي عنها. كما يحظر عقد اجتماعات مخالفة للآداب والنظام العام….”.
وفي دولة الإمارات العربية المتحدة نجد أن المادة 32 من الدستور المؤقت تنص على أن” حرية القيام بشعائر الدين طبقا للعادات المرعية مصونة, على ألا يخل ذلك بالنظام العام, أو ينافي الآداب العامة”.
كما تنص المادة رقم9 من القانون الاتحادي رقم 12 لسنة 1976 في شأن قوة الشرطة والأمن على أنه لا يجوز لمنتسبي القوة استعمال السلاح إلا في الحالات الآتية:
أ– الدفاع المشروع عن ……….. العرض……….
وكما ذكرنا في حالة جمال الرونق والرواء, فإن التوسع في مفهوم النظام العام باستخدام فكرة الآداب العامة سوف يؤدي حتما إلى توسيع حدود سلطات الضبط الإداري أي فرض المزيد من القيود والضوابط على الحريات العامة,مما قد يؤدي إلى أن تصبح سلطة الضبط سلطة رقابة على الأخلاق والسلوك ومن ثم تمثل عائقا للأفراد قي حياتهم. الأمر الذي قد يؤدي إلى نتائج سلبية لهذا النظام العام ذاته. ولهذا يحسن ألا نتوسع في مفهوم هذه الفكرة بل وأن يخضع القاضي في تقديرها لعناصر موضوعية مستمدة مما تعارف عليه أوساط الناس من قيم ومبادئ أخلاقية.
وسائل الضبط الإداري:
تملك سلطت الضبط الإداري في سبيل القيام بواجبها في المحافظة على النظام العام, أن تلجأ على وسائل عديدة. تتمثل أساسا في لوائح الضبط الإداري والقرارات الفردية. كما تملك أن تلجأ إلى التنفيذ المباشر أو التنفيذ الجبري لوضع هذه اللوائح أو تلك القرارات موضع التنفيذ وهذا ما نبينه تباعا.
أولا: لوائح الضبط الإداري:
تتشابه لوائح الضبط الإداري مع القانون قي كونها متضمنة لقواعد عامة ومجردة إلا أنها تختلف عنه في أمرين: فمن ناحية, أمها تصدر من جانب سلطات الضبط الإداري في حين أن القانون يصدر من جانب المشرع, ومن ناحية أخرى, فإن اللوائح ذات هدف محدد أو مخصص يتمثل في المحافظة على النظام العام بمدلوله السابق بيانه في حين أن الهدف من القانون أوسع من ذلك بكثير.
وتعتبر لوائح الضبط من أبرز مظاهر هيئات الضبط الإداري, إذ عن طريقها تضع هذه الهيئات قيودا أو ضوابط للحريات الفردية بقصد الحفاظ على الأمن العام أو الصحة العامة أو السكينة العامة أو الآداب العامة. فهي تمس إذا وبشكل مباشر حقوق الأفراد وحرياتهم وذلك بما تتضمنه من أوامر ونواه, يجب مراعاتها عند مباشرة هذه الحقوق أو تلك الحريات. ومن أمثلة هذه اللوائح لوائح تنظيم المرور والسير في الطرق العامة واللوائح المنظمة للمحال العامة والخطرة أو المقلقة للراحة وتلك المنظمة لاستعمال مكبرات الصوت وكذلك اللوائح الخاصة بمراقبة التغذية.. ونظافة الأماكن العامة والوقاية من الأمراض المعدية والأوبئة الخ, هذا وتتمتع جهة الإدارة بسلطة تقديرية واسعة لإصدار مثل هذه اللوائح بحيث لا تجبر على ذلك إلا إذا كانت لازمة وضرورية للمحافظة على النظام العام في أي من الولاية المختلفة, مدلولاته وقد نصت المادة 140 من دستور جمهورية مصر العربية لعام 1971 على أن “يصدر رئيس الجمهورية لوائح الضبط” وفي الكويت نصت المادة 73 من دستور عام 1962 على أن ” يضع الأمير بمراسيم, لوائح الضبط … بما لا يتعارض من القوانين”. ويمارس هذه السلطة في الحقيقة مجلس الوزراء الذي يهيمن على مصالح الدولة طبقاً لنص المادة 123. إذ أن الأمير حسب نص المادة 55 يتولى سلطاته بواسطة وزرائه. وفي دولة الإمارات العربية المتحدة نصت الفقرة الخامسة من المادة 60 من الدستور المؤقت لعام 1971 على اختصاص مجلس الوزراء بإصدار لوائح الضبط.
ثانياً: القرارات الفردية:
إذا كانت لوائح الضبط الإداري تتضمن قواعد عامة مجردة أي لا تخاطب فردا أو مجموعة محددة من الأفراد, فإنه على العكس من ذلك فيما يتعلق بالقرارات الفردية. حيث تصدر من سلطات الضبط الإداري للتطبيق على فرد معين أو على أفراد معينين بذواتهم.
وتتضمن هذه القرارات أوامر أو نواه أو تراخيص بقصد تنظيم أو تقييد حقوق الأفراد وحرياتهم للمحافظة على النظام العام, ومثال ذلك الأمر الصادر لشخص معين بهدم منزل آيل للسقوط أو بإزالة أكوام الأسمدة البلدية أو النفايات المكدسة في أحد الأماكن العامة, والنهي عن بيع سلعة غذائية محددة ثبت فساد المتداول منها بالأسواق.ومنها الترخيص بشغل بعض أجزاء من الأرصفة في عرض بضائع بعض التجار, أو للاستعمال المقاهي.
هذا ولا تختلف القرارات الفردية الصادرة من سلطات الضبط الإداري عن سائر القرارات الإدارية الأخرى إلا فيما يتعلق بأهدافها وغاياتها. ومن ثم فإنها تخضع للقواعد العامة للقرارات الإدارية.
وأخيرا يجب أن تصدر القرارات الفردية مستندة إلى أحكام القرانين واللوائح. بمعنى أنه لا يجب أن تصدر بالمخالفة لما نصت عليه هذه القوانين أو تلك اللوائح إلا كانت غير مشروعة. ومع ذلك تستطيع هيئات الضبط الإداري اتخاذ مثل هذه القرارات استقلالا ولكن بشرط ألا يكون المشرع قد تطلب تنظيم ما تتناوله من موضوعات بقانون أو لائحة وأن يكون الغرض منها تحقيق أحد مدلولات النظام العام السابق الإشارة إليها.
ثالثاً: التنفيذ الجبري:
الأصل أن سلطات الضبط الإداري لا تلجأ إلى تنفيذ ما تصدره من قرارات لائحية أو فردية ملزمة للأفراد, إلا بعد اللجوء إلى القضاء شأنها في ذلك شأن الأفراد حيث لا يجوز لهم أن ينتزعوا حقوقهم جبرا دون استصدار حكم بذلك من القضاء واللجوء إلى السلطات العامة.
ولكن استثناء من هذا الأصل العام منحت سلطات الضبط الإداري مكنة الالتجاء إلى التنفيذ الجبري أو ما يسمى بالتنفيذ المباشر دون حاجة إلى إذن سابق من القضاء. ولهذا تعتبر هذه المكنة امتياز من الامتيازات التي تتمتع بها الإدارة بل ومن أهم هذه الامتيازات وإن كانت تمثل في ذات الوقت تهديدا للحريات العامة.
ولما كان التنفيذ الجبري -كما ذكرنا- استثناء من أصل عام فإن حالات اللجوء إليه محددة على سبيل الحصر, لا يجوز التوسع فيها أو القياس عليها وتتمثل هذه الحالات فيما يلي:
- حالة النص في القوانين أو اللوائح صراحة على حق الإدارة في اللجوء إلى التنفيذ المباشر. فإذا لم يوجد مثل هذا النص امتنع على الإدارة اللجوء إلى هذا السبيل.
- حالة مخالفة الأفراد لقانون أو لائحة لم تتضمن جزاء على مخالفتها إذ على الإدارة في هذه الحالة اللجوء إلى التنفيذ الجبري أو المباشر لكفالة احترام القانون ولضمان إعمال أحكامه.
- حالة الضرورة والاستعجال, ويقصد بها حالة وجود خطر داهم يقتضي من الإدارة أن تتدخل فوراً للمحافظة على النظام العام. في هذه الحالة يجوز بل يجب على سلطات الضبط الإداري أن تلجأ إلى التنفيذ المباشر حتى ولو كان المشرع قد منعها من ذلك صراحة إذ القاعدة أن الضرورات تبيح المحظورات.
ولكن يشترط لذلك أن يكون الهدف تنفيذ قرارات مشروعة وأن يثبت إمتناع الموجه إليه تدبير الضبط الإداري عن التنفيذ اختيارا وأن يكون التنفيذ الجبري هو الوسيلة الوحيدة للمحافظة على النظام العام وأخيرا يجب أن تكون القوة المستخدمة متناسبة مع الضرورة التي دعت اليها.
ومن أمثلة استخدام القوة المادية للمحافظة على النظام العام في مجال مكافحة التلوث إطفاء الحرائق ولو كانت في الأماكن الخاصة, والاستيلاء على الأغذية الفاسدة المعدة للبيع لدى التجار ومصادرتها وإعدادها وكذلك إبعاد الأشخاص المصابون بأمراض معدية أو وبائية أو آية أمراض تنتقل عن طريق الغذاء, عن مجال تداول الأغذية أو صناعتها, إذا امتنعوا عن تنفيذ أوامر جهة الإدارة في ذلك ولم يكن أمام الإدارة سبيل سوى استخدام القوة معهم, وإزالة ما يشغل أرصفة الشوارع من بضائع أو عوائق وإن كانت ملكاً للأفراد.
وهذا ما نصت عليه صراحة المادة 102 من قانون الشرطة المصري رقم 109 لسنة 1971.
ومن أمثلة استخدام القوة المادية أيضاً حجز الآلة المحدثة للضجيج أو إزالة أي قطعة منها لجعلها غير قادرة على الاستخدام, أو مصادرتها مؤقتاً ونقلها إلى مخازن الإدارة المختصة وهو ما نصت عليه المادة 79 من الأمر المحلي رقم 61 لسنة 1991, بشأن أنظمة حماية البيئة في أمارة دبي بدولة الإمارات العربية المتحدة.
هيئات الضبط الإداري:
يربط كثير من الفقه بين الضبط الإداري وهيئة الشرطة إذ يرون أن سلطات الضبط الإداري تتركز في يد هذه الهيئة. فيقول العميد دكتور/ سليمان الطماوي أن ” البوليس الإداري العام في مصر- سواء أكان قوميا أو محليا- مركز في يد السلطة المركزية أي وزارة الداخلية في العاصمة ومديري الأمن في الأقاليم”.
حقيقة أن هيئة الشرطة تلعب دورا أساسيا في هذا الخصوص ولمن يجب أن نفرق مع ذلك بين أمرين:
الأمر الأول: اتخاذ هذه الأوامر سواء أكانت لوائح أم قرارات فردية:
وهذا أمر منوط بموظفين تحدد القوانين واللوائح اختصاصاتهم, ويطلق عليهم سلطات الضبط الإداري.
وهذه السلطات مركزة في الدول البسيطة غالبا في يد السلطة المركزية والمتمثلة في رئيس الدولة ومجلس الوزراء والوزراء كل في نطاق وزارته, وكذلك قي كل من المحافظ ومدير الأمن في إطار كل محافظة, أما في الدول الاتحادية الولايات المتحدة الأمريكية ودولة الإمارات العربية المتحدة, فتوجد هيئات ضبط اتحادية مباشر سلطاتها على المستوى القومي وأخرى محلية تباشر سلطاتها على المستوى الإقليمي أو المحلي. أما هيئات الضبط المحلية على مستوى الإمارات فإنها تتضح من المادة17.
الأمر الثاني: تنفيذ أوامر الضبط الإداري:
وهذا أمر تختص به أساسا هيئة الشرطة بالدولة, كما يختص به كذلك كثير من العاملين بوزارات الدولة من ذلك مثلا: ويجب التمييز في إطار الضبط الإداري بين رجال الشرطة المنفذين وبين سلطات الضبط الإداري المختصة باتخاذ لوائح الضبط والقرارات الفردية الهامة اللازمة للمحافظة على النظام العام. فهذه السلطات تشمل رئيس الدولة. أو رئيس مجلس الوزراء ووزير الداخلية والمحافظين وغيرهم من المسئولين الذين يحددهم القانون.
غير أن هيئات الضبط الإداري لا تقتصر على ضباط الشرطة وجنودها أو غيرهم من العاملين بوزارة الداخلية, وإنما تشمل كثيرين من العاملين بوزارات أخرى متعددة. من ذلك مثلا موظفو قسم الصحة الوقائية بوزارة الصحة العامة إذ يتمثل عملهم في المحافظة على الصحة العامة – وهي أحد عناصر النظام العام الذي يهدف الضبط الإداري إلى إقامته- بمقاومة أسباب الخطر الذي يمكن أن يصيبها كالأوبئة والأمراض المعدية, والمحافظة على سلامة الماء والغذاء, وصيانة النظافة العامة. وتقوم هيئة الشرطة بمساعدة هذه الهيئات على تنفيذ القوانين واللوائح التي يدخل في اختصاصها مراعاة تنفيذها. وقد تمنح هذه القوانين واللوائح بعض موظفيها صفة الضبطية القضائية للقيام بضبط ما يقع من الأفراد من مخالفات لأحكامها.
وأخيرا يجب أن نشير أنه فيما يتعلق بالضبط الإداري الخاص فأنه يلاحظ أن السلطات القائمة عليه هي السلطات التي يعينها القانون المنشئ لهذا النوع من أنواع الضبط الإداري.
حدود سلطات الضبط الإداري:
يقصد بحدود سلطات الضبط الإداري معرفة نقطة التوازن أو التعادل بين السلطة والحرية أي معرفة مدى تدخل سلطات الضبط الإداري في حريات الأفراد, وبمعنى آخر هي الحدود أو الضوابط التي يجب على هذه السلطات أن تلتزمها إزاء حقوق الأفراد وحرياتهم.
وأيا كان الأمر فإن وظيفة الضبط الإداري, رغم أهميتها في المحافظة على أمن الجماعة ونظامها, إلا أنها ليست طليقة من كل قيد وإلا كان في ذلك إهدار للحريات العامة. وتتمثل القيود التي ترد على هذه الوظيفة في ضرورة الخضوع عند مباشرتها لمبدأ سيادة القانون أو ما يقال له مبدأ المشروعية وكذلك فيما يتطلبه الفقه والقضاء من شروط لمشروعيتها سواء تعلقت هذه الشروط بالهدف منها أو الأسباب الدافعة إليها أو الوسائل المستخدمة لها ومدى ملاءمتها لهذه الأسباب. وتتمثل هذه القيود أيضا في تقرير مسئولية سلطات الضبط الإداري عن الأضرار التي يمكن حدوثها على ما تتخذه من تدابير أو إجراءات.
ومع ذلك يحب أن يلاحظ أن مثل هذه القيود قد تخف حدتها بل وقد تلغى كلية في حالة الظروف الاستثنائية, أي في حالة حدوث أمور عصبية تهدد النظام العام بأخطار جسيمة وتتطلب بالتالي سرعة التدخل من جانب الإدارة لمواجهتها.
وعلى ذلك نبين فيما يلي حدود سلطات الضبط الإداري في الظروف العادية ثم نبين هذه الحدود في الظروف الاستثنائية.
أولاً: حدود سلطات الضبط الإداري في الظروف العادية:
أ– التقيد بمبدأ المشروعية:
يقصد بمبدأ المشروعية خضوع الإدارة لأحكام القانون في كل ما يصدر عنها من تصرفات وأعمال سواء تعلقت بالضبط الإداري أو غيره, بحيث يعتبر التصرف أو العمل باطلا إذا خالف حكما أو قاعدة من قواعد القانون.
والقانون هنا يأخذ معنى واسعا فيشتمل على القواعد الدستورية والقواعد التشريعية واللوائح المختلفة كل بحسب درجتها أو تدرجها في السلم التشريعي. كما يشتمل أيضا على القواعد غير المكتوبة كالعرف والمبادئ العامة للقانون.
وترتيبا على ذلك تلتزم القرارات الفردية حدود القرارات التنظيمية أو اللوائح وهذه تلتزم حدود التشريع الأعلى سواء أكان قانونا أم دستورا وهكذا.
فإذا ما فرض الدستور قيودا معينة يجب مراعاتها عند تنظيم الحقوق والحريات الفردية وجب على القانون الالتزام بها وإلا كان قانونا باطلا, أما إذا اكتفى الدستور بالنص على المبادئ الكلية أو الأساسية في هذا الخصوص, تاركا الجزئيات والتفصيلات للمشرع, تمتع هذا الأخير بحرية أوسع عند تنظيمه لهذه الحقوق أو تلك الحريات, ولكن دون أن يصل بمناسبة هذا التنظيم, إلى حد إلغائها أو سلبها وإلا كان مشوبا بعيب مخالفة الدستور. وإذا ما أصدر المشرع القانون على وجه دستوري صحيح كان على سلطات الضبط الإداري التقيد بأحكامه واتخاذ ما يلزم لتنفيذه بإصدار لوائح تنفيذية وكذلك أوامر فردية على أن تلتزم في ذلك الحدود والأطر التي وضعها كل من المشرع الدستوري والمشرع العادي.
أما إذا لم ينص الدستور على إحدى الحريات العامة, كان للمشرع وهذا هو الأصل أن ينظم هذه الحرية بوضع القيود الكفيلة لحماية النظام العام وإلا أصدرت سلطات الضبط الإداري لوائح بتنظيمها وهي ما تسمى بلوائح الضبط كما سبق البيان.
هذا ويلاحظ أن وجود حريات يكفلها الدستور أو القانون لا يحول بذاته دون إصدار لوائح ضبط مستقلة لتنظيم هذه الحريات وذلك إذا اقتضت ضرورات المحافظة على النظام العام مثل هذه الإصدار.
ب– الالتزام بالعمومية:
بمعنى أن سلطات الضبط الإداري يجب أن تلتزم عند تنظيمها للحريات الفردية – أن يكون هذه التنظيم عاما أي موجها لا لفرد معين بالذات أو لمصلحة محددة, وإنما لمجموعة من أفراد الجمهور أو لعدد غير محدد من المصالح, ذلك أن النظام الذي تحميه تدابير الضبط الإداري هو النظام العام وبالتالي فمثل هذه التدابير لا تكون مبررة إلا إذا كان الخطر العربي يتهدده عاما أيضا. وعلى ذلك إذا تعلقت تدابير الضبط الإداري بحماية فرد معين من خطر يتهدده أو تحقيقا لمصلحة خاصة به, أو تعلقت بمصلحة طائفية أو حزبية معينة, فإن ذلك يعد انحرافا في استخدام سلطات الضبط الإداري.
ج– التقيد بأغراض الضبط الإداري:
تتمثل أغراض الضبط الإداري العام –كما ذكرنا- في المحافظة على النظام العام بمدلوله السابق الإشارة إليه وهو حماية الأمن والسكينة والصحة العامة وكذلك الآداب العامة, كما تتمثل أغراض الضبط الإداري الخاص فيما حدده له المشرع من أهداف محددة. وعلى ذلك يمكن القول أن أهداف الضبط الإداري عاما كان أم خاصا هي أهداف مخصصة. ومن ثم يجب على الإدارة أن تستهدف بإجراءات الضبط الإداري التي تتخذها فقط تحقيق أحد هذه الأغراض أو الأهداف المخصصة بحيث يعتبر تصرفها باطلا إذا اتخذت هذه الإجراءات لتحقيق أغراض أخرى حتى ولو كانت هذه الإغراض تهدف إلى تحقيق الصالح العام.
د– التقيد بعدم اتخاذ تدابير الضبط الإداري إلا إذا كانت لازمة لمواجهة خطر يهدد الأمن والنظام:
ومعنى ذلك أنه لكي يعتبر تدخل سلطات الضبط الإداري مشروعا ومبررا يجب أن تكون هناك أسباب جدية تهدد الإخلال بالنظام العام. وتتمثل هذه الأسباب في الظروف الخارجية أو الوقائع المادية التي دفعت الإدارة إلى التدخل ولهذا يراقب القضاء مدى جديتها ومدى تهديدها للنظام العام.
وفي ذلك تقول محكمة القضاء الإداري بمصر ” إنه وإن كانت جهة الإدارة في الأصل تملك حرية وزن مناسبات العمل وتقدير أهمية النتائج التي تترتب على الوقائع الثابت قيامها والتي من اجلها تتدخل لإصدار قرارها, إلا أنه حينما تختلط مناسبة العمل الإداري بشرعيته, ومتر كانت هذه الشرعية تتوقف على حسن تقدير الأمور, خصوصا فيما يتصل بالحريات العامة, وجب أن يكون تدخل الإدارة لأسباب جدية تبرره. فلا يكون العمل الإداري عندئذ مشروعا إلا إذا كان لازما, وهو في ذلك يخضع لرقابة محكمة القضاء الإداري..”
ومع أن الأصل هو افتراض صحة الأسباب التي تتخذ الإدارة على أساسها قراراتها بصفة عامة, إلا أن مجلس الدولة الفرنسة قد خرج على هذا الأصل في خصوص إجراءات الضبط الإداري, إذا تطلب من الإدارة إثبات صحة وجدية أسباب التدخل أي أنه أقام قرينه عكسية حيث افترض أن تدخل الإدارة في هذه الحالة غير قائم على سبب صحيح حتى تثبت الإدارة ذاتها عكس هذا الافتراض وذلك بطبيعة الحال حرصا منه على حماية وتأكيد حقوق الأفراد وحرياتهم.
هـ – التقيد بأن تكون وسائل الضبط مشروعة في ذاتها:
تتمثل وسائل الضبط الإداري –كما ذكرنا- في لوائح الضبط والأوامر الفردية والتنفيذ المباشر. ويقصد بأن تكون هذه الوسائل أو تلك التدابير مشروعة في ذاتها أن تصدر في إطار أو في حدود النصوص التشريعية الأعلى المتعلقة بالحريات العامة.
كما يجب أن تصدر من الجهة الإدارية المختصة ووفقا للإجراءات والأشكال المقررة وأن ترد على محل جائز قانونا, بالإضافة إلى ذلك يجب ألا تصل الوسائل التي تتخذها الإدارة لتحقيق أغراض الضبط الإداري إلى حد تعطيل إحدى الحريات العامة التي كفلها الدستور أو كفلتها القوانين, تعطيلا تاما, أي يجب ألا تصل إلي حد تقرير الحظر المطلق لها وترجع هذه القاعدة “من ناحية إلى أن الحظر المطلق لممارسة الحرية يعني إلغاؤها, وليس لسلطة الضبط أن تلغي الحرية.
وترجع من ناحية أخرى إلى أن صيانة النظام العام لا تستلزم بالضرورة في اغلب الأحوال أن يصل تقييد الحرية إلى درجة الحظر المطلق”
و– التقيد بأن تكون وسائل الضبط متناسبة مع جسامة الخطر الذي يهدد النظام العام:
يتعين أيضا أن تلتزم سلطات الضبط الإداري- عند اتخاذها لتدابير الضبط- أن تكون هذه التدابير متلائمة مع درجة جسامة الخطر الذي يهدد النظام العام. فلا يكفي أن يكون الإجراء المتخذ جائزا قانونا أو أنه بني على أسباب صحيحة وإنما يجب بالإضافي إلى ذلك أن يكون متلائما مع سبب التدخل أي مع جسامة الإخلال أو الاضطراب الذي تهدف الإدارة إلى تفاديه؛ وعلى ذلك تتحصل في الرغبة في إحداث نوع من التوازن أو التعادل بين رعاية حقوق الأفراد وحرياتهم من جانب وحماية النظام العام من جانب آخر. ولهذا يتدخل القاضي الإداري لمراقبة ملائمة القرار للظروف التي صدر فيها ومدى لزومه لمواجهة هذه الظروف, ويتثبت من ذلك بقيامه أملا بمراقبة تقدير الإدارة لمدى جسامة الاضطراب ومدى خطورته على النظام العام, ثم يتدخل بعد ذلك لتقدير الإجراء المتخذ من قبل الإدارة لمواجهة هذا الاضطراب. فإذا ثبت أن هناك مغالاة أو سوء في تقدير درجة جسامة أو خطورة الاضطراب أو في الإجراء المتخذ لمواجهة هذا الاضطراب حكم ببطلان التصرف الإداري.
ولكن هل معنى ذلك أن القاضي يصبح في هذه الحالة قاضي ملاءمة بالإضافة إلى كونه قاضي مشروعية؟ في الواقع يمتنع القاضي الإداري –كقاعدة عامة- عن رقابة ملائمة القرارات الإدارية سواء من حيث تقدير الإدارة للأسباب الدافعة إلى اتخاذها أو من حيث مدى ملائمة هذه الأسباب والإجراء المتخذ وعلى ذلك تتحصل في أن الأعمال الإدارية إنما هي أعمال فنية وكثيرا ما لا يحيط القاضي بكنهها وطبيعتها.
ومن ناحية أخرى إذا سمح القاضي لنفسه القيام بمثل هذه الرقابة, فإنه لا يصبح قاضيا وإنما رئيسا إداريا أعلى وهذا ما يتعرض مع مبدأ الفصل بين السلطات في صورته المرنة أو البسيطة.
لذلك فقد ذهب البعض إلى الإجابة على السؤال السابق بالإيجاب على أساس أن رقابة القاضي لعنصر الملاءمة في قرارات الضبط الإداري تعتبر بمثابة استثناء من القاعدة السابقة.
والحقيقة أن القاضي في حالة قرارات الضبط الإداري لا يراقب ملائمة هذه القرارات وإنما لا يزال بالنسبة لها قاضي مشروعية, كل ما في الأمر أن ملائمة الإجراء المتخذ من قبل الإدارة يصبح في قرارات الضبط عنصرا من عناصر مشروعيتها, ذلك أن هذه القرارات إنما تورد قيودا على الحريات العامة, والأصل عدم تقييد هذه الحريات إلا استثناء وفقط بقدر ما تقتضيه المحافظة على النظام العام. لذلك تعتبر سلطات الضبط الإداري والحال هكذا استثناء من أصل عام أي سلطات مقيدة, ومن ثم ينعدم فيها عنصر التقدير والملائمة. وهذا ما أكدته محكمة9 القضاء الإداري المصرية في حكمها الصادر بتاريخ 29/4/1953 إذ تقول ” حيث تختلط مناسبة العمل الإداري بمشروعيته, ومتى كانت هذه المشروعية تتوقف على حسن تقدير الأمور خصوصا فيما يتعلق بالحريات العامة, وجب أن يكون تدخل الإدارة لأسباب جدية تبرره. فالمناط والحالة هذه في مشروعية القرار الذي تتخذه الإدارة هو أن يكون التصرف لازما لمواجهة حالات معينة من دفع خطر جسيم يهدد الأمن والنظام باعتبار هذا الإجراء الوسيلة الوحيدة لمنع هذا الضرر, والقضاء الإداري حق الرقابة على قيام هذا المسوغ أو عدم قيامه”
ل– الالتزام بمراعاة ظروف الزمان والمكان عند تقدير سلطات الضبط الإداري:
بمعنى أن ما تتخذه الإدارة من تدابير أو إجراءات, يجب أن سكون متناسبا ليس فقط كما ذكرنا مع جسامة أو خطورة الفعل المهدد للنظام العام, وإنما أيضا مع الظروف المحيطة بالفعل سواء من حيث الزمان أو من حيث المكان.
فإذا كان يراد بالإجراء المزمع اتخاذه تقييد حريات الأفراد وقتا قصيرا أو لمواجهة ظروف طارئة ومؤقتة, فمن الممكن أن يكون هذا الإجراء متسما بالشدة, وذلك على عكس ما إذا كان يراد به تقييد حريات الأفراد وقتا طويلا أو لمواجهة ظروف دائمة حيث لا يجب أن يتسم بهذه الصفة وإلا كان تهديدا دائما ومن ثم خطيرا للحريات العامة. ولهذا تقول المحكمة الإدارية العليا أنه: “لا يترتب على قيام حادث بين قبيلتين إغلاق السوق لاسيما بعد أن انقضى أكثر من سنة ونصف منذ وقوع الحادث دون أن يتم الصلح بين القبيلتين. وقد كان في مقدور الإدارة اتخاذ الإجراءات الكفيلة بمنع الحوادث دون الالتجاء إلى إغلاق السوق حتى إذا اضطرتها الظروف إلى اتخاذ هذا الإجراء الشديد كان هذا بالقدر المناسب ولمدة قصيرة من الزمن. أما استمرار تعطيل السوق حتى يتم الصلح فهذا مالا يصح التسليم به, ويكون القرار الصادر بتعطيل السوق قد جانب القانون ويتعين لذلك إلغاؤه”.
كما أن سلطات الضبط الإداري المتخذة ليلا قد تختلف عن تلك المتخذة نهارًا. فإذا كان من الجائز للإدارة مثلا اتخاذ إجراء يقضي بغلق المقاهي والمحال التجارية في ساعة متأخرة من الليل، فإن مثل هذا الإجراء لا يكون مشروعًا لو أدى إلى ذات النتيجة نهارًا.
ومن حيث المكان أيضًا يجب أن تكون سلطات الضبط الإداري مختلفة، ففيما يتخذ من هذه السلطات في الطريق العام يجب أن يغاير ما يتخذ منها في الأماكن الخاصة حيث تتسع في الحالة الأولى على عكس الحالة الثانية. وكذلك الحال فيما يتعلق بتدابير الضبط الإداري في المواني والمطارات أو على الحدود، يجب أن تكون مختلفة عما يتخذ منها داخل المدن أو القرى وهكذا.
ي– تفاوت أساليب الضبط الإداري بتفاوت مراتب الحريات:
ليست الحريات العامة كلها على قدم المساواة بل تتفاوت فيما بينها من حيث الأهمية تبعًا لكيفية نص الدستور بشأنها.
ولهذا يجب على سلطات الضبط الإداري أن تغاير في أساليبها تجاه هذه الحريات تبعًا لذلك. فإذا كان منصوص على الحرية في الدستور بطريقة تسمح لسلطات الضبط الإداري التدخل لتنظيمها أو تقييدها، فإنه يجب على هذه السلطات أن تتقيد تجاه هذه الحرية وذلك بعدم التدخل إلا بالشكل الذي يسمح بممارستها على الوجه المبين في الدستور، ومثال ذلك نص المادة 46 من الدستور المصري والمادة 32 من دستور دولة الإمارات العربية المتحدة من أن الدولة تكفل حرية العقيدة وحرية ممارسة الشعائر الدينية.
بل وإذا كانت الحرية من الحريات التي أباح الدستور للقانون تنظيمها فإن سلطات الضبط الإداري تتقيد أيضًا في هذه الحالة باتخاذ الأساليب الكفيلة بتنفيذ القانون بحيث لا تتجاوز بذلك حدود أو إطار ما نص عليه هذا القانون. ومثال هذه الحريات ما نص عليه الدستور المصري في المادة 44 ودستور دولة الإمارات العربية المتحدة في المادة 36 من أن للمساكن حرمة فلا يجوز دخولها بغير إذن أهلها إلا وفق أحكام القانون وفي الأحوال المحددة فيه.
أما الحريات التي تستقل بتنظيمها سلطات الضبط الإداري كحرية المرور في الطرقات العامة، فإن لهذه السلطات أن تتخذ ما تراه منسابًا من الإجراءات والتدبير لكفالة حسن ممارسة هذه الحرية. مع ملاحظة أنه يجب عليها أن تتقيد في هذه الحالة بقيد عام يتمثل في ضرورة الموائمة أو الموازنة بين اعتبار حق المواطنين في ممارسة حرياتهم العامة من ناحية واعتبار المحافظة على النظام العام من ناحية أخرى بحيث لا يجوز لأي من الاعتبارين أن يطغى على الآخر.
ثانيًا: حدود سلطات الضبط الإداري في الظروف الاستثنائية:
لقد بينا فيما سبق سلطات الضبط الإداري في الظروف العادية أي في الأوقات والأزمنة الطبيعية. ولكن إذا ما حلت على الدولة أوقات عصيبة مليئة بالاضطرابات والقلاقل سواء أكانت داخلية كالزلازل والبراكين والأوبئة أم خارجية كالحروب أو التلوث الذي يصيب مجاري الأنهار والبحار والمحيطات، فإن هذه السلطات قد لا تصلح على الإطلاق لمواجهة مثل هذه الأوقات أو تلك الظروف، بحيث أنه إذا ما تمسكنا بضرورة التقيد بها إدعاء بالحفاظ على سيادة مبدأ المشروعية وصيانة حقوق الأفراد وحرياتهم، لترتب على ذلك أخطار جسيمة قد تعصب بوجود الدولة ذاتها، بل وبكل ما تحرص هذه السلطات على المحافظة عليه.
من هنا ظهرت نظرية الظروف الاستثنائية لتمكن هيئات الضبط الإداري من مواجهة مثل هذه الأوقات العصيبة، وتزودها بالتالي بسلطات واسعة في التقرير تختلف في مداها عن تلك التي تتمتع بها في الظروف العادية. أي سلطات تسمح لها باتخاذ الإجراءات التي تتطلبها الموقف ولو طالتني في ذلك القانون في مدلوله اللفظي ما دامت تبغي الصالح العام.
ويقصد بهذه النظرية باختصار شديد أن بعض الأعمال أو التصرفات الإدارية والمعتبرة غير مشروعة في الظروف العادية، تعتبر مشروعة في الظروف الاستثنائية، إذا ما ثبت لزومها لمواجهة هذه الظروف والمحافظة بالتالي على النظام العام أو دوام سير المرافق العامة. وهذا ما يستفاد من حكم المحكمة الإدارية العليا الذي قضت فيه بأن (للحكومة عند قيام حالة استثنائية تمس الأمن والطمأنينة سلطة تقديرية واسعة، لتتخذ من التدابير السريعة الحاسمة ما تواجه به الموقف الخطير، إذ بقدر الخطر الذي يهدد الأمن والطمأنينة بقدر ما تطلق حريتها في تقدير ما يجب اتخاذ من إجراءات وتدابير لصون الأمن والنظام، وليس يتطلب من الإدارة في مثل الظروف الخطرة ما يتطلب منها في الظروف العادية من الدقة والحذر حتى لا يفلت الزمام من يدها).
وهكذا يمكن القول إن هذه النظرية إنما وضعت لتخفف من عبء الإدارة بما تفرضه التشريعات من قيود تحد من قدرتها على التصرف إذا ما استجدت ظروف استثنائية لم توضع مثل هذه التشريعات لمواجهتها، إذ نستطيع طبقًا لتلك النظرية أن تتخذ مثلًا إجراءات وتدابير مما يدخل بحسب الأصل في سلطة البرلمان، كأن تعدل القوانين القائمة أو تعلقها أو تعطل نفاذها. ولا يعد هذا خروجًا على مبدأ المشروعية، وإنما فقط توسيع النظافة أو تعديل لحدوده يجريه القاضي بحكم قوامته على تفسير القانون بما يلائم ظروف تطبيقه، وبما يرخص للإدارة في ممارسة السلطات اللازمة للوفاء بالتزاماتها الجوهرية حيال نظام الدولة العام، ومرافقها الأساسية، ولهذا يطلق على مبدأ المشروعية في هذه الحالة (مبدأ المشروعية الاستثنائية) باعتبار أنه حالة مؤقتة مآلها إلى الزوال بزوال الظروف التي أوجدتها، فهو في الواقع ترجمة للحكمة القائلة (الضرورات تبيح المحظورات).
أ– الأسانيد التي قيل بها لتبرير نظرية الظروف الاستثنائية:
رغم تعدد الأسانيد التي قيل بها في هذا الخصوص، إلا أنها تدور جميعًا حول أمرين أساسيين:
الأمر الأول:
عدم صلاحية التشريعات التي وضعت لتحكم الظروف العادية، لأن تواجه ما يترتب على الظروف الاستثنائية من أخطار وقلاقل تهدد أمن المجتمع أو النظام العام فيه.
الأمر الثاني:
ضرورة بقاء الدولة واستمرارها، وهذا أمر منطقي يبرر في الواقع الخروج على مبدأ المشروعية العادية والتمسك بما تقضي به نظرية الظروف الاستثنائية، إذ ما فائدة احترام القوانين وما فائدة عدم الخروج على ما تقضي به من أحكام، إذا كان من شأن ذلك انهيار الدولة ذاتها أو اختفائها.
ب– ضوابط تطبيق نظرية الظروف الاستثنائية:
- وجود خطر جسيم وحال يهدد سلامة الدولة وأمنها وذلك بصرف النظر عن مصدر هذا الخطر والذي قد يتمثل في كوارث طبيعية –حالة حرب- اضطرابات … إلخ.
- عجز الطرق العادية أو الوسائل القانونية والدستورية عن مواجهة الخطر الذي يهدد أمن الدولة وسلامتها، بحيث يعتبر الإجراء أو التدبير الذي اتخذته الإدارة إعمالًا لنظرية الظروف الاستثنائية هو الإجراء أو التدبير الوحيد الملائم لدفع هذا الخطر.
- أن يكون هدف الإدارة من تصرفها ابتغاء مصلحة عامة، جدية ومحققة.
- أن تكون الإجراءات المستخدمة بمقتضى الظروف الاستثنائية مقصورة عليها وبالقدر الضروري لمواجهتها، ولهذا يقوم القاضي في مثل هذه الحالة بتقدير مدى ملائمة الوسيلة المستخدمة مع درجة جسامة الحالة الاستثنائية. فإذا وجد أن الوسيلة المستخدمة أشد من درجة جسامة الخطر، فإنه يحكم بعدم شرعية هذه الإجراءات.
[1] ورقة عمل مقدمة في ندوة دور التشريعات والقوانين في حماية البيئة العربية, الشارقة- دولة الإمارات العربية المتحدة, مايو 2005.





