تمكين المرأة .. حضور السياق المغيب وإشكالية المعنى المفقود
أ. روان يوسف نتشة [*]
النص الذي لا يلتفت إلى سياقه، يشج رأسه من دون أن يدري …
(لوي التوسير)
التشاؤم للذكاء، والتفاؤل للإرادة …
(رولان رومان)
يعلمنا التاريخ أن الطبقة المضطهدة لا تستطيع أن تتخلص من سادتها إلا بجهودها الذاتية، ومن المهم أن تتمثل المرأة هذا الدرس، وأن تعي أن حريتها ستكون على قدر الطاقة التي ستبذلها للوصول إليها …
(إيما جولدمان)
هل لهذه الورقة ان تقدم التمكين بسلاسة ووضوح من دون أن تستعرض علاقات القرابة البعيدة والقريبة بعائلة كاملة من المصطلحات والممارسات؟ بالإنجليزية Empowerment، حيث أمره أكثر وضوحًا لكونه منحوتًا مباشرة من القوة Power، متماشيًا ومكملاً بتناغم المفاتيح الأساسية لفهم أدبيات التمكين: علاقات القوة وامتلاك المصادر، خاصة الاقتصادية منها، والطريقة التي توزع بها القوة وانعكاساتها على العلاقات بين الجنسين، والعملية التمكينية نفسها التي تسعى إلى تغيير وتحدي، وحتى تحطيم، علاقات القوة الحالية المبنية على فكرة كون المرأة أدنى من الرجل.
يسعى التمكين، نظريًا على الأقل، إلى الوصول لوضع تمتلك فيه المرأة قدرات ومهارات وثقة ذاتية أعلى على المستوى الشخصي، ومصادر أوسع وأكثر تعددًا، واعترافًا وتقديرًا مجتمعيًا لدورها وقدراتها، مع إمكان عيشها ضمن مساحة فيها العديد من الخيارات الاستراتيجية المرئية والواقعية أمامها (1). تستعرض الأدبيات بشكل مستفيض، الكيفيات التي ينبغي أن تتبع لبلوغ التمكين، غالبًا عبر أطر عمل تنفيذية وتحليل (2) للسلطة والقوة وشكلها في المجتمع، ومن ثم العمل على نوعية التدخل الأمثل لمصلحة المرأة تمكينيًا على كل المستويات/ الحكومية وغير الحكومية، في الحيز العام أو في حيز العائلة الخاص ومحيط المرأة الشخصي الذي يصنف وفق عدة أدبيات بأنه أهم محاول العمل التمكيني (أنظر، مثلاً: Malhotra Mather, 1997, Hashimi & Schuler, 2003, Kantor 2003).
في سياق خلق مصطلح التمكين، التقطت الناشطات التسويات أطروحات ميشيل فوكو عن القوة والسلطة والثقافة منذ سبعينيات القرن الماضي، واستخدمنها تحليليًا في دراساتهن للعلاقات ما بين الجنسين، حتى إن لم يبد فوكو نفسه اهتمامًا حقيقيًا بالعلاقة بين أعماله وبين الكتاب المنادين بالمساواة للمرأة وكتاب مرحلة ما بعد الاستعمار، وكما لاحظ إدوارد سعيد (سعيد، 1985) فإن التسويات توجهن إلى دراسة القوة كما قدمها فوكو بنوعها وشكلها، وتوزيعها: كون القوة أصبحت بالنسبة إلى الخطاب السنوي، ملهمة وضرورية لفهم أي تحول اجتماعي والتدخل في هذا التحول لمصلحة النساء والعدالة بين الجنسين، فقد جرى تقسيم وتبويب القوة في العديد من الدراسات إلى أربعة أنماط/ أشكال تؤطر العلاقات الجندرية والتحكم في المصادر الاقتصادي المختلفة، بهدف السعي إلى مزيد من الفاعلية والنجاعة حين يتم التدخل لمصلحة النساء أجمعت عليها أغلب الأدبيات التمكيينية.
(راجع : Mosedale, 2003; Oxaal & Baden, 1997).
إن دراسة واستيعاب “مفهوم القوة” حيويان لدراسة أدبيات التمكين، ودراسة أدبيات التنمية أيضًا مهمة للسبب نفسه: فهي الرحم التي خرج منها التمكين كنظرية وممارسة: كان أمارتيا سن (3)، قد ناقش في كتابة “التنمية حرية” الصادر عام 1999 قضية “رفاه المرأة” الذي يجب ألا يحولها، برأيه، إلى متلق سلبي لعون يعوزه الرفاه، بل يجب أ تأخذ النساء دورًا فاعلاً في عين الرجل والمرأة معًا، وأن يكونوا عناصر فعالة نشطة في مجال الدعوة إلى التغيير كقوى ديناميكية داعمة للتحولات الاجتماعية التي يمكن أن تغير حياة كل من المرأة والرجل. نظر سن إلى المرأة بوصفها فاعلاً إيجابًا يعول عليه، وبوصفها أيضًا تستحق اهتمامًا أكبر نظرًا إلى واقعها، موازنًا بين نظرتين كلاسيكيتين لدور المرأة في التنمية: كفاعل له دور في عملية تمكينه الخاص، وكمفعول به متلق للخدمات والبرامج من جهات مختلفة (Sen, 2000).
إن هذا التركيز على الفاعلية وأهميتها يأتي من الدور المأمور أن تؤديه هذه الفعالية من أجل القضاء على المظالم التي تعيق رفاه المرأة. لا ينكر سن أن المنهجين (الفاعلية النشطة للمرأة والرفاه المقدم للمرأة) قد يتداخلان أحيانًا، غير أن من المهم بالنسبة إليه ألا نغفل ضرورة تصويب كثير من مظاهر عدم المساواة التي تفسد رفاه المرأة وتخضعها لظروف معاملة غير متكافئة، ومن ناحية أخرى يشدد سن على توضيح مدى ارتباط قوة وفعالية المرأة بدعم وصحة الأطفال وتخفيض وفياتهم وخفض نسب الخصوبة: يربط سن بين فاعلية المرأة وفاهها، وبين كونها شخصية مسؤولة لها الحق والخيار في اختيار تحمل المسؤولية لإنجاز العمل والاضطلاع بالفعل أولاً (مصدر سابق).
جرت العادة على أن تناقش التنمية والنساء عبر توجهات/ مداخل تنموية مختلفة تطورت منذ سبعينات القرن الماضي: منها مدخل “المرأة في التنمية” الذي نقد كثيرًا، خصوصًا من قبل تسويات أمريكا اللاتينية وأسيا وأفريقيا، حيث رأين أن المرأة مدمجة فعلاً في التنمية، ولكن بغير مصلحتها، فالنساء يشكلن الطبقات العمالية المستغلة، مصدر العمالة الرخيصة: رأت النسويات أيضًا أن الرأسمالية العالمية تؤدي إلى تردي الوضع الاقتصادي للنساء مما يدفعن إلى التهميش والإفقار (Moghadam: 67, 2003).
من المداخل الأخرى مدخل “المرأة والتنمية: الذي انتقد أيضًا لأنه لم يعمل على دراسة وتغيير شكل العلاقات المجتمعية وعلاقات القوى في المؤسسة. إلى أن جاء التوجه: النوع الاجتماعي والتنمية في التسعينيات، وتكثف حضور التمكين منذ ذلك الوقت في الخطاب التنموي النسوي (Rathgeber, 1989).
ترتبط التوجهات التنموية الأربعة السابقة بأجندات وتأريخية فعل وممارسة لأجسام دولية، بما فيها منظمات الأمم المتحدة المختلفة، وترتبط التوجهات التنموية بالكيفية التي ترى فيها هذه المؤسسات مشاريعها وخططها والقوالب التي يتم فيها إيصال وتعريف وتشكيل البرامج الخدماتية للنساء، وما تمتثل له هذه البرامج من تدخلات سياساتية توصيات مطلوبة من الحكومات الجنوبية المختلفة. هذه المداخل المتعددة التي كثيرًا ما تتداخل أو ترتد من مرحلة لأخرى تبعًا للتغيرات السياسية والاقتصادية في البلدان الجنوبية لم تتبلور كفاية لتصنع فروقًا واضحة وعملية لها، أو لدعم الأطر النظرية المختلفة التي تنبثق منها بتجارب وأدلة من الفعل التنموي الذي لا يزال يحتاج إلى تجربة تراكمية وتثبيت ومحاولات تأصيل محلية.
لا يعني هذا – بكل حال من الأحوال – رفض المداخل التنموية أو الممارسات التمكينية لكونها أتت من “هناك” ذلك الـ “هناك” بحجج مختلفة، واحدة من افضلها كانت تلك التي استعملها إدوارد سعيد في كتاباته حول الإمبريالية والهيمنة، حيث أجاب بلباقة عن تساؤل من هذا النوع: “لم يقصد بأي حال من الأحوال أن جميع البيض والأوروبيين، أو جميع الثقافة البيضاء، ينبغي أن تكون أيلولتهم إلى الرفض النبذ. فمن ثمة ضروب حذرة من التمييز بين التحرر من جهة أولى، وبين ضرب من العنصرية المعكوسة، التي تتسخ فيها نظريات التمييز العنصري الخبيثة بصورة معكوسة (كراهية البيض وتمييزهم ضدهم) في القومية السوداء الجديدة والبازغة، ولقد تولى طاغور في الهند، بكل شرف ونبل، أمر انتقاد القومية على ما تشتمل عليه من القوة والسلبية والاستياء الوافرين” (سعيد، 2004).
ليست الحكمة والمثالية في رفض التنمية والتمكين لأنه من هناك، والتمسك بكل شيء نعتقد أن مصدره “هنا” يكمل سعيد قائلاً “هناك إغراء في رفض ما هو موجود وقائم، ورغبة في إيجاد منظومة جديدة، أو ولاء جديد يحل محل الولاء الضائع، والتفكير بأدوية تصلح لجميع العلل وبرؤى جديدة أكمل تذهب بالتعقيد والاختلاف والتناقض (مصدر سابق: 36). أعتقد أن رفض ما هو قائم ومقدم في سلة التنمية والتمكين يستأتي محليًا من كينونة السياق نفسه الذي يتحكم أصلاً في ما هو موجود وقائم، وليس معرفة أو تجربة الرافضين بما سيرفضونه، فعل الرفض ينم عن مقاومة ورغبة في التوازي والتساوي مع من يحكم ويقدم المصطلحات الجديدة ويملي السياقات، وليس كل فعل رافض ناتجًا بالضرورة عن علاقة مباشرة بالفعل المجرد الذي سيحدثه السياق والمنظومات الجديدة، وحتى تقبل الفعل المجرد وتأثيراته، ليس موقفًا استسلاميًا بالضرورة، إن تفاعلات المحيط والمجتمع مع الأفعال والسياقات المختلفة عبر فترة من الزمن تستطيع أن تراقب كيف تمت ترجمة وهضم وإسقاط فعل الرفض أو القبول.
مثلاً، نجد مفهوم المرأة، عاملاً مشتركًا في العديد من الممارسات والأطر والخطابات التي تعوم فيها تبقى من المجتمع الفلسطيني وتعمل في إطارها الوكالات الدولية وعدد كبير من المؤسسات المحلية: ماذا تعني هذه المصطلحات كلها، سواء الخاصة منها بالمرأة مثل: حقوق المرأة، المساواة الجنوسية، الميزانية العامة الحساسة للمرأة، والمصطلحات غير المخصصة للنساء حصرًا، مثل الديمقراطية والتنمية وحقوق الإنسان والحكم الرشيد والمشاركة المجتمعية؟ ماذا تعني بالنسبة إلى الفلسطينيين من سكان الأراضي المحتلة؟ وهل من الممكن فهمها وتطويعها لدعم القضية الوطنية الخاصة بالفلسطينيين وتطلعهم إلى الحرية والدولة؟
قد تحرج مفاهيم مجردة مثل التمكين عندما يراد لها أن تتحول إلى تصور فعلي بمؤشرات وضوابط وأهداف، فنحن بذلك ندفعها إلى حيز الفعل المؤسس، ونطالبها بالتبلور أمامنا فعلاً قابلاً للقياس والنقد والإصلاح، هذا بالطبع، بعد أن يجتاز التمكين عتبة الفعل العقلي والتفكير والمناظرات الجدلية الراسخة التقليد في العلوم الإنسانية والاجتماعية، وبعد الفعل يأتي تقييم تأثيراته ومراقبتها، هكذا، يصبح أمر التمكين معقدًا بدرجة ثلاثية: أزمة ورخوية المفهوم نفسه، هشاشة الفعل المبعثر، صعوبة عزل معطيات الواقع الاجتماعي بعضها عن بعض لتحديد التأثير المباشر والدقيق للفعل التمكيني.
التمكين، كأي مفهوم محول أداتيًا، يعتمد على من يستخدمه ولماذا وكيف يستخدمه، فكما أن التمكين قادر على أن يعكس الواقع ويكثفه كاشفًا عن ظاهراته ووقائعه، فهو قادر أيضًا على اختزال ظواهر المجتمع وتصنيفها بحيث تصبح أكثر “لطفًا” وبساطة، بجمل من قبيل: زيادة مشاركة المرأة السياسية، احتضان عمل المرأة، ودعم وحماية المرأة. يتحدث التمكين عن الاختيار، علينا إذن أن نختار بدورنا كيف نراه، بعد أن رأيناه كثيرًا، وكيف نفصله عن مشاهد مسبقة déjà vu في حقل أصبح يحتوي من الكلاشيهات، أكثر مما يحتوي من رغبة المعرفة والبحث.
تريد هذه الورقة أن تتحرى التمكين، كمفهوم زائر، في سياق “الأراضي الفلسطينية المحتلة”، كما تسعى إلى فحص إمكان صياغة مؤشرات فلسطينية ذات قدرة على التعايش، هي الأخرى، مع اختلال طويل الأمد، وحلم دولة تتقلص مساحتها الورقية المتخيلة كل يوم لتصبح أكثر كنتونية وعنصرية؛ وهنا قد يتحد صراع التمكين النسوي مع الحق الفلسطيني المطالب بامتلاك المصادر واسترداد الأرض: فالوضع هنا ليس كهناك (هم)، هل هنا من يدعي أنه يمتلك المصادر أو يمتلك القوة ليقرر تمريرها إلى النساء الفلسطينيات في لحظات دراما مؤثرة تتجلى فيها قيمة الإيثار؟ في سياق كسياق “نا” تصبح الأمور البحثية ذات متعة خاصة، فهي، على صعوبتها، توفر بيئة فريدة ومركبة تصلح للاكتشاف والاختراع ومتعة إعادة قراءة ما نقرأه كل يوم.
تقدم هذه الدراسة محاولات استقرائية لفحص أدبيات التمكين النظرية، مركزة على نماذج من الإنتاج شبه الأكاديمي والمؤسساتي للتمكين دوليًا ومحليًا، عبر النفاذ إلى الأوجه التقليدية لجسم التمكين النظري لتفحص احتمالات الاستيعاب لكل من النظرية والفعل التمكيني في سياق الأراضي الفلسطينية المحتلة. تقوم الدراسة أيضًا، بفحص مؤشرات تمكين المرأة عبر الإطارات الدولية المختلفة، وتقدم شكلاً بديلاً لمؤشرات تمكين المرأة عبر إعطاء الأولوية للبنية التحتية لتحقيق التمكين، أي بنية “ما قبل التمكين” مع الأخذ بعين الاعتبار دور الدولة كـ “معيل” لا “ميسر” ودور الاحتلال كعائق أساسي للتمكين والتنمية.
1 – التمكين كمفهوم : استراتيجية الهروب إلى الأمام عبر ضبابيات التعميم
1 – 1 – الما قبل الديوانية في متن أدبيات التمكين:
“ليس ثمة كمال ثابت ولا حكمه لا تقوم بعدها، وأي اعتقاد نعتقده ليس بباق مدى الدهر، ولو تخيلنا أنه يحتوي على الحق الأبدي فإن المستقبل كفيل بأن يضحك منا”
(برتراند رسل)
لا يمكن أن تقاس الحرية بما يعتمل في صدور العبيد …(جورج حداد)
هل بدأ مفهوم التمكين يظهر في ممارسات وأجندات المنظمات غير الحكومية الصغيرة والجمعيات الشعبية في الثمانينات من القرن الماضي في الولايات المتحدة وأوروبا كما ذكرت عدة مصادر بحثية وأكاديمية؟ (Modedale, 2003; Razavi and Miller, 1995) رأى Gaventa غير ذلك، فين تتبع ظهور مصطلح التمكين تاريخيًا وجده يرد في خطابات الإصلاحات البروتستانتية وحركات الكويكرز والسود والمطالبين بالعدالة الاجتماعية، وبرأيه: خلق مصطلح التمكين للمطالبة بحصة من القوة والتوزيع العادل للثروة (Batliwala, 2007). ومصطلح التمكين حاضر في الديمقراطية عبر كتابات عدة، مثلاً، صمويل هنتجتون يتحدث عن التمكين الديمقراطي وأهميته بالنسبة إلى دولة ذات ديمقراطية شعبية (Saunders, 2002) وفي العلوم الإدارية المختلفة نجد التمكين يتردد ويبحث كإجراء إداري لتحسين أداء الموظفين، وحتى في الديانات الأسيوية وفي البوذية، خاصة، يرد التمكين بمعنى (Wang) كطقس روحي الهدف منه تقوية المتعلم عبر عملية تمكينية ذاتيه بإشراف معلم متنور.
ليس التمكين إذن مرتبطًا بالنساء تاريخيًا أو اصطلاحيًا، غير أن تتبع مفهوم التمكين إلى جذوره التاريخية غير ذي ضرورة هنا: لأن فحوى ورمزية المفهوم تختلف بالضرورة باختلاف السياق والفاعلين: إن مصطلح التمكين الذي يهمنا هو ذلك المعنى الذي ولد من حقل التنمية السياق والفاعلين: إن مصطلح التمكين الذي يهمنا هو ذلك المعنى الذي ولد من حقل التنمية وتطور تدريجيًا منذ العام 1970، حي استحضرت النقاشات حول المشاركة النسوية الاقتصادية لأول مرة، ونالت الاهتمام خاصة من قبل الوكالات الدولية والمهتمين بتحسين أوضاع النساء (Boserup, 1970)، وتحول الاهتمام من تمكين المرأة اقتصاديًا إلى تمكينها في كل المجالات الاجتماعية والسياسية والثقافية، حتى طغيان التمكين على أدبيات التنمية الخاصة بالمرأة منذ منتصف التسعينيات، وتحديدًا في مؤتمر بكين الرابع 1995، عندما أقر التمكين كإحدى ركائز الفعل للمؤسسات الأممية، وعلى رأسها البنك الدولي ووكالات الأمم المتحدة، التي بدورها ضمنت التمكين كهدف من أهداف الألفية (4).
وجود نسائي آخر، هذا ما يريد التمكين النظري الوصول إليه، وضع تمارس فيه المرأة كل حقوقها وتحقق كل ما يمكنها تحقيقه (5)، عملية مثالية تبدأ من صورة فيها النساء متساويات في لا مساواة مجتمعاتهن وعدم تمكينهن (6)، لا وجوده لهن، ويشكلن وحدة واحدة متجانسة، إلى وضع يمتلكن فيه حريتهن وقرارهن الحياتي، ويحققن كل ما يمكنهن تحقيقه في ظل وجود خيارات استراتيجية متعددة: فيما عدا بعض الانتقادات حول هذا الوجود المتجانس في أدبيات التمكين (أنظر، مثلاً: Mohanty, 1997; Zuhur, 2003)، يتم النظر إليهن، دائمًا، كنساء عاديات يرزخن تحت الفقر والجهل وسيطرة الرجل.
يشار إليهن بالجمع، حتى لو كان النقاش دائرًا حول التمكين الفردي أو الجماعي، فالنساء المستهدفات بالتمكين مجموعة صامتة تتقاذفها المجادلات والنقاشات الأكاديمية (7). الرؤية الأخرى، أو الدراسة الأخرى، لمن هن النساء المقصودات بالتمكين، وحاجاتهن التمكينية المختلفة وكيفية التعامل مع مستويات الحاجة التمكينية المختلفة لم تطرح بعد، ذلك لأن تحديدًا ودراسة حقيقيين للنساء ضمن مجتمعاتهن عملية طويلة المدى ومرهقة وتتطلب معرفة ووعيًا بالسياق المحلي، لذا سيكون من الأسهل العمل ضمن التعميمات وافتراض معرفة النساء، بل وتشكيلهن وفق ما يخدم صحة ومصداقية برامج التمكين والتنمية: اقتبس هنا عن (Batliwala 2007): منذ أكثر من خمسين عامًا من العمل في التنمية، رأينا أن ما يعرف بالأكفار الجيدة والممارسات المبتكرة قد ابتدعت دون النظر إلى سياقها التاريخي والسياسي، حيث تطورت وقدمت في شكل معادلات تعمم في أماكن أخرى. وهذا عادة ما يجرد الفكرة من محتواها الثقافي وسياقها السياسي، ويحولها إلى سلسلة من الممارسات تقلد العناصر الأساسية للفكرة طقسيًا وتجردها من القوة التحويلية اللازمة لفعل الشيء الحقيقي (8).
يقدم التمكين للمجموعة الصامتة، ضمن طقوس تمكينية لا تحتوي الفعل التمكيني الحقيقي ولا تتمكن من محاكاة ما لزم في مجتمع أخر لتحطيم سلسلة القوة والاضطهاد: مثلاً، من أين تنطلق الأدبيات الناتجة عن التمكين؟ من يكتب عن التمكين؟ تسيطر على معظم أدبيات التمكين، خاصة تلك التي تستهلك محليًا، باحثات وأكاديميات من أصول إسلامية وشرقية (9)، يمارسن وينطلقن في كتاباتهن من عملية “استشراق ذاتي” قد تكون غير واعية: يرين نساء الجنوب كما يراها الغرب “المتفوق”: نساء بلا قوة، مسلمات في الأغلب ومنقادات بواسطة عائلاتهن وغير متمكنات من التحكم في حيواتهن ومصائرهن، هذه الصورة تمر عبر “استشراق ذاتي” تسقطه الباحثات على وضع المرأة الجنوبية عندما يتقبلن الصورة النمطية والمفترضة سابقًا لنساء الجنوب في عيون مجتمعات الشمال، ويكتبن حولهن باستسلام تام لفرضية السلبية النسائية على أساس أنها حقيقة لا مراء فيها وغير قابلة للنقاش. تكريس هذه الصورة السلبية تفصل كاتبة النص عن واقعها وبيئتها الاصلية بأن تجعلها هي ذاتها تلون الأمر بثنائيات استشراقية من قبيل: الجنوب – الشمال – المتفوق – المتخلف، نساء الجنوب/ الشرق المسلم غير متمكنات نساء الشمال/ العلمانيات أو ذات التراث المسيحي، ولا تنجوه من هذه الافتراضات نساء الجنوب بأي حال، فحتى المتمكنات منهن، لسن متمكنات “حقيقة”، ذلك لأن تمكينهن وقدراتهن عبارة عن امتيازات طبقية حصلن عليها ضمن ضوابط معينة، كما تحاجج بذلك زهور (Zuhur, 2003).
من جهة أخرى، يجرى تقييم وضع النساء ومقارنتهن بهؤلاء في الشمال من دون النظر إلى خصوصية المجتمعات الجنوبية، حيث تغيب حقيقة وظروف “تحرر” المرأة المفترض في الشمال، والسياق الوطني والمحلي لتحررها، وكون ما وصلت إليه المرأة الشمالية (والمجتمعات الشمالية بشكل أعم) من مكاسب مفترضة أتت نتيجة ظروف عديدة وتغيرات رافقت تغير اقتصاد السوق وطبيعة الإنتاج والاستهلاك وظروف العمل الأوروبية والأمريكية وتسارعها نحو الرأسمالية ثم الإمبريالية، وليست مكاسب النساء الشماليات نتاجًا لمطالبات الحركة النسوية فقط، بل هي حصيلة ظرف تاريخي لأكثر من لاعب مؤثر. في ورقتها المميزة، قدمت Mohanty في “تحت عيون الغرب .. الأكاديمية النسوية والخطابات الكولونيالية”، الصادرة في العام 1986، نقدًا للصورة التي عممتها النسويات الغربيات عن المرأة الجنوبية، وإهمالهن الفروقات بين نوعيات الاضطهاد المختلفة والسياقات التاريخية، مشددة على أن النسويات الغربيات طالما صورن النساء في مجتمعات الجنوب كوحدة واحدة متجانسة (10).
ممارسة “الاستشراق الذاتي” تتعلق أيضًا بالافتراضات المقترنة بعملية الكتابة والبحث ونقطة الانطلاق وسلبية النساء المكرس وجودها، الانطلاق من نساء الجنوب كحاضر في النص، والحل غائب بالفعل والمشاركة، وفي حضرة هذا الغياب يوجد النساء القهر، وتهزمهن الإحصائيات والأرقام والجداول، هؤلاء المجردات من الوجود والشخصية، لا صراع لهن، إلا ذلك الذي تحدده أدبيات ومعطيات التمكين والتنمية، وهو بالتأكيد ضد البطريركية وظلم ذكور مجتمعاتهن، وترى الأدبيات أن تحقق رفاهيتن ومصلحتهن وتمكينهن يتم عبر توسيع خياراتهن الاستهلاكية، ونادرًا ما تربط قضاياهن بقضايا مجتمعاتهن الأعمق. صورة النساء في الأدبيات ضحايا أو مستفيدات محتملات، ولسن فردًا كاملاً له حق في رؤية نفسه وبيئته وفق تعريفه الخاص، واختيار العمليات والخدمات التي تقدم له في إطار دولة تقدم الخدمات والحماية لمواطنيها.
يعكس “الاستشراق الذاتي” الممارس عبر أدبيات التمكين الهيمنة، هيمنة المصطلحات والأولويات وزوايا النظر للموضوع وأسلوب الطرح، سواء كان التمكين أو التنمية. وحتى في النسوية، يميل الغرب إلى الهيمنة على الجوانب النظرية والعملية للحركة النسوية، ويمثل التقسيم المعتاد لتاريخ النسوية إلى موجات مثالاً على هذه الهيمنة، إذا إن التصنيف يدور عادة حول الأحداث والشخصيات الأمريكية والأوروبية، ومن ثم فإن “السردية الكبرى” للنسوية، تنزل تجزئة المرأة غير الغربية منزلة دنيا، وتدفع بها إلى هامش الخطاب النسوي مهما كان ذلك عن غير قصد (جامبل، 2002).
في سياق متشابه لتناول اضطهاد المرأة بشكل عام، وعلاقاتها، داخليًا وخارجيًا – بالاقتصاد وتقسيم العمل، تبرز أهمية النقاش الطبقة الاجتماعية في حال صاغت الدولة سياسات لتمكين المرأة. نستطيع أن نؤرخ إنتاجًا تحليليًا وأكاديميًا ضخمًا للنسويات الاشتراكيات أمثال روزًا لكمسبورج وغيرها ممن خضن في نقاش الطبقة وعلاقتها بالمرأة وتحررها، حيث خلصن، في معظم الوقت، إلى أن ظلم المرأة واضطهادها يأخذان شكلاً مزدوجًا في ظل النظام الرأسمالي، سواء في البيت، أي المجال الخاص، أو في الإطار العام، حيث تتعرض للاستغلال من قبل البرجوازية والرأسمالية وبنية المجتمع القائمة على قهر الجموع لمصلحة فئات صغيرة ومسيطرة.
غير أنني لا اعتقد أن التمكين كمفهوم لديه الكثير للالتقاء جدليًا بإدراك المجتمعات المختلفة للطبقات الموجودة فيها وعلاقاتها ببعض، فمكان نقاش الطبقة والمرأة يتعلق بشكل أكبر بصياغة السياسات والمؤشرات الإجرائية المختلفة المتعلقة بالعملية التمكينية نفسها، والتحري الإمبريقي حول التمكين، وكيف تقاس الجهود الحقيقية للتمكين على الأرض.
وبالإضافة إلى ذلك، فإن ما يجري غالبًا هو أن الطبقة المسيطرة والبرجوازية في المجتمعات تستفيد من ترويج التمكين والبرامج التنموية بشكل كبير، أي أن هذه المصطلحات الواردة تحتكر من قبل هذه الطبقة عبر قنوات مختلفة، كما تستفيد منه بشكل صوري بعض الفئات الأكثر فقرًا وتهميشًا، والتي يجري العمل باسمها ولأجلها شعاراتيا، إذ يتحول التمكين، في هذه الحالة، إلى انعكاس للقوى المجتمعية وعلاقات السيطرة والقوة فيها.
مرة أخرى، ما هو التمكين؟ تعرف Batiwala التمكين بأنه: الدوامة التي تغير الوعي بالذات، وتكتشف مجالات محددة للقيام بنشاطات، والتخطيط لاستراتيجيات للتغيير، وتحليل النشاطات ومخرجاتها (اقتباشًا عن Modedale: 14) ووفق Stromquist فإن التمكين هو مفهوم اجتماعي سياسي يجب أن يشتمل على مكونات إدراكية، نفسية، اقتصادية وسياسية 0مصدر سابق: 15) وتقترح نائلة كبير، أن التمكين هو عملية توسيعية للخيارات يقوم بها المحرومون تمكنهم من القيام باختيارات استراتيجية لحياتهم كانت قبلاً ممنوعة عليهم (11).
تعريفات أخرى لتمكين تماشي توجه تعريف كبير: (Bishanth & Elison 2005) ترى أن التركيز في تعريف التمكين قد تحول إلى عملية توسيع الخيارات ومستويات الإنتاج للنساء كأفرادز ترى (Malhotra 2002)، مثلاً، أن التمكين يقترب من تعريف موحد للوكالات الدولية العاملة في مجال تمكين المراة والمساواة الجندرية، هو تعريف مشابه لتعريف نائلة كبير للتمكين، والقائم على فلسفة زيادة الاختيارات وتوسيعها للمحرومين. إن الحرمان مفهوم نسبي، ولا تشترك أو تتساوى فيه جميع النساء بالضرورة، كما أن توسيع الخيارات متعلق، بشكل رئيسي، ببنية الدولة الاقتصادية وأنماط إنتاجها واستهلاكها، ماذا يعني حقًا توسيع الخيارات بالنسبة إلى المرأة في غياب حريتها وحرية مجتمعها؟ لا يقود توسيع الاختيارات إلى حرية المرأة بالضرورة، حتى لو وجدت عدة اختيارات للمرأة، ألن تقوم على اختيار ما هو أقرب إلى إجماع وقبول مجتمعها منعهًا لعزلها وإقصائها؟ وكيف يكون خيار ما، أفضل من خيار آخر في السياق نفسه أو في سياقات مختلفة؟ ما آلية تحديد “ما هو الأفضل” ضمن تعريف نائلة كبير الذي يضم حالتين إنسانيتين نسبيتين هما الحرمان وتوسيع الاختيارات؟
الحرمان وتوسيع الخيارات مفهومان يختلفان باختلاف الفرد واللحظة التي يعيشها، ولا تشترك جميع النساء في التعريف نفسه للحرمان أو توسيع الخيارات، وكذلك لا شترتك الأجسام العاملة على التمكين في فهم موحد لكلا المصطلحين. وبالإضافة إلى ذلك، فإن التعريفات السابقة تنظر إلى المرأة كفرد، على افتراض أن الوحدة الأساسية في المجتمعات هي الفرد وليس الجماعة أو العائلة غير ليبرالية يضعان من فاعلية برامج التمكين التي تقدم من دون النظر إلى العلاقات الاجتماعية الأوسع وتركيبة المجتمع وبنيته الأساسية.
ووفق (Modedale 2003) اقتبسًا عن أوكلي Oakley، هناك خمسة أوجه للتمكين حصلت على إجماع من قبل النسويات والباحثين، وهي: التمكين كدمقرطة مرتبط بالسياسة العليا لدى الدولة وسياساتها، ويرى التمكين هنا بأنه أساس البنية الديمقراطية والممارسات التي تتبناها الدولة، مما يقود إلى استراتيجيا داعمة لبني المجتمع المدني والمنظمات الجمعوية والشعبية.
أما التمكين – كبناء قدرات – فينظر إليه بشكل عام على أنه عملية تنموية تمكينية، مع الأخذ بعين الاعتبار أن هناك عدة طرق واتجاهات لبناء القدرات أكثر من مجرد توفير التدريب، أما التمكين عبر تحسين الظروف الاقتصادية، فقد استعمل كثيرًا في الأدبيات النسوية، وهو مبني على أساس الافتراض القائل بأن افتقار النساء إلى القوة الاقتصادية هو السبب الرئيسي لفقرهن، يركز هذا التوجه على المشاريع الصغيرة والنشاطات الاجتماعية التنموية التي توجه إلى النساء.
إن أوجه التمكين السابق ذكرها ذات علاقة بكيفية تنفيذ التمكين وتشكيله بخطط وبرامج تستهدف أوجه مجتمعية عديدة، غير أن الأوجه السابقة للتمكين – على تعددها – تفتقر إلى وصلها وإدماجها في واقع الدول الحقيقي، وفحص وجود بيئة مناسبة لهذه البرامج تكون حجر الأساس للفعل التمكيني في المجتمعات الجنوبية والعربية خاصة، حيث غالبًا ما تبدو البرامج التمكينية المختلفة غير حساسة لواقع الدول الاقتصادي، خاصة الوعي بنتائج الفعل التمكيني على المدى البعيد في هذه المجتمعات، فتتطور بذلك حالة من الانفصام عن المجتمعات تتوالد لدى العاملين في المجال النسوي والتمكيني مفضية إلى انعزال مجتمعي أكبر لهم.
لنعد الآن إلى التعريفات النظرية للتمكين، حيث تأخذ بعض التعريفات جوانب أخرى بعين الاعتبار، منها الجانب الحقوقي، مثلاًن تعرف (Zuhur 2003) (12) التمكين بأنه: الوضع الذي تحصل فيه المرأة، أو تكون بسيرورة الحصول على حقوق تعليمية وقانونية وسياسية مقاربة ومتساوية مع الحقوق للرجال في المجتمع نفسه. ربط التعريف السابق التمكين بحقوق الإنسان المدنية والسياسية، مخرجًا المرأة من دائرة التمكين كتوفير للمصادر وعمل إغاثي، مطالبًا بحقوق مساوية لحقوق الرجل، فحقوق الرجل هنا تظهر كأنها هي مقياس الحقوق الإنسانية، هذا التصور والافتاض المأخذو من افتراض فوقية الرجل وكل ما يرتبط به مقابل دونية المرأة، حيث لم تربط زهور تعريفها بالحق الإنساني العام بالحرية والأمان والتنمية، وإنما بذلك الحق الذي يأخذه الرجل، أغفل هذا التعريف أيضًا أن الوضع الحقيقي العام لمواطني الدول العربية، خاصة دول الجنوب عامة، مقيد وخاضع لمزاج السلطات والحكومات بوجود حركات معارضة ضعيفة، يطالب التعريف إذن بوضعية “شبه حقوقية” للمرأة، مشابه لتلك التي يحصل عليه الرجل، مفضلة الجانب الشخصي والفردي للحقوق التي يتحصلها الذكور كونها “أكمل وأفضل” على الحقوق الإنسانية الواسعة والأصيلة، قدم التعريف السابق الجانب الحقوقي للتمكين من دون تعمق فيه أو إسناده إلى تراثه القانوني والمدارس القانونية المختلفة، وكان هذا هو الخط الذي أتبع إلى أخر المقالة التي تقلصت فيها كل الحقوق الإنسانية إلى تلك الحقوق المعنية فقط بالأحوال الشخصية والحقوق الجنسية.
أين تتفق تعريفات التمكين وما الذي يجمعها؟ ضرورة عدم الرضا عن الوضع القائم وحتمية إمكان التحكم في التغيير المجتمعي إيجابيًا لمصلحة المرأة، كما تقترب التعريفات من فهم موحد مسيطر لدراسة التمكين، بحيث تكون الكلمات والإيحاءات الأساسية في التعريفات هي: توزيع و “تحطيم” القوى المجتمعية الحالية – غالبًا تسمى بطريركية، وإعادة هيكلتها بحيث تضمن مساواة وحالاً أفضل للنساء، التغيير المجتمعي والفردي، الخيارات الفردية، توزيع الثروة، السيرورة، الهدف النهائي، التعريفات اتفقت على اختيار توسيع الخيارات، لأنها لا تملك إلا أن تختار ذلك، أي تعريف أو محاولة تعريف أخرى ستتطلب جهدًا كبيرًا وثمنًا تنأى عنه الدراسات وتفضل الاستعانة بالكلى والمجرد عبر تعريف زيادة الاختيارات الإستراتيجية. تهرب التعريفات أيضًا من مصطلح الحرية، وتبدل به ” الاختيار” نتج ذلك الغياب عن تواطؤ النص التمكيني مع كتابه عبر مرآة استشراقية ذاتية ترى في الحرية الفردية والاختيار الإنساني الحر مستحيلاً لن تصل إليه مجتمعات الجنوب.
ومن ناحية أخرى، هناك عدة مستويات للتمكين تخترق الدولة والمجتمعات: مستويات تعريف التمكين تتضمن الفرد والجماعة بأشكالهما المختلفة، الفرد المرأة، الفرد الرجل الأقل حضورًا في التعريفات، الفرد صانع القرار، والمجموعة كنساء، والمجموعة كمجتمع محلي، ثم كدولة – في شأنها الداخلي والخارجي. هذه المستويات جميعها تقطع النساء والمجتمع والدولة أفقيًا وعموديًا، تدخلها بعضها في بعض لتشرح حجم التدخل المطلوب للوصول إلى التمكين.تقترح التعريفات أن القوة توجد في البنى المؤسساتية، والعائلة، تلك القوة التي يجب أن يتم تحديها، هذا من ناحية، ومن ناحية أخرى، هناك القوة في المؤسسات التي تعرف التمكين وتمارس نشاطاته، إن ظرف وطبيعة عمل وكالات التنمية تملي موقعًا مسيطرًا على النساء والفئات المستهدفة لكونهم يتلقون الخدمات من هذه الوكالات: في المبدأ، يمكن لهذه الوكالات أن تؤدي دورًا مسهلاً وميسرًا لعملية التمكين من خلال تأمين المصادر اللازمة، وتوفير الدعم للمؤسسات النسوية، وإدماج التمكين النسوي في برامجها وخطوط عملها العريضة، ويج توخي الحذر عند الترويج والقيام بالأنشطة، فالتمكين هو عملية مستمرة لا يمكن أن نحددها بنائج نهائية (Oxaal: 6).
تعلق العديد من الآمال على المصطلح الفضفاض “التمكين” فترى العديد من الناشطات النسويات أن تمكين المرأة يؤدي إلى تحرير الرجل من أنظمة المعتقدات الخاطئة ومن أيدلوجيات الاضطهاد والسيطرة، لذا يجب أن يقود التمكين إلى أن “يتمكن” كل فرد من أن يكون كينونته الخاصة وشخصيته المستقلة، بغض النظر عن جنسه، تحت افتراض أنه لن يملك أن يكون كينونته الخاصة إلا عبر التمكين، وأن يستعمل الفرد كل إمكاناته لبناء مجتمع إنساني للجميع (Oxaal & Baden 1997). غير أن الحديث، نظريًا على الأقل، عن تمكين المجتمعات، خاصة تمكين المرأة، يتطلب إعدادات ومتطلبات مسبقًا تشتمل هذه المتطلبات على المصادر (المالية، المعرفة، التقنية)، المهارات والتدريب وتشكيل قيادات، بالإضافة إلى تطلبها عمليات وتفاعلات داخلية ودمقرطة للمؤسسات جميعها؛ كي تتمكن النساء من مقاومة الضغط المجتمعي والعائلي الذي ينتج من توسع مشاركتهن وفق ما يرى عدد كبير من الباحثين (Sen & Grown 1985). أعتقد أن هذه الإعدادات الخاصة بالتمكين يجب ألا تفصل عن دور الدولة العام بتوفير الخدمات والحماية لمواطنيها، والبنى التحتية اللازمة لهذه العملية، وأعتقد أن الرأي القائل إن هناك ضغطًا مجتمعيًا وعائليًا ينتج عن توسيع مشاركة المرأة رأي نسبي ومتسرع، لا يؤخذ بعين الاعتبار أن بعض السياقات المجتمعية قد تدفع تجاه مشاركة المرأة على الأصعدة المختلفة، وغير التقليدية، وبعض العائلات قد تدفع بعكس ما هو سائد تقليديًا استجابة لظروف موضوعية أو أزمات اقتصادية.
غالبًا، تروج الأدبيات لتمكين يتم من الأسفل إلى الأعلى، من المجتمعات والأفراد إلى صناع القرار، وليس العكس، إن فهم التمكين على هذا الأساس يعني أن مؤسسات التنمية والوكالات المختلفة لا تستطيع أن تتدعي أنها تمن النساء، على النساء أن يمكن أنفسهن بأنفسهن (Oxaal & Baden, 1997). هذا الطرح يعني بالضرورة وجود جسم نسائي موحد وممثل في المجتمعات يقرر شكل التمكين وحيثيات تفاعله في إطار الدولة والمانحيين الدوليين، وإلا فمن سيحدد أولوية الأفعال التمكينية المختلفة وفقًا لسياق المجتمع المحلي، ويمتلك من القوة ما يجعله قادرًا على التدخل في أجندات الدولة وقراراتها وتوجهات المانحين الدوليين ومراقبة فاعلية التمكين ووصول النساء إلى حالة أكثر “تمكينًا” مما كن عليه في السابق؟
لا أجد مفهوم الحرية في التمكين، وكذلك لا أجد مفاهيم الثورة الشعبية العفوية والعصيات المدني ضد الدولة التي تقهر مواطنيها، رجالاً أو نساء، ليطالبوا بحقوقهم: هناك من ينظر أن التمكين عملية تتم من الأدنى إلى الأعلى، من الشعب إلى صناع القرار، إن الافتراض هنا هو أن جميع السكان بجميع طبقاتهم واختلافاتهم مهتمون بالوصول إلى أصحاب القرار والمشاركة في تقرير سياسات حكومتهم التي لا شك ستتحاور بشفافية وصدق مع مواطنيها، وهناك لوائح جاهزة بما سيطلبه جميع السكان، أي الخدمات، دولة الرفاه الجنوبية الجديدة! ألا يكون هذا شكلاً أخر من “الداروينية الاجتماعية” تصلح للضعفاء والمهزومين، الذين ينحصر دورهم في تقبل سياسة الأمر الواقع والتكيف معها، ومحاولة الحصول على فئات هنا أو نجاح هناك؟ وتحكمًا وتقييدًا لكل ثورة ممكنة عبر القضاء على احتمالاتها بقنوات مثل “التمكين” و “الإصلاح” و “المشاركة”.
إن الإسقاط الاعتباطي لسيرورة الديمقراطية كمصطلح على التمكين محاولة لإخفاء هشاشة المصطلحين عبر اقتلاع شرعية لكليهما بالهروب إلى فضفاضية المشاركة الشعبية والقدرة على الاختيار كمظلة أمنية ومشرعنة، تظهر العديد من أدبيات نقد التمكين وجهة نظر أخرى لمشاركة النساء وتمكينهن: مثلاً، ترى Lucy Taylor أن الليبرالية الجديدة صممت هذه البرامج التمكينية وعممتها على الدول الجنوبية، كالهند والبرازيل، لتتأكد من بقاء الناس – خاصة النساء – في دول الجنوب، الذين لم ينسوا ماضيهم المسيس والعارض سياسيًا، مشغولية وبعيدين عن إلحاق الأذى بالحكومات، مبعدين عن أي اعتبارات سياسية أكبر، ومشغولين بتدبير شؤونهم الحياتية، وتكمل تايلر قائلة: “إن هذه السياسات تريد من المواطنين أن يقبلوا الهوية الجديدة للدولة كميسر وليست كمزود خدمات لتحسين الوضع الاقتصادي والاجتماعي للسكان، وهو الخطاب الذي يقرأ في المشاريع الهندية التي تقول بشكل مخفي: حسني من وضع بيتك الاقتصادي، وشاركي في التنمية المحلية، وشاركي في إدارة المؤسسات المحلية، وبعدها، إذا بقيت لديك الطاقة لذلك، حاولي أن تتحدي النظام (Taylor, 1996) (13).
أرى أن مفهوم التمكين الذي يجري تسويقه حاليًا يتقارب مع إحدى أطروحات كلاسيكيات الداروينية الاجتماعية، ففي حين يرى هربرت سبتسر (14) أن المجتمعات البشرية تتقدم من خلال مراحل تطور، وأن لهذا التطور أسبابه وقوانينه، ويرتكز على الفرد بوصفه الوحدة التي “ترتقي” أعتقد أن هذه الفكرة مشابهة لفكرة التمكين، حيث إن على المرأة أن تتطور وتتغير إلى الأفضل وفق مراحل محسوبة، مع إمكان تتبع التغيير في مراحل تطورها وارتقائها المختلفة، وقياس أثر التمكين ومدى نجاعته في عملية الارتقاء والتغير، وهذه النظرة ما قبل الداروينية تفترض خطًا واحدًا للتطور، تمامًا كما يفترض التمكين نفسه الطريق الوحيد لتطور المرأة.
أعتقد أن فكرة “البقاء للأصلح” التي بشر بها سبنسر قبل صدور كتاب “أصل الأنواع” لدراوين بسنتين قد ارتدت عكسيًا في الخطاب التنموي التمكيني الحديث، فأصبحت “البقاء للجمعي، خاصة المرأة”، من دون تنافسية أو انتقاء، في تكفير تنظيري لضمير الإنسانية المتعب، وتحد خجول لقانون الانتخاب الطبيعي الدارويني الذي بشر باستمرار نوع من يستطيع التكيف مع بيئته واختراع أسباب بقائه، وإن لم يستطع، فمصيره الفناء.
داروينية التمكين الاجتماعية تقصي أي محاولات للاختيار والتعددية أو وجود أشكال أخرى، فهي عملية عشوائية تتحكم فيها قوة ما، كذلك الخطاب التنموي يقصي أي نقاشات تشكك أو تسائل مفاهيم ممارسة في أراضي الجنوب كالتمكين، وتنفي هذه الآلية الداروينية الاجتماعية للتمكين أي نظرية أخرى محتملة، أو أي تدخل أخر ببدائل محلية، لكنها تتقبل برحابة صدر الطفرات، كتلك المرتبطة بالمخرج المريح: توسيع الاختيارات، يمضي التمكين بخط واحد يفضي إلى ثقافة واحدة مشابهة لنظرية التطور الخطي Unilateral Evolution للبشرية فكل البشرية تمشي على خط واحد، كما كل النساء يمشين نحو التمكين، وكل شيء تطور من هناك، من حضارة وممارسة ارتقت إلى أ، تصبح الشكل الأفضل للوجود، على أس الداروينية الاجتماعية اقتنص الأوروبيون “رسالة الرجل الأبيض” التي تحولت تدريجيًا إلى رسالة المرأة البيضاء، رسالة من الأفضل والأرقى والأقرب إلى الكمال؟
نما التمكين في حقل التنمية، وتمكن بحيث أصبح يمتلك القوة لـ “تحديد وتعريف” ما هو النظام والقيم الخاطئة المضرة بالمرأة، وتحديد معطيات ووقائع ما “هو قائم” وما “يجب أن يقوم” والمفاضلة بين هذا النظام أو هذه الحياة وتلك بأسلوب دارويني اجتماعي فيه كل شيء يمشي على خط واحد ليكون “مكتملاً” وفيه كل شيء في الأصل هو مادة قابلة للتطور، وهناك تلك القوة التي “تحكم وتقرر” صلاحية أو ظلم أو عدالة نظام أو إجراء ما، مما يلغي الآخر وحريته الثقافية وحرية رؤيته لهويته وحاجته إلى عامل الوقت الذي يقتضيه التغيير الاجتماعي وفق ظروف السياق نفسه، بغض النظر عن مخرجاته، إن حلول التنمية والتمكين تفرض أنماطًا أخرى غالبًا ما يكون نجاحها محط مصادفة واستثناء سرعان ما تزيله الثقافة السائدة والمجتمع باستخفاف، ذلك لأن الفعل التمكيني أو التنموي ليس ما يسترو سيرورة المجتمعات الأوحد في ظل ما يحكم تلك المجتمعات من مصالح وظروف وعلاقات وموارد، والتغيير الاجتماعي في العميق غالبًا ما يكون نتيجة تغيرات راديكالية تطال البنى الأساسية وشكل السلطة.
في الحقيقة، لا يضعنا التمكين في ورطة كبيرة، على الرغم من داروينيته الاجتماعية النظرية، فورطة الجنوب الحقيقية، حضارية وسياسية على المستوى الفعلي وإسقاطية شبه أكاديمية أو مؤسساتية من الخارج، تضعه في حال ازدحام وحيرة من مصطلحات نمت في سياق آخر وجاءته تملي معادلات طقوسية لا تملك القوة الحقيقية على التغيير وفق تعبير (Batliwala 2007) لا نريد هنا إعادة قراءة الواقع، ولا إعادة خلقه، ولا فهمه ضمن سياقات وأطر نظرية أخرى، بل نسعى إلى كياسة التصرف وحذر القراءة في مواجهة مفاهيم تخبرنا بأننا عاجزون غير قادرين على تلبية شروطها، منتجة معادلة صارمة يكون فيها شرط تطورنا وبقائنا، هو الانصياع للنموذج الأسمى.
مرة أخيرة، ما هو التمكين؟ وما هو التمكين فلسطينيًا؟ كبداية، أعتقد أن هناك حاجة لضبط التعريف: السياق المحلي والظروف السياسية في الأراضي الفلسطينية المحتلة، حيث لا يمكن تجاهل حقيقة الاحتلال كقولة مسيطرة على الموارد الطبيعية وحرية الحركة للفلسطينيين وقرارهم السياسي، كما لا يمكن تجاهل هيكل السلطة الوطنية الفلسطينية المتكون من اتفاقيات أوسلو، كلتا الحقيقتان أساسيتان لتعريف التمكين، لكون التمكين يتعلق بالقوة الممارسة على السكان وامتلاكها، سواء كانت غريبة ومحتلة أو محلية، الضابط الآخر للتعريف هو السياق الزمني، وما يمليه من أولويات جماعية تتعلق باستمرار بمصلحة الجماعة العليا وبقائها، لا يملي هذا بالطبع، أن تكون النساء ضحية الأولويات والبدائل الجماعية، إلا إذا فترضنا أنهن جماعة سلبية، واستثنينا دورهن التاريخي الفلسطيني، خاصة في الانتفاضة الأولى، التعريف الذي أعرضه هنا، يعطي الأولوية لقيام البنى التحتية والقنوات الرسمية التي تخدم التمكين، مثل وجود بيوت آمنة وبرامج حماية فاعلة مراقبة وجهاز شرطة قوي.
تقترح هذه الورقة ثلاثة مستويات لتعريف التمكين، نابعة من طبيعة وحجم الفعل المرتبط بكل مستوى، ومستجيبة للظرف السياسي والزمني في الأراضي الفلسطينية المحتلة، وهي:
أولاً: الدولة كراع ومزود للخدمات ومنظم للحياة الاقتصادية والاجتماعية والقانونية.
ثانيًا: مستوى الحركات الشعبية وغير الحكومية بوصفها ممثلة لتوجهات أخرى لتنظيم الدولة ومزودة ثانوية لخدمات السكان.
ثالثًا: مستوى الفرد بصفته الوحدة الأولى وموضوع الاهتمام للدولة؛ على مستوى الدولة، التمكين هو الفعل الموسساتي الذي يؤدي، ضمن سياق تاريخي ومحلي معين، إلى تحسين وضع الناس وتلبية احتياجاتهم الخدماتية، خاصة النساء منهم، وإمدادهم بفرض متساوية للازدهار والتقدم، ويسعى إلى انتهاج سياسات تضمن التساوي في الفرص والخدمات من دون تمييز، وبوجود نظام تقيمي ومراقبة تضمن سلاسة ومساواة العملية.
على المستوى الثاني، التمكين هو الخدمات المساندة والأنظمة الرقابية على النظام التنفيذي والتشريعي والقضائي لضمان نوع من التحييد لمصلحة الفئات التي تثبت أنها أقل حظًا بسبب معطيات مادية أو اجتماعية، وتسعى إلى سد الفجوات وردم أي فروقات في السياسات الحكومية في أثناء سعيها إلى تحسين وضع رعاياها. وعلى مستوى الفرد، فهو إمكان اللجوء إلى القضاء في حال الحرمان من الفرص والتعرض للتمييز لأي سبب، وإمكان الاستفادة من خدمات الدولة، وذلك بالارتباط بالواجبات تجاه الحكومة والدولة، ووفق ما تقرره سياسات هذه الدولة المبنية على مخرجات الحركات الشعبية والأجسام التشريعية التشاركية المنهج.
تكمن أشكلة التمكين في فهمنا له عادة، وفي رؤيته كمشروع له مخرجاته ومعطياته الواضحة، أو كعملية تحول نفترض فهيا سلبية النساء في المقام الأول، وبطولة تمرير القوة لهن في المقام الثاني، وصولاً إلى إكمال عملية التحول، لا نتعامل مع التمكين كأداة لخلق تواصل وظروف إنسانية أفضل لجميع فئات المجتمع، خصوصًا النساء، عبر الضغط على الحكومات والمشروعين، والمساهمة في بناء الدولة وتعزيز دورها، بل كحل سحري ينقذ نصف المجتمع من غبن المجتمع كله، وبغض الطرف عن أي وقائع اقتصادية وتاريخية تؤثر في أداة التمكين.
لا يمكننا عزل النساء عن بقية أفراد مجتمعاتهن، ومعاملتهن وفقًا لهويتهن الجنسية فقطن لا يمكننا تجريدهن من كل هوياتهن المجتمعية والطبقية والإثنية والمهنية واهتماماتهن، ثم افتراض مساواتهن السلبية وقلة تأثير قرارهن الخاص في حياتهن، ولا يمكننا أن ندعي أن الظلم الواقع عليهن سببه وحده هويتهن كنساء، وليس أنهن فقيرات أو غير متعلمات أو شابات أو كبيرات في السن أو مختلفات عرقيًا أو غير مهتمات أصلاً بتدعيم دورهن المجتمعي، ولا يتحملن ولا يردن تحمل أي دور مجتمعي، ما مسئولية النساء وواجباتهن تجاه تمكينهن المفترض والمؤسسات القائمة عليه؟
يطرح التعريف السابق قيمًا أساسية في تعريف التمكين تشتمل على مراقبة ومقاضاة النظام، والاستفادة من خدمات الدولة الراعية لمواطنيها، والالتزامات والحماية التي ينبغي للدولة أن توفرها لمواطنيها، بالإضافة إلى مسؤولية الأفراد عن تمكينهن عبر لجوئهم إلى النظام القضائي، هذه القيم جوهرية للتعريف الذي أقدمه للتمكين، بالإضافة إلى قيم هي الإرادة الجمعية والفردية الحرة في الاختيار وتحديد الأولويات. قد يبدو هذا خياليًا في ظل سياقاتنا، ولكن بغير هذه القيم لا يصبح للتمكين معنى، من دون الالتزام الحكومي المدرك المراقب، ومن دون الإرادة الشعبية الحرة يصبح التمكين، مرة أخرى، خاويًا.
1 – 2 – التمكين فريسة النقد السهل وأداة الإجماع المزعج: ملامح الخطاب الجديد:
معظم الناس هم أناس آخرون، أفكارهم هي آراء أشخاص آخرين، حياتهم محاكاة، وعواطفهم اقتباسات …
(أوسكار وايلد)
من أكون إذن؟ شقيق البؤس يجوعه الوجود حين يمنحه ثديه،
أموت بلا انقطاع في الأشياء التي إليها أهفو …
ولكن هذا الموت يمنعني من أن أموت،
يل للخزى، ويا للعدم الذي يضيء لي …!
(بيير عما نوئيل)
لم تشارك الدول العربية والجنوبية في مجريات النهب الكبير الذي قامت به الدول الأوروبية في القرنين الثامن عشر والتاسع عشر، لم يقتصر الوضع آنذاك على استعمار دول الشرق، بل امتد إلى نهب قارات ثلاث، هي أفريقيا وأسيا وأمريكا اللاتينية، إن مراجعة كتاب مثل “أوردة امريكا اللاتينية المفتوحة: خمسة عقود من نهب قارة” لإدواردو جاليانو Edwardo Galeano يعطي مثالاً للكيفية الحقيقية التي راكمت فيها الدول الغربية والأوروبية – تحديدًا – ثروتها وكدست رأسمال بني وأسسًا لبنية الدولة الحالية فيها، منطلقة في مسارها الصناعي والتجاري المهيمن، وأنتجت نموذجًا “ناميا ومتطورًا”.
تكرس مؤشرات التنمية والتقارير المختلفة أسماء الدول ذات الدخل الأعلى على قمة جدول المؤشرات، بينما تصطف الدول الفقيرة في المؤشرات الأدنى، وهي – أي مؤشرات التنمية البشرية، منحازة ضد الدول الفقيرة والجنوبية (Moser, 2007): أداة الشمال لقياس فقر وعجز الجنوب. وبوجود النموذج الأمثل للتنمية في دول الشمال، على دول الجنوب أن تحتذي بهذا النموذج الذي يستطيعون فيه أن يكونوا لأنفسهم خيارات إستراتيجية ومصيرية، بينما لا تتوافر في بلدانهم مراكمة لثروات أو إنتاج صناعي يمأسس العلاقات ويبعدها عن العائلة والبطريركية المفترضة: كيف سيكون للأفراد قدرة اختيار خياراتهم الإستراتيجية، بينما تكون دولتهم نفسها غير قادرة على الاختيار الاستراتيجي؟
هل من الممكن أن نرتجي تغييرات ثورية وراديكالية بينما تترسخ في الأدبيات نماذج مهمينة وسامية للتنمية يجب الأخذ بتجربتها، والتمثل بها؟ تلك النماذج كلفت كثيرًا من موارد خارجية، ونضجت في ظروف داخلية وخارجية مغايرة لتلك الظروف الموجودة حاليًا في دول الجنوب. ألا يتسلل الإحباط إلى الأكاديميين والباحثيين “الجنوبيين” عند محاولتهم إيجاد مثل هنا أو تجربة هناك تدعم إمكان كون الدول الفقيرة قادرة على أن نصبح يومًا مثل هؤلاء في أعلى الجدول؟ اقتبس هنا من إدوارد جاليانو: كيف يمكن لهؤلاء الذين هم مثلنا يريدون أن يكتبوا أدبيات تساعد في إسماع أصوات من لا صوت لهم أن يحققوا غايتهم في ظل مثل هذه الحقائق؟ كيف لنا أن نجعل صوتنا مسموعًا في هذه الثقافة العمياء الصماء؟ إن الحرية المعطاة للكتاب ليكتبوا تتحول مع الوقت إلى إثبات على فشلنا. ما الحد الذي نستطيع أن نصله؟ ولمن نستطيع أن نصل؟ لإيقاظ الوعي، والكشف عن الهوية الحقيقية، هل يمكن للأدبيات أن تدعي وظيفة أفضل مما تفعله الآن؟ (15).
الوضع العالمي يشير إلى مزيد من تغلغل متطلبات السوق المعولمة، وفرضها أنماط عمل وحياة على شعوب بأسرها، وعندما أنتج مصطلح التمكين ضمن أطروحات التنمية وأسقط في السياقات الجنوبية، أبرز فجوات عديدة بين الدول ترجع في الأساس إلى عوامل تتعلق بمجريات تاريخية ومراكمة ثروات ونوعية إنتاج أكثر مما تكون مرتبطة بظروف ذاتية لدولة الجنوب الحديثة النشأة، إلا في بعض التجارب الحديثة التي تختص تجربتها ببيئة وتحالفات معينة يكون من غير المنصف تعميم تجربتها على بقية الدول الجنوبية: مثلاً، قارنت إحدى دراسات البنك الدولي وضع ثلاث دول هي الهند والصين وكوريا الجنوبية، وإنجازاتهم في مجال المساواة بين الجنسين، وخرجت بنتائج تعزز دور القيم المجتمعية وضرورة محاربتها من قبل الحكومات، من أجل مزيد للمساواة للمرأة، اعتمدت الدراسة فترة قصيرة نسبيًا وغنية بالتغيرات التاريخية منذ الخمسينيات وحتى التسعينيات، ويكمن ضعف مثل هذا التوجه إلى صعوبة عزل الوقائع والعوامل المختلفة التي ساهمت في إنجاح مشروع في بلد ما وإخفاقه في بلد أخر، إضافة إلى صعوبة تحديد ما هو النجاح في هذه الحالة، وفي الأصل، كانت نقطة الانطلاق بكل مجتمع مختلفة عن الآخر، وبالتالي فإن أي مقارنة بهذا القدر من الفضفاضية لها قدر كبير أيضًا من عدم المصداقية (16).
من ناحية أخرى، يتفق العديد من الباحثين على أن أسباب عدم اللحاق بالدول في أعلى الجدول، خاصة لتمكين النساء، تمكن في ظروف داخلية وثقافية في هذه الدول، تعطينا فالنتين موجدام Moghadam الرأي التالي (17): “في الدول التي يسودها النظام الأبوي، تختلف آثار التنمية باختلاف طبقة النساء الاجتماعية ومواقع وجودهن، فللنساء فرص أكثر في المناطق الحضرية، بينما تعاني المرأة الريفية قلة الحصول على الفرص، ومن طبيعة العلاقات الاجتماعية وما تفرضه عليها من أنماط حياتية، وحتى المستفيدات من التنمية هن في الغالب نساء الطبقة الوسطى، والاستفادة من الإصلاحات السياسية والاقتصادية والقضائية غالبًا ما تحصل عليها النساء العاملات من الطبقة الوسطى المعتادات على العمل، والحاصلات على تأهيل أكاديمي” (Moghadam: 69).
هل يمكن تحميل صورتنا عن النظام الأبوي عبء فشل أطروحات التنمية في إحداث تغيير جذري في حياة النساء الأكثر فقرًا وتهميشًا؟ نظريًا، يمكننا وضع اللوم على النظام الأبوي، لكنه عائق غير مرئي، على أي حال، ومجابهته المفترضة تقتضي تحدي المؤسسة وعلاقاتها القائمة وإحداث تغيير يطال هذه العلاقات التقليدية القائمة على إخضاع النساء لإنتاج علاقات أكثر تفضيلاً للمساواة والتمكين. إن النظام الأبوي المفترض لم يستمر موجودًا في تلك الدول الجنوبية ويقف عائقًا “غير مرئي” للتنمية فقط؛ لأنه يعبر ويخدم ثقافة السكان أو هيكلة علاقات القوة، بل لأنه يشكل شبكة حماية مجتمعية تقوم على خدمة مصلحة الجماعة، وقد تضحي بالأفراد في سبيل بقاء مصلحة الجماعة واستمراريتها، وفق ثقافة هذا المجتمع وتعريف لمصلحته وشروط استمراريته، على أي حال، الثقافة البشرية بطبعها دينامكية قابلة للتغير وغير ثابتة، تؤثر العوامل الثقافية في مجريات التنمية والمشاريع التمكينية فيها بشكل كبير، ويرى أمارتيا سن أن: “هذا لا يعني بالطبع، أن العوامل الثقافية لا علاقة لها بعملية التنمية، ولكنها لا تعمل بمعزل عن التأثيرات الاجتماعية والسياسية والاقتصادية، كما أنها ليست غير قابلة للتغيير (سن، 2008).
لا نستطيع إلقاء اللوم، لو أردنا إلقاءه، في إخفاق مشاريع التنمية على العناصر الأبوية في هذه الدول والمجتمعات، فهذه الدول يسودها الطابع الشخصاني غير الممأسس لأنها تفتقد الحاجة الحقيقية لتكون “مؤسسة” أي الدافع الاقتصادي الصرف الذي يحرك الإنتاج ويدفع الفلاحين إلى التحول إعمالاً، أو الاشتراك في العملية الإنتاجية بشكل مكثف، كما حدث في نموذج أغلب الدول التي تعرف اليوم بالدول المتطورة، فالحاجة إلى مأسسه عالية وفعلية تتوافق مع التغيرات البنيوية في المجتمع وتغير وضعه الاقتصادي والإنتاجي: مثلاً، الحاجة إلى إخراج المرأة من المنزل لتشارك في اقتصاد دولتها هو ما يحث صناع القرار على إيجاد بدائل ووسائل راحة وتسهيل لعمل النساء. الصناعة وتطور الاقتصاد حيوية لتغير العلاقات المجتمعية: اقتبس عن لينين: “وحدها الصناعة الكبيرة تحرر المرأة وتوسع أفق عملها، وتصبح أكثر تحررًا واستقلالاً، وتتحرر من سلاسل العائلة البطريركية، وإن تطور الصناعة الكبيرة سيخلق الأساس من أجل تحرر المرأة التام”.
تمحورت دراسات عديدة حول المرأة والنوع الاجتماعي في الشرق الأوسط فاقت كل ما كتب مجتمعًا عن هذه المنطقة في السنوات العشرين الماضية (تاكر ومريوذر، 2003)، وقد طرحت علاقة المرأة بالمجتمع الإنساني على مر العصور بوصفها مسألة أخلاقية، كما يصفها جورج طرابيشي، الذي ركز على أن المسألة في المقام الأول ليست اقتصادية أو طبقية فقط، بل مسألة تحرير الإنسان نفسه من علاقات وصفات غير إنسانية (طرابيشي، 1973)، يوافقة بذلك روجيه جارودي، الذي دعا في كتابه “في سبيل ارتقاء المرأة” إلى تحرير المرأة بوفه باعثًا للأنسنة للسلطة، وذلك عبر التغيير في البني والذهنيات، بحيث يصبح تحرير النساء تحريرًا للإنسانية وتخليصًا لها من إخضاع نصفها الأنثوي لسيطرة الذكور ذوي الامتيازات (جارودي، 1982).
المسألة هي الاضطهاد الإنساني للبشر الآخرين، رجالاً ونساء وأطفالاً وعجائز، واحد تجليات هذا الاضطهاد وأقدمها هو اضطهاد الرجل للمرأة، وحركة التحرر النسوية هي خميرة تحرر الإنسانية، كما وصفها عدد كبير من مفكري الاشتراكية، فالمسألة هي، واقتباسًا عن نانسي هيرشمان: “تعريف العالم بأن أغلبية الناس، كالنساء والمولنين والفقراء، قد حرموا، بالإضافة إلى اتخاذ الرجل الأبيض نموذجًا للإنسان. كل ذلك يجعلنا نميل إلى الاعتقاد أن مفهوم الحرية يعاني مشكلات من حيث التمثيل والتطبيق، لذا يخطئ من يظن أن بوسعنا أن نقبل بالنظريات السائدة عن الحرية، لسنا في حاجة إلى إضافة النساء إلى مفهوم الحرية، بل إلى إعادة النظر فيما تعنيه كلمة الحرية في حد ذاتها (Hirschmann, 1996).
نشطت الأدبيات العربية ودعمت، في ثمانينات وتسعينيات القرن الماضي، دراسة وتحليل البنية الأبوية للمجتمع العربي، وعلى علاقة النخبات، خاصة النسوية منها – بالدولة – لقد امتيازات و “تمكين” غير أن هذا التمكين كان ممكن الحصول عليه ما دام لا يمس هيكلية وأساسيات المجتمع العربي الأبوي ولا يتحداها بشكل حقيقي (Zuhur, 2003) ألم تحصل نساء الطبقات الثرية، دوما، على التمكين حتى لو بوصفهن رعايا ولسن أفرادًا كاملين في الأسرة؟ ألم تزدد فرصهن لكون علائاتهن ثرية؟ لا نستطيع أن نسقط حقيقة هويتهن الجنسية فقط على ما حصلن عليه، لكونهن أفرادًا من تلك الطبقة ما مكنهن من الحصول على امتيازات طبقية ناتجة عن هويتهن ووضعهن ضمن العائلة كأفراد، وليسن كنساء فقط؟ ولكن هل كانت امتيازاتهن مساوية لامتيازات الرجال من الطبقة نفسها؟ وهل كانت امتيازات الشباب مثلها امتيازات الذكور المهيمنين على العائلة؟
هل يمكن أن نعتر تمكين المرأة اقتصاديًا هو المفتاح لتمكينها بشكل عام؟ وهل الطرح الرأسمالي هو ما تحتاج إليه المرأة الجنوبية والريفية خصوصًا في طريقها إلى التمكين؟ تتحدث الدراسات عن التمكين والتنمية المفضية إلى نتائج سلبية خاصة على المرأة الريفية.
بلا شك، إن المرأة الريفية هي الأكثر تضررًا في مشاريع التنمية، خصوصًا عندما تقرر الحكومات المحلية تخفيض النفقات (Aruna & Kelleher, 2005) المشكلة هي أن النماذج الناجحة هي مجرد استثناء. في مقالة كانت إحدى كاتبتيها هي (Batilwala 2004) عن أساطير التمكين، تنتقد الليبرالية الجديدة والأصولية الدينية اللتين تحولان النساء، خاصة الفقيرات منهن، أدوات لخدمة الوكالات وأدوات في عملية عدم تمكينهن Disempowerment. واللافت للنظر أنها افتتحت هذه المقالة قائلة: “وقد كتبنا هذه المقالة، ليست فقط لكوننا أكاديميتين، بل أننا ناشطتان نسويتان روجتا لأساطير التمكين في أثناء عملهما، وهما لا تضعان إصبع الاتهام في وجه واحد، بل لإعادة فحص تدخلاتهما وتحليل نوعية أنشطتهما السابقة” (18).
برأيهما، ونقدهما للأسطورة الأولى في التمكين، ترى أن إعطاء النساء الفقيرات تسهيلات اقتصادية، مثل القروض الصغيرة، لا يؤدي إلى تمكينهن: بل إن ذلك يشكل استثمارًا اقتصاديًا وسياسيًا في النساء الفقيرات خاصة للوكالات الدولية، مثل البنك الدولي والوكالة الأمريكية للتنمية، وغيرهما من المؤسسات والمانحين الدوليين: النساء الفقيرات الآن يرين كعاملات مجتهدات، أقل أنانية لكونهن يؤثرن عائلاتهن ومجتمعاتهن على أنفسهن، ناخبات وفيات، وأقل عرضه للفساد من الرجال.
وفي نقدهما للأسطورة الثانية للتمكين، تريا أن التمكين السياسي – بشكله الحالي – لا يؤدي إلى تمكين النساء: أن الأسطورة تنص على أنه إذا كسبت النساء الدخول إلى معترك السياسة، واختزن السياسة والسياسات التي تروج للمساواة الجندرية والاجتماعية، السلام والتنمية المستدامة، وبهذا، فإن نظام الكوتا، وغيره من الأساليب التي تعمل على ضمان حصول النساء على حصص في الأجسام السياسية المنتخبة، سيؤدي إلى حدوث تحويل في هذه المؤسسات، بحيث تتمكن النساء من تغيير الشخصية السياسية وممارسة السلطة على مستوى المؤسسات العامة. إن افتراض التدخل على المستوى السياسي الصغير Macro، الماثل في السياسات والحماية وحقوق المرأة، وتمثيل المرأة في المستوى السياسي، سيؤدي إلى تحسن ظروف المرأة بشكل عام، وضمان استمرارية هذا التحسن، وإن عمل النساء السياسي سيسهم في وضع سياسات دولية ومحلية تدعم العدالة الاجتماعية والتنمية، وباختصار سيجعل التنمية أكثر إنسانية، وإن وجود النساء في هذه المؤسسات سيغير شكل القوة المجتمعية وممارسة السياسة، وإن شكل القوة سيتغير من Power Over إلى Power on behalf والعمل بشفافية أكبر، إن هذه المفاهيم كلها تنعكس سلبًا على القدرة على فهم مواطنة النساء وتخصصها بصورة ضئيلة ومحدودة الأثر، فالمواطنة كما علاقات القوة، ليست مفهومًا ثابتًا وملموسًا (مصدر سابق، 2004).
نقدت Batliwala هذا التوجه المبني على استغلال المرأة في الرأسمالية والليبرالية الحديثة، فالنساء أصبحن أدوات لخدمة الوكالات، وأدوات في عملية عدم تمكينهن (Batilwaka, 2004, 2007) ، هن الطبقات العمالية المستغلة، مصدر للعمالة الرخيصة: رأت النسويات أيضًا أن الرأسمالية تؤدي إلى تردي الوضع الاقتصادي للنساء، مما يدفعهن إلى التهميش والافتقار (Moghadam: 67) بالإضافة إلى ذلك، فإن وضع المرأة الريفية في تراجع مستمر، فهي فقدت دورها التقليدي في الإنتاج والزراعة، لكون هذا النوع من الإنتاج أصبح يستورد من الخارج، أو تصنعه مصانع محلية، ففقدت المرأة الريفية بذلك مصدرًا من مصادر قوتها الذي ضمنه لها دورها التقليدي.
التمكين يفترض أن تكون موارد الدولة وميزانيتها مفتوحة للنقاش والضغط، أن تكون الدولة في حالة شفافية مع مواطنيها، حتى لو أنفقت نصف ميزانيتها على التسلح والجيش، كما يفترض وجود حركة نسوية متماسكة وواضحة المطالب نسبيًا، وتستند أغلب الفرضيات حول المرأة والتمكين على هذه الأفكار: هشام شرابي يقترح أن يكون التحرير الشعبي مرتبطًا بتحرير المرأة: “إن تأجيل تحرير المرأة إلى يحرر المجتمع يشوه عملية تحرير المرأة وعملية تحرير المجتمع على حد سواء، من دون ثورة داخل الثورة لن تؤدي حركة التحرير إلا إلى ترسيخ السلطة البطريكية بلباس ثوريط (شرابي، 1987)، وكأن تحرير المرأة مرتبط بقرار سياسي، أو هو ملازم للثورة، التي تستجيب – بطبعها العفوي – للمقررات الثقافية المختلفة، وحين تدخل حيز التنظيم والمأسسة، تصبح مشروع دولة عليه الموازنة بين متطلبات السلطة والإدارة والعلاقات الخارجية.
أعدت مجموعة من الباحثين في البنك الدولي تقريرًا (Das Gupta et al., 2000) لمقارنة ما حققته ثلاث دول، هي الصين والهند وجمهورية كوريا الجنوبية، في الفترة ما بين 1950 و 2000 كانت الدول الثلاث في خمسينيات القرن الماضي قد تخلصت بشكل أو بأخر من الاستعمار وبدأت مرحلة بناء الدولة، واتبعت كل دولة نماذج وخططًا تنموية مختلفة عن الأخرى أنتجت مخرجات تنموية مختلفة. فقد حققت الصين أعلى مستوى في المساواة الجندرية، بينما جاءت جمهورية كوريا الجنوبية في أخر هذه الدول الثلاث فيما حققته من مساواة جندرية: كانت الصين الشيوعية اتخذت خطوات واسعة لتحسين حياة النساء عبر رفع مستوى المعيشة وانتهاج خليط من السياسات تهدف إلى خلق مساواة بين الجنسين، أما جمهورية كوريا الجنوبية فقد حققت نموًا اقتصاديًا سريعًا، لكنها حافظت على أساسيات الأسرة التقليدية، بينما فشلت الهند في تحقيق مستوى معيشة أفضل، غير أنها أسهمت المساواة الجندرية وشجعتها، خلصت الدراسة إلى أن سياسات الدولة تستطيع أن تؤثر بشكل فاعل وكبير في تحقيق المساواة الجندرية، حيث بإمكان هذه السياسات أن تخفف من وطأة التقاليد والقيم الثقافية والمجتمعية التي تفرض على المرأة وتحد من استقلالها كما حصل في كوريا، كما أن في إمكانها أن تخفف من هذه القيود والقيم المجتمعية، كما حصل في الهند والصين. إن دور الدولة في انتهاج سياسات تنموية يجب أن يصاحبه بذل جهد في تغيير القيم المجتمعية السائدة التي تحد من استقلالية المرأة وتكرس دورها التقليدي.
الدراسة السابقة توفر مخرجًا مريحًا لإمكان حدوث مكين للمرأة في دولة فقيرة ومتباينة كالهند، غير أن هذه الدراسة أسرعت في التعميم وأغفلت جوانب مهمة أخرى كانت ستضعها (الدراسة) في إطارها الحقيقي، مثل التحولات الاقتصادية في الهند، وتمايز الطبقات فيها، وازدياد نسبة التعليم، وهجرة العمالة الهندية الذكورية الماهرة إلى الخارج، تحاول هذه الدراسة أن تقول إنه يكفي أن تكون لدى الدولة “النية الصادقة” للتغيير لكي تغير وضع النساء وتحسن أحوالهن.
ماذا يحصل للنساء عندما يتحدين مجتمعًا ثقافته قائمة على السيطرة والقمع لجميع أفراده بما فيهن النساء؟
إن الوضع القائم الآن في الدول العربية لا يفترض الثورة ولا يدعيها، فهو في تقهقر دائم ناتج عن تبعيته لاقتصاد عالمي وهيمنة عسكرية وسياسية، أفضت إلى ارتفاع مستويات البطالة والأمية وتدني الخدمات وسط الاحتكارات وتنامي سياسات الخصخصة: لم تستند الدول العربية المقسمة حدودها بالمسطرة والقلم إلى بناء ونضج دولة لها تقاليدها وسيادتها، بل استوردت مفهوم الدولة الذي ارتدته الحركات الثورية والانقلابين، كما اتبعت الليبرالية المفتوحة واقتصاد السوق الحر، وعندما نتج هذا الوضع المشوه للدولة في أغلب الدول العربية، صبغها العالم بقلب: المجتمعات الانتقالية، والعدالة الانتقالية، وربما الديمقراطية الانتقالية، النامية أو الأقل نموًا، إن هذه التسميات تخفي تعقيد الوضع المرقع الذي آلت إليه أغلب الدول العربية.
يؤكد العديد من الباحثين والباحثات أهمية المشاركة في العملية التمكينية، كما يشدد بعضهم على البعد الجماعي للتمكين، يريدون بقصد أو من غير قصد تحويل التمكين إلى عملية ثورية تعيد إنتاج العلاقات – خاصة منها علاقات القوة – في المجتمع لتصبح أكثر مواءمة وإنصافًا للنساء والمحورمين بالطبع، إن الاستماع إلى ما تقوله النساء والمجتمعات الفقيرة للوكالات الدولية (19) وإضافة كل ما يبدو ناقصًا إلى هيكل التمكين الحالي حيوي لنفهم ونتصور كيف نصيغ “التمكين” بأحذق و “أشمل” شكل ممكن، غير أننا لا نستطيع أن نتوقع أن الاستماع إلى المحرومين والنساء، وتطوير مناهج محلية أو دولية تأخذ مطالبهم بعين الاعتبار، كافيان لتغيير علاقات القوة في المجتمع أو المساس بها بشكل جوهري. ومن جهة أخرى، إن تطور مفهوم التمكين متماهيًا مع الظروف الدولية، ومرتكزًا على تراث ممارستي قصير العمر ومحدود يزيد من هلاميته وتناقضاته الداخلية، كما تزيد من فرصته في إذابة النقد الموجه إليه عبر احتوائه للنقد على المستوى النظري فقط دون المستوى الممارساتي الذي ينقصه كثير من التجربة والمراكمة على المستويات المحلية والإقليمية والدولية.
ألا يجب أن نسمع صوت المفهوم (التمكين) بعيدًا عن كل الخطابات والدراسات التي اتخمته ونفهم ما يريد أن يقول لنا ببساطة؟ لنسأل: ما الغاية المفترضة التي من أجلها يتبنى التمكين في المستويات الفاعلة المختلفة كالجمعيات والمنظمات الدولية والسياسات، ويناقش وينقد في الدراسات المختلفة؟ إن التمكين بذاته مرحلة انتقالية بين عدم التمكين وما يفترض أن يكون مرحلة ما بعد التمكين، فهو كأداة لديه أولوية أن يوصل المحرومين، خاصة النساء منهم، إلى القوة والمصادر التي تحسن حياتهم وتعطيهم الامتيازات والمصادر المتساوية، ليست هذه العبارة بالسذاجة التي تبدو عليها، فهي تفترض إذابة أساسيات تقوم عليها الثقافات البشرية، ومنها الطبقية وتوزيع الثروة والعلاقات بين المجموعات وبين الرجال والنساء.
تحت هذه الأجندة المفتوحة لغاية التمكين النهائية، يقترب المفهوم بأجندته من الليبرالية التي تكرس الفرد ووصوله إلى كامل احتمالاته ومشاركته الكاملة في دولته، والاستفادة منه وصولاً إلى الاشتراكية التي تريد مجتمعًا يشترك فيه الجميع في الملكية والمصادر والعمل (نظريًا على الأقل)، فكيف نمسك مصطلحًا هلاميًا يستطيع أن يكون الشيء والممارسة ونقضيها في وقت معًا؟
تعيد الأكاديمية العربية تدوير ما تتجه الدراسات الاجتماعية الغربية، وتضع نفسها كأداة في خدمة هذا المصطلح أو ذاك، ما بين غاضبة أو مؤيدة أو موائمة تحاول تليين المصطلح وإرجاعه إلى الخبرة المحلية، كما يحدث لمفاهيم مثل الديمقراطية أو حقوق الإنسان، غير أن هذه الأكاديمية قليلاً ما تبتكر مصطلحاتها وتحدد أدواتها التي تعينها في إنتاج حقيقي لمعرفة صادرة منها مستندة إلى تجاربها ونقدها الذاتي لنفسها.
التمكين فريسة النقد السهل، لأن بذاته غير متكاملة كمفهوم ولا يرتكز على تراث ممارساتي يقيم النظرية ويقترح البدائل، ويأتي في رزمة غربية، لذا من السهل رجمه بالحجارة، وهو ما ذلك أداة إجماع الجميع: يجب أن يحدث شيء ما لشعوب الجنوب، يجب ألا يبقى الوضع كما هو.
يبشر التمكين بخطاب دولي جديد، مثله مثل بقية المصطلحات الأخرى الآتية من هناك، فهو على اتساعه وفضفاضيته، يتسع لقالب أخر، فلسطيني محلي يستجيب فقط للوضع الفلسطيني، ويشعر بالأسى، لوضع بهذا التعقيد، هل يكون التمكين حساسًا للوضع الفلسطيني؟ هل يصلح التمكين نفسه مؤشرًا إلى تحرر شعب ومطلبه الحقوقي والإنساني لتقرير المصير؟
يصمت التمكين أمام الأسئلة غير حسنة النية من قبيل: لماذا يهتم التمكين بالفرد وبخياراته، وقليلاً ما يجابه أو يتحدى الدولة التي يفترض بها أن تكون عرابة التمكين والحداثة؟ هل هذه هي الإجابة النموذجية عن هذا التساؤل: إن التطورات الحديثة الجارية في نظام الاقتصاد العالمي والنظام الاقتصادي الجديد لها أثر وتبعات مهمة في النظرية والممارسة التنموية من ضمنها مفهوم التمكين واستخداماته، فالتدخل المحدود للدولة هو إحدى الركائز الرئيسية لسياسات الإصلاح الليبرالية الجديدة التي يروج لها البنك الدولي وصندوق النقد الدولي، والتي تقضي بضرورة السماح لقوى السوق أن تعمل بحرية مع تدخل بسيط للدولة في توفير بعض من الحماية والدعم والتنظيم (أبو نحلة وأخريات، 2004، اقتباسًا عن Rakowski).
تطلق Parpart على التمكين اسم “الكلمة الأم” التي تشعر الجميع بالراحة (Saun – ders: 2002)، فهي تستطيع خدمة العديد من الاتجاهات وتستوعب الممارسات “التنمموية على أختلافها” هل علينا إذن التخلي عن مصطلح التمكين لأننا لا نستطيع السيطرة عليه وضبط حدوده؟ يقترح Rahmena أن التخلي عن مصطلح التمكين لأننا لا نستطيع السيطرة عليه وضبط حدوده؟ يقترح Rahmena أن التخلي عن مصطلح التمكين فكرة جيدة للسبب عينه، ليس من السهل التحكم أو تحديد التمكين: لقد استقال البروفسور رافي كانبر المهندس الرئيسي لتقرير التنمية الدولي World Development Report عام 2000 – 2001 من منصبه عندما أصر كبار المسؤولين في البنك على التقليل من التركيز على التمكين والمشاركة لأن لهذين المفهومين بعدًا تضليليًا (مصدر سابق، 2002).
كل نظرية تحمل نقيضها ديالكتيكيا، يرى آخرون أن عدم وجود وسيلة للتحكم أو السيطرة على مفهوم التمكين تجعل فضفاضيته غطاء العديد من الأنشطة والمبادرات الراديكالية: إن هذا الرأي ساذج إلى حد ما، فتلك الأنشطة الراديكالية لا تحتاج إلى مفهوم التمكين بالضرورة كي تظهر أو تتحقق أو ليكون غطاءها. إن المسلمات الأخرى للتمكين أيضًا مثيرة للتساؤل بالقدر ذاته، هل يكفي إشراك النساء وإدماجهن في عمليات التنمية المختلفة، سواء الاقتصادية منها أو الاجتماعية لتمكينهن؟ هل تستطيع فضفاضية التمكين تحدي علاقات القوة في المجتمع التي تعيد إنتاج نفسها عبر الهيكليات والمؤسسات المختلفة؟
هل على التمكين أن يتحدى المجتمع أفقيًا وعموديًا، بل ويدمر كل البنى ويتجاهل الثقافات والعلاقات الإنسانية والمجتمعية والظروف الموضوعية والتاريخية الأخرى، ليخرج من طرف الآلة الآخر نساء قادرات على صنع خيارات استراتيجية؟ تشبه هذه الفرضيات أرض الأحلام حيث اللون وردي والجميع سعداء، كيف يمكن التأكد من أن كل امرأة في المجتمع لديها خياراتها وهي قادرة على اتخاذ خيارات استراتيجية؟ وماذا لو وجدت الخيارات الاستراتيجية واختارت النساء البقاء في البيت وإنجاب الأطفال وانتظار المال من الزوج؟ ما تكون القيمة الاقتصادية الحقيقة للتمكين وما تم إنفاقه على النساء في سبيل تمكينهن وإبعادهن عن المنزل والحيز الخاص؟
هل التمكين هو تحدي الحيز الخاص؟ وهل هو خطوط حمر توضع تحت سياسات الدولة لتجعلها أكثر لطفًا لرعاياها من النساء؟ إنا لدولة التي تتبنى أحدث الاستراتيجيات والسياسات الاقتصادية والسياسية لا تلبث أن تحذر من طرق باب المنزل لإحداث التغيير، لأنها غير معنية بعناصر مقلقلة لاستقرارها، غير المستقر أصلاً في دول الجنوب مثلاً – في حال تحدث هذه الدول المصبوغة عشائريًا ثقافة مجتمع تنتمي هي أصلاً إليه وتمثله وتستمد منه عناصر قوتها، ألا يجب ان تكون هناك حاجة ملحة وحقيقية ومقنعة لطرق هذا الباب الخطر بالأصل؟ وجود هذه الحاجة الحقيقية إلى خروج المرأة للعمل والحيز العام قد يجعل الباب يفتح من تلقاء نفسه ضمن ديناميكيات تغير المجتمع، لا يمكننا رفع المجتمع رغمًا عنه لتبني نماذج أخرى لا يملي عليه واقعة تبنيها، على افتراض أن كل ما ينقص المرأة هو ازدياد نسبة مشاركتها في القوى العاملة والمؤسسات العامة.
إن للثقافة المحلية حقًا أصيلاً في الدفاع عن نفسها ضد التغيير والتهديد، كما أن لها الحق في هضم بعض المدخلات الجديدة وإعادة إنتاجها محليًا ضمن شروط محددة، نادرًا ما تمليها الوكالات الدولية أو حركات المجتمع المدني، التي قد تضيف التغيير وتراقبه وتتدخل فيه نسبيًا ولفترة قصيرة، ولكنها لا تمليه، وفي حالة حدوث أزمات اجتماعية أو ارتفاع مستويات البطالة والفقر، يدافع المجتمع عن بقائه بطرح النساء اللواتي جئن إلى الحيز العام آخرًا، ويقتصر على الذكور الأقوى بنظرة والأقدر للقيام بحفظ الجماعة. تميل المجموعات البشرية إلى التمسك بما لديها وتتقبل التجديد بصعوبة بناء على أحداث دراماتيكية وحاجات فعلية وثورات تتميز بالراديكالية لا باللطف، وعلى سبيل المثال، كانت الثورة الاشتراكية والنظام الاشتراكي الذي قام في روسيا نموذجًا ممكنًا للسناء، أخرج الجميع إلى العمل، ونقل وظائف البيت إلى الحيز العام وتولاه.
1 – 3 – لماذا يصمت التمكين؟ يوتيوبيا النساء وبناء الدولة الفلسطينية:
من كان يحيا بمحاربة عدو ما، تصبح له مصلحة في الإبقاء على هذا العدو حيًا ..
نيتشه
| أويها إحنا العرابيات من حق وحقيق أويها حلف علينا .. ما نلبس إلا رقيق أويها إحنا العرابيات من جد الجد أويها واحنا العرابيات مين يقدر يطالعنا أويها ما حد عيرنا وما حد عابنا |
أويها وشرشنا في الأرض باحش له عميق أويها نخبط ع روس الأعادي ونعملها طريق أويها خيل الأصايل كاملات العدة بنات حصن البحر مثبوتة قواعدنا أويها وما حد نص الليل خل أبوبنا |
من التراث الشعبي الفلسطيني
منذ تأسيس السلطة الوطنية الفلسطينية جرى بشكل مكثف تقديم عدة مصطلحات وممارسات للمجتمع الفلسطيني من ضمنها الدمقرطة والتمكين وحقوق الإنسان والإصلاح والمأسسة، وفي سياق هذا التحول تحالفت العديد من قياديات الحركة النسوية الفلسطينية مع مشاريع ومتطلبات التحول الديمقراطي، وتمركزت – كما غيرها من قيادات الأحزاب اليسارية – في المنظمات غير الحكومية الفلسطينية، التي تكاثرت بشدة مبعدة الحركة الشعبية وقياداتها النسوية عن قاعدتها الشعبية التي تقاربت معها في الانتفاضة الفلسطينية الأولى، وفي أحداث تاريخية عبر قرن من تشكل الوعي الوطني الفلسطيني، لتعود مرة أخرى لممارسة دورها كنخبة.
تعمم النخبات النظريات والممارسات الدولية عبر تحالفاتها مع المؤسسات الدولية ومطالبتها المختلفة، وتلك النظرية المتعلقة بالتمكين على قصورها ليست محل تساؤل حقيقي في هذا الجزء من الورقة المتعلق بالوضع في الأراضي الفلسطينية المحتلة، بل نسائل الفراغ الذي حصل عليه الفلسطينيون بين نظرية التمكين ولغتها الرفيعة، وما بين تطبيقها والقائمين على هذا التطبيق، وإمكان مساءلة ومحاسبة القائمين على برامج التمكين والمرأة؛ فمن جهة، اعتقد أن هناك حاجة حقيقية لتلبية مطالب الحياة الكريمة للفرد الفلسطينيين ذكرًا كان أم أنثى، وإعداد البنية التحتية الفلسطينية بحيث تكون قادرة على احتواء التمكين واحتضانه طبيعيًا ضمن سيرورة التحول الفلسطيني، ومن جهة أخرى، يجب ألا يشكل التمكين عبئًا إضافيًا مستحيلاً أو عذرًا تجميليًا لهذه المؤسسات المثقلة بالنقد والفساد والعجز المادي والمتقلصة الفاعلية.
تعامل الفلسطينيون بشح وتلقائية مع مصطلح التمكين وفق ما اقتضته عناوين المؤتمرات أو متطلبات السوق غير الحكومي الفلسطيني، وأنتجوا أدبيات تمحورت حول مواقف الرفض أو القبول، أو توليفة ما بين – بين التي لا ترى أن كل السلة التنموية شر مطلق، أما الأبحاث والمسموحات التي تعلقت بتحليل بنية الاقتصاد والتوجهات السياساتية الفلسطينية القادرة على احتواء التمكين وربط غيومه بوحل الواقع الفلسطيني فقد ندرت. في الأصل، لا يتعلق إمكان “التمكين” في الأراضي الفلسطينية بالمحاولات المؤسساتية المختلفة، سواء النسوية أو غير النسوية على تشتتها وقلتها، بل يتعلق التمكين وإمكان تحقيقه بطبيعة التغير الاجتماعي والاقتصادي الذي يغير من العلاقات وشكل الاعتماد بين الأفراد في الأسرة الواحدة، وينعكس على العلاقة بين الرجل والمرأة ويدعم الجهود المؤسساتية والشعبية لخلق بيئة مناسبة لتمكين الفلسطينيين بشكل عام، خاصة النساء منهم.
نقرأ الوقائع الاقتصادية اجتماعيًا كما يلي: إن المرأة التي لا تكسب أجرًا خارج المنزل ولا تضطر إلى القيام بأولويات واختيارات لحياتها حيث مسار هذه الحياة محدد ومقبول اجتماعيًا ستعتمد من خلال الزواج أو علاقتها ضمن أسرتها على الذكور لتدبير أمور حياتها، وكونها ستعتمد ماليًا ومعنويًا على أسرتها ومحيطها لدعمها فإنها لن تمتلك القوة أو القدرة على القار الاقتصادي، مثلاً، تعمل نسبة قليلة من الفلسطينيات في سوق العمل، تبلغ نسبتهن 14 % من مجل القوة العاملة الفلسطينية، وفي ظل هذه المعطيات الواقعية تتراجع فرص يوتوبيا النساء الفلسطينيات التي تبنيها المؤسسات الفلسطينية بحيث ستصل هذه المؤسسات ونخبها إلى حالة من التغريب في مجتمعاتها، فمن جهة، يزداد التيار الديني تشددًا، ويرى في المرأة إثباتًا لهويته الدينية القائمة في نظرة على قهر المرأة، ومن جهة أخرى تتهتم هذه المؤسسات والأفكار منذ وقت طويل بكونها آتية من هناك، ذلك الهناك الذي خلق بسبب اختلاف ظروف الحياة وتاريخ الاستعمار وشعور الدونية لدى شعوب الجنوب بشكل عام ومن ضمنها الفلسطينيون.
لقد غاب عن نائلة كبير، التي شددت على أهمية الخيارات المرئية للمرأة، عواقب هذه الاختيارات على حياتها، فالمرأة قد تختار ما يبدو بعين كبير أو الوكالات الدولية مؤشرًا لتمكينها، ستقايض وتساوم على علاقاتها مع عائلتها أو مجتمعها، أي الشبكة التي تزودها بالحماية والدعم المادي، والمرأة التي تختار حقوقها الجنسية تختار احتقار مجتمعها والخطر الذي يتهدد حياتها بالموت السهل، المرأة التي تختار الميراث تختار أن تكون “بياعة رجال” وفق المثل الشعبي الفلسطيني وعداء عائلتها والنظرة التي يرمقها بها مجتمع يعاني الاضطهاد فيعكسه على فئاته الأضعف متمثلة في النساء. من هي الأكثر شجاعة للمضي في طريق محفوف بالعواقب؟ وهل نعتبر الاكتفاء بالخيارات المتاحة على قلتها جبنًا أو طلبًا للأمن والاستقرار الشخصي.
ينتقد محمد الخطيب برامج التمكين قائلاً: “حيث يتم النظر إليه باعتباره امتلاك مصدر قوة، وعلى ذلك يكون امتلاك مشروع تجاري أو حتى فرصة عمل تمكينًا، ويتم اعتبار امتلاك شكل من أشكال الوعي بقضايا المرأة تمكينًا، ويتم تقسيمه إلى تمكين سياسي وتمكين اقتصادي، ويتم اعتبار أن التمكين الاقتصادي يؤدي بالضرورة إلى التمكين الاجتماعي، وأن التمكين الفكري يؤدي حتمًا إلى التمكين بأنواعه. إن الواقع وعديد من الدراسات يؤكدان أن تلك المسلمات في معظمها مجروحة ولا تصمد كثيرًا أمام التجربة” (الخطيب، 2008)، تتشابه انتقادات الخطيب مع عدة انتقادات توجه إلى هذه النوعية من البرامج، الإشكالية الحقيقية تتمثل في كون هذه المؤسسات غير قادرة على العمل وفق ميزانياتها وخططها التنفيذية المرتبطة بسنوات محددة، بالإضافة إلى أن وجود شبكة حكومية تسند هذه البرامج وتحميها سيساعد على استقرار هذه البرامج ودمجها ضمن خطط المؤسسة الحكومية، ولكن المؤسسة الرسمية الفلسطينية في حالة تضاد ومنافسة مع مؤسسات المجتمع المدني في أكثر الأحيان، مما يصعب من توجيه جهود شاملة وسريعة ودائمة لقضية أو حاجة نسوية.
إن ما يروج بشأن عدم تمكين المرأة الفلسطينية والانطلاق إلى تصميم آليات وبرامج لتمكينها ليست النقطة الساذجة الوحيدة التي تخلقها الأبحاث والمقالات بشأن المرأة الفلسطينية، بل إخراج المرأة والرجل الفلسطيني من سياقهما التاريخي والمجتمعي ومحاكمتهما بأدوات ومفاهيم كالتمكين، وما يليه من تضبيب الواقع النسائي الفلسطيني، ومن ثم تحويل المرأة الفلسطينية إلى جداول وأرقام وإحصائيات تنشر هنا وهناك وتقيس النخبات والشواذ لا القاعدة، التمكين بشكله الحالي المنفذ في الأراضي الفلسطينية يخدم استمرارية المؤسسات القائمة عليه ونخبها وقياداتها، ولا يخدم المرأة الفلسطينية العادية، وإن مد المرأة الفلسطينية بعون ما فهي إغاثة متقطعة تضمن اعتمادية النساء الفلسطينيات لا تحررهن، وتبرير خجول لوجود هذه المؤسسات، أقتبس هنا من الخطيب مرة أخرى” التمكين للنساء أو لأي من الفئات المهمشة لا يتحقق إلا وفق رؤية نقدية تمارس نقدها على الرؤى الحالية السائدة قبل أن تمارسه على الواقع الفلسطيني العليل” (مصدر سابق).
هل تمكن مساءلة الحكومة في حال فشلت النساء في الحصول على الموارد اللازمة لتمكينهن؟ ومن هن النساء القادرات على مساءلة الحكومة قانونيًا؟ وكيف يعمل التمكين مفهومًا ونظرية – في السياق الفلسطيني حيث يهدد الاحتلال مؤسسات السلطة الوطنية ويحجمها ويفرز وقائع عنصرية تمنع التواصل في أرجاء الضفة الغربية وعازلاً القدس عن امتدادها الجغرافي والسكاني؟ أما في الشطر الآخر مما يتوقع أن يكون الدولة الفلسطينية، فقد انقلبت حركة إسلاموية على السلطة الوطنية المثقلة بالفساد والعشائرية بغزة، وسيطرى على الحياة الاجتماعية والمؤسساتية في القطاع المحتل ثنائيًا، لتعيد إنتاج العلاقات وهيكلة القوة السابقة بلاعبين جدد، أتساءل، في هكذا سياق، كيف يبدو التمكين؟ هل نستطيع أن نبشر بتمكين أصولي إسلاموي لإرضاء سلاطين الشطر الآخر من المشروع الذي أجهضته الأسرة الدولية؟ مقابل تمكين نخبوي قاصر وشعاراتي في الضفة الغربية؟
إن السياق الذي ندافع بشدة عن أولويته لدى عملية البحث ليس متجانسًا أيضًا؛ مما يتطلب حذرًا لدى صياغة السياسات والمؤشرات، يعود ذلك بشكل كبير إلى ممارسات الاحتلال على الأرض منذ إنشاء الدولة الإسرائيلية في العام 1948، وما تبعها من تمزيق للنسيج الاجتماعي الفلسطيني، ثم ما تلا ذلك من تورات وتقلبات سياسية أنتجت تراثًا قانونيًا مختلطًا ومتناقضًا في الأراضي الفلسطينية المحتلة ما بين القدس والضفة الغربية وقطاع غزة. يزداد الأمر صعوبة حينما يتعلق بصياغة مؤشرات ثابتة ومعتمدة لها القدرة والقابلية لتقيس التغييرات في وضع المرأة الفلسطينية على فترة طويلة الأمد.
يثير كل مؤشر لتمكين المرأة الفلسطينية التساؤلات المتعلقة بالسياق، سواء ما كان خاصًا منها بالوضع الفلسطيني أو وضع النساء في البلاد الجنوبية بشكل عام. فهل ستستطيع المرأة الفلسطينية العادية ترشيح نفسها للانتخابات مثلاً، ومن ثم تتحول إلى رقم إحصائي يقيس نجاح المجتمع الفلسطينية ككل؟ كيف ستستطيع امرأة من غير النخبات الترشيح للانتخابات من دون موارد مالية وعلاقات مجتمعية واسعة؟ يتداخل الشخصي والفردي ويحاكم الفشل والنجاح بمعيار النجاح فقط، من دون النظر إلى السياق، ستخدعنا المؤشرات التي ترى في المرأة الفلسطينية ناخبًا فاعلاً بالقياس والاعتماد فقط على نسبة التصويت من النساء حين تخرج العديد منهن للتصويت لمن قيل لهن أن يصوتوا لهم؟ كيف ستقيس أدوات التمكين تحرر المرأة ويضع الحدود بين من تملك قرارًا مستقلاً وبين من تستخدم في العملية الانتخابية؟ وهل تجرؤ أدوات التمكين على أن تحاجج أن عدم التصويت مثلاً قد يعر عن موقف سياسي وقرار مستقل؟
للشعب الفلسطيني مشروع تحرر لم يكتمل، وله أيضًا هيكل سلطة وطنية تعثرها مجريات السياسة وتعبث بها الاتفاقيات والخرائط لتقلل سقف ما يمكن أن يكون سيادة إلى الحد الأدنى، كيف سيحمل هيكل السلطة الوطنية وكوادره عبء تمكين النساء إداريًا؟ كيف سيحمل الهيكل المريض عبء تمكين الشعب الفلسطيني المقطع الأوصال وتلبية احتياجاته الأساسية والإنسانية؟ عندما لا تتوافر البنية المؤسساتية الأساسية التي تختضن السياسات وتباشر مراقبة الإجراءات، في ظل الشلل الذي تعانيه مؤسسات السلطة؟
يصمت التمكين في وجه تقارير حقوق الإنسان المختلفة التي ترصد واقع المرأة والرجل الفلسطينيين، حيث تلد النساء على الحواجز العسكرية الإسرائيلية، وتعاق حركة الشعب الفلسطيني بأكمله، ويحشر في سجون مفتوحة وكانتونات عنصرية محافظة بطرق مخصصة حصريًا للمتسوطنين الإسرائيليين القاطنين بشكل غير شرعي في الأراضي الفلسطينية المحتلة، ويصمت التمكين أمام الجهود المبعثرة والمتضادة أحيانًا للمؤسسات النسوية والجهات الحكومية، ويصمت التمكين أمام الغضب الفلسطيني والقهر الذي يعانيه شعب بنسائه ورجاله: لقد لاحظت باورز بدقة تأثير الاحتلال في الشعب الفلسطيني وانعكاساته على النساء خاصة: “إن قمع الرجال الفلسطينيين في ظل الاحتلال الإسرائيلي يشكل عاملاً رئيسًا في التجربة اليومية للنساء الفلسطينيات، إذ أن حرمانهم من العمل الفعلي، ومن مواقع ممارسة السلطة يؤدي إلى انتقال هذا القمع نحو النساء. ولأن الذكر الفلسطيني، الذي يمثل شخصية السلطة في المنزل، فقد معظم مقومات قوته نتيجة الاحتلال فقد ظهرت انتكاسة نفسية على النساء” (باورز، 2003).
الاحتلال يمثل العقبة الأولى لإمكانية حقيقية لتمكين النساء، يليه الوضع الاقتصادي الفلسطيني وارتباطه بالاملاءات والأوامر الإسرائيلية المختلفة، واضطراب الوضع السياسي الفلسطيني الداخلي وتداعيات التدهور الأمني والحزبي الفلسطيني، إن العقبات الأخرى ظرفية أيضًا، خاصة ما يتعلق منها بالثقافة والموروثات التقليدية أو البطريركية، وهذه عرضة للتغيير البطيء بأشكال عديدة وفق ما يميله الوضع الاقتصادي والسياسي على الأمد البعيد.
إن الشعب الفلسطيني يمر بمرحلة استعمارية وإن كانت تشذ عن الاستعمار الكلاسيكي، ولا نستطيع أن نسمي الوضع بناء للدولة الفلسطينية، حتى لو أردنا تغليفه وتلوينه ليبدو كذلك.
يوتوبيا النساء الفلسطينيات لا تقوم إلا بالحرية والتحرر، وبالتغير المجتمعي الثائر الذي يطلق حرية للفكرة ويحترم حق الاختلاف، ستكون هذه البداية هي الوحيدة الممكنة للتمكين، ليتمكن من فتح فمه في الأراضي الفلسطينية المحتلة، تأتي بعدها، وفي أثنائها، جهود النساء الحرائر لكسب التأييد والاحترام المجتمعي، جهود تتسم بالحرية والمسؤولية على اتساع المفهومين، أنهى هنا باقتباس عن فاطمة المرنيسي: “إن استيراد البرلمانات والدستور من دون أن تشرح بإسهاب جوهرها الذي هو انتصار العقل والتفكير العلمي، لم يسمح بالتأمل الهادئ في مفهوم مازال، حتى الوقت الحاضر، موصومًا بالخطيئة، ألا وهو مفهوم الحرية، ففي أيامنا هذه فإن كلمة الحرية في العالم العربي مرادفة لكلمة الفوضى”. (المرنيسي، 1994).
خلاصة واستنتاجات: العودة إلى نقطة الصفر .. دولة كرة الثلج وقصص أخرى:
إذا كانت هذه هي الوقائع، فبئس الوقاع إذن !(لوكاش)
إلى أين ألتفت، مقسمًا حتى الوريد؟
أنا الذي لعنت …
الضابط السيكر للحكم البريطاني،
كيف أختار بين أفريقيا هذه …
واللغة الإنجليزية التي أحبها؟
أخون كليهما؟ أم أعيد إليهما ما منحاني؟
كيف أواجه مثل هذه الذبح وأكون باردًا؟
كيف أستطيع أن أنصرف عن أفريقيا، وأعيش؟
(ديرك والكوت)
ما أردت اكتشافه خلال هذا البحث يتعلق أولاً بالفرضيات المقترنة بالتمكين، وبكونها مسلمات ونقاط انطلاق لأغلب الأبحاث والأوراق حوله، وإن بدأت بعض المحاولات النقدية منذ مقالة “تحت عيون الغرب” لموهانتي، التي مهدت لرصيف نقدي للتمكين أتى من داخله، لتتبعها بعض الأوراق والكتب التي بحثت في المسلمات وحاججت صحة العودة إلى التساؤلات الأساسية. أعتقد أن “الاستشراق الذاتي” الممارس بقوة وإسقاطية من قبل الباحثات والأكاديميات، خاصة، أدى إلى ترسيخ صورة المرأة السلبية المحتاجة إلى العون أكثر من دعوته إلى رؤية المرأة كفاعل ودورها في مجتمعا الذي يؤدي وظائف حيوية عدة على اختلافاته وتنوعاته، فالمجتمع العربي والفلسطيني خال من طبقة ذات سمات وثقافة واضحة تعين على التعميم، وهو يحتوي من التنويع والاختلاف والقدرة على التغيير ما لا يستطيع معه مصطلح التمكين، بفضفاضيته وهشاشته، أن يرصده.
أعتقد أن الجهد الذي سيبذل على التمكين في الأراضي الفلسطينية يجب أن يركز على البنية التحتية لتمكين النساء بشكل متساو ما أمكن في المناطق المختلفة في الضفة الغربية، القدس وقطاع غزة، مع الأخذ بعين العتبار المتغيرات المختلفة المتعلقة بالمرأة في المجتمع، لا المرأة كفرد … بكلمات أخرى “المرأة في السياق”، خاصة في ظل الحالة التي تعانيها المؤسسة الرسمية الفلسطينية التي تتدهور إلى القاع ككرة الثلج مثقلة بهموم الماضي السياسي الفلسطيني، ومتجهة نحو مزيد من التنازلات والفوضى السياسية التي تنعكس على المجتمع الفلسطيني ونسائه بشكل خاص.
يسهل انتقاد التمكين وبرامجه في الأراضي الفلسطينية المحتلة بقدر ما يصعب اجتراع مؤشرات وسياسات تلائم الواقع الفلسطيني، ولا ترتد عليه عكسيًا، غير أننا لا نستطيع أن نغفل ما لعامل الوقت والتغيير المجتمعي من أهمية لتمكين النساء الذي لا يمكن أن يتم بالأمد القريب، خاصة في ظل تراجع الاقتصاد وانخفاض فرص العمل وزيادة الفقر وقلة الموارد المالية المتوافرة للشعب الفلسطيني.
كيف نقيس التمكين؟ فكر عاليًا كغيمة، وعد إلى الأرض للإقلاع من جديد:
مؤشرات التمكين الكلاسيكية والدولية:
وضعت الأمم المتحدة، ضمن أهدافها للألفية الثالثة، تمكين النساء والمساواة بين الجنسين كهدف ثالث، أما المؤشرات التي اختيرت لقياس التقدم في قياس نجاح تحقيق هذا الهدف الأممي فكانت:
أولاً – ردم الهوة في التعليم بين الذكور والإناث في كل المستويات.
ثانيًا – رفع حصة النساء في المشاركة في العمل الماجور والقطاع غير الزراعي.
ثالثًا – زيادة حصة النساء في مقاعد البرلمانات الوطنية.
في ورقة لنائلة كبير، ناقشت المؤشرات الأممية الثلاثة (Kabeer, 2005) مقدمة رؤية نقدية لها، معتبرة أنها غير كافية لقياس التمكين، وناقشتها بناء على نموذج التمكين الذي تروج له والقائم على ثلاثية الموارد Resourcesk القدرة على الفعل Agency، والإنجازات Achieve – ments ترى كبير أن هذه المؤشرات الصادرة عن الأمم المتحدة قاصرة ولا تغطي أبعادًا أخرى للتمكين لا تقل أهمية عن المؤشرات الثلاثة السابقة، أو تساهم في استكشاف المؤشرات الأممية بشكل أكبر.
منذ العام 1990، تبني برنامج الأمم المتحدة الإنمائي عدة مؤشرات للتنمية الإنسانية مستندة على أعمال أمارتيا صن وغيره، ومركزة على جودة الحياة وتحسين قدرات السكان بالوسائل المختلفة. المؤشرات المختلفة المتعلقة بقياسات التنمية البشرية ترتكز على معدل عمر السكان، التعليم، مستوى الحياة اللائق، وبالتالي عدم التركيز على العامل الاقتصادي الصرف في قياس التنمية البشرية والإنسانية في الدول المختلفة.
بناء على مؤشرات التنمية الإنسانية، تم تطوير مؤشرات التنمية المرتبطة بالنوع الاجتماعي “Gender related Development Index” منذ العام 1995 في تقارير التنمية البشرية المختلفة الصادرة عن برنامج الأمم المتحدة الإنمائي (UNDP) وفي هذه المؤشرات تقسم البيانات على أساس النوع الاجتماعي، وذلك لقياس الفجوة بين الجنسين في مجالات مختلفة، هي العمر المتوقع عند الولادة، التعليم والدخل، في الفترة نفسها تقريبًا تبني برنامج الأمم المتحدة الإنمائي دليل قياس التمكين المبني على النوع الاجتماعي Gender Empowerment Measure والذي يتألف من ثلاثة مؤشرات هي:
1 – حصة النساء في مقاعد البرلمانات الوطنية.
2 – حصة ومشاركة النساء في المواقع الاقتصادية ومواقع اتخاذ القرار، ويتشم بالنساء في الوظائف الإدارية التقنية.
3-حصة النساء في الدخل.
تكتب (Beteta 2006) “أن معظم الانتقادات التي جاءت كرد على مؤشرات قياس التمكين المبني على النوع الاجتماعي تأتي بأربعة توجهات نقدية رئيسية هي:
-الطريقة التي تتعامل بها مع الاختلافات النسبية واللامساواة بين الرجل والمرأة.
-طريقة ومنهجية تجميع البيانات.
-استعمال قواعد بيانات دولية وعالمية بدلاً من استخدام المعلومات المحلية.
أبعاد الاختيارات والتبرير لهذه المؤشرات:
لخصت Beteta الجزء الأكبر من الانتقادات العامة لمؤشرات التمكين، خاصة الفرق بين الاعتبارات المحلية والدولية، مثلاً، في مسألة مشاركة المرأة السياسية في البرلمانات، هناك بعض الدول التب تبنت نظام الكوتا النسائية، وهناك دول لم تتبن هذا النظام، وفي كلتا الحالتين، لا تظهر المؤشرات هذه الفوارق ولا تأخذها بعين الاعتبار.
بالإضافة إلى ذلك، ترى Beteta أن هذه المؤشرات متحيزة نحو الطبقات الميسورة في المجتمعات (مصدر سابق: 222)، حيث إن قياس نسبة النساء في المجالس الوطنية يقيس دخول نساء النخبات إلى البرلمانات الوطنية، ويعمم التحيز على القياسات الأخرى المتعلقة بالدخل والمشاركة الاقتصادية، كما تبرز – بقوة – مسألة قلة البيانات والفجوة بين البيانات التي تقدمها الدول الأعلى دخلاً وتلك الأقل، ما يعكس قدرة الدولة نفسها ومواردها المالية واستثماراتها فيما يتعلق برفاة مواطنيها.
مجموعة مؤشرات أخرى هي جدول تمكين المرأة Women’s Empowerment Matrix، وهي مؤشرات تم تطويرها من قبل الباحثين J. Charmes و S. Wieringa وتقوم على فكرة هذا الجدول أو الأداة التحليلية على وجود محاور حياتية عديدة تتقاطع فيما بنيها وتنتج المحيط غير الممكن أو الداعم للمرأة، المحاور الخمسة هي: المحور الجسدي، المحور الاجتماعي، الثقافي، المحور الديني، المحور السياسي، المحور القانوني والاقتصادي، وقد صممت هذه المحاور لمساعدة صناع القرارات والباحثين لتحليل أوضاع المرأة والإحاطة بأسباب عدم تمكينها والربط بين المحاور المختلفة وانعكاساتها على تمكين المرأة في المحيط المحلي لها يستطيع الباحثون وصناع القرار استخدام المحاور السابقة لرسم صورة تحلل وضع المرأة والأسباب المؤدية إلى عدم تمكينها، ويعتمد عمق هذه الصورة على دقة ووضوح المعلومات والبيانات ومهارة التحليل ودقته (20).
قامت وكالات دولية أخرى بتطوير مؤشرات لقياس مدى تمكين المرأة، خاصة منذ سنوات التسعينيات، وتتعلق أغلب هذه المؤشرات بقياس مدى تمكين المرأة في الحيز الخاص، ومنها هذه المؤشرات التي اعتمدتها وكالة UDAID الأمريكية في أبحاثها، وفي المسوحات الديموغرافية والصحية التي تجريلها للبلدان المستيدة، وهذه المؤشرات تشمل: الحالة والمستوى التعليمي للمرأة، التوظيف والمهنة، سيطرة المرأة على مواردها من العمل، عمر المرأة لدى أول زواج، وعمرها عند أول ولادة، واستعمالها لمواد منع الحمل.
كما اعتمدت الوكالة نفسها مؤشرات أخرى استخدمتها منذ العام 2000، وهذه المؤشرات هي: الفرق بين الزوجين في العمر والمستوى التعليمي، مشاركة النساء في القرارات التي تخص المنزل، آراء النساء فيما يتعلق بضرف الأزواج لزوجاتهن، آراء المرأة بشأن إذا ما يحق للزوجة معارضة ممارسة الجنس مع زوجها أحيانًا، اختيار المرأة لزوجها، دعم أسرة الزوجة لها، الآراء حول الأدوار المبنية على النوع الاجتماعي، حرية حركة المرأة، عضوية المرأة في الجمعيات، وملكية المرأة لحساب بنكي (21).
تعتمد هذه المؤشرات على مرجعية ثقافية واحدة تحكم ما هو التمكين وما هو تصرف المرأة “المتكنة” مثلاً، قد تمتلك المرأة حسابًا بنكيًا يستعمل لمصلحة عائلتها أو زوجها ولا تستخدمه هي لمصلحتها، وقد لا ترغب في التصريح بوجود حساب بنكي لها، أو قد تكون هذه المرأة في سياق كالأراضي الفلسطينية المحتلة، حين تمنع حركتها، وبالتالي فليست عائلتها أو زوجها من يمنع حركتها بل الاحتلال، متمثلاً في العديد من نقاط التفتيش والإجراءات، وقد يكون عدم عضوية المرأة في الجمعيات اختيارها الشخصي، أعتقد أن هذه المؤشرات تنفي أهمية السياق وهي عمياء عن رؤيته، وتعمم صورة واحدة للمرأة تنفي فيها حق المرأة نفسه في الاختلاف. وبالإضافة إلى ذلك، فإن ترجمة معظمها لمؤشرات إحصائية قابلة للقياس وموثوقة من جهة، ومن جهة أخرى احترام خصوصية المبحوثين فيما يتعلق بالأسئلة الحميمة والشخصية يعرض نجاعة استعمال هذه المؤشرات للخطر، حي ثتباح حياة المرأة الشخصية ويجري تحويلها إلى أرقام وإحصائيات لديها هامش كبير من الخطأ والصواب لكونها تعتمد على نسبية رؤية الأمور منن قبل النساء المبحوثات من جهة، ومن جهة أخرى على قدرة ومهارة الباحثين ووجود موارد مالية ضخمة مخصصة من جهة، ومن جهة تنفيذها دوريًا لقياس الفرق.
تصنيف بعض الدراسات مؤشرات تمكين المرأة إلى مؤشرات مباشرة وغير مباشرة، حيث تصنف مؤشرات مثل قرار المرأة في المنزل قدرتها على التحرك ووصولها إلى الموارد الاقتصادية كمؤشرات مباشرة وكحصيلة لسيرورة التمكين، بينما تصنف مؤشرات أخرى كمشاركة المرأة في سوق العمل وتعليمها كمؤشرات غير مباشرة، وهناك ارتباط بين المؤشرات المباشرة وغير المباشرة في تحسين وضع المرأة وتمكينها كما توضح Niranjan في دراسة لها حول تمكين المرأة في الهند (2008).
تستخدم الأطر السابقة لدراسة وضع المرأة وقياس نسبة تمكينها، وغالبًا ما يركز على مؤشرات الحيز العام من تعليم وصحة وعمل، غير أنه تستحدث مؤشرات أخرى في العديد من الدراسات، ففي دراسة لفريدم هاوس، قام بدراسة التمكين في الدول العربية بناء على خمسة محاور، وهي محور عدم التمييز والحصول على العدالة، ويشمل أسئلة عن الدستور وقوانين الدولة بشكل عام، ومدى اعترافها بأهلية المرأة كشخص أمام القضاء، بالإضافة إلى العديد من الأسئلة الأخرى ذات العلاقة بالقوانين في الدولة. أما القسم الثاني فيتناول الحكم الذاتي والأمن والحرية الشخصية، ويستدل على مدى مساواة المرأة في القوانين وحمايتها من العنف والجرائم، ويتناول القسم الثالث الحقوق الاقتصادية وتساوي الفرص، ويطرح الأسئلة المتعلقة بحرية المرأة في التصرف بممتلكاتها، وحرية استفادتها من كل الفرص الاقتصادية الممكنة في الدولة وقوانين وبيئة العمل، ويعرض القسم الرابع الحقوق السياسية والصوت المدني مشتملاً على مدى حرية المرأة في المشاركة في نشاطات سياسية ومدنية، والانتخابات والتصويت وحصول المرأة على المعلومات العامة وغير ذلك، أما القسم الخامس والأخير فقد كان عن الحقوق الاجتماعية والثقافية، واشتمل على حصول المرأة على الخدمات الصحية والاجتماعية وعلاقة المرأة بالإعلام وغيره.
لقد صمم الاستبيان السابق على نهج اتفاقيات حقوق الإنسان والمواثيق الدولية، وفحصت أوضاع الدول العربية، على أساس هذه الأسئلة، وخرجت الدراسة بتدني وضع المرأة العربية، والحاجة إلى مزيد من العمل نحو إقرار حقوق المرأة جميعها (فريدم هاوس، 2005).
الاهتمام ينصب في الدراسات بتحويل تعريفات التمكين أو المعايير الدولية إلى معايير قياسية ثابتة تعين على فحص وضع النساء ونسبة تمكينهن في المجتمع، أعتقد أن هذه المؤشرات ينقصها اعتماد مؤشرات تمكين المجتمع بشكل عام لتصبح المقارنة أكثر منطقية، وليس المقارنة مع نساء أخريات في مجتمعات أخرى، خاصة أن المقارنة بين وضع الإناث والذكور محدودة، ويوجد فقط في مؤشرات الأمم المتحدة، بالإضافة إلى أن هذه المؤشرات لا تراعي الفروق بين مجموع النساء في المناطق المختلفة (حضر، مدينة، قرية)، أو الفروق العمرية بين النساء.
ناقشت ليلى ألو اللغد عمق المآزق التي تضعنا فيها البحوث الدولية والمؤشرات التي تصاغ الطبقة الوسطى حيال المرأة وتطلعاتها وظروفها اليومية، فكيف تؤثر وجهة النظر هذه في التحليلات الواردة في التقرير (أبو اللغد، 2008)، كانت ليلى أو اللغد تكتب عن تقرير تنمية المرأة العربية الذي صدر في العام 2005، والذي كان غنيًا بالمؤشرات حول وضع المرأة العربية، هذا التوجه الذي وصفته للغة جديدة، وتحويل هم المرأة إلى هم دولي بدل أن كان محليًا قد يكون ذا تأثير خطير ومردود عكسي، كما توضح أبو اللغد في مقالتها، صياغة المؤشرات الدولية المعتمدة على تصور معين قد لا تأخذ بعين الاعتبار المحاولات أو التطورات الوطنية التي تسهم في تحسين وضع المرأة أو تأخر وضعها.
على كثرة الانتقادات التي قد توجه إلى المؤشرات الدولية لتمكين المرأة، هذا لا يمنع الحركات النسوية الوطنية والمفكرات والمفكرين الوطنيين من تشكيل مؤشرات أو التعديل على المؤشرات الموجودة، قد يشكل اقتراح مؤشرات المرحلة الثانية بعد فهم المؤشرات الموجودة دوليًا وحصرها، هذا بفرض وجود حركة نسوية موحدة ومهتمة كفاية بمؤشرات تمكين المرأة المختلفة، ربما قد تكون المؤشرات الوطنية أكثر صدقًا وقدرة على استنباط الواقع وتحليله وبناء مؤشرات على أساس الواقع المحلي.
سيكون من الجيد تبني الحركات النسوية أو المؤسسات النسوية بشكل جماعي لمؤشرات يجري تطويرها محليًا، خاصة لو ربطت المؤسسات أو الحركة النسوية المؤسسة هذه المؤشرات بمشاريعها وأهدافها وعملها وأجندتها الخاصة على المدى البعيد، وتم ضبط العملية من خلال مراقبة وتقييم النتائج والمتغيرات لمؤشرات تمكين المرأة. في الحالة الفلسطينية، قد يكون من الجيد تبني مؤشرات نابعة من ميثاق حقوق المرأة الفلسطينية الذي يعمل عليه حاليًا من قبل عدة جهات، أو ربط الميثاق بمؤشرات محلية وخطة عمل.
منهجيات تحديد اختبار مؤشرات التمكين: أي إطار للأراضي الفلسطينية المحتلة؟
في بحث نشر عام 1988 أعدته خبيرات عربيات (غريب، 1988)، حول المرأة والتنمية الاقتصادية في العالم العربي، مستندات على دراسة حالات من بلدان عربية عديدة، اختيرت عدة مؤشرات لقياس أوضاع المرأة البحرينية وتحسنها، شملت المؤشرات التقليدية، مثل التربية والتعليم ومجالات العمل والإنتاج المختلفة، ومجالات التدريب المهني، غير أنه ضم أيضًا مؤشرًا للعمل التطوعي ونسبة انخراط النساء فيه، هذا المؤشر الذي جاء في خضم مؤشرات أخرى يحمل العديد من المعاني، فهو ينم عن مشاركة المرأة التطوعية والحرة في نشاطات مجتمعية، وينم عن عمق انتمائها إلى مجتمعها ووعيها بمدى أهمية خدمتها له، وهو المؤشر الذي يعطينا فكرة – في حال طبقناه على مثال النساء الفلسطينيات – عن مدى تمكن المرأة الفلسطينية، خاصة في فترة الانتفاضة الشعبية الأولى.
أمثلة عديدة لهذا المؤشر قد تطرح، مثلاً، مدى مشاركة المرأة في المظاهرات أو الفعاليات الوطنية، ومدى اهتمام المرأة بالأنشطة المقاومة للاحتلال، كل نشاط إنساني، خصوصًا ما يعتبر نشاطًا عامًا يصلح لأن يكون مؤشرًا للتمكين النسوي، تعتمد صلاحية ودقة المؤشر إذن على كونه قادرًا على تحسس المجتمع والتعبير عن تغيراته العميقة، خصوصًا فيما يختص بالتغير في العلاقات الأسرية والمجتمعية بين الرجال والنساء، فلا يوجد مؤشر أكثر أهمية من مؤشر أخر، أو مؤشر ثانوي وأخر رئيسي، أعتقد أن المؤشر الأهم هو ذاك القادر على رصد التغير والتعبير عن الاختلاف من فترة زمنية إلى فترة زمنية أخرى.
يتبع المؤشر السياق ويتقيد به بشكل مطلق، ولا يستطيع التملص منه أو اعتباره جامدًا ثابتًا، لذا فمسموحات الرأي وقياس آراء المجتمع حول القضايا أساسية أيضًا للمؤشرات، بالإضافة إلى دقة المسموحات ومهنيتها، وتواليها على فترة زمنية ثابتة، إن المؤشرات الأساسية المطروحة، كالتعليم والعمل والصحة، تتأثر أيضًا بقدرة الدولة على بناء مدارس كافية، وتوفير فرص عمل وعيادات قريبة من التجمعات السكانية، لذا ينصب الجزء الأكبر من المؤشرات على قدرات الدولة وقدرتها على خدمة سكانها بشكل كاف، أعتقد أن المؤشرات يجب أن تصمم بناء على البعد المجتمعي أيضًا، وتولي عناية أكبر لحياة المرأة اليومية وواقعها.
هل اعتمدت مؤشرات تمكينية للمرأة الفلسطينية قبلاً؟ وهل يكفي خلق أطر نسوية حكومية لتمكين المرأة؟ أعتقد أنه يجب خلق إطار لمؤشرات تمكين المرأة تراعي التوافق النسبي وتستجيب للسياق، وتربط بمدة زمنية محددة تشكل أجندة عمل للمهتمين بالمساواة بين الجنسين وتحسين ظروف النساء والرجال الفلسطينيين، أعتقد أن البداية ستكون بتوفير البنى التحتية اللازمة لتمكين الشعب الفلسطيني تحت ظروف الاحتلال وتجاه الاستقلال، يعلمنا السياق الفلسطيني أننا لا نستطيع تجاهل السياسي، عندما ترفع النسويات شعار الشخصي عام، أعتقد أننا يجب أن نرفع شعار “السياسي خاص بنا أيضًا”.
صياغة مؤشرات وطنية فلسطينية مبنية على وثيقة حقوق المرأة والوثائق القانونية الفلسطينية، ومرتبطة بسياقها ومدتها الزمنية، وكذلك توفير البنية التحتية للوصول إلى وضع نستطيع أن نتبنى فيه التمكين – كما عرفته سابقًا – في هذا البحث وعلى مستوياته الثلاثة المختلفة، صحيح أن الأبنية أقل أهمية من البشر، غير أن توفير البنية التحتية للتمكين يوفر فرصًا اقتصادية واحتماليًا عديدة للانفتاح نحو التغيير.
خلاصة:
بدأت بتعريف التمكين في محاولة للتقرب من الواقع الفلسطيني ورؤيته يتغير إلى الأفضل لمصلحة الفلسطينيين، رجالاً ونساء، وعبر التحاور مع العديد من الأدبيات الدولية بعض من المحلية، حاولت التقرب من المفهوم والاستماع إليه مجردًا من الممارسات والبرامج النسائية التي شوهت العديد من الدوافع الذاتية نحو التقدم والتغيير، ووصولاً إلى مؤشرات التمكين التي لم أعرها القدر الكبير من الاهتمام لكونها موجودة بكثرة في الأدبيات، ولم يكن هناك من حاجة لمناقشة كل مؤشر تفصيليًا، لأن ذلك ما قامت به العديد من الأدبيات المحلية، وصولاً إلى خاتمة هذا البحث المكتبي الذي شدد على أهمية السياق على حساب أهمية المؤشر والمصطلحات.
لسنا بالتأكيد في حاجة إلى التمكين لتحسين أو تغيير وضع مجتمعنا ونسائه ورجاله، فالتمكين كلمة أصبحت مهمة في الأدبيات الدولية وجرى ترويجها، ولكن هذا لا يعني أنها تهمنا إلا بالقدر الذي تخصص لها ميزانيات دولية ومحلية وطنية لها، أمر التمكين يتعلق بفحص إمكانات الدولة، ويتعلق بحركة نسوية قوية تراقب وتلعب لمصلحة النساء ضمن حركة مجتمعية أكبر تراقب وتؤدي لمصلحة المجتمع الفلسطيني ككل.
الهوامش:
1 – تشترط نائلة كبير أن تكون الخيارات الاستراتيجية أمام المرأة واضحة ومرئية، لكي تستطيع أن “تتمكن” وهذا الشرط أساسي ويعادل في أهمية وجود الخيار التمكيني نفسه، وكذلك الحصول على هذه الخيارات، وإمكان الحصول عليها للوصول إلى وضع تمكين المرأة: أنظر: Kabeer, 2003.
2 – يتم تداول إطار لمستويات القوة وأشكالها في إطار السعي نحو التمكين: السيطرة على Power over: علاقات القوة من الأعلى إلى الأسفل، تتضمن هذه العلاقات السيادة والهيمنة، وتفترض خاسرًا ورابحًا ضمن مجموعة الرجال والنساء المتنازعة: القدرة على Power to يتعلق هذا المفهوم بامتلاك صلاحية القرار، والقدرة على حل المشكلات: القوة بـ Power with، يركز على المشاركة المجتمعية لكي تصبح النساء قادرات على اتخاذ القرار والوصول إلى مراكز صنع القرار والتأثير فيها، وأخيرًا القدرة الذاتية: الثقة بالنفس والتمكين الذاتي عبر معرفة كيفية تأثير علاقات القوة على حياتهم وتحليل تجاربهم وخبراتهم الحياتية، واكتساب القدرة على التغيير واتخاذ الخطوات الملائمة للتأثير في إطار مجتمعهم الأكبر وصولاً إلى تمكينهن (أنظر: 2006 و Modedale, 2003).
3 – أمارتنيا صن، حائز جائزة نوبل في الاقتصاد لعام 1998، ساهمت أعماله منذ العام 1960 في تطوير نظرية الاختيار الجماعي والقدرات للمواطنين، كما أن أعماله في حقل الاقتصاد والتنمية والمؤشرات الاجتماعية ساهمت بشكل كبير في تحديد شكل تقرير التنمية البشرية الصادر عن برنامج الأمم المتحدة الإنمائي.
4 – الهدف الثالث من أهداف الألفية: نشر المساواة بين الجنسين وتمكين المرأة
Promote gender equilty and empower women
5 – يركز H مارتيا سن في كتابه “التنمية حرية” على أهمية القدرات في عملية زيادة فعالية المرأة وتمكينها، حيث إن التمكين بالنسبة إلى أي فرد مرتبط بقدرته ومرتبط بفعاليته في المجتمع.
6 – تشترط نائلة كبير أن تكون الخيارات التمكينية مرئية وقابلة للتحقق بالنسبة إلى المرأة. راجع revides Realtities, 1994.
7 – تعطي الأولوية للهوية الجنسية الأنثوية عند نقاش الفئة المراد تمكينها في الأدبيات المختلفة، فيكفي أن تكون الفئة من الإناث ليكن هدف التمكين، وتطغي هويتهن الجنسية على كل الهويات الأخرى التي من الممكن أن تحملها النساء كانتماءاتهن السياسية أو العائلية، أو ميولهن أو اعتناقهن أديانًا مختلفة، وفيما عدا بعض الاهتمام بأدوار المرأة المختلفة، خاصة الإنجابية منها، لا تعطي أدبيات التمكين أي مؤشرات بشأن إعطاء الأولوية والحق للنساء في تحديد الهوية التي يرين أنها تصبغ حياتهن، وعلى أساسها يتمكن.
8 – النص الأصلي بالإنجليزية، والترجمة للباحثة.
9 – مثل Zuhur, Kabeer, Mogadam, Mohanty: في أدبياتهم تعاطف خاص مع المرأة المقموعة، وتركيز على المقارنة المخفية بين المرأة في المجتمع الجنوبي والمجتمع الشمالي، ولكل منهن مجال معين في التركيز، وأسلوب خاص في عرض التمكين، فمثلاً، نائلة كبير تكتب للتمكين التنفيذي وجدالات المؤسسات الدولية، أما زهور فهي تركز أكثر علىل الحقوق الجنسية والجسدية للمرأة، من خلال كتاباتهما تشوش هوية النساء ليصبح تمكين المرأة الجنوبية هو جعلها أكثر شبها بصورة المرأة في الشمال.
10 -كارولين رامازانوجلو (89)، اليزابيث سلمان (88)، ودنيس رايلي قمن بمهاجمة فكرة وجود “إجماع عالمي” تعبر عن اضطهاد كل النساء، حيث شددن على الاختلافات بين النساء، مشيرات إلى الصعوبات القائمة أمام تقديم سياسات نسوية إجمالية تحت شعار “مطالبنا نحن النساء”، وبدلاً من النظريات الكبرى حول الاضطهاد الواقع على النساء بدأت الدراسات التاريخية حول التكوين الأنثوي في سياق وفترة محدودين تهمين في مجال دراسات المرأة (الهامش مقتبس من: سارة جامبل، النسوية وما بعد النسوية، 2002).
11 – The expansion in people’s ability to make strategic life choices in a context where this ability was previously denied to them.
12 – Empowerment define as a condition in which women hold or in the process of obtaining educational, legal and political rights that are equivalent or nearly equal to those of male citizen.
13 – النص الأصلي بالإنجليزية، والترجمة للباحثة.
14 – كان سبنسر، وليس داروين، هو الذي أوجد مصطلح “البقاء للأصلح” برغم أن القول ينسب عادة إلى داروين، وقد ساهم سبنسر في ترسيخ مفهوم الارتقاء، وأعطى له أبعادًا اجتماعية، فيما عرف لاحقًا بـ “الدارونية الاجتماعية”.
15 – النص الأصلي بالإنجليزية، والترجمة للباحثة.
16 – راجع:
– Das Gupta, Monica, et all. State policies and women’s autonomy in China, India, and the Republic of Korea 1950-.2000
17 – من النص الأصلي بالإنجليزية، والترجمة للباحثة.
18 – النص الأصلي بالإنجليزية، والترجمة للباحثة.
19 – راجع تقرير البنك الدولي: Voices of the poor, 2000
20 – لمزيد من المعلومات، أنظر: Charmes J. & Wieringa S. (2003).
21 – لمزيد من المعلومات، أنظر الصفحة الالكترونية http://www.measuredhs.com
المراجع:
المراجع باللغة العربية:
-أبو نحلة، لميس وأخريات، تمكين المرأة: بين النظرية والتطبيق على المستوى العالمي والمحلي، معهد دراسات المرأة في جامعة بيرزيت، أبريل 2004.
-أبو اللغد، ليلى (2008)، عم حقوق المرأة في تقرير التنمية الإنسانية العربية لعام 2005: نحو نهوض المرأة في الوطن العربي، الانتشار الدولي للغة جديدة، مجلة المستقبل العربي، العدد 354، أغسطس 2008.
-سعيد، إدوارد، ميشيل فوكو 1927 – 1984، مجلة الكرمل، العدد 15، 1985.
– سعيد إدوارد (2004)، تأملات حول المنفى، دار الآداب.
-كمال، زهيرة، تطوير الالتزام الحكومي تجاه قضايا النوع الاجتماعي: إنجازات وإخفاقات، مركز المرأة العربية للبحوث والتوثيق، كوتر، 2006، (ورقة غير منشورة).
-جامبل، سارة (2002)، النسوية وما بعد النسوية، منشورات المجلس الأعلى للثقافة.
-جارودي، روجيه (1982)، في سبيل ارتقاء المرأة، دار الآداب.
-النساء النوع في الشرق الأوسط الحديث، فصول في التاريخ الاجتماعي، جوديث تاكر ومارجريت مريوذر، ترجمة: أحمد علي بدوي، المشروع القومي للترجمة، المجلس الأعلى للثقافة، 2003.
-جورج طرابيشي، المرأة والاشتراكية، مترجم، دار الآداب، الطبعة الثانية، بيروت، 1973.
-الخطيب، محمد، تمكين النساء، إعادة تفكير في الوصفات الجاهزة، مجلة ينابيع الحياة، العدد 51، أبريل، 2008.
-باورز، جاني، دعم المرأة الفلسطينية، تقرير بحث، اليونسكو، 2003.
-المرنيسي، فاطمة، الخوف من الحداثة، دار الجندي، دمشق، 1994.
-فريدم هاوس (2005)، حقوق المرأة العربية في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، منشورات فريدم هاوس.
-المرأة والتنمية الاقتصادية في العالم العربي، تحرير روز غريب، معهد الدراسات النسائية في العالم العربي، كلية بيروت الجامعية، 1988.
المراجع باللغة الإنجليزية:
-Moghadam, V.M. (2003). Modernizing women: Gender and social change in the Middle East. Second Edition. Colorado: Lynne Rienner Publishers.
-Kabeer, Naila. (2003). Gender equality and women’s empowerment: a critical analysis of the third Millennium Development Goal, handbook for policy makers and other stakeholders. London, Commonwealth Secretariat.
-Galeano, Edwardo. Open Veins of Latin America, Five Centuries of the Pillage of a Continent, Monthly Review Press, the 25 anniversary edition, 1973,1997.
-Moser, A. (2007). Gender and indicators: Overview report. Bridge Bulletin, Iss. 19, August. Brighton: Institute of Development Studies.
-Mosedale, Sarah.(2003) Towards a Framework for Assessing Empowerment, Paper prepared for international conference: New Directions in Impact Assessment for Development: Methods and Practice, Manchester UK, 24 and 25 November 2003.
-Kantor. P. (2003). Women’s empowerment through home-based work: Evidence from India. Development and Change. Vol. 34. No.3.
– Malhotra. A. & M. Mather. (1997). “Do schooling and »x>rl empower women in developing countries? Gender and domestic decisions in Sri Lanka.” Sociological Fomm. Vol. 12, No. 4. pp. 599-630.
-Sally. Gender and Empowerment: Definitions, approaches and implications .Oxaal. Zoe & Baden for policy. Briefing prepared tor the Swedish international Development Agency (Sida). 1997.
-Sen, Anmya. Development as Freedom. Anchor books edition. 2000.
-Moghadam. Valentine. Modernizing Women Gender and Social Change in The Middle Hast. 2cd edition. Lynne Rienner Publishers. 2003-
-Hashimi. Saved, and Schulcr. Sidney. Defining and Styding Empowerment of Women: A research Note from Bangladesh In JSl working papers, No.3. Arlington. Virginia. 1993.
-Ilirschmann.Nancy Revisioning Freedom, Relationships. Context, and Politics of Empowerment. in Revisioning Political. Feminist reconstructions of Traditional concepts in the western political theory. 1996.
-Rathgerber. E. (1989). WID, WAD. GAD: Trends in research and practice. Ottawa: International Development Research Centre.
-Batliwala. S. When rights go wrong: Women in informal employment: Globalizing and organizing, seminar. January 2007.
-Raz.avi. Shahra.and Miller. CuroM l995).Gender Mainsireaming: A study of efforts by the UNDP, the World Bank and the ILO to institutionalize Gender Issues. Occasional Paper 4. August, 1995. United Nations Research Institute for Social Development UNDP.
-Batliwala. Srilatha. Taking the puwer out of empowerment- an experiential account. Development in Practice, Vol.17. No 4-5. August 2007.
-Feminist Post-Development Thought. Rethinking modernity. Postcolonialism & representation. (2002). Edited by Kriemild Saunders. Zed Books.
-Boscnip. Ester. Women’s Role in Economic Development. Allen and Unwin Publications, 1970. Zuhur. Sherira (2003). Women and Empowerment in the Arab World. Arab Studies Quarterly. Vol.25.No.4.
-Mohanty. T. (1987). “Under western eyes: Feminist scholarship and colonial discourse” in The women.gender & development. Duke University Press.
-Batliwala. Srilatha. and Dharnji. Doepa (2007), Gender Myth and Feminist Fables: the Struggle for Interpretive Power in Gender and Development. Development ;tnd Change, Vol.38, Issue I. Pages 1-20.
-Malho«ra. Anju. et all. Measuring Women’s Empowerment as a Variable in International Development”. International Center for Research on Women and the Gender and Development. World Bank Group 2002.
-Sen. Gita and Grown. Caron.( 1985). Dawn. Development. Crisis and Alternative Vision. Third World Women’s Perspective. Development Area with women for new alternatives. New Delhi.
-Aran*. Rao & Kcllehcr, David. Is there Life After Gender Mainstrcaming? Gender and Development VoL13,No-2. July 2005.
•Beteta. Hanny Cueva. What is Missing in Measures of Women’s Empowerment? Journal of Human Development. Vol.7. No.2. July 2006.
•ClvarmcsJ. & Wieringa.S. Measuring Women’s limpowerment: an assessment of the Gender-related Development Irxlex and the Gender Empowerment Measure. Journal of Human Development. Vol.4. No.3. November 2003.
[*] ناشطة في حقوق المرأة – فلسطين.


