إصلاح الأضرار الناتجة من الأعمال الإرهابية وقواعد المسؤولية الإدارية

إعداد

الدكتور/ الدين الجيلاني بوزيد

أستاذ القانون المشارك بقسم القانون العام

كلية الحقوق والعلوم السياسية – جامعة الملك سعود

 

ملخص:

تناولت الدراسة إشكالية واجهت كل الدول التي عانت ظاهرة الجريمة الإرهابية، وهي البحث عن أساس قانوني يدعم مسألة إصلاح الضرر الناتج من الجريمة بوجه عام والجريمة الإرهابية بوجه خاص، فقد حدث تطور مثير في النظرة إلى المجني عليه وظهر علم الضحية واتجه البحث إلى ضرورة إيجاد سند يدعم مساعدة الضحية بصرف النظر عن المسبب في النظر، وظهرت في هذا السياق نظريات عدة أهمها نظرية التضامن الاجتماعي. غير أن هذا التطور لم يصل إلى أساس موحد يسند مبدأ إصلاح الضرر خارج قواعد المسئولية التقليدية. ومع تفاقم ظاهرة الجريمة الإرهابية في أواخر القرن الماضي ظهرت الحاجة إلى ضرورة وضع قواعد لمواجهة الظاهرة والبحث عن سند لإصلاح الأضرار فأصدرت بعض الدول قوانين تحدد شروط وآليات تعويض ضحايا الجرائم الإرهابية، بينما لم تقر كثير من الدول هذا المبدأ حتى الآن.

وبما أن المملكة العربية السعودية عرفت هذه الظاهرة أصبح من الضروري التعامل مع آثارها الضارة في النفس والممتلكات، وبما أن قواعد الشريعة الإسلامية تتسع لإقرار مبدأ إصلاح الضرر، ومن هذه القواعد: لا يطل دم في الإسلام، وبيت المال يتحمل دية ما لا يعرف قاتله، والضرار يزال، نعتقد أنه من الضروري وضع نظام يحدد شروط وآليات إصلاح الأضرار المترتبة على الأعمال الإرهابية والجهة المختصة بالنظر فى الطلبات.

مقدمة:

عرف العالم موجة من أعمال العنف أحدثت الفزع وروعت الآمنين، وتسببت في أضرار جسيمة في الأنفس والممتلكات، ووجد العالم نفسه أمام تحديات ليست سياسية فحسب وإنما اجتماعية أكثر استدعت البحث عن وسائل للوقاية ومعالجة آثارها بجميع انعكاساتها، فقد أضحى الإرهاب ظاهرة اجتماعية تستوجب وضع القواعد تحكمها، واستدعى ذلك للعمل على محاور عدة، الأول معرفة أسباب الظاهرة حتى يمكن التصدى لها والحد من آثارها الضارة، والثانى معالجة آثارها سواء على المستوى الاجتماعى والنفسي أو على المستوى المادي بإصلاح الأضرار المادية التي لحقت الأشخاص والممتلكات.

ولكون هذه الظاهرة تجاوزت الحدود الوطنية، وأصبحت جريمة ضد النظام الدولي ومصالح الشعوب الحيوية وأمن وسلامة البشرية وحقوق وحريات الأفراد الأساسية. بل شكلت تحدياً للمجتمع الدولي وتنظيمه المعاصر، فكان لابد من التعاون الدولي للتصدى لهذه الجريمة، فتم إبرام العديد من الإتفاقيات الدولية إبتداء بإتفاقية لاهاي 1970 (لقمع الاستيلاء غير المشروع على الطائرات) وإتفاقية مونتريال 1971 ثم الإتفاقية الأوربية لمنع الإرهاب 1977، وفي إطار الأمم المتحدة أقرت مجموعة من الإتفاقيات الدولية لمناهضة الإرهاب منها إتفاقية أخذ الرهائن عام 1979 وإتفاقية الأمم المتحدة لقمع الهجمات الإرهابية بالقنابل، التي أقرتها الجمعية العامة بالقرار 52/146 عام 1997 وإتفاقية قمع تمويل الإرهاب التي أقرتها الجمعية العامة بالقرار 54/109 عام 1999، ودخلت حيز التنفيذ سنة 2001 (مايو). كما أوصت الجمعية العامة بأن تضع الأمم المتحدة اتفاقية للتصدي للإرهاب بأشكاله كافة وأنواعه وأن تعمد الدول إلى سن التشريعات الملائمة لمعاقبة مرتكبي هذه الجرائم ([1])

وعلى المستوى الإقليمي أبرمت الإتفاقية العربية لمكافحة الإرهاب فى سنة 1998م، وإتفاقية أخرى في إطار المؤتمر الإسلامي سنة 1999م، وإتفاقية الإتحاد الإفريقي لمنع الإرهاب ومحاربته في الجزائر 1999. ([2])

كما أوصى مؤتمر القمة الاستثنائي الثالث بمكة المكرمة (5-6 ذو القعدة 1426 هـ) بدعم الجهود الرامية إلى وضع مدونة سلوك دولية لمكافحة الإرهاب، وكذلك عقد مؤتمر دولي أو دورة خاصة للجمعية العامة للأمم المتحدة لتأكيد التوافق الدولي على وضع استراتيجية متكاملة لمكافحة هذه الظاهرة الخطيرة.

وكانت جهود المملكة العربية السعودية، من منطلق الشرع الحنيف الذي نهى عن الإفساد في الأرض قال تعالى (وَإِذَا تَوَلَّى سَعَى فِي الْأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيهَا وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الْفَسَادَ) البقرة:205.

فقد كان دور المملكة بارزاً وفعالاً في بلورة أحكام الإتفاقية العربية لمكافحة الإرهاب فى مؤتمر القاهرة 1998 وقد انضمت المملكة إلى خمس عشرة إتفاقية دولية تتصل بالإرهاب وتدابير معالجته من أهمها الإتفاقية الدولية لقمع تمويل الإرهاب المعتمدة من الجمعية العامة للأمم المتحدة في 9/12/1999م، كما صادقت المملكة على الإتفاقية العربية لمكافحة الإرهاب في 22/4/1998م، وكذا معاهدة المؤتمر الإسلامى لمكافحة الإرهاب ببوركينا فاسو في 2/7/1999م، وإتفاقية الوحدة الإفريقية لمنع الإرهاب ومكافحته والمعتمدة بالجزائر 14/7/1999م، بالإضافة إلى الإتفاقية الأمنية بين دول مجلس التعاون الخليجي لمكافحة الإرهاب التي تم التوقيع عليها بالرياض 1424هـ (التركى، 1425 هـ).

والملاحظة العامة على هذه الإتفاقيات ([3]) والقوانين الوطنية وإن عالجت سبل الوقاية من الجريمة الإرهابية وتحديد الإجراءات الواجب إتباعها لمواجهة الأعمال الإرهابية ومحاكمة مرتكبيها، لكن الكثير منها لم تتضمن أحكاماً تتكفل بضحايا الجريمة الإرهابية ([4]) .

ودون الخوض في إشكالية تعريف الجريمة الإرهابية ([5]) والتي مازالت تشكل نقطة ضعف في مواجهة الظاهرة نؤكد أن الجريمة الإرهابية هي نوع من العنف تقترن بالرغبة في إحداث الذعر والترويع، وأكتفى هنا بتعريف مجمع الفقه الإسلامي برابطة العالم الإسلامى الذي عرف الإرهاب بأنه “العدوان الذي يمارسه أفراد أو جماعات أو دول، بغياً على الإنسان: في دينه ودمه وعقله وماله وعرضه. ويشمل صنوف التخويف والأذى والتهديد والقتل بغير حق، وما يتصل بصور الحرابة وإخافة السبيل وقطع الطريق. وكل فعل من أفعال العنف أو التهديد، يقع تنفيذاً لمشروع إجرامي فردي أو جماعي، يهدف إلى إلقاء الرعب بين الناس أو ترويعهم بإيذائهم وتعريض حياتهم أو حريتهم أو أمنهم أو أحوالهم للخطر. ومن صنوفه إلحاق الضرر بالبيئة أو بإحدى المرافق أو الأملاك العامة أو الخاصة، أو تعريض أحد الموارد الوطنية أو الطبيعية للخطر. فكل ذلك من صور الفساد في الأرض التي نهى الله سبحانه وتعالى عنها (وَلَا تَبْغِ الْفَسَادَ فِي الْأَرْضِ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ) (القصص:77).

وبما أن موضوعي هو “إصلاح الأضرار الناتجة من الجريمة الإرهابية” سأكتفي ببيان أحكام المسئولية التقليدية، وبيان مدى إمكانية إسناد مسؤولية الأضرار التي يخلفها الفعل الإرهابي إلى سند يمكن الضحية من الحصول على مساعدة تخفف من معانات الضحايا، فالجريمة الإرهابية يرتكبها شخص، أو عدة أشخاص غير معروفين عادة، وتدل الإحصاءات على أن أغلب الجرائم الإرهابية لا يمكن تحديد المسؤول عنها، كما أن تطور وسائل الجريمة ساعد على إرتكاب الجريمة دون التواجد في مسرح الجريمة، ما يجعل هذا النوع من الجرائم بلا مسؤول معروف، وحتى مع معرفة الفاعل فهو في الغالب غير قادر على تعويض الأضرار الناجمة عن العمل الإرهابي.

مشكلة الدراسة

يثير إصلاح الضرر الناتج من الجريمة الإرهابية إشكالية الأساس القانوني أو الشرعي الذي يمكن أن يؤسس عليه المتضرر دعواه في المطالبة بإصلاح الضرر، فقواعد المسئولية التقليدية تشترط إرتباط الضرر بالنشاط العام سواء على أساس الخطأ أو المخاطر، بينما في الجريمة الإرهابية فالضرر قد لا يتصل بالنشاط العام ومن ثم لا يمكن إثارة مسؤولية الدولة كأصل عام، ما يستوجب البحث عن أساس آخر لإسناد مبدأ إصلاح الضرر في هذا النوع من الجرائم، خاصة أنه تسبب في أضرار جسيمة طالت الأرواح والممتلكات.

أهداف الدراسة

تهدف هذه الدراسة إلى تحقيق الأهداف الآتية:

  • استعراض الأسس التقليدية لمسؤولية الدولة.
  • دراسة التطورات التى لحقت اسس مسؤولية الدولة.
  • بيان أساس إصلاح الضرر في الجريمة الإرهابية.
  • دراسة النظريات المختلفة التي أسندت إصلاح الضرر بصرف النظر عن المتسبب في إحداثه.
  • أساس إصلاح الضرر في الفقه الإسلامي.
  • الوضع في المملكة وموقف المنظم السعودى.

أهمية الدراسة

تكمن أهمية الدراسة في تحديد الأساس الذي يمكن أن يساعد المتضررين من الجريمة الإرهابية في طلب إصلاح الضرر، خاصة في جرائم الأموال علماً أن الكثير من الدول، ومنها المملكة حتى الآن، لم تضع نظاماً يمكن الاستناد إليه لتقرير مثل هذا التعويض.

تساؤلات الدراسة

  • هل يمكن ربط أضرار الجريمة الإرهابية بالنشاط العام على أساس الخطأ المرفقي لتقصير الدولة فى حفظ الأمن؟
  • هل يمكن استناد إصلاح الضرر الناتج من الجريمة الإرهابية إلى قواعد المسؤولية التقليدية؟
  • ما الأساس الذي يمكن أن يدعم المطالبة بإصلاح أضرار الجريمة الإرهابية؟
  • هل يمكن أن نجد سنداً لإصلاح الضرر المترتب على الجريمة الإرهابية في الشريعة الإسلامية والنظام السعودي؟

منهجية البحث

اعتمد الباحث في هذه الدراسة المنهج الوصفي التحليلي للمبادئ والنظريات وبعض القوانين التي أقرت إصلاح الضرر المترتب على الجريمة الإرهابية.

خطة البحث

قسمت البحث إلى ثلاثة مباحث: تعرضت في المبحث الأول إلى أساس المسؤولية التقليدية للدولة، وفي المبحث الثاني بينت التطورات الحديثة في إصلاح الضرر، وفي المبحث الثالث تعرضت للوضع في النظام السعودي. وخاتمة بيّنت فيها أهم النتائج والتوصيات.

المبحث الأول: أساس المسؤولية التقليدية للدولة:

لقد أصبح من أهم واجبات الدولة الحديثة توفير الأمن للمواطن وحمايته من الجريمة بوسائل كافة، بل أصبح من واجب الدولة تعويض ضحايا الجريمة الذين حالت الظروف دون تعويض من الجاني، لإعساره أو كونه غير معروف؛ فالتعويض في مفهومه الحديث أصبح يستند إلى مبدأ المساواة أمام الأعباء العامة وما يترتب على ذلك من إحساس الضحية بالعدل.

ونشير هنا إلى أن مسؤولية الدولة، في الغرب، وعلى خلاف المسؤولية الفردية، لم يكن مسلماً بها، وتم الاعتراف بمسؤولية الدولة على مراحل تاريخية ([6])، ويعزي هذا التطور، في مجال وأساس المسؤولية، إلى تغيير النظرة إلى أطراف العلاقة في المسؤولية، ففي البداية كان ينظر إلى مسؤولية الدولة بنوع من التردد والريبة، وزكي هذا الاتجاه، النظرية التي كانت ترى أن الخطأ هو دائما خطأ الشخص الطبيعي، واعتبر شرط الآدمية من شروط المسؤولية، وبعد الاعتراف بمسؤولية الدولة وفق ضوابط معينة تحول الاهتمام إلى المتضرر، واقتضى ذلك تحولاُ في أساس المسؤولية فلم يعد الخطأ كافياً لتغطية جميع صور المسؤولية، فظهرت نظرية المخاطر، ثم تبلورت بموازاتها نظريات أخرى أهمها مبدأ المساواة أما الأعباء العامة (بوزيد، 1425)، (Viney, 1990)، (Szabo, 1981).

غير أن التطور في مجال إصلاح الضرر تجاوز هذه الأسس كلها وبدأ البحث عن أساس يمكن أن يستند إليه تعويض المتضرر خارج أركان المسؤولية التقليدية وحل مصطلح الضحية محل مصطلح المضرور أو المتضرر، ويرجع ذلك إلى تحول نظام المسؤولية جزئياُ من نظام قانوني إلى نظام أخلاقي، ومن مبدأ الفردية إلى اجتماعية المخاطر.. ويتجه العمل في العصر الحديث على التوسع في المسؤولية إلى محاور عدة، ليغطي أكبر قدر ممكن من الأضرار؛ فهناك اتجاه للتوسع في فكرة الخطأ وابتداع أنواع جديدة من الخطأ فظهرت فكرة الخطأ المفترض ومبدأ المسؤولية الموضوعية، ويوازي هذا الاتجاه سعي إلى التضييق من أسباب الإعفاء من المسؤولية، ومحاولة تأسيس المسؤولية على أساس اجتماعي بدلاً من الأخلاقي. (عبدالسلام،1990).

لقد أصبح التعويض من مسؤولية الكيان الاجتماعي الذي يتدخل عن طريق الأنظمة الاجتماعية أو الذمم الجماعية، وأدى هذا إلى تنوع صور العلاقة بين المضرور وتلك الأنظمة، على أن تدخل ذمة الجماعة في علاقة التعويض بين المسئول والمضرور، إنما يتم لحماية المضرور قبل كل شئ، ولا يستند إلى فكرة الخطأ أو الذنب الأخلاقي. غير أن هذا التحول كان في حاجة إلى أساس قانوني يستند إليه مبدأ تحمل الدولة عبء التعويض عن الجريمة عامة والجريمة الإرهابية خاصة.

لم تقر التشريعات الغربية حق ضحايا الجريمة في التعويض إلا ابتداء من منتصف القرن العشرين([7])، وعندما تفشت جرائم الإرهاب فتح النقاش من جديد حول مصير ضحاياها وظهرت الحاجة إلى إصدار قوانين جديدة تعالج الظاهرة.

المطلب الأول: الخطأ المرفقي باعتباره ركنا في المسؤولية التقليدية

لقد قامت المسؤولية التقليدية على ثلاثة أركان وهي: الخطأ، والضرر، وعلاقة السببية، وبعد التوسع والتطور الذي عدل في أركان المسؤولية أصبحت المسؤولية في مجالات معينة مبنية على ركنين فقط وهما الضرر وعلاقة السببية بين الضرر والفعل الضار (العام) المولد للضرر. (سلامة، 1989).

وحتى يتحمل الضرر الشخص العام (الدولة) التعويض لابد من إثبات العلاقة بين نشاطه، والضرر سواء كان ذلك ناتجاً من الخطأ المرفقي أو الخطأ المفترض (المخاطر).

والسؤال هو هل يمن اعتبار حدوث العمل الإرهابي نتيجة خطأ مرفقي، أي يستند إلى المسؤولية التقصيرية للدولة؟ وهل يمكن مساءلة الدولة دون خطأ عن حدوث الفعل الإرهابي أو ما يسمى بالمسؤولية الموضوعية استناداً إلى الضرر فقط؟ (الزرقد، 1418هـ).

ويجب أن نشير هنا إلي أننا في هذا البحث لن نتعرض لقواعد تعويض المتضررين من الجريمة بوجه عام, بل سنقصر يحثنا علي الجريمة الإرهابية. ([8])

إن أساس المسوؤلية التقليدية, سواء في المسوؤلية دون خطأ أو المسوؤلية الموضوعية, يبدو مشكوكا في صلاحيته لإسناد المسئولية عن الأعمال الإرهابية, ففي النظرية التقليدية لابد أن تكون هناك صلة بين الضرر والنشاط العام فإذا انعدمت فلا مجال للكلام عن مسئولية الشخص العام أو الدولة

لقد قامت المسؤولية في البداية على أساس الخطأ”, والذي يهمنا هنا هو الخطأ المرفقى الذي ينسب في التقصير إلى الشخص العام أي الدولة; فهل يمكن اعتبار حدوث الأعمال الإرهابية نوعا من الخطأ المرافقى الذي يمكن أن تحرك المسؤولية الدولة ؟ قبل الإجابة عن هذا السؤال نعرف الخطى.

لقد كان هناك خلاف كبير بين فقه القانون حول الإقرار بوجود الخطأ المرافقى ثم تعريفه ,وهل يمكن أن ينسب إلى الشخصي الاعتبار الخطأ ؟ ومال الحدود الفاصلة بينه وبين الخطأ الشخصي؟ (الطائي, 1999).

في مجال المسوؤلية المدنية استقر العمل علي إمكانية نسبة الخطأ إلي الشخص الاعتباري, علي عكس الجانب الجنائي الذي تأخر كثيراً حتى نهاية القرن العشرين (عبد اللطيف,2000), وتم إقرار المسئولية الجنائية للأشخاص العامة (العامة أو الخاصة) عدا الدولة.

تعريف الخطأ المرفقي:

يعرف الخطأ بصفة عامة بأنه ” الإخلال بالتزام قانوني”, غير أن تعريف الخطأ المرفقي لم يكن سهلاً وتنبع الإشكالية من أن الذي يتصرف بأسم الشخص الاعتباري ويصدر منه السلوك الموجب للمسوؤلية وهو دائما الشخص الطبيعي وعليه لا بد من رسم الحدود بين الخطأ الذي ينسب إلي الشخص الطبيعي ( الموظف) أو الخطأ الشخصي والخطأ الذي ينسب إلي الشخص الاعتباري.

لقد كانت هناك محاولات عدة لتعريف كلاٌ من الخطأ الشخصي والخطأ المرفقي ونكتفي بهذا الصدد بالحديث عن الخطأ المرفقي .( قاسم, 1408هـ).

  • يعد الخطأ مرفقيا إذا كان الموظف يعتقد انه يؤدي وظيفته وقت ارتكاب الخطأ, ويعد الخطأ شخصياً إذا كان الموظف يستعين بالوظيفة كأداة لتحقيق خطئه.
  • معيار الغاية: حسب هذا المعيار يكون الخطأ مرفقيا إذا كان الموظف يهدف إلي تحقيق هدف أو غرض مشروع من الإغراض التي تدخل في اختصاصات الوظيفة.
  • يكون الخطأ مرفقيا إذا كان مرتبطاً مادياً وذهنياً بالمرفق العام.
  • معيار لافيير هو الخطأ غير المطبوع بطابع شخصي الذي ينبئ عن موظف عرضة للخطأ والصواب لا عن إنسان بضعفه وشهواته, وهو الذي لا يزيد عن المخاطر العادية أو الذي يرتكب بحسن نية.
  • هو الإخلال غير المنفصل مادياً أو معنوياً عن ممارسة أعمال الوظيفة.

وما نلاحظه علي هذه المعايير أنها حاولت حدود فاصلة بين الخطأ الشخصي والخطأ المرفقي, ولكنها لم تفلح, وترك الأمر لتقدير القاضي وله أن يستعين بهذه المعايير فيما يراه منصفاً.

وما ينبغي التنبيه إليه أن الشخص الاعتباري, من حيث المبدأ, لا يملك إرادة واعية ولا يمكن أن ينسب إليه الخطأ, كما أن الوظيفة هي مجموعة اختصاصات يحددها القانون والموظف العام عندما يتصرف في حدود هذه الاختصاصات فلا مسوؤلية عليه ولا خطأ, لكنه إذا خرج عن هذه الاختصاصات فيعد ذلك خطأ منه يستوجب مسوؤليته الشخصية. كما يمكن أن يتحمل المرفق العام مسوؤلية التعويض إذا كان الفعل الضار بواسطة وسائل المرفق العام. ([9])

لكن الأمر ليس دائما بهذه البساطة, فكثيراً ما يتصرف الموظف بناء علي اجتهاد منه في غياب النص وتقديراً منه أن ذلك من مقتضيات وظيفته, ويخدم المصلحة العامة,كما أنه يصعب أحياناً تحديد مرتكب الفعل, وهو ما يعرف بالأخطاء الوظيفية المجهولة ويطلق عليها أيضاً خطأ المرفق. وأحياناً أخري المرفق نفسه قد لا يوفر ما يلزم لأداء الخدمة المطلوبة ولا ينسب التقصير إلي الموظف بل للمرفق كمرفق الصحة والدفاع المدني.. وبعبارة أخري أن إمكانية فصل خطا الموظف عن خطأ المرفق من الأمور الدقيقة والصعبة, وللخروج من هذه الإشكالية استقر عمل الفقه والقضاء علي ما يلي:

أولاً: وضع صور يكاد يكون الإجماع علي انها تمثل حالات الخطأ المرفقي.

ثانياً: يمكن أن يشترك الخطآن في إحداث الضرر ويترك للقاضي سلطة تحديد نسبة المشاركة.

ثالثاً: يمكن تحريك الدعوى علي الشخص الاعتباري لضمان تعويض التضحية, وعلي هذا الأخير الرجوع علي الموظف في حالة ثبوت خطئه. وسنتعرض لهذه العناصر بنوع من التفصيل.

المطلب الثاني: صور الخطأ المرفقي

يكون الخطأ مرفقياً إذا نسب فيه الخطأ إلي الشخص الاعتباري, المرفق العام, غير أن الفقه لم يفلح في تحديد معيار للخطأ المرفقي فعمد إلي تحديد صور يكمن القول فيها أن الخطأ يرجع للمرفق, وهي:

  • سوء قيام المرفق بالخدمة: والصورة هنا أن المرفق أدي الخدمة لكنها علي وجه سيئ مما تسبب في ضرر للغير, ومن المؤكد أن الموظف أدي الخدمة عن طريق موظفيه وبسلوك إيجابي, ويرجع ذلك في كثير من الأحيان إلي التنظيم السيئ للمرفق مثل: إصابة شخص بعيار ناري أثناء مطاردة الشرطة لأحد المجرمين, وإهمال حراسة حيوانات تابعة للإدارة, واعتقال أحد المواطنين دون استصدار قرار بذلك, وعدم فاعلية أدوات مرفق مكافحة الحرائق.

كما أن التنظيم لا يشمل الأعمال المادية فقط بل أيضاً الأعمال القانونية فعدم مشروعية الأعمال الإدارية تشكل أبرز الأخطاء المرفقية التي يمكن أن تحرك دعوي المسوؤلية ضد الجهة الإدارية.

  • عدم قيام المرفق بالخدمة: في هذه الصورة ينسب إلي المرفق عدم أداء الخدمة, والفرض هنا أن النظام يلزم المرفق بأداء الخدمة, ولا تتمتع الإدارة بأي سلطة تقديريه, كما أن عدم الأداء لا يرجع إلي  امتناع الموظف فحسب, وإنما إلي عدم تقديم الخدمة, من ذلك الامتناع عن تنفيذ الأحكام القضائية, وعدم التدخل للقبض علي شخص مختل عقلياً رغم إخطار الإدارة بحالة الشخص, وإهمال الإدارة في إصلاح طريق عام أو وضع الإشارة اللازمة, ورفض تجديد رخصة.
  • تأخر قيام المرفق بالخدمة: المرفق يتباطأ في أداء الخدمة ولا يقصد بذلك تأخر الإدارة عن تقديم الخدمة في الموعد المحدد لها; فهذه الصورة تندرج في الصورة الأولي- المرفق لا يؤد الخدمة- وإنما يقصد بها الحالات التي لا تكون الإدارة مقيدة بموعد محدد في أداء خدماتها ولكنها تتأخر كثيراً دون مبرر. فمن المعروف أن اختيار الوقت لتدخل الإدارة أو أداء الخدمة فى خارج الحالات التى يحددها المنظم للأدارة ميعادا معينا لأدائها يعد من اوضح عناصر السلطة التقديرية للإدارة, فلا يمكن كقاعدة عامة أن يتخذ منه سبباً لإلغاء, إلا انه مع ذلك وحرصاً من القضاء علي حماية حقوق الأفراد اتجه إلي إخضاع هذا الجانب لرقابته في مجال قضاء الإلغاء وقرر مسئولية الدولة إذا ما أبطأت في أداء الخدمة أكثر من اللازم دون مبرر. ومعني ذلك أن القضاء أجاز لنفسه في قضاء التعويض مالا يملكه في قضاء الإلغاء. ونشير في الأخير إلي أن القاضي هو الذي يضطلع برسم حدود صور الخطأ المرفقي.

من الأمثلة التي عرفها القضاء: تطلع قاصر في القوات المسلحة دون الحصول علي موافقة والده, فرفع الوالد تظلماً إلي الوزير المختص يطلب فيه إبطال تطوع ابنه, وتأخر النظر في الطلب ثم صدر الأمر بتسريح الشارب بعد نحو ثلاثة أشهر كان الشاب قد لقي حتفه في إحدى المعارك.

ومن ذلك أيضاً تأخر مرفق الدفاع المدني؛ ما أدي إلي انتشار الحريق في المباني المجاورة, وتأخر المستشفي في إجراء العمل العلاجي اللازم في الوقت المناسب.

ومن التطبيقات أيضاً:تأخر توزيع البريد, والتأخر في تنفيذ حكم قضائي.

وقد وردت الإشارة إلي الخطأ المرفقي في النظام السعودي في الفقرة الرابعة من الأمر السامي 17/32780 الصادر في 18/7/1402هـ الذي حدد الحالات التي تدفع فيها الدية من بيت المال فجاء فيه” إذا تربت الدية نتيجة خطأ الإمام او الحاكم أو غيرهما من ولاة الأمور من مباشرة عمل مكلف به”. وخطأ الإمام هنا هو خطأ مرفقي.

إن محاولة التفرقة بين الخطأ الشخصي والخطأ المرفقي لم تفض إلي رسم حدود واضحة بين الخطأين (1408 هـ), وانعكس هذا علي المتضرر الذي يجب عليه معرفة هذه الحدود حتى يتسنى له مطالبة المتسبب في الضرر أمام الجهة القضائية المختصة, غير أن الاجتهاد القضائي انتهي إلي التسليم بإمكانية اشتراك الخطأين في إحداث الضرر, ويصبح بإمكان المتضرر متابعة الإدارة, التي لها أن ترجع علي الموظف. ويتمتع القاضي بسلطة تقديرية في تحديد نسبة المشاركة بين الخطأين. ومن أبرز هذه الأمثلة حوادث السيارات التابعة للمرافق العامة والتي يخرج فيها السائقين عن المسار المعتادة.

والمتتبع للمسلك القضائي يلاحظ أنه سعي دائماً إلي حماية المتضرر فاعتبر الخطأ مرفقياً كلما أمكنه إدخال في صورة من صور الخطأ المرفقي, فإذا لم يكن ذلك ممكناً بحث عن أدني رابطة بين الخطأ والوظيفة لكي يقحم الإدارة ويشركها في تحمل التعويض, ولم يحمل الموظف عبء التعويض بمفرده إلا في الحالات التي يكون فيها خطؤه منبت الصلة بالوظيفة أو بنشاط المرفق.

ومهما كان الأساس الذي تقررت بموجبه مسوؤلية الإدارة لابد أن تتوافر في الضرر بعض الخصائص:

  1. يجب أن يكون الضرر مؤكداً, ويعني هذا استبعاد الضرر المحتمل, وكل تصرف أو واقعة لا تمس بالمركز القانوني- كأبداء الرأي- هذا لا يعني استبعاد الضرر المستقبلي إذا كان مؤكداً كحرمان موظف من الترقية.
  2. أن يكون مباشراً: أي نتيجة مباشرة للفعل الضار, أي إثبات علاقة السببيةويكون الضرر مباشرا اذا كان نتيجة مباشرة لفعل الادارة ودون ان يتوسط بينها فعل اخر او هو ما يكون نتيجة اتصال الة التلف بمحله.
  3. أن يكون الضرر شخصياً:القاعدة انه لا يحق لغير المتضرر طلب التعويض, غير أن مفهوم المتضرر يتسع أحياناً; ليشمل أشخاصاً غير شخص المتضرر ففي حالة التعدي علي العقارات قد يكون المتضرر إلي جانب المالك صاحب الحق العيني كالمرتهن والمستأجر, وفي حالة الأضرار التي تقع علي الأشخاص يطرح موضوع ما يعرف بالضرر المنعكس أي عندما يتعدي أثر الضرر إلي الغير (قرابة المقتول).
  4. أن يقع علي حق أو مصلحة مشروعة؛ فلا يمكن طلب التعويض عن الأضرار التي لا تتوافر لها الحماية القانونية, والمشروعية هنا ترد علي المحل الذي وقع عليه الاعتداء ولا عبرة بمشروعية سلوك الإدارة المولد للضرر. فلا تعويض للمغتصب عن حرمانه من المال المغتصب ولا تعويض للمشارك في الجريمة عن الإضرار التي تصيبه.
  5. بالإضافة إلي الشروط السابقة يجب أن يكون الضرر قابلاً للتقويم بالمال, وقد أثار هذا الشرط كثيرا من الخلاف فيما يتعلق بالتعويض عن الضرر الأدبي لعدم قابليته للتقويم بالمال.

تعد الشروط السابقة في الضرر شروطاً عامة في جميع أنواع المسوؤلية, غير أن مسوؤلية الإدارة, وبخاصة الموضوعية, تتطلب شروطاً خاصة في الضرر من ذلك أن يكون الضرر غير عادي يشكل عبئاً خاضاً يتحمله المتضرر دون باقي المنتفعين.

كما يجب أن يكون الضرر خاصاً أي أصاب شخصاً أو عدداً محدوداً من الأفراد يمكن تحديدهم اسمياً, ولا تعويض عن الضرر الذي يجب أن يتحمله الجميع, علما أن هذا الشرط طبق بمناسبة طلبات التعويض عن القوانين( الأنظمة) والمعاهدات.

بعد هذا العرض لصور الخطأ المرفقي وشروط الضرر في المسوؤلية الإدارية نؤكد أن، كل صور الخطأ المرفقي تستوحب توافر الشروط التالية:

الأول: أن يكون الضرر ناتجاً عن نشاط المرفق العام, وبمفهوم المخالفة لا مسوؤلية للدولة عن الأضرار التي يتسبب فيها الأفراد لبعضهم بعضاً في إطار قواعد المسوؤلية التقليدية.

ثانياً: علاقة السببية بين الضرر ونشاط المرفق العام.

وصلة الضرر بالمرفق لا تعني أن يكون الضرر ناتجا من فعل إيجابي, وإنما قد يكون عن سلوك سلبي؛ فعدم قيام المرفق العام بالخدمة أ, تنظيمه السيئ أو تباطئه, كما أشرنا يمكن أن يشكل خطأ مرفقياً يمكن أن يحرك مسوؤلية الدولة علي أساس الخطأ المرفقي.

قد تتحرك مسوؤلية الدولة بسبب نشاط الأجهزة المختصة عن مكافحة الجريمة الإرهابية, وتتحمل التعويض علي أساس المخاطر إذا ثبت أن الضرر كان نتيجة نشاط الأجهزة المذكورة, كأن يصاب شخص بعيار ناري أثناء المطاردة أو يتم تفجير بيت يختبئ فيه الجناة, أو استعمال غازات تؤدى إلى وفاة البعض بسبب الاختناق (مسرح موسكو), كما يشمل ذالك المتعاونين مع رجال الأمن في مكافحة الجريمة الإرهابية, وكذالك رجل الأمن.

ونؤكد هنا أن جميع الأضرار المرتبطة بالنشاط العام يمكن أن تجد سندها في مبدأ المساواة بين الأعباء العامة, (سلامة 1989) و(الفقي, 1988) سواء كان النشاط مشروع أو غير مشروع وهذا ما أكده ديوان المظالم في احد أحكامه “……… إذ أن أمر الإمارة مشروع ويحقق المصالحة فلا خطئ فية وإنما يقوم على أساس من مبدأادارى اخر اعم واشمل من مبدأ المسؤولية على اساس الخطأ هو مبدأ المساواة بين الأفراد أمام التكاليف العامة”.([10])

والخلاصة أن الضرر الناتج من النشاط العام, أو نشاط الأجهزة المكلفة بمكافحة الإرهاب, لا يثير إشكالاً في التعويض عنه سواء أكان ذلك علي أساس الخطأ أو المخاطر, ولكن الإشكالية الكبيرة هي في الأضرار التي تتولد عن الجريمة الإرهابية ذاتها كأعمال القتل والتفجير وإتلاف الممتلكات العامة والخاصة, فمن المسوؤل عن هذه الأضرار؟ هذا ما سنتعرض له في المبحث الثاني. ([11])

المبحث الثاني: التطورات الحديثة في إصلاح الضرر

لقد لحقت وظائف الدولة تحولات تجاوزت الوظائف التقليدية كما تجاوزت الأسس التقليدية لمسوؤلية الإدارة, ساعد علي ذلك توجه الاهتمام إلي المتضرر أو ما عرف في القانون الجنائي بعلم الضحية ( المجني عليه). وينصب هذا الاهتمام الجديد علي دراسة المركز القانوني للضحية أو المتضرر وتحديد مركزه بالنسبة للدولة بصرف النظر عن المتسبب في الضرر, وأستوجب هذا التحول إعطاء حقوق للمتضرر لا ترتبط بمبدأ المسئولية بالمفهوم التقليدي, حيث لم يعد ينظر إلي الضرر علي أنه مجرد عنصر أو ركن في المسئولية وإنما ينظر إلي وجوب رفع الضرر عن المضرور بصرف النظر عن مصدره, وأصبح موضوع إصلاح الضرر مستقلاً عن المسئولية (بوزيد, 1418). وأصبحت القوانين تركز أكثر علي حق الضحية في إصلاح الضرر وهو الأمر الذي أحدث انقلاباً في قواعد الالتزامات علي ضوء التطورات التي أحدثها قانون التأمين والنظر إلي الضرر علي أنه مسوؤلية المجتمع ( socialisation du risqué); ما أدي إلي ظهور نظام مختلط يجمع بين التامين والتضامن الاجتماعي(BERNARD.2008;GHILIAINE.2003)

غير أن هذا التحول مازال يواجه بعض الصعوبات, فتحمل الدولة مسوؤلية إصلاح الأضرار التي تلحق افراد المجتمع لابد ان يستند الى اساس موضوعي يبررها كما ان امكانيات الدولة قد لا تكفى وتعجز عن تحمل اعباء كل الاضرار التى يمكن أن تصيب الأفراد, وكمرحلة أولي ظهرت صناديق الضمان بديلاً مؤقتاً عند عجز المتسبب في الضر رعن دفع التعويض.

وقد كان منطلق التحول الجديد فكرة اعتبار حصول الضرر الحاصل لأحد أفراد المجتمع مشكلة اجتماعية تستدعي البحث عن آليات لمساعدة المتضرر, وهذا ليس بدعاً من الأمر فقد تقرر في كثير من البلدان مساعدة من هذا النوع, منها مساعدة العاجزين عن العمل وضحايا الجريمة وفق ضوابط معينة, وضحايا الكوارث الطبيعية .. وفي غياب السند النظري سلكت بعض الدول الطريق الأسهل وهو طريق وضع قواعد تشريعية تقرر مساعدة للمتضررين وفق ضوابط خاصة.

وقد اعتبرت الجريمة الإرهابية أشد الجرائم الجنائية خطورة, وذلك لسببين:

من ناحية القصد الخاص الذي هو إحداث الذعر والترويع والإخلال بأمن المجتمع, وليس كالجريمة العادية التي يقف ضررها عند فرد أو عدد محدود من الأفراد, ومن ناحية الأضرار التي تخلفها الجريمة فقد طالت الممتلكات العامة والخاصة.. ونظراً لهذه الأسباب لم يكن من الممكن تطبيق, الأحكام الخاصة بالتعويض عن الجرائم العادية, أو ما عرف بجرائم العنف, علي أضرار الجريمة الإرهابية وهو الأمر الذي دفع بالدول إلى إصدار تشريعات خاصة بالتعويض عن الجريمة الإرهابية. ([12])

المطلب الأول: الأساس النظري لتعويض ضحايا الجريمة الإرهابية

أثار مبدا تعويض ضحايا الجريمة عموما وضحايا الجريمة الارهابية خصوصاُ, جدلاً واسعاً في الأوساط الفقهية حول الأساس الذي يستند إليه, وواجهت الدول التي عانت هذه الظاهرة مصاعب جمة في معالجة آثار الظاهرة سواء علي الأشخاص أو الممتلكات.

أولاً: النظريات الفقهية

ذهب جانب من الفقه إلي إنكار التزام الدولة بتعويض ضحايا الجريمة بوجه عام وبرروا ذلك بحجج عدة منها:

  • أن نظام المسوؤلية الشخصية للجاني يكفي لحماية المتضرر, بالإضافة إلي ما تقدمه نظم التأمينات من تعويض نقدي.
  • أن تقرير مسئولية الدولة حسب هذا الرأي من شأنه التميز بين الضحايا؛ فهناك ضحايا الكوارث الطبيعية وضحايا الأمراض الفتاكة, فلا مبرر لتميز ضحايا الجريمة الإرهابية بأحكام خاصة؛ فشبكة الحماية الاجتماعية كفيلة بمساعدة هؤلاء المتضررين كغيرهم.
  • التزام الدولة التعويض من شأنه أن يؤدي إلي إهدار المسئولية الفردية وشخصية العقوبة, كما يمكن أن يقلل من حرص الضحايا لمنع الجريمة أو التعاون مع أجهزة الدولة في التبليغ عن المجرم.
  • إثقال ميزانية الدولة بأعباء أخري تضاف إلي تلك التي خصصتها للوقاية من الجريمة ذاتها; ما قد يجعل الدولة عاجزة عن التعامل مع الجريمة بشكل فعال.

غير أن حجج أصحاب هذا الاتجاه تبدو غير مقنعة؛ لأنها تتجاهل المتضرر من الجريمة, الذي لم يستطع الحصول علي إصلاح للضرر سواء كان ذلك لعدم معرفة الجاني أو عدم مسوؤليته أو كان السبب كوارث طبعيه. ثم إن بعض الدول تقبض من المواطن ضريبة, وعليها أن نتحمل علي أساس مبدأ الغنم بالغرم.

أما الرأي المؤيد لالتزام الدولة بالتعويض فقد ساق الحجج التالية:

  • لا يمكن قياس أضرار الجريمة الإرهابية علي أضرار الجرائم الأخرى نظراً للفارق الكبير في جسامة الضرر, فلا مانع من وجود نظام تكميلي يتكفل بهذا النوع من الضحايا.
  • أما القول بإضعاف الإحساس بالمسئولية الفردية, فلا وجه له حيث إن بواعث الجريمة الإرهابية لا علاقة لها بالتعويض أو المقابل المادي, وفي كل الأحوال فإن تحمل الدولة للتعويض ذو طبيعة احتياطية حتى في الجريمة الإرهابية, إذا أمكن استيفاء التعويض من الجاني, وهذا نادر الحصول, علما أنه يحق للدولة الرجوع علي الجاني بمبلغ التعويض في حالة ما إذا تم التعرف عليه لاحقا. ونشير هنا إلي أن الإحصائية في بعض الدول المتطورة أثبتت أن ثلاثة من بين 167 ضحية تم تعويضهم من قبل الجناة أي بنسبة 8.1% فقط ( الفقي, 2003).
  • أما القول بزيادة أعباء الميزانية العامة, فهذا أيضا مردود عليه; لأن الدولة يمكنها تنويع مصادر تمويل الميزانية بما في ذلك فرض ضرائب جديدة عند اللزوم. ([13])
  • من المسلم به انه يقع علي الدولة توفير الأمن وفي حالة الإخلال به عليها أن تتحمل نتائج هذا التقصير بتحمل التعويض عن الضرر الذي تخلفه جرائم الإرهاب.

وإذا أردنا تقييم الاتجاهين، المؤيد والمعارض، نجد أنه لا تعارض بين الاتجاهين، وكلاهما يقر بحق الضحية في التعويض، فالاتجاه الأول يكتفي بمبدأ المسؤولية الشخصية على اعتبار أن الحالات التي لا يعرف فيها الجاني حالات استثنائية وحتى الجريمة الإرهابية فهي جريمة عابرة أو غير عادية منطلقها قناعات سياسية أو دينية خاطئة. بينما يرى الاتجاه الثاني، ضرورة إيجاد نظام مكمل لنظام المسؤولية الشخصية وهو نظام احتياطي لا يمكن تحريكه إلا بعد أن يعجز النظام الأول عن إصلاح الضرر.
وسنعرض للمحاولات الفقهية التي دعمت فكرة التزام الدولة بالتعويض:

أولا: نظرية الدولة المؤمنة: لقد حاول بعض الفقهاء (العبد الكريم، 1998) ([14]) تجاوز أسس المسؤولية التقليدية والبحث عن أساس جديد يغطي جميع الحالات التي ترى الدولة أنه من واجبها التدخل للمساعدة فقالوا بنظرية الدولة المؤمنة ورائد هذه النظرية هو موريس هوريو (1966, Lucein )، وهي في نظره النظرية الوحيدة التي تبرر مسؤولية الدولة عن الأضرار التي تصيب الأفراد من جراء أعمال الشغب والكوارث الطبيعية، ويمكن أن نضيف لها الجريمة الإرهابية.. وأساس هذه النظرية أن هناك تأمينا متبادلا بين المواطنين والدولة؛ فالدولة هي المؤمن على نشاطها العام من الأضرار التي تصيب الغير وهذا التأمين يغطي جميع مجالات المسؤولية، ولا علاقة له بالخطأ أو المخاطر.. كما يؤدي هذا التصور إلى تحميل الدولة واجب تعويض الضحايا مثل أي مؤمن، لأنها قبضت أقساط الـتأمين من المؤمن لهم في شكل ضرائب مباشرة أو غير مباشرة، كما أنه لا يمكن القول بفكرة الخطأ أو المخاطر أو الخطأ المرفقي، والأساس الوحيد الذي يبرر مسؤولية الدولة هو فكرة التأمين الاجتماعي الذي يتحمله الصندوق الجماعي لمصلحة الناس الذين تضرروا من جراء النشاط العام الذي يتم لفائدة الجميع؛ فالدولة تتصرف كمؤمن لمشروعها الخاص وأيضا كمؤمن للمخاطر التي لا يوجد في النظام الاجتماعي أي ضمان أخر لها سوى السلطة العامة نفسها وبخاصة المخاطر غير القابلة للتأمين كما هو الحال في الكوارث الطبيعية والجرائم الإرهابية.
نقد النظرية: تقوم هذه النظرية على محض افتراض مؤداه أن الدولة تقبض الأقساط لحسابها كما هو الحال في مفهوم التأمين، والحقيقة أن أقساط الضرائب تتفق على النفع العام أي تعود إلى الممول نفسه بطرق أخرى، في شكل خدمات أو مساعدات في صيغ مختلفة؛ فالنظرية لا تفسر كيف يستفيد الفرد من الخدمات، وفي الوقت نفسه يحصل على تعويض عند الضرر مقابل نفس القسط.
ثانيا: نظرية الضمان: تقوم هذه النظرية على أساس أن حق المواطن في الأمن مقرر في الدساتير وهو يفرض على الدولة التزاماً بضمان حمايته من الأضرار التي تنتج من المساس بهذا الأمن؛ فالدولة ضامنة للسلم الاجتماعي وعليها أن تتحمل إصلاح الأضرار التي تصيب أفراد المجتمع ولو كانت غير ذات صلة بالنشاط العام.

تجد هذه النظرية سندها في نظرية العقد الاجتماعي، فالأفراد قبل وجود الدولة كانوا يعتمدون على أنفسهم في الدفاع عن حقوقهم ومصالحهم والقصاص من المعتدي عليهم، وبعد ظهور الدولة تنازل الأفراد لمثليهم عن جانب من حقوقهم في مقابل أن توفر الدولة الأمن والاستقرار وتعمل على منع وقوع الجريمة. وترتب على ذلك أن حظرت عليهم الثأر وأن يقيموا العدالة لأنفسهم. وينبني على ما تقدم أن وقوع الجريمة وحدوث أضرار يعد إخلالا من جانب الدولة بالتزامها القانوني ففي توفير الأمن. ومن أشهر الذين روجوا لهذا الأساس هو بنتام في مطولة عن التشريع الجنائي. (عقيدة، 1425هــ).

نقد النظرية: هذه النظرية تبالغ كثيراً وتجعل الدولة الشخص القانوني الوحيد الذي يجب أن يتحمل التعويض، بصرف النظر عن مصدرها. وهو الشيء الذي لا يمكن التسليم به فوجود الدولة لا يلغي مسؤولية الأشخاص القانونية الأخرى التي يمكن أن تسبب به في إحداث الضرر، كما أن الدولة لا تستطيع عملياً أن تؤمن المواطن من كل أشكال المخاطر، ولا بد من وضع ضوابط، ومراعاة إمكانيات الدولة المالية.

ثالثا: نظرية التضامن الاجتماعي:

كما ذكرنا أن جبر الضرر في الحالات التي يكون الضرر ناتجاً من النشاط العام لمواجهة العمل الإرهابي لا يثير إشكالية، ولكن في الحالات التي يكون الضرر متولداً من الجريمة ذاتها، فمرتكب الجريمة يكون مجهولاً في كثير من الأحيان أو يهلك أثناء العمل الإجرامي بفعله (الانتحاري) أو بفعل النشاط العام المقاوم، فمن يساعد الضحية في مصيبته، هل يمكن أن تكون الدولة مسؤولة؟ مع العلم أن كثيراً ما يكون ضحايا الأعمال الإرهابية من الأبرياء المدنيين.

لقد جاءت فكرة التضامن الاجتماعي كمحاولة للتأسيس لمبدأ تعويض ضحية الجريمة الإرهابية وتستند هذه النظرية إلى مبدأ الشعور الإنساني الذي يرتكز عليه كل إجراء يهدف إلى مساعدة الأشخاص الذين يوجدون في وضعية صعبة، وهذا الشعور مبدؤه تضامن أفراد المجتمع فيما بينهم، حتى في غياب المؤسسة الرسمية فهو نابع من بالانتماء إلى الجماعة أو الأمة والإنسانية قبل الدولة (المؤسسة). وفي هذا السياق يجب أن تكون الدولة أول من يبادر بهذا التضامن باعتبارها ممثلة الجماعة، وهذا لا يمنع أفراد المجتمع من المشاركة في هذا الواجب حتى في غياب الدولة أو مؤسساتها.

ومبدأ التضامن الاجتماعي، لا يقتصر على نوع معين من الضرر وإنما يغطي كل ما يمكن أن يواجه الأفراد من مصاعب لا قبل لهم بدفعها كالأوبئة والكوارث الطبيعية. (1994, Pardon) وعندما تقدم الدولة مساعدة للمتضررين فهي تفعل ذلك بموجب التزام اجتماعي وليس بموجب مسؤولية قانونية.
لقد شكل مبدأ جماعية إصلاح الضرر منطلقاً مبدأً لفكرة تحمل الدولة عبء التعويض في هذا النوع من الجرائم، والحقيقة أن مبدأ جماعية التعويض ليس حديثاً بل يجد تطبيقاته في مجالات عدة أولها كان في تقدير مسؤولية الأشخاص الاعتبارية عن أعمال موظفيها، كما انعكس ذلك في نظام التأمين، فهو يقوم على توزيع المخاطر على أكبر عدد من الأفراد، استناداً إلى فكرة التضامن، فتحمل الكيان الاجتماعي التعويض عن طريق الذمم الجماعية بدلاً من المسؤول، هو مظهر هام لجماعية التأمين. وعلى هذا الأساس فالتزام الذمة الجماعية أو النظام الجماعي عبء التعويض ليس هو الخطأ أو اللوم الأخلاقي، وإنما هو لحماية المضرور استنادا إلى فكرة التضامن الاجتماعي.

ينبني على هذا الأساس ما يلي:

– إن إصلاح الضرر ليس حقاً وإنما هو مساعدة من الدولة لمن هو في حاجة إليها وبمفهوم المخالفة لا تمنح لمن تكون ظروفه المادية جيدة ولا تحدث له الجريمة اضطراباً في ظروف المعيشة.

– لا تقرر المساعدة بمجرد وقوع الجريمة أو الضرر كما هو الحال في قواعد المسؤولية التقليدية، وإنما يقرر منحها بناء على ظروف المتضرر.

– كون التعويض هنا مجرد مساعدة اجتماعية لا ينعقد الاختصاص بنظر تقريره إلى القضاء، وإنما إلى اللجان الإدارية الناظرة في طلبات المساعدات الاجتماعية.

– إن هذا النوع من التعويض ذو طبيعة احتياطية.

نقد النظرية: إن مبدأ التضامن الاجتماعي يبقى واجباً أخلاقياً أكثر منه قانونياً فهو لا يصلح أن يكون أساساً لإلزام الدولة بالتعويض عن الجريمة الإرهابية إلا إذا تحول إلى التزام قانوني، وهذا ما حدث بالفعل في كثير من الدول.

وخلاصة هذه النظريات يمكننا القول إنه يجب النظر إلى الضرر على أنه مشكلة اجتماعية، قبل أن يكون حقاً خاصاً للمتضرر ويجب أن يتجه البحث إلى إصلاح الضرر بدلاً من إنصاف المتضرر من المتسبب في الضرر، وتفسير ذلك أن المتسبب في الضرر كثيراً ما يكون مجهولاً أو معسراً وفي كل هذه الحالات ينبغي أن تتدخل الجماعة لمساعدة المتضرر، وأقصر الطرق هو إصدار تشريعات يتقرر بموجبها مساعدة المتضررين في مجالات محددة بشروط خاصة من ذلك المتضررين من جرائم الأشخاص في حالة عدم إمكانية حصول المتضرر على تعويض من المجرم. ولذلك وصف هذا التعويض الذي تدفعه الدولة بأنه احتياطي ويتوقف على سلوك المتضرر (عبد اللطيف،2000).

المطلب الثاني: التطبيقات التشريعية:

لقد عجزت الأسس التقليدية للمسؤولية عن تغطية آثار الجريمة الإرهابية رغم أنها من أخطر الجرائم التي تستوجب مساعدة المتضررين لما تخلفه من أضرار جسدية في غالب الأحيان كالقتل، والإعاقة بالإضافة إلى جرائم الأموال؛ فمعظم الدول لم تكن منظومتها التشريعية تتضمن أي أحكام خاصة بهذا النوع من الجرائم سواء في جانب التجريم والعقاب (1984, Lambard ) أو في جانب إصلاح الأضرار الناتجة من الجريمة، وظلت لفترة تعالج ضمن القواعد العامة للجريمة، بل حتى الاتفاقية العربية لمكافحة الإرهاب اكتفت بالإشارة العابرة وغير المباشرة لحق المتضرر في التعويض جاء في المادة الثامنة عشر”لا يترتب على نقل الاختصاص بالمحاكمة المساس بحقوق المتضرر من الجريمة، ويكون له اللجوء إلى قضاء الدولة الطالبة أو دولة المحاكمة في المطالبة بحقوقه المدنية الناشئة عن الجريمة”. ومع تفشي الظاهرة وتجاوزها الحدود الوطنية، بل وإمكانيات الدولة، وجد القضاء الوطني نفسه عاجزا عن التعويض عن الضرر الناجم عن الجريمة في غياب النصوص، فظهرت الحاجة إلى تقنين القواعد التي تحكم الظاهرة وفعلاً صدرت الكثير من القوانين في الدول التي تفشت فيها منها الجزائر ومصر وفرنسا والولايات المتحدة وغيرها، ومعظم هذه القوانين حدد الأركان العامة للجريمة وعقوبتها، أما في شق إصلاح الضرر أو التعويض، فلم تصدر إلا القليل من القوانين في بعض الدول منها فرنسا والجزائر وإسبانيا وإيطاليا (عبد الكريم، 1998).

والمبدأ العام الذي قامت عليه هذه القوانين أنها لم تحمل الدولة التعويض بل اعتبرت ذلك من واجب المجتمع وحددت آليات لهذه المساعدات وأنشأت مؤسسات بتمويل خاص تتكفل بالضحايا. ومن أهم التطبيقات في فرنسا التي تعد رائدة في هذا المجال ومن أهم المجالات التي صدر فيها تشريع يقرر مساعدة للمتضررين في حالات لا تغطيها قواعد المسؤولية التقليدية:

_ التشريعات الخاصة بأضرار الحرب (1919 و1946).        _ التشريعات الخاصة بالكوارث الطبيعية (1982).

_ التشريعات الخاصة بالكوارث الزراعية (1982).

_ الكوارث الخاصة بتعويض ضحايا بعض الجرائم (1977).

_ التشريع الخاص بمقاومة الإرهاب والاعتداء على أمن الدولة (1986).

_ التشريع الخاص ببعض الأحكام الاجتماعية والذي يتضمن بعض النصوص المتعلقة بتعويض ضحايا الإيدز (1991).

أما في مجال الجريمة الإرهابية فقد رفض مجلس الدولة إسناد مسؤولية التعويض عن الأعمال الإرهابية إلى الدولة إلا بموجب نص خاص، وأنه لا يمكن تطبيق قواعد المسؤولية التقليدية، علما أنه صدر قانون رقم 77_5 الصادر في 3 يناير 1977 وأقر بحق الضحية في التعويض عن الأضرار الجسدية الناتجة من الجريمة أو الأفعال العمدية أو غير العمدية التي تنطوي على الطابع المادي، وشمل ذلك الجرائم التي يرتكبها مجهولون أو غير المسئول جنائياً. واشترط القانون أن تؤدي الجريمة إلى الوفاة أو العجز الكلي عن العمل أو بما يزيد عن شهر، كما اشترط القانون أن يكون الضحية في موقف مادي صعب ويسبب له الضرر الناتج من الجريمة اضطرابا في ظروف المعيشة ([15]) ، ويعجز عن الحصول على تعويض من المتسبب في الضرر إن وجد.

– ونظرا لخصوصية الجريمة الإرهابية([16]) ، وخاصة جسامة الأضرار التي تخلفها لم يكتف المنظم (المشرع) الفرنسي بالقانون المذكور أعلاه بل بادر إلى إصدار قانون آخر وهو القانون رقم 86-1020 بتاريخ 9 ديسمبر 1986 ونص هذا القانون على إنشاء صناديق الضمان (Fonds de garantie) ليخفف عن كاهل الدولة أعباء التعويضات عن الجريمة الإرهابية( 1987,Querol) ويتم تمويل هذه الصناديق بواسطة الاشتراكات الخاصة بعقود التأمين على الأموال ويتمتع الصندوق بالشخصية الاعتبارية ونص القانون على نظامه القانوني.

ويشمل الصندوق جميع المتضررين على الأراضي الفرنسية بصرف النظر عن جنسيتهم، كما يشمل الفرنسيين خارج التراب الفرنسي. ([17])

وفي سنة 1990 صدر قانون مكمل يتيح لضحايا الحوادث الإرهابية الاستفادة من قانون المعاش العسكري المتعلق بالعجز أو ضحايا الحرب والمطبق على الضحايا الحرب المدنيين (عبد الكريم، 1998).

والملاحظ أن هذه الصناديق لا تغطي سوى الأضرار الجسدية وكذا الأضرار المعنوية، أما التعويض عن الأضرار المادية (المالية) فيتم عن طريق عقود التأمين حيث ألزمت شركات التأمين بتغطية الأضرار الناجمة عن الأعمال الإرهابية (Renoux, 1993) ([18]) وفي رأينا أن مسؤولية الدولة عن إصلاح ضرر الجريمة الإرهابية يدخل في صميم وظيفة الدولة الاجتماعية، بل وظيفة المجتمع، وهي التكفل بمن هم في حاجة إلى مساعدة أياً كان مصدر الضرر على أن يكون ذلك بالقدر الممكن ووفق شروط أو ضوابط تحددها القوانين.

غير أن المنظم الفرنسي أصدر قانون رقم 2008- 466 بتاريخ 1/07/2008 عدل بموجبه قواعد تعويض ضحايا الجريمة عموماً وأسند هذه المهمة إلى صناديق الضمان التي أنشئت لمواجهة ضحايا الجريمة الإرهابية كما أشرنا، والمثير في هذا النظام الجديد هو أنه أعطى لضحايا الجريمة (أياً كان نوعها) الحق في طلب مساعدة في تغطية الضرر في حالة عجزهم عن استيفاء التعويض من الضحية.
و في الولايات المتحدة الأمريكية كان لأحداث 11 سبتمبر 2001 أكبر الأثر في بلورة قواعد تحكم تعويض ضحايا الإرهاب كانت الانطلاقة هي خوف المنظم الأمريكي أن تقصر قواعد المسؤولية المدنية عن تعويض الضحايا وشركات الطيران خاصة الأمر الذي دفع بالحكومة الأمريكية إلى وضع آليات لحماية هذه الشركات بالمساعدة المالية وأهم شئ تحديد مسؤوليتها، فأنشأت صندوقين للتعويض الأول هدفه تعويض الأضرار الجسدية وفق إجراءات وفق خاصة، يرأس هذه الصندوق مدير عام “Special Master” يعينه وزير العدل وقراراته غير قابلة للطعن فيها. ويعد التعويض الذي يمنحه الصندوق مكملا لما يمكن أن يحصل عليه الضحية من أشكال التأمين بالحد الذي يعطي إصلاحا كاملاً للضرر.

كما يعوض الصندوق المعنوي (الآلام والمعانات النفسية). وفي مقابل دفع التعويض يجب أن يتنازل الضحية عن إقامة أي دعوى مسؤولية أمام القضاء الأمريكي. أما تمويل الصندوق فيتم عن طريق فرض ضرائب وإلزام شركات التأمين بضمان الأعمال الإرهابية، كما أطلقت نظام إعادة تأمين خاص للأضرار والممتلكات الناتجة من الأعمال الإرهابية التي تجاوزت حد الأساس وقدر المبلغ بمئة مليار دولا حتى نهاية 2005([19])، والذي يمكن استنتاجه من هذه التجربة أنها استلزمت وضع تشريعات خاصة لمواجهة حالات التعويض عن الجريمة الإرهابية التي لم تسعها قواعد المسؤولية العادية حتى في الدول العريقة في أنظمة إصلاح الضرر مثل الولايات المتحدة الأمريكية.

أما الجزائر فكانت من أكثر الدول العربية تأثراً بالإرهاب، وقد عانت ولا تزال من هذه الظاهرة، وبصرف النظر عن الأسباب السياسية التي فاقمت الأزمة؛ فقد خلفت الجرائم الإرهابية آثاراً مدمرة هزت كيان المجتمع الجزائري وخلفت مأساة اجتماعية لا يمكن أن تزول آثارها، النفسية خاصة، إلا بعد أجيال.

أما من جانب الأشخاص والممتلكات فكانت أيضاً الحصيلة ثقيلة، غير أن الجزائر استطاعت أن تتجاوز بعض هذه الآثار وعالجت أسباب الظاهرة سياسياً واجتماعياً، فتم استفتاء الشعب على ميثاق السلم والمصالحة الوطنية في سنة 2005 وتضمن الميثاق آليات لتنفيذ المصالحة الوطنية ثم أعقبه الأمر المتعلق بتنفيذ ميثاق السلم والمصالحة الوطنية في 2006. ([20])

والملاحظ على هذه النصوص انها حاولت احتواء الظاهرة اكثر من معالجة اثارها ووضع اليات ترتكز اساسا على اعادة دمج العناصر التى شاركت فى الماساه الوطنية وتصحيح بعض اليات سياسية محاربة الارهاب.

اما فى جانب الأضرار فلم تميزها عن الجرائم العادية واكتفت النصوص بتقرير التعويض لذوي حقوق المأساة الوطنية بوفاة الهالك (المفقود) بموجب حكم قضائي وتتحمل الدولة التعويض، والنظرة إلى التعويض في هذه الحالة هو مجرد مساعدة تقدمها الدولة للمتضررين من الجريمة الإرهابية كما أنشئ صندوق خاص تموله الدولة تدفع منه مبلغ التعويضات سُمّي صندوق التضامن تأكيداً أن ما تدفعه الدولة ليس بسبب مسؤوليتها عن آثار الجريمة وإنما في إطار التضامن الاجتماعي الذي يتم من خلال هذا الصندوق. ([21])

كما أن نصوص الأمر المذكور أعلاه لم تتكلم عن التعويض عن الممتلكات كما فعلت معظم القوانين، ربما لأن معظم الممتلكات التي أضرت بها الجرائم الإرهابية هي ممتلكات عامة ولا تمثل الممتلكات الفردية سوى نسبة قليلة، يجب على الأفراد تحملها.

المبحث الثالث:الوضع في النظام السعودي

يتبلور موقف النظام السعودي من خلال القواعد العامة في الشريعة الإسلامية باعتبارها مصدر جميع الأحكام “يستمد الحكم في المملكة السعودية سلطته من كتاب الله تعالى وسنة رسوله وهما الحكمان على هذا النظام وجميع أنظمة الدول”. (المادة السابعة من النظام الأساسي للحكم)، بالإضافة إلى مجموعة الأحكام النظامية التي يمكن أن تشكل أساساً قوياً يسند فكرة إصلاح الضرر.

المطلب الأول:

الأساس الشرعي والنظامي لقد كان موقف الشريعة من الإرهاب حاسماً؛ فحرمة دم المسلم أعظم عند الله من حرمة الكعبة الشريفة، والمستأمن في دار الإسلام معصوم الدم والمال، وعلى الدولة الإسلامية مؤسسات وأفراداً التعاون على دفع هذا الخطر والتصدي له بكل ما أوتيت من قوة، ومواساة المتضررين من هذه الجرائم بما في ذلك المساعدة المادية، وكما سبق شرحه لا يمكن الحديث عن مسؤولية الدولة الإسلامية إلا في حدود ارتباط تلك الأضرار بالنشاط العام مع التأكيد أن مسؤولية الشخص العام (الدولة) في النظام الإسلامي لم تعرف التخبط والتدرج الذي عرفته المسؤولية في الأنظمة الغربية، فتقررت مسؤولية الحاكم (الدولة) وكانت مسؤولية موضوعية قوامها الضرر وعلاقة السببية بالفعل الضار (الخفيف،1970).

أما فيما يتعلق بموضوع دراستنا فإن النظرية الإسلامية تتسع لتقرير مساعدة المتضررين من الجريمة الإرهابية (وافي، 1983)؛ فمبدأ التضامن والتعاون، الذي أصبح يشكل أساساً لبعض حالات التعويض، خارج نظام المسؤولية، يعد من أهم دعامات التماسك الاجتماعي في النظام الإسلامي؛ حيث ينبغي التواصي بالمعروف ومساعدة المحتاج والإعانة على نوائب الدهر، وهذه المعاني كلها مرعية في شريعتنا الغراء وفي التاريخ الإسلامي كانت هذه المعاني حاضرة في النظرية والتطبيق.

وقد ترجمت الدولة السعودية هذه المعاني إلى سلوك فكانت سباقة لتقديم المساعدات السخية إلى المتضررين من الكوارث الطبيعية ففي أضرار سيول جدة الأخيرة صدر الأمر الملكي رقم أ/191 بتاريخ 13/12/1430 يقضي بتقديم إعانات للمتضررين وإلزام وزارة المالية بتقديم تعويض للمتضررين في ممتلكاتهم وفقا لما تنتهي إليه اللجنة، كما ألزمها بصرف مبلغ مليون ريال لذوي كل شهيد وقبلة صدر من مجلس الوزراء القرار رقم 580 بتاريخ 5/4/1396 المتضمن صرف المساعدات للمتضررين من الكوارث الطبيعية ويضع ضوابط صرف المساعدات التي تقدمها الدولة للمتضررين من الكوارث الطبيعية. بل إن المملكة لم تتوان في تقديم الدعم للمنظمات الإنسانية العاملة في المجال الإنساني، وهي لم تفعل ذلك من باب المعاملة بالمثل وإنما من باب أداء الواجب الشرعي تجاه إنسان في حاجة إلى مساعدة. وفي داخل المملكة كانت حكومة خادم الحرمين الشريفين حاضرة في كل المناسبات وتم تقديم المساعدات بل كانت متميزة في حجمها ونوعها و كذا الحال بالنسبة لضحايا الجريمة الإرهابية التي عرفها المجتمع السعودي في السنوات الأخيرة، فكان التكفل بضحايا هذه الجريمة ليس فقط من الناحية المادية بل شمل معالجة الآثار النفسية سواء على مستوى المتورطين أنفسهم أو الضحايا، وبذلت جهوداً مشكورة بل سباقة لمعالجة أسباب الجريمة قبل آثارها.

أما الأساس الشرعي فيكمن سنده في بعض القواعد الشرعية العامة التي يمكن استنباط الأحكام التفصيلية على ضوئها، ومن أهم تلك القواعد:

لا يطل دم في الإسلام: لقد كانت جرائم الدم في الشريعة الإسلامية من أهم الجرائم التي وضعت لها ضوابط دقيقة وأحكام مفصلة تدور أساساً حول الدية، سواء في العمد أو الخطأ، والقاعدة الإسلامية أنه لا يهدر دم في الإسلام وقد روي عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه أنه قال “أيما رجل قتل بفلاة من الأرض، فديته من بيت المال لكي لا يطل دم في الإسلام”.

ومن تطبيقات هذه القاعدة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم دفع دية عبد الله بن سهل الأنصاري الذي قُتِل في خيبر من بيت المال، كما روى أن رجلاً في زحام في عهد عمر بن الخطاب، لوما استشار عليا، قال يا أمير المؤمنين لا يطل دم في الإسلام فأدى عمر ديته من بيت المال ([22]).
– بيت المال وارث من لا ورث له، وتطبيقا لمبدأ الغنم بالغرم فعليه أن يتحمل دية من لا يعرف قاتله أو ليست له عاقله أو وجدت ولكنها غير قادرة على السداد.

– القسامة: وهي من تطبيقات التكافل الاجتماعي ليس في إصلاح الضرر فحسب وإنما في الوقاية من الجريمة أو درء الخطر وهي وسيلة فعالة في كشف الجناة في حوادث القتل.

والقسامة([23]) في الاصطلاح الأيمان تقسم على خمسين رجلا من أهل البلدة أو القرية التي وجد فيها قتيل، لا يعلم قاتله ولا يدعي أولياؤه على أحد بعينه، وسبب إعمال القسامة كما قال الإمام أبو حنيفة ([24]) هو التقصير في النصرة وحفظ الموضع الذي وجد فيه القتيل ممن وجب عليها النصرة أ والحفاظ؛ لأنه إذا أوجب عليه الحفظ فلم يحفظ مع القدرة على الحفظ صار مقصراً بترك الحفظ الواجب فيؤاخذ بالتقصير زجراً

عن ذلك وعملاً على تحصيل الواجب. وكل من كان أخص بالنصرة والحفظ كان أولى بتحميل القسامة والدية؛ لأنه أولي بالحفظ فكان التقصير منه أبلغ”([25]).

– تكييف الدية في المفهوم الإسلامي يقربها من معنى التعويض المدني فلا تقتصر على مفهوم العقوبة؛ فهي تعويض لورثة المقتول([26])، ويمكنهم التنازل عنها وكذلك عن القصاص وهذا لا يلغي الحق العام إذ يمكن التعزيز.

غير أن الدية، وهي المال الذي يدفع بدلاً عن النفس أو الطرف وإن تحملها بيت المال، لا تغطي سوى أذى النفس (القتل والجروح) وبالتالي فهي لا تحل إلا جزءاً من المشكلة. علماً أن من أضرار النفس ما يمكن أن يستحق عنها الدية أو الأرش، كما أن الدية فيما دون النفس هي بديل عن القصاص في حالة الخطأ وشبه العمد أو عندما يتعذر القصاص، فهل يمكن مساعدة المتضرر حتى مع القصاص من الجاني؟.

والخلاصة أن قاعدة لا يطل الدم في الإسلام وما يترتب عليها من وجوب الدية في كل الحالات تغطي جرائم الأشخاص، ومن ثم نعتقد أن تعويض ضرر النفس وما دون النفس لا صعوبة فيه وفقاً لهذه القاعدة، وهو الحد الذي وصلت إليه القوانين الغربية الحديثة، أما في جرائم الأموال أو الممتلكات التي تخلفها الجريمة الإرهابية فلا بد من تفعيل التضامن الاجتماعي وفق آليات محددة نعرض لها في المطلب الثاني من هذا المبحث.

وفي مجال النصوص النظامية في الأنظمة السعودية وردت الإشارة إلى التكافل الاجتماعي في بعض مواد النظام الأساسي من ذلك في نص المادة 11 “يقوم المجتمع السعودي على أساس من اعتصام أفراده بحبل الله وتعاونهم على البر والتقوى والتكافل فيما بينهم وعدم تفرقهم”. وتضيف المادة 27 من النظام الأساسي “تكفل الدولة حق المواطن وأسرته في حالة الطوارئ والمرض والعجز والشيخوخة وتدعم الضمان الاجتماعي وتشجيع المؤسسات والأفراد على الإسهام في الإعمال الخيرية”.

كما صدر الأمر السامي رقم 17/32780 في 18/7/1402 ليحدد الحالات التي تنظر فيها دعاوى الديات في مواجهة مندوب بيت المال, وقد وضع الأمر المذكور شروطاً تتعلق بدفع الدية في حالة كون الجاني مجهولاً وأهم هذه الشروط:

  • لا تنظر الدعوى إلا بعد لموافقة السامية على نظرها شرعاً بمواجهة بيت المال.
  • تدفع الدية من بيت المال إذا صدر أمر سام بدفعها أو صدر حكم شرعي مميز بعد موافقة المقام السامي على نظرها شرعاً في الحالات التالية:
  1. إذا كانت الدية على العاقلة وأعسرت عن دفعها أو عدمت العاقلة.
  2. إذا أعسر الجاني عن دفعها.
  3. إذا كان الجاني مجهولا.
  4. إذا ترتبت الدية نتيجة خطأ الأمان أو الحاكم أو غيرهما من ولاة الأمور في مباشرة لعمل مكلف به.

فمجموع النصوص المذكورة تكون أساساً قوياً لسن نظام يحدد قواعد وحدود المساعدة التي يمكن أن تقدمها الدولة([27]) لمن هو في حاجة إلى مساعدة وخاصة ضحايا الجريمة الإرهابية.

المطلب الثاني: آليات إصلاح الضرر

أثارت مشكلة الأضرار التي تنتج من الجريمة الإرهابية كثيراً من الصعوبات في معظم الدول, التي تأثرت بهذا النوع من الجرائم, ومنها المملكة العربية السعودية, التي لا يوجد بها نظام (قانون), حتى الآن, يحدد قواعد التكفل بضحايا الجريمة الإرهابية, كما أن تطور وسائل الجريمة ساعد على ارتكاب الجريمة دون الوجود في مسرح الجريمة؛ ما يخشى معه أن تصبح الجريمة الإرهابية بلا مسؤول معروف, بالإضافة إلى ما سبق فإنه حتى في الدول التي شرعت قوانين خاصة للتكفل بضحايا الجريمة الإرهابية فإن التعويض لا يغطى سوى الأضرار الجسدية دون غيرها من الأضرار([28]), ونظرا للأضرار الجسيمة التي خلفتها الجريمة الإرهابية لجأت بعض الدول(فرنسا) إلى إنشاء صناديق ضمان بموارد خاصة تتكفل بتعويضات الأعمال الإرهابية, والملاحظ أن هذه الصناديق جاءت لسد ثغرات في النظام القانوني الذي عجز عن إسناد مبدأ إصلاح الضرر الناتج من الجريمة الإرهابية, وبالرجوع إلى قانون الصندوق, والذي اعتبر إنجازاً تشريعياً يحقق التضامن الاجتماعي, نلاحظ أنه لا يكفل سوى الأضرار الجسدية الناشئة عن جرائم الإرهاب دون غيرها من الجرائم المالية البحتة وما يتولد عنه من آثار مالية كمصاريف العلاج وكذا الأضرار النفسية.

التضامن الاجتماعي كسند لمبدأ المساعدة

تتميز الشريعة الإسلامية بنظرتها الاجتماعية؛ فالمجتمع المسلم كيان واحد ” ترى المؤمنين في تراحمهم وتوادهم وتعاطفهم كمثل الجسد الواحد إذا اشتكى عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى”. (الزمخشرى, 1973) فمجتمع من هذا النوع يشكل بذاته مؤسسة اجتماعية تقوم على التعاون بين الأفراد, والدولة جزء من هذا النظام؛ فالشريعة الإسلامية لها الفضل على المجتمعات الغربية التي لم تصل إلى ما وصلت إليه الشريعة من تضامن اجتماعي. وأضرب مثالً في سياق المسؤولية, إن التعويض عن الجريمة الإرهابية لم يعتمد إلا بقانون 9 سبتمبر 1986 في فرنسا, بينما القاعدة في الشريعة “لا يطل دم في الإسلام وبيت المال تتحمل دية من لا يعرف قاتله وفى الصور الأخرى التي ذكرناها, عرفت طريقها إلى التطبيق منذ ظهور الإسلام”.

ومن هذا المنطلق انتهى إلى القول إن أحكام الشريعة الإسلامية تتسع لتكفل بضحايا الإرهاب, ليس فقط بالنسبة للجرائم التي تقع على النفس … بل يمكن أن تغطى فيما دون النفس وكذا الأضرار المالية([29]) .

ويجب أن نؤكد هنا أن واجب التكافل الاجتماعي هو واجب شرعي فردي قبل المؤسسة (الدولة) ومن ثم على أفراد المجتمع المسلم المبادرة إلى التعاون وتوظيف العمل الخيري في هذا السياق, كما أنه يجب على الدولة القيام بواجباتها في هذا الصدد بإنشاء صناديق تمول بموارد استثنائية إذا لم يتحمل بيت المال هذا العبء كالضرائب والرسوم وحث الأفراد على المساهمة في تمويل مثل هذه الصناديق.

والخلاصة أن الشريعة الإسلامية تحث على التكافل الاجتماعي بما يشمل مساعدة المتضررين من الجريمة الإرهابية وبخاصة جرائم الأشخاص, ويتسع لجرائم الأموال أيضاً, غير أن إقرار هذا المبدأ يحتاج إلى أن توضع له قواعد تضبطه تستند إلى المبادئ التالية:

– إن مبدأ التضامن الاجتماعي ليس مسؤولية الدولة فقط, بل هو واجب كل فرد في المجتمع الإسلامي وينبغي أن يسهم فيه أفراد المجتمع وبخاصة المقتدرون وكذلك الدولة في حدود إمكانياتها.

– هذا التعويض أو إصلاح الضرر ينبغي أن يكون تعويضاً احتياطياً فإذا أمكن تحصيله من الجاني فهو الأصل.

  • في الحالات التي يتحمل فيها بيت المال دية أذى النفس يخضع مبدأ التعويض لضوابط الشريعة الإسلامية المنصوص عليه في كتب الفقه.
  • في حالة الأضرار المالية لا تتحمل الدول أي مسؤولية وإنما يمكن أن تقرر مساعدة ما حسب إمكانية الدولة, كما يجب على الأفراد والمؤسسات الخيرية تقديم المساعدة الممكنة للضحايا.
  • مبدأ التعويض عن أضرار الإرهاب يختلف عن مبدأ التعويض في المسؤولية الإدارية؛ فالتعويض في حالة الجريمة الإرهابية لا يعدو أن يكون مساعدة تقدمها الدولة للمتضررين استناداً إلى مبدأ التكافل الاجتماعي, ذلك أن ضمان الدولة لأذى النفس يكون على فرض تعذر معرفة المسئول أو الضامن ولا يجد أساسه في المسؤولية التقصيرية, كما لا يشمل جرائم الأموال.
  • التعويض في المسئولية يكون كاملاً بينما ليس شرطاً أن يكون كذلك في حالة الجريمة الإرهابية؛ لأن المتسبب في الضرر ليس النشاط العام أي ليس مرفقي؛ فقد تقرر مساعدة معينة, وقد تنعدم لبساطة الضرر أو لكون المتضرر ميسوراً.
  • ينبغي تحديد الأشخاص الذين يشملهم التعويض وهل يمتد إلى الأجانب أيضاً في حالة وقوع الجريمة على أراضى المملكة أو وقع الضرر على سعودي في جريمة إرهابية خارج المملكة.
  • كذلك لابد من تحديد نوع الضرر القابل للتعويض, وهل يشمل ذلك جرائم الأشخاص(أذى النفس ) فقط أم يمتد إلى جرائم الأموال, وهل يمكن تعويض الضرر المعنوي (المشاعر والآلام), وكذا الضرر الجمالي والضرر الأدبي المنعكس.
  • النظر في مسألة التعويض التكميلي, وهو الذي يغطى الضرر الجسدي الذي لا تظهر نتائجه حال ارتكاب الجريمة وإنما بعد فترة من الزمن, فقد يتطور الكسر مثلا إلى عاهة مستديمة أو يتطور الجرح إلى بتر العضو؛ ولذا كان من حق المتضرر أن يطالب بتعويض تكميلي.
  • سقف التعويض؛بالنسبة لأذى النفس ليس هناك مشكلة ولكن في جرائم الأموال تكون حسب جسامة الضرر فهل يحدد لها سقف لا يتجاوزه كما هو الحال في جرائم الأشخاص في الشريعة الإسلامية.
  • مسالة التعويض العاجل: قد يكون الضحية في حاجة إلى مساعدة عاجلة لمواجهة الاضطرابات التي لحقت حياته المعيشية, فكيف تقرر هذه المساعدة العاجلة وشروطها وإجراءاتها.
  • الجمع بين تعويضات عدة: هذه أيضا قضية ينبغي الفصل فيها؛ ذلك أنه لا يجوز الجمع بين تعويضين عن ضرر واحد فإذا حصل المتضرر من الجاني مثلا على تعويض أو من شركات التأمين فلا يحق له مطالبة صندوق الضمان, بل يحق لصندوق  الضمان الرجوع عليها بالمبلغ الذي دفعه إذا تبين فيما بعد أنه حصل على تعويض من الجاني أو التأمينات. ولا ينبغي الخلط بين الجمع بين مسئوليتين فقد يشترك أكثر من طرف في تحمل المسؤولية عن الضرر وهذا شئ وارد ويتحمل كل طرف نسبة من التعويض بقدر خطئه (قاسم 1988).
  • مصدر الأموال التي دفع للمتضررين (التمويل) هل تتكفل خزانة الدولة بدفع مبالغ التعويض أو تنشأ هيئات (صناديق) يحدد النظام طريقة تمويلها من مساهمات شركات التأمين والاقتطاعات الضريبية ومساهمة المحسنين, وكذا الأموال المصادرة في الجرائم عموماً والجريمة الإرهابية خصوصاً حسب نص المادة 8 من الاتفاقية الدولية لقم تمويل الإرهاب.
  • الجهة المختصة بالنظر في طلب التعويضات: يحب أن تسند هذه المهمة إلى لجنة فنية يحدد النظام تشكيلها وقواعد عملها وتكون قراراتها نهائية ويمكن التظلم إلى الجهة نفسها. ولا يمكن إسناد النظر في نظر التعويضات إلى القضاء؛ إذ ليست هناك خصومة أو نزاع وإنما هو مجرد طلب مساعدة وفق قواعد معينة وبشروط محددة.

كل هذه الإشكالات ينبغي أن يحلها النظام ولا مانع من الاستفادة من تجارب الدول التي عرفت هذه الظاهرة في حدود ما لا يتعارض مع شريعتنا.

الخاتمة

شكل علم الضحية أو المتضرر منطلقاً جديداً للبحث عن أسس تكفل مساعدة الضحايا خارج الأسس التقليدية للمسؤولية الإدارية, وكانت أضرار الجريمة الإرهابية من الموضوعات الحديثة التي شغلت الباحثين, وكون هذه الظاهرة عالمية, أي مست كثيراً من الدول وحدت الاهتمام بالظاهرة, وبذلت جهود دولية كبيرة للحد منها, غير أن الحلول في التعامل معها في شق إصلاح الأضرار الناجمة عن الجريمة لم تلق الاهتمام نفسه بل تباينت الحلول.

أولاً: أهم النتائج التي توصلت لها الدراسة:

  • يمكن مسالة الدولة إذا كانت الجريمة الإرهابية ناتجة من إخلالها بواجب توفير الأمن, وهى كما ذكرنا صورة الخطأ المرفقى.
  • عجز الأسس التقليدية عن إسناد مبدأ إصلاح الضرر الناتج من الجريمة الإرهابية؛ذلك ان المسؤولية التقليدية سواء كانت على أساس الخطأ أو المخاطر تشترط صلة الضرر بالنشاط العام الإيجابي أو السلبي, ولا يمكن إعمال قواعد هذه المسؤولية إلا إذا كان الضرر ذا صله بالمرفق العام.
  • عمدت كثير من الدول إلى إيجاد حلول ارتكزت في معظمها على نصوص تشريعية تحدد قواعد التكفل بضحايا الجريمة الإرهابية ولكن هذه الحلول لم تشكل في الحقيقة سوى مساعدة للضحية في جرائم الأشخاص فقط ولم تشمل بعد جرائم الأموال.
  • لم يفلح الفقه في إيجاد معيار يسند مساعدة الضحية, وحاول توظيف مبدأ التضامن الاجتماعي ومبدأ حق الإنسان في الأمن لكنه لم يستطع بناء نظرية متكاملة تصلح أساساً فلسفياً لدعم إصلاح الضرر الناجم عن الجريمة الإرهابية, ومازال القاضي عاجزاً عن منح تعويض كامل أو تقرير أي مساعدة في غياب النص الذي يقر مبدأ التعويض أو إصلاح الضرر.
  • أما في الشريعة الإسلامية فإن الدية يمكن أن تغطى إصلاح الضرر في حالة جرائم الأشخاص (القتل) وما دون النفس, حتى مع عدم معرفة القاتل, فيتحمل بيت المال دية ما لا يعرف قاتله. والقاعدة أنه لا يطل دم في الإسلام. أما بالنسبة لجرائم الأموال, والتي لم يتقرر التعويض عنها في الأنظمة المقارنة؛ فإن مبدأ التكافل الاجتماعي يتسع لإقرار مبدأ التكفل بضحايا الجريمة الإرهابية, ولكن ينبغي تأكيد أن التكافل الاجتماعي في مفهوم الشريعة ينهض به كل المجتمع أفراد ومؤسسات, وينبغي للجميع الإسهام بالطرق التي يختارها المجتمع, فيمكن أن تقوم بذلك مؤسسات أو جمعيات أو صناديق تحدد طرق تمويلها.

ثانياً:التوصيات

بما أن المملكة العربية السعودية عرفت كغيرها من الدول هذه الظاهرة وهى دولة تحكم شرع الله نوصى بما يلي :

  1. إقرار مبدأ التعويض أو المساعدة لضحايا الجريمة الإرهابية وذلك بإصدار نظام يحدد شروط الحصول على المساعدة أو التعويض, وكيفية تقديره وآليات أو نظام إجراءات المطالبة وحالات سقوطها.
  2. إنشاء صندوق لتعويض ضحايا الجريمة الإرهابية, وبالنسبة لتمويل الصندوق يمكن تنويع مصادر تمويله من خزانة الدولة التبرعات وحتى الضرائب اذا الزم الامر والاقتطاع من أقساط التأمين على الممتلكات.
  3. النص على أن يمتد إصلاح الضرر إلى جرائم الأموال, وحالات أذى النفس التي لا يتحملها بيت المال بشروط يحددها النظام.
  4. تحديد الجهة المختصة بالنظر في مثل هذه القضايا وهى عادة لجان يحدد النظام تشكيلها ونهائية قراراتها على أساس أنها لانفصل في نزاع وإنما تقدر مساعدة.

وأخيراً نأمل أن تكون هذه الدراسة أسهمت في إلقاء الضوء على جانب من الموضوع, كما نأمل أن يصدر قريبا في المملكة نظام موضوع إصلاح الضرر الناتج من الجريمة الإرهابية.

المراجع العربية

  1. ابن حزم, المحلى, الجزء11, دار الجبل, بيروت.
  2. بوزيد, الدين الجيلالي محمد (1424ه), أحكام الضرر في المسؤولية الإدارية, مجلة الإدارة العامة العدد الثانى ربيع الأخر.
  3. بوزيد, الدين الجيلالي (1425ه), أساس مسؤولية الإدارة الموضوعية, مجلة الإدارة العامة, العدد الثاني ربيع الأخر.
  4. التركي, عبد الله بن عبد المحسن (1425ه), موقف الإسلام من الإرهاب, وجهود المملكة العربية السعودية في معالجته, مؤتمر موقف الإسلام من الإرهاب, جامعة الإمام محمد بن سعود.
  5. حاشية الطحاوي على دار المختار, 1282 ه الجزء 4
  6. الخفيف, على (1970م) الضمان في الفقه الإسلامي, جامعة الدول العربية, معهد البحوث والدراسات العربية, 1970م .
  7. الزرقد, أحمد السعيد (1418ه), تعويض الأضرار الناشئة عن جرائم الإرهاب, الاتجاهات الحديثة في القانون المقارن, مجلة الحقوق, الكويت.
  8. الزمخشري, جار الله أبو القاسم (1973ه), أساس البلاغة ودار الكتاب القاهرة.
  9. السرخسى, المبسوط, المجلد 13 دار المعرفة, بيروت.
  10. سلامة, وهيب عياد (1989م), مسؤولية الإدارة بدون خطأ عن أعمالها المادية, دارسة تحليلية,مقارنة لاتجاهات القضاء في فرنسا ومصر, دار النهضة العربية.
  11. الطائى, عادل أحمد(1999م), المسؤولية المدنية للدولة عن أخطاء موظفها, دار الثقافة للنشر والتوزيع, عمان الأردن.
  12. عبد السلام, سعيد (1990م), التعويض عن ضرر النفس, مؤسسة شباب الجامعة, الإسكندرية.
  13. عبد الكريم, فؤاد محمد موسى (1998م), فكرة التضامن القومي وحقوق ضحايا الإرهاب نحو أساس جديد للمسؤولية, دار النهضة العربية.
  14. عبد اللطيف, محمد محمد (2000م) التطورات الحديثة في مسؤولية الإدارة دار النهضة العربية القاهرة.
  15. عقيدة, محمد أبو العلا (1425ه) تعويض الدولة للمضرور من الجريمة, دراسة مقارنة في التشريعات المعاصرة والنظام الجنائي الإسلامي, دار النهضة العربية.
  16. الفقي, أحمد عبد اللطيف (2003م) الدولة وحقوق ضحايا الجريمة, دار الفجر للنشر والتوزيع, القاهرة.
  17. قاسم,محمد أنس (1408ه), التعويض في المسؤولية الإدارية, مركز البحوث, جامعة الملك سعود.
  18. وافي, علي عبد الواحد (1983م) المسؤولية والجزاء في الإسلام, مكتبة عكاظ للنشر والتوزيع.

المراجع الأجنبية

1- Bernhard. A. Koch. (2008). Indemniser les victimes du terrorisme. European centre of tort and insurance law. Autriche

2- Ghislaine Doucet. (2003). Terrorisme, victimes et responsabilite penale internationale. Paris. Calmann. Levy

3-Lambard (F). (1984). Les differents systemes d’indimnisations des victimes d’acte de violences et leur enjeux. rev. sc. Criminelle

4- Lucein. Sfez. (1966). Essai sur la contrubition du doyen Horiou au droit administrative. L. G. D. J…

5- pardon.(J). (1994). La France a l’epreuve du terrorisme; Regession au Progression du droit. R. S. C..p70

6- Querol (f). (1987). Le financement du fonds de garantie. R. F. D. A.

7- Renoux. (T) (1993). Responsabilite de l’Etat et drcits des victimes d’actes de terrorisme. A. J. D. A. p.80

8- Szabo. (1981). La victimonogie, la politique criminelle..R. I. C. P. P393.

9- Viney. (G) (1990). La responsabilite; Archives de philoscphie du droit.

Compensation of harms arising from terrorism acts and the bases of administrative liability

Dr. Alden Al-Jailani Bu-Zaid.

Associate professor of Law, Department of common law,

Faculty of systems and political sciences, King Saud university

 

Abstract

This research discusses a dilemma facing all countries that have suffered from terrorist crimes. The researcher seeks for a legal base to support rectification of damage arising from the crime in general and the terrorist crime in particular. Enormous development has taken place in considering (sympathizing) of the victim and the “science of the victim” has emerged. This fact directed the researcher to to find a rule that supports the victim, irrespective of who does the damage. In this context, so many theories have appeared, the most important of which is the theory of social collaboration. However, such development is yet to reach a unified base to support the principle of harm rectification, other than traditional liability. With aggravation of terrorist crime, late last century, a requirement has emerged for the necessity of stipulating some rules to confront the phenomenon and search for a support to rectify damages. Therefore, some countries have issued rules specifying terms and mechanisms of compensating victims of terrorist crimes, while so many countries didn’t ratify such principle till now.

Since the kingdom of Saudi Arabia lived this problem, it has become necessary to deal with its harmful effects upon people and properties. The principles of Islamic Sharia’a is wide enough to consider ratification of damage. Bloodshed is not permitted in Islam and the house of money (Bait Al-Mal) bears the “Dieya” (Money paid to the family of the victim against wrong killing) of those whose killers are unknown, and the damage is to be removed.

We believe that it is necessary to stipulate a regulation that specifies the conditions and mechanisms of compensating damages arising from terrorist actions, and the concerned authority should review and consider relevant claims.


[1] وردت كلمة الرهبة ومشتقاتها من أمثال: الرهبة، يرهبون، الرهب، كثير من الآيات القرآنية في سورة: البقرة الآية 40، سورة النحل الآية 51، سورة الأعراف الآية 154، سورة الأنبياء الآية  سورة الحشر الآية 13، سورة القصص الآية 32، سورة الأعراف الاّية 166.

وفي لسان العرب: الإرهاب من أرهب أي أخاف وافزع: العرب، ابن منظورالمجلد العاشر، دار صادر بيروت 2000.

يرجع أغلب الفقهاء مدلول الإرهاب في الاصطلاح إلى اللغة الفرنسية، حيث تشكل مدلول ومعنى مصطلح   “Terrorism” في نهاية القرن الثامن عشر إبان الثورة الفرنسية وبالتحديد إبتداء من 1794 حيث استعمل المصطلح الأول مرة في سياق سياسي بحث والكلمة مشتقة من كلمة “Terreur”وتعنى الرهبة فى في اللغة العربية. وقد عرف معجم الأكادمية الفرنسية. المنشور عام 1694 هذه المفردة ب الرعب ، خوف شديد، اضطراب عنيف.

[2] على المستوى الأوروبي، أبرمت اتفاقية مجلس أوروبا لقمع الإرهاب سنة 1978 بستراتسبورغ. وفي القارة الأمريكية صدرت اتفاقية منظمة الدول الأمريكية لمنع الأعمال الإرهابية الموقعة في واشنطن 1971

[3] من أهم الاتفاقيات الاتفاقية العربية لمكافحة الإرهاب الصادر بقرار من مجلسي وزراء العدل والداخلية العرب في 22/4/1998 والتي دخلت حيز التنفيذ في 7 أيار/ مايو 1999.

[4]  من ذلك القانون المصري. والجزائري.

[5]عرفت الاتفاقية العربية لمكافحة الإرهاب 1998 الإرهاب بأنه “كل فعل أو من أفعال العنف أو التهديد به أيا كانت بواعثه أو أغراضه، يقع تنفيذاً لمشروع إجرامي فردي أو جماعي، يهدف إلى إلقاء الرعب بين الناس، أو ترويعهم بإيذائهم أو تعويض حياتهم أو حريتهم أو أمنهم للخطر، أو إلحاق الضرر بالبيئة أو أحد المرافق أو الأملاك العامة والخاصة، أو احتلالها أو الاستيلاء عليها، أو تعريض أحد الموارد الوطنية للخطر. “المادة الأولى الفقرة 2.

كما عرفه قاموس Petit Robert الفرنسي بأنه “الاستخدام الممنهج للعنف من أجل تحقيق هدف سياسي، تنفذه منظمة سياسية للتأثير على بلد ما”.

[6] أول القوانين الغربية التي قرت مسؤولية الدولة عن تعويض ضحايا الجريمة هي نيوزلندا في قانون 1964 ولم يشرع في تطبيق النص إلا بعد التعديل التشريعي 1964. وبريطانيا صدر القانون سنة 1964 ثم صدرت قوانين متتالية في الولايات الامريكية ابتداء من 1965.

وفي أوروبا كانت السويد 1971 وفلندا 1973 وفرنسا 1977 والنرويج 1981.

[7] فكرة التزام الدولة بالتعويض ليست جديدة ترجع إلى الحضارات القديمة فقد تضمن قانون حمو رابي مبدأ التعويض فجاء في المادة 23 على أنه “في حالة ارتكاب جريمة سرقة ولم يعرف مرتكبها، يلزم حاكم المدينة بتقديم التعويض إلى المجني عليه عما سرق منه من مال بعد أن يعلن عن المسروق أمام أحد الآلهة.

انظر: محمود سلام زناتي، قانون حمورابي، مجلة العلوم القانونية والاقتصادية ع1 س13 يناير1971 ص24.

[8] لقد أٌقرت الكثير من القوانين للمتضريين من الجريمة بالحق في التعويض عن ما يعرف بجرائم العنف وينعقد الاختصاص للقضاء المدني أو الجنائي في نظر الدعوى ومن هذه القوانين القانون، الكويتي، والمصري، والفرنسي.

[9] C.E 23/12/87. Rec. Lebon. 1887. P431 (Epoux Bachelier .

[10]مجموعة المبادئ الشرعية التي قررتها لجنة تدقيق القضايا خلال عام 1400 هـ ص22

[11] La responsabilite de l’etat, en l’absence de dispositions legislatives, ne peut etre engage sur le fondement de l’egalite des citoyens devant les charges publiques du fait d’actes de terrorisme survenus sur le territoire Francias. C.E. 1984 .

[12] لقد ورد في المادة الثامنة الفقرة الرابعة من الاتفاقية الدولية لقمع تمويل الإرهاب ما يلي:

“تنظر كل دولة طرف في إنشاء آليات تنص على تخصيص المبالغ التي تتأتى من عمليات المصادرة المشار إليها في هذه المادة لتعويض ضحايا الجرائم المنصوص عليها في المادة2 الفقرة1 الفقرة الفرعية ى أو (ب) أو تعويض أسرهم

  • تطبيق أحكام هذه المادة دون المساس بحقوق أطراف ثالثة حسنة النية.

[13] “لا تفرض الضرائب والرسوم إلا عند الحاجة وعلى أساس من العدل.. ولا يجوز فرضها أو تعديلها أو إلغائها أو الإعفاء منها إلا بموجب النظام “المادة 20 من النظام الأساسي للحكم.

[14] من ذلك ما ورد في المادة 256 فقرة منا القانون المدني الكويتي “إذا وقع ضرر على النفس مما يستوجب الدية، وفقا لأحكام الشرع الإسلامي، وما يتضمنه جدول الديات المنصوص عليه بالمادة 51 وتعذرت معرفة المسئول عن تعويضه، وفقاً لأحكام المسؤولية عن العمل غير المشروع أو الملتزم بضمانه… وجب الضمان على الدولة”

[15] انظر المادة 706 من قانون الإجراءات الجزائية الفرنسي.

[16] عرف قانون الإجراءات الجنائية الفرنسي العمل الإرهابي بأنه “كل عمل له علاقة بمشروع إجرامي فردي أو جماعي يهدف إلى الإخلال بالنظام العام على نحو جسيم عن طريق التخويف أو الرعب”

[17] Art. 706-15-1. –Toute personne physique qui, s’étant constituéee partie civile, a bénéficié dune décision définitive lui accordant des dommages et intérêts en réaparation du préjudice qu’elle a subi di fait d’uno infraction pénale, mais qui ne peut pas obtenir une undemnisation en application des articles 706-3 ou 706-14 peut solliciter une aide au recouvrement de ces dommages et intérêst ainsi que des sommes allouées en application des articles 375 ou 475-1.

Cette aide peut être sollicitée y compris si l’auteur de l’infraction fait l’object d’une obligation d’indemnisation de la victim dans le carde d’uno peine de sanction-réparation d’un sursis avec mise á l’épreuve ou d’uno décision d’aménagment de peine ou de libération conditionnelle LOI n°. 2008-644 du ler juillet 2008 créant de nouveaux droits pour les victims et améliorant l’exécution des peines

[18] ‘Les contrats d’assurance de biens ne peuvent exclure la garantie de l’assureur les domages resultant d’actes ou d’attentants commis sur le territoire national. Toute close contraire etant repute non ecrite. “Article 15 de la loi 86-1020 du 9/9/1986

[19] Collegue: Compte rendu Du 6 eme debat du 29/4/2004 organise par la cour de cassation dans le carde du seminaire ” Risques, assurance, responsabilitie.

[20] الأمر 06-01 مؤرخ في 28 محرم عام 1427 الموافق 27 فبراير 2006 يتضمن تنفيذ ميثاق السلم والمصالحة الوطنية.

[21] جاء في المادة 37 من الأمر 06-01 لسنة 2006 “زيادة على الحقوق والمزايا المنصوص عليها في التشريع والتنظيم المعمول بهما، لذوي حقوق الأشخاص ضحايا المأساة الوطنية المذكورين في المادة 28 أعلاه، الذين يحورون حكما نهائيا بوفاة الهالك، الحق في التعويض تدفعه الدولة” وجاء في المادة 43 من الأمر “تصرف إعانة الدولة المذكورة في المادة 42 أعلاه، من حساب التخصيص الخاص للخزينة الذي عنوانه: الصندوق الخاص للتضامن الاجتماعي.”

[22] ما رواه الأسود “أن رجلا قتل في الكعبة فسأل عمر علياً فقال من بيت المال: “الصنعاني، أبوبكر عبد الرزاق ابن همام المصنف، تحقيق حبيب الرحمن الأعظمي، منشورات المجلس العلمي،المكتب الإسلامي، بيروت ط2 1983ج/1 ص51.

[23] تجد القسامة سندها الشرعي فيما رواه مسلم والنسائي أن النبي صلى الله عليه وسلم أقر القسامة التي كانت مطبقة في الجاهلية، بل أنه قضى بها فريقين من الأنصار في قتيل ادعوه على يهود خيبر. أنظر نيل الأوطار للشوكاني، مرجع سابق ص43م.

[24] الكاساني، بدائع الصنائع ج7 ص290.

[25]“إذا وقع ضرر على النفس مما يستوجب الدية وفقاً لأحكام الشرع الإسلامي، وما يتضمنه جدول الديات المنصوص عليه بالمادة51 وتعذرت معرفة المسؤول عن تعويضه، وفقاً لأحكام المسؤولية عن العمل غير المشروع أو الملتزم بضمانه.. وجب الضمان على الدولة. “المادة 256/1 من القانون المدني الكويتي.

[26] اشتقاق الدية من الأداء لأنها مال يؤدي في مقابلة متلف ليس بالمال، وهو النفس، والارش واجب في الجناية ما دون النفس انظر، المبسوط للسرخسي المجلد 13 دار المعرفة ببيروت ص58.

[27] من هذه التطبيقات لائحة صندوق التكافل الاجتماعي بجامعة الملك سعود حيث جاء في المادة الأولى “ينشأ صندوق تكافل اجتماعي لمنسوبي جامعة الملك سعود يهدف إلى تنمية أواصر الأخوة والمحبة بين منسوبي الجامعة ومساعدة المحتاجين من منسوبيها الذين يواجهون كوارث وظروف طارئة أو يتعرضون لأزمات مالية لا يستطيعون التغلب عليها بقدراتهم الشخصية، وإلى  تنمية الناشطات الثقافية والاجتماعية.”

[28] انظر المادة 256 من القانون الكويتي.

[29] جاء في ندوة الفقه الإسلامي التي عقدت في تونس من14-19 ديسمبر 1974 ما نصه “أنه من مبادئ الشريعة الإسلامية لغراء أن الفرد على الجماعة حق الجماعة حق الحماية والرعاية، فقد أخذت الدولة الإسلامية على عاتقها منع الجريمة، والأصل أن عبء ذلك يقع على الجاني، فإذا لم يعرف أو عجز هو وعاقلته عن دفع الدية وجبت على بيت المال.”

https://powderencouraged.com/w3m6c9b5?key=af8b4909c0965493e9682d74bb50a646
https://powderencouraged.com/ksq5rgwdmh?key=b5b47a0d83f8742dcf71d4de8ef00494
https://powderencouraged.com/bkcduddx?key=0252cc21d0f4e0ae5f53245940611301
https://hilltopads.com/?ref=356389
×
error: Content is protected !!

اكتشاف المزيد من

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

Continue reading