المفهوم القانوني للمستهلك
دراسة تحليلية نقدية
د. يوسف شندي
أستاذ ورئيس دائرة القانون
كلية الحقوق والإدارة العامة- جامعة بيرزيت
لمفهوم “الاستهلاك” مدلولان، أحدهما اقتصادي والآخر قانوني، ظهر مفهوم الاستهلاك في البداية مصطلحا اقتصاديا بحثا، وكان يشير إلى المرحلة الأخيرة من مراحل الدورة الاقتصادية الثلاث،التي تأتي بعد كل من مرحلتي الإنتاج والتوزيع، وظهر إلى جانبه مفهوم المستهلك، ويراد به، كل شخص يقوم بعملية الاستهلاك المادي للسلعة أو الخدمة، بصرف النظر عن صفته ( شخصا طبيعيا أو معنويا، مستهلكا عاديا أو حرفيا) وغايته من الاستهلاك (أكانت لتلبية حاجات ذاتية أو عائلية أو حتى حرفية)، فعملية الاستهلاك بهذا المعنى، تشتمل على عنصرين: السلعة أو الخدمة محل الاستهلاك، والمستهلك الذي يباشر عملية الاستهلاك المادي لهذه السلعة أو الخدمة.
أما مفهوم الاستهلاك بوصفه مصطلحا قانونيا، فظهر متأخرا، لكنه بدأ يحتل منذ السبعينيات من القرن الماضي، مركزا مهما في الفكر القانوني، ولا يهتم رجل القانون- على عكس رجل الاقتصاد- بواقعة الاستهلاك المادي للسلعة أو الخدمة،بقدر اهتمامه بالتصرفات القانونية التي يجريها الأشخاص، للحصول على هذه السلعة أو الخدمة، والغاية التي تم من أجلها إجراء هذه التصرفات.
فبينما يسعى رجل الاقتصاد إلى تشجيع الاستهلاك وتحسين المنتوجات، لتلبي الرغبات المتجددة والمتنوعة لجميع الأشخاص، فكلهم مستهلك بالنسبة له، بغض النظر عن صفته والغاية من الاستهلاك،في حين يسعى رجل القانون إلى حماية المستهلك، في صحته وماله، والعمل على إقامة علاقات عقدية متوازنة، كلما وجد أن أحد طرفيها أضعف من نظيره، ووجد أن النظرية العامة للالتزام لا تكفي لحمايته بصورة كافية وفعالة، وبالتالي، يختلف مفهوم المستهلك في القانون عنه في الاقتصاد، فالقانون لا يحمي إلا فئة معينة من المستهلكين- بمعناها الاقتصادي- يحددها وفق شروط وضوابط معينة، سنحاول إبرازها في هذه الدراسة.
تولي غالبية التشريعات الحديثة عناية كبيرة بحماية المستهلك، عن طريق تشريع قواعد خاصة ذات صفة آمرة من النظام العام، وتشتمل هذه القواعد على مجموعة وسائل قانونية- مدنية وجنائية – تهدف إلى حماية المستهلك في المجالات الاستهلاكية المختلفة([1]). فبعضها يهدف إلى حماية المستهلك في صحته، كمحاربة الغش التجاري، وتوفير منتجات سليمة له بمواصفات معينة، وحمايته من أضرار بعض السلع والمنتجات المعيبة أو الخطرة. وبعضها الآخر يهدف إلى حماية المستهلك في ماله، كمحاربة المديونية الزائدة، وتحقيق التوازن بين المستهلك والمهني أو المحترف في العقود الاستهلاكية، فالمستهلك هو الطرف الضعيف في العقد الاستهلاكي مقارنة بالمهني، مما يستدعي حمايته في جميع مراحل التعاقد، ففي المرحلة السابقة للتعاقد، تقوم التشريعات بتوفير حماية له من الدعاية المضللة والكاذبة، وتفيده من واجب الإعلام المفروض على المهني، وفي مرحلة إبرام العقد، تفرض على المهني مجموعة التزامات، من شأنها ضمان تمام رضا المستهلك بالعقد، كالالتزام بتقديم بعض المعلومات المهمة في التعاقد كتابة، أو استخدام نموذج مكتوب للتعاقد، وإعطاء المستهلك في بعض الأحيان مهلة زمنية مناسبة للتفكير، يعيد خلالها حساباته قبل أن يقدم على إبرام العقد بصورة نهائية، فإذا تم إبرام العقد، تعمل على حمايته من الشروط التعسفية، وفي مرحلة تنفيذ العقد، تقر له أحيانا بحقه في الرجوع عن العقد الذي أقدم على إبرامه بإرادته المنفردة، خلال مدة معينة، ودون أن تقع عليه أية مسؤولية، فإذا اختار المستهلك الإمساك بالعقد، ألزمت المهني بضمان العيوب الخفية في المبيع، والآثار الخطرة الناجمة عن استعماله.
تستدعي دراسة هذه القواعد الحمائية بداية، تحديد مفهوم “المستهلك”، لأنه يترتب على ذلك معرفة نطاق تطبيق النصوص الاستهلاكية من حيث الأشخاص غير أن تحديد هذا المفهوم في الواقع ليس أمرا سهلا، ليس فقط في القانون المقارن، لاختلاف السياسات التشريعية والإيديولوجيات الاجتماعية والاقتصادية بين الشعوب والدول، بل في نطاق النظام القانوني في البلد الواجد أيضا، فعند وجود نص قانوني يعرف المستهلك، يقوم القضاء ويسانده أحيانا جانب من الفقه([2])، بالعمل على تفسيره بطريقة واسعة أو ضيقة، من أجل زيادة الشريحة المشمولة بالحماية أو تضييقها. أدى هذا النهج في كثير من الأحيان إلى غموض مفهوم المستهلك، مما يهدد الاستقرار القضائي، بسبب تباين الأحكام القضائية في المواضيع المتشابهة، وعدم إمكانية توقع الأطراف بشكل مسبق للقواعد القانونية الواجبة التطبيق بشأن التصرفات التي يجرونها: أهي القواعد العامة أم القواعد الاستهلاكية؟
من أجل الوقوف على المفهوم الأصوب والأدق للمستهلك، بحيث يأتي متطابقا مع الغاية التي وضعت من أجلها قواعد خاصة بحمايته، لا يكفي الاعتماد في تعريف المستهلك على صفة أطراف العقد الاستهلاكي، فهذا الأخير يعرف في التشريعات المختلفة على أنه:”عقد يبرم بين مهني ومستهلك”، غير أن هذا التعريف قاصر عن تحديد مفهوم المستهلك بشكل دقيق، نظرا لاختلاف هذه التشريعات في تفسير كلا المصطلحين:”المهني” و”المستهلك”، وعليه تتمثل إشكالية الدراسة في مجملها في سؤالين: الأول، هل ينحصر مفهوم المستهلك في الأشخاص الطبيعيين أم هل يمكن توسيعه ليشمل الأشخاص المعنويين أيضا، أو ليشمل على الأقل بعضا منها، خصوصا إذا كانت لا تهدف إلى تحقيق أرباح مادية، وإذا كان ذلك ممكنا، بناء على أي معيار أو معايير يتم ذلك؟ والثاني، هل يمكن في بعض الحالات اعتبار المهني مستهلكا، خصوصا عندما يتعاقد خارج نطاق تخصصه،كونه الطرف الضعيف في العلاقة التعاقدية مقارنة بنظيره المهني الأخر؟ فإذا كانت الإجابة بنعم، فما هي الضوابط في ذلك؟
سنقوم بالإجابة عن هذين السؤالين من خلال المقارنة بين بعض النظم القانونية العربية في فلسطين ولبنان وتونس ومصر، وقانون الاستهلاك الفرنسي والتوجيهات الأوروبية المتعلقة بالموضوع، وذلك في مبحثين: نخصص الأول لبيان موقف التشريع والفقه من مفهوم المستهلك، ونخصص الثاني لتقصي موقف القضاء من هذا المفهوم.
المبحث الأول: موقف التشريع والفقه من مفهوم المستهلك
نتناول في هذا المبحث موقف كل من التشريع والفقه من مفهوم المستهلك، وذلك في مطلبين متتاليين:
المطلب الأول: موقف التشريع
سنقوم بإبراز موقف التشريع من مفهوم المستهلك في فرعين: نخصص الأول لعرض اتجاهات التشريع المختلفة في هذا الشأن، ونخصص الثاني لاستقصاء المعايير التي اعتمدتها التشريعات في تحديدها لمفهوم المستهلك.
الفرع الأول: الاتجاهات التشريعية المختلفة
تتفق جميع التشريعات من حيث المبدأ على إصباغ صفة المستهلك على الأشخاص الطبيعيين الذين يتصرفون لغايات غير مهنية، إلا أنها تختلف بعد ذلك حول إصباغ هذه الصفة على الأشخاص المعنويين وعلى المهنيين الذين يتصرفون خارج إطار تخصصاتهم إلى ثلاثة اتجاهات: اتجاه يؤيد اعتبار هؤلاء مستهلكين واتجاه يعارض ذلك، واتجاه ثالث أخير يتسم موقفه بالغموض، فلم يعبر عن إجازة أو رفض لشمول هؤلاء ضمن مفهوم المستهلك. وعليه نعرض هذه الاتجاهات الثلاثة على التوالي.
أولا: الاتجاه المؤيد:
تشير غالبية التشريعات، بصورة صريحة أو ضمنية، إلى إصباغ صفة المستهلك على الأشخاص المعنويين إلى جانب الأشخاص الطبيعيين، بشرط أن يجروا التصرف خارج إطار نشاطهم المهني، ومن التشريعات التي نصت صراحة على ذلك، قانون حماية المستهلك اللبناني لعام 2004، الذي عرف المستهلك في مادته الثانية على أنه: “الشخص الطبيعي أو المعنوي الذي يشتري خدمة أو سلعة أو يستأجرها أو يستعملها أو يستفيد منها، وذلك لأغراض غير مرتبطة مباشرة بنشاطه المهني”. في المقابل تم تعريف “الحرفي” في نفس المادة على أنه: “الشخص الطبيعي أو المعنوي، من القطاع الخاص أو العام، الذي يمارس، باسمه أو لحساب الغير، نشاطا يتمثل بتوزيع أو بيع أو تأجير السلع أو تقديم الخدمات، كما يعتبر محترفا، لغرض تطبيق أحكام هذا القانون، أي شخص يقوم باستيراد السلعة بهدف بيعها أو تأجيرها أو توزيعها وذلك في إطار ممارسته لنشاطه المهني”. بموجب هذين النصين، فإنه يمكن إصباغ صفة المستهلك على الأشخاص الطبيعيين والمعنويين على حد سواء، بشرط أن يجروا التصرف لأغراض ليس لها ارتباط بممارسة نشاطهم المهني. أما بالنسبة للمهني، فيتم تصنيفه في عداد المستهلكين أو المهنيين حسب الوقائع الخاصة بكل قضية، وذلك بالبحث عن مدى وجود ارتباط مباشر بين موضوع التصرف وممارسة النشاط المهني، فإذا وجد مثل هذا الارتباط، استتبع ذلك رفض اعتبار المهني مستهلكا، أما إذا انتفى هذا الارتباط، فيمكن اعتبار المهني في هذه الحالة مستهلكا.ونضرب المثال الآتي، لتوضيح مدى توافر هذا الارتباط المباشر من عدمه: فصاحب المخيطة الذي يشتري القماش لتصنيع الملابس، لا يعد مستهلكا بسبب وجود ارتباط مباشر بين موضوع التصرف، وهو شراء القماش، وممارسة النشاط المهني، المتمثل بتصنيع الملابس. أما إذا قام الشخص ذاته بشراء ملابس لأولاده من السوق، فيعد في هذه الحالة مستهلكا، نظرا لعدم توافر ارتباط مباشر بين شراء الملابس وعمل المخيطة.
ومن التشريعات التي تشير ضمنا إلى المستهلك، بوصفه شخصا معنويا، قانون حماية المستهلك التونسي، حيث عرف المستهلك في المادة(2- د) أنه: “كل من يشتري منتوجا لاستعماله لغرض الاستهلاك”، وذلك على خلاف المزود التي تم تعريفه في المادة (2- ب) أنه: “صانع المنتوج وموزعه ومورده ومصدره وكل متدخل آخر في سلسلة الإنتاج ومسالك التوزيع والتسويق”. فمفهوم المستهلك الوارد في هذه المادة، يتسم بالإطلاق، مما يثير إشكالا من ناحيتين، الأولى: ما المقصود من تعبير كل من يشتري”؟ هل يقتصر على الشخص الطبيعي فقط، أم هل يتسع ليشمل الشخص المعنوي أيضا؟ نرى أنه يمكن في هذه الحالة تطبيق القاعدة، التي تفيد أن المطلق يبقى على إطلاقه حتى يأتي نص يقيده، وعليه يمكن القول: إن هذا التعبير يشير إلى الأشخاص الطبيعيين والمعنويين على حد سواء. الثانية: ما المقصود من تعبير “لغرض الاستهلاك”؟ فعملية الاستهلاك لا تعني بحد ذاتها شيئا، فالجميع يشتري المنتجات لغرض الاستهلاك، سواء أكانوا أشخاصا طبيعيين أو معنويين، لأغراض مهنية أو غير مهنية، ولكن نعتقد أن المقصود من هذا التعبير هو المستهلك النهائي للمنتج فقط، إذ لو أراد المشرع التونسي إطلاق تعريف المستهلك، لما أورد تعريفا مستقلا “للمزود”، وعليه يمكن القول إن المشرع التونسي قد شمل في تعريف المستهلك الأشخاص الطبيعيين والمعنويين على حد سواء، إلا أنه اشترط ضمنا أن تتم عملية الشراء لتلبية حاجات خاصة غير مهنية.
واتبع قانون حماية المستهلك الفلسطيني لعام 2005 نهج القانون التونسي ذاته، حيث عرف المستهلك في مادته الأولى أنه: “كل من يشتري أو يستفيد من سلعة أو خدمة”، في حين تم تعريف المزود في ذات المادة أنه: “الشخص الذي يمارس باسمه أو لحساب الغير نشاطا يتمثل بتوزيع أو تداول أو تصنيع أو بيع أو تأجير السلع أو تقديم الخدمات”. فتعريف المستهلك الوارد في هذه المادة يتسم بالإطلاق، نظرا لاستخدام لفظة “كل من” دون إيراد أي ضابط لها. فإذا أجري المطلق على إطلاقه، أدى ذلك إلى اعتبار جميع الأشخاص مستهلكي، بغض النظر عن كونهم أشخاصا طبيعيين أو معنويين، مهنيين أو غير مهنيين، يتصرفون لأغراض مهنية أو خاصة. فهذا الإطلاق ينطوي على درجة كبيرة من الخطورة، لأن ذلك يؤدي من جهة إلى هدم الفواصل بين القواعد الاستهلاكية، والقواعد العامة، ويتعارض من جهة أخرى مع الحكمة من تشريع قواعد خاصة تعنى بحماية المستهلك، والمتمثلة في حماية هذا الأخير باعتباره الطرف الضعيف في العلاقة التي تربطه بالمهني، فإذا اعتبرنا جميع الأشخاص مستهلكين، فكيف يمكن حماية المستهلك باعتباره الطرف الضعيف في هذه الحالة، لكن رغم هذا الإطلاق، نعتقد أن الهدف من إيراد تعريف “المزود” في المادة نفسها، كان استبعاد المهنيين الذين يتعاقدون لأغراض مهنية من تعريف المستهلك فقط.وعليه، نرى أن تعريف المستهلك الوارد في المادة الأولى المذكورة أعلاه، يشمل الأشخاص الطبيعيين والمعنويين على حد سواء، إلا أنه يستبعد المهنيين من مفهوم المستهلك، سواء أكانوا أشخاصا طبيعيين أو معنويين، نظرا لشمولهم ضمن مفهوم المزود المذكور أعلاه.
نخلص من مجموع النصوص السابقة إلى أن مفهوم المستهلك يتسع من حيث المبدأ، سواء بالنص صراحة أو ضمنا، ليشمل الأشخاص الطبيعيين والمعنويين على حد سواء، فالضابط الوحيد في إصباغ صفة المستهلك على الشخص المعنوي، هو خروج موضوع التصرف عن ممارسة نشاطه المهني، وهذا ما أورده القانون اللبناني بشكل صريح، بينما يفهم ذلك ضمنا من نصوص القوانين الأخرى سابقة الذكر، من خلال التفسير بطريق المخالفة لمفهوم المهني أو المورد أو المزود، أما بالنسبة للمهني، فنرى من مجموع هذه النصوص أنه غير مستبعد بصورة آلية من نطاق الحماية المقررة للمستهلك، إنما يتم تقرير الحماية أو رفضها تبعا للغرض من الاستهلاك، فإذا كان إجراء التصرف قد تم لأغراض مهنية فلا يعد مستهلكا، أما إذا تم إجراؤه لأغراض غير مهنية، فلا ضير من اعتباره مستهلكا.
ثانيا:الاتجاه المعارض
يرفض هذا الاتجاه كليا، على خلاف الاتجاه السابق، إصباغ صفة المستهلك على الأشخاص المعنويين والمهنيين، ويقصر هذه الصفة على الأشخاص الطبيعيين الذين يتصرفون لغايات ذاتية أو عائلية تحديدا. أخذ قانون حماية المستهلك المصري رقم 67 لسنة 2006 بهذا الاتجاه، ولكن بصورة ضمنية،حيث عرف المستهلك في الفقرة الثالثة من المادة الأولى أنه: “كل شخص تقدم إليه أحد المنتجات لإشباع احتياجاته الشخصية أو العائلية أو يجري التصرف أو يجري التعامل أو التعاقد معه بهذا الخصوص”. في حين عرف المورد في الفقرة الرابعة من المادة نفسها أنه: “كل شخص يقوم بتقديم خدمة أو بإنتاج أو باستيراد، أو توزيع أو عرض أو تداول أو الاتجار في أحد المنتجات أو التعامل عليها، وذلك بهدف تقديمها للمستهلك أو التعاقد أو التعامل معه عليه بأية طريقة من الطرق”. فعبارة “لإشباع احتياجاته الشخصية أو العائلية” الواردة في الفقرة الثالثة من المادة الأولى، تشير ضمنا وبشكل مؤكد إلى المستهلك بصفته شخصا طبيعيا على وجه الحصر، نظرا لعدم انطباق هذا الشرط على الشخص المعنوي، بل على الإنسان، كما يشير ذات المصطلح أيضا إلى عدم انطباق مفهوم المستهلك على المهني الذي يتصرف لغايات مهنية، حتى خارج إطار تخصصه، إذ يجب لاعتبار الشخص مستهلكا أن يتم التصرف فقط لغايات إشباع احتياجات شخصية أو عائلية، وليس لغايات مهنية.
وتبنى المشرع الأوربي هذا الاتجاه أيضا، وذلك بالنص صراحة في العديد من التوجيهات الأوربية على قصر مفهوم المستهلك على الأشخاص الطبيعيين تحديدا، واشترط أيضا أن يتصرف هؤلاء لأغراض ذاتية أو عائلية، بحيث تنتهي عندهم الدورة الاقتصادية للسلعة أو الخدمة، فعلى سبيل المثال، تم تعريف المستهلك في التوجيه الأوربي رقم97-7 المتعلق بحماية المستهلكين في العقود التي تتم عن بعد، الصادر بتاريخ 20/5/1997([3])، في مادته 2-2 بأنه: “كل شخص طبيعي يتصرف لغايات لا تدخل في إطار نشاطه المهني”. فأتى تعريف المستهلك نقيضا لتعريف المهني “المزود”، الوارد في الفقرة الثالثة من المادة نفسها، والذي تم تعريفه أنه: ” كل شخص طبيعي أو معنوي يتصرف في إطار نشاطه المهني”. وأورد المشرع الأوربي تعريفات متعددة للمستهلك في موضوعات أخرى، لكنها تحمل جميعا ذات المعنى تقريبا، وتظهر مدى تمسكه بالمفهوم الضيق للمستهلك([4]).
ثالثا: الاتجاه الغامض:
يتسم موقف هذا الاتجاه بالغموض، تجاه شمول مفهوم المستهلك للأشخاص المعنويين والمهنيين الذين يتعاقدون خارج إطار تخصصهم، فلا يعبر صراحة أو ضمنا عن قبول أو رفض بهذا الخصوص، ومن التشريعات القليلة التي تبنت هذا الاتجاه، قانون الاستهلاك الفرنسي، فخلافا للمشرع الأوربي الذي أخذ بالمفهوم الضيق للمستهلك رغم تشدده إزاء الأشخاص المعنويين والمهنيين، الذين يتصرفون لغايات مهنية ولكن خارج نطاق تخصصهم، لم يستطع المشرع الفرنسي اتخاذ قرار حاسم بهذا الشأن، فمفهوم المستهلك يشوبه الغموض في القانون الفرنسي من كل جانب([5])، فمن خلال استقراء نصوص قانون الاستهلاك الفرنسي([6])، لا يستطيع أحد التأكيد على أخذها بالمفهوم الضيق أو الواسع للمستهلك، نظرا لاشتمالها على عدة تعريفات متناقضة له([7]). ويتلخص سبب هذا الغموض في عدم اعتماد المشرع الفرنسي معيارا واحدا في تعريفه للمستهلك، فأحيانا يحيل إلى فئة من الأشخاص، وأحيانا يحيل إلى فئة من التصرفات، وأحيانا أخرى يحيل إلى الاثنتين معا، فبعض النصوص تعرف المستهلك تعريفا واسعا جدا، بحيث تشمل الحماية جميع الأشخاص الطبيعيين، كما في موضوعي محاربة المديونية الزائدة والرهن. بينما تشير النصوص الخاصة بالشروط التعسفية إلى العقود المبرمة بين “مهني وغير مهني أو مستهلك”، فبالإضافة إلى عدم تعريف النص لمصطلحي “المستهلك” و”المهني”، إلا أن كلمة “غير المهني” بقيت لغزا، فلا نعرف إن كان لها مدلول خاص أم هو مجرد إسهاب في التعبير، غير أن البعض ترجمه على أنه يشير إلى المهني، الذي يتصرف ضمن إطار نشاطه المهني، ولكن خارج نطاق تخصصه([8]). كما تكتفي بعض النصوص باستبعاد العمليات المخصصة لأغراض مهنية، كما هو الحال في موضوع القروض، وتستبعد كذلك النصوص الخاصة بالبيوع المنزلية من نطاق تطبيقها، العمليات التي تكون لها علاقة مباشرة بنشاط مهني، وتستبعد أيضا النصوص الناظمة لموضوع المديونية الزائدة من نطاق تطبيقها، الديون التي تكون لها صفة مهنية.
ولعل سبب هذا الغموض يعود إلى أن نصوص قانون الاستهلاك الفرنسي لم تشرع دفعة واحدة، إنما جاءت على مراحل متتالية؛ فكل نص جاء بتعريف مستقل للمستهلك، ولكن دون النظر إلى تناسق النصوص جميعا. ويفسر البعض هذا الغموض أو التناقض بأنه ليس إلا انعكاسا للزوايا المختلفة، التي ينظر فيها إلى العلاقة ما بين النظرية العامة للعقد وقانون الاستهلاك، والتي لم يرسم المشرع الفرنسي حدودها بعد([9]).
في الواقع، أشارت غالبية نصوص قانون الاستهلاك الفرنسي صراحة، إلى المستهلك بوصفه شخصا طبيعيا على وجه التحديد، ولكن لا يوجد أي نص صريح يشير إلى المستهلك بوصفه شخصا معنويا([10])، في المقابل، توجد عدة نصوص توحي بعدم معارضتها لتوسيع مفهوم المستهلك، ليشمل الأشخاص المعنويين، وذلك في موضوعات عدة منها: البيع عن بعد، والقروض الاستهلاكية، والشروط التعسفية… إلخ، فعلى سبيل المثال، استثنت كل من المادة L.311-3 3° الخاصة بالقروض الاستهلاكية، والمادة L.312-3-1° المتعلقة بالقروض العقارية، من نطاق تطبيقهما “القروض الممنوحة للأشخاص المعنويين الخاضعين للقانون العام”. نستنتج عن طريق التفسير بمفهوم المخالفة، أن القروض الممنوحة للأشخاص المعنويين الخاضعين للقانون الخاص غير مستبعدة من نطاق حماية المستهلك، كما أن المادةL.132-1 من قانون الاستهلاك الفرنسي الخاصة بالشروط التعسفية، لم تحدد أيضا ما إذا كان يجب أن يكون المستهلك شخصا طبيعيا، فمن الممكن إذن توسيع مفهوم المستهلك، ليشمل الأشخاص المعنويين إلى جانب الأشخاص الطبيعيين([11]). وتثور ذات المشكلة المتعلقة بمدى شمول مفهوم المستهلك للأشخاص المعنويين إلى جانب الأشخاص الطبيعيين، بشأن المهنيين الذين يتعاقدون في إطار نشاطاتهم المهنية، ولكن في غير تخصصاتهم.
الفرع الثاني: استقصاء المعايير التشريعية
يبدو من خلال التوجيهات السابقة، أن التشريعات المختلفة تسير في تحديدها لمفهوم المستهلك وفق نهج معين ومعايير محددة، فهي تبحث عن توافر صفة أوصفات معينة في الشخص، لاعتباره مستهلكا تنبغي حمايته، أو مهنيا لا يستوجب الحماية. فهي إما أن تقتصر الحماية على المستهلك النهائي للسلعة أو الخدمة، أو تستبعد من نطاق الحماية الأشخاص الذين يتصرفون لأغراض مهنية، أو تبحث عن درجة جهل الشخص، لاعتباره مستهلكا أو مهنيا([12]).
أولا: مستهلك نهائي للسلعة أو الخدمة:
اعتمدت بعض التشريعات في تعريفها للمستهلك على معيار الغاية من الاستهلاك، وبموجبه لا يعد الشخص مستهلكا، إلا إذا كان هو المستهدف النهائي من عملية الاستهلاك، بحيث يتصرف فقط لغرض تلبية احتياجاته الشخصية والعائلية من السلع والخدمات، أما إذا أجرى التصرف لغايات مهنية، فلا يعد مستهلكا، إنما مهنيا لا يستوجب الحماية.
أخذت عدة قوانين بهذا المعيار، ولكن بتعابير مختلفة؛ منها قانون حماية المستهلك المصري لسنة 2006، وذلك بإيراده في تعريف المستهلك لعبارة “لإشباع احتياجاته الشخصية أو العائلية”، والقانون الإسباني لسنة 1984 بإيراده في تعريف المستهلك لعبارة: “بوصفه المستهلك النهائي للأموال المنقولة أو العقارية”. وأخذت بذات المعيار أيضا، غالبية التوجيهات الأوربية المتعلقة بحماية المستهلك، حيث تحصر مفهوم المستهلك في الأشخاص الطبيعيين الذين يتصرفون لأغراض ذاتية أو عائلية، بحيث تنتهي عندهم الدورة الاقتصادية للسلعة أو الخدمة.
كما أخذ به أيضا القانون البلجيكي لعام 1994، من أجل استبعاد التصرفات التي تحمل الصفة المهنية من نطاق حماية المستهلك، وذلك بتعريفه للمستهلك في المادة الأولى منه أنه: “كل شخص طبيعي أو معنوي يحصل على أو يستخدم لأغراض لا تحمل الصفة المهنية منتجات أو خدمات معروضة في السوق”. يفهم من هذا النص أنه يمكن إصباغ صفة المستهلك، على الشخص الطبيعي والمعنوي،على حد سواء، لكن بشرط أن يتصرف كلاهما لأغراض لا تحمل الصفة المهنية، كما يفهم منه أيضا، عن طريق التفسير بمفهوم المخالفة، أن الشخص، سواء أكان شخصا طبيعيا أو معنويا، لا يكتسب صفة المستهلك، عندما يتصرف لأغراض مهنية، فالغرض من الاستهلاك، ودرجة ارتباطه بالنشاط المهني للشخص، هما اللذان يسمحان بتصنيف الشخص على أنه مهني أو مستهلك.
ويبدو أن المشرعين في كل من تونس وفلسطين قد اتبعا هذا المعيار أيضا في تحديدهما لمفهوم المستهلك، ويستشف ذلك من إيراد الأول في تعريف المستهلك لعبارة “لاستعماله لغرض الاستهلاك”، وإيراد الثاني لعبارة “كل من يشتري أو يستفيد من سلعة أو خدمة”، ففي الحالتين يبدو أنهما يشيران إلى المستهلك النهائي للمنتج أو الخدمة، ويؤكد ذلك إيراد كل منهما تعريفا مستقلا للمزود كمفهوم مخالف لمفهوم المستهلك.
ثانيا: مستهلك يتصرف لأغراض ليس لها ارتباط بنشاطه المهني:
تعتمد بعض التشريعات في تحديدها لمفهوم المستهلك، على معيار الارتباط المباشر بين موضوع التصرف والنشاط المهني للشخص، فإذا وجدت أن مثل هذا الارتباط قائم، تقوم باستبعاد المهني، حتى غير المختص، من مفهوم المستهلك، أما إذا انتفى هذا الارتباط، فيمكنها قبول اعتبار المهني في هذه الحالة مستهلكا، وتنبعي الإشارة هنا إلى مسألتين: الأولى، أن معيار الارتباط المباشر لا يفرق من حيث المبدأ في تعريفه للمستهلك، بين الشخص الطبيعي والشخص المعنوي، وعليه يمكن إيلاء الحماية المقررة للمستهلك لأحدهما أو لكليهما على السواء، والثانية، أن هذا المعيار لا يحدد بشكل مسبق الحالات التي يصنف فيها الشخص على أنه مهني أو مستهلك، إنما ينطلق من وقائع القضية ذاتها، بالبحث عن مدى وجود ارتباط مباشر بين موضوع التصرف والنشاط المهني للشخص، ليقرر بعد ذلك اعتبار الشخص مهنيا أو مستهلكا، حسب مقتضى الحال والظروف الخاصة بكل قضية.
ومن بين التشريعات التي أخذت صراحة بهذا المعيار، قانون حماية المستهلك اللبناني لعام 2004، الذي أورد في تعريفه للمستهلك في المادة الثانية منه عبارة “لأغراض غير مرتبطة مباشرة بنشاطه المهني”. وبالتالي، فإنه لا يكفي لاستبعاد المهني من مفهوم المستهلك، أن يكون ثمة ارتباط بين موضوع التصرف والنشاط المهني للشخص، بل يجب أن يكون هذا الارتباط مباشرا أيضا، وذلك لتأكيد الصلة القوية بين موضوع التصرف والنشاط المهني، مما يبرر هذا الاستبعاد للمهني من نطاق حماية المستهلك.
ثالثا: مستهلك جاهل غير مستغل للقواعد الحمائية:
أخذت بعض التشريعات في تحديديها لمفهوم المستهلك، بمعيار جهل الشخص ودرجة ثقافته،من أجل تقرير حمايته بموجب القواعد الاستهلاكية أو رفضها، ويوجد لهذا المعيار تطبيقان:
الأول، يعتبر المستهلك وكأنه شخص جاهل أو شبه عاجز عن الدفاع عن مصالحه، مقارنة بالمهني([13])، فهو يتميز بالضعف الفكري والاقتصادي والقانوني، وتنقصه الخبرة الفنية والاختصاص للدفاع عن مصالحه أيضا، مما يستدعي إيلاءه الحماية، أخذ القانون الفرنسي بهذا المعيار، من خلال وضعه قرينة قانونية قاطعة بعدم الاختصاص لصالح المستهلك([14])، مما يعني تقرير حمايته في كل الأحوال والظروف([15]).
الثاني، يأخذ على عكس الأول، بمعيار المستهلك متوسط الحرص والذكاء، بحيث ينظر إلى المستهلك على أنه شخص عادي من أواسط الناس، لديه قدر معين من الذكاء يمكنه من التفكير والتحليل والاختيار، وبالتالي لا يستحق الحماية في جميع الأحوال والظروف، إنما في حالات معينة وبالقدر اللازم فقط([16]). أخذت التوجيهات الأوربية بهذا المعيار في تحديدها لمفهوم المستهلك، لأنه يسمح بالموازنة بين اعتبارين: الأول، واجب توفير الحماية للمستهلك الأوربي، الذي يتسم موقفه بالضعف تجاه المهني، والثاني، هو عدم السماح للمستهلك السيئ النية بالتعسف في استخدام هذه الحماية بغية الحصول على مكاسب غير مشروعة، بناء عليه، فإن المشرع الأوربي يولي الحماية فقط للمستهلك المتوسط الحرص والذكاء، غير المستغل للقواعد الحمائية([17]).
ولكن التساؤل الذي يثور في هذا الصدد هو: ما المبرر من هذا الاختلاف حول المعيارين بين القانون الفرنسي والتوجيهات الأوربية؟ خصوصا إذا علمنا أن القاضي الفرنسي ملزم بتفسير قانونه الوطني على غرار القضاء الأوربي، وبما يتناسب معه، استنادا إلى مبدأ التفسير المطابق الذي أشارت إليه محكمة العدل الأوربية في عدة قضايا، منها قضية ([18])Gut Springenheide . فما دام أن المشرع والقاضي الأوروبيين قد أخذا بمعيار المستهلك المتوسط الحرص، كان لزاما على المشرع والقاضي الفرنسيين الأخذ بذات المعيار في تقدير صفة المستهلك، استنادا إلى مبدأ التفسير المطابق، إلا أن واقع الحال يظهر عكس ذلك تماما. مع أن نهج المشرع والقاضي الفرنسيين يبدو من هذه الناحية مستغربا، لكنه يبدو في ذات الوقت مبررا وفي مكانه الصحيح، لأن القاضي الوطني -الفرنسي- وإن كان ملزما بمبدأ التفسير المطابق، إلا أنه ينبغي التنبيه إلى التوجيهات الأوروبية المتعلقة بحماية المستهلك تمثل حدا أدنى من الحماية، وهو مبدأ مستقر في الاتحاد الأوروبي، واستنادا إلى هذا المبدأ، يبدو أن بإمكان المشرع والقاضي الفرنسيين، الذهاب في حماية المستهلك أبعد مما جاء في القوانين الأوربية. وهذا ما حصل بالفعل عند الأخذ بمعيار المستهلك الجاهل، لأنه يوسع في مجال حماية المستهلك من حيث الأشخاص، على عكس المشرع الأوربي الذي يضيق فيه.
المطلب الثاني: موقف الفقه
سنقوم ببيان موقف الفقه من مفهوم المستهلك في فرعين: نخصص الأول لإظهار الاعتبارات المختلفة التي اعتمدها في تحديده لمفهوم المستهلك، ونخصص الثاني لبيان الآليات التي وضعها في تحديده لهذا المفهوم.
الفرع الأول: اعتبارات تحديد مفهوم المستهلك
لا يوجد خلاف في الفقه حول إصباغ صفة المستهلك، من حيث المبدأ، على الأشخاص الطبيعيين الذين يتصرفون لتلبية حاجاتهم الذاتية والعائلية من السلع والخدمات، في المقابل، دب خلاف فقهي حول إصباغ هذه الصفة على الأشخاص المعنويين والمهنيين، الذين يتعاقدون في إطار نشاطاتهم المهنية، ولكن في غير تخصصاتهم.
فيما يتعلق بشمول مفهوم المستهلك للأشخاص المعنويين، أو لبعضهم على الأقل، ظهر هناك اتجاهان فقهيان: يرى الأول ضرورة الأخذ بالمفهوم الضيق للمستهلك، وحصره في الأشخاص الطبيعيين تحديدا، ذلك أن “شمول الأشخاص المعنويين بقواعد حماية المستهلك، يخالف الحكمة التي شرع من أجلها قانون الاستهلاك، كونه يتمثل في مجموعة من التدابير التي تهدف إلى السماح للشخص الطبيعي بإعطاء رضاء حر ومستنير”([19]). وعليه، يرى الفقيه الفرنسي ريمو Raymondأنه يجب الاعتماد في تعريف المستهلك على الغاية من التصرف، وبالتالي، يعرف المستهلك أنه: “شخص طبيعي يحصل أو يمكن أن يحصل على أشياء استهلاكية أو خدمات من نفس الطبيعة، لغرض منفرد هو إشباع حاجاته الشخصية أو العائلية، مع استبعاد المشاريع والمهن الحرة من ذلك”. في حين يرى الثاني ضرورة الأخذ بالمفهوم الواسع للمستهلك، بحيث تشمل الحماية الأشخاص المعنويين إلى جانب الأشخاص الطبيعيين. فالفقيه الفرنسي ” بيزيو”Pizzio مثلا، يرى من خلال استقرائه للنصوص الخاصة بالشروط التعسفية والقروض الاستهلاكية الواردة في قانون الاستهلاك الفرنسي، أنه لا يوجد فيها ما يمنع صراحة،أو حتى ضمنا، من توسيع مفهوم المستهلك، ليشمل الأشخاص المعنويين إلى جانب الأشخاص الطبيعيين([20]) .
أما فيما يتعلق بإصباغ صفة المستهلك على المهني، خصوصا عندما يتصرف ضمن إطار نشاطه المهني، ولكن في غير تخصصه، فانقسم الفقه بشأنه إلى ثلاثة اتجاهات:
يرى لأول ضرورة الأخذ بالمفهوم الواسع للمستهلك، وذلك من أجل مد نطاق الحماية على أكبر شريحة ممكنة من الأشخاص، وعليه يورد التعريف الآتي للمستهلك: “هو من يتعاقد بهدف استعمال أو استخدام مال أو خدمة، سواء لاستعماله الشخصي أو المهني”([21])، فلا شيء يمنع من شمول قواعد حماية المستهلك لبعض المهنيين الذين يتعاقدون في إطار نشاطهم المهني، ولكن في غير تخصصاتهم، لتوافق ذلك مع مقتضيات العدالة العقدية، المبنية على أساس تحقيق التوازن العقدي، وهي مسألة تتعلق بظروف كل متعاقد، ومدى تعرضه للخطر، بصرف النظر عن صفته مستهلكا عاديا أو مهنيا، كما يؤيد مناصرو هذا الاتجاه، إكساب المهني صفة المستهلك عندما يتعاقد على سلع وخدمات، بغرض إشباع حاجاته الشخصية أو العائلية، لأن درجة جهله بالسلعة أو الخدمة تعادل في كثير من الأحيان درجة جهل أي مستهلك عادي،مما يقتضي توفير الحماية له بموجب القواعد الاستهلاكية([22]).
أما الاتجاه الثاني، فيرى على العكس، ضرورة الأخذ بالمفهوم الضيق للمستهلك، بحيث يتم قصر نطاق الحماية على الشخص الذي تتوافر عنده حالة من الضعف مقارنة بالمتعاقد الآخر، بالنظر إلى طبيعة السلعة أو الخدمة موضوع العقد، والظروف التي جرى فيها التعاقد، لانسجام ذلك مع الغاية والحكمة التي شرعت من أجلها قواعد حماية المستهلك([23]). فالمهني الذي يتعاقد لأغراض مهنته، لا تتوافر بشأنه مقومات الحماية، لأنه حتى وإن تعاقد خارج إطار تخصصه، يمتلك من المعرفة والخبرة ما يفوق به معرفة المستهلك العادي، فقوته الاقتصادية والخبرة التي يكتسبها من تكرار المعاملة، حتى في مجال خارج عن إطار تخصصه، تنأيان به عن الوقوع فريسة غش وتحايل الطرف الآخر، فبإمكانه مثلا من خلال خبرته أن يكشف عيوب السلعة أو الخدمة محل العقد،وأن يتخذ التدابير اللازمة للمحافظة على حقه، خلافا للمستهلك العادي الذي يعجز عن القيام بذلك، فالمهني يمكنه دائما، حتى في الفرض الذي لا يمتلك فيه القدرات الفنية والاقتصادية الكافية للدفاع عن حقوقه، الاستعانة بخبراء متخصصين في مجال العقد([24]).
أما الاتجاه الثالث والأخير، فيحاول التوفيق بين الاتجاهين السابقين، متبعا مسلكا وسطا بينهما، بما يحقق التوازن بين أمرين: تقرير حماية المهني غير المختص في جميع الأحوال والظروف،واستبعاده من نطاق الحماية بصورة آلية، بموجب هذا الاتجاه، يتم إدخال المهني ضمن مفهوم المستهلك، إذا كان ينقصه الاختصاص القانوني والفني تجاه مهني آخر مختص، في المقابل، يتم استبعاده من هذا المفهوم، إذا تبين أنه مختص، أو كان بإمكانه الاستعلام بنفسه بالنظر إلى البناء القانوني لشركته، فلا يعقل مثلا تقرير حماية شركة ضخمة من الشروط التعسفية في مواجهة أحد صغار الحرفيين، بحجة أنه كان ينقصها الاختصاص الفني والقانوني في موضوع العقد، فقانون الاستهلاك يهدف إلى حماية الطرف الضعيف في مواجهة الطرف القوي، وليس العكس([25]).
من خلال النظر إلى هذه الاتجاهات الثلاثة، نرى مدى صعوبة إصباغ صفة المستهلك على المهني الذي يتعاقد في إطار مهنته ، ولكن في غير تخصصه، لأن كلا منها يستند إلى مبررات معقولة ومقنعة، فالاتجاه الأول المؤيد لفكرة التوسيع، يأخذ بمقتضيات العدالة العقدية كدعامة أساسية لحماية هؤلاء، ولكنه يتجاهل في المقابل، الحكمة من تشريع قانون الاستهلاك، المتمثلة في السعي إلى إعادة التوازن إلى العقد الاستهلاكي، كلما جاء الاختلال العقدي مجافيا لمصلحة المستهلك فقط، ويتم كأصل عام، تقدير هذا الاختلال اعتمادا على درجة جهل المستهلك مقارنة بنظيره المهني، أما إذا جاء هذا الاختلال ضد مصلحة المهني، فلا اعتبار له في قانون الاستهلاك، مما يقتضي الرجوع إلى القواعد العامة لإزالته، فغاية قانون الاستهلاك بهذا المعنى لا توافق مقتضيات العدالة إلا في جانب أحد طرفي العقد فقط وهو المستهلك، وهذا ما يقول به الرأي الثاني الداعي إلى تضييق مفهوم المستهلك، وحصره في المستهلكين العاديين غير المرتبطين بأنشطة مهنية. كما يعبر أنصار الرأي الثاني عن خشيتهم من أن عملية البحث المستمر عن إمكانية اعتبار المهني الذي يتعاقد خارج نطاق تخصصه مستهلكا، قد تؤدي إلى الجهل الدائم والمسبق بالقانون، نظرا لقيام القاضي بتقدير اختصاص المهني من عدمه بناء على معيار شخصي، تبعا لظروف كل قضية، ومن ثم تقرير تطبيق القواعد الاستهلاكية أو القواعد العامة، فمن شأن هذا الأسلوب، زيادة مخاطر تضارب الأحكام القضائية وخلق حالة من الفوضى، مما يؤدي إلى عدم استقرار المعاملات، فمن حق كل طرف أن يعرف سلفا القواعد القانونية التي يمكن أن يستند إليها هو أو خصمه، وهذا يتناقض مع مبدأ التوسيع([26]).
أما الرأي الثالث، فهو، بحسب رأينا الأصوب، والأقرب إلى منطق العدالة،فهو يجيز من حيث المبدأ حماية المهني غير المختص، بموجب القواعد الاستهلاكية، إذا كانت ظروف التعاقد تدل بصورة مؤكدة وفعلية على أنه أضعف في المعرفة والاختصاص بمحل العقد، من نظيره المهني الأخر، وهذا يتوافق مع منطق العدالة العقدية والتوازن العقدي، لكنه يضع ضوابط لهذه الحماية، تجنبا للتعسف والتحايل على القانون. وأهم هذه الضوابط استبعاد المهني غير المختص من نطاق حماية المستهلك، إذ تبين أنه كان قادرا على الاستعلام بنفسه، أو كان بإمكانه اللجوء إلى مستشاريه القانونيين لحماية نفسه، ويتم تقدير ذلك بناء على معيار موضوعي، يستخلص من شكل وبناء شركة أو مؤسسة المهني، فكلما كانت الشركة أضخم وأكبر صعب تقرير حمايته، وكلما صغرت زادت فرص حمايته بموجب القواعد الاستهلاكية، والضابط الثاني هو أنه لا يجوز تقرير حماية المهني بموجب القواعد الاستهلاكية، حتى لو لم يكن مختصا، في مواجهة شركة أصغر، أو محترف صغير بالنظر إلى القوة الاقتصادية والإدارية لكيلهما، وإلا لأصبح قانون الاستهلاك وسيلة القوي في مواجهة الضعيف، علما بأن الحكمة من تشريع قانون الاستهلاك تتمثل في حماية الضعيف في مواجهة القوي.
الفرع الثاني: كيفية تحديد مفهوم المستهلك
يسير الفقه في اتجاهين في تحديده لمفهوم المستهلك: اتجاه يرى ضرورة الأخذ بمفهوم واحد وعام للمستهلك، بحيث تدخل تحته جميع النصوص الاستهلاكية، واتجاه آخر يرى ضرورة الأخذ بعدة مفاهيم للمستهلك، بحيث يطبق كل منها على أحد المجالات الاستهلاكية.
أولا: مفهوم واحد للمستهلك:
يرى اتجاه في الفقه الفرنسي، ضرورة توحيد مفهوم المستهلك([27])، بحيث يتم اعتماد مفهوم عام للمستهلك تدخل تحته جميع النصوص الاستهلاكية، وهذا بالضبط ما اتبعته كثير من التشريعات، وفق المبحث الأول من هذه الدراسة. ولا يتحيز مبدئيا أنصار هذا الاتجاه إلى مفهوم معين للمستهلك، وعليه يمكن الأخذ بالمفهوم الضيق للمستهلك، وحصره بالأشخاص الطبيعيين الذين يتصرفون لغايات غير مهنية، أو بفئة معينة من الأشخاص، أو على العكس، الأخذ بالمفهوم الواسع للمستهلك، بحيث تطال الحماية بعض الأشخاص المعنويين والمهنيين الذين يتعاقدون في إطار نشاطهم المهني ولكن في غير تخصصاتهم، إضافة إلى الأشخاص الطبيعيين الذين يتصرفون لغايات غير مهنية.
إن وضع مثل هذا التعريف يؤدي من وجهة نظرنا إلى تحقيق عدة أهداف، منها:
– يظهر بوضوح نية المشرع في تحديد نطاق حماية المستهلك من حيث الأشخاص، فسواء أخذ بالمفهوم الواسع أم الضيق للمستهلك، يجب احترام هذه الإرادة، طبقا للقاعدة التي تفيد بأنه “لا اجتهاد في مورد النص”، هذا بدلا من سعي الفقه والقضاء إلى البحث بشكل دائم عن إرادة المشرع الضمنية، واستخلاصها من مجمل النصوص الاستهلاكية، مما يؤدي في جميع الأحوال إلى كثرة الاجتهادات في المسائل المتشابهة، وبالتالي يزيد من احتمالات تضارب الأحكام القضائية.
– يؤدي إلى معرفة الأطراف مسبقا بالقواعد القانونية الواجبة التطبيق على علاقاتهم القانونية، سواء أكانت القواعد الاستهلاكية أم القواعد العامة، مما يحقق الاستقرار القضائي. إضافة إلى تحفيز الأطراف، على اتخاذ الاحتياطات اللازمة للدفاع عن مصالحهم بشكل مسبق، وقبل نشوء أي نزاع، مما يقلل من عدد المنازعات والحالات التي تستدعي التدخل القضائي لحلها.
– يبين أخيرا وبشكل دقيق الفواصل بين القواعد العامة والقواعد الاستهلاكية، لأن لكل منها نطاق تطبيق مختلفا عن الأخر، مما يؤدي من جهة إلى احترام إرادة المشرع في حصر نطاق تطبيق القواعد الاستهلاكية في الإطار الضيق الذي حدده، ويؤدي من جهة أخرى إلى المحافظة على دور القواعد العامة في تحقيق العدالة العقدية والتوازن العقدي، لأنه إذا تم توسيع مفهوم المستهلك إلى حد كبير، فسيؤدي ذلك إلى الاستغناء عن القواعد العامة، وعدم إعمالها في كثير من الحالات،طبقا لقاعدة أن الخاص يقيد العام”. فإذا تم اعتبار جميع الأشخاص مستهلكين، وبالتالي، حمايتهم بموجب القواعد الاستهلاكية، فإن ذلك يؤدي إلى حالة شبه استغناء عن القواعد العامة، وهو أمر غير مقبول.
ثانيا: عدة مفاهيم للمستهلك:
يرى اتجاه أخر في الفقه([28])، أنه يجب التفريق في تحديد مفهوم المستهلك بين فرضين:
يناقش الفرض الأول حالة وجود نص تشريعي يعرف المستهلك، فإذا وجد مثل هذا التعريف، وجب الالتزام به، وذلك احتراما لإرادة المشرع، سواء تم الأخذ بالمفهوم الضيق أو الواسع للمستهلك، طبقا لقاعدة أنه لا اجتهاد في مورد النص.
ويناقش الفرض الثاني حالة سكوت النص عن إيراد تعريف محدد للمستهلك، مما يستدعي البحث عن نية المشرع الضمنية من مجمل النصوص الاستهلاكية، ومن طبيعة الحماية المراد توفيرها للمستهلك، فإذا تعلق الأمر مثلا بحماية صحة المستهلك من أضرار بعض المنتجات الخطرة، فلا ضير من التوسع في مفهوم المستهلك، وبالتالي، إيلاء الحماية لجميع الأشخاص الطبيعيين، بصرف النظر عن صفتهم العادية أو المهنية. أما إذا تعلق الأمر بحماية مصالح اقتصادية، فيجب الأخذ بالمفهوم الضيق للمستهلك، وحصره ببعض الأشخاص فقط، كالأشخاص الطبيعيين، وبعض الأشخاص المعنويين الذين يتصرفون لغايات غير مهنية([29]).
وبناء عليه، لاشيء يمنع القضاء، في حال سكوت النص عن إيراد تعريف محدد للمستهلك، من مد نطاق الحماية في بعض المسائل ، إلى عدد من الأشخاص المعنويين والمهنيين، الذي يتعاقدون في إطار نشاطهم المهني، ولكن في غير تخصصهم، إذا كانت تنقصهم مقومات الحماية والمعرفة القانونية أو الفنية التي تمكنهم من الدفاع عن مصالحهم تجاه مهني آخر مختص.
ورغم وجاهة هذا الرأي، إلا أنه محفوف بالمخاطر من الناحية العملية، فقد تتم حماية كبار المحترفين بموجب القواعد الاستهلاكية في مواجهة صغار الحرفيين، هذا يتعارض مع منطق العدالة والحكمة من تشريع قواعد استهلاكية، الذي يسعى إلى حماية الطرف الضعيف في مواجهة الطرف القوي، وليس العكس، وينبغي، من أجل ضمان تطبيق هذا الاتجاه بشكل صحيح وفاعل، أن يستبعد من نطاق حماية المستهلك، من أن يكون بإمكانه الاستعلام بنفسه بالنظر إلى التنظيم القانوني لمؤسسته، إضافة إلى من تفترض فيه المعرفة والخبرة، فمؤسسة تجارية ضخمة لا تتوافر بشأنها مقومات الحماية المفروضة للمستهلك، لأنها حتى وإن أجرت التصرف خارج إطار نشاطها المعتاد، فإنها تمتلك من الإمكانيات القانونية والمعرفية ما يضمن لها حماية مصالحها، فلا يجوز لها مثلا التمسك بالقواعد الاستهلاكية، لحمايتها من الشروط التعسفية الواردة في عقود قامت إبرامها مع مستهلك عادي، أو أحد صغار التجار، أو الحرفيين، إذ يكفيها الرجوع إلى مستشاريها القانونيين، لتفادي إدراج مثل هذه الشروط التعسفية في العقود التي تبرمها، أما إذا تعلق الأمر في المقابل بأحد صغار التجار أو الحرفيين، ممن لا يمكنه الاستعلام بنفسه،لعدم وجود مستشارين قانونيين وفنيين عنده، فيمكن حمايته بموجب القواعد الاستهلاكية في حالات معينة، خصوصا عندما يتعاقد ضمن إطار مهنته، ولكن في غير تخصصه، مع مراعاة أنه يجب عليه أن يكون أكثر تحرزا وحذرا من المستهلك العادي البسيط، ويضيف البعض بأنه لا يجوز تقرير الحماية بموجب القواعد الاستهلاكية، لأي شخص مهما كانت صفته، إلا إذا تعلق الأمر بعقد من عقود الإذعان لأن مبررات الحماية لا تتحقق في غيرها([30])، إلا أن هذا الرأي يبدو إلى حد ما مبالغا فيه، بالنظر إلى نصوص قوانين الاستهلاك في غالبية الدول.
هذا التعدد في مفهوم المستهلك يشوبه التعقيد بدون أدنى شك، ولكنه قد يحيط على الأقل بجميع المواقف القانونية، غير أن هذا التعدد، وما يؤدي إليه من توسيع أو تضييق في مفهوم المستهلك، لا يتناسب من جهة مع التوجه التشريعي والقضائي غير المتناظم وغير المتناسق حول هذا الموضوع، فإذا أمكن مثلا فهم المغزى، من حصر نطاق الحماية في قانون الاستهلاك الفرنسي بالأشخاص الطبيعيين دون المعنويين، في موضوع المديونية الزائدة أو الفاحشة، فإنه لا يمكن-على العكس- فهم المغزى من وراء استبعاد الأشخاص المعنويين من نطاق الحماية في موضوعات البيع المنزلي، مع العلم أنهم يستفيدون بصورة غير مباشرة من الحماية المقررة للمستهلك في موضوع الشروط التعسفية! كما أنه لا يتوافق من جهة أخرى مع توجه جانب من الفقه، الذي يشكك أصلا في إمكانية إيجاد تعريف محدد للمستهلك، لأن مفهوم المستهلك ” غير محدد وغير قابل للتحديد”([31])، و”غير ملموس”([32]) أو حتى “غير موجود”([33]). بل تجاوز الأمر ذلك إلى حد القول بأنه ينبغي:”علينا أن نقر أنه من الصعوبة بما كان إيجاد تعريف للفظة المستهلك، فهي لا تزال فكرة يحيطها الغموض من كل جانب ليس في معناها فقط بل وحتى في وجودها”([34])، فمفهوم المستهلك لا يعدو عن كونه “فكرة “خادعة أو ضربا من الخيال”([35])، لأنه في حقيقة الأمر أقرب ما يكون إلى النوع منه كواقعة بمعنى أن جميع الناس هم مستهلكون وعملية الاستهلاك بحد ذاتها ليس فيها أية خصوصية”([36]).
نخلص من كل ما تقدم، إلى أن عدم وجود تعريف محدد للمستهلك يثير مشكلة حقيقية في الفقه، خصوصا في فرنسا، حول تحديد نطاق تطبيق القواعد الاستهلاكية من حيث الأشخاص، فبينما يشكك بعضهم في إمكانية إيجاد مثل هذا التعريف، يرى آخرون أن ذلك ممكن، إذ يكفي تبني المشرع لأحد الاتجاهين السابقين لإنهاء المشكلة. وتنبغي الإشارة في هذا الصدد إلى أنه يجب،عند وضع تعريف أو تعاريف للمستهلك، عدم نسيان أن الحماية لا تتم فقط بموجب القواعد الاستهلاكية، إنما بموجب القواعد العامة كذلك، ولا يجوز بأي حال أن يحل قانون الاستهلاك محل القانون المدني مثلا، في كل الأحوال والظروف.
المبحث الثاني: موقف القضاء من مفهوم المستهلك
سنقوم في هذا المبحث بإظهار موقف القضاء الأوربي والفرنسي من مفهوم المستهلك، وذلك في مطلبين متتاليين، نظرا لغناهما في هذا الجانب.
المطلب الأول: القضاء الأوربي
كانت الفكرة الأساسية من وراء تأسيس الاتحاد الأوربي، تسهيل انتقال البضائع والخدمات والأشخاص والأموال بين دول الاتحاد، وفتح باب المنافسة التامة بينهما على أساس مبدأ المعاملة بالمثل، إلا أن تجسيد ذلك من الناحية الفعلية، يتطلب بداية وضع إطار عام لحماية المستهلك على مستوى الاتحاد، حتى لا تؤدي قواعد حماية المستهلك الوطنية إلى إعاقة المنافسة داخل الاتحاد. فالدولة التي توفر قواعد حمائية أفضل للمستهلك، يكون موقفها التنافسي، ونصيبها من السوق الأوربي- هذا من الناحية النظرية على الأقل- أفضل من غيرها من الدول التي لا تعرف مثل هذه القواعد. لهذا، تم النص صراحة، في المادة 98-II من الدستور الأوربي وكثير من التوجيهات الأوربية، على توفير أعلى درجات الحماية للمستهلك الأوربي، باعتباره المحرك الرئيس للعجلة الاقتصادية في الاتحاد. لكن رغم التأكيد على توفير هذه الدرجة العالية من الحماية، لم تحدد هذه القوانين نطاق هذه الحماية من حيث الأشخاص بشكل دقيق، لأنها لم تعتمد معيارا واحدا في تحديدها لمفهوم المستهلك، كصفة المتعاقد مثلا([37])، إنما فضلت الأخذ بعدة معايير، يتم من خلالها تحديد مفهوم المستهلك الأوربي بطريقة غير مباشرة، وفقا للمجالات الاستهلاكية المختلفة، ودرجة الحماية التي تريد توفيرها للمستهلك، فإذا تعلق الأمر بحماية صحة المستهلك، كحمايته من أضرار بعض المنتجات مثلا، فإنها تميل إلى الأخذ بالمفهوم الواسع للمستهلك، أما إذا تعلق الأمر بحماية المصالح الاقتصادية للمستهلك، فإنها تميل- على العكس- إلى الأخذ بالمفهوم الضيق لهذا الأخير.
فاختلاف هذين المفهومين يبررهما اختلاف الدافع إلى الحماية، فمبرر الحماية في الأولى- وهو حماية صحة المستهلك- أقوى منه في الثانية- وهو حماية المصالح الاقتصادية للمستهلك- مما يستوجب التوسع، وعليه، يمكن إيلاء الحماية لجميع الأشخاص الطبيعيين، بغض النظر عن الغاية من استهلاكهم، أكانت لتلبية احتياجات ذاتية أم عائلية أو حتى مهنية، غير أن التوجيهات الأوربية ومحكمة العدل الأوروبية، نادرا ما أخذت بهذا المفهوم الواسع للمستهلك.
أما في الحالة الثانية، فمبرر الحماية لا يتعدى إعادة التوازن بين طرفي العقد الاستهلاكي، مما يستدعي التضييق، فغالبية التوجيهات الأوربية التي تعالج هذا الموضوع، تعرف المستهلك على أنه: “شخص طبيعي”، أو “شخص يتصرف لغايات يمكن اعتبارها أجنبية عن مباشرة نشاطه المهني”، وبالتالي، يتم استبعاد الأشخاص المعنويين من نطاق الحماية المقررة للمستهلك، وكذلك المهنيين الذين يتصرفون في إطار نشاطهم المهني حتى في غير تخصصهم، وهذا ما أوضحناه سابقا.
واتبعت محكمة العدل الأوروبية في أغلب قراراتها، نهج التوجيهات الأوروبية سابقة الذكر، وأخذت صراحة بالمفهوم الضيق للمستهلك، فقد طلب منها القضاة الوطنيون في دول الاتحاد التدخل في قضايا متعددة، من أجل إعطاء تعريف محدد للمستهلك استنادا إلى النصوص الأوروبية المختلفة، وتحديد ما إذا كان بالإمكان توسيع هذا التعريف ليشمل بعض الأشخاص المعنويين، لكنها أكدت المرة تلو الأخرى تمسكها بالمفهوم الضيق للمستهلك، وحصر نطاق الحماية بالأشخاص الطبيعيين على وجه التحديد، فقط طلب منها القاضي الفرنسي على سبيل المثال، تحديد نطاق تطبيق المادة 13 من اتفاقية بروكسيل من حيث الأشخاص، فأكدت المحكمة في بداية أن هذه المادة تشير إلى” المستهلك النهائي الخاص، غير المرتبط بنشاط تجاري أو مهني”([38])، مما يستنتج منه أن الأشخاص المعنويين الذين يتصرفون لأغراض غير مهنية، غير مستبعدين من نطاق تطبيق هذه المادة. غير أن المحكمة عدلت فيما بعد عن موقفها، وأصبحت تحيل من الآن فصاعدا على “العقود المبرمة لغرض إشباع الاحتياجات الذاتية للمستهلك الخاص الفرد”([39])، فمصطلح “الفرد” لا ينطبق إلا على الشخص الطبيعي حصرا، مما يعني استبعاد جميع الأشخاص المعنويين من نطاق الحماية المقررة للمستهلك.
وأكدت المحكمة في قضايا أخرى متعددة، تمسكها بالمفهوم الضيق للمستهلك، وحصره بالأشخاص الطبيعيين دون المعنويين، ففي حكم خاص بقضية كاب Cape([40]) الصادر بتاريخ 22/11/2001، طلب منها القضاء الإيطالي التدخل لتقرير ما إذا كان ممكنا تطبيق نص المادة (2-b) من التوجيه الأوروبي رقم CEE/13/93، الصادر بتاريخ 5/4/1993، الخاص بالشروط التعسفية، على إحدى المؤسسات (شخص معنوي)، بشأن عقد قامت بإبرامه خارج نطاق تخصصها، باعتبارها مستهلكا، فأجاب المحكمة بالرفض، وجاء هذا الحكم مطابقا لحكمها السابق في قضية “أوسيانو”([41])Océano الصادر بتاريخ 27/6/2001. استنتج الفقه من خلال هذه القرارات مدى تمسك محكمة العدل الأوربية بالمفهوم الضيق للمستهلك، ويؤكد هؤلاء أن نطاق تطبيق هذا التوجه لمحكمة العدل في الأخذ بالمفهوم الضيق، لا يقتصر على التوجيه الأوربي الخاص بالشروط التعسفية، إنما يطال جميع التوجيهات الأوربية الأخرى التي تورد تعريفات مماثلة للمستهلك([42]).
أما بالنسبة للمهني، فلا يعتبر مستهلكا إذا تين أنه أجرى التصرف في إطار نشاطه المهني، أما إذا تعلق الأمر بتصرف مختلط، خاص في شق منه ومهني في شقه الآخر، فلا يأخذ صفة المستهلك بموجب قرار محكمة العدل الأوربية في قضية Gruber، الصادر بتاريخ 20/1/2005، إلا إذا كان الشق المهني قليل الأهمية بالنظر إلى كامل التصرف([43]). وأكدت المحكمة في ذات القرار على ضرورة تفسير مصطلح “تصرف مختلط” تفسيرا ضيقا؛ لأن الأمر يتعلق باستثناء.
نخلص إذن إلى أن قضاء محكمة العدل الأوربية، يميل بدرجة كبيرة إلى الأخذ بالمفهوم الضيق للمستهلك، ويحصره بالأشخاص الطبيعيين دون المعنويين، لأنه يصعب القول إن الأشخاص المعنويين يتصرفون لغايات غير مهنية([44])، وكذلك استبعاد المهنيين من هذا المفهوم، عندما يتصرفون في إطار نشاطاتهم المهنية، غير أن هذا التوجه العام لمحكمة العدل الأوربية، يبدو في أحيان كثيرة مجافيا للعدالة، لأن حصر الحماية بالأشخاص الطبيعيين يوحي بأن جميع الأشخاص المعنويين هم مهنيون، وهذا يتنافى مع الواقع، فعدد كبير من هؤلاء كالجمعيات مثلا، لا يمارس أي نشاط مهني، ولا يسعى إلى تحقيق أرباح مادية، فقد يقوم هؤلاء بإجراء بعض التصرفات القانونية، وهم على درجة من الضعف وعدم الاختصاص، مثلهم مثل أي شخص طبيعي([45]). كما أن استبعاد المهنيين الذين يتصرفون في إطار نشاطهم المهني، قد يبدو أحيانا مجحفا بحق بعضهم، خصوصا عندما يجرون التصرف خارج إطار تخصصهم، نظرا لقلة خبرتهم، خصوصا الفنية في موضوع التصرف مقارنة بالمتعاقد الآخر، الذي هو مهني مختص يتصرف في إطار نشاطه المهني وفي مجال تخصصه، وعليه، فإن السؤال الذي يطرح نفسه في هذا المقام هو، هل يستطيع المشرع أو القاضي الوطني في دول الاتحاد توسيع مفهوم المستهلك، أكثر مما جاء في القوانين الأوروبية، بحيث يدخل فيه بعض الأشخاص المعنويين والمهنيين، الذين يتعاقدون خارج إطار تخصصهم؟
انقسم الفقه في الإجابة عن هذا السؤال إلى ثلاثة اتجاهات:
يرى الاتجاه الأول أن ذلك ممكن، استنادا إلى مبدأ الحد الأدنى للقوانين الأوربية، المنصوص عليه في كثير من التوجيهات الأوربية الخاصة مثلا بالبيع المنزلي، وبالتعاقد عن بعد، وبالشروط التعسفية، وأكدت محكمة العدل الأوربية هذا المبدأ أيضا في كثير من قراراتها([46])، حيث أقرت فيها بحرية المشرع الوطني، في اتخاذ تدابير أكثر تشددا مما جاء في القوانين الأوربية، عن طريق توفير نظام حماية للمستهلك يفوق ما جاء في القوانين الأوربية، وبناء عليه، يرى أنصار هذا الاتجاه أنه لا ضير من قيام المشرع الوطني بتوسيع مفهوم المستهلك، ليشمل الأشخاص المعنويين إلى جانب الأشخاص الطبيعيين، وكذلك بعض المهنيين الذين يتصرفون في إطار نشاطهم المهني، ولكن في غير تخصصهم([47]).
يرفض الاتجاه الثاني، خلافا للأول، أمر استخدام مبدأ الحد الأدنى، من أجل توسيع مفهوم المستهلك أكثر مما جاء في القوانين الأوربية، لأن ذلك يتعارض، من وجهة نظرهم، مع الحكمة من تشريع القوانين الأوربية، وروح هذه القوانين من ناحيتين: الأولى، أن مبدأ الحد الأدنى يجيز فقط رفع مستوى الحماية أكثر مما جاء في القوانين الأوروبية، وليس توسيع نطاق هذه الحماية عن طريق توسيع مفهوم المستهلك، والثانية، أن قيام إحدى دول الاتحاد دون غيرها بتوسيع مفهوم المستهلك، ليشمل المهنيين خصوصا، من شأنه أن يؤدي إلى الإخلال بقواعد المنافسة، المنصوص عليها في اتفاقية الاتحاد الأوروبي([48]).
يقف الاتجاه الثالث والأخير موقفا وســـطا بيـن الاتجاهين السابقين، ويتبناه الأستاذ الفرنسـي “بيزيو” Pizzio([49])، الذي يرى- من خلال مقارنته لقرارين لمحكمة العدل الأوربية، صدرا بتاريخ 22/11/2001 و14/3/1991- أن مبدأ الحد الأدنى للقواعد الأوربية يحول فقط دون قيام القاضي الوطني بتوسيع مفهوم المستهلك، أكثر مما جاء في التوجيهات الأوربية، لأنه ملزم باحترام مبدأ التفسير المطابق([50])؛ إذ ينبغي عليه بموجب هذا المبدأ أن يعمل على تفسير قانونه الوطني، على غرار القوانين الأوربية وقرارات محكمة العدل الأوربية، وبشكل يتطابق مع غايتها. وعليه، فإن أي توسيع لمفهوم المستهلك من قبل القضاء يكون مرفوضا، أما إذا كان التشريع هو مصدر هذا التوسيع في مفهوم المستهلك، فهو مقبول ولا غبار عليه([51]).
اتبعت كثير من التشريعات الوطنية في دول الاتحاد الاتجاه الأول، عن طريق أخذها بالمفهوم الواسع للمستهلك، على خلاف التوجيهات الأوربية، منها إسبانيا وبلجيكا، حيث أجازت كلتاهما صراحة، شمول الأشخاص المعنويين ضمن مفهوم المستهلك، إلى جانب الأشخاص الطبيعيين. فجاء في المادة الأولى من القانون الإسباني، الصادر بتاريخ 19 يوليو 1974 أن المستهلك هو: “كل شخص طبيعي أو معنوي، يتملك، يستخدم، بوصفه المستهلك النهائي للأموال المنقولة أو العقارية، سلعا أو خدمات، ولا يعد من قبيل المستهلكين، الأشخاص الذين يتملكون أو يستهلكون سلعا أو خدمات بغرض إدماجها في عمليات الإنتاج أو التحويل أو التداول أو الأداء للغير من دون أن يكونوا المستهدفين النهائيين من تلك العمليات”. في حين عرفت المادة الأولى من القانون البلجيكي، الصادر بتاريخ 14 يوليو 1994 المستهلك بأنه: “كل شخص طبيعي أو معنوي يحصل أو يستخدم لأغراض لا تحمل الصفة المهنية منتجات أو خدمات معروضة في السوق”([52]). في حين اتبعت دول أوروبية أخرى، الاتجاه الثاني الذي يرى ضرورة الأخذ بالمفهوم الضيق للمستهلك، اقتداء بالقوانين الأوربية، ومن الدول القليلة التي تبنت هذا الاتجاه إيطاليا، حيث عرفت المستهلك في المادة 1469 من القانون المدني على أنه: “كل شخص طبيعي يتصرف لأغراض لا تدخل في إطار نشاطه المهني…”.
أما فرنسا فيبدو أنها تميل إلى الأخذ بالاتجاه الثالث،حيث اعتمد المشرع والقاضي الفرنسيان مبدأ الحد الأدنى، من أجل توسيع نطاق الحماية على بعض الأشخاص المعنويين والمهنيين،الذين يتصرفون ضمن إطار نشاطهم المهني، ولكن في غير تخصصهم، غير أن هذا التوسيع لا يتم بالطريقة التي أوردها الفقه، فتوسيع الحماية لا يتم بصورة آلية، وإنما حسب موضوع الاستهلاك،وظروف كل قضية. غير أن القانون والقضاء الفرنسيين لم يستقرا حتى الآن على معيار واحد لتحديد مفهوم المستهلك، مما أدى إلى غموض هذا المفهوم، وهو ما سنبينه بالتفصيل في المطلب التالي من هذه الدراسة.
بناء على ما سبق، نرى مدى اختلاف دول الاتحاد في تعريفها للمستهلك، من حيث الأخذ بالمفهوم الواسع أو الضيق له، ويبدو أن صلب المشكلة في إيجاد تعريف موحد للمستهلك في نطاق الاتحاد الأوربي، يتمحور حول فكرة الدافع أو الباعث إلى الحماية، ما بين القوانين الأوربية والتشريعات الوطنية لدول الاتحاد، فالدافع إلى حماية المستهلك في فرنسا مثلا، يجد تبريره حسب قول البعض في ضعف المستهلك المفترض([53])، إذ ينظر إليه على أنه شخص عاجز عن الدفاع عن مصالحه في مواجهة المهني، مما يستدعي إيلاءه الحماية، في حين يأخذ القانون الأوربي بمعيار المستهلك متوسط الحرص والذكاء، وبالتالي يكون لديه قدر معين من الذكاء يمكنه من الدفاع عن مصالحه، فلا يتدخل القانون الأوربي لحمايته في علاقته مع المهني، إلا بالقدر الضروري فقط دون مبالغة، وذلك على عكس القانون الفرنسي، الذي يسعى لحمايته في جميع الأحوال والظروف، هذا من الناحية النظرية البحثة على الأقل.
المطلب الثاني: القضاء الفرنسي
ذكرنا فيما سبق أن مفهوم المستهلك في فرنسا يسمه الغموض، سواء في التشريع أو الفقه، وسنعمل في هذا المطلب على استقصاء موقف القضاء الفرنسي من هذا المفهوم، محاولين الإجابة عن سؤالين، نخصص لكل منهما فرعا مستقلا، الأول: هل يعد القضاء الفرنسي الشخص المعنوي مستهلكا إلى جانب الشخص الطبيعي؟ وهل يعد المهني الذي يتعاقد في إطار نشاطه المهني مستهلكا، على الأقل عندما يتعاقد خارج إطار تخصص؟.
الفرع الأول: مدى اعتبار الشخص المعنوي مستهلكا
تتردد محكمة النقض الفرنسية ما بين الأخذ بالمفهوم الضيق أو الواسع للمستهلك، فنجدها في بعض القضايا تميل إلى الأخذ بالمفهوم الضيق للمستهلك، وتحصره بالأشخاص الطبيعيين، في حين نجدها في قضايا أخرى تميل إلى الأخذ بالمفهوم الواسع للمستهلك، مجيزة حماية الأشخاص المعنويين بموجب القواعد الاستهلاكية([54]). وقد أدى هذا التردد، في بعض الأحيان، إلى نتائج غامضة وغير منطقية([55]). ففي أحد قراراتها، قضت بأن نص المادة L.121-21 من قانون الاستهلاك الفرنسي الخاص بالبيع المنزلي، لا يحمي إلا المستهلك بصفته شخصا طبيعيا، فرفضت الحماية لأحد بيوت الشباب([56])، كما قضت أيضا برفض تطبيق القواعد الخاصة بالشروط التعسفية، على إحدى القرى الجماعية للاستغلال الزراعي([57])، في حين أنها أولت الحماية في قرارها الصادر بتاريخ 15/3/2005، لأحد الأشخاص المعنويين في مواجهة الشروط التعسفية([58])، وفي المقابل قضت بعكس ذلك في قرار آخر صادر بتاريخ 27/9/2005.([59])
أما قضاة الموضوع، فكانوا أقل تشددا من محكمة النقض تجاه الأشخاص المعنويين، حيث أقر بعضهم حماية هؤلاء بموجب القواعد الاستهلاكية، وبنفس الطريقة التي تتم فيها حماية الأشخاص الطبيعيين، فأولوا الحماية لصالح إحدى الجمعيات([60])، وإحدى النقابات([61])، ومكتب عقاري([62])، ومجلس شركة([63])، ومجلس مؤسسة([64])، وحزب سياسي([65])، وبعض التجار([66]).
نخلص مما تقدم إلى أن مفهوم المستهلك في القضاء الفرنسي، حاله حال القانون والفقه الفرنسيين، يسمه الغموض وعدم التحديد، فحماية الأشخاص المعنويين- أو بالأحرى عدد منهم- بموجب القواعد الاستهلاكية تبقى مسألة خلافية، غير أن استبعاد الأشخاص المعنويين من نطاق الحماية يبدو أحيانا منافيا للعدالة، لأنه كان من السهل فهم المغزى من قصر بعض النصوص القانونية الحماية على الأشخاص الطبيعيين دون المعنويين، عندما يتعلق الأمر بحماية المستهلك في صحته وسلامته، كحماية من أضرار بعض المنتجات، فإن استبعاد الأشخاص المعنويين من نطاق الحماية يصبح أكثر تعقيدا وغموضا، عندما يتعلق الأمر بحماية المصالح الاقتصادية للمستهلك، كما في موضوعات: البيع المنزلي، والقروض الاستهلاكية، ومكافحة الشروط التعسفية، ومكافحة المديونية الزائدة، فما المانع في مثل هذه الحالات من مد نطاق الحماية إلى الأشخاص المعنويين إضافة إلى الأشخاص الطبيعيين؟
وعليه، فإنه من الصعوبة بمكان فهم موقف محكمة النقض الفرنسية- وموقف محكمة العدل الأوربية وإن بدرجة أقل- مثلا من استبعاد الجمعيات والنقابات من نطاق حماية المستهلك، رغم أنها لا تسعى إلى تحقيق أرباح مادية، وأن تصرفاتها تقترب كثيرا من تصرفات الأشخاص الطبيعيين، وأن درجة تفوقها المالي لا تفوق عادة درجة المستهلك العادي، فما المانع من تقرير حماية بعض الأشخاص المعنويين مثلا في مجال التعاقد عن بعد، وإفادتهم من واجب الإعلام المفروض على المهني في هذا المجال؛ لأن الغاية منه هو التأكد من رضا المستهلك الحر والمستنير بالعقد، بغض النظر عن كونه شخصا طبيعيا أو معنويا. كذلك الحال بالنسبة للشروط التعسفية خصوصا المدرجة منها في عقود نموذجية، بحيث يستفيد منها الشخص الطبيعي والمعنوي على حد سواء. ويرى جانب من الفقه([67])، أن محكمة النقض الفرنسية لا تمانع من حيث المبدأ، حماية الأشخاص المعنويين بموجب القواعد الاستهلاكية، خصوصا في موضوع الشروط التعسفية([68])، إلا إذا قامت بالتصرف ضمن إطار نشاطها المهني([69])، ويستنبط ذلك من مجموعة قرارات لمحكمة النقض، منها القرار المشار إليه أعلاه، الصادر عن الدائرة المدنية الأولى بتاريخ 28/9/2005([70]). لهذا يقترح جانب من الفقه الفرنسي([71]) تعريف المستهلك على أنه: “الأشخاص الطبيعية أو المعنوية الخاضعة للقانون الخاص، الذين يحصلون أو يستعملون السلع أو الخدمات لأغراض غير مهنية”.
لكن يبدو من مجمل ما سبق ذكره، أن محكمة النقض الفرنسية تتحوط من وضع تعريف محدد للمستهلك أو حتى ترسيخ مبدأ عام، بشأن حماية الأشخاص المعنويين بموجب القواعد الاستهلاكية، من حيث القبول أو الرفض، ويظهر ذلك بجلاء من خلال استقراء القرارات القضائية المتتالية الصادرة عنها، وعدم اتخاذها موقفا حاسما بهذا الخصوص.
غير أن هذا التردد لمحكمة النقض يبدو مبررا من ناحيتين: الأولى، أن المشرع الفرنسي نفسه لم يتخذ موقفا حاسما، حول إصباغ صفة المستهلك على الأشخاص المعنويين، وعليه ترفض المحكمة ترسيخ مبدأ عام بهذا الشأن احتراما لإرادة المشرع؛ لأنه لو أراد ذلك لفعله بنفسه. الثانية، يبدو من خلال القرارات السابقة، أن محكمة النقض لا تمانع بالفعل من حيث المبدأ – حسب قول جانب من الفقه الفرنسي- إصباغ صفة المستهلك على الأشخاص المعنويين، إنما تريد التحقق من قيام مبررات الحماية احتراما منها للحكمة من تشريع القواعد الاستهلاكية، المتمثلة بحماية الطرف الضعيف في المجالات الاستهلاكية المختلفة. وعليه، فإنها تقوم بتحري هذا الضعف في جانب الشخص المعنوي، من خلال الوقائع الخاصة بكل قضية، فإذا وجدت أن مبررات الحماية متوافرة فإنها تقضي- على العكس- باستبعاده من نطاق الحماية. هذا الموقف المتأني لمحكمة النقض يجد تبريره – حسب وجهة نظرنا- في أنها لا تريد من جهة الاصطدام بالتشريع، وتريد من جهة أخرى المحافظة على الحكمة من تشريع القواعد الاستهلاكية، وحصرها في الإطار الذي حدده القانون دون تجاوز. صحيح أن هذا الموقف المتردد لمحكمة النقض قد يبدو مستغربا، لأنه يؤدي من جانب، إلى جهل الأطراف المسبق بالقواعد القانونية الواجبة التطبيق على علاقاتهم، ويهدد من جانب آخر الاستقرار القضائي، نظرا للتناقض بين الأحكام القضائية، إلا أنه يؤدي في المقابل إلى ضمان احترام إرادة المشرع الفرنسي، والحكمة من تشريع القواعد الاستهلاكية.
الفرع الثاني: مدى اعتبار المهني غير المختص مستهلكا
يكمن الدافع الرئيس من تشريع قواعد استهلاكية، في عدم التوازن في المعرفة بين المهني والمستهلك([72]). فهذا الأخير يتسم موقفه بالضعف تجاه ا لمهني عندما يتم إجراء تصرف قانوني بينهما، لهذا تم وضع قرينة قانونية قاطعة بعدم الاختصاص لصالح المستهلك([73])، مما يستدعي توفير الحماية له. غير أن عدم التوازن في المعرفة قد يتحقق كذلك من الناحية الفعلية في العلاقات بين المهنيين([74])، مع أن القانون يفترض في كل من هؤلاء الاختصاص والقدرة على الدفاع عن مصالحه، فهناك مواقف لا يمتلك فيها طرف ذات الاختصاصات التي يمتلكها الطرف الآخر، خصوصا، عندما يجري التصرف خارج نطاق تخصصه، أو عندما يحتاج موضوع العقد إلى الإلمام بخبرات فنية خاصة. فهل يأخذ القانون والقضاء في مثل هذه المواقف عدم التوازن في الاختصاصات، ليحمي المهني الأقل خبرة واختصاصا من نظيره المهني الآخر عادا إياه مستهلكا؟
للإجابة عن هذا السؤال، لا يكفي الاعتماد على صفة الأطراف، لأن العقد الاستهلاكي يبرم بين مهني ومستهلك([75])، كما ذكر في غالبية مواد قانون الاستهلاك الفرنسي، كما أن موقف المشرع الفرنسي بهذا الخصوص يشوبه الغموض كما ذكرنا سابقا، فقد اكتفى في بعض الأحيان بذكر المستهلك دون تعريفه، أو استثنى من نطاق تطبيق بعض النصوص، العمليات التي تتم لغايات مهنية، كما أنه لم يعرف في المقابل المهني، على عكس المشرع الأوربي([76])، وإلا لأمكن استخلاص تعريف المستهلك من خلال التفسير بمفهوم المخالفة.
على كل حال، يمكن تعريف المهني بأنه: “شخص طبيعي أو معنوي، يتصرف في إطار نشاطه المهني بصورة معتادة ومنظمة”([77])، وقد يكون منتجا أو موزعا أو مقدم خدمات، وللمهني عدة صور: فهو غالبا ما يكون تاجرا، ولكن من الممكن أن يكون غير تاجر، كالحرفيين والصناع والقائمين بالأعمال الحرة، ومن الممكن أن يكون شخصا طبيعيا أو معنويا، فبالنسبة لجانب من الفقه([78])، فإن صفتي الاعتياد والتنظيم في ممارسة المهنة هما اللتان تميزان المهني عن غيره. ويضيف جانب آخر من الفقه عنصرا ثانيا إضافة إلى عنصر الاعتياد والتنظيم في ممارسة المهنة، وهو عنصر الآجر([79]) أو المقابل المادي ، وقد عارض القضاء([80]) وجانب من الفقه([81]) هذا الرأي، لأنهما يشددان على أن العنصر الوحيد الذي يميز المهني عن غيره يتمثل في عنصر الاعتياد في ممارسة المهنة فقط، أما عنصر الآجر فليس ضروريا، لأن الصفة المعتادة والمنظمة لممارسة المهنة تكمن فيها قوة المهني: فهو في نطاق تخصصه، يتفوق في خبرته على المستهلك”. ومع أن هذا التعريف لا يجيب بصورة مباشرة عن السؤال السابق، إلا أنه يفيد في أمرين: الأول، أن المهني ليس بالضرورة تاجرا كالحرفيين مثلا، مما يستدعي تحري موقف القضاء من هذا التقسيم؟ والثاني، أن معرفة المهني تكون مفترضة فقط عندما يجري التصرف في إطار نشاطه المهني، وضمن تخصصه، فما موقف القضاء منه عندما يتصرف خارج إطار تخصصه؟.
اعتمد القضاء الفرنسي ثلاثة معايير، لتحديد ما إذا كان ممكنا إصباغ صفة المستهلك على المهني غير المختص، وهي: معيار الغاية من التصرف، ومعيار الجهل أو عدم الاختصاص، ومعيار الارتباط المباشر بين تخصص المهني والعقد المبرم.
أولا: معيار الغاية من التصرف:
معيار الغاية من التصرف، هو معيار موضوعي يقوم على أساس البحث عن طبيعة الحاجات المراد إشباعها، فالمستهلك بموجب هذا المعيار،هو الشخص الذي يتصرف من أجل إشباع حاجاته الذاتية أو العائلية، وبالتالي، فإن هذا المعيار يحيل بطريقة غير مباشرة على المستهلك النهائي للسلعة أو الخدمة بمعناه الاقتصادي، بحيث تنتهي عنده الدورة الاقتصادية للسلعة أو الخدمة. ويعود هذا المعيار في جذوره إلى المنشور الصادر بتاريخ 19/7/1988([82]) الذي جاء تطبيقا للقرار الصادر في 3/12/1987، الخاص بإعلام المستهلك بالأسعار([83])، حيث عرف المستهلك بأنه: “المستهلك النهائي لها (أي السلع) التي يستخدمها من أجل إشباع حاجاته الذاتية… وليس لإعادة بيعها، لتحويلها أو لاستعمالها في إطار مهنته”.
وجد هذا المعيار صدىله في الفقه الفرنسي والعربي، فقد عرف الكاتب الفرنسي ” أمي “Amiel ([84]) العقد الاستهلاكي بأنه: “عقد يستحوذ بمقتضاه مستهلك من مهني على سلعة أو خدمة لاستخدامها لأغراض ذاتية أو عائلية”، أما المهني فهو من يقوم بالتصرف لغايات مهنية، “فالهدف إذن من التصرف،هو الذي يسمح بتصنيف مجريه بين المهنيين أو المستهلكين”([85]). كما أعطى الفقهاء العرب، اعتمادا على هذا المعيار، عددا من التعريفات المتشابهة للمستهلك، نذكر منها:
– هو الشخص الذي يقوم بإبرام العقود بهدف الحصول على احتياجاته الشخصية والعائلية من السلع والخدمات([86]).
-هو ذلك الشخص الذي يبرم عقودا مختلفة من شراء وإيجار وغيرها من أجل توفير ما يحتاج إليه من سلع ومواد وخدمات وأغذية وأدوية لإشباع حاجاته الضرورية والكمالية الحالية والمستقبلية، دون أن يكون لديه نية المضاربة بهذه الأشياء عن طريق إعادة تسويقها، كما هو الحال بالنسبة للمنتج أو الموزع ودون أن تتوافر لديه القدرة الفنية لمعالجة هذه الأشياء وإصلاحها”([87]).
فحماية المستهلك بموجب هذا المعيار تجد تبريرها، في نظر أنصارها، في الوظيفة التي يستقل بها كلا المتعاقدين في المجتمع، بحيث يأخذ القانون بالاعتبار صفة الأطراف، من أجل ضمان التوازن النسبي في مراكز كل من المهني والمستهلك على حد سواء.
في المقابل، عارض جانب آخر من الفقه الفرنسي([88]) الأخذ بمعيار الغاية من التصرف، كونه يحد كثيرا من سلطة القاضي التقديرية، في بعض المواد التي يصعب الجزم فيها عن نية المشرع اعتماد هذا المعيار، خصوصا بصدد موضوع مكافحة الشروط التعسفية.
في البداية، عمد القضاء الفرنسي إلى تطبيق هذا المعيار([89])، فقام بتوسيع مجال حماية المستهلك لتشمل فئة خاصة من الأشخاص “غير المهنيين”([90])، فاعتبرت هؤلاء جميعا مستهلكين، بغض النظر عن كونهم أشخاصا طبيعيين أو معنويين، متى كان موضوع التصرف يخرج عن نطاق تخصصهم، وبدا هذا من وجهة نظر محكمة النقض الفرنسية، مخالفا للحكمة من تشريع قواعد خاصة بحماية المستهلك، لهذا قامت بهجره، ليحل محله معيار الجهل أو عدم الاختصاص.
ثانيا: معيار عدم الاختصاص
يعود الأساس القانوني لمعيار عدم الاختصاص إلى المادة 35 من القانون رقم 78-23، الصادر بتاريخ 10/1/1978، والخاص بالشروط التعسفية([91])، التي نصت على حصر نطاق تطبيقها على “المستهلك أو غير المهني”. فمصطلح “غير المهني” فسره البعض على أنه يشير إلى المهني الذي يتعاقد خارج نطاق تخصصه([92]).
لا يتعارض معيار عدم الاختصاص من حيث المبدأ، مع معيار الغاية من التصرف- سابق الذكر- الذي يهدف إلى حماية المستهلك عندما يجري التصرف من أجل إشباع حاجاته الذاتية أو العائلية، لأن المستهلك يتمتع في جميع الأحوال والظروف بقرينة قاطعة على عدم الاختصاص، لكنه يسعى، على العكس، إلى توسيع مفهوم المستهلك، لمد نطاق الحماية القانونية إلى بعض المهنيين الذين يتصرفون بمناسبة نشاطهم المهني، ولكن في غير تخصصاتهم([93]).
استحوذ معيار عدم الاختصاص على انتباه القاضي الفرنسي، الذي أظهر ميله أحيانا إلى فكرة التوسيع لاتسامها بالعدالة، ففي أحد قراراتها، قضت محكمة النقض الفرنسية([94]) بتطبيق القواعد الخاصة بالشروط التعسفية على مهني قام بإجراء تصرف قانوني، بمناسبة نشاطه المهني، ولكن في غير تخصصه، بحيث كانت درجة جهله تعادل درجة الجهل عند أي مستهلك آخر” بالنظر إلى محل العقد، كما قضت ذات المحكمة بتطبيق نفس الحكم على موضوعات أخرى، تخص مثلا صغار التجار بشأن البيع المنزلي للحصول على أجهزة إنذار([95]). ويرى البعض([96]) أن المحكمة أخذت بالحسبان في هذه القرارات، بدرجة المعرفة والقدرات الذهنية للأطراف، من أجل تقرير الحماية أو رفضها.
رغم العدالة التي يحققها معيار عدم الاختصاص، لأخذه بعين الاعتبار الظروف الخاصة التي أحاطت بإبرام العقد ودرجة جهل المهني أو عدم تخصصه، إلا أن القضاء الفرنسي قام باستبعاده نتيجة لانتقادات عدة وجهت إليه([97])، نذكر منها:
– مخالفته لنصوص قانون الاستهلاك، التي تعتمد غالبا معيارا موضوعيا في تحديد مفهوم المستهلك وليس معيار شخصيا([98]).
– تراجع القضاء المستمر في الأخذ بالاصطلاح المزدوج مهني/مستهلك، ليحل محله شيئا فشيئا اصطلاح أخر: مختص/جاهل، مما نتج عنه اعتبار كل مهني يتعاقد خارج نطاق تخصصه مستهلكا، وهذا يتعارض تماما مع الحكمة من تشريع قانون الاستهلاك([99]).
– إن الأخذ بمعيار عدم الاختصاص على إطلاقه سيؤدي إلى نتائج خطيرة وغير منطقية، فإذا أوليت الحماية للمهني غير المختص، استتبع ذلك- بالتفسير بمفهوم المخالفة- رفض حماية المستهلك المختص، وهذا يخالف السياسة التشريعية التي وضعت من أجلها قواعد الحماية،لأن المستهلك يتمتع في جميع الأحوال والظروف بقرينة قاطعة بعدم الاختصاص، ولو ثبت في الواقع أنه مختص، وهذا لا ينسجم مرة أخرى مع معيار عدم الاختصاص.
– يبدو أن هناك غموضا في الحكمة من تشريع قانون الاستهلاك، فالدافع الرئيس من حماية المستهلك لا يتمثل في عدم الاختصاص، بل في اختلاف الوظائف التي يؤديها الأشخاص في المجتمع، فالجهل أو عدم الاختصاص لا يشكل إلا واحدة من هذه الاختلافات، فتصرف المهني خارج إطار تخصصه يمثل علامة على ضعفه، مما يستوجب حمايته، إلا أن هذا الضعف لا يصلح للأخذ به كمعيار يطبق في كل الأحوال والظروف([100]).
تجنبا لمثل هذا الخلط، هجر القضاء الفرنسي معيار عدم الاختصاص، ليستقر على الأخذ بمعيار جديد هو معيار الارتباط المباشر.
ثالثا: معيار الارتباط المباشر
بدأت محكمة النقض الفرنسية منذ العام 1995، تميل إلى الأخذ بالمفهوم الضيق للمستهلك- على غرار التوجيهات الأوربية- معتمدة في تفسيرها لهذا المفهوم على معيرا موضوعي، يتمثل في البحث عن مدى وجود ارتباط مباشر بين العقد المبرم والحرفة التي يمارسها المهني، بموجب هذا المعيار، يتم استبعاد المهني من نطاق الحماية القانونية المقررة للمستهلك، إذا ثبت وجود أدنى علاقة مباشرة بين حرفته وموضوع العقد، ففي قرارها الصادر بتاريخ 24/1/1995([101])، قضت محكمة النقض بعدم تطبيق نص المادة 35 من القانون الصادر في 10/1/1978، والخاص بالشروط التعسفية، على المهني الذي أبرم عقدا لتوريد الكهرباء مع شركة الكهرباء الفرنسية، بحجة وجود علاقة مباشرة بين هذا العقد والحرفة التي يمارسها. ثم عادت المحكمة ذاتها وأكدت اعتمادها معيار الارتباط المباشر في قرارين آخرين، صادرين بتاريخ 3 و30/1/1996، حيث قضت فيهما برفض إفادة المهني من القواعد المتعلقة بمكافحة الشروط التعسفية، ففي القرار الصادر في 3/1/1996([102])، كان محل العقد يتمثل في توزيع المياه من قبل شركة تقوم بتصنيع العبوات، أما القرار الصادر بتاريخ 30/1/1996([103])، فكان موضوع العقد يقوم على حيازة أحد النظم المعلوماتية لتنظيم عملية استقطاب الزبائن.
واستمر القضاء بعد ذلك في اعتماد معيار الارتباط المباشر في كثير من القرارات، من أجل تقرير حماية الحرفي باعتباره مستهلكا([104])، أو إخراجه من إطار الحماية باعتباره مهنيا([105]).
هذا التوجه الجديد لمحكمة النقض، يستوجب تحديد المقصود من مصطلح “الارتباط المباشر”.
لم تعط محكمة النقض بهذا الخصوص أي تفسير لهذا المعيار، بل تركت أمر تقدير وجوده من عدمه لقاضي الموضوع، يستقل باستخلاصه من ظروف وملابسات القضية، دون خضوعه في ذلك لرقابتها([106]). كل ما في الأمر أنها فرضت عليه الالتزام بقاعدة واحدة مفادها: وجوب تقدير هذا الارتباط، دون النظر إلى خروج العقد المبرم عن الإطار المعتاد لتخصص المهني، ما دام أنه قد أجراه وهو على درجة من الجهل، تساوي درجة الجهل عند أي مستهلك آخر([107]).
استقلال قضاة الموضوع في تقدير مسألة الارتباط المباشر أدى، فيما بعد، إلى تباين القرارات القضائية، نظرا لاختلاف هؤلاء في طريقة التفسير:
– فبعض القضاة اعتمد في تقدير هذه الرابطة على معيار يتسم بالتجريد، مفاده أن مجرد إبرام العقد من قبل المهني أو القيام به بمناسبة ممارستة لمهنته، يعد قرينة على تحقق هذه الرابطة، وبالتالي يتم استبعاده من نطاق حماية المستهلك([108]). فشراء إطفائية لمكافحة الحريق، أو جهاز إنذار من قبل صاحب محل لبيع الملابس، يستتبعه رفض اعتباره مستهلكا، من مزايا الأخذ بهذا المعيار أنه لا يؤدي إلى تشويه قانون الاستهلاك، كما أنه يتطابق مع موقف التوجيهات الأوروبية بهذا الخصوص، إلا أنه يتسم، في المقابل، بالشدة والقسوة إزاء بعض المهنيين، كصغار التجار والحرفيين.
– أما البعض الآخر من القضاة، فاعتمد معيار واقعيا إلى حد ما؛ لاستخلاص وجود هذه الرابطة المباشرة من عدمها، بحيث ينظر إلى مدى حاجة المهني خلال ممارسته العادية لأمور مهنته لإبرام هذا العقد، قياسا على نظرائه من المهنيين في ذات التخصص، ومدى حاجتهم إلى إبرام عقود مماثلة، تحليل الأحكام القضائية بهذا الخصوص، يظهر الرجوع المستر لمعيار عدم الاختصاص أو لمعيار الغاية من التصرف: فبموجب الأول، يقوم القاضي باستخلاص عدم وجود ارتباط مباشر بين العقد المبرم وممارسة الحرفة، من واقعة قيام المهني بالتعاقد خارج نطاق تخصصه([109])، أما فيما يخص المعيار الثاني، فيحاول القاضي البحث عن الدوافع الذاتية التي حملت المهني على إبرام العقد، وبالتالي، يتم تشبيه هذا الأخير دائما بالمستهلك إلا في العقود التي يبرمها لمصلحة مهنته حصرا.
حاول البعض([110]) إيجاد تبرير لهذا التباين في تقدير معيار “الارتباط المباشر”، فعزا ذلك إلى سعي قضاة الموضوع إلى احترام مبدأ المساواة بين طرفي العقد. فالقاضي يبدأ أولا بالبحث عن مدى التطابق بين طبيعة التصرف والوظيفة التي يشغلها المهني، فإذا وجد أن هناك ارتباطا مباشرا بينهما، يحكم باستبعاد المهني من نطاق الحماية القانونية المقررة للمستهلك، نظرا لعدم وجود مبرر لهذه الحماية، كون طرفي العقد في موقف متعادل. أما إذا وجد أن هناك ارتباطا غير مباشر، فيقرر تطبيق القواعد الاستهلاكية، لأنه تحقق من ضعف طرف مقارنة بالطرف الآخر، فصفة الأطراف تبرر الحماية من أجل إعادة التوازن النسبي إلى العقد.
هذا التباين بين قضاة الموضوع في كيفية تفسير مصطلح “الارتباط المباشر” وكيفية تقديره، من شانه تهديد وحدة النظام القانوني والاستقرار القضائي، كما يؤدي إلى عدم إمكانية تنبؤ الأطراف المسبق بالقواعد القانونية الواجبة التطبيق على تصرفاتهم: هل هي القواعد الاستهلاكية أم القواعد العامة؟
للخروج بحل لهذه المشكلة، قدم الفقه الفرنسي عدة معايير يتم من خلالها معرفة ما إذا كان هناك ارتباط مباشر أم لا بين النشاط المهني للشخص والعقد المبرم.
اقترح الفقيه “مازو” Mazeaud التمييز بين “العقود الضرورية واللازمة لممارسة النشاط المهني للمتعاقد عن تلك التي أبرمت فقط بمناسبة هذا النشاط، لكنها تخرج من حيث موضوعها عن النشاط الخاص بهذه المهنة، إلى درجة أن أي مهني يمكنه القيام بعقدها، من أجل ممارسة مهنته الخاصة به”([111]). فالفئة الثانية، على خلاف الفئة الأولى، تطبق بشأنها التشريعات الخاصة بالشروط التعسفية، فعقد بيع القماش الذي يبرمه الخياط مثلا، يأتي مطابقا لنشاطه المهني، فيكون هناك ارتباط مباشر. أما لو قام نفس الشخص بتجهيز محله التجاري بجهاز إنذار، فليس هناك ارتباط مباشر، نظرا لعدم دخول جهاز الإنذار في عملية تصنيع الملابس: في هذه الحالة، يستفيد المهني من القواعد الخاصة بحماية المستهلك، بما فيها المتعلقة بإلغاء الشروط التعسفية. الانتقاد الرئيس الذي وجه إلى هذا الاقتراح يتلخص في إحالته، بصورة غير مباشرة، إلى معيار عدم الاختصاص الذي استبعده القضاء الفرنسي كما ذكرنا سابقا رغم ذلك، يرى جانب من الفقه([112]) أن محكمة النقض الفرنسية قد اعتمدت هذا التقسيم في قرارها الصادر بتاريخ 14/3/2000، حيث عمدت إلى التمييز بين العقود اللازمة والضرورية لممارسة النشاط المهني، والعقود المفيدة فقط لممارسة هذا النشاط([113]).
كما قدم الفقيه “ريمو” Raymond اقتراحا آخر، للكشف عن وجود هذا الارتباط المباشر، مفاده البحث عن الدافع الخاص والرئيس للتعاقد([114]). وبموجبه، لا يكتسب المهني صفة المستهلك، إذا كان الدافع الرئيس من وراء قيامه بإبرام العقد هو مصلحة مشروعة أو مهنته تحديدا. فجميع العقود التي يبرمها المهني لغايات مهنية، يتم استبعادها آليا من نطاق الحماية القانونية المقررة للمستهلك. الانتقاد الرئيس الذي وجه إلى هذا المقترح هو تعقيده وصعوبة تطبيقه ([115]). ولم يحظ هذا الرأي باهتمام القضاء الفرنسي.
أما الفقيه Pizzio ( ([116]، فقد ذهب إلى أبعد من سابقيه، فقام بتعريف العقود التي يكون لها ارتباط مباشر بالنشاط المهني على أنها: تلك العقود التي “بموجب طبيعتها، تدخل في العملية الاقتصادية لتصنيع، لتوزيع أو لتسويق البضائع أو الخدمات”. وعرف، في المقابل، العقود التي لا ترتبط مباشرة بالنشاط المهني على أنها: تلك التي ” بحسب محالها وطبيعتها…. تشترك أساسا في عملية المحافظة على الذمة المالية لمؤسسة المهني أكثر من سعيها لتطوير النشاط المهني للتاجر”.
بموجب هذا المقترح، يكون موضوع العقد هو العنصر الأساسي والحاسم، في استخلاص وجود هذا الارتباط المباشر من عدمه بالنشاط المهني. فشراء إحدى الآلات من قبل شركة مثلا، يساعد في زيادة قدرتها الإنتاجية، وبالتالي يثبت وجود هذا ا لارتباط المباشر. في المقابل، إبرام عقد تأمين أو شراء جهاز إنذار، فلا تستخدم مباشرة في مضاعفة إنتاج الشركة، بل هي مجرد تصرفات تهدف إلى المحافظة على الذمة المالية للشركة، وبالتالي يكون، الارتباط المباشر غير متحقق، من بين الانتقادات التي وجهت إلى هذا المقترح ليس صعوبة تطبيقه فحسب، بل مجافاته للعادلة أيضا، لأن المهني قد يكون ضعيفا في مواجهة المتعاقد الآخر في كلتا الحالتين، تقرير حمايته في حالة دون الآخر يبدو منافيا للمنطق والعدالة.
ولم يلق هذا الرأي تأييدا في القضاء الفرنسي، ولا أدل على ذلك، من قرار محكمة النقض الصادر بتاريخ 23/2/1999 سابق الذكر، والذي قضت فيه باستبعاد تطبيق نص المادة L.132-1من قانون الاستهلاك الفرنسي الخاص بالشروط التعسفية، على عقد تأمين قام بإبرامه مهني يحترف تأجير القوارب، مع أن موضوع العقد كان يشكل المثال ذاته للأعمال التحفظية.
نخلص إذن إلى أن معيار الارتباط المباشر، رغم اعتماده حاليا من قبل القضاء الفرنسي معيارا منفردا لعد المهني مستهلكا أم لا، إلا أن الغموض يكتنفه من كل جانب، إضافة إلى ذلك، فإن ترك تقدير وجود هذا الارتباط المباشر من عدمه إلى قاضي الموضوع، من شأنه زيادة احتمالات تضارب الأحكام القضائية، وبالتالي تهديد الاستقرار القضائي([117]). للخروج من هذا المأزق، يرى الفقيه الفرنسي “بيزان”([118]) Paisant ضرورة تدخل محكمة النقض لإيقاف هذا التباين، من خلال وضع تعريف قانوني محدد لمعيار الارتباط المباشر، وذلك إما بالإحالة على صفة المهني أو على احتياجات ممارسة المهنة، فمحكمة النقض قد جانبت الصواب، عندما اعتبرت مسألة الارتباط المباشر مسألة وقائع يستقل بتقديرها قاضي الموضوع، لأنها في الحقيقة مسألة قانون، نظرا لتعلقها بالتوازن العقدي بين أطراف العقد، وعليه، ينبغي على محكمة النقض اعتبار هذه المسألة من مسائل القانون، وبالتالي إخضاع قاضي الموضوع في تقدير هذا الارتباط المباشر لرقابتها، من أجل تجنب احتمالات تضارب الأحكام القضائية.
لكن هل هذا التدخل من قبل محكمة النقض، من خلال اعتبارها مسألة الارتباط المباشر مسألة قانون، وبسط رقابتها على قضاة الموضوع سينهي المشكلة؟ لا نعتقد ذلك، ففي حكمها الصادر بتاريخ 23/11/1994 ([119])، قضت الدائرة التجارية لمحكمة النقض، برفض تطبيق نص المادة L.132-1 من قانون الاستهلاك في نزاع بين مهنيين، دون التطرق إلى مفهوم الارتباط المباشر، مما يثير التساؤل، هل يشير هذا القرار إلى هجر السوابق القضائية المتعلقة باعتماد معيار الارتباط المباشر في تقدير مفهوم المستهلك([120])؟. في قضية أخرى([121]) تتعلق بحيازة آلة تصوير من قبل كاهن في إحدى الكنائس، قضت محكمة النقض بعدم وجود ارتباط مباشر بين مسألة الحيازة والنشاط المهني للكاهن، وذلك دون النظر إلى الغاية من وراء هذه الحيازة. وفي قرار آخر، قامت ذات محكمة بتفسير معيار الارتباط المباشر بطريقة واسعة، من أجل تضييق نطاق تطبيق قانون الاستهلاك([122])، بحيث تستبعد العقود الضرورية لممارسة النشاط المهني، إضافة إلى العقود التي تدخل ضمن النشاط المهني نفسه، من نطاق الحماية([123]). مع أن هذا التفسير يبدو موضوعيا، إلا أنه يستتبعه في غالب الأحيان استبعاد المهني من نطاق الحماية، وبالتاي يتم قصر مجال حماية المهني، بموجب القواعد الاستهلاكية، على التصرفات التي يجريها لتلبية حاجاته الذاتية أو العائلية حصرا، دون التي تتعلق بممارسة نشاطه المهني.
ويرى البعض أن هذا النهج الجديد لمحكمة النقض غير مستساغ، فكيف يتم إيهام المهني بحمايته بموجب القواعد الاستهلاكية، وفي نفس الوقت اعتماد معيار يؤدي إلى استبعاده من نطاق حماية المستهلك([124]).
نخلص مما تقدم إلى أن القضاء الفرنسي، حاله حال قانون الاستهلاك الفرنسي، لم يستقر بعد على الأخذ بالمفهوم الضيق أو الواسع للمستهلك، بل يتأرجح بين المفهومين، وذلك على خلاف القانون والقضاء الأوروبيين، اللذين حسما الأمر لصالح المفهوم الضيق للمستهلك، وحصراه بالأشخاص الطبيعيين الذين يتصرفون لغرض إشباع حاجاتهم الذاتية والعائلية من السلع والخدمات، مستبعدين الأشخاص المعنويين والمهنيين، حتى لو أجروا التصرف خارج إطار تخصصهم أو نشاطهم المهني المعتاد، كما يخالف أيضا توجه معظم التشريعات في الدول التي عرضناها، ومنها العربية، التي اعتمدت تعريفات محددة وعامة للمستهلك، من شأنها شمول جميع النصوص الاستهلاكية، مقيدة بذلك سلطة القاضي التقديرية في هذا المجال، نظرا لوضوح هذه التعريفات من حيث الصياغة والمضمون.
يبدو أن القاضي الفرنسي، من خلال اعتماده لأحد المعايير الثلاثة السابقة الذكر( الغاية من التصرف، والاختصاص، والارتباط المباشر)، يحاول التوفيق بين أمرين: الأول، احترام إرادة المشرع عندما تكون عبارات النص القانوني واضحة، لا تدع مجالا للشك أو الاجتهاد في معناها وفهم المقصود منها، والثاني، محاولة تحقيق العدالة العقدية، بالبحث عن الحكمة من النص كلما كان ذلك ممكنا، سواء بالاستناد إلى بعض المفاهيم الفضفاضة التي تحتمل أكثر من معنى، أو عن طريق التفسير بمفهوم المخالفة لبعض نصوص قانون الاستهلاك الفرنسي،مما يفسح المجال أمام القاضي للأخذ بالمفهوم الواسع للمستهلك، بحيث تشمل الحماية بعض الأشخاص المعنويين وبعض المهنيين الذين يتعاقدون خارج إطار تخصصاتهم أو نشاطاتهم المهنية المعتادة، إضافة إلى الأشخاص الطبيعيين.
ويمكن التدلل على هذا التوجه من خلال مجموعة قرارات قضائية لمحكمة النقض الفرنسية، كان أهمها قرارها الصادر بتاريخ 15/3/2005 المذكور سابقا، الذي رسخت بموجبه ولأول مرة، مبدأ عاما يقضي بالأخذ بالمفهوم الواسع للمستهلك في بعض المجالات الاستهلاكية، حيث اعتبرت أن مصطلحي “المستهلك” و”غير المهني”، الواردين في المادة L132-1 من قانون الاستهلاك الفرنسي المتعلقة بالشروط التعسفية، هما مصطلحان متميزان ومختلفان بعضهما عن بعض، وعليه فإن هذا النص يشمل الأشخاص الطبيعيين والمعنويين على حد سواء، إذ لو أراد المشرع الفرنسي حسم الأمر لفعل ذلك، من خلال تبنيه للمفهوم الواسع أو الضيق للمستهلك، فما دام أنه لم يفعل ذلك، فإن في الأمر حكمة، تتمثل في إفساح المجال أمام القاضي للأخذ بالمفهوم الواسع أو الضيق للمستهلك حسب الوقائع والظروف الخاصة بكل قضية على حدة .
وقد عبر وزير العدل الفرنسي صراحة، عن الحكمة من عدم إيراد المشرع الفرنسي لأي تعريف للمستهلك، بقوله: “لا يشتمل قانون الاستهلاك الفرنسي على أي تعريف للمستهلك نظرا للطبيعة الخاصة التي مر بها تشريع هذا القانون”، مضيفا أن غياب هذا التعريف” يتطابق مع التقليد القضائي الفرنسي، وهذا لا يشكل في الحقيقة مشكلة، بل يشكل- على العكس- عنصر مرونة، لأنه يسمح للقضاء بمواءمة تطبيق القواعد الاستهلاكية حسب ظروف كل قضية”([125]).
ونشير أيضا، إلى أن الفقه الفرنسي قد استخلص الحكمة من غياب تعريف تشريعي عام للمستهلك منذ زمن، حيث اعتبر أن مفهوم المستهلك يمثل بحد ذاته معيارا أو أنموذجا قضائيا un standard juridique يصعب حصره في تعريف محدد([126]). ويعرف البعض هذا الأنموذج القضائي على أنه: “مفهوم فضفاض أو معيار مرن، هدفه التخفيف من جمود القواعد القانونية لصالح التقدير القضائي”([127]). أما الوظيفة التي يؤديها هذا الأنموذج القضائي، فهي: تفويض القاضي من قبل المشرع ليقوم بتحديد الإطار القانوني لمسألة ما، بحسب ظروف كل قضية، فهذه الصلاحية أرادها المشرع عن قصد، من أجل إيجاد تطابق أمثل بين النصوص القانونية والوقائع المادية الخاصة بكل قضية، بما يحقق العدالة العقدية([128]).
لهذا، فلا غرابة من عدم وجود تعريف قانوني موحد وعام للمستهلك في فرنسا، لأن المشرع نفسه أراد أن يبقى هذا المفهوم فضفاضا، بل إن وضع مثل هذا التعريف يسبب ضررا يتمثل في الحيلولة دون قيام الأنموذج القضائي بلعب دور قانوني فاعل، من خلال ترك المجال للقاضي لتحري من يعتبر مستهلكا تجب حمايته، أو مهنيا لا يستوجب الحماية، بالنظر إلى ظروف كل قضية([129]).
الخاتمة
نخلص في نهاية هذه الدراسة إلى أن تحديد مفهوم المستهلك، وعلى الرغم من أهميته في تحديد نطاق تطبيق القواعد الاستهلاكية من حيث الأشخاص، هو أمر في غاية الصعوبة والتعقيد، نظرا لعدم وجود تعريف موحد للمستهلك في التشريع أو الفقه أو القضاء، بل لا يوجد حتى معيار واحد متفق عليه يمكن اعتماده لتحديد هذا المفهوم. غير أنه يمكن تخطي هذه الصعوبة، من خلال استخلاص بعض الضوابط من مجمل البحث، من شأنها تحديد الفئات المشمولة بحماية المستهلك، وذلك على النحو الأتي:
– أن قواعد حماية المستهلك تمثل استثناء على القواعد العامة، وبالتالي لا يجوز التوسع في تفسيرها وحصرها في الإطار الضيق، الذي حدده المشرع دون تجاوز، وذلك حتى تحقق القواعد الحمائية من جهة غايتها، وحتى تبقى الفواصل، من جهة أخرى ، واضحة بين القواعد الاستهلاكية والقواعد العامة.
– أن حماية المستهلك يجب أن تكون مبررة،وتتمثل في ضعف المستهلك مقارنة بالمهني، ولا يمكن الاعتماد دائما على صفة الأطراف لاستخلاص هذا الضعف، أو على عدم التوازن العقدي وحده، لأن عدم التوازن قد يكون متحققا في كثير من العقود، وليس في العقود الاستهلاكية فقط، مع ذلك لم يقل أحد بتطبيق قواعد حماية المستهلك، فتتم إزالته بموجب القواعد الاستهلاكية، أما إذا جاء عدم التوازن ضد مصلحة المهني، فيمكن إزالته كأصل عام بالرجوع إلى القواعد العامة، وليس إلى القواعد الاستهلاكية، كل ذلك ، من أجل المحافظة على نطاق تطبيق منفصل لكل من القواعد العامة والقواعد الاستهلاكية.
– أن حماية المستهلك لا تطبق على جميع التصرفات القانونية، إنما تنحصر في بعض التصرفات فقط، فهي تطبق كأصل عام لحماية المستهلك، باعتباره الطرف الضعيف في العقد الاستهلاكي مقارنة بالمهني، وعليه فإن القواعد الحمائية لا تطبق كقاعدة عامة، عندما يكون طرفا التصرف على نفس الدرجة من الخبرة والاختصاص، كما في العقود المبرمة بين مستهلك ومستهلك آخر، ومهني ومهني آخر، لأن مبررات الحماية لا تتوافر بشأنهما، وإلا ماذا يبقى من تطبيق القواعد العامة خصوصا مبدأ حرية التعاقد ونظرية عيوب الرضا؟!
وعليه، يجب في مثل هذه الحالات الرجوع إلى القواعد العامة، لإزالة الخلل الذي يعتري العقد، أما في العقد الاستهلاكي المبرم بين مهني ومستهلك، فتتم حماية هذا الأخير بموجب القواعد الاستهلاكية باعتباره الطرف الضعيف في هذه العلاقة، أما المهني فلا تتوافر بشأنه كأصل عام مقومات الحماية بموجب القواعد الاستهلاكية، إنما يمكنه دائما التمسك بالقواعد العامة لإزالة الخلل الذي يحيط بالعقد. هذا الاختلاق في المعاملة بين المهني والمستهلك يجد تبريره في أن المهني، على عكس المستهلك، يمتلك في معظم الأحيان من المعرفة والخبرة والتخصص ما يمكنه من الدفاع عن مصالحه، خصوصا إذا انصب محل العقد على سلع وخدمات تدخل ضمن نطاق تخصصه الدقيق، إضافة إلى ذلك، فإن تعاقده غالبا ما يتم لصالح مهنته وليس لاستخدامه الذاتي أو العائلي، هذا الاختلاف في المعاملة بين المهني والمستهلك، يحفظ مرة أخرى الفواصل بين القواعد الاستهلاكية والقواعد العامة.
على ضوء هذه الضوابط الثلاثة، يمكن تحديد الفئات المشمولة بحماية المستهلك- أو بالأحرى الفئات التي تنبغي حمايتها- وذلك حسب التفصيل الأتي:
– الأشخاص الطبيعيون: يوجد شبه إجماع في التشريع والفقه والقضاء على حمايتهم بموجب قواعد حماية المستهلك، وهو أمر لا يثير أية مشكلة حقيقية خصوصا عندما يتصرف هؤلاء لغايات ذاتية أو عائلية، ولكن قد يفقد هؤلاء صفة المستهلك عندما يتصرفون لغايات مهنية، ذلك أن مبررات الحماية قد تكون غير متوافرة بحقهم، مما يقتضي استبعادهم ليس باعتبارهم أشخاصا طبيعيين، إنما مهنيين.
– الأشخاص المعنويون : إن الغالبية العظمى من التشريعات والفقه والقضاء، تصبغ عليهم من حيث المبدأ صفة المستهلك، خصوصا إذا كانوا لا يسعون إلى تحقيق أرباح مادية، وكان مركزهم المالي ودرجة جهلهم بالسلعة أو الخدمة تعادل درجة جهل أي مستهلك عادي. وهو أمر نؤيده، لاتسامه بالعدالة العقدية، ولأن مبررات الحماية تكون متوافرة بحقهم، ولكننا نعارض مسألتين: الأولى، تقرير حمايتهم بشكل تلقائي شأنهم شأن الأشخاص الطبيعيين، والثانية، استبعادهم بصورة تلقائية من نطاق حماية المستهلك، وعليه نرى أنه يجب ترك تقدير مدى استحقاقهم للحماية من عدمه إلى قاضي الموضوع، استنادا إلى الظروف الخاصة بكل قضية، فمن شأن هذا التوجه الذي يميل إليه القضاء الفرنسي بشكل كبير، أن يراعي مقتضيات العدالة العقدية بالنظر إلى ظروف كل متعاقد، ولكن يعاب عليه أنه قد يؤدي إلى تضارب الأحكام القضائية في المسائل المتشابهة، والحيلولة دون معرفة الأطراف المسبقة بالقواعد القانونية الواجبة التطبيق على تصرفاتهم: أهي القواعد العامة أم القواعد الاستهلاكية؟ مع ذلك نرى أن هذا التوجه رغم عيوبه وصعوبة تطيقه يبقى الأفضل.
– المهنيون: لا يوجد بشأنهم توجه واضح في التشريع والفقه والقضاء، من حيث شمولهم ضمن مفهوم المستهلك أم لا، ويعود السبب في ذلك إلى أمرين: الأول، أنه ينظر للمهني في الغالب على أنه نقيض للمستهلك، وبالتالي، يستتبع تقرير حماية هذا الأخير بموجب القواعد الاستهلاكية، رفض حماية الأول بموجب ذات القواعد. والثاني، أن مبررات حماية المستهلك لا تتوافر في معظم الأحيان في جانب المهنيين، لأن عندهم من المعرفة والخبرة ما يمكنهم من الدفاع عن مصالحهم، خصوصا إذا كان موضوع العقد يدخل ضمن إطار نشاطهم المهني وتخصصهم الدقيق، ولكن حتى وإن كانت تنقصهم المعرفة والخبرة في موضوع العقد، فعندهم الإمكانيات اللازمة للدفاع عن مصالحهم، كالرجوع إلى مستشارين قانونيين لتلافي أي خلل محتمل، وهو أمر يفوق قدرات المستهلك العادي، والحقيقة أنه لا توجد ثمة مشكلة عندما يجمع العقد مهنيا- حتى لو غير مختص بموضوع العقد- ومستهلكا عاديا، لأن المهني لا يستحق في هذا الفرض الحماية بعكس المستهلك. إنما يصبح الأمر أكثر تعقيدا عندما يجمع العقد مهنيا مختصا ومهنيا آخر غير مختص بموضوع العقد، وبالتالي، نرى أن استبعاد المهني غير المختص، في هذا الفرض من نطاق حماية المستهلك بشكل تلقائي، يبدو مجحفا بحقه، كما أن حمايته بموجب قواعد حماية المستهلك تقتضي إيجاد ضابط، حتى لا يخرج قانون الاستهلاك عن غايته الأساسية المتمثلة أصلا في حماية المستهلك العادي، من هذا المنطق ظهرت مجموعة معايير تحاول الموازنة بين اعتبارين: تحقيق العدالة العقدية، والمحافظة على الغاية الأساسية من تشريع القواعد الاستهلاكية، وما ترسيخ القانون اللبناني صراحة لمعيار الارتباط المباشر، وتردد القضاء الفرنسي بين عدة معايير حتى استقر أخيرا على معيار الارتباط المباشر، إلا تجسيد لتلك الموازنة. ونحن نؤيد في النهاية هذا التوجه رغم تعقيده، لأنه لا يقرر من حيث المبدأ حماية المهنيين بشكل تلقائي بموجب قواعد حماية المستهلك، ولا يستثنيهم، إنما يترك المجال للقاضي ليتحرى مدى توافر مقتضيات الحماية ومبرراتها من عدمها، حسب الظروف الخاصة بكل قضية.
[1] تعني حماية المستهلك في أبسط معانيها اللغوية “الدفاع عنه ومنع الاعتداء عليه”. راجع، محمد محمد أبو سيد أحمد،حماية المستهلك في الفقه الإسلامي، ط1، دار الكتب العلمية، بيروت، 2004، ص 11، أما شرعا فتعني “زيادة حقوق ونفوذ المستهلك بالنسبة للبائع، وحق المستهلك في أن يحصل على كل المعلومات الصحيحة والمفيدة عن السلع والخدمات التي يريد ../..الحصول عليها، حتى يتمكن من اتخاذ القرار المناسب نحوها”: محمد رضا أمين، حماية المستهلك في ظل الشريعة الإسلامية- دراسة تطبيقية على المملكة العربية السعودية، رسالة دكتوراه مقدمة إلى قسم إدارة الأعمال بكلية التجارة، جامعة الأزهر، 1979، ص7: مشار إليه في محمد محمد أبو سيد أحمد، حماية المستهلك في الفقه الإسلامي، المرجع السابق، ص 12.
[2] انظر: عمر محمد عبد الباقي،الحماية العقدية للمستهلك- دارسة مقارنة بين الشريعة والقانون، منشأة المعارف، الإسكندرية، 2003، ص 17، عامر قاسم أحمد القيسي، الحماية القانونية للمستهلك- دارسة في القانون المدني المقارن، ط1، الدار العلمية الدولية ودار الثقافة،عمان 2002، ص9.
[3] -JOCE, n° L.144,4 Juin 1997 :
للإطلاع على هذا التوجيه الأوربي، انظر : D.aff.1997,p.803
للتعليق على هذا التوجيه، أنظر:
M. Trochu, D 1997, chron., p.17 ; Gatsi.,D.aff.,1997,p.1378 ; Storrer, Lamy droit économique, juin n° 96,p.1.
[4] أخذت العديد من التوجيهات الأوربية بهذا المفهوم الضيق للمستهلك،منها على سبيل المثال: التوجيه الأوربي الصادر بتاريخ 8/6/2000 المتعلق بالتجارة الإلكترونية، والتوجيه المتعلق بحماية المستهلكين في العقود التفاوضية التي تتم خارج المنشآت التجارية الصادر بتاريخ 20/12/1985، والتوجيه الصادر بتاريخ 22/12/1986 المتعلق بالقروض الاستهلاكية، والتوجيه المتعلق بالشروط التعسفية في العقود المعقودة مع المستهلكين الصادر بتاريخ 5/4/1993، والتوجيه المتعلق بالتجارة عن بعد للخدمات المالية الصادر بتاريخ 23/9/2002، والتوجيه المتعلق بالممارسات التجارية غير النزيهة الصادر بتاريخ 11/5/2005.
[5] حول تفاصيل هذا الغموض في فرنسا، انظر:
D.Ferrier, Mélanges, en l’honneur de J. Calais- Auoy, D 2004, p.373 et s ;G. Paisant, A la recherche du consommateur, Pour en finir avec l’actuelle confusion née de l’application du critère de « rapport direct », JCP G 2003, I, 121, étude, p.549 ; G. Vigneau, Trente ans de jurisprudence sur la notion de consommateur, Gaz, Pal., 3 aout au 3 sept.2002, p.3 ; A. Boujeka, L’influence du droit commun sur la distinction entre professionnel et consommateur , Petites affiches 2004, n° 168,p.6 ; M.Liger, la notion de non- professionnel ou consommateur, Revue de la concurrence et de la consommation 1999,n° 107,p.19 ; N.Sauphanor, l’influence du droit de la consommation sur le système juridiqe, LGDJ 2000,n° 389 et s ; M.Luby, Sommes – nous tous des consommation et théorie générale du contrat , PUAM, 2002, n° 391 et s. ; J.-P. Chazal, le consommateur existe- t- il ? , D. 1997, chron.p.260 ; D. Pombieilh, l’incidence du contrat de consommation sur l’évolution du droit des constrats, th.Pau, 2002,N° 466 et s ; J.Mestre, Des notions de consommateur, RTD civ.1989,p.62 ; J.-P. Pizzio, l’introduction de la notion de consommateur en droit français , D.1982, chron.p.91 ; L.Leveneur , vente entre professionnels et clause limitative de responsabilité, Contrats, Conc. Consom. 1994, chron.n° 3 ; A. Cathelineau, De la notioin deconsmmateur en droit interne : à propos d’une dérive, Contrats Conc. Consom. 1999, chron.n° 1999, chron. N° 13,p.4 ; M. Luby, La notion de consommateur en droit communautaire : une commode inconstance…., Contrats Conc. Consom.2000, chron. 1, p.4 ; J.-P. Pizzio, L’introduction de la notion de consommateur en droit français, D. 1982, chron.91 ; A. Oillic- Lepetit, la notion de consommateur , Rev. Conc . Consom.1988, n° 44, p.3 ;Ch. Giaume, Le non – professionnel est- il un consommateur ? ou desproblèmes de la redondance en droit de la consommation , Petites Affiches, 23Juill. 1990,p.25 ;G.Paisant, Essai sur la notion de consommateur, JCP G 1993, I, 3655 ; H. Cause, De la notion de consommateur, In Après le Code de la consommation , grands problèmes choisis, Litec 1994, p.21 ; R. Martin, le consommateur abusif,D.1997, chron, p.150.
[6] انظر على سبيل المثال المادة 3-311L. المتعلقة بالقروض الاستهلاكية حيث استبعدت الفقرة الثالثة من نطاق تطبيقها العمليات المخصصة لتمويل حاجا مرتبطة بالنشاط المهني، وكذلك القروض الممنوحة للأشخاص المعنويين الخاضعة للقانون العام. والمادة L. 121-22 الخاصة بالبيوع المنزلية ، حيث استبعدت من نطاق تطبيقها، البيوع والعمليات الأخرى التي تكون لها علاقة مباشرة بالنشاط المهني. والمادة L.331-2 المتعلقة بالمديونية الزائدة، حيث استبعدت من نطاق تطبيقها الديون ذات الصبغة المهنية، والمادة L.132-1 الخاصة بالشروط التعسفية، والتي تطبق على ” العقود المبرمة بين المهنيين وغير المهنيين أو المستهلكين”، فلا ندري إن كان مصطلح ” غير المهني” مرادفا لمصطلح “المستهلك” أم يشير إلى فئة أخرى؟ وعليه قضت الدائرة الأولى لمحكمة النقض الفرنسية في قرارها الصادر بتاريخ 15/1/2005 بأن مصطلح “غير المهني” ليس مرادفا لمصطلح “المستهلك” إنما يتميز عنه.
[7] G.Paisant, A la recherche du consommateur, Pour en finir avec l’actuelle confusion née de l’application du critère de « rapport direct » JCPG 2003, I 121, p.549 ; J. Mestre. Des notions de consommateurs, RTD civ. 1989,p.62 ; G. Raymond, Une association peut- elle avoir la qualité de consommateur ?Contrats Conc. Consom.1997, comm. 157.
[8] حصرت المادة 35 من القانون الفرنسي رقم 78-23 الصادر بتاريخ 10/1/1978 المتعلق بالشروط التعسفية ، نطاق تطبيقها على “المستهلك أو غير المهني”، هذه المادة أصبحت فيما بعد المادة 1-132L. من قانون الاستهلاك الفرنسي، بموجب القانون رقم 95-96 الصادر في 8/2/1995، دون أي تعديل . للإطلاع على تفاصيل الخلاف حول مصطلح ” غير المهني” أنظر:
– Ch. Giaume, précité, n° 88 ; Le non- professionnel « ce n’est certainement pas malgré le sens littéral, celui qui n’exerce pas de profession mais plutôt celui qui agit hors de sa profession » : P. Gode, RTD civ.,1978 , p.744.
[9] D. Bosco, le droit de rétractation- d’un aspect des rapports du droit de la consommation et du droit commun des contrats, Mémoire du DEA, Aix- Marseille 1999, npte n° 47.
[10] بعض نصوص قانون الاستهلاك الفرنسي لا تشير دائما إلى المستهلك، إنما إلى الشخص الطبيعي، وعليه يرى البعض أنه أينما ورد مصطلح ” المستهلك” فهو يشمل الشخص الطبيعي والشخص المعنوي على السواء ، وذلك بالتفسير بمفهوم المخالفة لمصطلح “الشخص الطبيعي”، ومثاله نص المادة L.121-21 من قانون الاستهلاك الفرنسي بشأن البيع المنزلي، والمادة L.221-1 بشأن ضمان المنتجات والخدمات، والمادة L.331-1 et s وما بعدها بشأن المديونية الزائدة،
انظر تفاصيل ذلك في:
C. Noblot, La qualité du contractant comme critère légal de protection, essai de méthodologie législative, éd LGDJ 2002,préface F.Labarhte, n° 385,p.1999.
[11] انظر في تبني هذا الاتجاه:
G. Cas,R. Bout et E. Petit, Lamy droit économique, 2001,N° 4649, p.1660 ; J. Calais- Auloy etF. Steinmetz, précité, n° 167 ,p.169.
خلال الأعمال التحضيرية للقانون رقم 95-96 الصادر بتاريخ 1 شباط 1995، تم صراحة رفض إعطاء مفهوم محدد وحصري للمستهلك. انظر:
Sénat, JO, 16 nov.1994, Rapp .n° 64, 9 nov.1994,p.26.
[12] تكتفي التشريعات عادة بأحد هذه المعايير لاعتبار الشخص مستهلكا تنبغي حمايته، أو مهنيا لا يستوجب الحماية.
[13] – J. Beauchard, Droit de la distribution et de la consommation PUF 1996, p.34.
[14] تستفاد هذه القرينة من نص المادة 35 من القانون رقم 78-23 الصادر بتاريخ 10/1/1978 الخاص بالشروط التعسفية والتي أصبحت المادة L .132-1من قانون الاستهلاك الفرنسي، انظر:
J-P. Chazal, le consommateur existe-t-il ?, D. 1997, Chron., p.260
[15] – J. Mel, La notion de consommateur européen Petites affiches, 31 Janv.2006,n° 14, p. 10.
[16] – Précité, n° 15 et s, p.10 et s.
[17] M. Luby , Notion de consommateur: ne vous arrêtez pas a l’apparence : Constrats, conc. Consom .2002, chron.4.
جاءت الإشارة إلى “المستهلك المتوسط” بشكل صريح في التوجيه الأوربي الخاص بالممارسات التجارية غير النزيهة الصادر بتاريخ 18/6/2003، وقد تم اتخاذ المستهلك المتوسط كمعيار لتقدير ما إذا كانت هناك ممارسات تجارية غير نزيهة أم لا.
[18] -CJCE, 16 Juill .1998, aff.C-210/96 : Rec. CJCE, p.4659.
[19] G. Raymond, obs, sous cass.civ.1re, 10 Juillet 1996, Contrats Conc. Consom.1996, n° 157, p.17.
[20] J.P. Pizzio, Code de la consommation commenté, éd Montchrestien, 1996, p .71.
[21] J.P. Pizzio, L’introduction de la notion de consommateur en droit français, D. 1982 ,N° 20. p.91.
[22] انظر: عمر محمد عبد الباقي، المرجع السابق، ص27 وما بعدها.
[23] أحمد عبد العال أبو قرين، نحو قانون لحماية المستهلك، ماهيته، موضوعاته، إصدارات مركز البحوث بكلية العلوم الإدارية، جامعة الملك سعود، المملكة العربية السعودية 1993، ص 16: مشار إليه في عمر محمد عبد الباقي، المرجع السابق، ص30.
[24] المرجع السابق، ص 30 وما بعدها، أخذت محكمة النقض الفرنسية بهذا الاتجاه، على عكس السابق، في عدة قضايا حيث استبعدت المهني الذي يتعاقد في غير تخصصه من نطاق قواعد حماية المستهلك، مبررة ذلك بأن المهني من واقع احترافه، حتى خارج نطاق تخصصه، ينبغي ألا يتساوى مع المستهلك العادي وحالة ضعفه، وبالتالي لا يعد مستهلكا . انظر القرار:
Cass.Civ., 15avril 1986, RTD civ.1987 ; Cass.Civ., 24 nov.1993.
[25] Y. Picod, sous cassation 1re civ., 27 sept.2005 :D2006, Juris . n° 3,p.239.
[26] انظر عمر محمد عبد الباقي، المرجع السابق، ص 35.
[27] حول تفاصيل ذلك، انظر: L. Mel, précité, n°4 et 12
[28] للإطلاع على تفاصيل هذا الرأي ، انظر:J.mel , Précité, n° 16et s., p.11 et s.
[29]– نفس المرجع السابق، ص11 وما بعدها.
[30] Chazal, le consommateur existe-t-il ?, D.1997, chron.260.
[31] G.Cas et D. Ferrier, Traité de droit de la consommation, Paris , éd PUF 1986,N° 8, p.9.
[32] C. Noblot, la qualité du contractant comme critère légal de protection : essai de méthodologie législative, préface F. Labarthe, éd LGDJ 2002,N° 439,p.222.
[33] R. Martin, le consommateur abusif, D 1997, chron., p.150.
[34] عامر قاسم أحمد القيسي، مرجع سابق، ص 9.
[35] D. Mazeaud, L’attraction du droit de la consommation, RTD com.1998, p.95.
[36] J. Beauchard, Remarques sur le code de la consommation, écrits en hommage à Gérard CORNU, Droit civil, procédure, linguistique juridique, éd PUF 1994, p.9.
[37] – J. Mel, précité, n° 1, p.5. ; G. Raymond, Définition de consommateur et professionnel, contras, conc. consom. 2005, comm., 100.
يقول الكاتب بعدم وجود مستهلك أوروبي واحد وإنما مستهلكون أوروبيون.
[38] – CJCE, 19 jan. 1993, Shearson Lehman Hutton : Rec. CJCE, I, p.183.
[39] – CJCE, 3 Juill .1997, Benincasa : Rec. CJCE, I, p.3767.
[40] Rec., CJCE, I, p.3541 : JCP G 2002, II, juris., n° 10047,p.555, note G. Paisant ; D. 2002, Juris. Comm., n° 1, p.2929, obs.J.P. Pizzio ; D2002, AJ., N° 1, p.90, obs. C. Rondey ; RTD civ. 2002, p.291, note J. Mestre et B Fages.
[41] Rec., CJCE, I, p. 4941 : JCP G 2001, II, 10513, note Carballo Fidalgo et Paisant ; RTD civ. 2001, p.878, obs.Mestre et Fages ; petites Affiches, 24 Juillet 2001, p.25 , note S. Hourdeau.
[42] للإطلاع على تفاصيل هذا الرأي، انظر إلى قائمة المراجع الواردة في الهامش رقم(5) من هذه الدراسة.
[43] CJCE, 20Janv.2005 : C-464/01 ; RTD civ.2005, p.350, obs.P.Remy- Corlay ; Contrats, Conc. Consom. 2005, n° 100, note G. Raymond.
[44] M. Mazeaud, Droit commun et droit de la consommation, Nouvelles frontières ?, D 2004, p.697 et s.
[45] J. Beauchard, précité, p.36.
[46] – CJCE 14 mars 1991, arrêt Di Pinto : Rec. I, P. 1189 ; D.1991, IR, p, p.100, spéc.15 à 19 :
طلب في هذا القرار من محكمة العدل الأوربية، تحديد مفهوم المستهلك الوارد في التوجيه الأوروبي الخاص بالبيع المنزلي، الصادر في 20/12/1985، حيث اعتبرت أن وصف المستهلك لا ينطبق على المهني الذي أبرم عقد إعلان بيع محله التجاري بموجب بيع منزلي، نظرا لارتباط هذا الأمر بممارسة نشاطه المهني، غير أن المحكمة أضافت، أن التوجيه المتعلق بالبيع المنزلي، يمثل حدا أدنى، بالتالي يمكن للقوانين الوطنية في دول الاتحاد توسيع نطاق الحماية الواردة في هذا التوجيه، لتشمل أشخاصا آخرين غير المستهلكين الذين يتصرفون لغايات غير مهنية، خصوصا التجار الذين يتصرفون فعلا لغايات مهنية، ولكن خارج إطار تخصصاتهم.
[47] J. Beauchard, précité, p.36.
[48] J. Passa, Commerce électronique et protection du consommateur, D.2002n n°6, p.555.
[49] D.2002, Juris., obs. sous CJCE du 22 nov.2001, p.2929 ; en ce sens encore, C. Nourissat, Consommateur et clause attributive de juridiction, la CHCE, entre précisions et interrogations, Petites affiches 22mai 2002, n° 102, p.16 et s.
[50] CJCE, 13 nov.1990, Marleasing, Rec.I, p.4135.
[51] يبدو أن محكمة النقض الفرنسية تناقض حاليا هذا الرأي ، بالنظر إلى قرارها الصادر في 15/3/2005، معتبرة أن مصطلح “غير المهني” الوارد في المادة L132-1 من قانون الاستهلاك الفرنسي بشأن الشروط التعسفية، يختلف عن مصطلح “المستهلك” الوارد في نفس المادة، وبالتالي فهو يتسع ليشمل الأشخاص الطبيعيين والمعنونين وإمكانية توسيع نطاقه على موضوعات أخرى ورد فيها مصطلح “غير المهني”.
أنظر P. Fernandez :http://aufildudroit.over-blog.com/article-1014418.html :تاريخ الزيارة 22/8/2008.
انظر أيضا في ذات السياق القرارين: Cass.1re civ., 23 fevr.1999 : Bull. n°59 ; 5 mars2002 : Bull. n°78.
[52] Ch. Biquet- Mathieu, Les contrats du consommateur- Rapport de droit belge, Association Henri Capitant, Journées colombiennes, Bogota- Carthagène, 24-28 sept.2007,spec. n°7.
[53] J.Mel, précité, n° 6,p.7.
[54] Cass.1re civ ., 28 avr. 1987 : D.1988, I, note Ph. Delebecque ; RTD civ. 1987, 537, obs. / J. Mestre ; J-P Pizzio, Code de la consommation commenté, précité, n° 109, p.71
[55] J. Amar, Une cause perdue : la protection des personnes morales par le droit de la consommation ?, Contrats Conc. Consom. 2003, chron.5,p.7.
[56] Cass.1re civ. Du 15 déc. 1998 : Bull.civ.I, n° 366 ; D. 2000, somm.p.40, obs. J-P Pizzio ; D.aff0 1999 p.413, obs. C- R ; Contr. Conc. Consom., 1999, comm., n° 80,obs./ G. Raymond ; V. également, Cass. Com.,8 mars 1977 : Bull.civ., IV, 78.RTD com. 1977,p.573,obs.J. Hémard ; CA Paris, 7 nov.2001,RG, n° 1999/23262 :
استبعدت المحكمة من نطاق الحماية في هذا القرار، إحدى الجمعيات التي قامت بإبرام عقد تأجير أجهزة مراقبة تلفزيونية.
[57] Cass 1re civ., 10 Juillet 1996 : Bull.civ., I, n° 318 ; D. 1996, IR,p. 191 ; Cont. Conc. Consom. 1996, N° 157, note G. Raymond ; D. 1997, somm. P. 173, obs.Ph.
[58] Civ.1ere, 15 mars 2005 , Bull. Civ., I.n135.
[59] Cass.1ere civ., 27 sept .2005 : Gaz.Pal.,23 oct .2005, p.20
[60] CA Paris, 4 Juill.1996, D aff., 1996, p.1057.
[61] Cass.1er civ., 15 mars2005 :D.2005, Juris., p.887, obs. C. Rondey : clauses abusives pour un contrat de location de matériel informatique avec option d’achat ; CA Paris, 28 mai 1999 : Gaz.Pal., 19-20 nov. 1999, p.40 ; CA Paris, 13 nov . 1997, D aff.,1998, chron.,n° 100,p.61, note E- P.
[62] Cass.1re civ.,28 avril 1987 : Bull.civ.,I, n° 134 ; D. 1987,somm.,p.455,obs. Aubert ; D.1988 ,juris. ,p.1,note Delebecque ; JCP G 1987,II, 20893, note Paisant ; RTD civ. 1987,p. 537,obs.Mestre0
[63] Cass.1re civ.,10 juillet 1996, Cont. Conc. Consom.,aout – septembre 1996, n° 157, p.18.
[64] Paris, 22 oct. 1991 :Cont. Conc. Consom.,1992, n° 63,p.15 , obs. G. Raymond.
[65] Pari , 5 juill.1991 : JCP E 1991, pan., p.988 ; RTD civ.1991,p.388, obs. G. Raymond.
Dans le même sens, voir , CE, 11 Juillet 2001, sté des Eaux du nord : RJDA, déc.2001, n° 1272, p.1060 ; RTD civ.2001, p.878, obs. Mestre et Fages ; AJDA 2001, p. 853, note Guyomar et collin.
[66] CA Toulouse , 8 févr. 1996, BID 1996,N° 12, p.43 ; Rennes, 7 mai 1998, BRDA 1998, n° 12, p.11.
[67] Y. Picod, sous Cass.1 re civ., 27 sept.2005 : D, 2006, n°3, juris., p.238,n°2.
[68] Civ.1re , 5 mars 2002 :D.2002 , AJ, p.2052 ; RTD com. 2002, p.716, obs.B. Bouloc ; RTD civ., 2002, p.291, obs.J. Mestre et F. Fages.
[69] Civ.1re, 15 mars2005, D.2005, AJ,p.887, note C. Rondey ; RTD civ., 2005, p.393, Consom., 2005, Comm. N° 100, note G. Raymond ; RDC 2005 , p.740,obs. D. Fenouillet. Voir notamment : Y. Picod et H. Davo, Droit de la consommation, Armand Colli, , Coll. U., 2005,n°256.
[70] Idem ; D.2005, AJ, p.2670, obs. X.
[71] J. Calais- Auloy et F. Steinmetz, précité, 4éd. 1996, n°4,p.4.
[72] تقوم حماية المستهلك ” على أساس أن المهنيين يحتلون بوجه عام مركزا أقوى من مركز المستهلكين، بسبب تفوقهم في المعرفة الفنية، والمعلومات التي يملكونها، وقدراتهم المالية”: J. Calais- Aulou et F. steinmetz, précité, n°7.
[73] J.P. Chazal, Le consommateur existe-t-il ?, D. 1997, chron, et p.26 et s., spéc.,n° 28.
[74] D. Mazeaud, Droit commun du contrat et droit de la consommation, nouvelles frontières ?, Mélanges en l’honneur de J. Calais- Auloy, D. 2004,p.697 et s. Y. Strickler, la protection de la partie faible en droit civil, Petites Affiches,25 oct. 2004,n° 213, p.7.
[75] J. Calais- Aulou et F. steinmetz, Droit de la consommation , précis Dalloz, 4 éd 1996, n°4,p.4 :
يعرف هذان الأستاذان المستهلكين على أنهم: “الأشخاص الطبيعية أو المعنوية من القانون الخاص، الذين يحوزون أو يستعملون السلع أو الخدمات لأغراض غير مهنية”.
[76] انظر مثلا: التوجيه الأوربي الخاص بالتعاقد عن بعد حيث عرف “المورد” على أنه ” الشخص الذي يتصرف في إطار نشاطه المهني” (المادة 2-3). التوجيه الأوربي المتعلق بالتجارة الإلكترونية حيث عرف ” المزود” على أنه ” أي شخص طبيعي أو معنوي يقدم خدمة في مجتمع المعلوماتية”( المادة 2-b). ويلاحظ أن مصطلحي “المورد” و” المزود” ليسا مترادفين: إذ إن الأول يشير دائما إلى مهني، بينما يشير الثاني إلى مهني أو غير مهني يتصرف من حين لآخر.
[77] G. Endreo, l’habitude , D. 1981,chron.p.313.
[78] Ph. Tourneau, la responsabilité professionnelle, une spécificité réelle ou apparente, Petites affiches 11 juill.2001 ,p.5.
[79] L.Vogeln Traité du droit de la consommation, sous la direction du M. Germain, 18e éd. IGDJ 2001,t.l,vol.1, n° 118 ; Pzepecki, Droit de la consommation et théorie générale du contrat, PUAM 2002,préf.G. Wiederkeher, n° 378.
[80] يعد رجل الدين في الكنسية مهنيا، ولكنه يستفيد من الحماية المقررة للمستهلك:
-Cass.1re, civ.,8juill.2003 : JCP G 2004, II, 10107,p.1239, note C.Duvert et N. Sauphanor- Brouillaud.
[81] J. Calais- Auloy et F. Steinmetz, Droit de la consommation, Dalloz 6e éd.2003, n°3.
[82] Circ. 19 Juill.1988/ JO, 4 aout 1988.
[83] Arrêté, 3 déc. 1987 : JO, 10 déc.1987.
[84] Juris- class. Concurrence – Consommation, Fasc.800, Contrat de consommation, Formation, 1989,n° 16.
[85] J. Calais- Auloy et F. Steinmetz, précité, n°7.
اعتمدت محكمة العدل الأوربية معيار الغاية من التصرف في بعض قراراتها، من خلال التمييز بين تصرف مهني” و”تصرف خاص أو عائلي”، ففي الأولى يتم استبعاد المهني من نطاق حماية المستهلك على عكس الثانية، من هذه القرارات، انظر مثلا:
-CJCE, 14 mars 1991, C- 361/89 , Dipinto ; 17 mars 1998, C-45/96.
[86] حسن عبد الباسط جميعي،حماية المستهلك، أبحاث مركز الدراسات القانونية والفنية لنظم الاستهلاك وحماية المستهلك، كلية الحقوق، جامعة القاهرة، ص 15، عمر محمد عبد الباقي،المرجع السابق، ص 23.
[87] جمال فاخر النكاس، حماية المستهلك وأثرها على النظرية العامة للعقد في القانون الكويتي، مجلة الحقوق، العدد الثاني، السنة الثالثة عشرة، الكويت، 1989، 47 و48.
[88]( (J. Mestre, Vingt ans de lutte contre les clauses abusives, Mélanges en hommage à F. Terré, L’avenir du droit, Dalloz , PUF, Editions du Juris – classeur 1999,p.677.
[89] Cass.1re civ., 15 avr.1986, Bull.civ., I, n° 90,p.91 ; RTD civ. 1987,p.86 obs. J. Mestre.
[90] C. Giaume, le non- professionnel est-il un consommateur ? précité, p.29.
[91] أصبحت حاليا المادة L.132-1 من قانون الاستهلاك الفرنسي.
[92] انقسم الفقه حول ذلك: فبينما يرى البعض أنه مجرد تزييد أو خطأ في الصياغة، يرى البعض الآخر في ذلك إمكانية لتوسيع نطاق الحماية على بعض المهنيين الذين يتصرفون خارج إطار تخصصاتهم، حول تفاصيل ذلك انظر:
-J-P.Chazal, le consommateur existe-t-il ?, D. 1997, chron., p.260 ; leveneur, Constrats entre professionnels et législation des clauses abusives, Contr.Conc. Consom. Avr. 1996, chron, p.1 ; C. Giaume, le non- professionnel est-t-il un consommateur ?, précité, n° 88, p.25 et s.
[93] يرى الأستاذ مازو أن:”المعيار الذي دفع القاضي لتشبيه المهني بالمستهلك لا يعتمد على الغاية من التصرف- حاجات خاصة وحاجات مهنية- ولا على العلاقة الموضوعية القائمة بين التصرف ومباشرة المهنة، إنما على درجة اختصاص المهني في العلاقة التعاقدية الخاصة بممارسة مهنة”:
-D. Mazeaud, le juge face aux clause abusives ; in le juge et l’exécution du contrat, colloque IDA, Aix- en Provence, 28 mai 1993, PUAM, 1993,p.23,spéc. p.47 ;
أنظر أيضا:
-D. Bosco, le droit de rétractation- d’un aspect des rapports du doit de la consommation et du droit commun des contrats, Mémoire du DEA, Aix- Marseille 1999, note n° 67.
[94] Cass.1re civ.,28 avr. 1987 :Bull.civ.,I, N° 134, p.103 ; RTD civ.1987,p.537, obs. j. Mestre ; JCP G 1987, II , 20893, note Paisant ; D. 1987, somm.,p.455,obs.
-Aubert ; idem, 1988,I, p.1,note Delebecque.
يتعلق موضوع هذا القرار بمهني غير مختص بشأن اشتراك تلفوني.
[95] Cass.1re civ.,25 mai 1992/Bull.civ.,I,n° 162,p.111 ; D. 1992, somm. p.401, obs.
Kullmann ;D.1993,juris.,p.87, note Nicolau.
[96] D. Bosco, Le droit de rétractation – d’un aspect des rapports du droit de la consommation et du droit commun des contrats, Mémoire du DEA- Aix –Marseille 1999,note n° 69.
[97] Cass.1re civ., 5 mars 2002 : JCP G , II, 10123, noten, G. Paisant.
[98] D.Bosco, précité, n° 69.
[99] C. Noblot, la qualité du contractant, précité, n° 449 ,p.227 ; H. Aubry l’influence du droit communautaire sur le droit français des contrats, Presses universitaire d’Aix Marseille 2002 ,préface A.Ghozi, n° 63, p.33.
[100] حول الانتقادات الموجهة لهذا المعيار، انظر:
-J.P. Chazal, le consommateur existe-t-il ?D. 1997,chr., p.260,spéc .n°7.D. Bosco, précité, note n° 69.
[101] Cass.1re civ., 24 janv.1995 :Bull.civ.,I, n° 54, p.38 ; D.1995, somm.p.229, obs. -Ph. Delebecque ; idem, somm. p.310, obs.J-P. Pizzop ; Juris.p.327, note G.Paisant ; Contr. Conc. Consom., 1995,n° 84, obs.L.Leveneur.
[102] Cass.1re civ.,3 janv.1996 :Bull.civ.I, n° 9, p.6 ; D.1996, juris.,p.228, note Paisant ; JCP G 1996, II, 22654, note Leveneur ; D. 1996, somm.p.325, obs.- D. Mazeaud ; Defrénois, 1996, I,art. 36354, p.766,obs. D. Mazeaud ; Contr. Conc. Consom., 1996,n° 46,note G. Raymond.
[103] Cass.1re civ., 30 janv.1996 :Bull. civ. I,n° 55 ;Contr. Conc. Consom., 1996, n° 46, note G. Raymond ; D.1996, Juris. P.228, note G. Paisant ; JCP, G, 1996,n° 3929,obs. Labarthe.
[104] Cass.1ez civ., 23 janv.1999 :Bull.civ., I, n° 59 ; 10 juill. 2001, Bull. civ.I, n° 209 ;22 mai 2002, Bull. civ., I, n°143 ; 5 mars 2002 :Bull. civ.,I, n° 78 ; JCP G 2002, II, 10123, note Paisant ; Contrats Conc. Consom., 2002, comm. N° 118, note leveneur ; Cass. Com.14 mars 2000/ BRDA 2000, n° 8, p.10.
[105] تم إصباغ صفة المستهلك على أحد مختبرات الأشعة، خلال حصوله على نظام معلومات لإدارة المختبر بمناسبة بيع منزلي. انظر القضية:
-CA Toulouse, 3ème ch.9 janv.1997 :Contr. Conc. Consom. juin.1997, n° 106,note G. Raymond.
[106] – Cass.1re civ., 17 juillet 1996 : Bull.civ. I,n° 331 ; JCP G 1996,II, 22747, note -G.Paisant ; Cass., Cass.,1re Civ., 1 er déc.1998 : D.aff., 1999, p.117, obs. C. R.
[107] – Cass.civ.1re, 10 juill.2001 : Bull.civ., I, n° 209 ; JCP G 2001,IV, 2674.
[108] – يوجد مثلا ارتباط مباشر بين العقد المبرم والنشاط المهني، في حال حيازة أجهزة مخصصة لمراقبة المحل التجاري، أنظر قرار محكمة استئناف رين الفرنسية:
-CA Rennes, 1re ch.,ch.,B,18janv.2002, SA CIPE France : Juris- Data n° 2002-170867 ;
انظر في ذات السياق أيضا قرار محكمة استئناف ليون الفرنسي:
-CA Lyon, 3e ch.,9 nov.2001 :Juris – Data n° 2001-n° 2001-181145.
[109] عدت محكمة استئناف شامبيري الفرنسية صاحب مشتل مختص بزراعة الورود مستهلكا، عند حصوله على جهاز مخصص لقراءة الشيكات. انظر هذا القرار:
-CA Chambéry, ch. Civ.26 sept.2001, SA Finalion : Juris- Data n° 2001-173689 ; JCP G 2002, Iv, 2645.
على العكس من ذلك، قضت محكمة استئناف منبولييه الفرنسية في قضية مماثله،بأن صاحب المشتل المختص بزراعة الورود مهني لا يستحق الحماية بموجب القواعد الاستهلاكية، انظر هذا القرار:
-CA Montpellier, 2e ch.A, 20 mars 2001, SA Prefi : Juris – Data n ° 2001- 15617.
[110] – D. Bosco, Précité, note n° 70.
[111] – D.Mazeaud, l’attraction du droit de la consommation, RTD com.1998,p.92 spéc., n° 12,p.101.
[112] J. Flour, J.-L. Aubert et E. Savaux, les obligations, Vol. I : L’acte juridique, A. Collin 11eme éd., 2004, n° 184.
[113] Cass.com.14 mars 2000, BRDA 2000, n°8.
[114] G. Raymond, note sous cass., 1 re Civ., 2févr. 1994 : Contr. Conc. Consom., 1994, n° 90 et 131.
[115] تتلخص هذه الصعوبة في أنه يستحيل التمييز دائما ما بين منفعة مهنية بحتة ومنفعة شخصية بحتة، لأن كل مهني يعمل دائما من أجل تحقيق منفعة لمشروعة.
[116] – J.P.Pizzio, note sous Cass., 1re civ., 24 jan. 1995 : D.1995, somm. p.310.
[117] G. Paisant, la protection par le droit de la consommation, in les clauses abusives entre professionnels, sous la direction de Ch. Jamin et D. Mazeaud, Economica, 1998, p.27.
[118] – Précité, n° 19.
[119] – Cass.com.,23 nov.1999 : Bull.civ., IV, n° 210 ; JCP G 2000, II, 10326, p.1030, note J.P. Chazal.
[120] – مع هذا الاتجاه، أنظر:
J.P. Chazal, obs, sous l’arrêt précité, n°4, p.1031.
[121] – Cass.1er Civ., 8 juill.2003, précité.
[122] – Y.Picod, note sous Civ, 1 re, 27 sept.2005,précité n° 3 ;Civ.2e, 18 mars 2004 :D. 2004,AJ,p. 1018, obs.C. Rondey ; RTD com.2004, p.802, obs.B. Bouloc.
قضت محكمة النقض الفرنسية في هذا القرار بوجود ارتباط مباشر، بين عقد قرض قام بإبرامه أحد الاتحادات الرياضية من أجل تجهيز مقر جديد له، وبالتالي تم استبعاده من نطاق الحماية المقررة للمستهلك.
[123] – D.Mazeaud, Droit commun du contrat et droit de la consommation, Mélanges J. Calais- Auloy, Dalloz, 2004, n° 17,p.697.
[124] – Y. Picod, note sous civ.1re, 27 sept.2005,précité n°3.
[125] – JO, 19/4/2005, p. 4085 :http://questions.assemblee- nationale.fr/q12/12-54215QE.htm.
تاريخ الزيارة: 22/7/2008.
[126]– انظر في تفاصيل ذلك:- Bosco ; précité, n° 62et s.
[127] – Bosco ; précité, n° 62.
[128] – Bosco ; précité, n° 64.
[129] – Bosco ; précité, n° 65.


