الوثائق المحاسبية ودورها في الإثبات

إعداد:

ذ. حسن العفوي

 

مقدمة:

من أهم الالتزامات التي تقع على كاهل التجار مسك الدفاتر التجارية التي يجب على التجار أن يقيدوا فيها يوما بيوم تفاصيل عملياتهم التجارية صيانة لمصالحهم الذاتية أولا، وحماية التجارة والأمن الغذائي ثانيا، ذلك لأنه من مصلحة التاجر أن يمسك دفاتر خاصة يوازن فيها بين إجراءاته وصفقاته التجارية، ولضبط المحاسبة على أساس القواعد الجديدة للقانون رقم 88-9 لسنة 1998 للتحقق من مركزه التجاري، ولسلامة عملياته اليومية والسنوية يستطيع التاجر بعد إقامة الموازنة أو الحصيلة وحساب الأرباح والخسائر، وعلى ضوء كل هذه النتائج المتحصلة أو المستخرجة أن يوجه تجارته الوجهة السليمة. أضف إلى ذلك يستطيع هذا الأخير أن يعتمد أو يستند على هذه الدفاتر في فض كثير من المشاكل والمنازعات التجارية خاصة وأن الدفاتر كانت ومازالت وسيلة فعالة للإثبات أمام القضاء.

وتقوم منافع عامة هامة إلى جانب هذه المنافع الخاصة تهدف إلى مراقبة سلامة العمليات التجارية، فالدفاتر التجارية كثيرا ما تكشف عما قد يقع من غش وتهريب السلع أو تهرب أو تملص من أداء الرسوم الجمركية أو الإنجاز في البضائع المحرمة أو المهربة، وتفيد كذلك في معرفة المركز الحقيقي للتاجر المفلس بالتأكد من صحة انتظام العمليات التي يقوم بها، فإن لم تكن منتظمة أعلن تفالسه البسيط أو بالتقصير أو تفالسه الاحتيالي أو بالتدليس حسب الأحوال.

وتعتبر من جهة أخرى كوعاء لتحديد ضريبة الأرباح التجارية والصناعية والضريبة على قدر المعاملات التي ارتبطت بعد الإصلاح الجديد بالضريبة على القيمة المضافة، كما تكون من أهم الأدوات المساعدة على تصفية الشركات في حالة توقفها عن مزاولة نشاطها التجاري لأي سبب من الأسباب أو على جرد تركة التاجر في حالة الوفاة.

وهكذا نتناول هذا الموضوع من خلال مبحثين نخصص الأول للحديث عن الأحكام العامة حول الوثائق المحاسبية في الإثبات .

المبحث الأول: أحكام عامة حول الوثائق المحاسبية

سنتعرض في هذا المبحث لأنواع الدفاتر التجارية وكذا الالتزام القانوني بمسك وتنظيم الدفاتر التجارية، ثم نعالج بعد ذلك مختلف الجزاءات القانونية عن عدم مراعاة الإجراءات الشكلية.

المطلب الأول أنواع الدفاتر التجارية

لقد أوجبت المادة الأولى ([1]) والثانية والسادسة من القانون رقم 88-9 المتعلق بالقواعد المحاسبية الواجبة على التجار العمل بها الصادر بتنفيذه الطهير الشريف رقم 123-92-بتاريخ 30 جمادى الأخيرة (29 دجنبر 1992 على كل تاجر أو شركة تجارية وبصفة عامة كل شخص طبيعي معنوي يتصف بصفة تاجر بمدلول هذه الكلمة أن يمسك محاسبته وفق القواعد التي ينص عليها القانون والبيانات الواردة في الجداول الملحقة به. وأن يمسك ثلاث دفاتر: هي دفتر اليومية un livre journal ودفتر الجرد أو ا لإحصاء Le livre d’inventaire ودفتر الأستاذ أو الدفتر الكبير grand Livre زيادة على الدليل والقوائم التركيبية، أما غير التجار والشركات المدنية فلا يخضعون لهذا الالتزام.

ولا يفرق القانون المغربي ككثير من التشريعات بين الوطني والأجنبي والمتعلم والأمي، والتاجر الصغير والكبير من حيسا الالتزام بمسك الدفاتر التجارية إلا أن الإشكالات العملية تفرض بالرغم من سكوت النص التمييز بين التاجر الكبير والمتوسط من ناحية، والتاجر الصغير من ناحية أخرى، وقد عدنا إلى القول بإعفاء صغار التجار من الالتزام بمسك الدفاتر. ولا يوجد في القانون المغربي ما يمنع من الأخذ بالوسائل المعلوماتية الحديثة كاستخدام الحاسوب ووسائل الاتصال الحديثة. وهذا ما أشارت إليه المادة 24 من القانون التي جاءت تنص على: “خلافا لمقتضيات الفصول 20-21 و 22 يجوز الإستيعاض عن دفتر اليومية ودفتر الجرد بالمستندات الموضوعية بالطرق المعلوماتية، ويجب في هذه الحالة بأن تكون هذه المستندات ثابتة ومرقمة ومؤرخة فور إنجازها وذلك بالوسائل الكفيلة لضمان حجيتها”.

ولقد أوجب القانون المغربي على التاجر في الأصل، سواء كان طبيعيا أو معنويا أن يمسك ثلاثة دفاتر، ودليلا وقوائم تركيبية على خلاف القانون القديم الذي كان يفرض نوعين من الدفاتر وملفين، وأخضعها لشروط موضوعية وشكلية، وهي دفتر اليومية، ودفتر الأستاذ، ودفتر الجرد أو الإحصاء، وتضاف إلى هذه الدفاتر ما يمكن أن يستعين به التاجر عن طواعية واختيار من دفاتر اختيارية لا تقع تحت حصر، حسب ما تدعو إليه أهمية أو متطلبات المقاولة أو المنشأة، نذكر من أهمها دفتر الصندوق، ودفتر البيع والشراء، ودفتر الأوراق التجارية، ودفتر التسويد، ودفتر المقاصة، وهي التي أشار إليها القانون الجديد وعرفها بالدفاتر المساعدة (المادة 3).

ونتعرض في عجالة إلى الدفاتر الإلزامية “les livres obligatoire” في القانون التجاري المغربي، وهي التالية:

أولا: الدفاتر الإلزامية

أ  دفتر اليومية Le livre – journal

ألزمت المادة 1 و 2 من القانون 88-9 كل تاجر، سواء كان شخصا طبيعيا أم اعتباريا، وطنيا أم أجنبيا، مثقفا أو أميا، أن يمسك دفترا يقيد فيه يوما بيوم العمليات بالمقاولة أو المنشأة التي يستغلها أو التجارة التي يمارسها. وبمعني آخر، يجب على التاجر، أن يقيد عملياته اليومية بالطريقة القانونية المحددة في المادتين الأولى والثانية، حتي يتبين مركزه المالي بالتدقيق، أي أن يسجل في محاسبته جميع الحركات المتعلقة بأصول وخصوم المقاولة أو المنشأة، مرتبة تبعا لتسلسلها الزمني، عملية بعملية، ويوما بيوم. ويتضمن تسجيل الحركة في المحاسبة بيان مصدرها ومحتواها والحساب المتعلقة به، ومراجع المستند الذي يثبتها، ولكن يجوز أن تسجل بصورة مختصرة في مستند إثبات وحيد العمليات التي تكون متماثلة في طبيعتها، وتنجز في المكان نفسه، وخلال اليوم نفسه (المادة الأولى)، ويتعلق كل قيد على الأقل بحسابين، ويقيد في الجانب المدين لأحدهما المبلغ نفسه الذي يقيد في الجانب الدائن من الحساب الآخر (المادة الثانية).

وتخلى القانون رقم 88-9 عن الفرصة التي كانت تجيز للتاجر، تحت شرط، أن يجمل ” récapitulant” العمليات اليومية في تقييد مرة كل شهر، والشرط هو أن يحتفظ بالمستندات والوثائق اللازمة لإثبات وفحص أو تدقيق العمليات عند الحاجة بالتفصيل ” le détail” يوما بيوم وفقا لما كان منصوصا عليه في الفصل 10 من قانون ل 12 غشت 1913.

وسن القانون الجديد نظاما شهريا مخالفا لما كان يأخذ به القانون القديم 12 غشت 1913، يتجسم في وجوب تجميع القيود المسجلة في الدفاتر اليومية المساعدة “les joumaux auxiliaries” والدفاتر المساعدة ” les livres auxiliaries” مرة كل شهر في دفتر اليومية، ودفتر الأستاذ أو الدفتر الكبير (المادة 3 ف 2) ولا يلزم القانون المغربي الجديد – كما هو الشأن في القديم – التاجر فردا كان أم شركة بأن يقيد في الدفتر مصارفه أو نفقته الخاصة أو العائلية، خلافا لما كان عليه القانون الفرنسي قبل سنة 1953، وخلافا لما تقضي به بعض التشريعات العربية، كالقانون التجاري العراقي والقانون التجاري الكويتي، حيث أوجبت المادة 13 من القانون العراقي الجديد لسنة 1984 على التاجر الفرد قيد مسحوباته الشخصية، إذ نصت: “تقيد في دفتر اليومية تفصيلا ويوما بيوم جميع العمليات التجارية التي يقوم بها التاجر الفرد. وعلى التاجر الفرد بالإضافة إلى ذلك أن يقيد في هذا الدفتر مسحوباته الشخصية يوما بيوم ” أما القانون الكويتي فقد كان أكثر وضوحا وتعميما في المادة 28 التي نصت على أنه: “تقيد في دفتر اليومية الأصلي جميع العمليات المالية التي يقوم بها التاجر، وكذلك المصروفات التي أنفقها على نفسه وعلى أسرته. ويتم هذا القيد يوما فيوما”.

وتدخل المشرع لبيان طرق القيد، التي يجب أن تتم وفقا لضوابط الفصل 14 من القانون رقم 88-9 الجديد، وتتم مثلا وفقا للضوابط التالية:

1- تقيد السلع عند دخولها إلى المقاولة (المنشأة) بكلفة تملكها إذا كان تملكها بعوض، وبقيمتها الحالية إذا كان تملكها بغير عوض، وبكلفة إنتاجها إذا كانت من إنتاج المقاولة (المنشأة).

2 – تقيد السندات الممتلكة بعوض في تاريخ دخولها إلى المقاولة (المنشأة) بثمن شرائها.

ب  دفتر الأستاذ أو الدفتر الكبير le grand livre

ابتكر القانون الجديد دفترا جديدا لما له من الفوائد الجمة للتاجر، تبرز واضحة في تجميع تفصيلي يوزع إلى عدة أقسام، تسهل الضبط والمراقبة، وتبين مركز التاجر، وعلاقته بالزبناء. وأنشئ هذا الدفتر بمقتضى الفقرتين الثالثة والرابعة من الفصل الثاني من قانون 88-9، حيث يكون من اللازم أن تنقل قيود دفتر اليومية إلى سجل يسمى “دفتر الأستاذ” وتسجل فيه وفقا لحسابات التاجر “le plan de comptes” ويجب أن تتضمن قائمة الحسابات هاته، أقساما لحسابات وضعية المقاولة (المنشأة)، وأقساما لحسابات الإدارة، وأقساما للحسابات الخاصة، وفقا لما هو محدد في الجداول الملحقة بهذا القانون.

ج  الدليل Le manuel

لا يفرض الدليل إلا على بعض أشخاص التجار الذين تتوفر فيهم الشروط التي يتطلبها الفصل 4 من قانون 88-9 وهي التالية:

1- أن يكون من الأشخاص التجار الخاضعين لهذا القانون.

2 – أن يتعدى رقم أعمالهم السنوي سبعة ملايين ونصف درهم (7.500.000 درهم) ويهدف هذا الدليل إلى وضع التنظيم المحاشي المعمول به في مقاولتهم أو منشأتهم.

ثانيا: الدفاتر الاختيارية

يتعين على التاجر بالإضافة إلى مسك الدفاتر الإجبارية، أن يمسك دفاتر اختيارية تشكل بالنسبة إليه مصلحة خاصة من بينها:

– دفتر التسديد الملحق بالدفتر اليومي.

– دفتر الصندوق الذي تدخل فيه النفقات والمداخيل.

– دفتر الأوراق التجارية التي تسجل فيه تواريخ الأوراق التجارية.

ثالثا: إعداد الموازنة

“le bilan”

لقد وضع القانون الجديد، عديدا من القواعد القانونية – على خلاف سابقه – لضبط الموازنة بدقة، تعرضنا سابقا لبعض جوانبها، أثناء الكلام عن القيود وكيفية إجرائها، وعن القوائم التركيبية التي تؤدي دورا فعالا في إعداد موازنة صادقة وسليمة، وسنقتصر هنا على ذكر بعض العناصر الهامة الجديدة الأخرى، حتي تتضح الرؤية، وهذه العناصر هي التالية:

1- يجب مسك دفتر جرد تقيد فيه موازنة “le bilan” كل دورة محاسبية، وحساب “Ie compte” عائداتها “de produits “وتكاليفها “charges et” (المادة 6) ([2]) .

2 – يجب أن يتضمن الجرد، قيمة عناصر أصول المقاولة (المنشأة) وخصومها، مرة في كل دورة محاسبية عند آخر هذه الدورة (المادة 5).

3 – تبين الموازنة بصورة منفصلة عناصر أصول المقاولة (المنشأة) وخصومها، ويتضمن حساب العائدات والتكاليف بصورة إجمالية، عائدات وتكاليف الدورة المحاسبية دون مراعاة تاريخ تحصيل العائدات أو تاريخ دفع التكاليف، وتتضمن قائمة أرصدة الإدارة، مكونات النتيجة الصافية، مكونات التمويل الذاتي، ويبرز جدول التمويل التطور المالي للمقاولة خلال الدورة المحاسبية، وذلك ببيان الموارد التي توفرت لها، والإستخدمات التي خصصتها لها، وتكمل وتشرح قائمة المعلومات التكميلية المعلومات الواردة في الموازنة وحسابات العائدات والتكاليف، وقائمة أرصدة الإدارة وجدول التمويل (المادة 10).

4 – تتضمن الموازنة، وحساب العائدات والتكاليف، وقائمة أرصدة الإدارة، وجدول التمويل، كتلا تتفرع إلى فصول تتجزأ بدورها إلى بنود (المادة 12).

5 – يجب أن تكون موازنة افتتاح الدورة المحاسبية، مماثلة لموازنة اختتام الدورة المحاسبية السابقة (ف 4 من المادة 15).

6 – لا تقيد العائدات في المحاسبة إلى بعد اكتساب المقاولة لها نهائيا، ويجب قيد التكاليف إذا كانت محتملة (ف 1 من المادة 16).

المطلب ا لثاني: الالتزام القانوني بتنظيم الدفاتر التجارية

الفقرة الأولى: الالتزام القانوني بمسك الدفاتر التجارية

أخضع المشرع دفتري اليومية والجرد لإجراءات شكلية صارمة تتناسب مع أهمية الدفاتر في تحقيق المركز المالي للتاجر، وفي الإثبات، وفي تحديد قدر الضريبة وحماية التجارة من الغش وغيرها من المنافع العامة والخاصة، وقد جاءت هذه الإجراءات أو الشروط في الفصول الأول والثامن والثاني والعشرين من القانون رقم 9.88 وهي التالية:

1- يجب أن يكون القيد في دفتر اليومية والجرد حسب التسلسل الزمني أو الترتيب التاريخي للعمليات المنجزة ” chronologiquement” . عملية، عملية، ويوما بيوم الفصل الأول ف 2).

2 – يجب عدم ترك أي فراغ أو بياض من شأنه أن يستغل في إضافة بيانات جديدة، أو أرقام جديدة، ولا يسوغ أن يقع في الدفترين أي تغيير أو تحريف مهما كان نوعه، سواء بالشطب أو الكتابة على الهامش أو بين السطور، وإن حدث أن وقع خطأ في الدفتر، توجب تصحيحه بقيد جديد مع الإشارة إليه وإلى تاريخه، حتي لا يقوم أي شك في صحة تلك البيانات أو سحب الثقة من الدفتر (الفصل 22 ف 3 من القانون الجديد).

3 – يلزم أن يرقم “cotes” كاتب الضبط بالمحكمة الابتدائية التابع لها مقر المقاولة، صفحات دفتري اليومية والجرد بالتسلسل، تفاديا لتمزيق الأوراق أو قطعها قبل بدء استعمالها (الفصل 8).

4 – أن يضع الكاتب ([3]) توقيعه وختم المحكمة “paraphes” علامته بالكيفية العادية – على كل صفحة من صفقات دفتري اليومية والجرد دون صائر، ويخصص لكل دفتر رقم ينقله في سجل خاص (الفصل 8).

ويتبين من قراءة الفصل 8، الجديد لقانون 88-9، أن المشرع المغربي نقل الإشراف على تنظيم الدفاتر التجارية من القاضي إلى كاتب الضبط، إسوة بالتشريع المقارن، الذي يروم التخفيف عن القضاة، قصد التفرغ إلى النظر في المنازعات، وترك التنظيم الإداري للدفاتر إلى كتاب الضبط. وهكذا يتضح أن الفصل الثامن أعلاه، الذي جاء فيه: “يرقم ويوقع كاتب الضبط بالمحكمة الابتدائية، التابع لها مقر المنشأة، حسب الإجراءات العادية ومن غير مصاريف، دفتر اليومية ودفتر الجرد، ويخصص لكل دفتر رقم ينقله كاتب الضبط في سجل خاص”.

ويلاحظ أن القانون التجاري المغربي لم يتعرض للغة التي يتم بها القيد في الدفترين خلافا للقانون المصري، الذي ألزم إجراء القيد باللغة العربية – وحبذا لو سار المشرع المغربي على هذا النهج لأن لغة المرافعة والتقاضي أمام المحاكم المغربية صارت هي اللغة العربية – في المادة الثانية من القانون 62 لعام 1941. ولم يشترط القانون التجاري المغربي على التاجر أن يقيد بخط يده، وهذه حسنة نذكرها له، لأن هذا الأخير قد يكون أميا، وقد نصت على هذا المبدأ الأخير صراحة المادة 434 من قانون الالتزامات والعقود، التي جاء فيها: “ما يقيده في الدفاتر التجارية الكاتب المكلف لها أو الكاتب المكلف بالحسابات، يكون لها قوة الإثبات نفسها كما لو قيد i التاجر نفسه الذي كلفه”.

ويعتبر بعض الفقه، إخضاع الدفاتر التجارية للرقابة القضائية التي كان يأخذ بها الفصل 12 القديم ،سنة حسنة، ففرض توقيع كل صفحة من صفحاتها من طرف القاضي، يضاعف الثقة، ويخلق الاحترام والاطمئنان، وربما الرهبة والتأثير على نفسية التاجر، إلا أن هناك تشريعات أخرى تعدت هذه الخطوة بخطوة أكثر جرأة، عندما ألزمت التجار بتقديم الدفاتر للتوقيع عليها بالانتهاء قبل ويلاحظ في الأخير، أن دفتري اليومية والجرد الإلزاميين يخضعان وحدهما للشروط الشكلية السابقة، استعمال الدفاتر الجديدة وهذه حالة القانون الكويتي في المادة 30 ([4]) والقانون العراقي الجديد في المادة 17 ([5]) .

إلا أنه لا يوجد ما يمنع التاجر من أن يخضع كذلك دفاتره الاختيارية الأخرى للإجراءات الشكلية ذاتها، تدعيما للبيانات المقدمة فيها.

الفقرة الثانية: الجزاءات القانونية على عدم مراعاة الإجراءات الشكلية

لم يرتب المشرع المغربي على عدم مسك الدفترين التجاريين والوثائق والمستندات الإثباتية، ولا على عدم انتظامها أو عدم مراعاة إجراءاتها أية مؤيدات مدنية أو جنائية مباشرة. ولا يسأل تبعا لذلك التاجر عن مثل هذا الإخلال ما دامت تجارته سليمة، وذمته قادرة على الوفاء بالتزاماته، ومادام في غير حاجة إلى هذه الدفاتر في الإثبات أمام القضاء: إلا أننا لا نؤيد هذا الاتجاه – الذي تسير عليه غالبية التشريعات – ونرجح سن غرامة مالية سنوية على الأقل ضد من يخل بالالتزام بمسك الدفترين أو الوثائق والمستندات ا الإثباتية أو عدم مراعاة الإجراءات الشكلية التي تنظمها ضمانا وحماية للتجارة والتجار أنفسهم.

وقد تتغير هذه الوضعية مع ذلك، وبصورة غير مباشرة عندما ترتبك تجارة التاجر، أن تنشأ بينه وبين عملائه من تجار وغير تجار نزاعات ترفع إلي القضاء. وهكذا يكون من المتصور ولو استثنائيا أن يخضع التاجر لمؤيدات أو جزاءات جنائية ومدنية وأحيانا أخرى لمؤيدات ضريبية على الشكك التالي:

أ  المؤيدات أو الجزاءات الجنائية

يتجلى هذا الزجر الجنائي في حالتي التفالس البسيط أو بالتقصير، والتفالس الاحتيالي أوبالتدليس.

يعلن تفالس التاجر بالتقصير، إذا تبين بعد توقفه عن الدفع أنه لم يكن يمسك أو يحتفظ بدفتريه، أو لم يحرر إحصاءا مضبوطا، أو كانت هذه الدفاتر أو الإحصاءات ناقصة أو غير ممسوكة بكيفية منتظمة، أو كانت لا تبين وضعيته الحقيقية من حيث الأصول والخصوم، ولو لم يكن في الأمر احتيال (الفصل 364 من القانون التجاري ).

وتطبق على المتفالس بالتقصير العقوبة المنصوص عليها في الفصل 557 من القانون الجنائي وتتراوح ما بين ثلاثة أشهر وثلاثة سنوات حبسا.

ويعلن تفالس التاجر بالاحتيال أو التدليس طبقا للفصل 724 من القانون التجاري إذا تبين توقفه عن الدفع أنه أخفى دفاتره أو حول أو كتم جزء من أصوله أو اعترف بكيفية تدليسية بكونه مدينا بمبالغ لم يكن مدينا بها حقيقة، سواء وقع هذا الاعتراف في كتاباته أو في رسوم عمومية أو تعهدات أو بواسطة موازنته.

ويخضع المتفالس بالتدليس للعقوبة المنصوص عليها في الفصل 561 من القانون الجنائي والتي تتراوح بين سنتين وخمس سنوات .

ب  الجزاءات والمؤيدات الضريبية

لقد سن القانون الجديد رقم 9.88 لسنة 1992 مؤيدا جديدا ضرائبيا، يتجسم في الفصل 23، الذي يمنح الحق لإدارة الضرائب في أن ترفض قبول المحاسبات، التي لا تكون ممسوكة وفق الأشكال المقررة في هذا القانون وفي الجداول الملحقة به.

وهكذا نصت المادة 121 من كتاب الوعاء والتحصيل الصادر بموجب المادة 6 من قانون المالية رقم 05-53 لسنة 2006 الصادر بتنفيذه الظهير الشريف رقم 197/ 05/ 1 بتاريخ 24 ذي القعدة 1426 الموافق ل 26 دجنبر 2005 على ما يلي:

يجب على كل شخص خاضع للضريبة على القيمة المضافة:

1 – أن يمسك محاسبة منتظمة تمكن من تحديد رقم الأعمال وتقدير مبلغ الضريبة الذي يخصمه أو يطالب باسترجاعه.

2 – أن يمسك إذا كان يزاول في آن واحد أنشطة خاضعة للضريبة بشكل مخالف بالنطر إلى الضريبة على القيمة المضافة محاسبة تمكنه من تحديد رقم الأعمال الخاضع للضريبة الذي تحققه منشأته … إلخ.

كما أشارت المادة 122 إلى أنه:

I. يجب على الأشخاص الذين يقومون بالعمليات الخاضعة للضريبة على القيمة المضافة أن يسلموا إلى المشترين منهم أو إلى المتعاملين معهم الخاضعين للضريبة المذكورة فاتورات محررة وفقا لأحكام البند 3 من المادة 148 بعده.

II. كل شخص يشير إلى الضريبة في الفاتورات التي يحررها يعتبر ملزما شخصيا بمجرد إدراجها في الفاتورة.

ثم جاءت المادة 148 تنص على ما يلي:

I. يجب على الخاضعين للضريبة مسك محاسبة طبقا للنصوص التشريعية والتنظيمية الجاري بها العمل بشكل يتيح للإدارة أن تقوم بالمراقبة المنصوص عليها في كتاب المساطر الجنائية.

II. يجب على الخاضعين أن يعدوا في نهاية كل سنة محاسبية جرودا ….. من حيث الكمية والقيمة للبضائع والمنتجات المتنوعة واللفائف وكذا المواد القابلة الاستهلاك التي يشترونها لغرض بيعها أو لما تستلزمه حاجات الاستغلال.

III. يجب على الخاضعين للضريبة أن يسلموا إلى المشترين منهم أو إلى زبنائهم فاتورات أو بيانات حسابية مرقمة مسبقا ومسحوبة من سلسلة متصلة أو مطبوعة بنظام معلوماتي وفق سلسلة متصلة يثبتون فيها، زيادة على البيانات المعتادة ذات الطابع التجاري.

ولقد تعرض كتاب الوعاء والتحصيل في الفرع الثاني منه إلى الجزاءات المشتركة بين مختلف الضرائب إذ جاء في المادة 193 على أنه: “إذا لم يقدم الزبون الوثائق المحاسبية المضار إليها في المادتين 148 و 149 أعلاه، أو رفضوا الخضوع لإجراء المراقبة المنصوص عليها في المادة 3 من كتاب المساطر الجنائية فإنهم يتعرضون لغرامة مبلغها ألفي 2000 درهم، وإن اقتضى الحال غرامة تهديدية قدرها 100 مائة درهم عن كل يوم تأخير على أن لا يتجاوز مجموعها ألف 1000 درهم.

غير أنه بالنسبة للضريبة على الدخل يتراوح مبلغ هذه الضريبة من 500 إلى ألفي 2000 درهم ” .

ثم أوردت المادة 194 إلى ما بعدها ما يلي:

“بصرف النظر عن الجزاءات الضريبية المنصوص عليها في هذا الكتاب يتعرض لغرامة من 5000 درهم إلى 50000 درهم كل شخص ثبت في حقه قصد الإفلات من إخضاعه للضريبة أو التملص من دفعها أو الحصول على خصم منها أو استرداد مبالغ بغير حق استعمال إحدى الوسائل التالية:

– تسليم أو تقديم فاتورات ضرورية.

– تقديم تغييرات محاسبية مزيفة أو صورية.

– بيع بدون فاتورات بصفة مكررة .

– إخفاء أو إتلاف وثائق المحاسبة المطلوبة قانونيا.

– اختلاس مجموع أو بعض أصول مشتركة أو الزيادة بصورة دولية في خصومها قصد افتعال عسرها”.

“في حالة العود إلى المخالقة قبار مضي خمس سنوات على الحكم بالغرامة المذكورة الذي اكتسب قوة الشيء ([6]) المقضي به يعاقب مرتكب المخالقة زيادة على الغرامة المقررة أعلاه بالحبس من شهر إلى ثلاث أشهر” وعلاوة على ذلك فقد أشارت المادة 4 من كتاب المساطر الجنائية إلى ما يلي:

((إذا شابت سنة محاسبية أو فترة لفرض الضريبة إخلالات جسيمة من تنأنها أن تشكك في قيمة الإثبات التي تكتسيها المحاسبة، جاز للإدارة أن تحدد أساس فرض الضريبة باعتبار العناصر المتوفرة لديها.

ويعد من الإخلالات الجسيمة:

عدم تقديم محاسبة ممسوكة وفقا لأحكام المادة 31 من القانون رقم 24-86 المحدث للضريبة على الشركات والمادة 29 من القانون 17.89 والمتعلق بالضريبة على القيمة المضافة.

– انعدام الجرود المقررة في المواد الآنفة الذكر.

– إخفاء بعض الأشرية أو البيوع إذا أثبتت الإدارة ذلك.

– انعدام أوراق الإثبات الذي يجرد المحاسبة من كل قيمة إثباتية.

– عدم إدراج عمليات في المحاسبة بالرغم من إنجاز الخاضع للضريبة لها.

– إدراج عمليات صورية في المحاسبة.

– وإذا كانت المحاسبة المدلى بها لا يشوبها شيء من الإخلالات الجسيمة المبينة أعلاه لا يجوز للإدارة أن تعيد النظر في المحاسبة المذكورة، وتعيد تقدير رقم المعاملات إلا إذا أتبتت تضمين الأرقام التي وقع الإقرار بها”.

المبحث الثاني: دور الوثائق المحاسبية في الإثبات

لا يلزم في الأصل لإثبات الأحوال التي يقرر فيها القانون شكلا معينا. وإذا قرر القانون شكلا معينا، لا يسوغ إجراء إثبات الالتزام أو التصرف بشكل آخر يخالفه، إلا في الأحوال لا يلزم في الأصل لإثبات الأحوال التي يستثنيها القانون (المادة 401 من قانون الالتزامات والعقود).

ومن القيود أو الاستثناءات التي وردت على هذا الأصل العام، أن المادة 443 من قانون الالتزامات والعقود (تعديل 6 يوليوز 1954) فرضت الحجة الكتابية (محرر موثق أو عرفي) لإثبات الاتفاقات وغيرها من الأفعال أو الوقائع القانونية، التي من شأنها أن تنشئ أو تعدل أو تنهي الالتزامات أو الحقوق التي تتجاوز قيمتها 250 درهما وبعبارة ثانية تستبعد شهادة الشهود.

ونلاحظ أن التشريع المغربي، لم يميز صراحة في هذا الاستثناء بين المعاملات المدنية والتجارية وكان عليه أن يفعل ذلك، خاصة أن البيئة المدنية،

https://powderencouraged.com/w3m6c9b5?key=af8b4909c0965493e9682d74bb50a646
https://powderencouraged.com/ksq5rgwdmh?key=b5b47a0d83f8742dcf71d4de8ef00494
https://powderencouraged.com/bkcduddx?key=0252cc21d0f4e0ae5f53245940611301
https://hilltopads.com/?ref=356389
×
error: Content is protected !!

اكتشاف المزيد من

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

Continue reading