الدكتور: عبد المجيد غيجة
مقدمة :
بصدور القانون رقم 08.05 القاضي بنسخ وتعويض الباب الثامن بالقسم الخامس من قانون المسطرة المدنية([1])، أصبح المغرب يتوفر على إطار قانوني حديث للتحكيم والوساطة الاتفاقية، من شأنه أن يدعم مسار مأسسة الوسائل البديلة لحل المنازعات وإدماجها في نظامنا القانوني والقضائي.
وإذا كانت مقتضيات القانون المذكور تحمل الكثير من المستجدات فيما يتعلق بالتحكيم([2])، فإنها نظمت كذلك ولأول مرة في المغرب موضوع الوساطة الاتفاقية.
أولًا – سياق تنظيم الوساطة الاتفاقية بالمغرب.
ثانيًا – أهم المقتضيات القانونية المتعلقة بالوساطة الاتفاقية.
أولا : سياق تنظيم الوساطة الاتفاقية
في إطار تحديث الإطار القانوني للأعمال، كان التوجه في البداية هو إعداد نظام جديد للتحكيم من شأنه أن يساهم في تحسين مناخ الاستثمار في المغرب. ولذلك وقبل إنجاز مسودة مشروع أولي لهذا النظام، قامت وزارة العدل بإنجاز دراسة أولية حول وضعية التحكيم وبعض الوسائل البديلة لحل المنازعات في المملكة بهدف:
- تحليل الإطار القانوني لمؤسسة التحكيم في بلادنا، والوقوف على المعوقات القانونية التي تحد من فعالية التحكيم.
- بحث مدى تلاؤم مقتضيات القانون الوطني للتحكيم مع مقتضيات المعاهدات الدولية وقواعد التحكيم الدولي.
- دراسة مختلف صور الوسائل البديلة لحل المنازعات التي يعرفها النظام القانوني والقضائي المغربي كالصلح، وبيان أسباب عدم فعاليتها.
- تصور الحل الأنجع لتوفير نظام فعال للتحكيم والوسائل البديلة الأخرى لحل المنازعات([3]).
- وفي هذا الإطار تم وضع مشروع مدونة التحكيم([4]) من طرف وزارة العدل، بواسطة لجنة تضم عدة مختصين من أساتذة جامعيين ومحامين وقضاة وممارسين للتحكيم وعدة فاعلين اقتصاديين. وكان الاختيار هو وضع نص قانوني مستقل للتحكيم وإلغاء المقتضيات المتعلقة بالتحكيم الواردة في قانون المسطرة المدنية([5]). وهكذا فإنه عند وضع مشروع مدونة التحكيم تم الاقتصار على تنظيم التحكيم فقط ([6]) دون باقي صور الوسائل البديلة لحل المنازعات([7]).
- وموازاة مع ذلك دخلت وزارة العدل في شراكة مع بعض المؤسسات الدولية من أجل إدخال الوسائل البديلة لحل المنازعات إلى النظام القانوني والقضائي بالمغرب، ومن أجل ادخال الوسائل البديلة لحل المنازعات الي النظام القانوني المغربي ومأسسة هذه البدائل، لاسيما ما يتعلق بالوساطة، وتوفير فرص التكوين عليها للقضاة والمحامين وعدة فعاليات حقوقية وجمعوية. وتم تنفيذ برامج للتعاون بهذا الخصوص مع عدة مؤسسات كالمعهد الأمريكي ISDLS ومنظمة البحث عن أرضية مشتركة SFCG بدعم من الحكومة البريطانية، وبعد ذلك مع الوكالة الأمريكية للتنمية الدولية USAID ثم المؤسسة المالية الدولية SFI التابعة للبنك الدولي([8]).
وقد واكب ذلك اهتمام كبير بموضوع الوسائل البديلة لحل النزاعات من قبل الفاعلين الاقتصاديين ورجال القانون، تجلى في إحداث عدة مراكز للتوفيق والتحكيم([9]).
وقد كان لكل ذلك أثر على المسار التشريعي لمشروع مدونة التحكيم، إذ تم في النهاية وضع صيغة جديدة لمشروع قانون جديد يحمل رقم 05- 08، يتضمن عمومًا أغلب أحكام مشروع مدونة التحكيم، لكنه يتميز على الخصوص بما يلي:
- التراجع عن وضع نص قانوني خاص بالتحكيم، ومن ثم الإبقاء على نظام التحكيم ضمن قانون المسطرة المدنية.
- وضع إطار قانوني للوساطة الاتفاقية في نفس القانون بدل وضع نص خاص بالوسائل البديلة لحل المنازعات.
- الإبقاء على نفس الحيز من قانون المسطرة المدنية أي الفصول 306- 327، مما استدعى اللجوء إلى تقنية تكرار المقتضيات الجديدة الخاصة بالتحكيم والوساطة الاتفاقية بدءًا من آخر فصل يهم التحكيم بالباب الثامن من القسم الخامس من قانون المسطرة المدنية أي الفصل 327 الذي تكرر 70 مرة.
وبذلك ساير المشرع المغربي الأهمية المتزايدة للوسائل البديلة لحل المنازعات عن طريق إقراره للوساطة، لكن وفق توجهات معينة:
- أهمية الوساطة في الأنظمة القانونية المعاصرة :
لقد أصبح من أهم المعايير المعتمدة في تقييم مدى فعالية الأنظمة القانونية والقضائية المعاصرة، المعيار المتعلق بما توفره هذه الأنظمة من إمكانيات لتسهيل الولوج إلى العدالة. وتتخذ سهولة الولوج إلى العدالة عدة أبعاد تتمثل في:
- نشر المعرفة القانونية والقضائية، تبسيط المساطر، المساعدة القانونية والقضائية واستغلال التكنولوجيا الحديثة في التقاضي عن بعد.
- الأخذ بالوسائل البديلة لحل المنازعات أو ما يعرف ب ADR([10]).
وتعرف الوسائل البديلة لحل المنازعات انتشارًا واسعًا في العالم المعاصر، وتدخل المشرع لتنظيمها قانونًا في عدة دول([11])، ووضعت لجنة الأمم المتحدة للقانون التجاري الدولي نظمًا خاصة بها([12]) كما وضعت قانونًا نموذجيًا للتوفيق التجاري الدولي([13])، وساهم القضاء في عدة دول بتكريس عدة ممارسات قضائية في العمل القضائي بشأن هذه الوسائل. بحيث أصبح التوجه الآن يرمي إلى الانتقال من التحكيم إلى الوسائل الأخرى البديلة لحل النزاعات([14])، بل أصبحت هذه الوسائل أولوية سياسية في بعض الدول، خاصة فيما يتعلق بمقومات مجتمع الإعلام، حيث يتم تفعيل هذه الوسائل عبر استخدام تكنولوجيا الاتصال الحديثة والانترنت([15]).
إن الهدف من هذه الوسائل هو (تهدئة) المنازعات، والبعد عن تعقيدات المساطر القضائية، بل البعد حتى عن أنظمة التحكيم. إنها وسائل غير قضائية وقد تتم بواسطة القضاة أحيانًا، هدفها حل النزاعات بواسطة شخص ثالث محايد. كما أنها لا تعني بالضرورة التحكيم الذي يعتبر أقرب إلى المسطرة القضائية حيث يحل مقرر المحكمين محل حكم القاضي.
ويتم التمييز في هذه الوسائل البديلة بين وسائل تؤمن عن طريق القضاء، وبين وسائل يلجأ إليها الأطراف إراديًا. وهي نفسها تتميز إما بخضوع الأطراف للالتزام بما تنتهي إليه هذه الوسائل من حلول أو تترك لهم الخيار في إتباعها أم لا. ويسود توجه حاليًا في عدة دول بإلزام الأطراف باللجوء لهذه الوسائل قبل اللجوء إلى المحكمة. مع الحرص على توفير متطلبات الجودة في أداء هذه الوسائل من حيث الاستقلالية، الحياد، السرية والفعالية. كما أن كل إجراءات الوسائل البديلة لحل المنازعات يتطلب فيها مهارة في التفاوض.
ويغطي مصطلح الوسائل البديلة لحل المنازعات، عدة صور من طرق حل المنازعات من أهمها:
- الوساطة؛ 2- المصالحة؛ 3- الاستشارة؛ 4- المحاكمة المصغرة؛ 5- أو الجمع بين هذه الصور. وهذه الصور تتراوح بين التفاوض والعمليات غير الملزمة وبين الأشكال المتفق عليها والملزمة([16]). ويتوالى ترتيبها على أساس تزايد كلفتها، ووجود طرف ثالث فيها، ومدى سلطته، ومدى دور الأطراف فيها، ومدى تزايد إمكانية تدهور العلاقات بين المتنازعين خلال أو بعد تسوية النزاع. إذ توجد أشكال غير ملزمة مثل التقييم المحايد، مؤتمر التسوية، المحكمة المصغرة والتفاوض. لكن كثيرًا ما يتم التركيز عن صورة أساسية لهذه الوسائل ألا وهي: الوساطة.
والوساطة تقنية لتسيير عملية المفاوضات بين الأطراف، يقوم بها طرف ثالث محايد، يهدف إلى مساعدة أطراف النزاع للتوصل إلى حل النزاع القائم بينهم. وهي تتطلب مهارات في الوسيط تمكنه من الحوار والتواصل مع الأطراف لتقريب وجهات نظرهم وتسهيل توصلهم إلى حل نزاعهم على نحو مقبول منهم([17]).
لقد أصبحت الوساطة من أهم الوسائل البديلة لحل المنازعات، وهي تعرف إقبالًا متزايدًا، بحيث أصبح التحكيم بدوره لا يلجأ إليه إلا بعد استنفاد طريق الوساطة. وترجع فعالية الوساطة إلى أن هدفها ليس هو تحديد من يربح ومن يخسر (الطرفان معًا رابحان)، ولكن هدفها هو وضع حلول مبتكرة للنزاع بشكل لا يتوافر عند المحاكمة، فهي ترمي إلى حل النزاع أو تجنبه كما أنها تساعد في إعادة بناء العلاقات والحفاظ على استمراريتها في المستقبل، كما أن من آثارها الاجتماعية ترسيخ ثقافة الحوار والتعايش والبعد عن الخصومة([18]). وهذا ما يفسر تقدم الوساطة في الولايات المتحدة الأمريكية وبريطانيا وكندا بالأخص، وهي ابتكار وتطبيق قضائي هناك أكثر من كونها من فعل المشرع، ففي بريطانيا يحق للقضاة أن يفحصوا قبل أي بت في القضية أن محاولة الوساطة قد تمت. ويقضي قانون الوساطة الأردني بتغريم المتخلف عن جلسات الوساطة([19]) كما يقضي برنامج الوساطة الإجبارية لأونطاريو (كندا) بأنه عند التخلف عن الوساطة يلزم المتخلف بأداء المصاريف فضلًا عن جزاءات تقررها المحكمة. وفي عدة دول تم وضع أنظمة للوساطة بالنسبة للنزاعات المرتبطة بالاستهلاك أساسا وغيره من الميادين، كما تم وضع مدونات لأخلاقيات الوسطاء، وكذا تنظيم مهنة الوسطاء وتأمين مسئوليتهم المدنية، وإحداث مراصد وطنية للوساطة.
ولقد أفرز تطور الوساطة تنوعًا في مساطرها، إذ توجد وساطة تمارس من داخل النظم القضائي (وساطة قضائية)، ووساطة تمارس من خارج النظام القضائي (وساطة اتفاقية)، او على الأقل بتوجيه من المحكمة حيث تعين وسيطًا خاصًا من لائحة وسطاء معتمدين (وساطة خاصة).
وسواء أكانت الوساطة اتفاقية أو قضائية أو خاصة فلابد أن تحترم فيها عدة مبادئ، مستمدة من قواعد المحاكمة العادلة، ويتجلى ذلك في:
- حياد الوسيط؛
- احترام السرية؛
- احترام مبدأ الحضورية؛
- المساواة بين الخصوم في المعاملة؛
- حرية إنهاء سير الوساطة في أي وقت واللجوء إلى القضاء؛
- السرعة والمرونة وقلة التكاليف؛
- الوعي التام من قبل الأطراف بالحلول المتوصل إليها.
والخلاصة هي أن أهمية الوساطة لا تظهر من خلال عدد القضايا التي انتهت بحل، ولكن في خلق عقود قانونية فعالة في حد ذاتها، تنهي الخصومة، وتكون مضمومة من حيث التنفيذ.
- توجهات الأخذ بنظام الوساطة بالمغرب :
في ظل كل السياق السالف الذكر، واستجابة لمطالب متعددة للاهتمام بالوسائل البديلة لحل المنازعات، وتبعًا للاهتمام بمسائل الصلح في قوانين حديثة صدرت بالمملكة، مثل الصلح في الميدان الزجري، والصلح في قضايا الأسرة، والصلح في مدونة الشغل، وإعداد إطار جديد للتحكيم، وإحداث ديوان المظالم، وتعدد مراكز التوفيق والتحكيم في المغرب- شرعت وزارة العدل في مساءلة أنظمة يمكن اعتبارها من جملة الوسائل البديلة لحل المنازعات في ظل منظومتنا القانونية، لاسيما الصلح الذي تعرفه الكثير من المساطر القضائية، هذا فضلًا عن بعض الأنظمة الأخرى مثل نظام الحسبة وأمين الحرفة ودور حكام محاكم الجماعات والمقاطعات في ميدان الصلح بين الخصوم. وهي إمكانيات يبدو أنها لم تلق التفعيل اللازم لها، إذ كثيراً ما تعتبر محاولة الصلح في العديد من المساطر القضائية مجرد مرحلة في المسطرة يتم المرور عليها بسرعة فقط من أجل عدم بطلانها، كما أنه يتم تجاوز مسطرة الصلح بفعل غياب الخصوم عنها، هذا إن لم يصرحوا في مقالاتهم بطلب الإعفاء منها!
ولقد أبانت الدراسات التي تم إجراؤها. أن الوسائل البديلة لحل المنازعات تتميز بمقاربتين:
- مقاربة تقنية تهتم بتحليل الآليات القانونية لهذه الوسائل وكيفية اشتغالها؛
- ومقاربة سوسيولوجية تحلل أبعاد تأثير هذه الوسائل على النظام القانوني والقضائي،ومدى تطوره، ومرامي فلسفته.
وعلى ضوء ذلك، تم وضع تصورات لنظام الوسائل البديلة لحل المنازعات في المغرب، وبالأخص الوساطة، حيث تمت مناقشة عدة مسائل هامة ترتبط بهذه الوسيلة البديلة لحل المنازعات مثل:
- المجالات والقضايا القابلة لإعمال مساطر الوساطة بشأنها (قضايا مدنية، قضايا تجارية، قضايا الأسرة، قضايا المسؤولية التقصيرية..)؛
- تصور إلزامية الوساطة بخصوص القضايا التي لا تتجاوز قيمتها نصابًا معينًا (5000 درهم مثلًا)؛
- عدم إلزامية الوساطة في القضايا التي تفوق النصاب المذكور،
- الأشخاص القائمون بالوساطة (أفراد، لائحة معتمدة من طرف وزارة العدل، قضاة متقاعدون، محامون وممارسون مهنيون..)؛
- مشاكل أتعاب الوساطة وما إن كان من شأنها إثقال كاهل الأطراف، لاسيما في حالة فشل محاولة الوساطة.
- تحديد مدة الوساطة.
- مسار إدارة الوساطة وتدبير حل النزاع.
- مصير الحلول المتوصل إليها عن طريق الوساطة، وطرق تنفيذ ما تسفر عنه هذه الحلول.
- تنظيم مهام الوسطاء وشروط الممارسة وخلق جهة لإدارة شؤون مهنتهم.
لقد كانت كل هذه الأسئلة محط نقاش واسع في مختلف الندوات واللقاءات التي همت هذا الموضوع. بل أبان النقاش حول الموضوع خلال الأيام الدراسية التي عقدت مع السادة المحامين والبرلمانيين وعدة فعاليات اقتصادية وجمعوية، عن وجود تصور لدى البعض يعتبر الأخذ بالوساطة بمثابة خصوصية للقضاء الذي ينوء بما يفوق ثلاثة ملايين قضية رائجة أمامه سنويًا، يبت فيها حوالي ثلاثة آلاف قاض بمعدل قاض لكل عشرة آلاف نسمة من ساكنة المغرب. وأن هدف الأخذ بالوساطة هو تخفيف العبء على القضاء. بل كان هناك من يتساءل عما إن كان الأخذ بالوسائل البديلة لحل المنازعات سيؤدي إلى التأثير على الجهود المبذولة في ميدان الإصلاح القضائي. ولقد احتاج الأمر لكثير من الإقناع والتفسير لبيان أن الأمر يتعلق بوسائل ناجعة لحل المنازعات، فضلًا عن آثارها الاقتصادية والاجتماعية المتمثلة في تنمية ثقافة الحوار. ومن حسن الحظ أنه تم الاقتناع في النهاية بأهمية الأخذ بالحلول البديلة لحل النزاعات وبالأخص الوساطة. ولا أدل على ذلك من كون مقترح تعديل القانون المنظم لمهنة المحاماة، الذي صادق عليه البرلمان مؤخرًا، نص على أنه لا يعد من باب التنافي مع ممارسة المحاماة ((القيام بمهام التحكيم والوساطة بانتداب من القضاء أو بطلب من الأطراف))([20]).
وبعيدًا عن هذه المناقشات، صدر القانون المتعلق رقم 05- 08 متضمنًا فقط شكلًا وحيدًا من أشكال الوساطة هي “الوساطة الاتفاقية”. فخطا المشرع بذلك خطوة أولى على طريق النظام المتكامل للوساطة، وذلك لأنه قصرها فقط على الوساطة الاتفاقية، ولم يأخذ بالوساطة الإجبارية ولو بالنسبة لبعض القضايا البسيطة، كما أنه لم يمكن القاضي من اقتراح الوساطة على الأطراف وهو بصدد النظر في النزاع كما فعلت بعض القوانين كفرنسا([21]) والأردن([22]).
ولذلك يطرح التساؤل عما إن كان إطار الوساطة الاتفاقية الحالي كاف للتشجيع على اللجوء إلى الوسائل البديلة لحل النزاع ما دامت الوساطة غير إلزامية، لاسيما وأن التحكيم المتروك لحرية الأفراد لم يعرف إقبالًا كبيرًا في بلدنا رغم قدم المقتضيات القانونية الخاصة به؟ وهل سيكون من المرتقب تنظيم الوساطة الإجبارية كما فعلت بعض التشريعات المقارنة، أو على الأقل إعطاء الفرصة للقاضي لاقتراح توجيه الخصوم نحو الوساطة كما هو الشأن في قانون المسطرة المدنية الفرنسي مثلًا؟([23])
وعمومًا، فقد كان توفير إطار قانوني للوساطة أداة مهمة في مأسسة الوسائل البديلة لحل النزاعات في المغرب، حيث تم تكوين عدة وسطاء، واهتم بالوساطة فاعلون مهنيون مثل الخبراء الحيسوبيون والموثقون والمستشارون القانونيون. لاسيما وأنه فتحت عدة مراكز للوساطة، وأصبح بعض المحامين يمارسون الوساطة، بل إن هيئة المحامين بالرباط حلت نزاعًا لها مع إحدى شركات التأمين عن طريق الوساطة وكان من بين الوسطاء محام ينتهي لنفس الهيئة.
واكتفى بذكر هذه الإشارات حول سياق الأخذ بالوساطة في المغرب، لأستعرض أهم الأحكام الواردة في القانون رقم 05- 08 بشأن الوساطة الاتفاقية.
ثاني : أهم المقتضيات القانونية المتعلقة بالوساطة الاتفاقية .
بمقتضى القانون رقمن 05-08، أصبح الفرع الثالث من الباب الثامن بالقسم الخامس من قانون المسطرة المدنية يحمل عنوان “الوساطة الاتفاقية” وذلك من الفصل 55- 327 إلى غاية الفصل 70-327، وفيما يلي قراءة لأهم المقتضيات القانونية التي تضمنتها الفصول المذكورة:
- تعريف لوساطة الاتفاقية :
لإبراز الطابع الاتفاقي للوساطة، سواء لأجل تجنب أو تسوية نزاع، أجاز القانون للأطراف الاتفاق على تعيين وسيط يكلف بتسهيل إبرام صلح بينهم([24]). وقد عرف الفصل 56- 327 من قانون المسطرة المدنية الوساطة كما يلي: “اتفاق الوساطة هو العقد الذي يتفق الأطراف بموجبه على تعيين وسيط يكلف بتسهيل إبرام صلح لإنهاء نزاع نشأ أو قد ينشأ فيما بعد”. وعلى ذلك فهدف الوساطة هو الوصول إلى الصلح([25]) بواسطة ثالث هو الوسيط، وبذلك لم يخرج المشرع الوساطة الاتفاقية من الإطار العام لعقد الصلح.
- شكل اتفاق الوساطة :
يتخذ اتفاق الوساطة([26]) إما شكل:
- شرط وساطة([27])، ينص عليه في الاتفاق الأصلي، ويلتزم بمقتضاه الأطراف بأن يعرضوا على الوساطة النزاعات التي قد تنشأ عن الاتفاق المذكور.
- أو عقد وساطة([28])، يبرم بعد نشوء النزاع. ويمكن إبرامه ولو أثناء مسطرة جارية أمام المحكمة، حيث يتعين إعلام المحكمة به داخل أقرب الآجال من إبرامه. ويترتب عليه وقف المسطرة أمام المحكمة، إلى حين تبين مآل الوساطة.
- محل وسبب اتفاق الوساطة :
تجوز الوساطة فيما يجوز فيه الصلح، وقد نصت الفقرة الثانية من الفصل 56 – 327 من قانون المسطرة المدنية على أنه: “لا يجوز أن يشمل اتفاق الوساطة، مع التقيد بمقتضيات الفصل 62 من الظهير الشريف الصادر في 9 رمضان 1331 (12 أغسطس 1913) بمثابة قانون الالتزامات والعقود، المسائل المستثناة من نطاق تطبيق الصلح. ولا يجوز إبرامه إلا مع مراعاة التحفظات أو الشروط أو الحدود المقررة لصحة الصلح بموجب الفصول من 1099 إلى 1104 من نفس الظهير الشريف المذكور”. وعلى ذلك لا تجوز الوساطة في مسائل الحالة الشخصية، وما له من ارتباط بالنظام العام، أو الحقوق الشخصية الخارجة عن التعامل([29]).
وتجدر الإشارة إلى إمكانية عرض نزاعات تختص بها المحاكم التجارية على الوساطة، وذلك تبعًا للمادة 3 من القانون رقم 05-08([30])، التي غيرت أحكام الفقرة الرابعة من المادة 5 من القانون رقم 53.95 القاضي بإحداث محاكم تجارية، حيث يجوز للأطراف الاتفاق على عرض النزاعات المبينة في المادة 5 المذكورة على مسطرة التحكيم والوساطة([31]).
ومن جهة أخرى، يتعين أن يكون سبب اتفاق الوساطة مشروعًا، وفقًا لم ينص عليه الفصل 62 من قانون الالتزامات والعقود([32]).
- شرط الكتابة في اتفاق الوساطة :
على غرار التحكيم، أوجب القانون أن يبرم اتفاق الوساطة دومًا كتابة([33])، سواء بعقد رسمي أو عقد عرفي وكذلك بمحضر يحرر أمام المحكمة إذا كان النزاع جاريًا أمامها. وقد وسع القانون من مفهوم الكتابة، حيث يشمل صورًا عدة من المحررات التي تتيحها تكنولوجيا الاتصال الحديثة، فضلًا عن ترتيب آثار عن الإحالة أو الاستناد على وثيقة تتضمن شرط وساطة.
وتتعين الكتابة سواء تعلق الأمر بعقد وساطة أو بشرط وساطة. وبالنسبة لشرط الوساطة فإن الشرط يمكن أن يحرر كتابة في الاتفاق الأصلي أو في وثيقة تحيل إليه.
- مضمون اتفاق الوساطة :
يجب أن يتضمن اتفاق الوساطة جملة من الأمور، سواء تعلق الأمر بعقد وساطة أو بشرط وساطة.
فبالنسبة لعقد الوساطة([34])، يجب أن يتضمن العقد تحت طائلة البطلان:
- تحديد موضوع النزاع.
- تعيين الوسيط أو التنصيص على طريقة تعيينه.
أما بالنسبة لشرط الوساطة([35])، فيجب تحت طائلة البطلان، أن يحرر الشرط كتابة في الاتفاق الأصلي أو في وثيقة تحيل إليه. كما يجب تحت طائلة البطلان أن يتضمن شرط الوساطة إما تعيين الوسيط أو الوسطاء وإما التنصيص على طريقة تعيينهم.
- شروط الوسيط وواجباته :
يعهد بالوساطة إما إلى شخص ذاتي أو إلى شخص معنوي([36]). وعلى ذلك يمكن أن تتم الوساطة عن طريق الوساطة المؤسسية، بواسطة مركز للوساطة له أنظمته ومسطرته. على أنه في هذه الحالة لا يتولى القيام بمهمة الوساطة إلا الشخص الطبيعي المتمتع بطبيعة الحال بكامل الأهلية. أما الشخص المعنوي فلا يتمتع سوى بصلاحية تنظيم الوساطة وضمان حسن سيرها.
ولم تتطرق المقتضيات المتعلقة بالوساطة الاتفاقية إلى شروط الوسيط بتفصيل، عكس ما قررته المقتضيات الخاصة بالتحكيم بشأن الشروط المتعلقة بالمحكم([37])، الذي يشترط فيه كمال أهليته، وعدم صدور حكم عليه بحكم نهائي بالإدانة، من أجل ارتكاب أفعال تخل بالشرف أو صفات الاستقامة أو الآداب العامة، أو بالحرمان من أهلية ممارسة التجارة أو حق من حقوقه المدنية. هذا فضلًا عن المقتضيات الخاصة بوجوب تصريح المحكم بممارسته لمهام التحكيم إلى النيابة العامة.
ويجب على الوسيط التقيد بعدة واجبات([38])، ومن ذلك:
- وجوب كتمان السر المهني بالنسبة إلى الأغيار تحت طائلة العقوبات المنصوص عليها في القانون الجنائي المتعلقة بكتمان السر المهني.
- عدم جواز إثارة ملاحظات الوسيط والتصاريح التي يتلقاها أمام القاضي المعروض عليه النزاع إلا باتفاق الأطراف.
- لا يجوز استعمال ملاحظات الوسيط والتصاريح التي يتلقاها في دعوى أخرى، وفي جميع الأحوال يتم إبعادها من وثائق الدعوى ولا يلتفت إليها ولا يعمل بها. وهذه ضمانة أساسية للتشجيع على اللجوء إلى الوساطة، حتى لا تحمل مواقفهم أثناء مفاوضات الوساطة على أنها تنازل منهم عن حقوقهم. وتبعًا لتلك الضمانة فإنه لا يحتج بتلك المواقف أمام القضاء في حالة فشل الوساطة.
- عدم جواز تخلي الوسيط عن مهمته إلا باتفاق الأطراف، أو إذا انصرم الأجل المتفق عليه أو الأجل القانوني المحدد في ثلاثة أشهر، دون أن يستطيع الأطراف إبرام صلح. كما يمكنه التخلي عن مهمته في الحالات التي لا يتم فيها احترام الأجل الأقصى الذي حددته المحكمة لوجوب بدء الوساطة تحت طائلة بطلان اتفاق الوساطة، وذلك بمناسبة نظر المحكمة لدعوى سبق لأطرافها الاتفاق على الوساطة ولم يتم عرض النزاع بعد على الوسيط([39]).وسنشير إلى هذه الحالة فيما بعد بمناسبة إثارة الدفع بعدم القبول أمام المحكمة لوجود اتفاق وساطة.
- حكم اللجوء إلى القضاء رغم وجود اتفاق الوساطة :
تشجيعًا على اللجوء إلى الوساطة، وتلافيًا لأي غموض أو تضارب في العمل القضائي، بشأن اللجوء إلى القضاء رغم وجود اتفاق الوساطة([40])، فقد نص القانون على حلول واضحة بهذا الخصوص([41]). ويتم التمييز بهذا الصدد بين حالتين:
- اللجوء إلى القضاء أثناء سريان مسطرة الوساطة:
في هذه الحالة، يجب على المحكمة المحال إليها نزاع في مسألة أبرم الأطراف في شأنها اتفاق وساطة، أن تصرح بعدم قبول الدعوى إلى حين استنفاد مسطرة الوساطة أو بطلان اتفاق الوساطة.
ويتعين أن يثير الطرف المعني الدفع بعدم القبول، ولا يجوز للمحكمة أن تصرح بعدم القبول تلقائيًا.
- حالة اللجوء إلى القضاء قبل عرض النزاع على الوساطة:
إذا كان النزاع لم يعرض بعد على الوسيط، ورغم ذلك تم رفع القضية إلى القضاء، فإنه يجب على المحكمة أيضًا أن تصرح بعدم قبول الدعوى. هذا ما لم يثبت للمحكمة كون اتفاق الوساطة باطلًا بطلانًا واضحًا، فإنها تستمر آنذاك في نظر الدعوى لانعدام موجب عدم القبول.
وفي هذه الحالة الثانية، يتعين كذلك، أن يثير الطرف المعني الدفع بعدم القبول، ولا يجوز للمحكمة أن تصرح بعدم القبول تلقائيًا.
كما أنه وبالنسبة للحالة المذكورة، يجوز للمحكمة أن تحدد بطلب من الطرف الذي رفع الأمر إليها، الأجل الأقصى الذي يجب أن تبدأ فيه الوساطة تحت طائلة بطلان الاتفاق. وذلك تلافيًا لتماطل الأطراف في إعمال اتفاق الوساطة.
- وكما سلف ذكره، فإنه لا يجوز للمحكمة في كلتا الحالتين المذكورتين أعلاه، أن تصرح تلقائيًا بعدم القبول.
- مسطرة الوساطة ومدته :
يجب على الطرف الذي يريد تطبيق اتفاق الوساطة أن يخبر الطرف الآخر بذلك، وأن يرفع بذلك، وأن يرفع ذلك إلى الوسيط المعين([42]). ويجب على الوسيط فور قبوله المهمة المسندة إليه، أن يخبر بذلك الأطراف في رسالة مضمونة الوصول مع إشعار بالتواصل أو بواسطة مفوض قضائي([43]).
ولم يحدد القانون كيفية عقد جلسات الوساطة ولقاء الأطراف، ولكن عمومًا تنطلق عملية الوساطة بعقد اجتماعات تمهيدية لتعريف الأطراف بمجريات المسطرة، وتستمر بعقد جلسات مغلقة مع كل طرف أو جلسات مشتركة، ويتم خلال ذلك تقريب وجهات نظر الأطراف لتسهيل وصولهم للصلح.
وطبقًا للصلاحيات التي خولها القانون للوسيط([44]) فإنه يمكنه:
- الاستماع إلى الأطراف والمقارنة بين وجهات نظرهم لأجل تمكينهم من إيجاد حل للنزاع القائم بينهم؛
- الاستماع إلى الأغيار، الذين يقبلون ذلك، فيما تستلزمه الوساطة، وذلك بعد موافقة الأطراف على هذا الإجراء. ولم ينص القانون على مسألة استعانة الأطراف بمحام، ويبدو أنه لا يوجد ما يمنع ذلك. كما لم ينص القانون على كيفية الاستماع إلى الأغيار أثناء الوساطة، وما إن كان الاستماع أمام الوسيط يكون بعد أداء اليمين القانونية. ويظهر أنه لا يوجد ما يوجب أداء اليمين عند ذلك الاستماع.
- القيام أو العمل على القيام بكل خبرة من شأنها أن توضح النزاع بعد موافقة الأطراف؛
- عند انتهاء مهمته، يقترح الوسيط على الأطراف مشروع صلح أو بيانًا عن الأعمال التي قام بها. كما سنرى فيما بعد.
وتجري إجراءات المسطرة خلال مدة قصيرة، وهذا هو الهدف من اللجوء إلى الوساطة. ويتم تحديد مدة مهمة الوسيط تبعًا لاتفاق الأطراف، غير أنه لا يجوز أن تتجاوز هذه المدة ثلاثة أشهر من التاريخ الذي قبل فيه الوسيط مهمته. ومعنى هذا أن مدة مهام الوسيط تبدأ من تاريخ قبوله بالمهمة المسندة إليه. ويجوز للأطراف تمديد الأجل المذكور أعلاه باتفاق يبرم وفق نفس الشروط المعتمدة لإبرام اتفاق الوساطة([45])، مادامت هناك رغبة مشتركة لإيجاد هذا النزاع.
وقد سبقت الإشارة، إلى أنه لا يمكن للوسيط أن يتخلى عن مهمته إلا باتفاق الأطراف، أو إذا انصرم الأجل المقرر للوساطة.
- أثر الحل الذي ينتهي إليه الوسيط :
الهدف من الوساطة الاتفاقية هو توصل الأطراف إلى حل لنزاعهم بمساعدة الوسيط. وتظهر أهمية هذا الحل سواء من حيث قيمته القانونية، أو من حيث إمكانية تنفيذه.
وقد أحاط المشرع هذا الحل بمجموعة من الضمانات([46])، تتجلى فيما يلي:
- في حالة عدم وقع الصلح لأي سبب من الأسباب، فإن الوسيط يسلم للأطراف وثيقة عدم وقوع الصلح موقعه من طرفه.
- أما إذا انتهى الوسيط في مسعاه إلى صلح بين الطرفين، فإن الوسيط يحرر الصلح في وثيقة يضمن فيها الحل الذي انتهى إليه الأطراف.
- ويتعين أن يوقع الوسيط مع الأطراف وثيقة الصلح المتوصل إليه.
- ويخضع هذا الصلح لأجل صحته وآثاره للمقتضيات المتعلقة بالصلح المنصوص عليها في قانون الالتزامات والعقود([47])، كانقضاء الحقوق المدعي بها، وعدم الرجوع في الصلح إلى غير ذلك من الآثار([48]).
- يكتسي الصلح فيما بين الأطراف قوة الشيء المقضي به([49]). وعلى ذلك يمكن تنفيذ مقتضيات الصلح تلقائيًا من قبل الطرفين.
- ويمكن للصلح المذكور أن يذيل بالصيغة التنفيذية([50]) من قبل رئيس المحكمة المختصة محليًا للبت في موضوع النزاع([51]) بطلب من الطرف المعني، لاسيما في حالة رفض خصمه القيام بالتنفيذ التلقائي لمقتضيات الصلح المذكور. حيث يخول التذييل بالصيغة التنفيذية، ضمان مباشرة إجراءات التنفيذ الجبري. وبهذا يختلف الصلح المعقود بين الأطراف في إطار عادي عن الصلح الذي يتم عبر وسيط طبقًا للمقتضيات القانونية الخاصة بالوساطة الاتفاقية، حيث يمكن للصلح المبرم في هذا الإطار أن يذيل بالصيغة التنفيذية، وهو ما لا يتيحه الصلح المبرم في إطار عادي بين الطرفين تلقائيًا ودون تدخل وسيط([52]).
[1] ظهير شريف رقم 1.07.169 صادر في 19 من ذي القعدة 1428 (30 نوفمبر 2007) بتنفيذ القانون رقم 08.05 القاضي بنسخ وتعويض الباب الثامن بالقسم الخامس من قانون المسطرة المدنية الجريدة الرسمية عدد 5584 صفحة 3894 وما بعدها.
[2] تتميز مقتضيات القانون 08-05 المتعلقة بالتحكيم بعدة مميزات تساير المستجدات العالمية التي يعرفها ميدان التحكيم مثل جواز التحكيم في النزاعات المالية الناتجة عن التصرفات الأحادية للشخص العام، وفي النزاعات المتعلقة بالعقود التي يبرمها الشخص العام، واختصاص المحاكم الإدارية بالبت في قضايا التحكيم التي تهم ذلك، وجواز التحكيم في النزاعات التي تهم المقاولات العامة والمؤسسات العامة، ومعالجة مشكل اللجوء إلى القضاء مع وجود اتفاق التحكيم (الدفع بعدم القبول)، والتخفيف في شرط الكتابة، وتوسيع اختصاصات الهيئة التحكيمية كصلاحيتها للنظر في اختصاصها (اختصاص الاختصاص) والقيام بكل إجراءات التحقيق والأمر بالإجراءات التحفظية كما نظم القانون المذكور التحكيم المؤسساتي ولأول مرة التحكيم الدولي هذا فضلاً عن توفير ضمانات احترام حقوق الدفاع في مساطر التحكيم انظر بحثنا “مستجدات مشروع القانون 08-05 “ندوة” “الوساطة والتحكيم” المنظمة من طرف هيئة المحامين بالدار البيضاء والاتحاد الدولي للمحامين (الدار البيضاء 28 أبريل 2006)، وبحثنا في نفس الموضوع المقدم خلال المائدة المستديرة حول “مشروع قانون الوساطة والتحكيم” المنظمة من طرف الفريق الاشتراكي بمجلس النواب (الرباط، 27 يوليو 2007) بمناسبة مناقشة المشروع المذكور أمام البرلمان.
[3] وقد تبين من هذه الدراسة الميدانية:
-عدم كفاية النظام الذي سنه قانون المسطرة المدنية لسنة 1974، لأنه لا يغطي جميع المسائل المرتبطة بالتحكيم كموضوع التحكيم الدولي (وإن كان المغرب قد صادق على معاهدة نيويورك (1958.06.1C) المتعلقة بالاعتراف بقرارات المحكمين وتنفيذها، واتفاقية واشنطن (1965.03.18) بشأن حل منازعات الاستثمار.
– وجود قيود على الحرية الاتفاقية في التحكيم: كالمنع من اللجوء إلى التحكيم في عدة مواضيع.
-ضعف في الممارسة القضائية للتحكيم: حيث يتم الاقتصار على طلب الصيغة التنفيذية لأحكام المحكمين.
-عدم مواكبة الحلول الدولية المستجدة في ميدان التحكيم.
ونتيجة لذلك تم وضع تصورات لتطوير الإطار القانوني للتحكيم في المغرب، تتلخص في اتخاذ عدة إجراءات على عدة مستويات:
- القيام بإصلاح تشريعي لنظام التحكيم من أجل:
- ملاءمة التشريع المغربي مع المبادئ الدولية الجديدة في التحكيم.
- تنظيم التحكيم التجاري الدولي.
- إرضاء تطلعات الفاعلين الاقتصاديين.
- الاستفادة من تجارب الإصلاح الحديث للقوانين الأجنبية والقوانين الدولية النموذجية.
- اتخاذ الإجراءات المواكبة.
- تشجيعه اللجوء إلى الحلول البديلة.
- تشجيع إنشاء مراكز التحكيم.
- التحسيس بأهمية التحكيم.
[4] لقد أكد صاحب الجلالة الملك محمد السادس في كثير من المناسبات، وخاصة في الرسالة الملكية السامية الموجهة إلى السيد الوزير الأول حول التدبير اللامتمركز للاستثمار بتاريخ 09 يناير 2002، على ضرورة مراجعة مساطر التسوية التوافقية لما قد ينشأ من منازعات بين التجار، وذلك لتمكينهم من اللجوء أكثر ما يمكن الي التحكيم.
كما أكد جلالة الملك في خطابه السامي بمناسبة افتتاح السنة القضائية بأكادير (29 يناير 2003) على ضرورة وضع مدونة للتحكيم التجاري حيث ورد في الكلمة السامية لجلالته: ((وهكذا وتجسيداً لنهجنا الراسخ للنهوض بالاستثمار، وتفعيلاً لما ورد في رسالتنا الموجهة لوزيرنا الأول في هذا الشأن، فإننا ندعو حكومتنا إلى مواصلة الجهود لعصرنة القضاء، بعقلنة العمل، وتبسيط المساطر، وتعميم المعلومات. كما يجب تنويع مساطر التسوية التوافقية، لما قد ينشأ من منازعات بين التجار. وذلك من خلال الإعداد السريع لمشروع قانون التحكيم التجاري، الوطني والدولي، ليستجيب نظامنا القضائي لمتطلبات عولمة الاقتصاد وتنافسيته، ويسهم في جلب الاستثمار الأجنبي)).
[5] انظر بحثنا –قراءة في مشروع مدونة التحكيم- أمام ندوة الطرق البديلة لتسوية المنازعات- المنظمة من طرف كلية العلوم القانونية والاقتصادية والاجتماعية بفاس بشراكة مع وزارة العدل وهيئة المحامين بفاس (فاس، 4- 5أبريل 2003).
[6] كان مشروع مدونة التحكيم يتضمن 65 مادة موزعة على الأبواب التالية.
الباب الأول مقتضيات مشتركة.
الباب الثاني التحكيم الداخلي ويتضمن هذا الباب الفروع التالية: الهيئة التحكيمية؛ إجراءات التحكيم؛ الحكم التحكيمي.
الباب الثالث: التحكيم الدولي.
الباب الرابع: مقتضيات مختلفة.
[7] هناك مسألة أولية تتعلق بالتساؤل حول ما إن كان التحكيم يعتبر من الطرق البديلة لتسوية المنازعات أم لا. حيث يتردد الجواب بين الإيجاب والنفي.
فقد يعد التحكيم من الطرق البديلة إذا تم اعتباره بديلاً عن القضاء الرسمي كمؤسسة، حيث يعتبر التحكيم عدالة متميزة بالنسبة للعدالة المنظمة رسمياً من طرف الدولة. ويلاحظ غالباً أنه عندما يتم الحديث عن الوسائل البديلة لحل النزاع في الولايات المتحدة الأمريكية، فإنها تشمل التحكيم ولذلك فإن اعتبار التحكيم كحل بديل يكون بمعنى أنه بديل عن القضاء الرسمي، وبالتالي فالمحكم هو بديل عن القاضي الرسمي، ومسطرة التحكيم قد تكون بديلة عن المسطرة العامة في بلد ما، حيث تكون مسطرة التحكيم سهلة ومبسطة بل إن التحكيم عندما يكون دولياً يمكن أن يكون بديلاً حتى بالنسبة للقانون الوطني لبلد ما، وكذلك بإعمال الأعراف التجارية الدولية la lex mercatoria أو قواعد الإنصاف والعدالة laimable composition بهذا المنظور يكون التحكيم بديلاً عن العدالة الرسمية لكن إلى أي حد؟ ذلك أن مسطرة التحكيم –لاسيما التحكيم الدولي. أصبحت مؤسسة وذات طابع شبه قضائي، خاصة عندما تدار بواسطة مؤسسة دائمة للتحكيم فلا يبقى لمعنى التحكيم كبديل سوى مجال التحكيم الداخلي والتحكيم الخاص Ad- Hoc.
وقد لا يعد التحكيم من الطرق البديلة لحل المنازعات، إذا ما نظر إلى التحكيم في أبعاد طرق فصله في النزاع التي تجعله شبيهاً بالقضاء الرسمي فالتحكيم رغم أنه إرادي واتفاقي في منشئه، فإنه بعد ذلك يدخل في قالب قضائي، ولا يعتد بإرادة الخصوم عند إصدار القرار، حيث يتمتع المحكم بسلطة يصدر بناء عليها قراراً حقيقياً له حجة بين الخصوم، لكن لا ينقصه إلا الصيغة التنفيذية، وهذه يقدم له الدعم بشأنها القاضي الرسمي وبهذا المعنى لا يعد التحكيم بديلاً عن القضاء لأن طرفاً ثالثاً هو الذي يبت بسلطة، وليس الأطراف. وبالتالي فإن باقي الوسائل البديلة الأخرى التي يساهم الأطراف في ظلها بإيجاد حلول لمنازعاتهم هي التي تعتبر حلولاً بديلة لأنها غير قضائية فالوساطة والمصالحة تمكن الأطراف من المشاركة في حل نزاعاتهم بمساعدة شخص ثالث، والحل يتفاوض بشأنه وبذلك يكون مبنياً على رضاهم وبذلك فإن الطرق البديلة لتسوية المنازعات تقوي مسئولية الأطراف في النزاع بخلاف ما إن عهدوا بقضيتهم إلى القضاء أو التحكيم بحيث ننتقل من عدالة مفروضة إلى عدالة متفاوض عليها (لا غالب ولا مغلوب) عن طريق اشتراك الأطراف في إيجاد حل لنزاعاتهم.
ونتيجة لهذه المواقف، فإن هناك من يعطي تحقيباً أو تقسيماً زمنياً لنظام التحكيم.
- في مرحلة أولى كان التحكيم يعتبر بديلاً عن القضاء؛
- وفي مرحلة ثانية أصبح التحكيم قريباً من القضاء وشبيهاً له؛
- وفي مرحلة ثالثة أصبح فيها المتقاضون يبحثون عن حلول أخرى بديلة ليس للقضاء فقط بل بديلة حتى للتحكيم نفسه ومن هنا ظهور المصالحة والوساطة والتوفيق وباقي صور الوسائل البديلة الأخرى.
[8] في ظل برنامج التعاون مع المؤسسة الأمريكية ISDLS، تم:
- إنشاء مجموعة عمل، لدراسة واقع حل المنازعات بالمغرب وتحديد المشاكل والحاجيات والتعرف على الطرق التي تمت بها معالجة هذه المشاكل في دول أخرى.
- سفر مجموعة العمل المغربية إلى الولايات المتحدة الأمريكية ومصر للوقوف على تجربة الوسائل البديلة لحل المنازعات هناك مع عقد ندوات حول الموضوع في المغرب والخارج
أما برنامج التعاون مع منظمة البحث عن أرضية مشتركة SFCG المدعوم من طرف الحكومة البريطانية والذي وقعت بشأنه ثلاث بروتوكولات تعاون لحد الآن أولها كان بتاريخ 20 فبراير 2004 وآخرها في 15 يناير 2007، فقد كان يهدف إلى
- تحديث الطرق والوسائل القانونية المتبعة لمعاجلة المنازعات في المغرب؛
- تعزيز ثقة المواطنين بهذه الوسائل؛
- إعطاء المتقاضين فرصة أكبر للوصول إلى حلول ترضيهم بأقل التكاليف وبأسرع وقت؛
- العمل على إحداث هياكل إدارية لإدارة الوسائل البديلة لحل المنازعات في المغرب.
- إحداث مجموعة عمل من القضاة والمحامين؛
- تنظيم عدة أوراش تكوينية بالمغرب وبالخارج (لندن- مركز الحل الفعال للنزاعات- وباريس) همت مواضيع التقنيات والمفاهيم الأساسية للوساطة، ووضع استراتيجية لتحديد المراحل المختلفة الضرورية لإدماج الوساطة في النظام القضائي المغربي، وضع تصورات حول إحداث مشروع نموذجي في ميدان تطبيق الوسائل البديلة لتعميمه على باقي المحاكم كما تم تكوين وسطاء من قضاة ومحامين وفاعلين جمعويين، وعقدت ندوات مع المحامين ومختلف فعاليات المجتمع المدني، وأعد تقرير بكل ذلك قدم للسادة البرلمانيين لدعم المشروع أمام جهات القرار
ومع سنة 2007 تم المشروع في تنفيذ مشاريع جديدة، مثل مشروع تنظيم الوساطة في إطار التعاون مع البنك الدولي (SFI) – بروتوكول 22 يناير 2008- المتضمن إحداث مركز للوساطة بتعاون مع الاتحاد العام للمقاولات بالمغرب هذا فضلاً عن مشاريع للتعاون بهذا الخصوص مع الوكالة الأمريكية للتعاون الدولي، ومشروع الوساطة الأسرية مع برنامج الأمم المتحدة الإنمائي ومنظمات أخرى، وكذلك مشروع مماثل للتكوين حول الوساطة الأسرية في إطار التعاون مع الدنمارك
[9] هناك عدة مراكز للتحكيم والتوفيق بالمملكة ومن ذلك الغرفة المغربية للتحكيم البحري (1980)، غرفة للتحكيم الدولي على صعيد غرفة التجارة والصناعة بالدار البيضاء (1999)، المركز الدولي للتوفيق والتحكيم بالرباط، مركز التحكيم بمراكش، المركز الأطلسي للتحكيم التجاري الدولي بين غرف التجارة لكل من أكادير ولاس بالماس وتنيريفي (2005)، غرفة التحكيم الدولي المغربية الإسبانية المحدثة بمبادرة من هيئتي المحامين بكل من الدار البيضاء ومدريد (2007)، وهيئة الوساطة على صعيد اتحاد أرباب المقاولات بالمغرب، وغرفة التحكيم والتوفيق بطنجة.
[10] ADR بالإنجليزية: Alternative Dispute Resolution.
أو MARC أو (MARL) بالفرنسية Modes Alternative de Régalement des Conflicts (Litiges)
[11] بما في ذلك بعض الدول العربية مثل الأردن قانون رقم (12) لسنة 2006 المتعلق بالوساطة لتسوية النزاعات المدنية ودولة الإمارات العربية المتحدة قانون إنشاء لجان التوفيق والمصالحة بالمحاكم الاتحادية رقم 26 لسنة 1999 ومصر: القانون رقم 7 لسنة 2000 بإنشاء لجان التوفيق في بعض المنازعات التي تكون الوزارات والأشخاص الاعتبارية العامة طرفاً فيها.
[12] نظام التوفيق للجنة الأمم المتحدة للقانون التجاري الدولي، الذي أقرته الجمعية العامة للأمم المتحدة بقرارها رقم 35/ 52 بتاريخ 04/ 12/ 1980.
[13] القانون النموذجي للجنة الأمم المتحدة للقانون التجاري الدولي للتوفيق التجاري الدولي، الذي أقرته الجمعية العامة للأمم المتحدة بقرارها المؤرخ في 19 نوفمبر 2003 وقد جاء في هذا القرار
إن الجمعية العامة؛ إذ تدرك القيمة العائدة للتجارة الدولية من طرق تسوية المنازعات التجارية التي يطلب فيها طرفا النزاع من شخص آخر أو أشخاص آخرين مساعدتهما في سعيهما لتسوية النزاع تسوية ودية. وإذ تلاحظ أن هذه الطرق لتسوية النزاع يشار إليها بمصطلحات مثل التوفيق والوساطة، وأن مصطلحات من هذا القبيل تستخدم بشكل متزايد في المعاملات التجارية الدولية والمحلية كبديل للتقاضي وإذ ترى أن استخدام هذه الطرق لتسوية النزاع يعود بفوائد كبيرة مثل تقليل الحالات التي يفضي فيها النزاع إلى إنهاء العلاقة التجارية وتيسير إدارة المعاملات الدولية من قبل الأطراف التجارية وتحقيق وفورات في إقامة العدالة من جانب الدول واقتناعاً منها بأن إصدار تشريع نموذجي عن هذه الطرق يكون مقبولاً للدول بمختلف نظمها القانونية والاجتماعية والاقتصادية من شأنه أن يساهم في إقامة علاقات اقتصادية دولية متجانسة.
[14] ويتجلى ذلك في النص في العقود على شرط اللجوء إلى الوساطة أولاً، فإذا ما فشلت في حل النزاع آنذاك يتم اللجوء إلى التحكيم انظر نظام الوسائل البديلة لحل المنازعات الخاص بغرفة التجارة الدولية بباريس، الساري المفعول منذ 6 يوليوز 2001 والذي يعطي الإمكانيات التالية
ADR FACULTATIF :
« Les parties penvent, a tout moment et sans préjudice de toutes autres procédures, rechercher un râlement de tout différend résultant du présent contrat ou s’y rapportant, Conformément au Règlement ADR de la CCl. »
OBLIGATION D’ENVISAGER UNE PROCEDURE ADR :
« En cas de différend résultant du présent contrat ou s’y rapportant, les. Parties Conviennent de discuter et d’envisager de faire appel en premier lieu a la procédure de règlement des différends prévue par le Règlement ADR de la CCl. »
OBLIGATION DE SOUMETTRE LE DIFFEREND A UNE PROCEDURE ADR ASSORTIE D’UN OMATIQUE:
« En cas de différend résultant du présent contrat ou s’y rapportant, les parties conviennent de soumettre ce différend prévue par la règlement ADR de la CCL. Si le différend n’a pas été règle dans le cadre dudit règlement dans un délia de 45 jours suivant le dépôt de la demande d’ADR ou dans tout autre délai dont les parties peuvent convenir par écrit, celles –ci seront déliées de toute obligation au titre de la présente clause»
ARBITRAGE CCI SI NECESSAIRE LE Différend A UNE PROCEDURE ADR, PUIS A UN ARBITRAGE CCI SI NECESSAIRE
« En cas de différend résultant du présent contrat ou s’y rapportant, les parties conviennent de soumette ce différend a la procédure de règlement des différends prévue par le Règlement ADR de la CCI. Si le différend n’a pas été règle dans le cadre dudit Réglementa dans un prévue par le cadre dudit Règlement dans un délai de 45 jours suivant le dépôt de la demande d’ADR ou dans tout autre delai dont les parties peuvent convenir par ecnt, le différend- sera tranche définitif- vement suivant le Règlement différend d’arbitrage de la Chambre de commerce internationale par un ou plusieurs arbitres nommes conformément a celui-ci.»
[15] (On line Dispute R solution) ODR أي الخدمات على الخط لحل المنازعات عبر الدول عن طريق الانترنيت.
[16] وقد تتخذ هذه الصور صيغة تسوية مباشرة دون تدخل من طرف ثالث المفاوضات المباشرة وهذه التقنية يعمل بها في المعاملات التجارية الدولية أو تسوية بفعل تدخل طرف ثالث كالوساطة والصلح والخبرة.
[17] وتمر عملية الوساطة بعدة مراحل من أهمها، عقد جلسات تمهيدية لتعريف الطرفين بإجراءات ومساطر الوساطة وطرق إدارة العملية، ثم عقد جلسات مشتركة وجلسات مغلقة، وجلسات التسوية وإنهاء النزاع إذا ما اتفق الطرفان على حل ما.
[18] ونظراً لأهمية الوساطة وآثارها الاجتماعية، فقد اتخذت عدة صور تبعاً للميادين التي تهمها الوساطة الأسرية، الوساطة المدرسية، الوساطة المتعلقة بإدماج المهاجرين، الوساطة التجارية والوساطة الجزائية.
[19] المادة 7 فقرة (د) من قانون الوساطة لتسوية النزاعات المدنية الأردني رقم (12) لسنة 2005 التي تنص “إذا فشلت التسوية بسبب تخلف أحد أطراف النزاع أو وكيله عن حضور جلسات التسوية، فيجوز لقاضي إدارة الدعوى أو لقاضي الصلح فرض غرامة على ذلك الطرف أو وكيله لا تقل عن مائة دينار ولا تزيد على خمسمائة دينار في الدعاوي الصلحية ولا تقل عن مائتين وخمسين ديناراً أو لا تزيد على ألف دينار في الدعاوي البدائية”
[20] المادة 9 (الفقرة3) من مقترح تعديل القانون المنظم لمهنة المحاماة الذي صادق عليه البرلمان مؤخراً.
[21] L’article 131-1du nouveau code de procédure civile dispose: □ Le juge saisi d’un litige peut. apr □ s avoir recueilli I, accord des parties, d □ signer une tierce personae afin d’entendre les parties et de confronter leurs points de vue Pour leur permettre de trouver une solution au conflit qui les oppose. Ce pouvoir apparient□ galement au juge des r □ f □ r□ s, en cours d’instance □.
[22] المادة 3 من قانون الوساطة لتسوية النزاعات المدنية الأردني رقم (12) لسنة 2006، التي تنص “أ القاضي إدارة الدعوى أو قاضي الصلح وبعد الاجتماع بالخصوم أو وكلائهم القانونيين إحالة النزاع بناء على طلب أطراف الدعوى أو بعد موافقتهم إلى قاضي الوساطة أو إلى وسيط خاص لتسوية النزاع ودياً وفي جميع الأحوال يراعي القاضي عند تسمية الوسيط اتفاق الطرفين ما أمكن
ب لأطراف الدعوى بموافقة قاضي إدارة الدعوى أو قاضي الصلح الاتفاق على حل النزاع بالوساطة وذلك بإحالته إلى أي شخص يرونه مناسباً، وفي هذه الحالة يحدد الوسيط أتعابه بالاتفاق مع أطراف النزاع، وفي حالة تسوية النزاع ودياً يسترد المدعي الرسوم القضائية التي دفعها.
[23] ومن المواضيع الأخرى التي أثارها تنظيم الوساطة الاتفاقية مسألة عدم التفصيل في أحكام الوساطة مثل ما تم بشأن التحكيم، ولماذا لم يتم تقديم المقتضيات المتعلقة بالوساطة في القانون على المقتضيات المتعلقة بالتحكيم خاصة وأنه في عدة أنظمة لا يتم اللجوء للتحكيم إلا بعد فشل الوساطة؟ ولماذا يقرر النفاذ المعجل في التحكيم دون الوساطة؟ ولماذا لم يتم النص على استقلال شرط الوساطة مثلما تم النص على استقلال شرط التحكيم؟ ولماذا لم ينظم القانون الوساطة الدولية في المنازعات على غرار تنظيم التحكيم الدولي؟ وهل يمكن أن تحدث دوائر الوساطة على صعيد بعض المحاكم، ويكون ذلك بقرار لوزير العدل مثلاً دون أن يحتاج الأمر لتدخل تشريعي، وهو الحل الذي أخذت به بعض دول الخليج العربي لجان التوفيق والمصالحة؟
قد نجد أجوبة بالنسبة لبعض الأسئلة، مثل كون عدم التوسع في تنظيم الوساطة، يرجع إلى أن دور الوسيط مقصور على تيسير الحوار والتوصل إلى حل بين الطرفين، ولذلك لا توجد حاجة إلى ضمانات إجرائية من النوع المتطلب في التحكيم الذي يصدر فيه المحكم حكماً تحكيمياً مثله في ذلك مثل القاضي وإن الجواب عن باقي الأسئلة المطروحة، خاصة ما يتعلق بالإلزامية والمصاريف، يقتضي تطوير المقتضيات الواردة في القانون رقم 05- 08 حتى يمكن أن تكون الوساطة بالفعل نظاماً فعالاً لحل المنازعات في بلادنا.
[24] بنص الفصل 55- 327 من قانون المسطرة المدنية على أنه يجوز للأطراف، لأجل تجنب أو تسوية نزاع، الاتفاق على تعيين وسيط يكلف بتسهيل إبرام صلح ينهي النزاع.
[25] يعرف الفصل 1096 من قانون الالتزامات والعقود الصلح بأنه “عقد بمقتضاه يحسم الطرفان نزاعاً قائماً أو يتوقيان قيامه، وذلك بتنازل كل منهما لآخر عن جزء مما يدعيه لنفسه، أو بإعطائه مالاً معيناً أو حقاً”.
[26] ينص الفصل 57- 327 من قانون المسطرة المدنية على أنه يمكن إبرام اتفاق الوساطة بعد نشوء النزاع ويسمى حينئذ عقد الوساطة
يمكن التنصيص عليه في الاتفاق الأصلي ويسمى حينئذ شرط الوساطة
يمكن إبرامه في أثناء مسطرة جارية أمام المحكمة وفي هذه الحالة يرفع إلى علم المحكمة داخل أقرب الآجال ويترتب عليه وقف المسطرة
[27] عرف الفصل 61- 327 من قانون المسطرة المدنية ، شرط الوساطة بما يلي “شرط الوساطة هو الاتفاق الذي يلتزم فيه أطراف عقد بأن يعرضوا على الوساطة النزاعات التي قد تنشأ عن العقد المذكور.
[28] عرف الفصل 59- 327 من قانون المسطرة المدنية عقد الوساطة كما يلي “عقد الوساطة هو الاتفاق الذي يلتزم فيه أطراف نزاع ناشئ بعرض هذا النزاع على وسيط.
يمكن إبرام العقد المذكور ولو أثناء دعوى مرفوعة أمام المحكمة.
[29] ينص الفصل 1100 من قانون الالتزامات والعقود على أنه لا يجوز الصلح في المسائل المتعلقة بالحالة الشخصية أو بالنظام العام أو بالحقوق الشخصية الأخرى الخارجة عن دائرة التعامل ويسوغ الصلح على المنافع المالية التي تترتب على مسألة تتعلق بالحالة الشخصية أو على المنافع التي تنشأ عن الجريمة)).
[30] “تنص المادة 3 من القانون رقم 05- 08 على أنه “تغير على النحو التالي أحكام الفقرة الرابعة من المادة 6 من القانون رقم 95 53 القاضي بأحداث محاكم تجارية “المادة 5 (الفقرة 4) يجوز للأطراف الاتفاق على عرض النزاعات المبينة أعلاه على مسطرة التحكيم والوساطة وفق أحكام الفصول من 306 إلى 70 – 327 من قانون المسطرة المدنية.
[31] وهكذا أصبحت المادة 5 من القانون المحدث للمحاكم التجارية تنص على ما يلي
تختص المحاكم التجارية بالنظر في
- الدعاوي المتعلقة بالعقود التجارية.
- الدعاوي التي تنشأ بين التجار والمتعلقة بأعمالهم التجارية.
- الدعاوي المتعلقة بالأوراق التجارية.
- النزاعات الناشئة بين شركاء في شركة تجارية.
- النزاعات المتعلقة بالأصول التجارية.
وتستثنى من اختصاص المحاكم التجارية قضايا حوادث السير
يمكن الاتفاق بين التاجر وغير التاجر على إسناد الاختصاص للمحكمة التجارية فيما قد ينشأ بينهما من نزاع بسبب عمل من أعمال التاجر.
يجوز للأطراف الاتفاق على عرض النزاعات المبينة أعلاه على مسطرة التحكيم وفق أحكام الفصول 306 إلى 327 من قانون المسطرة المدنية.
[32] ينص الفصل 62 من قانون الالتزامات والعقود الالتزام الذي لا سبب له أو المبني على سبب غير مشروع يعد كأن لم يكن يكون السبب غير مشروع إذا كان مخالفاً للأخلاق الحميدة أو النظام العام أو القانون.
[33] فقد نص الفصل 58-327 من قانون المسطرة المدنية على أنه يجب أن يبرم دوماً اتفاق الوساطة كتابة، إما بعقد رسمي أو عرفي وإما بمحضر يحرر أمام المحكمة.
يعتبر اتفاق الوساطة “مبرر ما كتابة إذا ورد في وثيقة موقعة من الأطراف أو في رسائل متبادلة أو اتصال بالتلكس أو برقيات أو أية وسيلة أخرى من وسائل الاتصال تثبت وجوده أو حتى يتبادل مذكرات الطلب أو الدفاع التي يدعى فيها أحد الطرفين وجود اتفاق الوساطة دون أن ينازعه الطرف الآخر في ذلك.
تعتبر الإحالة في عقد ما إلى وثيقة تتضمن شرط وساطة بمثابة اتفاق وساطة على أن يكون العقد المذكور قد أبرم كتابة وأن يكون من شأن الاستناد أن يجعل من الشرط جزءاً لا التباس فيه من العقد”.
[34] ينص الفصل 60-327 من قانون المسطرة المدنية على أنه يجب أن يتضمن عقد الوساطة تحت طائلة البطلان.
- تحديد موضوع النزاع.
- تعيين الوسيط أو التنصيص على طريقة تعيينه.
إذا رفض الوسيط المعين القيام بالمهمة المسندة إليه جاز للأطراف الاتفاق على اسم وسيط آخر وإلا اعتبر العقد لاغياً.
[35] ينص الفصل 62-327 من قانون المسطرة المدنية على أنه يجب، تحت طائلة البطلان، أن يحرر شرط الوساطة كتابة في الاتفاق الأصلي أو في وثيقة تحيل إليه ويجب، تحت طائلة البطلان، أن يتضمن شرط الوساطة إما تعيين الوسيط أو الوسطاء وإما التنصيص على طريقة تعيينهم”.
[36] بنص الفصل 67- 327 من قانون المسطرة المدنية على أنه يعهد بالوساطة إلى شخص طبيعي أو شخص معنوي”.
[37] وهو ما نص عليه الفصلان 320 و321 من قانون المسطرة المدنية هذا فضلاً عن إمكانية تجريح المحكم طبق الفصلين 322 و323 من نفس القانون.
[38] ينص الفصل 66- 327 من قانون المسطرة المدنية على أنه يلزم الوسيط بوجوب كتمان السر المهني بالنسبة إلى الأغيار وفق المقتضيات وتحت طائلة العقوبات المنصوص عليها في القانون الجنائي المتعلقة بكتمان السر المهني ولا يجوز أن تثار ملاحظات الوسيط والتصاريح التي يتلقاها أمام القاضي المعروض عليه النزاع إلا باتفاق الأطراف ولا يجوز استعمالها في دعوى أخرى.
[39] تنص الفقرة الثالثة من الفصل 67 -327 من قانون المسطرة المدنية على أنه لا يجوز للوسيط أن يتخلى عن مهمته إلا باتفاق الأطراف أو إذا انصرم الأجل المنصوص عليه في الفصل 65- 327 أعلاه دون أن يستطيع الأطراف إبرام صلح أو بأمر من القاضي في الحالات المنصوص عليها في الفصل 64- 327 أعلاه والحالات المذكورة هي الحالات المتعلقة بالدفع بعدم القبول أمام المحكمة لوجود اتفاق وساطة.
[40] ولقد ثار إشكال بخصوص اللجوء إلى القضاء مع وجود اتفاق تحكيم، حيث تضاربت أحكام المحاكم، ما بين التصريح بعدم الاختصاص أو التصريح بعدم القبول، وقد حسم المشرع في الأمر سواء بالنسبة للتحكيم أو الوساطة الاتفاقية، حيث أوجب على المحكمة التصريح بعدم القبول إذا كان النزاع قد عقد بشأنه اتفاق تحكيمي أو اتفاق وساطة.
وتجدر الإشارة إلى أن مشروع القانون رقم 05- 08 كان قد اختار في الحالات المذكورة أعلاه، أن تصرح المحكمة بعدم الاختصاص سواء تعلق الأمر بالتحكيم أو الوساطة الاتفاقية لكن القانون حسم في الأمر وقرر التصريح بعدم القبول في تلك الحالات.
[41] ينص الفصل 54- 327 من قانون المسطرة المدنية على أنه يجب على المحكمة المحال إليها نزاع في مسألة أبرم الأطراف في شأنها اتفاق وساطة وفقاً لمقتضيات هذا الفرع أن تصرح بعدم القبول إلى حين استنفاذ مسطرة الوساطة أو بطلان اتفاق الوساطة.
إذا كان الوسيط لم يعرض عليه النزاع بعد، وجب على المحكمة أيضاً أن تصرح بعدم القبول ما لم يكن اتفاق الوساطة باطلاً بطلاناً واضحاً لا يجوز للمحكمة في تلك الحالتين أن تقرر تلقائياً بعدم القبول.
في الحالة الثانية، يجوز لها أن تحدد بطلب من الطرف الذي رفع الأمر إليها الأجل الأقصى الذي يجب أن تبدأ فيه الوساطة تحت طائلة بطلان الاتفاق
[42] ينص الفصل 63- 327 من قانون المسطرة المدنية على أنه يجب على الطرف الذي يريد تطبيق شرط الوساطة أن يخبر الطرف الآخر بذلك في الحال ويرفع الشرط إلى الوسيط المعين.
ويلاحظ أن النص يتحدث عن شرط الوساطة فقط، في حين قد يقضي الأمر إتباع نفس المسطرة المبينة أعلاه حتى بالنسبة لعقد الوساطة، لاسيما إبلاغ الوسيط المعين.
[43] الصل 57- 327 من قانون المسطرة المدنية.
[44] ينص الفصل 68- 327 من قانون المسطرة المدنية على أنه يجوز للوسيط أن يستمع إلى الأطراف وأن يقارن بين وجهات نظرهم لأجل تمكينهم من إيجاد حل للنزاع القائم بينهم.
يجوز له بعد موافقة الأطراف ولما تستلزمه الوساطة الاستماع إلى الأغيار الذين يقبلون ذلك.
يجوز له بعد موافقة الأطراف القيام أو العمل على القيام بكل خبرة من شأنها أن توضح النزاع.
يقترح الوسيط عند انتهاء مهمته، على الأطراف مشروع صلح أو بياناً عن الأعمال التي قام بها.
[45] ينص الفصل 65- 327 من قانون المسطرة المدنية على أنه يحدد الأطراف مدة مهمة الوسيط في أول الأمر دون أن تتجاوز أجل ثلاثة أشهر من التاريخ الذي قبل فيه الوسيط مهمته. غير أن للأطراف تمديد الأجل المذكور باتفاق يبرم وفق نفس الشروط المعتمدة لإبرام اتفاق الوساطة.
[46] ينص الفصل 68- 327 من قانون المسطرة المدنية على أنه يقترح الوسيط، عند انتهاء مهمته، على الأطراف مشروع صلح أو بياناً عن الأعمال التي قام بها ويحرر ذلك في وثيقة صلح تتضمن وقائع النزاع وكيفية حله وما توصل إليه وما اتفق عليه الأطراف على الشكل الذي يضع حداً للنزاع القائم بينهم يوقع الوسيط مع الأطراف وثيقة الصلح الذي توصل إليه.
وفي حالة عدم وقوع الصلح لأي سبب من الأسباب فإن الوسيط يسلم وثيقة عدم وقوع الصلح التي تحمل توقيعه للأطراف.
[47] ينص الفصل 68- 327 من قانون المسطرة المدنية على أنه يخضع الصلح الذي توصل إليه الأطراف لأجل صحته وآثاره لمقتضيات القسم التاسع بالكتاب الثاني من الظهير الشريف الصادر في 9 رمضان 1331 (12 أغسطس 1913) بمثابة قانون الالتزامات والعقود مع مراعاة مقتضيات الفصل 69- 327 بعده” وتتعلق مقتضيات الفصل 69- 327 من قانون المسطرة المدنية باكتساب الصلح في إطار الوساطة الاتفاقية لقوة الشيء المقضي وإمكانية تذييله بالصيغة التنفيذية.
[48] ينص الفصل 1105 من قانون الالتزامات والعقود على أنه يترتب على الصلح أن تنقضي نهائياً الحقوق والإدعاءات التي كانت له محلاً، وان يتأكد لكل من طرفيه ملكية الأشياء التي سلمت له والحقوق التي اعترف له بها مع الطرف الآخر.
الصلح على الدين في مقابل جزء من المبلغ المستحق، يقع بمثابة الإبراء لما بقي منه، ويترتب عليه تحلل المدين منه.
ونص الفصل 1107 من نفس القانون على أنه لا يجوز الرجوع في الصلح، ولو باتفاق الطرفين ما لم يكن قد أبرم باعتباره مجرد عقد معاوضة، وقد بين القانون المذكور حالات جواز الطعن في الصلح والفصول 1111-1113.
[49] ينص الفصل 69-327 من قانون المسطرة المدنية على أنه يكتسي الصلح فيما بين الأطراف قوة الشيء المقضي به، ويمكن أن يذيل بالصيغة التنفيذية.
لهذه الغاية، فإن رئيس المحكمة المختصة محلياً للبت في موضوع النزاع هو المختص بإعطاء الصيغة التنفيذية.
[50] ولم ينص القانون على مسطرة إيداع أصل وثيقة الصلح بالمحكمة خلال أجل معين في حين نصت مقتضيات قانون المسطرة المدنية (الفصل 327-31) على مسطرة الإيداع بالنسبة لأصل الحكم التحكيمي.
[51] في نازلة عرضت على رئيس المحكمة التجارية بالرباط، تقدم دفاع أحد الأطراف بواسطة دفاعه بطلب تذييل صلح منجز في إطار الوساطة الاتفاقية، بالصيغة التنفيذية لكن رئيس المحكمة رفض الطلب بعلة أنه ((حيث لئن أجاز المشرع في الفصل 55- 327 (ق م م) للأطراف الاتفاق على تعيين وسيط يكلف بتسهيل إبرام صلح ينهي النزاع، فإن الفقرة 62 من نفس الفصل اشترطت تحرير شرط الوساطة كتابة في الاتفاق الأصلي أو في وثيقة تحيل إليه، وأن يتضمن إما تعيين الوسيط أو الوسطاء وإما التنصيص على طريقة تعيينهم
وحيث إن الطالب لم يدل بعقد الوساطة ولا ما يفيد اتفاق الأطراف على عرض النزاع على وسيط معين أو اتفاقهم على تعيين السيد عمر الفارسي وسيطاً إذ أن عقد الوساطة الذي تم بمقتضاه تعيين الوسيط هو الوثيقة التي يستمد منها هذا الأخير صلاحيته المتمثلة في إبرام صلح لإنهاء النزاع؛ مما يبقى معه الطلب مخالفاً لمقتضيات الفصل 62- 327 من قانون المسطرة المدنية ويتعين التصريح برفضه)) أمر غير منشور.
[52] ينص الفصل 1110 من قانون الالتزامات والعقود على أنه إذا لم ينفذ أحد الطرفين الالتزامات التي تعهد بها بمقتضى الصلح، حق للطرف الآخر ان يطلب تنفيذ العقد، إذا كان ممكناً وإلا كان له الحق في طلب الفسخ، مع عدم الإخلال بحقه في التعويض في كلتا الحالتين.


