عمر بن سعيد
أستاذ مساعد – أ –
كلية الحقوق والعلوم السياسية
محام معتمد لدى المحكمة العليا ومجلس الدولة
جامعة عباس لغرور خنشلة – الجمهورية الجزائرية
المقدمة:
الخصومة القضائية هي مجموعة من الإجراءات تبدأ برفع الدعوى وتنتهي بصدور حكم. مهما كانت طبيعته ونوعه غير أن هذه الخصومة وأثناء سيرها قد لا تسير سيرا عاديا فقد تعترضها عواقب أو عوارض كما سماها قانون الإجراءات المدنية والإدارية وهي العوارض التي قد تؤدي إلى وقفها إلى حين إزالة العارض الذي اعترض سيرها ومنعها من
الوصول إلى نهايتها الطبيعية والتي هي صدور حكم فيها. ثم إعادة السير فيها أو قد يؤدي هذا العارض إلى انقضائها لأن العارض الذي اعترضها لا يجوز إزالته بالوسائل القانونية أو تصحيحه أو التنازل عنه.
هذه العوارض بنوعيها أي التي تؤدي إلى وقف الخصومة والتي تؤدي إلى انقضائها تناولها المشرع في المواد من 207 إلى 240 في الكتاب السادس من الباب الأول من القانون رقم 08-09 الصادر بتاريخ 25/02/2008 المتضمن قانون الإجراءات المدنية والإدارية الذي جعله المشرع يسري سنة بعد نشره بالجريدة الرسمية للجمهورية الجزائرية بسبب عدم وجود بعض الهياكل التي نص عليها هذا القانون والعمل على تنصيبها خلال هذه المدة وفي نفس الوقت تلاءم الأوضاع القائمة في ظل القانون القديم مع هذا القانون.
وهي العوارض التي قسمها المشرع إلى نوعان من العوارض عوارض تؤدي إلى وقف الخصومة القضائية ليعاد السير فيها بعد القيام بإجراءات إعادة السير وعوارض تؤدي إلى انقضاء الخصومة دون صدور حكم في موضوعها.
ويعود اختيارنا لهذا الموضوع كموضوع للبحث أهمته العملية والعملية وإلى كثرة المصطلحات المستعملة من طرف المشرع والتي فيها الكثير من اللبس مع المصطلحات الأخرى وأيضا إلى اختلاطها مع بعضها من حيث الآثار المترتبة عنها.
محاولة منها في الوصول إلى تحديد أهميتها العلمية والعملية وإلى إزالة اللبس الذي مس المصطلحات المستعملة وتحديدا لكل أثر منها نتناول هذه العوارض حسب الترتيب الذي أورده المشرع لها فنقسمها إلى مبحثين الأول نتناول فيه العوارض التي يترتب عليها وقف الخصومة دون صدور حكم في موضوعها ليعاد السير فيها بعد إجراءات إعادة السير في الدعوى والثاني نتناول فيه العوارض التي يترتب عليها انقضاء الخصومة بغير حكم في موضوعها.
المبحث الأول:
العوارض التي يترتب عليها وقف الخصومة
حدد المشرع في قانون الإجراءات المدنية والإدارية العوارض التي يترتب عليها وقف الخصومة بصفة مؤقتة إلى حين إزالة هذا العارض أو العوارض التي منعت الخصومة القضائية من الوصول إلى النتيجة الطبيعية التي رسمها لها القانون وهي صدور حكم فيها وبين أنواعها في المواد من 207 إلى 216 فالعوارض التي تؤدي إلى وقف الخصومة القضائية هي ضم الخصومات وفصلها انقطاع الخصومة وقف الخصومة.
وفي دراستنا للعوارض التي تؤدي إلى وقف الخصومة سنتناول هذه العوارض أي العوارض التي تؤدي إلى وقف الخصومة إلى مطلبين نتناول في المطلب الأول منها ضم الخصومات وفصلها ووقفها وفي المطلب الثاني نتناول انقطاع الخصومة.
المطلب الأول:
ضم الخصومات وفصلها وانقطاع الخصومة
جعل المشرع ضم الخصومات وفصلها وانقطاعها من عوارض الخصومة التي تمنع هذه الخصومة من الوصول إلى نهايتها. في هذا المطلب نتعرض إلى هذه العوارض في فرعين الفرع الأول نتناول فيه ضم الخصومات وفصلها وفي الفرع الثاني نتناول انقطاع الخصوم.
الفرع الأول:
ضم الخصومات وفصلها
اعتبر المشرع في المادتين 208-207 من قانون الإجراءات المدنية والإدارية ضم الخصومات وفصلها عن بعضها من عوارض الخصومة واعتبر في المادة 209 أحكام الضم أو الفصل من الأعمال الولائية وهو الوصف الذي نرى بشأنه أنه لا يتوافق مع طبيعة الخصومة القضائية التي هي مجموعة من الإجراءات القضائية تبدأ برفع الدعوى وتنتهي بحكم وعوارض الخصومة تدخل ضمن هذه الإجراءات القضائية هذا أولا، وثانيا أن وصف الحكم لا يطلق إلا على الأحكام القضائية التي تفصل في الشكل أو في الموضوع والأعمال الولائية لا تصدر بشأنها أحكام بل تصدر بشأنها أوامر ولائية عادة ما يصدرها القاضي في الجلسة وهي الأوامر التي لا تكون لها صفة الحكم وثالثا أن عوارض الخصومة بصفة عامة قد يكون فيها مساس بحقوق الأطراف الإجرائية تعطي لهم الحق في الطعن فيها بالطرق المقررة قانونا والأوامر الولائية غير قابلة للطعن وهو حكم قانوني منطقي يتماشى مع طبيعة الأوامر الولائية التي لا يكون في قضائها مساس بالحقوق الإجرائية للأطراف.
وعليه فإننا نرى أن ضم الخصومات وفصلها عن بعضها لا يعتبر حكما لأنه لم يفصل في خصومة قضائية تتعلق بالشكل أو بالموضوع ولا يدخل ضمن عوارض الخصومة لأنه لا يؤثر عن الخصومة ولا يمنعها من الوصول إلى نتيجتها الطبيعية والتي هي صدور حكم بغض النظر عن نوع وطبيعة هذا الحكم بل يأخذ حكم الأوامر الولائية التي يصدرها القاضي وهي عادة ما تصدر بالجلسة من تلقاء نفسه أو بناء على طلب الأطراف.
فهذه الأوامر ليس فيها مساس بحقوق الأطراف وما يعزز هذا القول هو موقف المشرع منها فالمشرع وصفها بالأوامر الولائية واعتبر أن الهدف منها هو حسن سير العدالة. ([1]) و([2])
الفرع الثاني: انقطاع الخصومة
انقطاع الخصومة هو وقف السير فيها بقوة القانون لتصدع أحد أركانها ([3]) ولقد بين المشرع في أحكام المادة 210 من قانون الإجراءات المدنية أسباب انقطاع الخصومة إذا لم تكن مهيأة للفصل فيها بحكم للأسباب التالية:
- تغير في أهلية التقاضي لأحد الخصوم كما لو تم الحجر على الشخص حجرا قانونيا كما هو الحال بالنسبة للمحكوم عليه بجناية المادة 14 من قانون العقوبات أو الحجر القضائي كما هو الحال بالنسبة للمجنون أو المعتوه أو السفيه أو ذي الغفلة،
- وفاة أحد الخصوم إذا كانت الخصومة قابلة للانتقال سواء كان الخصم شخص طبيعي أم معنوي الذي تنتهي شخصيته بزواله سواء حل محله شخص معنوي آخر أم لا،
- وفاة أو استقالة أو توقيف أو شطب أو تنحي المحامي إلا إذا كان التمثيل جوازيا ونشير هنا أن المشرع قد جاء بحكم جديد جعل فيه تمثيل الأطراف بمحام وجوبي في طور الاستئناف باستثناء بعض الحالات ([4]).
ويضيف الفقه إلى هذه الحالة زوال صفة من كان يباشر الخصومة عن الخصم من النائبين كما إذا انتهت صفة الوصي بعزله أو بوفاته أو برفع الحجر عن المحجور عليه ([5]).
وأساس انقطاع الخصومة في هذه الحالات التي أوردها المشرع على سبيل الحصر تمثل في استحالة مواصلة السير في نظر الدعوى والفصل فيها في مواجهة شخص غير ممثل فيها لأن الدعوى تفترض بالضرورة وجود خصمين يقوم بينهما نزاع تنظر الجهة القضائية فيما يبديه كليهما من طلبات أو دفوع وتفند ما يقدمانه ومن أدلة وأسانيد وترجح حجة كل طرف على الطرف الآخر ثم تقضي لمن كان لديه أقوى دليلا ([6]).
وعليه فإنه وتحقيقا لمبدأ المواجهة بين الخصوم يوقف سير الخصومة إذا انعدم وجود أحد الخصوم لوفاته أو لفقده لأهلية التقاضي أو لزوال صفة من كان يباشر الخصومة عنه وتظل الخصومة متوقفة حتى يعلم بها من يقوم مقام الخصم الذي توفي أو فقد أهليته أو زالت صفته. فالقاضي وبمجرد علمه بسبب انقطاع الخصومة يدعو شفاهة كل من له صفة ليقوم باستئناف السير فيها أو أن يقوم باختيار محام جديد ويمكن له دعوة الخصم الذي يعينه الأمر لاستئناف سير الخصومة عن طريق التكليف بالحضور وإذا لم يحضر الخصم المكلف بالحضور في إعادة السير في الخصومة يفصل في النزاع غيابيا تجاهه.
الفرع الثالث:
آثار انقطاع الخصومة
لم يتضمن قانون الإجراءات المدنية والإدارية الأثار القانونية التي تترتب عن انقطاع الخصومة وأمام هذا السكوت فإنه يتعين علينا الرجوع إلى ما توصل إليه الفقه الذي يرى أن انقطاع الخصومة يؤدي إلى وقف جميع مواعيد الإجراءات التي كانت سارية في حق الخصوم قبل تعرض الخصومة للانقطاع وبطلان كل الأحكام التي تصدر بعد تقرير الانقطاع وقبل مواصلة السير في الخصومة وكذلك الإجراءات التي تحصل أثناء تعرض الخصومة للانقطاع ([7]). وهي الأثار التي تبقى قائمة إلى غاية زوال سبب الانقطاع كتعيين قيم للخصم الذي تعرض للحجر أو تعيين محام في القضايا التي يكون فيها التمثيل وجوبي.
المطلب الثاني:
وقف الخصومة وأنواعه
وقف الخصومة يعني عدم السير فيها لسبب قانوني أو قضائي أو اتفاقي في هذا المطلب نتعرض في الفرع الأول إلى تحديد مفهوم وقف الخصومة وإجراءاته وفي الفرع الثاني نتعرض إلى أنواع وقف الخصومة.
الفرع الأول:
وقف الخصومة وإجراءاته
يقصد بوقف الخصومة عدم السير فيها ومنعها من الوصول إلى نهايتها بسبب ما طرأ عليها أثناء نظرها وسيرها سبب من أسباب وقف الخصومة التي هي أسباب متعددة قد تكون مصدرها نص القانون أو حكم القضاء أو قد يتفق الخصوم على إيقافها.
هذه الأسباب سواء القانونية أو القضائية أو الاتفاقية تناولها المشرع في المواد من 213 إلى 219 من قانون الإجراءات المدنية والإدارية فعرف الوقف بأنه إرجاء للفصل في الخصومة القضائية أو شطبها من الجدول وهو الإرجاء أو الشطب الذي يتم بناء على طلب الخصوم أو بأمر من القاضي.
الفقرة الأولى: آثر الوقف
يؤثر وقف الخصومة على سيرها وليس على قيامها فالخصومة رغم الوقف تعتبر قائمة أمام القضاء فتبقى عريضة افتتاح الدعوى منتجة لآثارها كما يبقى صحيحا كل ما تم من إجراءات في الخصومة قبل تقرير وقف السير فيها لكنها تبقى راكدة ومتوقفة أمام الجهة القضائية التي عرضت عليها فلا يجوز اتخاذ أي إجراء فيها خلال مدة الوقف ([8]).
الفقرة الثانية: انتهاء الوقف وإعادة السير في الخصومة
يزول الوقف بزوال سببه فإذا كان الوقف بنص القانون كالوقف بسبب رد القاضي زال الوقف بالحكم في طلب الرد وإذا كان الوقف عقابا لأحد الخصوم زال الوقف بسبب الإجراء الذي شطبت القضية من الجدول بسببه وإذا كان الوقف باتفاق الخصوم زال بعد انتهاء المدة التي اتفق الخصوم عليها عن طريق إعادة السير فيها بموجب عريضة افتتاحية تقدم للجهة القضائية التي أمرت بوقف الخصومة.
غير أننا نرى أن استعمال المشرع لمصطلح عريضة افتتاح الدعوى في المادة 217 من قانون الإجراءات المدنية ([9]) هو مصطلح خاطئ لأن عريضة افتتاح الدعوى هي وسيلة أوجدها القانون لمن له مصلحة للجوء إلى القضاء للمطالبة بالحق أو بتوفير الحماية القانونية له وبالتالي كان على المشرع أن يستعمل مصطلح إعادة السير في الدعوى حتى يجل النص منسجما مع القصد الذي أراده المشرع وثانيا أن رفع الدعوى وتسجيلها بأمانة ضبط المحكمة لا يؤدي إلى انعقاد الخصومة فالخصومة القضائية لا تنعقد إلا بتبليغ الخصم بالدعوى وتكليفه تكليفا قانونيا بالحضور إلى الجلسة المحددة لنظريها.
الفرع الثاني:
أنواع وقف الخصومة
الفقرة الأولى: الوقف القانوني
ويقصد به ذلك الوقف الذي يرتبه القانون بنص بحيث تنعدم فيه سلطة الجهة القضائية في تقدير وقف السير في الدعوى أو عدم وقفها أي أن الوقف يتم بقوة القانون متى قام سبب من الأسباب التي نص عليها القانون دون حاجة لصدور حكم يقرره ومن الأمثلة على الوقف بقوة القانون ما نصت عليه المادة 245 من قانون الإجراءات المدنية والإدارية ([10]) التي توجب على القاضي المطلوب رده أن يمتنع عن الفصل في القضية إلى حين الفصل في طلب الرد وأيضا ما نصت عليه المادة الرابعة من قانون الإجراءات الجزائية ([11]) من وجوب وقف السير في الدعوى المدنية إلى حين الفصل النهائي في الدعوى العمومية إذ تعتبر في هذه الحالة الدعوى العمومية مانعا قانونيا يحيل دون متابعة السير في الدعوى المعروضة علي الجهات القضائية المدنية شريطة أن ترطبان الدعوى العمومية والدعوى المدنية عن فعل واحد([12]).
وأيضا ما نصت عليه المادة 580 من قانون الإجراءات المدنية والإدارية التي جعلت الخصومة تتوقف أمام المحكمة العليا في القضايا التي لم تضع في المداولة في حالتين هما وفاة أحد الخصوم أو وفاة أو استقالة أو توقيف أو شطب أو تنحية المحامي ([13]).
الفقرة الثانية: الوقف القضائي
يتم الوقف في هذه الحالة بحكم أو قرار من الجهة القضائية بحيث يكون للقضاء السلطة التقديرية في الحكم أو عدم الحكم به ولا تعتبر الخصومة موقوفة إلا من تاريخ صدور الحكم بالوقف ([14]).
وتوقف الخصومة بحكم أو قرار قضائي في حالتين حالة إرجاء الفصل وحالة الوقف الجزائي الذي يوقع على الخصم الذي امتنع عن تنفيذ الإجراء الذي كلفه به القضاء وهي الحالة التي سماها المشرع في قانون الإجراءات المدنية والإدارية بالشطب من الجدول.
الحالة الأولى: يتم إرجاء الفصل في هذه الحالة بناء على طلب أحد الخصوم بأمر قابل للاستئناف في أجل عشرون يوم تسري ابتداء من تاريخ صدور الأمر وتطبق بشأنه وبشأن إجراءات الفصل فيه القواعد المقررة في مواد الاستعجال.
ومتى قضت الجهة القضائية بإرجاء الفصل في الدعوى اعتبر حكمها قطعيا لا يجوز لها الرجوع فيه إلا إذا زال سبب الإرجاء ولكن يجوز للجهة التي تعلوها أن تغير من منطوق هذا الأمر بالإلغاء أو التعديل.
الحالة الثانية: وهي الحالة التي يسميها الفقه بالوقف الجزائي التي أجاز فيها المشرع للجهة القضائية أن تأمر بشطب القضية من الجدول بسبب عدم القيام بالإجراءات الشكلية المنصوص عليها في القانون أو تلك التي أمرت بها هذه الجهة القضائية ([15]).
وخلافا لحالة الإرجاء فإن المشرع قد اعتبر الأمر بالشطب من الأمور الولائية التي لا يجوز الطعن فيها بالطرق المقررة ولكن أجاز للخصوم ([16]) وبعد زوال سبب الشطب أي بعد القيام بالإجراء المطلوب يعاد السير في الخصومة بموجب عريضة افتتاح دعوى تودع بأمانة ضبط الجهة القضائية.
غير أننا نرى وبخصوص المادة 219 أن اعتبار حكم الشطب من الأعمال الولائية هو حكم فيه مساس بحقوق الأطراف في بعض الحالات كالحالة التي يتعدد فيهم الخصوم فيقوم المدعي أو المستأنف بتبليغ كل الخصوم ويكلفهم بالحضور باستثناء خصم واحد ففي هذه الحالة فإننا نرى أن الخصومة قد انعقدت بالنسبة للخصوم المبلغون بالخصومة والمكلفون بحضورها وبالتالي فإن جزاء الشطب بالنسبة للطرف الغير مبلغ يجب أن لا يمتد لباقي الخصوم الذين كلفوا بالحضور تكليفا صحيحا وتقدموا بمذكراتهم التي قدموا أوجه دفاعهم.
الفقرة الثالثة: الوقف الاتفاقي
وهي الحالة التي أجاز فيها المشرع للخصوم الاتفاق على وقف الخصومة وعدم السير فيها. ومن الأمثلة على الوقف الاتفاقي شروع الخصمين في إجراءات الصلح بعيدا عن ساحات القضاء أو الاتفاق على فض النزاع القائم بينهما عن طريق التحكيم فيلتمسان من القضاء الأمر بوقف الخصومة القائمة بينهما بصفة مؤقتة.
ولقد اشترط الفقه لوقف الخصومة بناء على اتفاق الخصوم شرطان الأول أن يتفق جميع الخصوم على الوقف لأن الوقف في هذه الحالة يتم لتحقيق مصلحة مشتركة لجميع الخصوم والثاني أن تقر الجهة القضائية هذا الاتفاق حتى تراقب مدى توافر شروطه ومدى ملاءمته باعتبار أن الوقف هنا ليس بمشيئة الخصوم وإنما للقاضي سلطة تقديرية في تقريره.
ولقد اعتبر المشرع هذا النوع من الوقف شطب للقضية من الجدول يصدر في شكل أمر ولائي غير قابل للطعن بالطرق المقررة قانونا.
المبحث الثاني:
العوارض التي يترتب عليها انقضاء الخصومة دون صدور حكم في موضوعها
خلافا للعوارض التي تؤدي فقط إلى وقف الخصومة فإن المشرع بين في قانون الإجراءات المدنية العوارض التي تؤدي إلى انقضاء الخصومة القضائية بصفة نهائية دون وصول هذه الخصومة إلى نهايتها الطبيعية فجعلها تنقضي بالصلح أو بالقبول بالحكم أو بالتنازل عن الدعوى أو بوفاة أحد الخصوم ما لم تكن الدعوى قابلة للانتقال وبالسقوط أو التنازل عن الخصومة وهي العوارض التي تناولها في المادتين 22-220ونتناول في هذا المبحث كل عارض من هذه العوارض فنتناول في المطلب الأول من هذا المبحث الصلح والقبول بالطلبات وبالحكم وفي المطلب الثاني نتناول التنازل عن الدعوى أو وفاة احد الخصوم وسقوط الخصومة والتنازل عنها.
المطلب الأول:
الصلح والقبول بالطلبات وبالحكم
أحيانا يبادر الخصوم أو أحدهما إلى إنهاء الخصومة عن طريق اتفاقهما على الصلح أو عن طريق قبول أحدهما بطلبات خصمه أو بالحكم الصادر في الدعوى قبل صدوره وهي حالات اعتبرها المشرع من العوارض التي تؤدي إلى انقضاء الخصومة وهي العوارض التي نتناولها في فرعين الفرع الأول نتناول فيه الصلح والفرع الثاني نتناول فيه القبول بالطلبات والحكم.
الفرع الأول: الصلح
اعتبر المشرع في المادة 459 من القانون المدني الصلح عقد ينهي به الطرفان نزاعا قائما أو يتوقعان به نزاعا محتملا بأن يتنازل كل منهما على وجه التبادل عن حقه وجعل المشرع لآثار هذا الصلح أنه ينهي النزاع ويترتب عليه سقوط الحقوق والادعاءات التي تنازل عنها أحد الطرفين بصفة نهائية ([17]) و([18]).
فمتى وقع صلح بين الخصوم اعتبر هذا الصلح كاشفا ومنهيا للخصومة وبالتالي فهو يؤدي إلى انقضائها غير أننا وكما نبينه فيما بعد لا نرى الصلح عارضا من عوارض الخصومة.
والصلح قد يقع خارج دار القضاء وفي هذه الحالة فإننا أننا نرى أنه لا يوجد ما يمنع قضاة الموضوع بالإشهاد على صحته خاصة أن المشرع قد اعتبر عقد الصلح من العقود الرضائية بعد سكوته عن تحديد الشكل القانوني الذي يفرغ فيه هذا العقد.
إما إذا وقع داخل دار القضاء فإن هذا الصلح يتم بمبادرة من قاضي الموضوع الذي أجاز له المشرع في المادة الرابعة من قانون الإجراءات المدنية والإدارية إجراء الصلح بين الأطراف أثناء السير في الخصومة في أية مادة كانت ([19]).
ولكن هل يعتبر فعلا الصلح عارضا من عوارض الخصومة كما ذهب إلى ذلك المشرع في الباب السادس من الكتاب الأول من قانون الإجراءات المدنية والإدارية خاصة أن العارض كما هو معروف عند رجال الفقه هو كل ما يؤدي إلى انقضاء الخصومة دون صدور حكم في موضوعها للجواب على ذلك فإننا نرى أن الصلح الذي يتم بين الخصوم سواء خارج دار القضاء أو بمبادرة من القضاء يعتبر حكما يؤدي إلى انقضاء الخصومة ولكن بحكم في موضوعها خلافا لما ذهب إليه المشرع وليس عارضا من عوارضها لماذا؟ لأن الصلح كما بينه المشرع في المادة 459 من القانون المدني وما استقر عليه قضاء المحكمة العليا في عدة قرارات له ([20]) هو عقد ينهي به الطرفان نزاعا قائما أو يتوقعان به نزاعا محتملا.
وذلك بأن يتنازل كل منهما على وجه التبادل عن حقه وهو ينهي النزاعات التي يتناولها ويترتب عليه إسقاط الحقوق والادعاءات التي تنازل عنها أحد الطرفين بصفة نهائية وفقا للمادة 462 من نفس القانون.
فالصلح إذن يؤدي إلى انقضاء الخصومة وهو نتيجة طبيعية للخصومة القضائية عن طريق حكم يصدر في موضوعها بناء على اتفاق الخصوم على المسائل التي يتناولها أو بسعي من القاضي.
وما يؤكد اتجاهنا أن المشرع اعتبر محاضر الصلح أو الاتفاق في المادة 600 من قانون الإجراءات المدنية والإدارية المؤثر عليها من طرف القضاة والمودعة بأمانة ضبط الجهة القضائية من السندات التنفيذية التي تنفذ جبرا على المدين فيها ([21]) واستنادا إلى هذا الرأي نؤكد مرة أخرى أن الصلح إذا كان يعد سببا لانقضاء الخصومة فإن هذا السبب ليس عارضا من عوارض الخصومة بل هو سبب يؤدي إلى الحسم في موضوع النزاع عن طريق الصلح المتفق عليه.
الفرع الثاني:
القبول بالطلبات وبالحكم
أولا: القبول بالطلبات
اعتبر المشرع في المادة 237 من قانون الإجراءات المدنية والإدارية القبول بالطلبات والحكم تنازل من أحد الخصوم عن حقه في الاحتجاج على طلبات خصمه أو على حكم سبق صدوره بينهما وهو القبول الذي قد يكون قبولا جزئيا ينصب على جزء أو أجزاء معينة من موضوع النزاع أو قد يكون كليا يشمل كل موضوع النزاع ([22]).
هذا القبول اعتبره المشرع اعترافا بصحة ادعاءات الخصم وتخليا وفي نفس الوقت من المدعى عليه ما لم يطعن هذا الأخير لاحقا في ([23]).
ثانيا: القبول بالحكم
اعتبر القبول بالحكم المشرع تنازلا من الخصوم أو أحدهم عن ممارسة حق الطعن وهو التنازل الذي لا يمنع الطرف الآخر من ممارسة هذا الحق إلا إذا تنازل هو الأخر ([24]).
واشترط المشرع في المادة 240 من نفس القانون أن يكون التعبير عن القبول بالحكم صراحة ودون لبس وأن يتم أمام القاضي أثناء سير الدعوى وقبل صدور الحكم أو أمام المحضر القضائي وقت التنفيذ ([25]).
وخلافا لما ذهب إليه المشرع فإننا نعتقد أن التعبير عن القبول بالحكم هو تصرف يجب أن يصدر أثناء الخصومة أو عند تبليغ الحكم وأثناء سير مواعيد الطعن بالطرق العادية لا أثناء وقت التنفيذ كما ذهب إلى ذلك المشرع في المادة 240 السالفة الذكر لأن التعبير عن القبول بالحكم في هذه المرحلة لا قيمة له ولا يعتد بموقف المنفذ عليه منه باعتبار أن مواعيد الطعن قد استنفذت أمامه وأن الحكم موضوع التنفيذ ينفذ جبرا عنه بجميع طرق التنفيذ المبينة في قانون الإجراءات المدنية والإدارية.
نتمنى أن يستدرك المشرع هذا الغموض عن طريق تعديل نص المادة 240 المشار إليها عن طريق النص بأن التعبير عن القبول بالحكم يتم أمام القاضي أثناء نظر الخصومة أو إما المحضر القضائي وقت التبليغ بالحكم أو القرار الصادر في الدعوى أو أثناء سريان مواعيد الطعن بالطرق العادية.
المطلب الثاني:
التنازل عن الدعوى أو وفاة أحد الخصوم وسقوط الخصومة والتنازل عنها
سنتناول في هذا المطلب فرعين كالآتي:
الفرع الأول:
التنازل عن الدعوى أو وفاة أحد الخصوم
أولا: التنازل عن الدعوي
اعتبر المشرع في المادة 220 من قانون الإجراءات المدنية والإدارية التنازل عن الدعوى سببا لانقضائها غير أنه جعل هذا النوع من التنازل يختلف عن التنازل عن الخصومة وهو التنازل المعبر عنه فقها بترك الخصومة ([26]) و([27]).
غير أننا لا نرى مبررا لوجود نظام التنازل عن الدعوى الذي أشارت له المادة 220 أبعد أن أوجد المشرع نظام التنازل عن الخصومة الذي كان معروفا في ظل قانون الإجراءات المدنية السابق بنظام ترك الخصومة ([28]) إلا إذا كان المشرع يقصد من الدعوى هنا التنازل عن الحق ففي هذه الحالة أي التنازل عن الحق فإننا نرى أنه يتعين عن المشرع تغيير المصطلح المستعمل من طرفه باعتبار أن مصطلح الدعوى ينصرف إلى الطلب القضائي كوسيلة خولها المشرع لصاحب الحق في اللجوء إلى القضاء للمطالبة بحقه.
أما إذا كان يقصد بالتنازل عن الدعوى التنازل عن الإجراء باعتبار أن الدعوى كما هو معروف هو الطلب القضائي الذي يتقدم به المدعي أمام القضاء ([29]) وما بعدها من نفس القانون ففي هذه كان على أن يسير إلى أن هذا التنازل لا يمنع المدعي من إعادة رفع الدعوى من جديد كما فعل عند تناوله لموضوع التنازل عن الخصومة.
ثانيا: وفاة أحد الخصوم
في هذه الحالة فرق المشرع بين قابلية الخصومة للانتقال وعدم قابليتها للانتقال ففي الحالة الأولى لا تعد الوفاة سببا من أسباب انقضاء الخصومة القضائية كالخصومة التي يكون المورث قد عرضها على القضاء قبل وفاته طالبا فيها التعويض عن الأضرار الجسمانية التي أصابته من جراء حادث مرور فإذا حدثت الوفاة بعد أن عبر المورث عن إرادته في المطالبة بالتعويض تصبح الدعوى قابلة للانتقال إلى الورثة غير أنه إذا كان الحق من الحقوق هو حق شخصي غير قابل للانتقال ففي هذه الحالة اعتبر المشرع وفاة أحد الخصوم سببا من أسباب انقضاء الخصومة.
الفرع الثاني:
سقوط الخصومة والتنازل عنها
الفقرة الأولى: سقوط الخصومة
- تعريف السقوط
سقوط الخصومة هو زوالها واعتبارها كأن لم تكن نتيجة تخلف أحد الخصوم عن القيام بالمساعي اللازمة فهي إذن جزاء يوقع علي المدعي أو الخصم عقابا له نتيجة تخلفه عن تنفيذ الأمر أو الحكم أو القرار بالقيام بالمسعى وأهمل القيام به خلال المدة المقررة للقيام بهذا المسعى كالحكم القاضي قبل الفصل في الموضوع بتعيين خبير.
- شروط الحكم بسقوط الخصومة
لقد اشترط المشرع لقيام حق الخصم الآخر في المطالبة بالسقوط أو الدفع به عدة شروط هي: - أن يكون سبب عدم السير في الخصومة بفعل الخصم أو امتناعه والمقصود بالخصم هو المدعي أو الخصم المكلف من طرف القضاء بالقيام بالمساعي اللازمة.
وتنفيذا لهذا الشرط فإنه لا محل للقضاء بتوقيع هذا الجزاء إذا كان عدم السير في الدعوى ليس مرجعه المدعي أو الخصم المكلف بالمسعى وإنما سببه وجود مانع مادي أو قانوني أو كان سببه المدعى عليه -الشخص غير المكلف بالمسعى -،
- أن يستمر عدم السير في الخصومة مدة سنتين تحسب من تاريخ صدور الحكم أو القرار أو الأمر القاضي بتكليف أحد الخصوم بالقيام بالمساعي المتمثلة في كل الإجراءات التي تتخذ بهدف مواصلة السير في الدعوى كاستخراج نسخة من الحكم أو الأمر أو القرار القاضي بالإجراء المطلوب تنفيذه وتقديم هذا الحكم أو الأمر أو القرار لدى من يجب.
وينقطع سريان أجل سقوط الخصومة بأحد الأسباب المنصوص عليها في المادة 210من قانون الإجراءات المدنية المتمثلة في تغيير أهلية الخصوم أو وفاة أحدهم إذا كانت الخصومة قابلة للتنازل،
- أن لا يتخذ في خلال السنتين أي إجراء يقصد به متابعة السير في الخصومة فأي إجراء قام به المدعي أو الشخص المكلف بالمسعى يؤدي إلى قطع مدة السنتين المسقطة للخصومة شريطة أن يكون هذا الإجراء قانوني وصحيح وأن يكون متعلقا بالخصوم المراد إسقاطها وأن يكون القصد منه المضي بالخصومة نحو الفصل فيها.
- إجراءات السقوط
لا يتقرر السقوط بقوة القانون ولا يجوز للقاضي إثارته تلقائيا بل يجب تقديمه من قبل الخصوم إما عن طريق دعوى يقوم برفعها من له مصلحة في طلب السقوط ترفع وفقا للإجراءات المقرر لرفع الدعوى أو عن طريق دفع يثيره من له مصلحة أيضا قبل أية مناقشة في الموضوع ([30]).
ويشترط لقبول دعوى السقوط أو الدفع الرامي إلى ذلك أن تكون المدة المقررة للسقوط قد اكتملت فلا يمكن تقديم هذه الدعوى أو هذا الدفع بالسقوط قبل انقضاء مدته.
- آثار سقوط الخصومة
لقد فرق المشرع بين انقضاء الخصومة بالسقوط أمام المحكمة وبين انقضائها أمام المجلس وبين انقضائها بعد صدور حكم إحالة عن المحكمة العليا.
- سقوط الخصومة أمام المحكمة
لقد فرق المشرع بين حالتين حالة دعوى جديدة لم يسبقها حكم غيابي وحالة وجود حكم غيابي مطعون فيه بالمعارضة:
- حالة عدم وجود حكم غيابي له صفة الإلزام
في هذه الحالة يترتب على سقوط الخصومة أمام المحكمة زوالها وإلغاء جميع إجراءاتها من تاريخ رفعها إلى القضاء إلى غاية تاريخ صدور الحكم القاضي بسقوطها مع بقاء حق المدعي قائما في إعادة عرض دعواه من جديد على القضاء بدعوى جديدة وبإجراءات جديدة.
- حالة وجود حكم غيابي له صفة الإلزام
في حالة وجود حكم غيابي له صفة الإلزام وبعد الطعن بالمعارضة فيه صدر حكم يقضي بإجراء من الإجراءات فإن سقوط هذا الحكم أي الحكم الذي فصل في المعارضة يؤدي إلى جعل الحكم الغيابي قد حاز قوة الشيء المقضي به ولو لم يتم تبليغه.
أما إذا كان الحكم الغيابي المطعون فيه بالمعارضة ليست له صفة الإلزام كالحكم الغيابي القاضي مثلا وقبل الفصل في الموضوع بتعيين خبير فإن هذا الحكم وبمفهوم المخالفة هو الآخر يسقط وينعدم آثاره.
- سقوط الخصومة في مرحلة الاستئناف
إذا تقرر السقوط في مرحلة الاستئناف حاز الحكم المطعون فيه بالاستئناف قوة الشيء المقضي به ويصبح قضاؤه واجب التنفيذ حتى ولو لم يتم تبليغه رسميا فلا يجوز بعد ذلك استئنافه من جديد ولو كان ميعاد الاستئناف مازال قائما. - سقوط الخصومة بعد النقض
خلافا لما كان منصوص عليه في قانون الإجراءات المدنية السابق جعل المشرع في المادة 229 من قانون الإجراءات المدية والإدارية ([31]) أجل السقوط المنصوص عليه في المادة 223 من نفس القانون في حالة صدر قرار عن المحكمة العليا يقضي بالنقض وبالإحالة يسري ابتداء من تاريخ صدر هذا القرار.
واستنادا إلى هذا النص فإنه في حالة نقض قرار كان قد تم الطعن فيه بالنقض فإن هذا القرار قد أصبح في حكم العدم ويصبح الحكم المستأنف هو الواجب التنفيذ إذا سكت المدعي في الطعن بالنقض عن إعادة السير في الدعوى بعد النقض لمدة تفوق السنتين تسري ابتداء من تاريخ صدور قرار الإحالة.
الفقرة الثانية: التنازل عن الخصومة
التنازل عن الخصومة معناه تنازل المدعي عن الخصومة مع احتفاظه بأصل الحق الذي يدعيه ([32]) أو هو إمكانية مخولة للمدعي تسمح له بإنهاء الخصومة دون صدور حكم في موضوعها ولا يترتب عليه التخلي عن الحق ويتم التعبير عن هذا التنازل إما كتابة أو بتصريح يثبت بمحضر يحرره رئيس أمناء الضبط بموجب المادة 231 من قانون الإجراءات المدنية والإدارية. ويحدث التنازل عن الخصومة مثلا إذا قدر المدعي أنه تسرع في رفع دعواه قبل أن يهيئ لها من وسائل الإثبات الكافية التي تجعل القضاء يستجيب لدعواه فيتنازل عن الخصومة ليجدد المطالبة بها متى استكمل جمع أدلة إثباته أو يتبين له بعد رفعها أنه رفعها بإجراءات غير صحيحة أو أنه رفعها أمام محكمة غير مختصة.
وإذا كان الأصل أن التنازل يتم بإرادة المدعي وحده باعتباره رافع الدعوى وصاحب المصلحة في تقدير استمرار السير فيها أو التنازل عنها فإن المشرع لم يجعل التنازل عن الخصومة معلقا دائما على محض إرادة المدعي ليتفادى ما قد يضار به المدعى عليه الذي قد تكون مصلحته في عدم التنازل عن الخصومة ومواصلة السير والفصل فيها بحكم ينهي النزاع القائم بينه وبين المدعي.
لذلك نصت المادة 232 من نفس القانون ([33]) بأن تنازل المدعي عن الخصومة يكون معلقا على قبول المدعى عليه إذا قدم هذا الأخير عند التنازل طلبا مقابلا أو استئنافا فرعيا أو دفوعا بعدم القبول أو دفوعا في الموضوع.
على أن رفض التنازل المقدم من طرف المدعى عليه يجب أن يؤسس على أسباب مشروعة وإلا اعتبر هذا الرفض غير مؤسس من الناحية القانونية كا نصت على ذلك المادة 233من نفس القانون ([34]).
لقد فرق المشرع بخصوص التنازل عن الخصومة بين التنازل الذي يتم أمام المحكمة وبين التنازل الذي يتم أمام المجلس وبين التنازل الذي يتم أمام المحكمة العليا.
- التنازل عن الخصومة أمام المحكمة
يترتب على التنازل عن الخصومة أمام المحكمة زوالها وإلغاء جميع إجراءاتها وكافة ما ترتب عليها من آثار وبعبارة أخرى يعيد التنازل عن الخصومة الخصوم إلى الحالة التي كانوا عليها قبل رفع الدعوى ويحكم على المدعي بالمصاريف القضائية وعند الاقتضاء بالتعويضات المطلوبة من المدعى عليه ما لم يوجد اتفاق مخالف ([35]).
غير أن التنازل الذي يأتي بعد معارضة في حكم غيابي يجعل التنازل عن المعارضة يتعلق فقط بالمعارضة التي انصبت عليه عريضة الطعن بالمعارضة وبالمقابل يجعل الحكم المعارض فيه واجب التنفيذ.
غير أن المشرع بين في الفقرة الثانية من المادة 236 المشار إليها ([36]) أن التنازل عن الخصومة لا ينتج أثره إذا عارضه أحد الخصوم أو قام باستئناف الحكم القاضي به وهي الحالة التي يعارض فيها الخصم طلب التنازل ويقدم طلب أو طلبات مقابلة كطلب التعويض عن المقاضاة التعسفية أو طلب الفصل في إحدى عناصر الدعوى أو كل عناصرها
- التنازل عن الخصومة أمام المجلس
التنازل عن الخصومة بعد الطعن بالاستئناف يجعل الحكم المطعون فيه بالاستئناف واجب التنفيذ فالتنازل عن الاستئناف يعتبر قبولا بالحكم المستأنف المادة 236من نفس القانون.
- التنازل عن الخصومة أمام المحكمة العليا
في حالة التنازل عن الطعن بالنقض أمام المحكمة العليا فإن المشرع قد فرق بين حالتين:
- الحالة التي لم يقدم المطعون ضده مذكرة جواب أو إذا أودعها ولم يعترض عن التنازل عن الطعن بالنقض
في هذه الحالة فإن هذا التنازل يثبت بأمر من رئيس الغرفة المختصة ([37]) دون حاجة إلى صدور قرار عن الغرفة المختصة.
- حالة اعتراض المطعون ضده عن التنازل
في هذه الحالة، فإنه يتم الفصل في التنازل بقرار يقضي بتثبيت التنازل تصدره الغرفة المختصة ([38]).
وفي كلتا الحالتين يعد الأمر الصادر عن السيد رئيس الغرفة المختصة أو القرار الذي يثبت التنازل الصادر عن الغرفة بمثابة قرار بالرفض ([39]) وبالتالي يعتبر بمفهوم هذا النص القرار أو الحكم المطعون فيه بالنقض واجب التنفيذ.
الخاتمة
الدعوى هي وسيلة خولها المشرع لصاحب الحق للمطالبة بحقه أو بحمايته غير أن هذه الدعوى وبمجرد رفعها وتبليغ المدعى عليه بها وتكليفه لحضور الجلسات التي تعرض فيها أمام القضاء تعترضها أي ابتداء من انعقاد الخصومة فيها تعترضها عقبات تمنعها من الوصول إلى نهايتها المتمثلة في حكم صادر في الدعوى استنادا إلى مبدأ أن كل دعوى يجب أن تنتهي بحكم مهما كان نوع هذا الحكم حكم صادر في الشكل أو صادر في الموضوع حكم قطعي أو حكم صادر قبل الفصل في الموضوع.
هذه العقبات منها ما يؤدي فقط إلى وقف الخصومة لسبب من الأسباب وهو وقف مؤقت يزول بعد زوال سببه ويعاد السير فيها بهدف الوصول بها إلى غاية نهائيتها وعوارض تؤدي إلى انقضائها نهائيا لسبب من أسباب الانقضاء المبينة قانونا والتي قد يكون سببها الخصوم أو القانون أو القضاء.
غير أننا نلاحظ أن قانون الإجراءات المدنية والإدارية في ثوبه الجديد قد تضمن عدة تناقضات وهو أمر طبيعي في كل قانون من صنع البشر لا تظهر أخطائه أو التناقضات الواردة فيه إلا بتطبيقه على الواقع وهذا القانون وبعد الشروع في تطبيقه وبعد مرور حوالي ثلاث سنوات على هذا الشروع في التطبيق ظهرت مجموعة من التناقضات والاختلافات تتوجب على المشرع التدخل لإزالة ما هو مناقض منها وتصحيح ما يجب تصحيحه حتى يتجانس هذا القانون مع الواقع.
من أجل ذلك حاولت من خلال هذا البحث المختصر إعطاء بعض التوصيات التي أراها ضرورية لتعديل بعض النصوص المتعلقة بالعوارض التي تؤدي إلى وقف الخصومة وأيضا بالعوارض التي تؤدي إلى انقضاء الخصومة:
– بالنسبة للعوارض التي تؤدي إلى وقف الخصومة:
- عدم استعمال مصطلح الحكم في بعض العوارض باعتبار أن مدلول الحكم هو كل ما يصدر عن القضاء من أحكام فاصلة في دفوع متعلقة بالشكل أو بالموضوع أو قبل صدور الحكم فعلى المشرع استعمال مصطلح الأمر حتى ينسجم المصطلح مع النص الذي يعتبر هذه العوارض من الأوامر الولائية التي اعتبرها صراحة أنها غير قابلة لأي طريق من طرق الطعن فيه كالحكم بعدم الاختصاص أو الحكم بعدم قبول الدعوى أو الحكم قبل الفصل في الموضوع بتعيين خبير أو حكم صادر في الموضوع.
- لا يعتبر الأمر بضم الخصومة أو فصل الخصومات حكم بل هو مجرد أمر ولائي يأمر به القاضي بالجلسة نفسها وعلى ظهر ملف الدعوى يأمر فيه بضم أو فصل الخصومات عن بعضها البعض دون اللجوء إلى إصدار حكم باعتبار هذا المصطلح لا يعتبر ولا يمكن اعتباره من الأعمال الولائية.
– بالنسبة للعوارض التي تؤدي لانقضاء الخصومة:
- نعتقد أن الصلح لا يعتبر من عوارض الخصومة لأنه ينتهي بحكم فالقاضي يقضي للخصوم بالإشهاد بالصلح لهما ويأمر بإيداعه بأمانة ضبط الجهة القضائية ليصبح بعد ذلك سند تنفيذي وهو ما نصت عليه المادة 600من قانون الإجراءات المدنية والإدارية فهو إذن منهيا للنزاع بصدور حكم يقضي بالإشهاد بوقوع هذا الصلح،
- ضرورة تعديل نص المادة 240 من قانون الإجراءات المدنية والإدارية وجعل القبول بالحكم يكون أثناء نظر الخصومة أو أثناء سريان مواعيد الطعن بالمعارضة أو الاستئناف باعتبار أن إرادة الخصم منعدمة أثناء مرحلة التنفيذ فهو ملزم بتنفيذ الحكم موضوع التنفيذ وإلا اجبر على ذلك بكافة الطرق القانونية،
- حذف التنازل عن الدعوى كسبب من أسباب انقضاء الدعوى والاكتفاء بالتنازل عن الخصومة باعتبار أن التنازل عن الدعوى له نفس المدلول الذي أعطاه المشرع للتنازل عن الخصومة.
هي مجموعة من التوصيات التي اقترحها تتعلق بعوارض الخصومة بصفة عامة أتمنى أن يراعيها المشرع أثناء التعديلات التي قد يجريها على قانون الإجراءات المدنية والإدارية.
[1] تنص المادة 207 من قانون الإجراءات المدنية والإدارية على أنه “إذا وجد ارتباط بين خصومتين أو أكثر معروضة أمام نفس القاضي جاز له لحسن سير العدالة ضمها من تلقاء نفسها أو بطلب من الخصوم والفصل فيها بحكم واحد”.
[2] تنص المادة 208 من قانون الإجراءات المدنية والإدارية على أنه “يمكن للقاضي ولحسن سير العدالة أن يأمر بفصل الخصومة إلى خصومتين أو أكثر”.
[3] ينظر احمد السيد صاوي: شرح قانون المرافعات المدنية والتجارية، دار النهضة العربية بالقاهرة، جمهورية مصر العربية، طبعة 2005، ص .669.
[4] تنص المادة 10 من قانون الإجراءات المدنية والإدارية على أن: “تمثيل الخصوم بمحام وجوبي أمام جهات الاستئناف والنقض ما لم ينص القانون على خلاف ذلك”.
[5] يراجع احمد السيد الصاوي، مرجع سابق، ص.669.
[6] يراجع أحمد السيد الصاوي، نفس المرجع، نفس الصفحة.
[7] يراجع احمد السيد الصاوي، المرجع السابق، ص. 657.
[8] يراجع أحمد السيد الصاوي، نفس السابق، ص .658.
[9] تنص المادة 245 من قانون الإجراءات المدنية والإدارية على أنه “يجب على القاضي المطلوب رده أن يمتنع عن الفصل في القضية إلى حين الفصل في طلب الرد”.
[10] تنص المادة 4 من قانون الإجراءات الجزائية على ما يلي: “. . .غير أنه يتعين أن ترجئ المحكمة المدنية الحكم في تلك الدعوى المرفوعة أمامها لحين الفصل نهائيا في الدعوى العمومية إذا كانت قد حركت”.
[11] تنص المادة 580 من قانون الإجراءات المدنية والإدارية على أنه: “تتوقف الخصومة في القضايا التي لم توضع في المداولة في حالة:
– وفاة أحد الخصوم،
– وفاة أو استقالة أو توقيف أو تشطيب أو تنحية المحامي.
[12] ينظر رمزي سيف: شرح قانون المرافعات المدنية والتجارية، دار النهضة العربية بالقاهرة، جمهورية مصر العربية، طبعة 1975، ص، 670.
[13] تنص المادة 219 من قانون الإجراءات المدنية والإدارية على أنه “عد الأمر بشطب القضية من الأعمال الولائية وهو غير قابل لأي طعن”.
[14] تنص المادة 216 من قانون الإجراءات المدنية والإدارية على أنه “يمكن للقاضي أن يأمر يشطب القضية بسبب عدم القيام بالإجراءات الشكلية المنصوص عليها في القانون أو تلك التي أمر بها. كما يمكن له الأمر بشطب القضية بناء على طلب مشترك من الخصوم “.
[15] ينظر فتحي والي: نظرية البطلان في قانون المرافعات دار النهضة العربية بالقاهرة، جمهورية مصر العربية، طبعة 2004، ص. .453
[16] تنص المادة 217 من قانون الإجراءات المدنية والإدارية على أنه “يتم إعادة السير في الخصومة بموجب عريضة افتتاح دعوى تودع بأمانة الضبط بعد إثبات القيام بالإجراء الشكلي الذي كان سببا في شطبها”.
[17] تنص المادة 459 من القانون المدني على أن “الصلح عقد ينهي به الطرفان نزاعا قائما أو يتوقعان به نزاعا محتملا وذلك بأن يتنازل كل منهما على وجه التبادل عن حقه”.
[18] تنص المادة 462 من القانون المدني على أنه “ينهي الصلح النزاعات التي تناولها ويترتب عليه إسقاط الحقوق
والادعاءات التي تنازل عنها أحد الطرفين بصفة نهائية”.
[19] تنص المادة 4 من قانون الإجراءات المدنية والإدارية على أنه “يمكن للقاضي إجراء الصلح بين الأطراف أثناء سير الخصومة في أية مادة كانت”.
[20] قرار مؤرخ في 22 شتنبر 1993 في الملف رقم l02924، غير منشور، أورده عمر بن سعيد: الاجتهاد القضائي وفقا لأحكام القانون المدني، دار الهدى، عين مليلة، ولاية أم البواقي بالجزائر، الطبعة الأولى 2000.
[21] تنص المادة 600 من قانون الإجراءات المدنية والإدارية على ما يلي: ” . . .8 -محاضر الصلح أو الاتفاق المؤشر عليها من طرف القضاة والمودعة بأمانة الضبط”.
[22] تنص المادة 237 من قانون الإجراءات المدنية والإدارية على ما يلي: “القبول هو تخلي أحد الخصوم عن حقه في الاحتجاج علي طلب خصمه أو على حكم سبق صدوره ويكون إما جزئيا وإما كليا”.
[23] تنص المادة 238 من نفس القانون على ما يلي: “القبول بطلب الخصم يعد اعترافا بصحة ادعاءاته وتخليا من المدعى عليه ما لم يطعن في الحكم لاحقا”.
[24] تنص المادة 239 من نفس القانون على أنه: “القبول بالحكم هو تنازل الخصوم عن ممارسة حقهم في الطعن إلا إذا قام خصم آخر بممارسة حقه في الطعن لاحقا”.
[25] تنص المادة 240 من نفس القانون على أنه: “يجب التعبير عن القبول صراحة وبدون لبس سواء أمام القاضي أو أمام المحضر القضائي أمام التنفيذ”.
[26] تنص المادة 220من قانون الإجراءات المدنية والإدارية على أنه ” تنقضي الخصومة تبعا لانقضاء الدعوى . . .بالتنازل عن الدعوى”.
[27] تنص المادة231 من نفس القانون على أن “التنازل هو إمكانية مخولة للمدعي لإنهاء الخصومة ولا يترتب عليه التخلي عن الحق في الدعوى”.
[28] تنص المادة 97 من قانون الإجراءات المدنية السابق على ما يلي: “ترك الخصومة إذا كان بغير قيد أو شرط يجوز طلبه كتابة أو إبداؤه في محضر لذلك وثبت ترك الخصومة بحكم”.
[29] تنص المادة 14من قانون الإجراءات المدنية والإدارية على أنه “ترفع الدعوى أمام المحكمة بعريضة مكتوبة. .”.
[30] تنص المادة 223 من قانون الإجراءات المدنية على أنه “تسقط الخصومة بمرور سنتين تحسب من تاريخ صدور الحكم أو صدور الأمر القاضي بتكليف أحد الخصوم القيام بالمساعي المتمثلة في كل الإجراءات التي تهدف إلى مواصلة القضية وتقدمها”.
تنص المادة 227 من نفس القانون على ما يلي: “إذا تقرر سقوط الخصومة في مرحلة الاستئناف أو المعارضة حاز الحكم المطعون فيه بالمعارضة أو الاستئناف قوة الشيء المقضي به حتى ولو لم يتم تبليغه رسميا”.
[31] تنص المادة 229 من قانون الإجراءات المدنية والإدارية على أنه: “يسري أجل سقوط الخصومة المنصوص عليه في المادة 223 في حالة الإحالة بعد النقص ابتداء من تاريخ النطق بقرار النقض من طرف المحكمة العليا”.
[32] ينظر عبد المنعم الشرقاوي: نظرية الخصومة، دار النهضة العربية بالقاهرة، جمهورية مصر العربية، ص .347.
[33] تنص المادة 232 من قانون الإجراءات المدنية والإدارية على ما يلي: “يكون تنازل المدعي معلقا على قبول المدعى عليه إذا قدم هذال الأخير عند التنازل طلبا مقابلا أو استئنافا فرعيا أو دفوعا بعدم القبول أو دفوعا في الموضوع”.
[34] تنص المادة 244 من نفس القانون على أنه “يجب أن يؤسس رفض التنازل من طرف المدعى عليه على أسباب مشروعة”.
[35] تنص المادة 234 من قانون الإجراءات المدنية والإدارية على أنه “يحمل الحكم القاضي بالتنازل المدعي مصاريف إجراءات الخصومة وعند الاقتضاء التعويضات المطلوبة من المدعى عليه ما لم يوجد اتفاق مخالف”.
[36] تنص المادة 236 من نفس القانون على أنه “يعتبر التنازل عن المعارضة أو الاستئناف قبولا بالحكم ولا ينتج التنازل أثره إذا عارض أو استأنف أحد الخصوم لاحقا”.
[37] تنص المادة1/ 579من نفس القانون على أنه “إذا قدم الطاعن تنازلا عن الطعن بالنقض ولمك يقدم المطعون ضده مذكرة جواب أو إذا أودعها ولم يعترض على التنازل عن الطعن بالنقض فإن هذا التنازل يقرر بأمر من رئيس الغرفة المختصة”.
[38] تنص المادة 579/2 من نفس القانون على أنه ” اذا اعترض المطعون ضده على هذا التنازل يتم الفصل فيه بقرار من الغرفة”.
[39] تنص المادة 579/3 من نفس القانون على أنه “في كلا الحالتين يعد الأمر أو القرار الذي يثبت التنازل بمثابة قرار رفض”.


