إعداد
د. سلوى حسين حسن رزق
دكتوراه القانون العام
كليت الحقوق – جامعة المنصورة
الملخص
لانتشار تكنولوجية المعلومات والذكاء الاصطناعي تأثير واضح وملموس على كافة المجالات، بما يشكل إحداث نقلات جذرية في أداء المهن المختلفة، سواء القانونية أو غيرها؛ حيث يعد كل منهما بمثابة الأساس الذي أدى إلى بناء وابتكار وتصميم واستخدام نظم المعلومات الإدارية، والتي عرفت بانها مجموعة العناصر الألية والعناصر البشرية المدربة اللازمة لجمع البيانات، واستخدامها بغرض تحويلها إلى أدوات تساعد في عملية أتخاذ القرارات؛ كونها تساعد في عملية البحث وتقديم الحلول المناسبة، فالابتكار والذكاء الاصطناعي هي مفاهيم مترابطة يمثل أحدها آداه للآخر؛ لذا لا يتصور إمكانية تقديم حلول مبتكرة بنظام الأتمتة فقط، وإنما باستخدام الأتمتة الذكية ذاتية التحكم لتطوير بيئة العمل.
مما يحدو بنا إلى التعرض لبعض من النقاط الهامة حول الأتمتة الإدارية والأتمتة الذكية ذاتية التحكم للقرارات بما تحمله من مزايا لا يمكن إنكارها، قد أبرزها الجانب المؤيد لها، ومدى إمكانية تطبيقها على القرارات الإدارية باختلاف أنواعها، وتأثير ذلك عليها سواء في مرحلة الإصدار ومرحلة التنفيذ أو ما بعد التنفيذ، وهل من الممكن أن تمتد تلك الآثار إلى تغير في بعض المبادئ التي درج عليها القانون الإداري.
المقدمة
أصبحت تكنولوجيا الاتصالات وتقنية المعلومات هي الأساس في عمل الإدارات، ويتوقف عليها بناء مستقبل المؤسسة وأوضاعها، فعلى أساسها يتم ممارسة النشاط وتقديم الخدمات؛ لذا يجب التعرف على دور الحاسب الآلي فيها، والعوامل المؤثرة على قيمة المعلومات، فأصبح حري بالمدراء والموظفين التعرف والتدرب على التعامل معها وكيفية استخدامها بما في ذلك شبكة الأنترنت، لتحقيق الأهداف والبرامج التي تستهدفها الإدارة، والتي هي بالأساس أهداف للتنمية الاقتصادية والاجتماعية.
فاستخدام تقنيات المعلومات والاتصالات ما هي إلا نتاج لتطبيقات الذكاء الاصطناعي ([1])، والتي كان يخشى أن يحل محل الذكاء البشري، وكان يتخوف الكثيرون من فقدان وظائفهم بسببه وقيام الآلات بأداء نفس المهام التي يقومون بها، وهو ما جاء نتيجة ظهور وتطبيق الأتمتة الذكية أهم مظاهر الذكاء الاصطناعي داخل الإدارة، ونظراً للانتشار السريع لها، اعتقد الموظفين أن هذه الأتمتة ربما تكون سبباً رئيسياً في إقصائهم من العمل.
في هذا الصدد أكد الكثير من خبراء التكنولوجيا الحديثة أن الأتمتة الذكية لا يُمكن أن ثُقصي أحداً من عمله مهما تنوعت الأنشطة الصناعية، فهي تحتاج إلى أنظمة واستراتيجيات وتوجيهات تختلف على حسب نوعية أو نشاط العمل؛ وعليه فلا يمكنالاستغناء عن دور الإنسان في بيئة العمل، خاصة في الجهات أو الهيئات التي تعتمد على عنصر الابتكار والتكنولوجيا الحديثة فكلاهما يكملان بعضهما البعض.
فالاعتماد عليها لا يعني إلغاء العنصر البشري، بل على العكس يمكن أن يكون من شأنها توفير الأدوات التي تساعد الأفراد في إنجاز المهام واتخاذ القرارات، وتكون وسيلة لتسهيل السبل، وتذليل العقبات أمام العاملين؛ بما يوفر الوقت، ويسرع وتيرة العمل ويحافظ على جودته، فالمهمة الأكبر للأتمتة تتمثل في تحويل المعرفة الموجودة لدى العاملين إلى إجراءات منفذة باحترافية؛ فإن لم تسجل الخبرات الموجودة لديهم، فهناك احتمالية كبيرة لضياعها أو نسيانها بسهولة ([2]).
فالذكاء الاصطناعي بكل تطبيقاته لن يقلل من قدرات الإنسان بل إنه عامل مساعد لاكتشاف أبعاد جديدة في نفسه، فتحول تعريف الذكاء البشري من مفهومه التقليدي إلى مفهوم آخر، ليتضمن عنصر الموهبة والمهارة والابتكار، يضاف إليه من لديه استعداد للمستقبل المتطور.
كما أنه يمثل فرصة كبيرة لكافة القطاعات للتغيير والتطوير، ومنها رواد الأعمال وأصحاب الشركات فيفتح الباب أمامهم للعديد من الفرص والتقنيات التي تمكنهم من إيجاد حلول من الممكن أن تسيطر على الأسواق. ([3])
لعل ظهور خدمات أنظمة الأتمتة الذكية للقرارات أكبر مثال، التي تقوم بتقديم خدمات من خلال مجموعة من الأساليب والاستراتيجيات والأدوات المستخدمة من قبل الهيئات والجهات والمؤسسات الراغبة في خفض التكاليف وزيادة الجودة، من خلال تحويل بيئة العمل من الاعتماد على العنصر البشري فقط، إلى خليط من العنصر البشري وخدمات الأتمتة الذكية ([4]).
فمن أهم أسباب اللجوء إلى أنظمة الأتمتة الذكية للقرارات هو الرغبة في التواصل الذكي بين المواطنين والحكومات، وكذلك بين الموظفين وإدارتهم من خلال إنشاء وتدعيم قنوات للتواصل بين الأجهزة الحكومية والمواطنين وكذلك القطاع الخاص، من خلال نظم وتطبيقات المعلوماتية ذات التقنية العالية؛ وذلك للسماح بزيادة في التفاعل من خلال إتباع وسائل ذكية لأخذ قرارات إدارية لتلبية الاحتياجات وتحقيق الآمال والتطلعات، وأيضاً إمكانية الاستماع لآراء من شأنها أن تعزز جودة الخدمات المقدمة ([5]).
ما هي مظاهر تطبيق الأتمتة على الإدارة؟ ومدى إمكانية تطبيق الأتمتة على القرارات الإدارية. وما هو أثر ذلك عليها؟؟
وهو ما سنحاول الإجابة عنه من خلال العناصر الأتية:
المبحث الأول: مظاهر تطبيق الأتمتة على الإدارة العامة
المطلب الأول: الأتمتة الإدارية.
المطلب الثاني: الإنترنت والإنترانت والإصلاح والتطوير الإداري
المطلب الثالث: الحكومة الإلكترونية.
المبحث الثاني: أتمتة القرارات الإدارية.
المطلب الأول: ظهور تكنولوجيا نظم دعم ومساندة القرارات.
المطلب الثاني: كيفية صدور القرارات الإدارية المؤتمتة.
المطلب الثالث: الآثار المترتبة على أتمتة القرارات الإدارية.
المبحث الأول
مظاهر تطبيق الأتمتة على الإدارة
جاء الظهور الأول لمصطلح الأتمتة في ثلاثينيات القرن العشرين ([6])، وهو مصطلح معرب من الإنجليزية Automation)) ويعني التشغيل الآلي أو التشغيل الذاتي، يطلق على الأشياء التي تعمل ذاتياً بدون تدخل الإنسان، باستخدام أجهزة الكمبيوتر والأجهزة المبنية على المعالجات والبرمجيات في مختلف القطاعات لتأمين سير الإجراءات والأعمال بشكل إلى دقيق، وبأقل الأخطاء الممكنة، فهي تطبيق للمعرفة لحل مشاكل الإنسانية ([7])، فهي فن جعل الإجراءات والآلات تعمل بشكل تلقائي، وتشمل جميع الآلات والأجهزة الآلية التي استطاع الإنسان تسخيرها للقيام بالجهد والمراقبة واتخاذ القرارات المبرمجة ([8]).
أصبح يكمن في الانتشار الكبير للتكنولوجيا والتقنيات الحديثة داخل بيئة العمل، بالقدر الذي يمكنه إلغاء دور الإنسان بشكل جزئي، خاصة في المهام التي قد يعجز عنها أو قد تتطلب منه جهداً كبيراً، وتعمل الأتمتة في الوقت الحالي في معظم المجالات سواء الصناعية أو الإدارية ([9]).
وتجلت مظاهر هذا النظام على الإدارة في مختلف القطاعات الإدارية، وسيتضمن هذا المبحث الأتمتة الإدارية في (المطلب الأول)، ثم نتبعها بنبذه عن دور الإنترنت والإنترانت والإصلاح والتطوير الإداري في (المطلب الثاني)، ونلي ذلك بالحكومة الإلكترونية في (المطلب الثالث).
المطلب الأول
الأتمتة الإدارية
عرفت الأتمتة الإدارية([10])بأنها استخدام مجموعة من أنظمة الحاسب والشبكات المتصلة في الأعمال الإدارية المقدمة بشكل يومي ودائم في الهيئات والمؤسسات ذات الطابع الإداري ([11])، وهي الاستخدام الكثيف لتقنيات المعلومات بهدف زيادة إنتاجية وفاعلية وقدرة العاملين في الهيئات أو الجهات والمنظمات ([12])، كما عرفت أيضاً بأنها الاعتماد على الأجهزة الإلكترونية الحديثة بغرض تنظيم الأعمال الإدارية، والتقليل من العمل اليدوي؛ لتحقيق السرعة والدقة في الأداء والإنتاج ([13]).
أهدافها ومتطلباتها([14])
تسعى الجهة أو المنظمة الإدارية التي تقوم بتطبيق نظام الأتمتة إلى عدة أهداف، ما يهمنا منها هو تحسين الخدمات المقدمة للمواطنين والمتعاملين معها، وكذلك إلى رفع جودة العمل الإداري وسرعته، ودعم اتخاذ القرار بما يؤدي إلى الإتقان في التخطيط الإداري المستقبلي، وهو ما يصب في مصلحة الإدارة والمواطن على حد سواء.
يحتاج تطبيق نظام الأتمتة الإدارية إلى مجموعة من المتطلبات يجب توافرها في الجهة أو المؤسسة، ويؤخذ بعين الاعتبار أن هذا النظام ليس مجرد مجموعة أجهزة وبرمجيات، وإنما هي إجراءات ومهارات تمتد لتشمل الهيكل الإداري والفني([15])، ومنها:
· وجوب توافر شبكة اتصالات رقمية حديثة.
· ترتيب أولوية الأعمال الواجب اتمتتها.
· دراسة المعلومات المؤرشفة في الجهة أو المؤسسة.
· تكييف بيئة العمل بما يتوافق معها.
· تدريب العاملين على استخدام تقنيات المعلومات ([16]).
· توافر الموارد المالية اللازمة لتطبيق الأتمتة.
· إعداد وتأهيل الكادر الفني المعلوماتي لتنفيذ الأتمتة ([17]).
مميزاتها ([18])
أتمتة العمل الإداري في الجهات أو المؤسسات له العديد من المزايا نذكر منها المزايا المتعلقة بالعمل الإداري، والذي يهم كل من الموظفين والجمهور:
· القدرة على أداء المهام بشكل أفضل من قبل المدراء المختصين؛ نظراً لسهولة توافر البيانات والإمكانات المطلوبة.
· القدرة على اتخاذ قرارات إدارية عقلانية رشيدة بشكل أفضل؛ لوجود أنظمة دعم ومساندة القرار.
· حل المراسل الإلكتروني محل المراسلين؛ بما يؤدي إلى الاستغناء عنهم وكذلك السرعة في الإرسال والاستقبال ([19]).
· السرعة في الإجراءات الإدارية، بما يحد من التعقيدات الإدارية، وانحسار البيروقراطية.
· الحد من انتشار ظاهرة الفساد الإداري، من خلال تحقيق مبدأ المساواة بين المتعاملين بأسلوب موحد، بما يؤدي للقضاء على الواسطة والمحسوبية.
· سهولة الاتصال بين الجهات الإدارية، والتزويد بالبيانات المطلوبة والمعلومات اللازمة فيما بينها.
· القضاء على الإهمال والتراخي الإداري؛ من خلال التخلي عن الأنشطة غير الضرورية وخاصة الكتابية.
عيوبها ([20])
على الرغم من المزايا العديدة التي ذكرها الباحثين والمطبقين للأتمتة الإدارية، ألا أن لها العديد من العيوب والتي تتمثل أهمها في:
· التراجع الملحوظ لأهمية دور المدير في الهيكل الإداري.
· تراجع التواصل الاجتماعي للأفراد العاملين في الهيئة أو الجهة الواحدة.
· تراجع قدرة الأفراد على الإقناع المباشر ([21]).
ويمكن تلافي تلك المساوئ من خلال تحفيز المدراء والإبقاء على الاجتماعات المباشرة وتطوير دور مؤتمرات الفيديو ([22]).
إلا أن هناك بعض المساوئ أشار إليه تقرير صادر عن المنظمة العربية للتنمية الإدارية وهي ([23])
· قد يتم إدخالها إلى الجهة الإدارية بدون إحداث تغيير في الإجراءات التشغيلية، والهياكل التنظيمية.
· قد يتم إدخالها في كل إدارة حكومية بشكل مستقل عن الأخرى، أو في كل قسم من الأقسام على حدة؛ مما يؤدي إلى انعدام تنفيذ سياسات مشتركة بينهم واستخدام المعلومات داخل الأجهزة الإدارية ([24]).
لذا يجب التركيز على الاستعداد الكامل لتطبيق نظام الأتمتة الإدارية([25])، والتنسيق المستمر والتعاون خلال جميع مراحل بناء أنظمتها، ولضمان الوصول إلى نتائج فعالة تلبي الاحتياجات الفعلية والمرجوة منها ([26])
المطلب الثاني
الإنترنت والإنترانت والإصلاح والتطوير الإداري ([27])
استخدام الإنترنت والإنترانت يؤدي إلى نتائج مذهلة على صعيد الإدارة العامة، وتحقيق أهداف الإصلاح والتطوير الإداري ([28])، فبالنظر إلى ثورة البرامج التي تطالعنا في كل لحظة والتي تقدم من خلال الإنترنت نجد أن هناك الكثير من البرامج التي من الممكن استخدامها من قبل الإدارة العامة للإصلاح والتطوير، مثال برامج (الحوسبة السحابية) التي لو تم استخدامها من قبل الإدارة العامة في ممارسة أنشطتها وتقديمها للخدمات العامة ومنها إصدار القرارات، سيكون له بالغ الأثر في إحداث التغيير والتطوير المنشود.
(الحوسبة السحابية): هو مفهوم ظهر في ساحة المعلوماتية يمكن من خلاله تقديم الخدمات بواسطة أجهزة الحاسب أو الهواتف الذكية والبرمجية عبر الإنترنت، تلك هي خدمات الحوسبة التي أصبحت ضرورية ملحة لتلبية الاحتياجات اليومية للمستفيدين كافة في المجتمع عموماً ([29])، وهو ما عبر عنه (مكارثي) في ستينات القرن العشرين بمقولة (قد تنظم الحوسبة لكي تصبح خدمة عامة في يوم من الأيام)، لكن تطبيقات الحوسبة السحابية لم تظهر بشكل فعلي إلا في عام ٢٠٠٠ ([30])، وعرفت (Cloud computing)بأنها مصطلح يشير إلى مصادر وأنظمة الحاسب المتوافرة تحت الطلب عبر الشبكة (الإنترنت) ([31])، والتي تستطيع توفير عدد من خدمات الحاسب المتكاملة للمستخدمين ([32])، وتشمل تلك الموارد مساحة لتخزين البيانات والنسخ الاحتياطي والمزامنة الذاتية، وقدرات معالجة برمجية وجدولة للمهام والبريد الإلكتروني والطباعة عن بعد، ويستطيع المستخدمين عند اتصالهم بالشبكة التحكم في هذه الموارد عن طريق واجهة برمجية سهلة ([33]).
كذلك يتم حفظ المعلومات والبيانات من خلالها بشكل دائم في على الإنترنت، بحيث تكون موجودة بشكل مؤقت على أجهزة المستخدمين من حاسبات مكتبية أو محمولة أو هواتف ذكية، وبذلك تكون متاحة للمستخدمين بغض النظر عن أماكن تواجدهم؛ وعليه تكون للحوسبة السحابية قيمة هامة وضرورية وقدرات حاسوبية تحتاج إليها منظمات الأعمال، والمنظمات العامة والتعليمية ([34])، وكذلك الحال في الإدارة العامة إذا استخدمتها في ممارسة نشاطها ولا سيما في إصدار قراراتها ([35]).
أهم فوائد الشبكتين:
· الحصول على المعلومات في أي وقت وأي مكان دون انتظار.
· التحديث المستمر للمعلومات مع انخفاض التكلفة.
· إرسال المعلومات للأفراد الذين يستعملون هذه التقنية بتكلفة منخفضة.
· الفاعلية في مراجعة المعلومات، وإمكانية مشاركتها.
· السهولة في التواصل مع من يسكنون بعيداً عن المؤسسة.
· تصميم المواقع للإعلام عن نشاطات الإدارة الممكنة.
· إتاحة التسجيل الإلكتروني للأفراد.
· الحصول على المعلومات عن ذات الموضوع بلغات متعددة.
المطلب الثالث
الحكومة الإلكترونية
يقصد بالحكومة الإلكترونية الإدارة والخدمات الحكومية التي يجرى تنفيذها عن طريق الوسائل الإلكترونية إلى الجمهور بهدف تقديم الخدمات لهم ([36]) فهو يتسع ليشمل الأداة والخدمة المقدمة معاً.
الإدارة الإلكترونية المؤتمتة
تعرف الإدارة الإلكترونية بأنها عبارة عن أنجاز العمل الإداري عن طريق استخدام الكمبيوتر، الأمر الذي يؤدي إلى السرعة في أتخاذ قرارات إدارية بتكلفة أقل من الطرق التقليدية؛ وعليه تنتقل آلية تقديم الخدمات والمعاملات من الطريقة اليدوية إلى الإلكترونية، عن طريق تبادل المعلومات عبر شبكات الحاسب الداخلية للهيئات أو المؤسسات (الأنترانت)، أو من خلال شبكة (الإنترنت)، وهي من الاستراتيجيات المعاصرة في الإدارة، التي تهدف إلى سهولة الحصول على الخدمات وزيادتها، وكذلك الاستخدام الأمثل للموارد المختلفة ([37]).
فهي ليست مقصورة على توفير الخدمات للمواطنين عن طريق الإنترنت فقط، وإنما تشمل الخدمات الحكومية في العلاقات الداخلية والخارجية في أي زمان ومكان، ودون تمييز أو إخلال بتكافؤ الفرص ([38]).
تمثل أثر التطور للإدارة الإلكترونية في القيام بنقل الامتيازات وأساليب العمل للواقع الجديد ([39])، وبالنسبة للقرار الإداري يكون في قيام أجهزة الحاسب الآلي بهذا العمل لوحدها دون تدخل من الإنسان (نظام الأتمتة) أو (أنظمة الأتمتة الإلكترونية)([40])، أي القيام بالعمل عن طريق أوامر يصدرها الحاسب على حسب ما يتوافق مع البيانات المدخلة إليه سابقاً أو برمجياته المسبقة ([41])، وقد نصت عليه العديد من التشريعات ([42]).
يتلخص نظام الإدارة الإلكترونية المؤتمتة في قيام الحكومة أو الوزارة بإنشاء موقع لها على شبكة الإنترنت؛ لتقديم خدماتها من خلال بوابة الكرتونية، وتكون تلك الخدمات قابلة للتنفيذ على الشبكة، بحيث تنطوي هذه البوابة على قاعدة بيانات رئيسة تشترك فيها الدوائر الحكومية، فمثلاً في حالة إذا أراد شخص الحصول على ترخيص لعمل ما، فيمكنه أن يجري العملية الإدارية بصورة صحيحة من بيته من خلال جهاز الحاسب الآلي دون أن يرتبط بأوقات العمل الرسمية، ويتم ذلك من خلال الدخول على البوابة الإلكترونية المحددة واختيار نوع الترخيص ودفع الرسوم وإنهاء كافة الإجراءات المتعلقة بالحصول عليه، وهو ما يسمى بالإدارة المؤتمتة ([43]).
المرفق العام الإلكتروني:
تتجه الإدارة العامة في تسيرها للمرافق للاستفادة من التطورات العلمية والوسائل التكنولوجية في المجالات الإلكترونية، من خلال استخدام وسائل التقنيات الحديثة في إدارة أعمالها وإنجاز مهامها، مما يؤدي إلى السرعة واليسر وتوفير الجهد والإنفاق، وهو الأمر الذي يفرض عليها مواكبة التطورات الحديثة، والتي من أبرزها الحكومة الإلكترونية ([44])، التي تمكن الإدارة من استخدامها لتقديم الحاجات للجمهور مما فرض التوسع في تطبيق مجالات الإدارة الإلكترونية إلى المرافق العامة ([45])، وظهور المرفق العام الإلكتروني الذي يؤدي نشاطه ومعاملات المواطنين والتواصل معهم إلكترونياً ([46])، عبر الوسائل الإلكترونية (الموقع الخاص به، أو البريد الإلكتروني، أو الهاتف المحمول) دون الحضور لمقر المرفق العام، من خلال الدخول على الموقع الإلكتروني المحدد له، الذي أدى ظهوره بالتبعية إلى تطور نظرية المسؤولية الإدارية، وقيامها على أساس الخطاء الإلكتروني الذي هو ذاته الخطأ التقليدي، ولا فرق بينهما إلا من حيث مواطن الخطأ ([47]).
المبحث الثاني
تمتة القرارات الإدارية ([48])
بداية ننوه إلى أن استخدام مصطلح أتمتة القرارات الإدارية من الممكن أن يتضمن مصطلحات أخرى يتم تناولها بحسب وجهات النظر المختلفة من قبل الباحثين والكتاب كمصطلح القرارات الإدارية الإلكترونية، والقرارات الإدارية في العالم الافتراضي، والقرارات المؤتمتة؛ فهي جميعها تشير إلى مضمون ومفهوم واحد، وهو القرار الذي يصدر بواسطة استخدام الإدارة لتكنولوجيا المعلومات ونظم الاتصالات الإلكترونية ([49])، ونظم دعم ومساندة القرارات وبالإجراءات الإلكترونية، وفي شكل الوثيقة أو المستند الإلكتروني، لذا سنشير إلى نظم دعم ومساندة القرارات في (المطلب الأول)، ثم لكيفية صدورها في (المطلب الثاني)، ونلي ذلك بالآثار المترتبة عليها في (المطلب الثالث).
المطلب الأول
ظهور تكنولوجيا نظم دعم ومساندة القرارات
تكنولوجيا نظم دعم القرار هي عبارة عن نظم وتطبيقات للمعلوماتية تستند إلى تقنيات عالية ومتطورة، وهي عوامل ظهرت لمساندة وتعزيز القدرة على أتخاذ القرارات من قبل المديرين القائمين على المنظمات الإدارية، وتعرف نظم دعم أو مساندة القرار بأنها ((نظم تفاعلية حوسبة تساعد صانع القرار على استخدام البيانات والنماذج لحل المشكلات غير الهيكلية)) ([50]).
مما يعني أن هناك عدة عوامل مساعدة تسبق عملية إصدار القرار، وهي عوامل أساسية لاتخاذه لما توفره من معلومات وقاعدة بيانات ضخمة يعتمد عليها المدير في إصداره له ([51])، يكون الهدف منها توفير المعلومات والأساليب المطلوبة لإسناد قرارات هادفة لحل مشاكل معينة؛ باعتبار أن لها دوراً متخصصاً أكثر في عملية صناعة القرار، تتم من خلال عمليات تفاعلية بين النظام والمستخدم المسؤول عن أتخاذ القرار، بحيث توجهه بالاتجاه الصحيح ([52]).
تتنوع هذه النظم بين نظم دعم القرارات الفردية، ونظم دعم القرارات الجماعية، ونظم دعم القرارات التنظيمية التنظيمية ([53])، ولا خلاف على أهميتها التي أصبح عامل أساسي وضروري في المساعدة على أتخاذ القرارات المطلوبة، لكن يؤخذ عليها اقتصارها على (نماذج نمطية) معدة تحت الطلب غير صالحة لجميع الحالات، بالإضافة إلى حاجتها إلى جهود وخبرات كبيرة في عملية البناء ([54]).
يوجد أيضاً بجانبها ما يسمى بنظم المعلومات التنفيذية، وهي شكل من أشكال نظم المعلومات الاستراتيجية التي تستخدم على مستوى الإدارة العليا، وتساعدها على أتخاذ القرارات الاستراتيجية غير الهيكلية، والتي غالباً ما ترتبط مع متغيرات البيئة الخارجية، بما يساعد الإدارة العليا على تحليل هذه البيئة، ويمكنها من الاستفادة من الفرص المتاحة ومواجهة التهديديات المتوقعة ([55]).
أما نظم المعلومات الخبيرة فتلك التي تعرف بالنظم المبنية على المعرفة، بحيث ترتكز على برامج وتطبيقات مستمدة من الخبرة البشرية، تمت معالجتها بما يعطيها إمكانية المحاكاة المنطقية للوصول إلى النتائج والاستدلال عليها، وتلك النظم تعد شكلاً من أشكال الذكاء الاصطناعي، تتميز بامتلاك إمكانية المقارنة بين البدائل والحلول واختيار المناسب منها، وأيضاً الحصول على الخبرة البشرية و الاحتفاظ بها، وإعطاء إمكانية مشاركة الإنسان فيها بما يعني الاستفادة من خبراته الموجودة والنادرة([56]).
أتفق الخبراء والمديرين الممارسين للمعلوماتية ([57]) على أن نظم وتطبيقات المعلوماتية التي تستند إلى تقنيات عالية ومتطورة مثل (نظم دعم القرار، ونظم المعلومات التنفيذية، ونظم المعلومات الخبيرة) جميعها على اختلاف أنواعها وتصنيفاتها نظم مترابطة ومتكاملة غير منفصلة عن بعضها البعض؛ لكون مخرجات بعض النظم هي مدخلات لنظم أخرى ([58])، وعدم وجود أحد هذه النظم أو انخفاض مستوى أدائه في الجهة أو الهيئة أو المؤسسة يؤثر على كفاءة ونجاح النظم الأخرى؛ لذلك يجب تفعيل وتطوير أدائها بشكل متكامل ([59]).
فوائد نظم دعم القرار
لظهور نظم دعم ومساندة القرارات الإدارية فوائد عديدة أدت بالمستخدمين الاستعانة بها، وعدم إمكانية الاستغناء عنها داخل الهيئات والمؤسسات تتلخص في:
١. زيادة الفاعلية في عملية اتخاذ القرارات.
٢. تحسين الكفاءة الشخصية لمتخذي القرار.
٣. الاستجابة السريعة للأوضاع غير المتوقعة.
٤. توفير التكلفة والوقت والجهد.
5. سهولة الاتصال بين الأشخاص وتضييق الفجوة بين مستويات أداء متخذي القرار.
٦. إمكانية تجربة أكثر من سياسات مختلفة للحل واختيار أكبر عدد من البدائل.
٧. الكشف عن أساليب جديدة للتفكير في القضاء على المشكلة، من خلال التأهيل أو التدريب.
٨. تزيد من الرقابة التنظيمية.
٩. تولد أدلة جديدة لدعم القرار.
10. خلق ميزة القدرة على المنافسة.
11. تشجع على الاستكشاف والاكتشاف من جانب صانع القرار.
١٢. المساعدة على أتمتة العمليات الإدارية ([60]).
المطلب الثاني
إن القانون الإداري ليس قانوناً للإدارة العامة، بل هو قانون ينطبق على الإدارة العامة، وقد وصلت نظم الإدارة إلى مرحلة متقدمة بعد تحول الحكومة إلى الإدارة الإلكترونية وتبني نظام أتمتة العمل الإداري بشكل كامل، فيجب إضافة أن قسماً من هذا القانون أصبح قابلاً للأتمتة بواسطة الإدارة، ولا يتعلق الأمر بالتلويح بطيف ذي صيغة استفزازية، بل بملاحظة واقع جديد يصعب رؤيته بسبب عدم وضوح المشرع (الحكومي والبرلماني) في التشابك الذي بين القانون والخوارزميات، فلقد قام المشرع بتحويل هذا القانون الإداري بحيث يصبح قابلا للتحويل بواسطة الأتمتة مما يجعله أكثر صعوبة، ولا يزال المنظور غير قابل للتصور قبل أقل من ٤٠ عاماً([61]).
في الواقع وعلى الرغم من فعالية الأتمتة والاعتراف بالدور الكبير للحاسب في أتخاذ القرارات آليا وإرسالها لذوي الشأن ([62])، فإن أحد المخاوف الأولى التي أثارتها استخدام أتمتة أنشطة الإدارة العامة بما فيها القرارات الإدارية، هو خطر الإساءة إلى الأسس الواقعية والقانونية للقرار الإداري ([63])، فالقرارات الإدارية من أهم الوسائل القانونية التي تعبر بها الإدارة العامة عن إرادتها ([64])، وبطبيعة هذه القرارات أنها تتميز بالمرونة والنسبية والتطور المستمر؛ بما يؤهلها إلى مواكبة كافة المستحدثات التي تشهدها الإدارة، سيما لو صدر القرار الإداري إلكترونياً ([65])، مما يقتضي إعادة النظر لمفهوم القرار الإداري وأركانه وشروط صحته؛ فالحاسب الآلي وتطبيقاته أصبح شريكاً للموظف العام في إصدار القرار الإداري وتنفيذه ([66])، فيجب أن يظل محافظاً على كافة أركانه وعناصره من خلال عدم صدوره بشكل معيب سواء كانت عيوب شكلية أو موضوعية ([67]).
فقد حدد المجلس الدستوري الفرنسي الطرق التي يمكن أن تنتج بموجبها القرارات الإدارية من المعالجة الآلية بالكامل من خلال القانون ينظم شروط التقييم الآلي الكامل لحالة المواطن، كما ذكر أيضاً أن وحدة التحكم يجب أن تكون قادرة على شرح تفصيلي لموضوع البيانات والطريقة التي تمت بها المعالجة وما أدى إلى أتخاذ القرار الإداري ([68]).
كذلك النصوص التشريعية والتنظيمية التي تصف الشروط التي يجب على المشغلين المسؤولين عن معالجة البيانات استيفاؤها، تتعلق بشكل أساسي بالبيانات الشخصية، وهي ليست جزءاً من البيانات المفتوحة ([69])، من ناحية أخرى فإن قانون لومير قانون العلاقات بين الجمهور والإدارة، المادة (٣٢١-٧ والمادة ٣٢١-٨) يستحضر الشروط الرئيسية التي يجب أن تخضع لها البيانات المرجعية الموثقة لكن هذه الشروط تظل غامضة حول الطريقة التي يجب أن تدار بها البيانات، وقدم (Lemaire)أيضاً إمكانية قيام الإدارات بإبلاغ المواطنين “بالقواعد” والخصائص الرئيسية” لتنفيذ المعالجة الخوارزمية المستخدمة في أتخاذ القرارات الفردية المتعلقة بهم، وهو ما يعني نقل القواعد وليس البيانات([70]).
فلا يمكن أتخاذ أي قرار ينتج عنه آثار قانونية فيما يتعلق بشخص ما على أساس المعالجة الآلية للبيانات والتي تهدف إلى تحديد ملف تعريف الشخص المعني أو تقييم جوانب معينة من شخصيته([71]).
فقد كان ركن الاختصاص يتمثل بكونه تحديد جهة أو موظف معين له صلاحية إصدار قرار معين دون غيره ([72])؛ وعليه فقد عرف ركن الاختصاص بصوره جديدة من قبل البعض في أنه (يعكس صلاحية الإدارة لاتخاذ قرارها بالإجراءات الإلكترونية وتمتعها بسلطة إصداره في شكل الوثيقة أو المستند الإلكتروني وفقاً لما تملكه من وسائل فنية وبرمجية تؤدي لتحقيق ذلك)([73]).
كذلك الحال بالنسبة للتوقيع على القرار الإداري حينما حل التوقيع الإلكتروني محل التوقيع الكتابي على القرار ([74])، وأيضاً بالنسبة لعنصر الشكل، حيث حل التوقيع الإلكتروني محل التوقيع الكتابي، والنشر الإلكتروني محل النشر بالجريدة الرسمية ([75]).
فهذا ما حد بالبعض إلى أن يعرف القرار الإداري الإلكتروني بأنه (إفصاح الإدارة العامة عن إرادتها المنفردة الملزمة بما لها من سلطة بمقتضى القوانين واللوائح عبر وسائل إلكترونية بهدف ترتيب أثار قانونية متى كان ذلك جائزاً قانوناً)، وهو في هذا لا يختلف عن القرار الإداري التقليدي إلا من ناحية وسيلة التعبير عن الإرادة([76]).
عرف كذلك بأنه: (تلقي الإدارة العامة لطلب إلكتروني على موقعها، وإفصاحها عن رغبتها الملزمة بإصدار القرار والتوقيع عليه إلكترونياً، وإعلان صاحب الشأن إلكترونياً بما لها من سلطة بمقتضى القوانين واللوائح، وبقصد إحداث أثر قانوني معين يكون جائزاً وممكناً قانوناً، ابتغاء المصلحة العامة) ([77]).
نقل القرار الإداري إلى الواقع الإلكتروني يؤدي إلى لجوء الإدارة إلى كافة الوسائل التي تؤدي إلى تكوينه وإعداده، وكذلك إصداره وشكله ونفاذه وتنفيذه وإنهائه ([78])؛ فالحاسب الآلي هو من قام مقام الموظف؛ فالإصدار جاء من الحاسب التابع للإدارة بعد إدخال البيانات المطلوبة، وجهة التنفيذ التي تظهر من خلال تحويل الإجراءات الإدارية العادية إلى إلكترونية؛ فتقوم أجهزة الحاسب بالاستجابة لتنفيذ الأوامر بحسب الطلب دون تدخل الموظفين، بناءً على المعلومات والبيانات المدخلة ([79])، وتعد هذه الحالة تنفيذاً للقرار الإداري من خلال جهاز الكمبيوتر، وهو من وسائل الإدارة الإلكترونية في تنفيذ القرار الإداري ([80]).
كما أن هناك الكثير من الأمثلة على إمكانية صدور القرار الإداري بواسطة أنظمة الأتمتة التي تتم من خلال الحاسب الآلي ([81])، والطرق التي تتم عن طريق معالجة البيانات في أنظمة الأتمتة لوحدها دون تدخل الموظفين ([82])، بحيث تتم هنا المعالجة للبيانات بإصدارها معلومات، قد تكون هذه المعلومات والبيانات قرارات إدارية من وجهة نظر معينة مثلها مثل القرارات والتعليمات التي يقوم بها تعيين الموظفين، ويمارس المدير عملية إصدا


