هشام بلخنفر
طالب باحث في صف الدكتوراه
القانون الخاص جامعة محمد الأول وجدة
يشكل التعاقد عن بعد واحد من أهم مظاهر التطور التي عرفتها العلاقات التعاقدية في المجال المدني والتجاري، ووسيلة مفضلة للمستهلك والمهني في قضاء مآربهم مستغلين ما توفره وسائل التعاقد والتسويق الإلكتروني من مزايا توفر عناء التنقل ومصاريفه،
غير إن هذه المزايا بقدر ما توفر للطرفين من سرعة واقتصاد للتكلفة، إلا أنها هي الأخرى تعرف عيوبا راجعة إما إلى جهل المستهلك لشروط التعاقد، وإما راجعة إلى الوسائل التكنولوجية التي قد تبين وتظهر المنتوج والخدمة على غير حقيقته، ويتمثل ذلك في عدم قدرة المستهلك على معاينة المبيع بطريقة حقيقية، أو الالتقاء مع المزود في مجلس عقدي تقليدي
وبناء عليه، كان المشرع المغربي واعيا بهذه المسالة فجاء بمقتضيات تهم حق المستهلك في الرجوع عن التعاقد عن بعد مع المهني بعد مضي مدة قد يكون خلالها المستهلك قد توصل بالمنتوج
غير أن الملاحظ انه اذا كان المشرع قد حمى المستهلك في العقود المبرمة عن بعد قانون 31.08 المتعلق بتحديد تدابير المستهلك، فإنه لم يحط المستهلك بالتزامات دقيقة ومعينة، فقد يتعسف في التراجع عن العقد وقد يبدأ في تنفيذه ويدفع بحقه في التراجع وهنا مس خطير بحقوق المهني وبمناخ الأعمال وتشجيع الاستثمار، من هذا المنطلق فإن مداخلتنا تنصب حول إشكالية تتعلق بمدى توفق المشرع المغربي في تحقيق التوازن بين المستهلك كطرف ضعيف وبين المهني الذي وجب هو الأخر حمايته من تعسف المستهلك في ممارسة حقه المتمثل في إمكانية التراجع عن العقود المبرمة عن بعد؟
كما أن مداخلتنا ستحاول تنوير الجمهور بحقوقه المكفولة له قانونا في مجال التعاقد الإلكتروني حتى لا يكون ضحية للنصب والاحتيال من جهة وكي لا يكون ضحية لتغول وجشع التجار السيبيريانيين من جهة ثانية
المطلب الأول : المبادئ القانونية لممارسة الحق في الرجوع
قلنا أن الحق في الرجوع ألية قانونية وضعها المشرع لحماية المستهلك المتعاقد عن بعد تمكنه من التراجع عن تنفيذ العقد في أجال وخدمات معينة، وبما أن هذه المكنة القانونية جديدة في التشريع المغربي فمن المنطقي أنها وضعت لسد حاجيات فرضتها الضرورة الاقتصادية والاجتماعية كمكونين لصياغة كل قاعدة قانونية فعالة، ومن هنا سنعمل في هذا المطلب على التطرق لمفهوم التراجع موضوع قانون 31.08 ق. ت. ح. م ([2]) وتمييزه عن بعض المؤسسات المشابهة كالفسخ والعدول وكذا بعض مقتضيات حماية المتعاقد كالإكراه والغبن، محاولا بسط مظاهر تحقيق التوازن بين المهني والمستهلك من خلال حصر مجال التطبيق. الفقرة الأولى.
وإذا ما استوعبنا هذه المكنة فإن السؤال يطرح حول الأليات والضمانات التي منحها المشرع لتفعيل هذا الحق وترسيخه كثقافة استهلاكية وقاعدة قانونية حمائية للممارسات المنافية للأخلاق التجارية في ظل عقود المسافة المبرمة عن بعد. الفقرة الثانية.
الفقرة الأولى : مفهوم الحق في الرجوع
من خلال هذه الفقرة سنحاول الإجابة عن مظاهر تحقيق التوازن بين المهني والمستهلك على المستوى أحكام نطاق تطبيق حق الرجوع واستثناءاته. أولا. وأمام غياب تعريف تشريعي للحق في التراجع مثله مثل أي مؤسسة قانونية جديدة فإن السؤال يثار حول مدى مشروعية وفعالية هذا الحق ([3]). ثانيا. ووقوفا عند مسالة خلق التوازن بين المهني والمستهلك فإن المشرع قد وضع نطاقا لتطبيق هذا الحق ووضع استثناءات عليه. ثالثا. لنخلص في أخر هذه الفقرة إلى استنتاج روح هذه المكنة القانونية من خلال بسط أهدافها.
أولا : تعريف الحق في التراجع
لم يعرف المشرع المغربي على غرار نظيره الفرنسي الحق في التراجع في القانون 31.08 المتعلق بحماية المستهلك والذي اكتفي بالتنصيص عليه في الديباجة ([4]) كحق أساسي من حقوق المستهلك التي يرمي إلى حمايتها وتعزيزها كما نظم أحكامه في مواد مختلفة من القانون السالف ذكره.
أما الفقه فقد عرفه DAVID bosco ([5]) انه حق أصيل يعطي للمتعاقد الحق في الانسحاب ويرقى بالطرف الضعيف وجها لوجه مع المتعاقد الأخر في إطار إعادة موازين القوى بين الطرفين.
وعرف المعجم الإلكتروني القانوني ([6]) أن الحق في الرجوع هو اختيار ممنوح بالقانون أو بواسطة شرط تعاقدي يمكن الطرف من العدول عن التنفيذ دون أن يحدث جزاءات معينة.
ومن جانبي يمكنني تعريف الحق في التراجع على انه عدالة خاصة أو تحكمية منحها المشرع للطرف الضعيف في عقود بيع المسافة لتدارك ما قد يشوب إرادته ورضاه من عيوب ناتجة عن عدم إلمامه ورويته روية واضحة للمنتج، هدفها وضع المستهلك كشريك في القرار ومكنة رافعة لأداء المهنيين تحت طائلة رجوع المستهلك عن التعاقد إذا ما أخل المهني بالتزاماته القانونية.
ثانيا نطاق التطبيق
بالاطلاع على أحكام قانون 31.08 نلاحظ أن حق التراجع مقتصر على عقد البيع المبرم عن بعد وعقد البيع خارج المحلات التجارية وقروض الاستهلاك ([7])، إلا أنه لابد من الإشارة إلى أن إعمال هذه المكنة يبقي نسبيا بحيث توجد حالات معينة على سبيل الحصر أوردتها المادة 38 من القانون رقم ([8]) 31.08 وذلك حتى لا يتعسف المستهلك في استعماله لهذا الحق الذي خوله إياه القانون إذ لا يمكن أن يمارس حق التراجع إلا إذا اتفق الطرفان على خلاف ذلك في بعض الالتزامات المادة 38 ([9]).
لكن هناك سؤال مطروح فإذا كان المشرع قد منح للمستهلك حق التراجع عن المنتج أو الخدمة فان الأمر يبدو اكثر تعقيدا مع المنتجات والخدمات التي تقدم في الحين على شبكة الأنترنت أي التي تقدم حالا وأنيا من قبيل: أفلام، برامج معلوماتية، مقاطع موسيقي، ألعاب، كتب سياحة ترفيه.. الخ.
لقد وضع المشرع هذه الإشكالية الراجعة لطبيعة السلعة أو الخدمة ([10]) في حسبانه، وبالتالي فإن الاستثناءات الواردة على حق التراجع ([11]) جاءت لوضع حد لإمكانية تعسف المستهلك أو قراصنة الأنترنت في استعماله لهذا الحق وكذلك لضمان سير التعاملات واستقرارها ([12]).
رابعا : أهداف الحق في الرجوع
في إطار الشريعة العامة للتعاقد نجد أن من حق الطرف المتعاقد أن يلغي العقد أو يطعن فيه بواسطة ميكانيزمات من قبيل عيوب الرضى كالغبن والإكراه ([13])، غير أن هذه الأليات التي وضعت في ظ ل ع الصادر سنة 1913 تبدو غير كافية نظرا لتحكم المهني في المنتوج والخدمة بشكل قد يجعل إعمال هذه الأليات التي نص عليها ظ ل ع تبدو غير مواكبة للتطور التقني الذي طال حقل التعاقد ([14])، وبالتالي جاء الحق في الرجوع من اجل تذليل عراقيل ناتجة عن عدم كفاية هذه الأليات من اجل حماية رضى المتعاقد ([15])، حيث أن المستهلكين يتمتعون من خلال هذا الحق بمهلة قانونية معقولة للتفكير بالعقد الذي ارتضوه على عجل وتخت ضغط وإكراهات الطرف المهني ([16]) يمكن له من خلالها التراجع عن العقد بقصد حمايته من تسرعه في التعاقد متأثرا بوسائل الدعاية والإعلان الحديثة الكاذبة والمضللة وحتى يكون الرضى اكثر نضجا وتعقلا ([17])
وعلى العموم من خلال ما سبق يظهر أن حق التراجع هو أكثر فعالية من مهلة التفكير ص ([18])
الفقرة الثانية : ضمانات ممارسة الحق في التراجع
من اجل ضمان فعالية لحق المستهلك في التراجع عن تنفيذ العقد المبرم بطريقة إلكترونية في إطار عقود المسافة، وحماية له باعتباره طرفا ضعيفا أمام المهني التاجر السيبيراني، عمل المشرع على إحاطة هذا الحق بمجوعة من الضمانات لممارسته بحرية وبطريقة مرنة.
أولا : وجوب إعلام المستهلك بهذا الحق
بالاطلاع على قانون 31.08 ت. ح. م نجد في ديباجته أن من أهداف هذا القانون إعلام المستهلك، والإعلام
لا يشمل فقط المنتوج أو الخدمة بل كذلك شروط العقد واتجه بذلك المشرع إلى فلسفة جديدة في تخليق الممارسات التجارية وجعل المهني شريكا في نشر الثقافة القانونية والحقوقية حيث ينص البند الرابع من المادة 29 من ق. ح. المستهلك:
“… يجب أن يتضمن العرض المقدم عن بعد:
1. ……….
2. ……….
3. ……….
4. وجود حق التراجع المنصوص عليه في المادة 36 ما عدا الحالات التي تستثني ذلك.
وبناء عليه فإن هذا الواجب الملقي على عاتق المهني بتنوير المستهلك قانونيا يعد في اعتقادي طفرة نوعية وفلسفة جديدة لبناء صرح متين لدولة الحق والقانون.
وهذا ما أكدت عليه التوجيهية الأوربية رقم 2002 65 CE إذ حتت الدول الأوربية على أن تضمن في تشريعاتها وتوجب على المهنيين أن يعلموا المستهلك بحقه في التراجع ([19])
لكن يعاب على المشرع المغربي انه لم يلزم المهني بان ينبه المستهلك إلى عدم وجود حقه في الرجوع أو التراجع في الحالات التي استثناها القانون فيظن المستهلك المتعاقد عن بعد أن له الحق في العدول في ما نصت عليه المادة 38 من استثناءات، ولم تلزم المهني بتنبيه المستهلك بذلك وفق ما جاءت به أحكام المادة 29 أعلاه التي استثنت الإعلام بعدم وجود الحق ([20]).
هذا الفراغ أو النقص التشريعي تجاوزه المشرع الفرنسي فتفاديا لوقوع المنازعات في ذلك فقد عمل قانون CHATEL ([21]) على وجوب إعلام المستهلك بوجود الحق سواء كان أم لم يكن لتفادي استغلال جهل المستهلك بان هناك استثناءات على هذا الحق ([22])
ثانيا : الحق في الرجوع من النظام العام
لقد جعل المشرع المغربي أحكام القسم الثاني المعنون بالممارسات التجارية من قانون 31.08 ت. ح. م محكومة بالنظام العام بمقتضى المادة 44 منه، الأمر الذي يجعل من كل شرط تعاقدي يحرم المشتري من ممارسة هذا الحق أو التنازل عنه يعد باطلا، فلا يمكن للمستهلك حتى ولو ارتضى ذلك أن يتنازل عن حقه في هذا الخيار ([23]) وفي ذلك تعزيز لإعمال هذه الضمانة وتجاوزا لمبدأ العقد شريعة المتعاقدين المعروف بمبدأ سلطان الإرادة.
ثالثا : ممارسة حق الرجوع مجانا
في إطار تعزيز حماية المستهلك المتعاقد عن بعد نجد أن المشرع منح المستهلك إمكانية ممارسة حق الرجوع دون دفع أي مقابل مالي كجزاء عن ذلك باستثناء مصاريف الإرجاع وهو ما أكده في المادة 36من قانون تحديد تدابير حماية المستهلك وهو نفس اتجاه المشرع الفرنسي المادة 20.121 من قانون الاستهلاك الفرنسي، الأمر الذي يضمن فعالية ممارسة هذا الحق من قبل المستهلك، فلو فرض القانون مقابلا ماليا لممارسة حق التراجع لتعذر على المستهلك الرجوع في التعاقد ولما تحقق التوازن الذي يهدف هذا الحق إلى تحقيقه بين طرفي العقد كما أكده قاض القرب بباريس ([24]) وهو ما أكدته التوصية 16 من التوجيهية الأوروبية 97/7/CEالمتعلقة بالبيوع عن بعد ([25])
كما أكدت محكمة العدل الأوربية CJCEبتاريخ 15 أبريل 2010 علي عنصر المجانية بقولها: ” أن التوجهات الأوربية تعارض اشتمال العقد شرطا يقضي بإلزام المستهلك بدفع مبلغ جزافي من المال كتعويض عن الضرر المحتمل الذي قد يصيب المهني لدفع ممارسة المستهلك لحقه في الرجوع عليه ([26])
رابعا : منح السلطة التقديرية للمستهلك
الحق في الرجوع يجد سنده في إعادة التوازن عن طريق الحد من السلطة التقريرية والمنفردة للمهني أو المورد، حيث أن قرارات المستهلك واختياراته غالبا ما لا تؤخذ بعين الاعتبار من طرف المهني الطرف القوي لذا جاءت مكنة التراجع للحد من هيمنة و”تغول” المهني بواسطة معرفته التقنية والمهنية من تسويق وإغراء ودعوة للتعاقد، هذا الإغراء غالبا ما يسقط فيه غالبية المستهلكين لذلك كان حق التراجع مكنة واختيار من اجل إعادة موازين القوى إلى نصابها ([27])
ومن بين النواقص التي شملت الحق في التراجع في البيوع عن بعد أنها لم تنص على منع مسك المهني للائحة يقيد فيها المستهلكين المتراجعين، في حين نجد أن المادة 85 من قانون 31.08 المتعلقة بقروض الاستهلاك تنص على وجوب عدم تقييد أي تراجع في سجل خاص وذلك لحماية المستهلك لئلا يكون موضوع حظر أو لائحة سوداء في معاملاته مع المقرض وهذا المقتضى غائب في التعاقد المستهلك عن بعد لذلك أرى انه يجب إعمال هذا المقتضى حتى لا يكون المستهلك المتعاقد عن بعد ضحية امتناع عن تقديم خدمة بسبب ممارسته لحق الرجوع في معاملة سابقة.
وعلى العموم لا يمكن إلا التنويه بالطابع التقدمي لقانون تدابير حماية المستهلك في مجال بيوع المسافة رغم بعض الإشكالات العملية الناتجة عن مراوغة الطرفين بالبحث عن نواقص يمكن استغلالها من اجل إحلال حق أريد به باطل ([28])
المطلب الثاني : تقييم أثار ممارسة الحق في التراجع
الفقرة الأولى : أثار الحق في التراجع على المس ته لك
بغض النظر عن الأثار القانونية التي يمكن أن تستشف مباشرة من المطلب أعلاه، أفضل بسط هذه الأثار من زاوية أخرى سوسيو اقتصادية لتجنب التكرار ولفهم دقيق لروح وفلسفة هذه المكنة القانونية.
أولا : الأثار الإيجابية على المستهلك
من خلال الاطلاع على أحكام وأهداف الحق في التراجع نستنتج أن هذه المكنة جاءت بأثار إيجابية على الحقل التعاقدي والتجاري في المعاملات الإلكترونية ومن بين هذه الإيجابيات نجد أن هذه المكنة تقوم بتعزيز الممارسات والمفاهيم التالية:
أ. تقوية مشاركة المستهلك في القرار
حيث أن هذا الحق يترجم لألية تشاركية تمكن من رفع التنافسية التجارية تضمن رفعا متواصلا للجودة، إذ أن تراجع المستهلك عن التعاقد يحمل رسالة وصوت واضح للمهني بعدم الرضى عن المنتج ويدفعه لتخليق ممارساته التجارية، حيث سيعمل هذا الأخير على الرفع من تنافسيته وجودة خدماته للحيلولة دون السقوط في مغبة التراجعات المتوالية للمستهلكين، فيكون هنا حذرا في إعلاناته وتسويقه للمنتج أو الخدمة وصناعته.
ب . تعزيز ولوج المستهلك للعدالة التعاقدية
من الأثار الإيجابية أن هذا الحق قد يقرب العدالة الخاصة من المستهلك وتفادي عبء التقاضي وما يترتب عنه من تنازع القوانين وتنقل ومصاريف، وهذا ما عمل عليه القانون الجماعي الأوربي والتوجيهات الصادرة عنه في مادة الاستهلاك، بالإضافة انه يمكن من تشجيع التجارة الدولية وتذليل عراقيلها ([29])
فمن خلال بسط المادة 37 من قانون 31.08 المقابلة للمادة 20-121L ([30]) من قانون المستهلك الفرنسي نجدها أعطت للمستهلك حق استرداد المبلغ المدفوع كاملا وعلى ابعد تقدير 15 يوما في الأولى و 30 يوما في القانون الفرنسي، من ممارسة الحق بل أضافت أن بإمكان المستهلك أن يطالب المهني بالفوائد بالسعر القانوني في حال فوات اجل 15 يوم دون مباشرة المهني إرجاع المدفوع.
هو أيضا عقاب مباشر للمهني الذي لم يحترم اختيارات وذكاء المستهلك أي هو عدالة خاصة وعقابية من المستهلك تجاه المهني الذي يبالغ في وصف المنتوج بصورة مغشوشة ومضللة ([31])
ثانيا: الأثار السلبية
يبقي كل عمل بشري معرضا للنقص ومن نواقص قانون تدابير حماية المستهلك في مجال التعاقد عن بعد لا سيما أحكام الحق في التراجع ليطرح مجموعة من الإشكالات العملية من قبيل:
قد يضن المستهلك انه يمارس حقه في الآجال المحددة له، ليكتشف أن بعض المهنيين المراوغين لقانون 31.08 قد وضعوا تاريخا أخر للعملية لتفادي ممارسة المستهلك لحقه في الرجوع فلا يفطن هذا الأخير للتاريخ بقدر ما فطن لحقه في الرجوع وتفحص السلعة أو الخدمة وقد يتطور الأمر ليصير دعوى أو منازعة أمام القضاء فيخسر دعواه.
يعيب جانب من الباحثين على المشرع أيضا عدم ذكره لطريقة الاسترداد وهنا قد يعمل المهني على الرد بواسطة قسيمة شراء مما يجعل المستهلك في حالة تبعية ([32]) إجبارية تعدم إرادته في الاختيار وتفرغ الحق من محتواه، وفي اعتقادي المتواضع أن الأمر لا يمكن أن يترجم إلى قسيمة شراء أو اداءات دورية مادامت المادة 37 تنص على عبارة:… يجب على المهني أن يرد المبلغ المدفوع هذه الأخيرة جاءت مسبوقة ب أل التي تفيد لا محالة التعريف وتحديد المردود من جنس ما أداه المستهلك، كما أن الوزارة الوصية المكلفة بالقطاع ([33]) فطنت لهذا الأمر فأصدرت دليلا عمليا لحماية المستهلك المتعاقد إلكترونيا وأوصت المورد أو المهني بان يرجع للمستهلك المبلغ الذي سبق أن أداه ([34]) وهنا لا يمكن ترجمة المبلغ إلى قسيمة شراء أو تعويض بمنتج أخر مادامت العبارة واضحة.
كما أن القانون لم يتعرض لمسالة في غاية الأهمية وهي الحالة التي يتم تسويق منتجات عن طريق التخفيض فيضع التاجر لافتة بان السلعة غير قابلة للإرجاع ولا للاستبدال وهنا يطرح التساؤل هل المستهلك هنا قد تعاقد إراديا مع المهني وطغي سلطان الإرادة أم بإمكانه الرجوع ([35])؟ في اعتقادي المتواضع أن الحق في التراجع جاء عاما على كل العمليات التي تتم بطريقة البيع والتعاقد عن بعد فهو يهم الطريقة التي تم بها التعاقد والتي تحمي أساسا عنصر الرضى ولا يهم السلعة أو المنتج كما أن الاستثناءات على حق الرجوع الواردة في المادة 38 من قانون 31.08 المتعلق بتحديد تدابير حماية المستهلك محددة.
الفقرة الثانية : أثار الحق في التراجع على المهني
يحمل الحق في التراجع مجموعة من الميزات تعود بالنفع على المهني. أولا. في حين أن هذا الحق قد يرهق كاهله ويهدد مصالحه الاقتصادية المبنية على المبادئ التجارية القائمة على حرية الإثبات والسرعة والثقة. ثانيا.
أولا : الأثار الإيجابية على المهني
من الناحية السوسيوقتصادية فإن أهمية وشرعية الحق في الرجوع تجد مبرراتها كون حق الرجوع تعتبر ألية باهظة ومكلفة للمهني قد تحد من ممارساته الغير مشروعة وتحد من تغول وجشع بعض المهنيين يمكن تطويعها كألية لتخليق الممارسات المهنية والتجارية
كما تمكن هذه الألية المستهلكين من حصول على جودة عالية وتقوي المنافسة بين المهنيين من اجل جودة أكبر.
ومن الأثار الإيجابية للحق في التراجع أنها تقنية تمكن من تنمية التجارة الإلكترونية عبر توثيق عنصر الثقة فيها من جانب المستهلكين اللذين يتزايدون بوثير سريعة على التعامل بواسطتها، بالإضافة إلى تشجيع التجارة عبر الدولية الإلكترونية ([36]) وهذه الميزة نابعة من التوجيهية الأوربية رقم CE/48/2008 ([37])
ومن مزايا هذه التقنية أنها تحد من الوقوع في المنازعات ([38]) وههنا تمكن المهني من تفادي مقاضاته عبر حل رضائي بإرجاع المنتوج أو الخدمة له وتجنبه التشهير السلبي به أمام المحاكم، كما تحمي هذه الألية بعض الخدمات القائمة على براءة الاختراع والملكية الفكرية، فالمهني يفضل هنا قبول رجوع المستهلك كحل أفضل من عرض النزاع على القضاء الذي يناقش علنية مجموعة من الأمور قد تمس السمعة التجارية له وقد يضطر لعرض مجموعة من أسرار المهنة قد يستغلها البعض في المنافسة غير المشروعة.
وعموما فإن هذه المكنة تمكن من بناء جسر للثقة بين المستهلك والمهني أي التاجر الإلكتروني يطلع من خلالها على جانب التقصير والنقص التي شابت المنتج أو الخدمة لتداركها مستقبلا واستغلالها في تعزيز موقعه مع المنافسين الأخرين.
ثانيا : الأثار السلبية للحق في التراجع على المهني
قد تعود هذه الألية بالسلب على العمل التجاري من خلال بعثرت حسابات وتوقعات المهني، وقد يطاله تعسف من المستهلكين ذوي النية السيئة خصوصا وان القانون مكن المستهلك من ممارسة هذا الحق دون تعليل لموقفهّ، حيث أن ليس للقاضي في حال المنازعة أمامه قلنا ليس له سلطة مراقبة سبب تراجع المستهلك مادام اتخذ قراره في المدة القانونية.
لكن هل يمكن أن يتابع المستهلك من اجل سوء نيته أو تعسفه في استعمال الحق؟ وما الحل إذا أحدث ضررا للمهني؟
يرى جانب من الباحثين انه مادام الحق تحكمي وتقديري فانه لا مجال لممارسة القاضي للرقابة على أسبابه مادام هذا الحق نهائي وضع لحماية مصلحة عليا، ([39]) وأرى من جانبي أن قانون حماية المستهلك هو قانون تقدمي لا يمكن أن ينزل عن الحدود القصوى التي قررها القانون، لكن أليس في ذلك مسا بمبدأ الأمن القانوني الذي يعد محفزا لكل استثمار؟ وأين مبادئ العدالة والأنصاف من ذلك؟
فيما يخص الأمن القانوني فإن من أهم مبادئه أن تكون القاعدة القانونية:
1 متوقعة وواضحة ([40])،
2 استقرار العلاقات التعاقدية
3 منع القواعد التي تطلب المستحيل
4 سهولة الولوج إلى القانون والمحكمة
5 الحرص على مبدأ المساواة
6 ضمان حقوق الدفاع
تنزيلا لهذه المبادئ إذا ما حاولنا تطبيق هذا المبدأ علي تحكم المستهلك في الرجوع دون تبرير نجدها مطابقة لمبدأ التوقع والوضوح مادام المشرع واضحا في هذه المسالة حيث لم يلزم المستهلك بتعليل موقفه وهي قاعدة واضحة أيضا للمهني، لكن عدم تبرير المستهلك لموقفه وعدم رقابة القاضي على ذلك نجده متناقضا مع المبادئ المكونة للأمن القانوني التي أشرنا إليها أعلاه من 2 إلى 6، ومن ثمة فإنه يجب الإشارة أن ضمان أي استقطاب للاستثمار يجب أن يحاط بأمن قانوني وقضائي ([41]).
كما أن من عيوب مجال التجارة الإلكترونية بالمغرب عدم وجود قانون خاص بها يغني عن النصوص المتفرقة، هذا الأمر يشكل عرقلة حقيقية لعجلة الاستثمار في المجال الرقمي ومراقبته، إذ قد يتضرر بعض المهنيين من المنافسة غير الشريفة بل قد تتضرر أيضا مالية الدولة وتصبح التجارة الإلكترونية مجالا للتهرب الضريبي، وهذا ما يلاحظ في التجارب المقارنة إذ اغلب المواقع تقوم بتوطين أشغالها ب إيرلندا ولوكسومبورغ التي تعرف امتيازات جبائيه ([42])
[1] مداخلة مقدمة في إطار ندوة المعاملات الإلكترونية بتاريخ 14 ماي 2015 بمركز الدراسات والبحوث الاجتماعية وجدة
[2] قانون تحديد تدابير حماية المستهلك 31.08 الصادر بتاريخ 7 أبريل 2011 الجريدة الرسمية عدد 5932 ص 1072
[3]RBIIJAMAL, le droit de rétractation dans la loi 31.08 édictant des mesures de protection du consommateur actes colloque garanties protection consommateurs services touristiques Settat2012 , imprimerie Annajah Aljadida p 7
[4] انظر ديباجة ق. ح. م. م. التي تنص على أنه: “يعتبر هذا الإطار مكملا للمنظومة القانونية في مجال حماية المستهلك ومن خلاله يتم تعزيز حقوقه الأساسية ولاسيما منها:
– الحق في الإعلام.
– الحق في حماية حقوقه الاقتصادية.
– الحق في التمثيلية.
– الحق في التراجع.
– الحق في الاختيار.
– الحق في الإصغاء إليه “.
[5]David Bosco droit rétractation D’un aspect des rapports du droit de la consommation et du droit commun des contrats mémoire pour l’obtention du DEA de droit prive de la Faculté de droit et de science politique d’Aix-Marseille 1999, p 3
[6]http://www.dictionnaire-iuridique.com/definition/retracter.php
[7] يهمنا في هذه المداخلة العقود المبرمة عن بعد
[8] تقابلها المادة 55 من قانون حماية المستهلك اللبناني
[9] المادة 38 من قانون حماية المستهلك. *لا يمكنه أن يمارس حق التراجع إلا إذا اتفق الطرفان على خلاف ذلك في العقود المتعلقة بما يلي:
– الخدمات التي شرع في تنفيذها بموافقة قبل انتهاء أجل سبعة أيام كاملة.
– التزويد بالمنتوجات أو السلع أو الخدمات التي يكون ثمنها أو تعريفتها رهنا بتقلبات أسعار السوق الكاملة.
– التزويد بالسلع المصنوعة حسب مواصفات المستهلك أو المعدة له خصيصا أو التي يمكن طبيعتها إعادة إرسالها أو تكون معرضة للفساد أو سرعة التلف.
– التزويد بتسجيلات سمعية أو بصرية أو برامج معلوماتية عندما يطلع عليها المستهلك.
– التزويد بالجرائد أو الدوريات أو المجلات.
[10] وبالنظر إلى هذه الالتزامات نجد بأن المستهلك يتحمل فيها نصيبا في نشوئها كما لو تم الشروع في تنفيذها بموافقته أي المستهلك أو أن السلع المصنوعة كانت بالمواصفات التي طلبها أو معدة له خصيصا أو أنه سبق له الاطلاع عليها أو أن طبيعة المنتوج لا تبرر ممارسة هذا الحق كالتزويد بالجرائد أو الدوريات حيث لا يمكن ممارسة حق التراجع إلا إذا تفق الطرفان على خلاف ذلك وهذا الأمر صعب في ظل الوضعية الصعبة التي يتواجد فيها المستهلك باعتباره الطرف الضعيف في العلاقة التعاقدية.
[11] كما أنه لا يمكن للمستهلك الاستفادة من القواعد المتعلقة بحق التراجع في البيع خارج المحلات التجارية في ثلاثة استثناءات وهذه الأخيرة حددتها المادة 46 حيث تستبعد خضوع مقتضيات البيع خارج المحلات التجارية كل من:
– الأنشطة المنظمة بنص تشريعي خاص وعلى سبيل المثال لا الحصر المادة 112 من مدونة الأودية والصيدلية الصادرة
بمقتضى الظهير الشريف رقم 1-06-151 الصادر في 30 شوال 1427. (22 نوفمبر 2008) بتنفيذ قانون رقم17-04.
– البيع بالمنازل لمنتوجات الاستهلاك العادي الذي يقوم به المود أو مأموره خلال حوالات متواترة أو أدوية داخل المجموعة
العمرانية التي توجد بها مؤسساتهم أو بجوارها.
– بيع المنتوجات المتأنية بصفة حصرية من صنع أو إنتاج شخصي للمود خارج المحلات التجارية أو لعائلته وكذا تقديم الخدمات المرتبطة بمثل هذا البيع والمنجزة على الفور من لدنهم ويتعلق الأمور بالبيع الذي يجريه الحرفيون أو الفنانون بشأن أعمالهم أو أعمال عائلتهم
ويستثنى كذلك ما نص عليه المشرع في الفقرة الأخيرة من المادة 49 التي جاء فيها لا تطبق إمداد هذه المادة على العقود المبرمة وفق الشروط المنصوص عليها في المادة 51:
[12] عبد الكريم عباد: حماية المستهلك في عقد التجارة الإلكترونية، مجلة الدفاع، العدد 6، 2011. ص108-107 :.
[14] تجدر الإشارة إلى أن الشريعة الإسلامية كانت سباقة لحماية الطرف الضعيف من خلال مؤسسات مثل خيار الروية وخيار المجلس، فهو عام لكل متعاقد لم يسبق له رؤية المبيع، للمزيد من التوسع يمكن الرجوع إلى:
عبد الرحمان الشرقاوي، القانون المدني، درسه حديثة للنظرية العامة للالتزام على ضوء تأثرها بالمفاهيم الجديدة القانون الاقتصادي، الكتاب الأول مصادر الالتزام، دار ابي رقرارق الطبعة الأولى. الرباط 2012 ص 198
[15] RBII JAMAL article p cite p 10
[16] عبد المنعم موسى إبراهيم، حماية المستهلك. دراسة مقارنة. منشورات الحلبي الحقوقية الطبعة الأولى، لبنان 2007 ص 510
[17] عبد الكريم عباد، حق المستهلك في الرجوع في قطاع الخدمات السياحية، مقالة منشورة في مجلة أشغال اليوم الدراسي المنظم بكلية الحقوق بسطات 16 مارس 2012 بعنوان: ضمانات حماية مستهلك الخدمات السياحية قراءة في القانون 31.08 والممارسة القضائية والعملية الحق في الإعلام، الحق في الاختيار، الحق في التراجع، مطبعة النجاح الجديدة، الدار البيضاء 2013 ص 33
[18] Rbii Jamal article p cite p 8 et 9
[19]CONSEDERATION N 23 DIRECTIVE N 2002 65 CE
[20] المادة 29 من ق. ح. المستهلك:
“… يجب أن يتضمن العرض المقدم عن بعد:
1. ……….
2. ……….
3. ……….
4. وجود حق التراجع المنصوص عليه في المادة 36 ما عدا الحالات التي تستثني ذلك.”
[21]la loi de 2005 tendant à conforter la confiance et la protection du consommateur
La loi n° 2008-3 du 3 janvier 2008 pour le développement de la concurrence au service des consommateurs est une loi française qui réglemente les liens contractuels entre les professionnels prestataires de services et leurs clients
[22] Article 30 de la Loi Chatel: A compter du 1er juin 2008, et bien que “nul ne soit censé ignorer la loi”, les entreprises seront obligées de fournir une information complète à leurs clients sur le cadre juridique applicable au droit de rétractation
[23] عبد المنعم موسي إبراهيم، مرجع سابق ص 510
[24] Par une jugement du 10 juillet 2009, le juge de proximité de Paris a accueilli cette demande de remboursement aux motifs que M. X. et Mme Y. ont été privés de leur droit de rétractation.
En effet, le juge de proximité a appliqué l’article L. 121-20 du Code de la consommation qui dispose que :
« Le consommateur dispose d’un délai de sept jours francs pour exercer son droit de rétractation sans avoir à justifier de motifs ni à payer de pénalités, à l’exception, le cas échéant, des frais de retour. Le consommateur peut déroger à ce délai au cas où il ne pourrait se déplacer et où simultanément il aurait besoin de faire appel à une prestation immédiate et nécessaire à ses conditions d’existence. Dans ce cas, il continuerait à exercer son droit de rétractation sans avoir à justifier de motifs ni à payer de pénalités ».
En savoir plus sur http://www. village-justice, com./articles/limites-droit-retractation-arret,9245. html#E426ljFXIK8UBbsz. 99
[25] Directive 97/7/CE du Parlement européen et du Conseil du 20 mai 1997concernant la protection des consommateurs en matière de contrats à distance [Voir actes modificatifs].
[26] CjCE 15 AVRIL 2010 Le Droit De rétractation
[27] Rbii JAMAL, article p cite P 8
[28] سنحاول بسط بعض مظاهر الإشكالات العملية من خلال المطلب الموالي
[29] Caria BAKER CHISS , le droit de rétractation du contrat électronique p 136
[30] تنص المادة:
تقابلها في القانون الفرنسي
Article 31 de la Loi Chatel : Le nouvel article L. 121-20-1 du code de la consommation dispose que “lorsque le droit de rétractation est exercé, le professionnel est tenu de rembourser le consommateur de la totalité des sommes versées, dans les meilleurs délais et au plus tard dans les 30 jours suivant la date à laquelle ce droit a été exercé. Au-delà, la somme due est, de plein droit, productive d’intérêts au taux légal en vigueur”
[31]RBII JAMAL P 11
[32] عبد الكريم عباد، ص 36
[33] وزاره الصناعة والتجارة والاستثمار والاقتصاد الرقمي
[34]Fiche pratique relative à la protection des consommateurs .les contrats a distancé 2014 publie sur le site du poratial service consommateur marocain dispose que : En cas d’exercice du droit de rétractation, le fournisseur est tenu de rembourser au consommateur le montant total payé http://www.khidmat-almostahlik.ma/portal/sites/default/files/Droits%20du%20Consommateur/fiche%20pratique%20contrat%20%C3%A0%2 0distance-4.pdf viste le 10 avril 2015
[35] للمزيد من التوسع في هذه الإشكالية المرجو مراجعة:
Yvon Merliere, Dominique Jacomet et Evelyne Chaballier, L impacte du commerce électronique en matière des soldes et de promotions publication centre de recherche pour I étude et I observation des conditions de vie avril 2011 publie sur le site du centre http://www.credoc.fr/pdf/Sou/Soldes sur lnternet.pdf
[36]CARLA BAKKERCHISS, art pcite p 140
[37] Considérant n 8 directive 2008 48 CE dispose
[38] Jamal rbii
[39] Jamal rbii
[40] Le conseil d état française a défini le principe comme la suit : “Le principe de sécurité juridique implique que les citoyens soient, sans que cela appelle de leur part des efforts insurmontables, en mesure de déterminer ce qui est permis et ce qui est défendu par le droit applicable. Pour parvenir à ce résultat, les normes édictées doivent être claires et intelligibles, et ne pas être soumises, dans le temps, à des variations trop fréquentes, ni surtout imprévisibles”
[41] للمزيد من التوسع في مبدأ الأمن القانوني والقضائي المرجو مراجعة:
عبد المجيد غميجة، الأمن القانوني وضرورة الأمن القضائي، المقالة
[42]Yvon Merliere, Dominique Jacomet et Evelyne Chaballier, L impacte du commerce électronique en matière des soldes et de promotions publication centre de recherche pour I étude et I observation des conditions de vie avril 2011 publie sur le site du centre http://www. credoc.fr/pdf/Sou/Soldes sur lnternet.pdf p28


