د. سعود بن عبد العزيز الخنين

قسم النحو والصرف وفقه اللغة  كلية اللغة العربية

جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية

ملخص البحث:

اشتَمَل باب التنازع  على الكَثير مِن التَّراكيب الغَريبة التي قد يُحكَم لأوّل وَهلةٍ عليها أنها بعيدةٌ عن طبيعة الكلام العربي، لما فيها من إضمارٍ يَجعل الجملة مضطربة فيها ذكر الضمير في غير موضعه؛ فيعود على متأخر في اللفظ والرتبة، أو يتكرر في الجملة الضمير أو الظاهر، أو يكون فيه فصلٌ بين العاملِ والمعمول.

وقد حرَصت في هذه الدراسة  أن أدرس المسموع الوارد في كتب النحويين إن كان يتّفق مع تلك الصور، ونظرت في قياس النحو هل يلائمها، وبحثتُ في قضيّة الإضمار قبل الذكر هل لها وجهٌ في كلام العرب، وتأمّلتُ في التفريق بين ضمير الرفع وغيره في عود الضمير على متأخرٍ في اللَّفظ والرتبة، وحاولت أن أجدَ سبيلاً لوجهٍ قياسيٍّ يوافق كلام العرب يتناولُ حالةَ تداخُلِ الجملتين واختلاطَ عواملِها بمعمولاتها.

وحاولت أن أحصي صور التراكيب التي تكون في هذا الأسلوب، وأن أجد علاجًا لكل صورة منها تسلم من تلك المشكلات.

Pronominalization in Tanazu’ ‘Conflict’ Style with Reference

to Regular and Irregular Uses

Dr. Saud Ibn Abdulaziz Al-Khunain

Department of Syntax, Morphology, and Philology

Al-Imam Mohammad Ibn Saud Islamic University

Abstrsct:

The area of Tanazu’ [the conflict in identifying the relation between a pronoun and its referent] has numerous strange structures, which can be judged, at first gloss, as too far from the nature of Arabic speech, due to the misplaced pronouns, which makes the sentence unbalanced. Examples of this would be when a pronoun refers to a referent that is mentioned afterwards in the sentence [as in cataphora] and is of lower rank in terms of the Arabic sentence order, when the pronoun or the referent is repeated within the same sentence, or when the subject is separated from its object.

In this study, I was keen to investigate irregular uses mentioned in the books of Arab grammarians, to see if they matched any of the previously mentioned cases. I then looked into the books of Arabic grammar to find any regular uses that might match these cases. Additionally, I carefully examined the cataphoric use of pronouns to see if there is any justification, or an approved use in standard Arabic. I have also investigated the distinction between the subjective pronoun and other pronouns in referring to a referent that is mentioned afterward in the sentence [as in cataphora] and is of a lower rank in terms of the Arabic sentence order. Further, I have tried to find a standard use of two overlapped sentences, with their subjects and objects interchanged.

Finally, I have tried to list the forms of such structures, which are used in this style and to find solutions for every form, free of those problems.

مدخل:

غَمَرَني بالإعجاب والفخْرِ ما وجدتُه من إحكامٍ في أحكام النحو، و جمالٍ في جُمَله، ودقةٍ في دقائقِه، وتناسُبٍ في أداء المعاني، وتناسُقٍ في الألفاظ، وأَكَّدَ لي ذلك ما وجدتُه من قواعدَ عامّة تَسري على كلّ الأساليب، ويُحتَكَمُ إليها في كلّ الأبواب.

غيرَ أنّ بابَ التَّنازع  بلَغَ به البَحثُ عند المتأخِّرين مبلغًا في بعض تفاصيلِه من الصُّعوبة والتعقيدِ ما لَيس يَخْفَى، فقد اشتَمَل على تراكيبَ غَريبة،  قد يُحكَم لأوّل وَهلةٍ عليها أنها بعيدةٌ عن طبيعة الكلام العربي، تجدُ واحدًا منها عند سيبويه، وليس ببعيدٍ، ثمّ ما تزال مع تأخّر الزَّمان تَزداد صعوبةً وتكرارًا وإضمارًا، فمِن أمثلة سيبويه والمبرّد كِلَيهما: (مَررت ومرَّ بي بزيد) بإعادة الباء[1]، ومن أمثلة المبرّد: (قَصَدتُ وقَصدَ إليّ إلى زيد)[2]، و(ظَننتُ أو قُلْت  هو هو زيدًا منطلقًا)[3]، و(أعلمتُ وأعلمَني إيّاه إيّاه زيدًا عمرًا خيرَ الناس)[4]، وكذلك عند المبرّد أيضًا وهو عند عاّمة النحويين: (ظنني وظننت زيدًا منطلقًا إيّاه)، و(ظننت وظنّاني منطلقًا أخويك منطلقين)[5]، ومن أمثلة الزّجاجي: (أعطيت وأعطونيها الزيدين دراهمَ) و(ظننت وظنّاني شاخصًا الزيدَينِ شاخصًا)[6]، وانتَشَر في أكثر كتبِ النَّحو مثلُ: (ظنَّني وظَنَنْتُهم شِاخِصِينَ الزَّيدون شاخِصًا)[7]،  وعند الفارسيّ: (أعلمْنا وأعلَمونا إيّاهم إيّاهم الزيدِينَ العَمْرِينَ خيرَ الناس)[8]، وعند الرّضي: (حَسِبَني وحَسِبْتُهما إيّاهما الزيدانِ منطلقًا)[9]،وعند الخبيصي: (حَسِبَتْني وحَسِبْتُها منطلقةً هندٌ مُنطلقًا)[10]، وعند ابن النّاظم: (ظَننتُ منطلقةً وظنَّتني منطلقًا هندٌ إيّاها)[11]، وعند أبي حيّان: (ضربني وضربت ومرَّ بي زيدًا هو هو)[12]، ونَقل عن بعض النحويين: (ضربت وضربني قومَك قومُك)[13]، وعند أبي حيان وناظر الجيش: (نُبِّئْتُ كما نُبِّئْتَ عنه به عن زيدٍ بخير)[14]، و(أعلَمَني وأعلمتُ زيدً عمرًا قائمًا إيّاه إيّاه إيّاه)[15]. وقد بلغ الغايةَ في التكلُّف والتمحُّل والبُعدِ عن كلام العرب مَن أجاز نحو: (أعلمت وأعلمني إياه إياه فيه فيه إياه إياه زيدًا عمرًا ضاحكًا يوم الجمعة خلفك تهذيبًا إعلامًا)!! نَقل ابنُ النحاس عن ابن الدهّان أنه يجوز على قول الكوفيين في المسألة.[16]

    وتَحْفَظُ في الصَّلاة على النبيّ دعاءً، ما ألذَّه وأيسرَه، وما أجملَه وأخصَرَه: (… كما صليت ورحمت وباركت على إبراهيم وآل إبراهيم)، ويجيز لك الزَّبيديُّ أنْ تقول: (كما صليت ورحمت وباركت عليه وعليهم إبراهيم وآل إبراهيم) ويُجيز لك أيضًا: (كما صلّيت ورحمته وإيّاهم وباركت عليه وعليهم على إبراهيم وآل إبراهيم)[17] ويجيز الشاطبي فيه: (كما صليت ورحمته وآله وباركت عليه وعليهم على إبراهيم وعلى آل إبراهيم)[18]، ولك أن تقارِنَ بين ما تَحفظه وما أجازوه، وما أوجَزْتَه وما أَطالُوه، ثم قارنْ بين جمال اللفظ وإيجاز العبارة والخلوّ من الإضمار في قوله تعالى: (يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلَالَةِ إِنِ امْرُؤٌ هَلَكَ لَيْسَ لَهُ وَلَدٌ وَلَهُ أُخْتٌ فَلَهَا نِصْفُ مَا تَرَكَ وَهُوَ يَرِثُهَا إِنْ لَمْ يَكُنْ لَهَا وَلَدٌ فَإِنْ كَانَتَا اثْنَتَيْنِ فَلَهُمَا الثُّلُثَانِ مِمَّا تَرَكَ وَإِنْ كَانُوا إِخْوَةً رِجَالًا وَنِسَاءً فَلِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ أَنْ تَضِلُّوا وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ) (النساء176) وما أجازه فيها بعض النحويين في غير القرآن: (يستفتونك قل الله يفتيكم فيها في الكلالة)[19] وبين قوله تعالى: (آَتُونِي زُبَرَ الْحَدِيدِ حَتَّى إِذَا سَاوَى بَيْنَ الصَّدَفَيْنِ قَالَ انْفُخُوا حَتَّى إِذَا جَعَلَهُ نَارًا قَالَ آَتُونِي أُفْرِغْ عَلَيْهِ قِطْرًا) (الكهف96) وما أجازه النحويون فيها: (آَتُونِي أُفْرِغْ عَلَيْهِ قِطْرًا)، وبين قوله تعالى: (وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآَيَاتِنَا أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ) (البقرة٣٩) وما أجازوه: (وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآَيَاتِنَا)، وبين قوله تعالى: (وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا يَسْتَغْفِرْ لَكُمْ رَسُولُ اللَّهِ لَوَّوْا رُءُوسَهُمْ وَرَأَيْتَهُمْ يَصُدُّونَ وَهُمْ مُسْتَكْبِرُونَ) (المنافقون٥)، وما أجازوه: (لَهُمْ تَعَالَوْا يَسْتَغْفِرْ لَكُمْ رَسُولُ اللَّهِ)، وغيرُ ذلك كثير.

وابنُ مالك حين ذَكَرَ أحدَ الأمثلة السابقة وَصَفَ كثرةَ الضمائر بأنها منفِّرة، ووصَفها الشاطبيُّ بأنها غيرُ مستحسَنة، وبأنها قبيحة، ووصَفا بالتنفير والقُبْح كذلك تَواليَ حُروفِ الجرّ، والفصلَ بين العامل والمعمول[20]، وكلُّها قد وجدتَها في الأمثلة السابقة بسبب ما فيها من إضمار.

       فهل كلامُ العرب حَقًّا فيه مثلُ هذه الأساليب التي غلَب عليها التكرارُ، وأفسدَها -فيما أرى- الإضمارُ، وهل تحتملُ تراكيبُ هذا البابِ تلك التأويلاتِ المتداخلةَ، التي تجعل تأليفَ بعض الجمل التي فيها تنازعٌ أشبهَ بعملية عقلية دقيقة، لا تُجدي فيها البديهة، ولا تَنفع معها الفِطرة اللغويّة، بل لا بدَّ من صُنْعِها صناعةَ الحذِر، يَحذر المتكلمُ فيها أن يَخلِط الضمائرَ أو أن يَنسى بعضَها.

وحَسبُك أن تَسمعَ هذا الفصلَ من آخِر كلامِ ابن هشام عن التنازع، يعلِّمك فيه كيف تصوغ جملةَ التّنازع،  ولعله فيه أظهرُ من غيره من المؤلَّفين؛ لترى أنّ عرض الموضوع بهذه الطريقة لا يخلو مِن مشكلة، ويحتوي على تراكيب غريبة، يقول: “مسألة: إذا احتاج العامل المهمل إلى ضمير، وكان ذلك الضمير خبرًا عن اسم، وكان ذلك الاسم مخالفًا في الإفراد والتذكير أو غيرهما للاسم المفسر له – وهو المتنازَع فيه – وجب العدول إلى الإظهار، نحو: (أظن ويظنانني أخًا الزيدين أخوين)؛ وذلك لأن الأصل: (أظن ويظنني الزيدين أخوين) ف(أظن) يطلب (الزيدين أخوين) مفعولين، و(يظنني) يطلب (الزيدين) فاعلاً و (أخوين) مفعولاً؛ فأعملنا الأول فنصبنا الاسمين، وهما (الزيدين أخوين)، وأضمرنا في الثاني ضمير (الزيدين)، وهو الألف، وبقي علينا المفعول الثاني يحتاج إلى إضماره، وهو خبر عن ياء المتكلم، والياء مخالفة ل(أخوين) الذي هو مفسر للضمير الذي يؤتى به، فإن الياء للمفرد، و(الأخوين) تثنية، فدار الأمر بين إضماره مفردًا ليوافق المخبر عنه وبين إضماره مثنى ليوافق المفسر، وفي كل منهما محذور، فوجب العدول إلى الإظهار، فقلنا: (أخًا)، فوافق المخبر عنه، ولم يضره مخالفته ل (أخوين)؛ لأنه اسم ظاهر لا يحتاج لما يفسره. هذا تقرير ما قالوا، ولم يظهر لي فساد دعوى التنازع في (الأخوين)؛[21] لأن (يظنّني) لا يطلبه لكونه مثنى، والمفعول الأول مفرد. وعن الكوفيين أنهم أجازوا فيه وجهين: حذفه وإضماره على وفق المخبر عنه”.[22]

ولعلّي أزعم أنّ خير مَن درّسَ باب التنازع سِنين طوالاً لا يستطيع أن يؤلّف – وهو مطمئنّ- جملةً على نحو هذه الجمل، ولا سيّما إذا كان محتاجًا لاستعمال الفعل: (ظنّ) أو (كان) أو إحدى أخواتهما، بل سيصنعه صناعة متأنية، غيرَ مأمونة الخطأ وغيرَ ظاهرة المعاني، وأجزم أيضًا أنه لن يُقبِل على تدريسه مدرِّسٌ إلا بعد مراجعة شديدة، وسيضطرُّ إلى حفظ أمثلة النحويين والتقيّد بها والحذرِ من خَلْطها أو الخطأ فيها.

وستعجَبُ كما عجِبتُ إذا علِمتَ كما علِمتُ بهذا البحث أنّه لا يوجد شاهد نثريٌّ واحدٌ يكون فيه بعض ما سبق من الإضمار مؤخّرًا أو مقدَّرًا، أو ما يكون فيه من التكرار، كلاّ، ولا شاهدًا شعريًّا، إلا ما يكون من الإضمار اليسيرِ المقبول قياسًا والمأثور سماعًا داخل الجملة، وستجد منه نوعًا من الإضمار أيسرَ ممّا رأيت في الأمثلة السابقة، وهو الإضمار قبل الذكر، وستجد تمحيصَ سماعِه والنظرَ في قياسِه، وما عداه فلم أجده في الشواهد، وسترى خبرَ الجميع في هذا البحث الموجز.

والباحثون من النحويين المتأخرين منهم – مع الأسف- مَن يدعو إلى حذف باب التنازع وإلغائه[23]، ولم يتأمّل في جماله ولا في الحاجة إلى ما فيه من إيجاز، وأكثرُهم يكتفون أن ينادوا بتهذيبه وتخليته ممّا فيه من مواضعَ وصفوها بالتعقيد، يعنون مثلَ ما سبق أن أوردتُ أمثلة له في صدر هذا البحث، ومعهم الحق في أكثر ذلك، لكنهم لم يبيّنوا كيف يكون ذلك، وما ضابطه، ولم ينصُّوا على علاجٍ معيّنٍ لمشكلاته، ولم يتتبّعوا ما في كتب النحو من سماعٍ، ولم يرصدوا ما فيها من شواهد، فينظروا ما يقبل منها وما لا يقبل، وما يكون في الضرورة وفي السعة، ولم ينظروا فيه مما يوافق قياس النحو أو يجافيه.

وهذا ما يحاول هذا البحثُ الإسهامَ فيه برأيٍ والإدلاءَ فيه بدلوٍ.

*    *    *

مشكلة البحث:

البحث في باب (التنازع) عميقٌ، وهو بابٌ من أهمّ الأبواب النحوية التي يكون فيها إيجازٌ في الأساليب واختصارٌ، وكثيرًا ما يحتاج إليه المتكلّمون، وقد ورَد في القرآن كثيرًا، وهو بابٌ واسع، سأُعنَى منه بالذي أراه سببَ ما فيه من عُسرٍ وتعقيدٍ في التراكيب التي رأيتَ طرفًا منها، وهو قضيّة الإضمار للعامل المهمَل، أو علاجه عامة إمّا بالإضمار أو بالتكرار، ذلك أنّ من المستقِرِّ في هذا الباب أنّه إذا تنازعَ عاملان العملَ في معمولٍ، فإنّه يُعمَل أحدُهما في لفظِه، وأمّا الآخَرُ فإنَّه يُعمَل في ضميره، (على تفصيلٍ في ذلك وتشعيب) وهذا الإضمار هو الذي تسبب في الأمثلة السابقة.

والمشكلُ في عامّةِ الصُّور هو الإضمارُ قبل الذكر وعودُ الضمير على متأخرٍ في اللفظ والرتبة والحرصُ على استيفاء جميع المعمولات، فتذكرُ مكررةً متواليةً أو متفرّقةً، ويُغني عن ذلك ويُسلم منه أنْ يُحذفَ الضمير من الأول، أيًّا كانَ مِن غير تفريقٍ بين موقع ذاك الضمير، فلا فرقَ بين مواقع الضمير عند التأمّل في قضية مخالَفة تركيب الجمل وفي حَرجِ عَود الضمير على ما يأتي بعده ويُفترض أنه يفسِّره، ويُسلِم منه أيضًا أن يُحذف بعض المعمولات التي يُغني عنها غيرُها، ولَيس بكبيرٍ أن يُحذَف الضميرُ ولا بعض المعمولات؛ فإنّ كلام العرب قائمٌ على جواز الحَذف إن فُهِم المعنى وإنْ عُرف المراد.

وسببُ ما رأيت من تلك الصور هو التزام النحويين بالإضمار في بعض المواضع استيفاءً لعناصر الجملة، بل لعناصر الجملتين المتداخلتين، والتزامُهم في القياس بأنّه لا يجتمع عاملان على معمول واحد، وما ينبغي للقاعدة الاجتهادية المتأخرة أن تضيّق استعمالاً من أحسن الاستعمالات وأكثرِها إيجازًا وأجمعِها للمعاني- أن تضيّقه وتخوّفَ الناس من استعماله، حتى رأيت كثيرًا من الكتاب البارعين والمبتدئين يتحاشى استعمالاً كهذا؛ لا لأنه يوقن بخطئه، بل لأنه في باب مشكلٍ جدًّا، فيخشى أن يكون استعمالُه ممّا مُنِع منه، وهو يعلم أنَّ الصَّواب فيه يكون بتكرار إضمار في آخر الجمل مطابقٍ ومخالفٍ على النحو الذي مَضت أمثلتُه الغريبُ بعضها، ولا يُرضيه مثل ذلك؛ لأنه يراه حاطًّا من قدْر الفصاحة وطاعنًا في وصف البلاغة، والحقّ أنه كذلك.

قضيّة الإضمار قبل الذكر:

من هَدي العَرب في كلامهم أنهم يستعملون الضميرَ حيث يريدون الاختصار والإحالةَ على كَلامٍ سابقٍ في اللفظ، أو مستقرٍّ في الذهن معروفٍ من الحال المشاهدة، فهو في حكم اللَّفظ السابق.

لكنَّ باب التنازع في تأويلات بعض العلماء واستعمالاتهم يكون فيه ما يخالف هذا الهديَ المستمِرَّ في كلام العرب، فيكون فيه عودٌ للضَّمير على متأخّرٍ في اللفظ والرتبة معًا، أو يكون فيه تكرارٌ لبعض ألفاظ الجملة، فجماهير العلماء يجيزون نحو: (ضَربوني وضربتُ قومَك)؛ لأنه محالٌ عندهم أن يبقى الفعلُ بلا فاعل[24]، بل يصرّح بعضهم بوجوبه، حكى ابنُ هشام إجماعَ البصريين عليه[25]، وحَكى الشَّلوبين أنَّه لا يجوز حذفُ المرفوعِ باتّفاق[26]، وفي حكاية الاتفاق نظرٌ، كما سيأتي.

ومِن المفارَقات التي تدعو إلى التأمّل أنّ ما هو مستكرَهٌ في بقية أبواب النحو يكون في هذا الباب بابِ التنازع هو الاختيارَ، فنحوُ: (قُمْنَ وقَعَدَتِ الهنداتُ) قال عنه السيرافي: “فتُضمِر في الأوَّل ضميرَ الفاعل قبل الذِّكر، وليس بمستَحسَنٍ في جميع المواضع، وهو ههنا الاختيار”.[27] أو هو الواجب الذي لا يصحّ غيرُه عند بعض النحويين كما تقدَّم.

وقد لَمَسَ في ذلك الرضيُّ شيئًا مِن التناقض.[28]

ولأجل ما في رأي الجمهور من عَود الضَّمير على متأخِّرٍ حكَم بعضُهم بأنه باب سماعي، فلا يُتَوسَّع فيه، ولا يُتَعَدَّى فيه ما سُمع.[29]

والجَرميُّ يحكم على هذا الباب كلِّه أنه بابٌ سماعيٌّ في أصله، وأن ميدان القياس فيه محدود [30]، قال: وإنما يُستعمل فيما استعملته العرب وتكلّمَت به، وما لم تتكلّم به فمردودٌ إلى القياس[31]؛ ولذلك لم يجُز تنازعُ الفعلِ الذي يتعدَّى إلى ثلاثة مفعولين، كما سيأتي، قال السيرافي: ومِن أصحابنا مَن يقيس ذلك في جميع الأفعال،[32] والأعلمُ يَعزوه إلى سائر النحويين[33]، يرى الشاطبي أنّ هذا الباب بابَ الإعمال على خلاف الأصل، ولكنه لا يَمنع القياسَ فيه.[34] ونقل ابن النحاس الحلبي عن النحويين أن باب التنازع خارجٌ عن القياس؛ فيُقتصر فيه على المسموع، قال: ولم يُسمع عن العرب التنازعُ في ذوات الثلاثة في نظمٍ ولا نثرٍ؛ فلا نجوّزه البتة.[35]

ونَقلَ أبو حيّان عن شيخ النحويين سيبويه مسائلَ أجازَها في كتابه، ثمّ عقَّب: “وهذه المسائل وشِبهُها يَنبغي التوقفُ في إجازتها حتى تُسمَعَ من العرب”.[36] وهذا الحديث من أبي حيّان قيِّمٌ فيما أرى، ويَستحق أن يكون محلَّ نظرٍ وبحثٍ وتأمّل؛ فيجب أن يكون للسماع شأنٌ في بابٍ إمّا أنه خارجٌ عن الأصل والقياس، كما في تقرير بعض النحويين، وقد سبق قريبًا، وإمّا أن فيه ما يخالف الأصلَ المعمولَ به في عامّة النحو، وهذا ظاهرٌ لا ينكره أحد.

والحيدرةُ اليمني يفتحُ باب القياس في هذا الأسلوب وأشباهِه على مصراعيه، يقول: “فإذا استعملت فِكرَك في الوُجوه التي ذكرتُها لك انفتح عليك بابُ القياس؛ فَخَرَجَ لك مِن الباب فوق ألفي مسألةٍ،كلُّ واحدةٍ غيرُ الأخرى”.[37]

ولكنّ مِن العلماء المتقدّمين العالِمين بلغة العرب النّاقلين عنهم مَن لا يجيز هذا الأسلوبَ بهذا الصورة من الإضمار، ولا يَقيس عليه، وهو الفرّاء[38]؛ لأنّ فيه إضمارًا قبل الذِّكر، وتبعه ابنُ بابشاذ[39]، ووصف الصيمريُّ رأيَ الفرّاء بأنه قياس، لولا ما سُمع عن العرب.[40]

وفَسّرَ بعضُ ناقلي رأي الفراء أنه لا يُجيز إلا إعمالَ العامل الأول،[41] وأنَّ ما ورَد مخالفًا ذلك مِن مثل البيت: (جَرَى فوقَها واستشعرت لونَ مذهب[42]) أنَّه خِلافُ القياس واستعمالِ الفُصحاء.[43] والفارسيُّ يَنقل عن بعض البغداديين أنَّ الفرّاء يُعمل الفعلين كليهما، ولو كانا مختلفين.[44] والمشهورُ أنه يرى ذلك إذا اتَّفق عملُهما، كما سيأتي.

وفُسِّرَ رأيُه بأنه يَلتزم الإضمارَ مؤخّرًا،[45] وهو بذلك يوافق بعض تلك الصور التي صُدِّر بها هذا البحث بما فيها من تكلُّفٍ ومخالفةٍ لطريقة العرب في كلامهم، لكنَّ الشاطبيَّ نَفى عن الفرّاء أنّه يُضمِر مؤخّرًا، قال: ولم أجده مَنصوصًا عنه هكذا، ولكنَّ النحويين يَحكون عنه المنعَ بإطلاق من غير ذكْرِ تصحيحٍ.[46] وقال أبو حيّان: الإضمارُ المؤخَّر هو نقْلُ ابن كيسان عنه في مثل هذه المسائل، وأمّا غيره فقال: إنه لا يجيز في مثل هذه المسائل إلا إعمالَ الأول.[47] وقال ابن النَّحاس الحلبي: ولم أقف على هذا النقل (الإضمار مؤخّرًا) عن الفرّاء من غير كلام ابن مالك، وهو الثقة فيما ينقل.[48] وأضاف الشاطبيُّ: ولو ثَبَتَ عن الفراء إضمارُ الفاعل مؤخرًا فوجه الردّ عليه من كلام العرب، حيث التزمَت في الفاعل إذا كان ضميرًا الاتصالُ ما لم يَعرضْ مانعٌ منه، والموانع منه محصورةٌ مذكورة، وهذا ليس منها، وإذا لم يكن منها بُدّ من الرّجوع إلى الأصل من الاتصال، وإلاّ خرجنا عن التزام ما التزمتْه العرب.[49]

والكسائي يلتزم في نحو ذلك بحذف الضمير في هذا الأسلوب العائد على متأخرٍ في اللفظ والرتبة أيًّا كان، ولو أدّاه ذلك إلى حذْف الفاعل[50]. وأيّده في هذا القول هشامٌ من الكوفيين، وأبو زيد السهيلي وأبو جعفر بن مضاء الذي قال عنه: وهو أقْيَسُ من مذهب سيبويه في أنه مضمر؛ لأنّ الإضمار قبل الذكر خارج عن الأصول.[51] وجعل أبو حيان من الإنصاف أنْ يقال: إن الفاعل يُحذف في بعض المواضع لثبوت الحذف في الأبيات التي استدلَّ بها الكسائيُّ وقوفًا مع الظاهر، ولكنّ أبا حيان لا يوجب ذلك في كل المواضع.[52] وذكر أنّ السماع قد ورد بالحذف كما عليه مذهب الكسائي.[53]

والنحويّون مِن بعده يَستكثرون عليه حذفَ الفاعل وهو العمدة، ويَعيبون عليه ذلك، وقد كثُرت ردودُهم عليه بهذا في مصنَّفاتهم[54].

على أنّه قد يكون لرأيه وجهٌ وتأويلٌ يخفِّف عنه هذا الذي أُخذ عليه، فقد نَقل أبو حيّان عن ابن عصفور  عن الكسائي أنه لا يَحذف الفاعلَ، وإنما هو عنده ضميرٌ مستترٌ في الفِعل، مفردٌ في الأحوال كلِّها.[55]

وجماهيرُ العلماء الملتزمين بالإضمار في العامل الأوّل لا يُنكرون ما فيه من مخالفةٍ للمألوف في كلام العرب، لكنهم يَحتجّون في هذا بأنَّ هذه المخالفةَ للظاهر والمألوف قد وَرَدت في كلام العرب في مواضعَ عدةٍ، وجاءت في أبوابٍ معروفة، ويسردون هذه المواضع:

قولُهم في باب المدح والذمّ: (نِعْمَ رجلاً زيدٌ) حيث قالوا: إن الفاعل ضميرٌ يعود إلى متأخر هو (زيد) في آخر الجملة، وهذا أشهرُ حُججهم على الإضمار قبل الذكر.


والجواب عن ذلك من أوجه:

أولُها: أنّ كون الفاعل في هذا الأسلوب هو الضمير المستتر العائد على المخصوص بالمدح ليس مجمعًا عليه، فإنّ من العلماء مَن يرى أنّ الفاعل هو الاسم الصريح في آخر الجملة، فعلى هذا لا إضمار ولا عود على متأخر في اللفظ والرتبة، وهو مذهب الكسائي والفراء[56]، وعزي للكوفيين أجمعين.[57] وهو مذهبٌ قويٌّ؛ فإنَّ الظّاهر توجُّهُ الفعلِ الجامد في نحو: (نِعمَ رجلاً زيدٌ) إلى (زيد)؛ لأنه هو الممدوح وهو الذي أسند إليه في الحقيقة، لا إلى الضمير المستتر، وإن كان ذلك مخالفًا للتفسير الإعرابي المشهور الذي لم يراعِ المعنى، وإن قالوا: إن الأصل مدح الجنس، ثم تعيين المخصوص بالمدح من بينهم.

وليس بقويٍّ ولا مُلزمٍ أنَّ فاعل (نِعمَ) لا يكون إلا مُحلًّى ب(أل)، أو مضافًا إلى المحُلّى ب(أل)، أو ضميرًا مفسّرًا بما بعده؛ فإنّما هذا الحصر وصفٌ لما قرّره النحويون. وقد أفتح لغيري من الباحثين باب البحث والتأمّل أن لو كان الإعراب أنّ الفاعل هو المقصود بالمدح أو الذم، والمنصوب قبله تمييز، فلعله أيسر من التقدير الذي لا دليل عليه.

ثانيها: أنه ليس فيه إبرازٌ للضمير، وهو المشكل في باب التنازع؛ فالفعل في هذا الباب جامدٌ لا يمكن إبراز الضمير فيه، وإذا لم يبرز الضمير فلا إشكالَ، كما سيأتي، لأن باب التأويل فيه واسع.

ثالثها: أنّ من أعاريب هذا الباب أنّ (زيد) في المثال السابق يُعرب مبتدأً، وعلى هذا فهو المقدَّم في التقدير، فإن عاد عليه الضمير فإنه عائد إلى متقدمٍ في الرتبة، ولا إشكالَ في تأخّره في اللفظ.

رابعها: أنَّ الفاعل الضمير لم يَظهر أبدًا في استعمالٍ عن العرب، ولو كان هو الضمير  لظَهَرَ ولو مرة واحدة. وإن قيل: إنه لم يظهر لأنّه على صورة المفرد؛ فليس له صورة في الإضمار، فما يقولون في (نعم رجالاً الزيدون)؟ لم لا يقولون: (نعموا رجالا الزيدون).

وأورد الشاطبي أنه قد يظهر في التثنية والجمع[58]، ولكنه لم يذكر له سماعًا على ذلك. وذكر ابن عصفور أنه قد حُكي عن العرب،[59] ثم قال في موضع آخر: إن كان فاعلهما ضميرًا لم يبرز في حال التثنية والجمع، هذا هو كلام العرب، وحكى أبو الحسن الأخفش أنّ من العرب مَن يبرز الضمير، فيقول: (نعما) و(نعموا)، ثم قال الأخفش: ولا آمن أن يكونا قد فهّما التلقين[60]. فإن ثبت ذاك السماعُ فهو دليلٌ على رأي الجمهور، وإلا فيبقى نصيرًا للرأي الآخر.

خامسها: أنّهم لو حَملوا باب التنازع على باب (نِعمَ) لالتزموا فيه عدم الإضمار، كما أنه لا يُضمَر في باب (نعْمَ)، ولَكانَ ذلك قياسًا لما يريده هذا البحث من نَفْي الإضمار قبل الذكر.  ومِن النحويين مَن التَمَس علةَ الإضمار هذه، قالَ ابنُ أبي الربيع: ومِن العرب مَن لا يُضمر في التثنية ولا في الجمع، فتقول: (ضَرَبَني وضَرَبْتُ الزَّيدِينَ)، وأَجْرَوه مُجْرَى: (نِعْمَ رُجلينِ الزَّيدانِ) و (نِعْمَ رِجالاً الزَّيدون).[61]

ومِن حُجَجهم على الإضمار قبل الذكر: قولُ العرب: (رُبَّه رجلاً).

   وهذا أسلوبٌ قليلٌ، يُلتَزَم فيه بِلفظه، وهو مشكلٌ في باب (رُبَّ) نفسِها التي قالوا عنها: إنها خاصةٌ بالنكرات، وهاهي قد دَخَلَتْ على أَعرفِ المعارف، وهذا يَعني أنَّ هذه الجملةَ لا تَصحُّ أن تكون حُجَّةً في القياس.

وقد يقال فيها: إنَّ الضمير فيها راجعٌ إلى شيءٍ متقدمٍ معلومٍ مِن السّياق حاضرٍ في الذهن لدى السامع، كما سيأتي في ضمير الشأن، وله نظائرُ من استعمال الضمير غيرَ مسبوقٍ بلفظٍ في أمثلةٍ كثيرة وأبوابٍ شتىّ، وسيأتي.

وقد فرّق الفارسيُّ تفريقًا جيِّدًا ودقيقًا بين الإضمار في باب التنازع وهذا الإضمار الذي في (نِعْمَ) و (رُبَّ)؛ وهذا يُضعف ما قيل فيها من القياس، قال: لأنَّ المفسَّر في (نِعْمَ) و(رُبَّ) شائعٌ مفَسَّر بالمنكور الذي تُفسَّر به الأسماءُ الشائعةُ المبهمة، والمضمرُ في باب التنازع مخصوصٌ ليس شائعًا.[62]

ومن حُجَجهم على الإضمار قبل الذكر ما يُقال في ضمير الشأن من رُجوعه على ما بعده.

   والحقُّ أنَّ الأقرب أنَّ الضميرَ ضميرَ الشأن راجعٌ إلى شيءٍ سبَقه، وهو معروفٌ من السِّياق، وهو الشأن العظيم الذي تأتي الجملة خبرًا عنه وبيانًا له.

ومن حجتهم قولُهم في باب البدل: (اللهمّ صلِّ عليه الرؤوفِ الرحيمِ).

وما ينبغي لهذه أن تكون حجةً، لأنها رأي القلة من العلماء، عُزيتْ للأخفش، ومنعها غيره[63]، وعزا أبو حيّان إلى الجمهور أنهم لا يجيزون أن يكون البدلُ يفسّر الضمير.[64]

ومِن حُججهم على الإضمار قبل الذكر أيضًا ما ذَكَرَ الشّاطبي أنّ مِن حُجَّتهم في الإحالة على متأخرٍ ما جاء في الاستثناء من نحو: (قاموا خلا زيدًا) و (عدا عمرًا) و (لا يكون زيدًا).[65]

وهذا خلافُ الظاهر، فالنَّحويون يقولون: إنَّ الضمير عائدٌ على المصدر أو اسم الفاعل المفهوم من الفعل السابق، فليس عائدًا على متأخرٍ في اللَّفظ ولا في الرتبة.

هذا، مع أنه يجمع  هذه الأبوابَ والحججَ كلَّها أنها -كما قال ابن أبي الربيع- خارجةٌ عن القياس، فلا يُقاس عليها غيرُها.[66]

وللشلوبين الصغير نظرٌ بديعٌ يفرّق بين باب التنازع وأهمِّ الأبواب التي ورد فيها الإضمارُ قبل الذكر، وهو أنّ المعنى الذي اختصّ به الإضمارُ قبل الذكر مفقودٌ في باب التنازع، وهو التعظيم أو المدح، وكأنّ الأمر ثابتٌ في النفس وقد فُرغَ منه، وليس في هذا الباب من ذلك شيء.[67]

وأجرى أحدُ الباحثين عبدالله راجحي غانم بحثَه على قضية عَود الضمير على المتأخر، ووصَل إلى أنه لا يعود الضميرُ في العربية على متأخرٍ في اللفظ والرتبة إلا حيث يراد التشويقُ وإثارةُ الذهن، وذلك ظاهرٌ في بعض الأبواب السابقة، وغيرُ ظاهرٍ في باب التنازع، فقد كان من نتائج بحثه في خاتمته: “لم يُجز النحويون عودَ الضمير على متأخِرٍ لفظًا ورتبةً إلاّ في ما كان له أثرٌ في المعنى، كما هو الحال في ضمير الشَّأن والضميرِ الواقعِ موقعَ المجرور ب(ربَّ) والمضمر في (نعم) و(بئس)، وما جرى مجراهما؛ إذ الضمير في هذه المواضعِ يعود على متأخر لفظاً ورتبة ؛ لما في الإبهام ثُمَّ التفسير مِن تشويقٍ وإثارةٍ للمخاطَب لا تكون إن تقدَّم المفسِّر”.[68]

التفريق في الإضمار بين ضمير الرفع وغيره:

قد يكون من ميدان البحث والتأمّل النظرُ في وَجاهة التَّفريق بين ضمير الرفع وغيرِه في حُكم الإضمار، فالمشهورُ في كتب النحو أنّه يجب إبراز الضمير إنْ كان ضميرَ رفعٍ، ويجب حذفُه عند أكثر النحويين إن كان غيرَ ذلك، كأن يكونَ مفعولاً به مثلاً، والانتقالُ في هذا الضمير بين طرَفَي الحُكم: (واجب الذكر) أو (واجب الحذف) يدعو إلى النَّظر في وجاهة هذا الحكم.


وما التزمَ النحويّون بإضمار الفاعل إلاّ لأنّه في رأيهم مُحالٌ أن يَخلوَ فعلٌ من فاعل[69].

وأنا لا أنكِر أنّ الفاعلَ ليس كالمفعول به في منزلته وعُمديّته، لكنْ لا أجد علاقةً صريحة في ذلك بالإضمار أو عدمِه، ولو كان الأمرُ يتعلّق برفعٍ ونصبٍ أو تقديمٍ وتأخير ٍ لكان لذلك علاقةٌ ظاهرةٌ بالتفريق بين العمدة والفضلة والفاعل والمفعول، بل قد يُدَّعى العكس فالعمدة لكونه عماد الجملة فلا يمكن أن يُغفل عنه في التركيب – لا بأس أن يُحذف للعلم به، بخلاف الفضلة الذي ليس متعيّنًا ولا معلومًا؛ فَوَجَبَ إبرازُه، فالقضيَّة هنا ليست قضية عمدة أو فضلة، وإنما الأمر مبنيٌّ على علم المخاطب بالمراد، فما كان يعلمه جاز الاستغناء عنه، وما لا فلا.

والظاهرُ أن الأمر في باب التنازع يَتعلّق بخفاء المراد بالضمير، وباضطراب الجملة بورود الضمير قبل مرجعه، وبعدم ظهور الإسناد، وعلاجُ هذه بالحذف أو الذِّكر وباستعمال الضمير أو الاسم الصريح، لا يختلف في ذلك العمدةُ عن الفضلة.

والتعويلُ في جميع أبواب النحو  إنما يكون على العِلم بمُراد المتكلِّم وعدمِه، وفي هذا الباب بخاصّةٍ، يقول السيرافي: فإذا قلت: (ضربت وضربني زيدٌ) فأعملت الفعل الثاني، ورفعت (زيدًا) به، ولم تأتِ للأوّل بمفعول، وقد عُلم أنه واقعٌ ب(زيد) لِذِكْرِنا له في الفعلِ الثاني ؛ فلم تُضْمِر.[70]

وهذا حقًّا هو  الذي يستحقُّ أن يكون عليه التعويلُ في الإضمار وعدمِه، وبه يكون الحكمُ في الذِّكر وعدمِه، ولو أنّنا عمِلنا به غيرَ مفرّقين بين عمدةٍ وفضلةٍ لَوجدْنا في أَحد جزأي الجملة ما يُغني عن الإسناد في الآخَر. وهذا هو الموافق لتنظير سيبويه الموفَّقِ وتشبيهِه له بقوله تعالى: (والحافظين فروجهم والحافظات)، وسيأتي.

ومع أني قد صدّرتُ هذا المبحثَ بأنَّ النحويين يفرّقون بين ضمير الرفع وغيره، وبين العمدة والفضلة، إلاّ أني  لَحَظتُ في هذا الباب أنَّه قد غلب على تقرير بعضهم استكمالُ مفردات الجملة عمدةً كانت أو فضلة؛ فالذي يظهر أن بعضهم لم يقتصروا  في الحكم بوجوب إبراز الضمير على أنه عمدة لا يُستَغنى عنه؛ بل وجدتهم في بعض الأمثلة قد التزموا في العامل الأوّل بكل ما يَلزمه ويتعلّق به، حتى ولو كان الذي تعلّق به هو الحالَ الفضلةَ، نَقل الفارسي عن الأخفش أنه لا يجيز نحو: (كنتُ وجئتُ مسرعًا)…قال: لأنك إنْ جعلت (مسرعًا) خبرًا ل(كنت) لم يكن ل(جئت) حالاً، وإن جعلت (مسرعًا) حالاً لم يكن ل(كنت) خبرًا.[71] ووجدتهم يَلتزمون بإبراز الضمير حتى ولو كان مجرورًا في منزلة المفعول به، أو هو أقلّ، قد اعتِيد في النحو التسامحُ فيه، فسيبويه يمثِّل ب: (مَررت ومرَّ بي بزيد)[72] ومثلُه عند المبرد، وزاد عليه مثالاً آخر: (قَصدت وقَصدَ إليّ إلى زيد)[73] وفي هذين أيضًا عيبُ توالي حروف الجرّ، وقد نَصوا على كونه عيبًا، ومرَّ من قبلُ، وسيأتي أيضًا.

ووجدتهم يَتسامحون في إيراد الضمير، فقد يذكرونه في كلا العاملين حيث لا يُحتاج إليه، فممّا أجازه سيبويه: (ضربوني وضربتهم قومَك)، قال: جعلتَ (القوم) بدلاً من (هم).[74] ولم يُعجب هذا أبا حيّان؛ لأنّ البدل (قومَك) فَسَّر ضميرين قبلَه، قال: وهذا غريبٌ جدًّا أن يفسِّر واحدٌ ضميرين متقدمين عليه في الذكر، ولا يوجد هذا في الضمائر التي يفسرها ما بعدها، قال: وينبغي التوقّف في إجازة مثل هذا حتّى يُسمع من العرب[75]. وأجاز سيبويه (ضربت وضربوني قومُك) بالرفع على قولِ مَن قال: (أكلوني البراغيث)، أو تحمله على البدل، فتجعله بدلاً من المضمَر، كأنك قلت: (ضربت وضربني ناسٌ بنو فلان).[76] وهو يشبه ذلك الذي أنكره أبو حيّان.

وظاهر كلام سيبويه جواز الإضمار ولو كان الضمير غير رفع، فقد أجاز: (ضربَني وضربتهم قومُك).[77] وحكى الرضيُّ الإجماعَ على جوازه؛ لأنه ليس إضمارًا قبل الذِّكر، لكون المتنازَع عليه من حيث كونُه معمولاً للأول مقدَّمًا على العامل الثاني تقديرًا، وإن كان مؤخّرًا لفظًا.[78]، وذكر أيضًا أن المختار جواز إضمار المفعول أيضًا في العامل الثاني، نحو: (ضربني وضربته زيدٌ)، ويجوز حذفه لكونه فضلة.[79] قال الشاطبي: والجمهور على أن ذِكْر الضمير لازم، فلا يقال: (ضربني وضربت زيدٌ)، إلا أنْ يأتي نادرًا.[80] ونقل أبو حيان عن أصحابه أنهم يخصون الحذف منه بالضرورة.[81]

وعُزي للبصريين أنَّ الحذف قبيح، والتزامُ الحذفِ مذهبُ الكوفيين[82].

وأجاز المبرّد والفارسي والزبيدي: (ضربتُ فأوجعته زيدًا)[83]. والإضمار في هذا المثال ينبغي أن يكون أيسرَ من غيره في رأي النحويين؛ لأنَّ الضمير ليس عمدة، بل هو للمفعول به، وفيه وجه اختلاف عن المثالين قبله، فالفعلان كلاهما على نهج واحد، فبعدهما فاعلهما، ويطلبان معًا مفعولاً بهما على هيئة واحدة، وهو في المعنى واللفظ واحد؛ فكان ينبغي التوجيه الفعلين كليهما إلى المفعول به، غير أنهم وجّهوا أحد الفعلين إلى الضمير والثاني إلى الظاهر.

على أنه لا إشكال في الإضمار في الأمثلة الثلاثة كلها؛ لأنّه ليس فيه عودٌ إلى متأخر في اللفظ والرتبة، لكنْ في اللفظ فحسب.

وحتى في الإضمار في الأول إذا أُعمِل الثاني، حيث يكون غايةَ ما في هذا الباب من مشكلة الإضمار – يُفهم من كلام بعض النحويين أنهم لا يلتزمون حذف الضمير المنصوب، وإنما هو المختار عندهم، إلا أن يمنع منه مانع.[84] ونقلَ الرضي عن بعض العلماء أنهم يُظهرون الضمير المنصوب.[85] وجعل ابن هشام ذلك من الضرائر.[86]

ونقل ابن مالك[87] عن أكثر النحويين أنهم يمنعون إضمار غير المرفوع في العامل الأول، فلا يجيزون: (ضربته وضربني زيد)، لاشتماله على تقديم ضميرٍ هو فضلة على مفسِّرٍ متأخّرٍ لفظًا ورتبة، قال: وإنما يُغتفَر ذلك في ضميرٍ مرفوعٍ؛ لكونه عمدةً غيرَ صالحٍ للاستغناء عنه، ونَقَل هذا التعليلَ عن المبرد ومن وافقه من البصريين[88]، ونَقَل عن الكوفيين أنهم لا يفرّقون بين الفضلة والعمدة في ذلك، فلا يجيزون الإضمار في الأول في الحالين، ثم خالف الجميعَ، وأجاز إضمار العمدة والفضلة في الأول، محتجًّا بسماعٍ سيأتيك خبرُه في الحديث عن شواهد الإضمار.

وذكَر ابن مالك أن إثبات الضمير المنصوب مع المتقدم المهمل لو شاع لكان له وجهٌ من النظر؛ لأنّه تقديم مفسَّر على مفسِّر، فيُغتفَر كما اغتُفِر تقديمُ غيره من المفسَّرات على مفسِّراتها، بل كما اغتُفر ذلك في المرفوع.[89] ونقل الشاطبي عن ابن مالك أنه في الألفية جرى على مذهب الجمهور حذف الضمير من الأول، إذا كان ضميرَ نصب وليس بخبرٍ في الأصل، فلا يلزم حذفُه، وخالفَ هذا في التسهيل، فأجاز الإتيانَ بالضمير غير المرفوع وهو غيرُ خبر، واستشهدَ على ذلك بأبيات ذكرها.[90] وخالفَه، واختار رأيَه في الألفية.

وغايةُ هذا الاستطراد الطويل أن ابنَ مالك وبعض النحويين أجازوا الإضمار في العامل الأول، ولو كان غيرَ ضمير رفع، وهو ما يؤيّد ما قد ذكرتُه من أنَّ التعويل عند بعضهم ليس على كون المضمر عمدةً أو فضلة، وإنما هو استكمالٌ لعناصر الجملة ومفردات التركيب.

ومما يُعدُّ من الاستكثار من الإضمار في هذا الأسلوب أنَّ جمهور النحويين يوجبون إضمار المفعولِ الثاني ل(ظنَّ) نظرًا إلى أصله؛ فإنه في الأصل خبر، وهو ما تَسبّب في العديد من الأمثلة الغريبة التي أظنُّك قد أنكرتَها في أول البحث، ولهم في ذلك مذاهبُ ستأتي في الحديث عن علاج المشكلة.

ومن إضمار غير العمدة وغير المرفوع أنّ ابن مالك التزَمَ بالإضمار إذا كان الحذفُ موقِعًا في لَبسٍ، ومثالُه عنده: (استعنتُ واستعانَ عليَّ به زيدٌ)[91]

والغريب أنّ النحويين يقدّرون الضميرَ حتى  في العامل الجامد الذي لا يحتمِل الإضمار، فالفارسي يجعل من التنازع نحو: (فهيهاتَ هيهاتَ العقيقُ) وهذا أمرٌ قد يبدو مقبولاً، لكنَّ الغريب فيه أن يحكم أنه قد أُضمر في الأول على شريطة التفسير.[92] وهو الجامد الذي لا يحتمل الإضمارَ ولا التصرُّف.

وعلى هذا يمكن توصيفُ مسألة الإضمار عند بعض النحويين بأنها ليست قضيةَ عمدةٍ لا يُستغنى عنها، وفضلةٍ يُستَغنَى عنها، إنما الأمر قائمٌ على استيفاء عناصر التركيب، وسيأتي أنَّ من المألوف في كلام العرب الحذفَ والاستغناء، وأنَّ بعض الألفاظ يدلّ على بعض.

حذف الضمير والاستغناء عنه في القياس:

إنَّ الذي يَعني مَن يريد المحافظة على سلامة التركيب العربي من الاضطراب بِعود الضمير على المتأخر في اللفظ وفي الرتبة – ألاّ يجد في العامل الأول ضميرًا بارزًا  يُفسد الجملة، وله من كلام العرب ما يَشهد له بالاستغناء عن بعض أركان الجملة والأسماء، ومن ذلك الاستغناء عن الفاعل في اللفظ، فقد عُهد عن العرب عدمُ ذكرِ الفاعل – على ما له من قيمةٍ عالية في التركيب- إذا كان معلومًا، أو الإحالةُ على معلومٍ في الذهن يعدّ في حكم المتقدّم، ومن ذلك قوله تعالى(إِذْ عُرِضَ عَلَيْهِ بِالْعَشِيِّ الصَّافِنَاتُ الْجِيَادُ (31) فَقَالَ إِنِّي أَحْبَبْتُ حُبَّ الْخَيْرِ عَنْ ذِكْرِ رَبِّي حَتَّى تَوَارَتْ بِالْحِجَابِ) (ص٣٢) أي: الشمس، ولم يسبق لها ذِكرٌ أبدًا، وقولُه: (فَلَوْلَا إِذَا بَلَغَتِ الْحُلْقُومَ) (الواقعة٨٣) أي: بلغت الروحُ الحلقومَ عند الموت، وقوله: (كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ) (الرحمن٢٦) يعني الأرض، ولم يسبق لها ذكر، ويشبهه قولهم: (إذا كان غدًا فأتني)، وشواهد كثيرة من الشعر والنثر كالتي يحتجُّ بها الكسائي ومَنْ يَنصره على جواز حذف الفاعل[93].

     وهذا العلمُ بالفاعل أو بالمفعول حاضرٌ ظاهرٌ في باب التنازع،  ثمّ للمحتج للاستغناء عن الفاعل بعد ذلك أنْ يقول مثلَ ما قال النحويون في نحو النماذج السابقة وغيرها: إنَّ الفاعلَ مضمرٌ تقديرُه (هو) في المواضع كلِّها، وراجعٌ على شيء سابق معلومٍ في الذهن، ولن يجدَ في هذا حرجًا؛ لأنه مراعٍ سلامةَ هذا الأسلوب، وفيه إصلاحٌ له؛ فالإشكال في لفظ الضمير وليس في تقديره، بل قد يكون في التقدير والاستتار حثٌّ للذهن واستثارةٌ أن يقدِّر المرادَ، وأن يلتمسَه من السِّياق، وأن يكتشفَه ويعرفَه.

وإني لَأرى رأيَ الكسائي في مسألة الاستغناء عن الضمير حتى ولو كان فاعلاً غيرَ بعيدٍ من الصواب، سواءٌ أسُمِّيَ حذفًا للفاعل، أم لم يُسمَّ، فقد كثُرت في ذلك الشواهد[94].

وأجد في ردّ الرادين عليه ما يؤكّد فكرةَ الاستغناء عن الفاعل التي نحتاج إليها لإصلاح بعض مشكلات هذا الباب، فقد قالوا عن البيت المشهور من هذه الشواهد:

(إذا كان لا يرضيك حتى تردني        إلى قطريٍّ ما إخالك راضيا)

قالوا: وهذا لا حجةَ فيه لاحتمال أنَّ الفاعل قد أُضمرَ لدلالة (راضيًا) عليه، كأنه قال: (لا يرضيك مرضٍ)، ولأنه قد عُلم على مَن يعود، كأنه قال: (لا يرضيك هو)، أي: شيء.[95] وحسبُنا من التأويل مثلُ هذا إن رضي به النحويون، فلا بأس أن يقال كما قيل في الآيتين السابقتين: إن الفاعل ضميرٌ مستتر تقديره (هو)، يعود على ما يُفهم من السّياق، ولنا في سياق الجملة دائمًا ما يدلّ على المعنى. وهذا بعينه ما يُراد لعلاج مشكلة الإضمار في هذا الباب؛ لأنَّ الفرار إنما كان ممّا ظاهرُه إضمارٌ قبل الذكر واضطرابٌ في التركيب، وبهذا التأويل نبرأ منه، ولا بأس بتحاشي مصطلح حذف الفاعل إن كان عسيرًا في قياس النحويين كما سبَق.

وحقيقةُ الأمر فيما يتعلّق بباب التنازع وبمشكلته أنَّه لا فرقَ كبيرًا في اللفظ ولا في المعنى بين الحذف والإضمار في صورةِ ما إذا أُسند الفعل إلى الواحد. فأمّا اللفظ فظاهر، وأما المعنى فالفاعل معروفٌ المقصودُ به على كل حال، وإنما الفرق في الأحكام الصناعية، حيث يُحكم على الفاعل أنه لا يُحذف، وخشيةً من الخلْط بين الحذف والإضمار  يُنصّ أحيانًا على أن الإضمار هنا ليس بحذف، وإن كان بصورة الحذف في حالٍ (يعني مثل هذا الحال) فإنه لا يكون كذلك في أخرى.[96] وذلك حقٌّ من حيث الصناعة لا ريبَ فيه، لكن من حيث الواقع وترتيب الألفاظ فلا فرق بينهما فيما يتعلق بما يلزم في إعمال هذا الباب من الإضمار قبل الذكر ومن الاضطراب في ترتيب الجملة.

شواهد الإضمار:

تأمّلتُ بنظري القاصرِ جميعَ ما ورد من باب التنازع في الكتاب العزيز وكثيرًا ممّا وردَ منه في كلام العرب المنثور الوارد في السَّعَة فيما اطّلعت عليه من كتب النحويين – فلم أجد  ما يشير إلى أيّ نوعٍ من الإضمار في النثر، يستوي في ذلك الضمير المرفوع وغيره، في أيّ مكانٍ من الجملة: لم أجد إضمارًا في العامل الأول، ولا إضمارًا في  العامل الثاني، ولا  إضمارًا بعد انتهاء الجملة، إلاّ ما كان مِن إضمارٍ في الأوّل في قولٍ عن العرب منقولٍ عن سيبويه، وهو قوله: (ضَرَبُوني وضَرَبْتُ قومَك)، فبعضُ النحويين- منهم ابن الناظم وابن عقيل والمرادي وابن هشام- يسبقونه بقوله: “حكى سيبويه”.[97] ومعناه أنَّ سيبويه ينقله نقلاً عن العرب ويحكيه عنهم، وابن خروف يقول: إنَّ الزجاجي حكاه عن العرب[98]، ولم أجد ذلك عند الزجاجي، ووجدته عند ابن عصفور[99]، وقال محقق كتابه: وهذه الأمثلة مقيسةٌ كما يظهر، وليست مسموعة. وقال أبو حيّان: إنَّ أبا زيد وسيبويه وغيرَهم حكوه.[100]

والذي يَظهر لي مِن تأمُّل كلام سيبويه أنّه ما نَقَلَه عن العَرَب ولا حكاه عنهم، وإنّما هو مِثالٌ يمثِّل به فحسْبُ، أو يفترضُه افتراضًا، يدلُّ على ذلك سياقُ إيرادِه، يقول: “وكذلك تقول: (ضربوني وضَربت قومَك) إذا أعملتَ الآخِر فلا بدّ في الأول من ضمير الفاعل لئلّا يخلو من فاعل”[101]. فلَيس هنا ما يشير أبدًا إلى حكايةٍ عن العرب، ويؤيّد هذا الفَهْمَ أنَّه أعاد هذا المثالَ في الصفحة نفسها مفضِّلاً إيّاه على مثالٍ آخر، قال: “ومثل ذلك في الجواز: (ضربني وضربت قومَك[102])، والوجه أن تقول: (ضربوني وضربت قومَك) فتحمله على الآخِر…)، كما أنه أعاد ما يشبهه مِرارًا في كلّ الصور، فـ(الضَّربُ) يتكرّر في البابِ كلِّه من أوله وآخره، لم يَكَدْ يذكر في أمثلته شيئًا غيرَه، فمرَّةً يُسندُ(الضربَ) إلى المفرد، ومرَّةً إلى الجمع، ومرَّةً يُظْهِر معه الضميرَ، ومرَّةً لا يذكره، فمِنْ أمثلتِه في المسألة نفسها: “(وهو قولك: (ضربت وضربني زيدٌ) و(ضربني وضربتُ زيدًا)… ولو لم تحمل الكلام على الآخر لقلت: (ضربت وضربوني قومَك) وإنما كلامهم: (ضربتُ وضربَني قومُك)، وإذا قلت: (ضربني) لم يكن سبيل للأوّل؛ لأنك لا تقول: (ضربني) وأنت تجعل المضمر جميعًا… فإن قلت: (ضربت وضربوني قومَك) نصبت… كأنك قلت: (ضربت وضربني ناسٌ بنو فلان) وعلى هذا الحدّ تقول: (ضربت وضربني عبدالله) تضمر في (ضربني) كما أضمرتَ في (ضربوني)، فإن قلت: (ضربني وضربتهم قومُك) رفعت… كأنك قلت: (ضربني قومُك وضربتهم) على التقديم والتأخير… وإذا قلت: (ضربوني وضربتهم قومَك) جعلت (القوم) بدلاً من (هم)… وكذلك تقول: (ضربوني وضربت قومَك)… وإنما قلت: (ضربت وضربني قومك)… وقد يجوز (ضربت وضربني زيدًا)… ومثل ذلك في الجواز: (ضربني وضربت قومَك) فتحمله على الآخر، فإن قلت: (ضربني وضربت قومَك)… “[103].

وهكذا فجَميعُ أمثلتِه في هذا الباب – فيما يَصِحُّ وما لا يَصِحُّ- كلُّها من مادّة (الضَّرْب)، فهو يَفترض الأمثلةَ، ويَشرح هذا الباب. وإنما أطلت في سَرْد أمثلته هذه؛ لأنَّ بعض النحويين يعدّ هذا نقلاً منه عن العرب، ولو صحَّ فهو الوحيد من شواهد النَّثر على الإضمار في العامل الأوّل، ولا يصحُّ فيما أرى.

    ومن الطريف أن المثال الآخَر الذي أورده سيبويه سالماً من الإضمار وخاليًا منه وهو الوارد في قوله: “وإنما كلامهم: (ضربت وضربني قومُك)”[104] أن ابن مالك يرى أن هذا حكاية عن العرب بالحصر ب(إنّما)، قال: وظاهره أنهم يلتزمون ذلك دون إجازة غيره.[105] فهو عكسُ ما سبق تمامًا، ومناسبٌ لما يُراد من نفي الإضمار قبل الذكر. وذكر ابن عقيل أيضًا أنّ سيبويه حكى: (ضربني وضربت قومَك)[106]، وهو مثال يوافق أيضًا ما يُراد من نَفي الإضمار قبل الذكر، وكذلك قال الدماميني[107]، وعلّق محققُه شيخُنا د. محمد المفدى: “ولم يحكه، بل افترضه”، وهو أيضًا يشبه المثال السابق. والأظهر أنَّ ابن مالك وابن عقيل والدماميني إنما يريدون ب(الحكاية) أنّه حكايةُ الحُكمِ عن العرب وهو مُقتضى القياس عندهم، وهو إعمال الثاني والإضمار في الأول، وهذا هو الأظهر. وعلى كلا الحالين فهو دليل على ما يريده هذا البحث من نفي الإضمار قبل الذكر وعود الضمير على متأخرٍ في اللفظ والرتبة.

ووجدت للشلوبين الصغير التصريحَ بأنَّ أهمَّ مثالٍ في الباب وهو: (ضربوني وضربت قومَك) أنه ليس حكايةً من سيبويه عن العرب، قال: “وهذه مغالبةٌ من أصحاب سيبويه، فإنه لم ينقل سيبويه ذلك عن العرب، بل هو مثالٌ مخرجٌ على مذهبه من الإضمار”.[108] وشَعَرَ المراديُّ بهذا الاحتمال فأورده، وقال: إنه خلاف الظاهر، وقال: إنه أيضًا قد سُمع نظيرُه في الكلام الفصيح، وأورد بيتًا سيأتي الحديث عنه.[109]

ونقل أبو حيّان عن محمد بن الوليد  أنّ ما في هذا الجملة ليس إضمارًا قبل الذكر، وأنّ التقدير فيها: (ضربت قومك وضربوني)[110]، فالضمير المتقدّم لفظًا هو منويٌّ به التأخير.[111] وعلى هذا فلم يعد هذا المثال شاهدًا في المسألة، وليس منقولاً عن العرب.

أمّا الشِّعر – وهو محلُّ ضرورةٍ واتِّساعٍ-  فلم أجدْ فيه على ما فيه مِن تجاوزٍ ما يكون بالإتيان بجميع معمولات العاملين أو العوامل المتنازعة إما صريحةً أو بالإضمار عنها: لا في أثناء الجملة ولا بعدها، وبذلك لا مستندَ في السماع لكثير من الأمثلة في صدر هذا البحث مما جاء فيها الإضمار مقدّمًا أو مؤخّرًا أو كان فيها التصريح بكل معمولات الفعلين.

بل كلّ ما وجدته من شعرٍ تقريبًا:

إمّا أنه لا إضمارَ في أيٍ من العاملين، فقد حذفوا الضمير من العامل الآخَر، ولا إشكال في ذلك؛ لأنّه خلا من الإضمار قبل الذكر- وهو مشكلة هذا البحث- كما في قول الفرزدق:

ولكنَّ نِصفًا لو سَبَبْتُ وسَبّني      بنو عبدِ شمسٍ من منافٍ وهاشمِ

ومثله قولُ رجلٍ من باهلة:

ولقد أَرَى تَغْنَى به سَيفانةٌ         تُصبي الحليمَ ومثلُها أصباه

أعمل العاملَ الثاني (تغنى)، ولم يُضمر في الأول (أرى).

وقول طفيل:

وكُمتًا مدمّاةً كأنَّ متونها       جرى فوقَها واستشعرتْ لونَ مُذهبِ

فأعمل الثاني (استشعرت) ولم يُضمر في الأول فاعلاً، ولا يحتمل الإضمار. أمّا الضمير في (فوقها) فلا يُعدّ مشكلاً في هذا الباب؛ لأنه متصل بالظرف وهو يحتمل التقديم والتأخير في الجملة، فيكونُ مثلَ قوله تعالى: (فَأَوْجَسَ فِي نَفْسِهِ خِيفَةً مُوسَى)(طه٦٧) إذ التقدير: (فأوجسَ موسى خيفةً في نفسه).

وقول الشاعرة:

بعكاظ يُعشي الناظري   (م)   ن إذا همو لمحوا شعاعُه

وقول الشاعر:

ولمّا أن تحمّل آلُ ليلى    سمعتُ ببينهم نعَبَ الغرابا[112]

وقول الشاعر:

لو كان حيّا قبلَهنَّ ظَعائنًا        حَيّا الحطيمُ وُجُوهَهنَّ وزمزمُ

فلم يأت بالضمير في الفعلين، ولو أضمر في الأول لقال: (حيَّيا قبلهنَّ ظعائنًا حيَّا الحطيمُ وزمزمٌ وجوهَهنّ)، ولو أعمل الأولَ وأضمرَ في الثاني: (حيّا قبلهن ظعائنًا حيَّيا الحطيمُ وزمزمٌ وجوهَهنّ).

ومثله قوله:

على مثل أهبانٍ تَشقُّ جيوبها      وتُعلِنُ بالنَّوح النِّساء الفواقدُ

وابن مالك نفسُه الذي احتجّ بالبيت ذكر أنه يحتمل فيه أن يكون من باب إعمال الأول أو الثاني[113].

وقوله:

يرنو إليَّ وأرنو مَن أصادقُه     في النائبات فأرضيه وأرضيني[114]

ومثلُه كثير.

وإمّا أن يكون الإضمارُ فيه في العامل الثاني، وحينئذٍ لا يكون فيه المحذورُ مِن عَود الضمير على متأخّر في اللفظ والرتبة؛ لأنّه سيكون حينئذٍ عودًا على متأخِّرٍ في اللفظ فحسبُ، فيكونُ مثلَ قوله تعالى: (فَأَوْجَسَ فِي نَفْسِهِ خِيفَةً مُوسَى) (طه٦٧) إذ التقدير: (فأوجسَ موسى خيفةً في نفسه) ولا إشكالَ، وحكى ابن الناظم وابن هشام الاتفاقَ على وجوب ذكر المرفوع، وأمّا المنصوب فلا يحذف إلا في ضرورة الشعر.[115]

و ممّا وجدتُه من هذا النوع في كتُب النحو وهو كثيرٌ:

إذا هي لم تَستكْ بعُود أَراكةٍ         تُنُخِّلَ فاستاكتْ به عودُ إسحلِ

أي: (تُنُخِّلَ عودُ الإسحلِ، فاستاكت به)، وكما هو ظاهرٌ ففيه عودٌ على متأخّرٍ في اللَّفظ، ولكنه متقدم في الرتبة، كما جاء في التقدير. وقد رُوي هذا البيت برواية أخرى، بجرّ (عُود)، على أنه بدلٌ من الضمير، ويكون المفعول الذي لم يسمَّ فاعله مستترًا في (تُنُخِّلَ).[116] فليس من باب التنازع حينئذٍ.

وقولُ المرّار الأسدي:

وقد نَغْنَى بها ونَرى عصورًا        بها يَقْتَدْنَنا الخُرُدَ الخِدالا

الأصل في التقدير: (نَرَى الخُرُدَ الخِدالا يَقْتَدْنَنا)

وقول ذي الرمة:

ولم أمدح لأرضيه بشعري      لئيمًا أن يكون أفاد مالا[117]

فالتقدير: (ولم أمدح لئيمًا لأرضيه)

ومنه ما رواه أبو زيد:

قطوبٌ فما تلقاه إلاّ كأنّما         زوى وجهَه أن لاكه فوه حنظلُ

قالوا: فأعمل في (حنظل) (زوى)؛ ولذلك رفعه، وأضمر ل(لاكه) مفعولَه[118]، والتقدير: (زوى حنظلٌ وجهه أن لاكه فوه)

وقول ذي الرمة:

كأنهنَّ خوافي أجدلٍ قَرِمِ      وَلَّى لِيَسْبِقَه بالأمعز الخَرِبُ

فالتقدير فيه: (ولَّى الخَرِبُ لِيسبَق الأجدلَ بالأمعز)[119]

وكذا قول الآخر:

أتاني فلم أُسرَرْ به حين جاءني    حديثٌ بأعلى القُّنَّتينِ عجيبُ[120]

التقدير فيه: (أتاني حديثٌ فلم أُسْرر به حين جاءني)

وقوله:

أساء ولم أجزه عامرٌ        فعادَ بِحِلْمِيْ له مُحْسِنا[121]

فالتقدير: (أساء عامرٌ ولم أجزه)

وقوله:

مال عنّيَ تيهًا ومِلْتُ إليه    مستعينًا عمرٌو فكان مُعينا[122]

فالتقدير: (مال عني عمرٌو وملتُ إليه).

وقوله:

كَساك ولم تستكسه فاشكرن له      أخٌ لك يعطيك الجزيل وناصرُ[123]

التقدير: (كساك أخٌ ولم تستكسه فاشكرنْ له).

وقول الآخر:

تَمَنَّتْ وذاكمْ من سفاهة رأيها      لأهجوَها لمّا هجَتني محاربُ[124]

التقدير: (تمنّت محاربٌ لأهجوَها لمّا هجتني).

وقول الآخر:

وإذا تنوّر طارق مستطرقٌ       نَبَحَتْ فدلّته عليَّ كلابي

التقدير: (نبحت كلابي فدلّته عليّ)، ومثل هذا النوع أيضًا كثير.

    ج-  وأمّا الإضمار في العامل الأوّل الذي وجدتُه في الشعر (ولم أجده في النثر)، وهذا النوع من الإضمار هو وحدَه المشكلُ على قضية الإضمار بخلاف ما سبقه – وهو الذي تعمَّدت أن أحصي منه كلَّ ما أجده في مصادري النحوية التي اطلعتُ عليها، وحشدتُ كلَّ شواهده وتأمّلتها ودرستها، ووجدتها لا تخلو من أمرين:

إمّا أن تكون شعرًا معروفًا أهلاً للاستشهاد به، وهو قليل جدًّا، لم  أجد منه في مصادري التي اطلعت عليها إلا ثلاثة أبيات، ولم تسلم الثلاثة من تأويل يُخرجها كلَّها من التنازع، وفي اثنين منها رواية أخرى قد تذهب بالاستشهاد، على أنه لو صحّ بها الاستشهاد  فهي من الضرورات، واثنان منها هي كذلك عند الجمهور أصلاً؛ لأن فيهما إضمار غير المرفوع في العامل الأول، بل نصّوا على كونهما في هذين البيتين بعينهما ضرورتين.

وهذان البيتان هما: قول الشاعر:

ألا هل أتاها على نأيها         بما فَضَحَتْ قومَها غامدُ[125]

والإضمار في هذا البيت مشكلٌ حتى على رأي الجمهور، كما سبق؛ لأنه أَضمَر في الأول المنصوب، وهم يحكمون على مثله من الأبيات الآتيات بأنه ضرورة[126]؛ لأنّه أضمر في الأول ضميرَ نصبٍ، وبذلك سقط الاحتجاج بالبيت عنهم وعنّا، فلا يكون فيه حجةٌ على الإضمار قبل الذكر.

وللبيت تأويلٌ يُلغي الاستشهادَ به، وسيأتي بعد ذكر البيت الثاني.

كما أن هذا البيت في (اللسان) جاء بهذه الرواية و برواية أخرى، قد لا يكون فيها شاهد، وهي: 

ألا هل أتاها على نأيها      بما فضحت قومَها غامده

(بالهاء)، فيُحتمَل أن تكون منصوبة، على أنها بدلٌ من (قومَها)، فعلى هذا لا تنازعَ في البيت، فيكون الضمير المشكل في (أتاها) ليس عائدًا إلى متأخر، بل إلى متقدم مذكور في كلام سابق، وكذلك الضمير في (قومها). وكونُ (غامدة) وهو اسمٌ آخَرُ للقبيلة –كما في اللسان أيضًا عن ابن الأعرابي- كونُها بدلاً أظهرُ من كونها فاعلاً، لأنَّ (غامدة) هي القبيلة نفسُها، وليس لها قومٌ، بل هي نفسها القومُ، فلا يَقوى أن يقال: (فضحت غامدٌ قومَها)؛ لأنهما ليسا شيئين مختلفين منفصلين، بل هما شيء واحد، بل يُقال مثلاً: (فضحت غامدٌ نفسَها).

     ثم إنّ ههنا شيئًا مهمًّا قد يجعل هذا البيت ليس محلاًّ للاستشهاد به، وذلك أنَّ شطرَه الأول (ألا هل أتاها على نأيها)- وهو محلُّ الاستشهاد وهو محلُّ الإشكال- يتكرّر في قصائد عديدة، فهو كالنموذج الأدبي الشائع، والضميرُ فيه لا يعود إلى ما بعده، بل قد لا تجد فيه ما يحتمله، بل إلى شيءٍ معلومٍ من قبل، فكأنه في حكم المتقدّم، وكأنما هو يَقصد التعويلَ على محبوبته، ويتساءل: هل بلَغها هذا الخبر، يؤكِّد هذا أنه لا معنى لقوله: (على نأيها) في حديثه عمّا فَضَحَتْ به قومَها غامدُ، فلم يُردْ أن (غامدَ) فَضَحَتْ قومَها وهي في مكان ناءٍ بعيدٍ.

وهذا النموذج المتكرّر يُشبه في تكرُّره: (قفا نبك من ذكرى..) ويُشبه في تكرّره والغرضِ منه: (ألا هلَ اتاك والأنباءُ تنمِي) التي تتكرر في غير قصيدة، ومن أمثلة ما جاء الشطرُ فيه كاملاً قولُ دحية الكلبي في قصيدته الواردة في السيرة:

(ألا هل أتاها على نأيها)بأني قدمــــــت على قيصــــــــر
فقررته بصلاة المسيح وكانت من الجوهر الأحمر

وقول عبدالرحمن بن الحكم من أصحاب يزيد بن معاوية:

(أَلَا هَلْ أَتَاهَا عَلَى نَأْيِهَـــــا)     نِبَاءُ التّــــَرَاوِيــــحِ وَالْخَنْــــدَقِ

بَلَغْنَا بِفَيْلَق يَغْشَى الظِّرَا    بَ بَعِيدَ السُّمُوّ لِمَنْ يَرْتَقي

وقول أعشى همدان:

       (ألا هل أتاها على نَأيها)     إذا سأَلَتْ وأرادتْ سؤالا

وفي أحيان كثيرة يكتفي الشعراء منه بأوّله: (ألا هل أتاها) وفيه الشاهد والإشكالُ، وهذا  كثير جدًّا، أشهَرُ من أن يُمثَّلَ له.

وأمّا البيت الثاني فهو قول الشاعر:

علّموني كيف أبكيـ      هم، إذا خَفَّ القطينُ

قال ابن عصفور: فأعمل في (القطين) (خفَّ)، وأضمرَ ل(أبكي) مفعولَه قبل الذّكر.[127]

والذي أراه في هذا البيت أنّه قد لا يكون من باب التنازع؛ وأنّ (أبكي) لم يتوجّه إلى (القطين)، فلا يقال فيما يناسب معنى هذا البيت: (بكيت القطين)، لأن (القطين) اسمٌ للسّاكنين جميعًا، وقد يكون في (القَطين) أحبابُه وغيرُهم، وإنما البكاء يتّجه إلى مذكورِينَ في كلامٍ سابقٍ، أو إلى مَن عُلِم أنه يحزَن عليهم، كأنه قال: (كيف أبكي أحبابي إذا ارتحل الحيُّ)، وقد يؤيّد هذا أن لفظَ (القطين) مفرد، وقد يعامَل معاملةَ الجمع، لكنه خلاف الأظهر.

ولابن الضائع في البيتين السابقين كليهما تأويل جيدٌ، يخرجهما عن باب التنازع،  وذلك أنه يرى “أنّ ما ورَد من قولهم: (كيف أبكيهم) و (ألا هل أتاها) وما جاء من هذا الباب لا يلزم فيه أن يكون إضمارًا قبل الذكر، كما ذكروا، بل يكون أعادَ الضميرَ على ما في نفسه، فلمّا كانت (غامد) مذكورةً في نفسه وحاضرةً عنده أعادَ عليها الضمير، وكذا ما جاء مِن هذا الباب، ومن هذا القبيل مجيئُهم بواو (رُبَّ) أوّل الكلام، إنما ذلك حملٌ على كلام مقدَّر في النَّفس حكمُوا له بحكم المذكور، وكذا ما أتى من هذا، فلا حجة في شيء منه”.[128] وعلى هذا التأويل من هذا العالِمِ فلا إشكالَ في البيتين ولا تنازعَ ولا إضمارَ قبل الذكر فيهما، وهو تأويل جيدٌ، وإن كان لم يُرضِ تلميذَه أبا حيّان، الذي لم يُنكر صِدقَه على هذين البيتين، وقال: إن كلامه لا يطّرد له في جميع ما ورَد من ذلك، يَقصد الأبيات التي سأسردها بعدُ، ولا أراها شواهد قوية في هذه القضية، كما سيأتي قريبًا.

   وعلى فرض صحّة الاحتجاج بالبيت الأخير فقد حكمَ بعضُ العلماء على هذا البيت بأنه ضرورةٌ؛ لأن المضمر ضميرُ نصب[129]، فهو كالبيت الذي قبله، وعلى هذا فلا حجة فيه على قضية الإضمار عامة. وقال ابن هشام عنه::والذي حسَّنَ هذا أنه قد سبقه إضمار المرفوع، وهو الواو في (علّموني).[130]

   وظاهرُ كلام ابن هشام[131] في هذا البيت أنَّ فيه تنازع ثلاثة عوامل، وزاد على هذين الفعلين الفعلَ الأولَ: (علَّموني) بفتح اللام[132]،  وعليه فيكون فيه إضمارُ المرفوع، وهو ما يوجبه جمهور البصريين، وفيه أيضًا عندي مشكلةُ الإضمار ظاهرة، ويمكن أن يكون هذا أيضًا ضرورة، كما قالوا في الإضمار في البيت نفسه، في قوله: (أبكيهم)، أو يقال فيه كما قيل فيه: إنه عائد على متقدمٍ في الكلام أو معلومٍ من السياق، ولا سيّما أنّ توجيه (علَّموني) إلى (القطين) مستبعَدة، فلا يُتصوَّر أن يقال: علَّمني القطين كيف أبكيهم. فإذا بَعُد توجيه (علَّموني) إلى ما بعدها فهي متوجّهة قطعًا إلى شيءٍ قبلها مذكورٍ أو ملاحظ، وعليه تكون كذلك أيضًا (أبكيهم) مرادًا بها ذلك المتقدّم؛ فلا تنازع في البيت. أو أن الرواية: (علِّموني) بكسر اللام –كما هو الظاهر من رواية العلماء له- فلا إشكال في هذه اللفظة.

على أن الرواية المشهورة لا شاهد فيها، وهي قوله:

علموني كيف أشتا    قُ إذا خَفَّ القَطينُ[133]

وأمّا البيت الثالث فهو قول حميد بن ثور:

قَرينة سَبْعٍ إن تَواترنَ مرةً          ضَرَبْنَ فَصُفَّتْ أرؤُسٌ وجُنوبُ[134]

وظاهرُ الاستشهاد به أنَّه تنازَع فيه فعلان: أحدُهما سُمِّي فاعلُه، وهو (ضَرَبْنَ) والآخر لم يُسمَّ فاعلُه، وهو(صُفَّت)[135] وأعملَ الثاني، وهكذا رتَّبها ابنُ النَّحاس[136]، فبدأ بالمبنيّ للمعلوم، فالمبنيِّ للمجهول.

    وبحسب الظاهر فقد أضمر في الأول نون النسوة (ضَرَبْنَ). وهذا هو المشكل في قضية الإضمار. أو أن البيت يُضبط هكذا: (ضُرِبْنَ فصَفَّتْ)، وفيه أيضًا مشكلة الإضمار نفسُها. أمّا لو قيل: إنه قَصَد بالعامل الأول: (تواتَرْنَ)، وعلى هذا الاحتمال الأخير ففيه الإشكال أيضًا، وهو الإضمار في (تواترن)، لكن ستكون العوامل ثلاثة، ويكون العامل الثاني: (ضُرِبْنَ)، ويكون بعدهما عامل ثالث: (صُفَّتْ)، – وهذا مستبعدٌ تمامًا لدلالة المعنى –كما سيأتي- ولأنَّ ظاهر كلام ابن النحاس أنهما اثنان، وكذلك المحتجون به لم يوردوه على أن فيه الشاهد، إنما الشاهد في الفعلين الأخيرين.

    والذي يَظهر لي جليًّا أنَّ الضمير في (تواترن) وهو نون النسوة ليس عائدًا على المتأخر هو (أرؤس) فيكونَ فيه إشكالٌ في قضية الإضمار، إنما هو راجع إلى متقدم في الذكر، وهو (القَطوات) التي يَصف البيتُ طيرانَهنَّ وتَتابُعهنَّ، وعددُهن سبعٌ، وعلى هذا شرحُ الشارحين، فالمعنى: أنهنَّ غيرُ مصطفَّاتٍ، فإذا أردن الطيران ضَرَبن بأجنحتهنَّ حتى يَستوينَ، ثم يصرن إِلَى طيرانهن وهنَّ مصطفَّاتُ الأرؤسِ والجُنوب[137]. ويدلُّ على ذلك أنه لا يقال في (الأرؤس) إنها تواترت، لأن (التواتر) وصفٌ للإبل والقَطا ولكلِّ شيء إذا جاء بعضُه في إثْر بعضٍ، ولم تجئ مصطفَّةً، هكذا في (لسان العرب)[138]، واستشهد بهذا البيت عينِه. وإذا ثبتَ هذا كان الضمير نون النسوة في (ضَرَبْنَ) أيضًا راجعًا ل(القطوات)، وليس إلى المتأخِّر (الأرؤس)، فلا إضمارَ، بل لا تنازُعَ في البيت.

وإمّا أن يكون هذا الشعر الذي فيه إضمارٌ في العامل الأول، فيكون مشكلاً على قضية الإضمار – أن يكون شعرًا لا يُطمأَنّ إلى أنَّه يَصلح أن يكون شاهدًا في المسألة قويًّا؛ وذلك للجهل بقائله ولبُعده عن كلام العرب المحتجّ بشعرهم، فلعله من شعر ما بعد عصور الاحتجاج، وأحسبُ أنّ العلماء  إنَّما أوردوا هذه الأبيات للتمثيل لا للاستشهاد، فهي غيرُ معروفة القائل، ولا تُشبه كلام العرب الذين يُحتجّ بشعرهم، ولم تَرِدْ إلاّ في كتب المتأخرين من النحويين، ولا أستبعد أنها وردت في أوّلِ الأمر عند بعض العلماء على أنها أبياتٌ من الشعر لشعراء محدَثين، أوردوها للتمثيل، أو أنهم وضَعوها لتكون أمثلةً على القاعدة[139]؛ لِما سترى فيها من أوصافٍ تحول بينها وبين أن تكون من شعر الاحتجاج- ولم يُريدوا بها الاستشهادَ، ولم ينصّوا على أنهم ينقلونها عن العرب، ثم جاء ابن مالك – وهو أوّلُ مَن رأيته يُورد هذه الأبيات- فَنَقَلَها عنهم، وتَسامحَ في إيرادها في سِياق الشواهد، ثم انتشرت هذه الشواهد من بعده في كتب النحو المتأخّرة.

وقد أُثِرَ عن ابن مالك – رحمه الله- تسامحُه في الشواهد واستِكثارُه منها، حتى نقل المترجمون له في حديثهم عن شواهده أنه (كانت الأئمة الأعلام يتحيّرون فيه، ويعجَبون مِن أين يأتي بها!)[140] وقد يُفَسَّر ذلك  بأنهم يتحيرون فيها إعجابًا بكثرة محفوظه وحُسْنِ استِشهاده، وهذا الظاهر؛ لأنه يأتي في سياق مدحه والثناء عليه، وقد يفسَّر بأنهم يتحيَّرون شكًّا فيها، مِن أين جاءَ بها، فلم ترد في كتب مَن قبلَه.

   ولابن مالك في التَّسامح في الاستشهاد موقفٌ لا يُنكِره مدافعٌ عنه، بل إنَّ من الباحثين مَن بالغَ وتجاوز الحدَّ، فاتَّهمَ ابنَ مالك بالكذِب والتَّزوير وأوصافٍ أخرى أترفَّع عن إيرادها،[141] وجَزمَ باحثٌ آخر أنها من وضع ابن مالك، وأنه دَلَّس بإيرادها مواردَ الشواهد، وعدمِ نسبتها إلى نفسه، وإنما نَسبها للشاعر، أو للطائي أو لرجل من العرب، ولكنه لم ينسب ابنَ مالك للكذب. [142]

وذَكَرَ بعضُ الباحثين أنَّ ابن مالكٍ إذا عبّر ب(الطائي) أو (رجلٍ من طيئ) أو نحوِها فإنما يريد نفسَه؛ لأنه طائيّ النسب.[143] وذكرَ آخرُ أنَّ مِثل هذه الشواهد الظاهرِ فيها التأخرُ أنها مِن باب الاستشهاد بشعر المتأخرين،[144] وهو ما يظهر لي أنه محتمَلٌ في بعض الأبيات التي سبَقها بقوله: (قال الشاعر) أو نحوِها ممّا يُشير إلى أنها شواهدُ، وقد تكون في كتبٍ لم تَصلْ إلينا، أو أنها لم تنشَرْ بعدُ[145]، وما كان غيرَ ذلك فقد يكون ابنُ مالك قد أورده للتَّمثيل، نَقلاً عن غيره، ولا يَبْعد أن يكون قد وضَعه لذلك. ولا شك أنه ملومٌ في هذا العمل؛ لعدم صراحته ودقته، ولإيهامه أنها شواهد، كما هو ظاهرُ فَهْمِ الذين أتَوا بعدَ ابنِ مالك، لكن لا أراه كافيًا للحكم عليه بالتزوير والكذب وما أشبهَ ذلك من أوصاف؛ فلم يُصرّح بنسبتها كذبًا إلى أحد، ولم ينصَّ على أنها مِن كلام العرب في عصور الاحتجاج وأنها شواهد،  ومَن عرف ورعه وصدقه واستفاضة الإخبار بثقته لا يقبل تكذيبه أو الطعنَ في أمانته.

     وسأعرض كلَّ ما وجدتُه من الأبيات من هذا النوع على القارئ الكريم؛ لينظر فيها أثرَ التأخر، وليلمس بُعدَها عن كلام العرب المتقدّمين، ولِيشاركَني الحُكمَ بضَعْفِ الاحتجاج بها، ولعلي ألفتُ القارئ قبل قراءة الأبيات أن يَلحظ فيها  أمرًا يدعو إلى الظنِّ أنها أمثلةٌ للنحويين، وليست شواهدَ عن العرب- أنَّ الأبياتَ في أغلبِها تَبدأ بالفِعلين العاملين محلِّ الإضمار، وكأن البيتَ قد بُنِيَ عليهما، وجيء به من أجلهما[146]، كما يُلحظ فيها ضَعْفُ تَكملتها في الغالب في الشَّطر الثاني، ومن الطَّريف والدّاعي إلى التأمّل تَقارُبُ معانيها أيضًا، وكذلك تَقارُبُ اثنين منها في الصّدر كما في الأوّلَينِ منها، وهذه الشواهد هي:

هَوِينني وهَوِيت الخُرَّدَ العُرُبا      أزمانَ كنتُ مَنوطًا بي هَوًى وصِبا[147]

ويشبهه كثيرًا قولُه:

هَوِينني وهَوِيتُ الغانيات إلى     أن شِبتُ وانصَرَفَتْ عنهنّ آمالي[148]

ومنها قوله:

إذا كنت تُرضيه ويرضيك صاحبٌ      جهارًا فكن في الغيب أحفظَ للودِّ[149]

وهذا البيت الجمهور يرونه أصلاً ضرورة[150]، فهو لا يوافق قاعدتهم؛ لأنهم أيضًا لا يرون فيه صحة الإضمار في الأول؛ لأن الضمير منصوب. كما يلحظ فيه أثر التأخّر والصنعة؛ فهو يشيه أبيات التربية والنصح والتهذيب التي لم تكن ذائعةً في الشعر القديم، ويكاد ينطق بذلك آخر البيت! ويؤكّد ذلك البيت الآخر الذي يُروى بعده:

وألغ أحاديث الوشاة فقلّما       يحاولُ واشٍ غير تغيير ذي ودِّ

لا أظن مثل هذا السبك أو مثل هذه المعاني تكون في شعر الأقدمين.

وجزء من البيت الأول، وهو محل الاستشهاد واردٌ في أحد أبيات (الكافية الشافية)، وهو قوله: (ترضيه ويرضيك).

  وأمّا قوله:

جَفَوني ولم أَجْفُ الأخِلاّءَ إنني    لِغيرِ جميلٍ مِن خَليليَ مُهْمِلُ[151]

فهو بيتٌ لا يُعرف قائله، وإن عزاه ابن الناظم لبعض الطائيين[152]، ولم أجد هذا العزو عند غيره، وفيه كسابقيه أمارات الحداثة وعلامات التأخّر.

ومثله تمامًا في كل هذه الصفات:

خالَفاني ولم أخالِفْ خَليلَيْ  (م)    يَ فلا خيرَ في خِلافِ الخليل[153]

وقوله:

وَثِقْتُ بها وأخلَفَتْ أمُّ جُندُبِ        فزاد غرامَ القلب إخلافُها الوعدا[154]

ولعلَّ مَن يقرأ هذه الأبيات، ثم يعود فيقرأ بعدها مباشرة الأبياتَ التي سبقَتْها في هذا الموضع الواردةَ في كتب المتقدمين، المعروفَ قائلوها في الغالب يجدُ الفرقَ كبيرًا في لفظها ومعانيها.

وعلى فرض صحة الاستشهاد بها فما أسهلَ أن تُحمل على الضرورة أو الشذوذ، على أنّه يمكن أن يُدّعى فيها وفي كل ما كان نحوَها أنها من باب تداخل الجملتين، وكل جملة في أصل إسنادها مستقلّة عن الأخرى، على ما سيأتي. أو أنّ الضمائر فيها تعود على شيءٍ سابق معلومٍ يدلّ عليه السياق، فذهنُ السامع لم يخل من شيء يعاد إليه، وإن لم يجر له ذكر باللفظ، وقد عُهد عن العرب أنهم قد يستعملون الضمير من غير سابق، يستعملونه للمخاطب وللغائب، من مثل:

(قفا نبك..) وقد كثرت في أشعارهم، مثل:

قرِّبا مربط النعامة مني

ومثل: بَكِّرا صاحبيَّ قبل الهجيرِ

وقد مضى أمثلة أخرى لذلك.

وفي ختام رصدي لشواهد الإضمار أنقل عن ابن عصفور أنه ينقل عن الفرّاء أنه لا يوجد في كلام العرب ما يؤدّي فيها إعمال الثاني إلى الإضمار قبل الذّكر.[155] وهذا النقلُ من عالم متقدّمٍ معتنٍ باللغة ونقلها وضبطها  في غاية الأهمية في نفي السماع عمّا يلزم منه الإضمار قبل الذكر.

علاج مشكلة الإضمار:

وسأرتّب البحث في عدة مسائل، مَدارُ تقسيمِها قائمٌ على صورة الإضمار وطبيعة التنازع، فقد وجدته مندرجًا في الصور السبع الآتية، سأبدأ منها بالأيسر فالأيسر، وهي الأهمّ فالأهمّ، معتنيًا منها فيما يتعلق بالإضمار فحسبُ، وهذه الصور السبع هي:

الصورة الأولى: عاملان يطلبان معمولاً على جهة واحدة: إما أن يطلباه فاعلاً مثلاً أو مفعولاً به.

الصورة الثانية: عاملان يطلبان عاملاً واحدًا على جهتين مختلفتين. (ليس العاملان (ظنَّ) و(أعلَمَ) (أعطى) وأخواتهما). وهذه أشهر الصور وأكثرها ورودًا وبحثًا في كتب النحو.

الصورة الثالثة: العاملان المتنازعان من باب (ظنَّ) وأخواتها.

الصورة الرابعة: العاملان المتنازعان من باب (أعلم) و(أرى).

الصورة الخامسة: العاملان المتنازعان من باب (أعطى) وأخواتها.

الصورة السادسة: أكثر من عاملين يطلبان معمولاً واحدًا.

الصورة السابعة: تنازع أكثر من عاملين أكثر من معمول.

وأهمّها الصورتان الأولَيان، وكثيرٌ مما فيها من أحكام عامة  وقياسٍ يجري في الصور التي تأتي بعدها.

الصورة الأولى: عاملان يطلبان معمولاً على جهةٍ واحدةٍ: إما أنْ يطلباه فاعلاً مثلاً أو مفعولا به أو غيره، وذلك نحو: (قامَ وقعدَ زيدٌ)، و(رأيت وأكرمت زيدًا)

وهي صورة كثُرت في هذا الباب، كما نصّ العلماء،[156] وجمهور النحويين كعادتهم في هذا الباب يُعملون أحد العاملين في اللفظ والآخر في الضمير، فيلزم عليه في بعض الصور إضمارٌ قبل الذكر، ولو لم يكن فيه ذلك فلن يخلو من تكرار الضمائر، ومن اضطراب الأسلوب بكثرة ما فيه من الإحالات.

   وعِلاجُ هذه الصورة أنْ يُدَّعَى أنَّ العاملين كليهما يعملان في المعمولِ بعدهما، وذلك هو رأي الفرّاء: أنَّ كلا العاملين متجهٌ إلى المرفوع فرافعٌ له، وإلى المنصوب فناصبٌ له، فقد قال في نحو: (قامَ وقعدَ زيدٌ): إنّ الفاعل مرفوعٌ بكِلا الفِعلين[157]. فليس في هذا الرأي حذفٌ للفاعل، وهذا أيضًا واردٌ إذا  طَلَب العاملان أو أكثر معمولاً واحدًا على جهة النصب أو الجرّ.

وقد وجدت في رأي الجمهور مشكلاتٍ، وفي رأي الفرّاء مؤيّدات:

فمن المشكلات على رأي الجمهور:

  أنّه يشكل على رأي الجمهور الذين يُعملون أحد الفعلين – يُشكل نحوُ قولهم: (ما قام وقعد إلاّ زيدٌ) فإن أعملوا أحدَهما في (زيد) دون الآخر كان المهمل خاليًا من الإيجاب المفهوم من (إلاّ)؛ فصار منفيًّا، وذلك عكسٌ للمعنى؛ لأنه يلزم نفيُ الضرب عنه، والمعنى إثباته.[158]

وتنبّه ابن الحاجب إلى الإشكال في هذا المثال ونحوه، فحكم على كونه من باب التنازع بأنه غلط[159]؛ لأنه لو كان من هذا الباب لوَجَبَ أن يكون في أحدهما المضمر؛ لأنه فاعل، فيقال فيه: (ما ضربتُ وأكرمَ إلا أنا) و (ما ضربَ و أكرمتَ إلا أنت)، وعند ذلك يفسد المعنى، قال – وهو كلامٌ مهمٌّ-: وإنما هذا كلام محمول على الحذف، فتقديره: (ما ضرب إلا أنت، وما أكرم إلا أنت) فحُذفَ من أحدهما تخفيفًا.[160]

     ويُلحَظ  أنّ ابن الحاجب عبَّر بالحذف ولم يعبّر عنه ب(الإضمار)، وفيه إشارةٌ إلى العلاقة بين الحذف والإضمار التي سبق الحديث عنها، ومُهَوِّنٌ من شأن الحُكم بالحذف، وهو ما يميل إليه هذا البحث في كثيرٍ من مواضعه.

وقال الرضي: إنه لا يكون من باب التنازع إلا على رأي الكسائي، ويكون الفاعل محذوفًا من الأول مع إعماله للثاني، قال: ويَلزم البصريين أيضًا في هذا المقام متابعةُ الكسائي في مذهبه؛ لأنهم يوافقونه ههنا في أنَّ هذا الباب من باب الحذف لا الإضمار؛ لأنهم حَذفوا الفاعلَ مع (إلا) لدلالة الثاني عليه؛ لأنه هو.[161]

ويتّصل بما سبق أنّه يُشكل عليهم أيضًا نحوُ: (ما قام وقعد إلاّ أنا) عند مَن يراه من التنازع؛ فيلزم منه إعادة ضمير الغائب على حاضر.[162] إذ التقدير: (ما قام هو وقعدَ إلا أنا). وحمله ابن مالك على أنه ليس من التنازع، وإنما هو من باب الحذف، وأنَّ التقدير: (ما قامَ أحدٌ وقعدَ إلا زيدٌ)[163].

أنه يشكل عليهم نحوُ: (سرَّني إكرامُك وزيارتُك عمرًا) فإنهم يُجمِعون على جواز إعمال أيّ العاملين، ولكننا لا نستطيع إعمال الأوّل؛ لأنه سيلزم على ذلك الفصل بين المصدر ومعموله.[164]

من أمثلة النحويين: (إيّاك ضربت وأكرمت) و (بك قمت وقعدت)[165]، وجعل الشاطبي: (زيدًا ضربتُ وأكرمتُ) محتملاً أن يكون من باب التنازع،[166]ونقل أبو حيان عن بعض أصحابه أنه لا يشترط تقدم العاملين المتنازعين،[167] وذكر أبو حيان وابن هشام أن من العلماء من أجاز تقدم معمول العاملين المتنازعين.[168] وعزا ذلك ابن عقيل لبعض المغاربة،[169] ونقل ابن عقيل أنه ربما وجب تقديم المعمولين في مثل: (أيَّ رجلٍ ضربت أو شتمت؟)[170]وهذه كلها لا يتصوَّر فيهما الإضمار في أحد العاملين، وإنما كِلاهما يطلب معمولاً واحدًا.

إضافةً إلى المحذور اللفظي في رأي الجمهور وهو عَود الضمير على متأخر في اللفظ والرتبة- فإنه يترتب عليه إشكالٌ أهمُّ منه، وهو اضطرابُ المعنى، فلا تجده يحمل معنًى ظاهرًا، فإذا قالوا: إنّ (قام وقعد زيدٌ)  مقدّرٌ ب: (قام هو وقعد زيد) كان الضمير – وهو أعرف المعارف- غيرَ دالٍّ على شيء معروف، بل لا معنى له أصلاً؛ لأنه لن يُعرف إلا بعدَ ذكر الفاعل الثاني، فتقدير الفاعل أوّلاً أشبهُ ما يكون بالإتيان بما لا معنى له أو الإخبارِ بما لا يُحتاج إلى معرفته.

   زدْ على ذلك الإثقالَ بالتّطويل والتكرار الناتج عن ذكرِ فعلٍ ثم فاعلٍ ثم فعلٍ ثمّ فاعلٍ، لكنّ مذهب الفراء يغني عن هذا، ويهبنا الاختصار ووضوح المعنى، وهما مطلبان في النحو عزيزان، لا ينبغي للتقدير المتكلّف أن يضطرّ أحدًا إلى نقضهما أو الإخلال بهما.

لو كان العاملان اسم فاعلٍ في نحو: (أنت ملاقٍ وشاكرٌ زيدًا) فلو أعملتَ الأوّلَ في هذا وأمثالِه وقلت: (أنت ملاقٍ وشاكرُه زيدًا)، فالعامل الأول يريد منصوبًا، ولا يَظهر في الثاني إن كان العاملُ الثاني قد نصب معمولَه أو جرَّه.

يُشكل الإضمار وإعمال أحد العاملين في الضمير في مثل: (زيدٌ قامَ وقعدَ أبوه) فإنهم إن أعملوا الثاني، على ما هو المختار في رأي البصريين،  وأضمروا في الأول ضمير (الأب) لزم عدم ارتباطه بالمبتدأ؛ إذ ليس فيه ضمير يعود عليه، وأيضًا فلا يكون في الكلام دليلٌ على أنّ الضمير ل(الأب)، فلزم المحذور، قال الشاطبي: وكذلك إذا أعملت الأول وأضمرت في الثاني، وكذلك إذا كان السببي منصوبًا، في مثل: (زيدٌ أكرمَ وأعطى أخاه).[171] ولو عُمل برأي الفراء لسَلِمْنا من هذا المحذور، فلن تخلو جملة الخبر من الرابط.

يُشكل أيضًا على رأي الجمهور ما هو قريب جدًا ممّا سبق، وهو التنازع في مثل قول كثيّر عزَّة:

قَضَى كلُّ ذي دَينٍ فوَفَّى غريمَه         وعزةُ ممطولٌ مُعنًّى غريمُها[172]

ولذلك استثناها أكثر النحويين المتأخرين[173]، ابنُ خروف وابنُ مالك ومَن بعدهما[174]، وأخرجوها من الباب مع ظُهور دخولِها فيه؛ فأشكلوا، وزادوا المباحثَ، وأكثروا الخلافَ والشروط، وعدمُ إخراج السببي المرفوع أسهلُ في عرض هذا الباب وأوجَهُ. قال أبو حيان: وهذا التقييد (إخراج السببي المرفوع) لم يذكره معظم النحويين ولا اشترطوه.[175] ونقل ابنُ عقيل عن بعض النحويين إعمالَ كلٍّ من (ممطول) و (معنًّى) في (غريمها).[176] وكون البيت السابق من التنازع هو رأي الكوفيين[177] والفارسي[178]، وكذلك ابن إياز[179].

وهو تركيبٌ جميلٌ في الاستعمال، فما أجملَ في الذوق مثلَ: (وعزةُ ممطولٌ معنًّى غريمُها) وما أشقَّ ما قيل في تأويله ليخرج عن باب التنازع، فقد قيل: إن (غريمها) مبتدأ مؤخّر، و(ممطول) خبرٌ مقدم، و(معنًّى) حال، أيْ أنَّ غريمها ممطول في حال كونه مُعَنًّى، وهو معنى بعيدٌ، ما أظنُّ الشاعرَ أراده، وقيل: إنّ (ممطول) و(معنى) كلاهما خبر مقدم، وهو أحسن من سابقه، وأحسنُ منهما جريُ البيت على ظاهره، وهو إسنادُ المَطل والعناء إلى غريمها. وعلى رأي الجمهور يُشكل هذا البيت وأمثاله؛ لأنه  لو كان من باب التنازع لزم إبراز الضمير في الأول، لأن الوصف جرى على غير مَن هو له؛ ولذلك استثنوا السببي المرفوع من هذا الباب، أمّا على رأي الفراء فلسنا بحاجة إلى استثنائه، فرأيه سيجيز التنازع فيه؛ فلا إشكال فيه عليه.

وإضافةً إلى ما في رأي الجمهور من مشكلات سبَق ذكرُ بعضها، فإنّ لرأي الفراء – إضافة إلى السهولة وظهور المعنى-  ما يشفع له من القياس، فله نظائر تقارب ما فيه من توجُّه عاملين أو أكثر على معمول واحد:

أجاز بعضُ العلماء التنازعَ في الحروف، ك(لعلّ) و (عسى)[180] و (كأنّ)، ونُقل الأخير عن الفارسي،[181] ونقله الأزهري عن ابن العلج،[182] والحروفُ لا تتضمَّن الإضمار، فاتجه العاملان كلاهما إلى معمولٍ واحدٍ قطعًا.

وقد يكون من هذا القبيل أنَّ من العلماء مَن جعَل مِن التنازع تنازعَ اسمي الفعل في نحو: (فهيهات هيهات العقيقُ)[183]، ومثل ذلك لا يَحتمل حسب الظاهر الإضمارَ في أحد الفعلين، مع أنَّ الفارسي قد قدّره في أحدهما –كما سبق- وهو غريب.

تقول: (محمدٌ وعمرٌو كريمان) فالخبر مرتفعٌ بالمبتدأين كليهما، على مذهب سيبويه، أو بهما وبالابتداء عند بعض النحويين، ففيه توجّهُ عاملين إلى معمول واحد؛ لأنهما يقتضيانه معًا.[184] وهذا عند التأمّل يشبه: (قام وقعد زيدٌ).

قد يُضاف اسمان إلى مضاف إليه واحد، نحو: (قطعَ الله يدَ ورجلَ مَن قالها)، وهي مسألة أجازها بعض العلماء،[185] منهم المبرّد،[186] فيصحّ قياس قول الفراء عليها. وقد قارب الشاطبيُّ بين هذه المسألة وباب التنازع، وإن كان قد نصَّ على أنه عند العلماء ليس من التنازع.[187] وسمّاها نظيرَ مسألة التنازع.[188]

ذكر بعض العلماء في نحو: (جاء جاء زيدٌ) أنّ (زيد) مرفوع بالفعلين كليهما.[189] قال ابن مالك: يجوز أن تنسب العمل إليهما لكونهما شيئًا واحدًا في اللفظ والمعنى.[190]

وجعلَ ابن الشجري نحوَ هذا ونحوَ: (أتاك أتاك اللاحقون) مقوِّيًا لما ذهب إليه الكسائي من حذف الفاعل.[191]

أجاز المبردُ وغيرُه التنازعَ في فعل التعجب، نحو: (ما أحسنَ وأجملَ زيدًا)، قال: تعمل الأول أو الثاني.[192]، ولا يُتصوَّر في فعلي التعجب الإضمار لجمودهما.

ويوافق رأيَه الكثيرُ من الشواهد التي فيها عاملان ولم يظهر أثرٌ للإضمار في أحدهما، قال ابن مالك: ويمكن أن يكون على مذهبه قول الشاعر:

إنّ الرغاث إذا تكون وديعةٌ             يُمسي ويُصبِح درُّها ممحوقا

   وكذا قول الشاعر:

وهل يرجع التسليمَ أو يكشف العَمَى            ثلاثُ الأثافي والرسوم البلاقعُ

ولو جرى على طريقة الإضمار، لقال: (يرجعن أو يكشف العمى ثلاثُ) أو (يرجع أو يكشفنَ ثلاثُ)[193].

وكذلك قول الشاعر:

تَعَفَّقَ بالأرطى لها وأرادها            رجالٌ فبذَّتْ نبلَهم وكَليبُ

فلم يظهر الإضمار في أيٍّ من الفعلين، وهو يدل على توجههما كليهما للمعمول. ومن هذا القبيل الكثيرُ من الشواهد التي سبقت، وخلا كلا العاملين من الإضمار، وهما يطلبان معمولهما على جهة واحدة.

وأعود لألحّ على ما في هذا الرأي من ظهور المعنى، ومن سهولةٍ بالغة، وأرى أنه لو اعتُمد في العمل في هذا الباب وفي إعرابه لزال من هذا الباب الكثيرُ  من مشكلاته، ولاستُغني عن أكثر تفصيلاته.

     ولا يُشكل على رأي الفرّاء إلاّ القاعدةُ القياسية التي يقررها النحويون: أنه لا يجتمع أكثرُ من عاملٍ على معمول واحد[194]، وقال الرضي: إنّ اجتماع المؤثرين التامين على أثر واحد مدلولٌ على فساده في علم الأصول، قال: وهم يُجرون عوامل النحو كالمؤثرات الحقيقية.[195] وكما هو ظاهر فالمانع ليس لغويًّا صِرفًا، وإنما هو الحكم المنطقي الجدَلي، وما ينبغي أن يكون له في الحكم النحوي  أن يُعَسّره، ويُعميه، على أنه يمكن الجدال في قبوله، ويمكن أيضًا التنظيرُ من النحو العربي بما ظاهره يخالفه، كما سيأتي.

الصورة الثانية: عاملان يطلبان عاملاً واحدًا على جهتين مختلفتين (ليس العاملان (ظنَّ) و(أعلَمَ) (أعطى) وأخواتهما)، نحو: (زارني وأكرمتُ زيدٌ). (وهذه أشهر صور التنازع وأكثرها ورودًا في كتب النحو)

إذا كان الإعمالُ للعامل الأوَّلِ فسيكون الضمير في العامل الثاني، نحو: (ناديتُ فأجابوني الضيوفَ) ولو بقي بارزًا فلا يكونُ فيه إشكالُ عودِ الضَّميرِ على متأخرٍ في اللَّفظ والرتبة معًا، بل في اللفظ فحسبُ، فتقديره: (ناديتُ الضيوفَ فأجابوني) وقد تقدّم ذلك غير مرّةٍ، حكى الرضيُّ الإجماعَ على جوازه؛ لأنه ليس إضمارًا قبل الذِّكر، لكون المتنازَع عليه من حيث كونُه معمولاً للأول مقدَّمًا على العامل الثاني تقديرًا، وإن كان مؤخّرًا لفظًا.[196]، وقد سبق الحديثُ عن حكم الضمير إثباتًا أو حذفًا.

وإن أعمل العامل الثاني واحتاج الأول إلى ضمير: فإن كان ضميرَ نصب أو جرٍّ فلا إشكال في قضية الإضمار؛ فالنحويّون يحكمون بحذفه،،  وحذف المنصوب والمجرور والاستغناء عنهما كثيرٌ جدًّا، ولا سيّما إذا دلّ عليه دليل، والدليل موجود في الجملة الأخرى، وسيأتي وجهُ الانفصال والاتصال بين الجملتين.

وإن كان يحتاج إلى ضمير رفع (عمدة) فأكثر النحويين -كما سبق- يُبرِزُونه، وإبرازه من أبرز الصور التي يسعى هذا البحث إلى تأمّل علاجِها عند النحويّين. لا يفرق في ذلك بين كون هذا الضمير ضميرَ رفعٍ أو غيره.

ويبدو ممّا يوافق قياسَ النحويّين وجهانِ لِعلاج مشكلة إضمار المرفوع في العامل الأول في مثل هذه الصورة:

الوجهُ الأول: أنّ سيبويه مع أنه يرى إبراز الضمير –كما سبق-  أجاز حذف الضمير من العامل الأول، فأجاز نحو: (ضَرَبَني وضَرَبْت قومَك)، وله فيه تأويل، وهو أنّ الفاعل في حكم الفاعل المفرد الذي يَستتر له الضمير، فالتقدير عنده: (ضَرَبَني مَن ثَمَّ وضربتُ قومَك)[197]، وسيبويه صرّح في الحكم عليه بالجواز مرتين، وإن كان قد وصفه بالقبح في إحداهما، ولعله يريد به ما يلزم منه أن تجعل لفظَ الجمع كالواحد، أمّا أصل الاستعمال فهو يجيزه. وفي آخر كلامه في هذا الموضع إشكال، إذ قال:”وترك ذلك أجود وأحسن”، قال السيرافي: إن هناك سقطًا في الكلام، وتمامه: (وترك ذلك جائز، وذكره أجود وأحسن)[198] أي الضمير في أظهر تأويلات كلامه، ويفهم منه تصريحٌ ثالث من سيبويه بجواز ترك الضمير من العامل الأوّل.

     ونظّر سيبويه التعبير بضمير المفرد وهو يريد الجمع بمثل قول العرب: (هو أحسنُ الفتيان وأجملُه)، والأصل: (أجملُهم)، وجعلَ منه ابنُ عصفور أيضًا: (وَإِنَّ لَكُمْ فِي الْأَنْعَامِ لَعِبْرَةً نُسْقِيكُمْ مِمَّا فِي بُطُونِهِ مِنْ بَيْنِ فَرْثٍ وَدَمٍ لَبَنًا خَالِصًا سَائِغًا لِلشَّارِبِينَ) (النحل٦٦)، ولم يقل: (في بطونها)[199]. وقال الشاطبي: وقد يوجد مثلُ هذا في كلامهم.[200] وقال: اختَلف الناس في تأويل كلام سيبويه بناء على أنَّ مثلَ هذا يقاس أو لا يقاس: فظاهر كلام السيرافي وابن خروف أنه يجوز قياسًا، ونقل عن الشلوبين أنه لا يقاس، وإنما قال سيبويه: (فجائز) يعني حيث سُمع على حكم التأويل بما ذكر، وابن مالك يميل إلى ذلك…[201]

     وبتأويل سيبويه للجماعة بالمفرد سلامةٌ لهذا الباب من مشكلة الإضمار وما فيها من إخلالٍ بتركيب الجملة، وعلى هذا فكلُّ ما أحوج إلى ضميرٍ بارزٍ في الفعل الأوّل أمكن تأويله بمفردٍ كما فعل سيبويه، واستتر ولم يبرز،  وهو أمرٌ لا يخلو من بُعدٍ، وفيه تكلّفُ التقدير، لكنه حسَنٌ في مقابل الإضمار قبل الذكر ومخالفةِ طبيعة التركيب، ولا سيما في هذا الباب خاصةً المبنيِّ على الإيجاز وعلى بناء الجملتين على أنهما بمنزلة الجملة الواحدة.

وقد وجدتُ من العلماء من يجنح إلى تأويل سيبويه هذا في مثل: (قام قام زيد) و (قام وقعد زيد) و (أتاك أتاك اللاحقون).[202]

الوجه الثاني:

إن احتاج الأولُ إلى مرفوع فلا يُذكر، فضلاً عن غيره، فيقال: إنّ كلَّ جملة في الأصل مستقلةٌ عن أختِها،، وإنّ الجملة الأولى قُطعت، وتوقفَ الإسناد فيها عند العامل استغناءً بما سيأتي في الثانية، فيكون العملُ والإسناد لما في الثانية، وأغنى عن الأولى، وأصبحت الجملتان كأنهما جملة واحدة،  ولن تجد حرجًا على المعنى أبدًا في ذلك، فلا هو يَخفَى أو يَضطرب، وما هو ببعيدٍ في قضيّة الانقطاع والاستغناء عن قولِه تعالى: (يحْلِفُونَ بِاللَّهِ لَكُمْ لِيُرْضُوكُمْ وَاللَّهُ وَرَسُولُهُ أَحَقُّ أَنْ يُرْضُوهُ إِنْ كَانُوا مُؤْمِنِينَ ) (التوبة٦٢)[203] ولا عمّا قرّروه – وهو حسَنٌ- في العطف على اسم (إنّ) قبل تمام الخبر، من مثل: (إِنَّ الَّذِينَ آَمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالصَّابِئُونَ وَالنَّصَارَى مَنْ آَمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِ وَعَمِلَ صَالِحًا فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ) (المائدة٦٩) ومثل قول الشاعر:

خليليَّ هل طبٌّ فإني وأنتما            وإن لم تبوحا بالهوى دنفانِ

ومثل:

ياليتني وأنت يا لميسُ            في بلدةٍ لَيس بها أنيسُ

وغير ذلك من الشواهد، وفيه من قطع الجملة واتصالها، وإغناءِ بعضها عن بعض ما يشجّع على ما ذكرتُه في هذا الباب مِن تيسيرٍ.

وفي حديث سيبويه ما يشير إلى أنَّ وجه الإعمال في عامّة هذا الباب هو عدم نقض المعنى[204]، وسألتمس من كلام شيخ النحويين في هذا الباب ما يَشهد بما يمكن أن يكون احتكامًا للمعنى وتعويلاً عليه، قد يتجاوز العلاقات الدقيقة بين ظواهر الألفاظ، ففي إحدى الصور التي حُذف الضمير من العامل الأول صرَّح سيبويه بأن العامل الأول مُعمَلٌ في المعنى وغيرُ معمَلٍ في اللفظ، والآخِر مُعمَلٌ في اللَّفظ والمعنى[205]، وعند المبرد نحو ذلك[206]، وفي موضع آخر وصفه سيبويه بأنّ الفعل قد وقع، مع أنك لا تجد محلاًّ للعمل ولا مكانًا لوقوع الفعل، وفي حاشية الكتاب تفسيرُه أنَّ الفعل وقعَ على المفعول من جهة المعنى،، قال سيبويه: إلاّ أنّه لا يعمل في اسمٍ واحد نصبٌ ورفعٌ.[207] ففي كلامه –رحمه الله- حُكمٌ بالاتصال المعنويّ بين العامل والمعمول، وهذا وحدَه وجهُ الإعمال، وقد وُجِد في المعنى دون إشكالٍ في اللفظ. ويدلُّ على أننا لسنا أمام حذفٍ مطلق، وإنما نحنُ أمام اتصالٍ ظاهر في المعنى مستَغنًى عنه في اللفظ، إمّا للاختصار أو فرارًا من إشكال لفظي – أنّ سيبويه جَعلَ من سبب تفضيل إعمال العامل الآخِر أنّ المخاطَب قد عرَف أنّ الأوَل قد وقع بزيدٍ.[208] وفيه تقريرُ اعتِماد الاكتفاء بالمعنى إذا عُلِمَ عن الاسترسال وإكمال إسناد الفعل إلى ما يُسنَد إليه، فيُقال ذلك في الاكتفاء بفهْم المعنى عن إسناد أحد العاملين اكتفاءً بالآخر.

    وقال سيبويه منظِّرًا هذا الاكتِفاء ومقوِّيًا لهذا الاستغناء في القياس: “ومِمَّا يُقوّي تَرْكَ نحوِ هذا لعلم المخاطب قولُه عزَّ وجلَّ: (إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ وَالْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَالْقَانِتِينَ وَالْقَانِتَاتِ وَالصَّادِقِينَ وَالصَّادِقَاتِ وَالصَّابِرِينَ وَالصَّابِرَاتِ وَالْخَاشِعِينَ وَالْخَاشِعَاتِ وَالْمُتَصَدِّقِينَ وَالْمُتَصَدِّقَاتِ وَالصَّائِمِينَ وَالصَّائِمَاتِ وَالْحَافِظِينَ فُرُوجَهُمْ وَالْحَافِظَاتِ وَالذَّاكِرِينَ اللَّهَ كَثِيرًا وَالذَّاكِرَاتِ أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا) (الأحزاب٣٥) فلم يُعمل الآخِر فيما عمِلَ فيه الأوّل استغناءً عنه، ومثل ذلك: (ونَخلَع ونترك مَن يفجرك)… قال: “وجاء في الشعر من الاستغناء أشدُّ من هذا، وذلك قول قيس بن الخطيم:

نحن بما عندنا وأنت بما         عندك راضٍ والرأي مختلفُ

وقال ضابئ البرجمي:

فمن يك أمسى بالمدينة رحله          فإني وقيّارٌ بها لغريبُ

وقال ابن حجر:

رماني بأمرٍ كنت منه ووالدي     بريئًا ومن أجل الطَّويّ رماني

فوضع في موضع الخبر لفظ الواحد؛ لأنه قد علم أنّ المخاطب سيستدلّ به على أن الآخرين في هذه الصفة…. ومثلُه قول الفرزدق:

إنّي ضمنتُ لمن أتاني ما جنى        وأبي فكان وكنت غير غدورِ

قال: ترَك أن يكون للأول خبرٌ حين استَغنى بالآخِر لعلم المخاطَب أن الأول قد دخل في ذلك”[209]. ونحو ذلك للمبرّد أيضًا.[210] وقال: وأمّا المعنى فقد يعلم السامع أنّ الأوّل قد عمل، كما عمل الثاني فحُذف لعلم المخاطب. ونظّره بمثل ما نظّره سيبويه.[211]

    وقد قرر السيرافي أن حذف الخبر أشدُّ من حذف المفعول به[212]، وهو ظاهر. ولي أن أزعم أنَّ حذف الخبر ليس أقلَّ شأنًا من حذف الفاعل؛ فكلاهما عمدة؛ فلا وجهَ يبقى في القياس عند العلماء الملتزمين بالإضمار في الأوّل للتفريقِ بين هذا وبين حذف الفاعل، ولا أجد فرقًا كبيرًا بين الفاعل والخبر؛ فيُحذفَ الثاني دون الأوّل، فكلاهما عمدة في الصناعة، وكلاهما هو المسند إليه، بل إنَّ الخبر قد يكون هو عينَ غرضِ المتكلم حين أنشأ الجملة الخبرية[213]، لكنهم حكموا حكمًا صناعيًّا أنّ الفاعل لا يُحذف وأن الخبر يُحذف، وعند التأمّل في المعاني وأغراض النحو فلا ينبغي التفريق بين الفاعل والخبر؛ فما لم يُعلم وجب التلفظ به، وما عُلم جاز عدم التلفّظ به، ومَنْ كان الإشكالُ عنده في الوحشة من حذف الفاعل فليس بحاجة إلى أن يُسمّيه حذفًا، مادام شاهدًا في ذهن المخاطب، وفيما ذكره سيبويه من نظائر ما يشفع له ويقوّيه.

فمدار الأمر على الحذف والعلم، وهو حاضرٌ في مثل: (ضربني وضربت قومَك)؛ فلا بدّ في هذا الباب من شيءٍ من التجاوز، وذلك لأنه يخالف عامّة النحو، فالجملة في الحق مكونةٌ من جملتين يُراد بهما ما يُراد بالجملة الواحدة، وقد نبّه على هذا السيرافي، قال: “اعلم أنّ العرب إذا عطفت فعلاً على فعلٍ وكان كلُّ واحدٍ من الفعلين متعلّقًا باسمين أو باسم واحد فإنهم يَستجيزون في ذلك ما لا يَستجيزونه في غيره من كلامهم، فمن ذلك أنك تقول: (قام وقعد أخوك) فأنت بالخيار إن شئت رفعت (الأخ) بالفعل الأول، وإن شئت رفعته بالفعل الثاني”.[214]

وللدّينوري تأمّلٌ جيدٌ في هذه الصورة، صورةِ اتجاه عاملين مختلفين إلى معمول واحد في أحد أمثلتها،، لكنَّ فيها تفسيرَ وجهِ تداخُل الجملتين، وإن لم يكن فيها محذورُ إضمار الرفع، ففي نحو: (ضربت وضربني زيدٌ) قال: والتقدير: (ضربت زيدًا وضربني زيدٌ) إلاّ أنه لمّا كان المعنى: (تضاربنا) جعلوا الجملتين جملة واحدة.[215] بل إنه لَمح فيها أن الفعلين في المعنى والإسناد أصبحا فعلاً واحدًا، وتأوّل أنّ الكوفيّين يقولون على أصل اختيارهم: (ضربت وضربني زيدًا) فيؤخِّرون مفعولَ الأوّل، قال: لأنّ الفعلين قد صارا كالفعل الواحد.[216] ولابن أبي الربيع فيه مَلمحٌ جميلٌ يشبهه، قال: “لأنَّ (ضربني وضربت زيدًا) في معنى (ضاربت زيدًا) فلما كان الفعلان في معنى فعلٍ واحد تواردَ الفِعلان على اسمٍ واحدٍ من جهة المعنى، إلا أنهما في اللفظ لا يمكن أن يَعملا فيه”.[217]

ومِن تَداخُل الكلمتين والاستغناءِ بفعلٍ عن الآخَر- وإن كان ليس فيه إضمارٌ في الأول والثاني، بل وليس فيه تنازعٌ في رأي بعض العلماء – قولُ الشاعر:

وهل يَرْجِعُ التَّسليمَ أو يَكْشِفُ العَمَى         ثَلاثُ الأثافي والرسومُ البَلاقعُ

قال ابن مالك: وإنما أراد: (وهل يرجع التسليم ما أشاهد)، واستغنى بالإشارة، كما قالوا: (إذا كان غدًا فأتني)، أي: (إذا كان ما نحن عليه فأتني)، ثم أبدل (ثلاث الأثافي) من الضمير المنويّ.[218] والسِرّ في هذا أن العاطف (أو) الذي يقتضي أحدَ الفعلين وليس كليهما، وعلى هذا فأحدُهما يسند إلى ما بعده، وأمّا الآخر فلا بد من قطعه والاستغناء عن إكمال إسناده بما في الفعل الآخر، ونظّره ابن مالك بما لم يُذكر الفاعلُ له. ولم يوافق ناظر الجيش ابنَ مالك على هذا الاستدلال في البيت، ونقل عن ابن عصفور أنه أنشده على أنه من الإعمال، وأنه قد يُستدلّ به للكسائي على جواز حذف الفاعل.[219]

ومِن تداخل الجملتين في هذا الباب – وإن لم يكن فيه إضمارٌ في الأوّل- البيتُ المشهور فيه:

وقد نَغْنَى بها ونَرى عصورًا            بها يَقْتَدْنَنا الخُرُدَ الخِدالا

فالجملتان متداخلتان، حتى لقد صارت الثانية كأنها من مكمّلات الأولى، فالعمل والإسناد للعامل الأول: (نرى)، وأمّا (يقتدننا) التي يُظَنّ بها أنها العامل الثاني فهي في محل نصب على أنها حالٌ، وجملة الحال يعمل فيها العامل الأول، كأنه قال: (نَرَى بها العُرُب الخِدالَ يقتدننا).[220] فكلُّ ما هنالك تقديمٌ وتأخيرٌ، وكثيرًا ما أوَّل النحويون به في هذا الباب وغيره.

ويشبهه في هذا الباب – وإنْ لم يكن فيه مشكلةُ الإضمار- لكنْ فيه التداخلُ بين الجملتين واستغناءُ إحداهما بالأخرى عدة أمثلة:  فقول الشاعرة مثلاً: (بعكاظ يُعشي الناظرين إذا همو لمحوا شعاعُه) قد يقال فيه: إن الشاعرة أرادت توجيه الفعل (يُعشي) إلى فاعله (شعاعه) ثم اعترضتْ بينهما بجملةٍ وبيّنتْ، فقالت: (إذا همو لمحوا)، فهما جملتان: إحداهما فيها فعل وفاعل، والثانية فيها فعل وفاعل ومفعول، غير أنّ المفعول قد حُذف، وما أكثر ما يُحذف، ومن العلماء مَن لا يرى هذا حذفًا، بل هو استغناء عن المفعول وإرادةٌ للإطلاق، وله في هذا البيت ملمحٌ معنوي طريف، فكأنها قالت: إنه في عكاظ يعشيهم الشعاعُ إن كانوا ينظرون. فلكلِّ جملةٌ سياقُها، إلا أنه بدأ بالثانية قبل تمام الأولى، وهذا من فنون الكلام، يشبه الاحتراز والشرط، وهو من التقديم والتأخير، ولهما في الكلام لطائفُ، فالبيت يشبه  بيتًا آخر أشهرَ منه وأقربَ إلى هذا الباب، وهو:

ولو أنّما أسعى لأدنى معيشةٍ       كفاني ولم أطلب قليلٌ من المالِ

الذي عدَّه بعضُ النحويّين من التنازع،[221] فالظاهر توجّهُ كلا العاملين: (كفاني)  و(أطلب) إلى معمول واحد (قليل)؛ فالكافي هو (القليل)، والمطلوب هو (القليل) على بعض التأويل؛ فيكون ذلك البيت مثلَه، وشيخُ النحويين وأكثرُهم لا يرونه من هذا الباب؛ لأن (قليل) ليس مطلوبًا لكلا العاملين[222]. بل إنه حتى على رأي الذين لا يجعلونه من باب التنازع فإن فيه من الحذف والاستغناء ما يكون فيه حجة، فالمعنى: (كفاني ولم أطلب الملكَ قليلٌ من المال) فالعامل الثاني اعترض  في أثناء ذكر العامل، وهو عامل جديد لم يستكمل ما له، وأحال على ما يفهمه السامع، وواصلَ العاملُ الأولُ واستكمل معمولاتِه. وأصبح ذلك المحذوف نسيًا منسيًّا، نظّره الرضي بالحذف في قوله تعالى: (مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا فَيُضَاعِفَهُ لَهُ أَضْعَافًا كَثِيرَةً وَاللَّهُ يَقْبِضُ وَيَبْسُطُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ) (البقرة٢٤٥)، ولم يذكر مفعولاً، لأنه أراد الإطلاق، أي: له القبض والبسط.[223]

بل قد يقال: إن أمثلة التنازع أظهرُ في هذا؛ لأن ما يدلّ على المعنى فيها موجودٌ  في الأسلوب نفسه، وفي تلك الحُذوف ما دلَّ على المعنى عُرف من السياق، وليس له ذكرٌ بلفظه في الجملة.

وعلى هذا التأويل بتداخل الجمل وانقطاعِ إحداهما واستمرارِ الأخرى يجب إعادة النظر في كثير من الأساليب التي لم يتعيّن فيها توجّه العاملين إلى معمول واحد، فلا يكون من التنازع ما وُجد عنه مندوحةٌ،  وقد لمستُ من تأمّل كلام بعض النحويين أنهم يتسامحون في توجيه العوامل إلى المعمولات، ويعدّون ذلك من التنازع، مع أن الظاهر فيه أنّ بعض الأفعال ليس متوجّهًا صراحةً إلى المعمول، ولم يُرد المتحدثُ تقييدَ العامل بالمعمول، وإنما أراد ما هو أعمّ من ذلك، وهو إطلاق الفعل، وهو ما يناسب حديثَ البيانيين عن بلاغة الحذف، ومن ذلك في هذا الباب أني وجدت بعض النحويين يعدّ من التنازع قولَ الشاعر:

سُئلتَ فلم تبخلْ ولم تُعْطِ طائلاً          فسِيّان لا حمدٌ لديك ولا ذَمُّ

على أنَّ الأفعالَ الثلاثة: (سئلت) و (تبخل) و(تعط) كلُّها تطلب المفعول (طائلاً)[224]، وهذا في ظنّي غير دقيق، فليس المراد: (سئلت طائلا) و(لم تبخل بطائل)؛ فهذا يغضّ من فصاحة البيت، وإنما المراد الإطلاق في الفعلين الأولين، فالمعنى: أنك قد سُئلتَ، من غير حديثٍ عن المسؤول عنه أو تعيينٍ له، فلم يكن منك بُخلٌ، ولا يتصوّر أنه أراد أنك لم تبخل بطائل، فهذا عكس مراده، ولكنك لم تعط مالاً كثيرًا.

ويمكن أن يُحكم بمثل هذا في عامة باب التنازع فلا يُجزم به إلا فيما كان طلب الفعل للمفعول صريحًا، وبذلك تقلّ حالات التنازع، وتقلّ حالات الحاجة إلى الإضمار، وتكثر حالات ما يمكن أن يسمَّى بحالات انقطاع العامل عن تطلُّب بقية عناصر الإسناد، وهو ما يصلح أن يكون علاجًا لكثير من مشكلات التنازع.  

ومازلت في حديثي عن انقطاع إحدى الجملتين وإغناء الأخرى عن إكمال إسنادها أتحاشى التعبير بحذف الفاعل، على ما هو مذهب الكسائي، ثم لا أنفكّ عنه، وقد سبق حديثُ ابن الحاجب والرضي في نحو (ما قام وقعد إلا زيد) عن عودة جمهور البصريين لرأي الكسائي في القول بالحذف. والحذف هو الأصل في هذا الباب إن لم يمنع منه مانع[225].

ولعلي أسرد جملة أمور في القياس تؤيّد حذف الضمير من أحد العاملين وانقطاعَ العامل عن العمل اكتفاءً بالآخر:

سيأتي قريبًا (في الصورة الثالثة) أنَّ بعض النحويين يختارون حذف المفعول الثاني ل(ظَنَّ) إذا أغنى عنه غيره، مع أنه في الأصل خبر، والخبر عمدة، وفي هذا ما يشجّع على حذفِ كلِّ ضميرٍ يعود على متأخر في اللفظ والرتبة إصلاحًا للفظ، ولو كان عمدةً مرفوعًا؛ قياسًا على حذف الخبر، فهو مثله عمدة مرفوع، وأمّا الضمير المنصوب والمجرور فمن بابٍ أولى.

الفارسي يخطّئ الكسائي في حذفه للفاعل، ومع ذلك فهو يراه أقربَ إلى الصواب من رأي الفراء السابق، قال: لأنّ له أن يقول: شبّهتُ الفاعلَ بالمبتدأ، فحذفتُه من حيث اجتمعا في أنَّ كلَّ واحدٍ منهما محدّثٌ عنه.[226]

يؤيّد حذفَ الضمير ولو كان ضميرَ رفعٍ أنَّ العرب تَحذف الفاعلَ إذا تكرَّر وأغنى عنه غيرُه، وذلك في مثلِ قولِه تعالى: (أَسْمِعْ بِهِمْ وَأَبْصِرْ يَوْمَ يَأْتُونَنَا لَكِنِ الظَّالِمُونَ الْيَوْمَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ) (مريم٣٨)، فقد حُذف معه حرف الجرّ من الفعل الثاني.

ويتصل بباب التنازع ما هو ظاهرٌ في هذه المسألة عينِها، قال ابن مالك: ولا يمتنع على مذهب البصريين أن يقال: (أَحسِنْ وأَعقِلْ بزيد)، على أنّ الأصل: (أحسِنْ به وأعقِلْ بزيد)، ثمّ حُذفت الباء لدلالة الثانية عليها، ثم اتَّصل الضمير واستتر، كما استتر الباء من قولهم: (أسمع بهم وأبصر)، فإنّ الثاني مستدَلٌّ به على الأول، كما يُستدلُّ بالأول على الثاني، إلا أنّ الاستدلال بالأول على الثاني أكثرُ من العكس.[227]

يؤيد الحذفَ واستغناءَ أحد العاملين عن الآخر أن كثيرًا من العلماء ينصّون على اشتراط وجود عُلْقة بين العاملين، وحَصَرها بعضُهم في العطف فقط[228]، وما اشتَرَطوا ذلك إلا ليرتبط العاملان، ويغني أحدهما عن الآخر، ويُكتفى به عنه في الإسناد.

يؤيّد الحذفَ والاكتفاءَ ما يكون فيه من اختصار، فقد فضّل بعضُ النحويين اختيار البصريين إعمال الثاني لأنّه أخصر مع بلوغ أقصى الحاجة من الكلام؛ إذ تحذف من الأول الفضلة… بخلاف ما إذا أعملت الأول فإنه مؤدٍّ إلى الطول الذي لا يُحتاج إليه، ومبنَى كلام العرب على الاختصار والاكتفاء بالإشارة والرَّمز.[229] فإذا كان الأمر كذلك فالغاية في عامة هذا الباب وغيره من أبواب النحو أن يكون الهمّ الأول للاختصار والبراءة ممّا لا حاجة له من ضمائرَ تشكل في تركيب الجملة، تطيله، وتخالف المألوف في طبيعة الإضمار.     

يؤيّد الاكتفاء والاستغناء في هذا الباب بإعمال واحد وقطع الآخر أن نحو ذلك موجود في قضية نحوية أخرى، عندما يجتمع الشرط والقسم، فيكون للأول العناية، فيكمل تركيبه، ويؤتى له بجوابه، ويُسكَت عن الآخر، استغناء عنه بما سبق[230].

يؤيده أيضًا أنه حين تتوالى أداتان عاملتان، يكون العمل للأخيرة منهما الملاصقةِ للمعمول، وتنقطع الأولى عن العمل، كما لو قلت: (إن لم تحضر).[231]

يؤيده كثيرٌ ممّا ورد في ذكر رأي الفراء والانتصار له في الصورة الأولى حين تجد العاملين ولم يظهر فيهما علامة الإضمار مما يعني أنه قد اشترك مع الآخر في التوجه للمعمول، على ما هو رأي الفراء، أو أن أحدهما قد انقطع عن العمل واستمرّ الآخر، وأغنى عنه، ودلّ عليه، كما في هذه الصورة.

يؤيّد الحذفَ والاكتفاءَ والاستغناءَ أنه يُعفي الأسلوب من مشكلة لفظية مهمة، ومن لوازم ضعيفة في التركيب، هي التي تسبَّبَت في تلك الأمثلة الغريبة التي صدَّرت بها هذا البحث،  من توالي حروف الجر وتكرارها، وكثرة الضمائر والفصل بين العامل ومعموله،  وذلك قبيحٌ كما قال العلماء، ولم يدعُ إليه ضرورة.[232]

ويؤيّد الحذفَ أنه قد ورد في بعض الأبواب كما في التمييز، في نحو: (تصبَّبتُ وامتلأتُ عرقًا)، إذ قالوا فيه: إنه ليس من التنازع، وإنما من الحذف إن دلّ عليه دليل.[233]

يؤيّده أن عليه ظواهرَ كثير من الأبيات التي لا تجد فيها إضمارًا في الأول ولا في الثاني، من الأبيات التي سبق سردهنّ، والعلماء يذكرون بعض هذه الأبيات نصرةً لرأي الكسائي وتقويةً للحكم بالحذف.[234]

وُجِدَ الحذفُ في صورٍ غير التنازع، فيُستغنى عن الضمير إذا عُلِم، من مثل قول الشاعر:

ولو بخِلَت يداي بها وضَنَّتْ          لكان عليَّ للقدر الخيارُ

   ولم يقل: (وضنَّتا)؛ لأنها سَبَقَتْ وعُلِمتْ.

يؤيّد الاستغناء في الأول وعدم الإضمار أنه إذا كان الفاعل مفردًا لا سبيلَ إلى إبراز ضميرٍ له فسيبقى في اللفظ الفعل خاليًا من الضمير، وذلك في حالة كون الفاعل مفردًا، ولا ينفك المخاطب من تقدير الفاعل وتصوّره قبل ذكره، فإذا كان يُفعل به ذلك ضرورةً فيه لا اختيارًا، وهو مفرد؛ فليكن مثلُ ذلك فيه وهو مثنى أو مجموعٌ؛ فاللَّفظ بعد الحذف واحد، وقد يُحتجّ للقائلين بوجوب الإضمار بأنه لا سبيلَ للإضمار إذا كان الفاعل مفردًا؛ لأنه ليس له ضمير بارز فيُظْهَر، وإلا لأبرزوه. ويُجاب عنه بأن الإضمار لو كان حتمًا لازمًا، لأمكنَ أن يُعبَّر عنه بصورة المنفصل، فيقال: (ضربني هو وضربت زيدًا) كما يفعلون إذا جرى الوصف على غير من هو له. فعُلِم أن الإضمار ممكن، لكنهم لم يرتكبوه.

فليكن الإضمارُ في حالة الإفراد والتثنية والجمع، ولْتستوِ الصُّور الثلاث في خلوّ العامل الأول من الضمائر، ولا سيّما أن العلماء في باب الفاعل قد حكموا أن الفعل يوحّد ولو كان الفاعل مثنى أو جمعًا، فلا فرقَ في صورة الفعل بين (ضَرَبَ زيدٌ) ولا (ضَرَبَ الزيدان) ولا (ضَرَبَ الزيدون) فليكنْ مثلُ ذلك ههنا، فلا فرقَ بين: (ضَرَبَني وضَرَبْتُ أخاك) و(ضَرَبَني وضَرَبْت إخوتَك)، كيف وقد انضمّ إليه في هذا الباب قضيةُ الإضمار قبل الذكر وعودُ الضمير على متأخّر في اللفظ والرتبة.

يؤيّد عدم إبراز الضمير في العامل الأول أنهم قد يحذفون منه حرف الجر الذي يؤتى به للتعدية مع الفعل اللازم، فهم يقولون: (مررتُ ومرَّ بي زيدٌ)[235]، وفي هذا إشارة إلى انقطاعهم في العامل الأول وعدم إكماله بما هو لازم له وكالجزء منه، وكأنهم تركوه واتجهوا للعامل الثاني وأكملوه في المعلومات واستغنَوا به.

ويبقى بعد هذا في باب التنازع إشكالُ أنّه يخالف قاعدةً قياسية، وهي أن فيه تهيئةَ العامل ثم قطعَه عنه، وهذا قياسٌ ونظرٌ غير مجمعٍ عليه، ولا ينبغي له أن يُفسد الكلام أو يعسّر الإعراب، وليس فيها انقطاع كامل، فهو انقطاعٌ في لفظ أحد العاملين، أمّا المعنى وحقيقة الإسناد فهو متصل غير منقطع. 

الصورة الثالثة: العاملان من باب (ظنَّ) وأخواتها:

مَنع بعض النحويين التنازعَ في متعديين إلى اثنين، فيشمل ذلك هذه الصورة وما بعدها؛ بناء على أن العرب لم تستعمله،[236]، عُزي ذلك للجرمي[237]، ونقل ابن مالك هذا عنهم، وخالفهم، واحتجّ بما حكاه سيبويه[238] عن العرب: (متى رأيت أو قلت زيدًا منطلقًا) على إعمال (رأيت)، و(متى رأيت أو قلت: زيد منطلقٌ) على إعمال (قلت).

     ولا يظهر لي صريحًا من نقل ابن مالك السابق أن سيبويه أراد الحكاية عن العرب والاستشهادَ بلفظهم، يقول في معرض حديثه عن جواز أول العاملين: “وقد يجوز: (ضربتُ وضربني زيدًا)؛ لأنَّ بعضهم قد يقول: (متى رأيت أو قلت: زيدًا منطلقًا) والوجه: (متى رأيت أو قلت: زيدٌ منطلق)”.

وأيًّا كان الأمر فإنَّ بعض النحويين يجعل المفعول الثاني من مفعولي (ظنّ) في حكم العمدة الذي لا يُستغنى عنه؛ لأنه قد كان في الأصل خبرًا، ويفرق في ذلك بين مفعولي (ظنّ) ومفعولَي (أعطى)[239] الذي سيأتي الحديث عنه.

وللنحويين في مفعولي (ظنَّ) ثلاثة مذاهب[240]: أن يُضمَر قبل الذّكر، لأنه في حكم العمدة، فيقول: (ظننّي إيّاه وظننت زيدًا قائمًا).

ومنهم من قال: أضمره وأؤخّره وأفرّق بينه وبين الفاعل، فيقول: (ظنني وظننت زيدًا قائمًا إيّاه)[241].

    ومنهم مَن ذهب إلى أنه يُحذف؛ إذ الحذف في هذا الباب إنما هو حذف اختصار (أي: حذف لدليل)؛ لأنه حذف لفهم المعنى، وحذفُ الاختصار في باب (ظننت) جائز، كما هو مقرّر في بابه، والمبرد يجيز حذف كلا معموليه، إذا أعمل الثاني، قال: “والأول فارغٌ في اللفظ، وهو في المعنى معمل لدلالة ما بعده عليه”.[242] ورجّح الشلوبين وابن عصفور أن حذفه جائز[243]. وعدَّا ذلك من باب الحذف اختصارًا.[244]

قال ابن عصفور عن الحذف من الأول: وهو أصحّ المذاهب؛ وفضّلَ الحذف على الإضمار قبل الذكر، وعلى الفصل بين العامل والمعمول، قال: لأنهما لم تدعُ إليهما ضرورةٌ، وذلك نحو: (ظنني وظننت زيدًا قائمًا) قال: فعلى المذهب الأول تقول: (ظننيه وظننت زيدًا قائمًا) وعلى الثاني: (ظنني وظننت[245] زيدًا قائمًا إياه) وعلى الثالث: (ظنني وظننت زيدًا قائمًا)، قال: وهو الأَولى لما تقدَّم.[246]

وعزا ابن مالك تجويز الحذف في نحو هذا للكوفيين[247]، وإليه ذهب ابن خروف والشلوبين وغيرهما، قال الشاطبي: وهو ظاهرٌ في القياس من غير احتياجٍ إلى فصل بين العامل والمعمول بجملة أجنبية منهما.[248]

     وأجازه أيضًا الزجاج: ومثَّل ب(ظننت وظنني الزيدان شاخصًا) و(ظننت وظنني الزيدون شاخصًا)[249].

ووجهُ هذا هو إعمال العامل الأخير، وهو الذي يُسلِّم من الإضمار ويبرّئُ من التكرار، وهو الذي ينبغي أن يُقتصر عليه في هذه الصورة، تقول: (ظننت وظنني زيدٌ عاقلاً)، وتقول: (ظننت وظنني أخواك عاقلاً) وهذا ما يعالج كثيرًا من الأمثلة التي رأيتَها في صدر هذا البحث، ولو عدلت عن هذا، وأعملت الأوّلَ لقلت: (ظننت وظنني إياه زيدًا عاقلاً)، و(ظننت وظناني عاقلاً أخويك عاقلين)[250] وفيه من التأخير وغرابة التركيب ما ترى، وفيه الفصل بين العامل والمعمول بأجنبي، وهو قبيح.[251]

وفي حذف المفعول الثاني سلامة من هذا الإشكال كله. ووصف الشاطبي التزام الإتيان بالضمير وتأخيره من غير حاجةٍ أنه في غاية الإشكال.[252] ووازَنَ بين حذف الضمير وإضماره، فوجد أنه بالحذفِ لا يوجد إلا مكروهٌ واحد، وهو حذف العمدة، قال: إلا أن هذا المحذور مغتفَر، لأنَّ الحذف اختصاري للدلالة عليه، ومِن شأنه أن يحذفَ اختصارًا.[253] وقد أجمعوا على حذف المفعولين اختصارًا لدليل في نحو هذا.[254]

    ويقوّي الحذفَ أيضًا في هذه الصورة الثالثة ما سبق ذكرُه في الصورة الثانية من قوة جانب الحذف والاستغناء عمّا في العامل الأول بما يدلّ عليه في الجملة، وهو ما يأتي في العامل الثاني، وسبق فيه  حديثٌ طويلٌ عن قوّة ذلك في القياس، وهو صالحٌ لكل الصور، فالقضية واحدة.

      ويؤيد الحذف في هذه الصورة أيضًا أنهم قد يحذفون خبر (كان)، في مثل البيت الذي أنشده سيبويه تنظيرًا في هذا الباب:

إني ضمنت لمَن أتاني ما جنى           وأبي، فكانَ وكنتُ غيرَ غدورِ

قال أبو حيان: وحذفه أصعب من حذف مفعول (ظنَّ)؛ لأنّ هذا يجوز حذفُه اختصارًا، وخبر (كان) لا يجوز حذفه إلا في هذا الباب لذكره في الجملة الثانية.[255]

    وقد يرد على هذا التأويل حين يحذف من أحد العاملين استغناءً بما في الآخر ما قد أورد بعض العلماء، وهو أن المفعول الثاني مع أحد العاملين غيره مع الآخر، وأنت حين تحذف تجعل هذا المفعول المذكور للاثنين، فحين تقول: (ظننت وظنني زيدًا قائمًا) فليس المراد: (وظنني ذلك القائمَ المذكور؛ لأن (القائم) المذكور هو زيد، فلو كان هو المقصود في المحذوف لكان المعنى: (وظنني زيد نفسه) وذلك لا يتصوّر، وبعضهم حذرًا من ذلك يلتزم بالاسم الصريح،[256] ولذلك فسَّرها ابن عصفور وغيره بأن الضمير يعود في هذا الباب على اللفظ، لا على المعنى.[257] قال: ولمّا خفي هذا الوجه على أبي الحسن بن الطراوة منعَ هذه المسألة لفساد معناها.[258] وعزي إليه أنه لا يجوّز الإعمال في (ظننت) وأخواتها إذا أدّى ذلك إلى إضمار أحد المفعولين[259].  

     وزاد ابن هشام في هذه المسألة وجهًا رابعًا: أن يظهر المفعول الثاني، ولا يضمر، تقول: (ظنني قائمًا وظننت زيدًا قائمًا).[260] وفيه من التّكرار وعدم الإيجاز ما لا يخفى. وفي ظني أنه خيرٌ من الإضمار، وأنّ الحذف خيرٌ منهما.

     ومن مشكلات كون العامل من باب (ظن) أنه قد يكون في ذلك أيضًا أحيانًا من عدم المطابقة بين المفرد والمثنى والجمع حين يراد الاستغناءُ بأحد المفعولين عن آخر يخالفه في ذلك؛ فلمّا لم يسغ حذفٌ ولا إضمارٌ وَجَبَ عند بعض العلماء العُدولُ إلى الظاهر[261]

واستعمال الاسم الظاهر إن كان يمكن استعمالُ الضمير أو الحذفُ  في مثل هذا حيث يراد الاختصار والإيجاز – يَضعف كثيرًا لمخالفته طبيعةَ التركيب النحوي الذي تَنفر من التّكرار ومن الحشو ومجانبة الإيجاز، فهو كتوجيه ابن هشام السابق.


الصورة الرابعة: العاملان من باب (أعلم) و(أرى)

سبقَت الإشارةُ إلى أنّ مِن النحويين مَن منَع التنازعَ في متعدّيين إلى اثنين، أو ثلاثة من باب أولى؛ بناءً على أنّ العرب لم تستعمله[262]، ولم يجز الجرمي تنازع الفعل الذي يتعدى إلى ثلاثة مفعولين[263]، قال السيرافي: ومِن أصحابنا مَن يقيس ذلك في جميع الأفعال.[264] والأعلم يعزوه إلى سائر النحويين[265]، وعزاه أبو حيّان إلى المازني وجماعة[266].

   ويقال ما فيه ما يقال في باب (ظنّ)، وذلك أن تُحذَف المعمولات من أحد العاملين وأن يُكتَفَى بما في الآخر، وفيه علاجٌ لكثير من الأمثلة الغريبة الطويلة المتداخلة التي رأيتها في صدر البحث، أو يكون بفصل الجملتين، وإن كنت أرى في هذا الفصل تطويلاً للجملة.

     وقد أجاز المبرد الحذف والاستغناء في نحو: (أعلمت وأعلمني زيدٌ عمرًا خير الناس)[267] وستجد العجَبَ، وتفرحُ بالحذف وتَركنُ إليه إذا علمتَ الوجهَ الآخر الذي أجازه في هذا الأسلوب، وهو: (أعلمتُ وأعلمَني إياه إياه زيدًا عمرًا خيرَ الناس)[268]، أو: (أعلَمَني وأعلمتُ زيدً عمرًا قائمًا إيّاه إيّاه إيّاه)[269] وقد سبقَتْ في مقدمة هذا البحث.

وذكر الرضي في هذا الأسلوب أن يُقال فيه مثلاً: (وأعلمته ذلك) قصدًا للاختصار؛ إذ مفعول (علمت) في الحقيقة هو مضمون الجملة، فيكون (ذلك) إشارةً له.[270]

وكل ما قد قيل في (ظنّ) من بيان وجه الحذف والانتصار له يرد هنا، إذ وجه عملهما واحد.

الصور الخامسة: العاملان من باب (أعطى)

سبق مرتين الإشارة إلى أنّ من النحويين من منع التنازع في متعديين إلى اثنين، بناءً على أنّ العرب لم تستعمله. لكن الراجح جواز ذلك، كما سبق.

وعلاجه كسابقه بالحذف أو بفصل الجملتين.

وقد يكون شأن الحذف في هذا الباب أهونَ من باب (ظن)؛ لأن المفعول الثاني في هذه الصورة ليس أصله الخبر؛ فلن يكون عمدةً يَصعب حذفُه.

     وقد أجاز المبرد نحوَ: (أعطيت وأعطاني زيدٌ درهمًا)[271] والسّيرافي نحوَ: (أعطاني وأعطيت أخاك درهمًا)[272]

وقد يكون من المناسب البدءُ بالأهم وذكرِ معمولاته، ثم يُعطف عليه العاملُ الآخر، ويحذف منه ما دلَّ عليه ما قبله، فتقول: (أعطيت وأعطاني إخوتك درهمًا) أو(أعطاني وأعطيت إخوتك درهمًا).

      ولو أخّرت الجملةَ الثانية لتنفصل عن الأولى ما كان بعيدًا، وتحذف من الثانية مفعولَها الثاني، اكتفاءً واستغناءً بما ورد في الأولى، فتقول: (أعطيت إخوتك مالاً، وأعطوني) أو (أعطاني إخوتك درهمًا وأعطيتهم) وهاتان الجملتان الأخيرتان لا تختلفان عن صور التنازع في هذا الباب في عدد ألفاظه ونوع أفعاله، ولكن في التقديم والتأخير. فما الفرق في النحو والفصاحة والبيان بين مثال النحويين[273]: (أعطاني وأعطيته إياك أخوك درهمًا) وقولنا: (أعطيت أخاك درهمًا، وأعطاني إيّاه)؟ وأجملُ منه لو اختصر، واستغنى عن الضمير في آخر الجملة، فقال: (وأعطاني). وما الفرق بين مثال النحويّين: (أعطاني وأعطيتهما إياه أخواك درهمًا) وقولنا: (أعطاني أخواك درهما وأعطيتهما إياه) أو (وأعطيتهما)؟ وما الفرق بين مثال النحويين: (أعطتني وأعطيتهنَّ إيّاه الهندات درهمًا) وقولنا: (أعطتني الهندات درهمًا وأعطيتهنّ إياه) أو (وأعطيتهنَّ)؟

الصورة السادسة: أكثر من عاملين تطلب معمولا واحدًا:

    ذكرَ أبو حيّان أن ظاهر كلام ابن مالك وابن عصفور أن العوامل تكون أربعة وأزْيدَ لقولهما: (فصاعدا)، ولم يوجد في هذا الباب عوامل أربعة فيما استُقرِي، ولذلك قال الأستاذ أبو عليّ: (الإعمال أن يتقدَّم عاملان أو ثلاثة) فنصَّ على الثلاثة دون غيرها.[274]

      وتركيب هذه العوامل المتعددة يبدو مشكلاً كثيرَ التفاصيل والألفاظ، ووجه الإعمال الحسَن فيه والإيجازِ أن يقال: إن كان عملها كلها على وجه واحد، وُجّهت كلها مهما تعددت إلى المعمول دون إضمار في أيٍّ منها، كما هو مذهب الفراء في الصورة الأولى، تقول: (حضر وتكلم وأبدع المشاركون) و(عرفت وخَبَرت وأحببت أخاك)، وإن كان عملُها مختلفًا فابنُ مالك ينقل عن العرب نقلاً يكفينا بعض مؤونة هذه الصورة، وهو أنّ العرب يلتزمون إعمالَ الأقرب إذا كان ثالثًا أو فوق ذلك بالاستقراء.[275]، وقال: إنَّ مَن أجاز إعمال غير الثالث فمستنده الرأي؛ إذ لا سماع في ذلك، قال: وقد أشار إلى ذلك أبو الحسن ابن خروف في شرح كتاب سيبويه،  واستقريتُ كلامَ العرب فوجدت الأمر كما أشار إليه.[276]

وإذا أعملت الأخير فإنك تحذف ممّا قبله كل ما فيه من ضمائر، وقد مضى في الصُّور السابق وقبلَها وجهُ الحذف، تقول مثلاً: (كما صلَّيت ورحمت وباركت على إبراهيم وآل إبراهيم)[277]، ووجه ذلك أنك أعملت العامل الأخير.

     وإنما يأتي الإشكال حين تُعمل غيره، فتُعمل الأوسط مثلاً فتقول: (كما صليت ورحمت وباركت عليه وعليهم إبراهيم وآل إبراهيم) أو (كما صلّيت ورحمته وإيّاهم وباركت عليه وعليهم على إبراهيم وآل إبراهيم)[278]

    وخالفَ أبو حيّان في صحة إعمال غير الأخير.[279]قال: وحكى بعض أصحابنا انعقاد الإجماع على جواز إعمال الأول والثاني والثالث قبل أن يُخلق ابن خروف وهذا المصنف (يعني ابنَ مالك).[280]

والأقرب ما قال ابن مالك، على أنه إذا أعمل الأخير فإني أرى الحذف من سواه في هذه الصورة أوجب من غيرها، لما يكون فيها من الطول بتعدّد العوامل.

الصورة السابعة: تنازع أكثر من عاملين أكثر من معمول:

ومثاله حديث النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: (تسبِّحون وتحمَدون وتكبِّرون دبر كل صلاة ثلاثًا وثلاثين).[281]

ويقال في المعمولات المتنازعة ما قيل في الصورة السابقة، من إعمال أحدها، وهو آخرها على الخلاف في ذلك، وحذف كل المعمولات من كل العوامل الأخرى. والحذف في هذه الصورة أولى؛ لأنّ المعمول متعدِّدٌ أيضًا؛ حذرًا من طول الجملة، فالحديث الشريف السابق بصورته الموجزة خيرٌ لك من الإضمار وأن تقول على إعمال الأول مثلاً: (تسبحون وتحمدون فيه إياه وتكبرون فيه إياه دبر كل صلاة ثلاثًا وثلاثين)، ولعلك لاتعرف فضلَ التزامَ الحذف تتذكّر ما كان قد ورد في صدر البحث ممّا أجازه بعضهم من قوله: ((أعلمت وأعلمني إياه إياه فيه فيه إياه إياه زيدًا عمرًا ضاحكًا يوم الجمعة خلفك تهذيبًا إعلامًا)!! وفي هذا المثال الأخير عاملان اثنان، فما بالك بها لو كانت العوامل أكثرَ من ذلك، كما هو واردٌ في هذه الصورة السابعة.

*     *     *

الخاتمة:

تبيّن من هذه الدراسة جملةُ أمورٍ في قضية الإضمار في باب التنازع، أهمُّها:

أنّ باب التنازع بابٌ خارجٌ عن القياس، أو فيه ما يخالف القياسَ، كما نصّ العلماءُ على ذلك، فينبغي أن يكون القياس فيه بقدَرٍ، وأن يكون للسَّماع فيه الشأنُ الأعظم، ويكونُ دورُ الباحثِ فيه والمتعلّم له المواءمةُ بين ما فيه من سماعٍ مهمٍّ وقياسٍ قليل.

أنّ بعض العلماء قد استزادوا فيه من الأمثلة وتوسّعوا فيه بما لا يُقبَل، حين شرَعوا بابَ القياس، واستكثروا فيه من التراكيب الغريبة التي تخالف طبيعة العربية التي تمتاز باستقامة التركيب ووضوح المراد وعدمِ عَود الضمير على متأخر في اللفظ والرتبة معًا إلا لمعنى يناسب ذلك، كما تمتاز بعدم الفصل بين العوامل ومعمولاتها بأجنبي قدر الاستطاعة، وتتجنّبُ التكرار، وتتحاشى توالي الضمائر، وتنفر من تتابُع حروفِ الجرّ.

أنَّ عود الضمير على متأخرٍ في اللفظ متقدمٍ في الرتبة أمرٌ سائغٌ واردٌ في العربية، يمكن القياس علية بسعةٍ والتوسُّعُ فيه، وأمّا عودُه على متأخرٍ في اللفظ والرتبة معًا فلا يحقُّ إلا حيث يراد التشويقُ والاستثارةُ والتعظيم.

لم أجد وجاهةً في التَّفريق في قضية الإضمار بين أن يكون الضمير للرفع أو لغيره؛ لأن الإشكال حينئذ في ترتيب الجملة وفي علم المخاطب وفي مخالفة الضمير لطريقة استعماله وإحالته على متقدم، وهنا لا فرق في النظر والقياس بين العمدة والفضلة، ولا بين الرَّفع وغيره. ولذلك ينبغي نفيُ الإضمار الذي يكون في العامل الأول كلِّه، من غير تفريق بين ضمير رفعٍ ولا غيره؛ لأنه منافٍ لطبيعة اللغة وطبيعة تنظيمِها في استعمال الضمير والغرضِ منه في الكلام.

لم أجد حرجًا كبيرًا في القول بحذف الفاعل في هذا الباب؛ لأنه يذهب بكثير من المشكلات والعيوب في الجمل، ومَن استوحشَ مِن حذفه فله أن يعتقد في كل الاستعمالات أنّه ضمير مستتر تقديره (هو) يعود إلى ما يَستحضره المخاطَب في ذهنه.

وجدت العلماء يعالجون مسألة استيفاء العامل المهمل إما بالإضمار قبل الذكر أو بالإضمار مؤخرًا، أو بالتصريح به وتكراره، ولا أرى سائغًا من ذلك كلّ ما يؤدي إلى تكرار الضمائر وحروف الجر أو تواليها أو الفصل بين العامل ومعموله بأجنبي أو العود على متأخر في اللفظ والرتبة.

لم أجد شاهدًا واحدًا لا من النثر ولا من الشعر فيه شيءٌ من الإضمار مؤخرًا، أو تكرارُ الاسم صريحًا، أو فصلٌ ظاهرٌ بين العامل ومعموله بأجنبي، وإنما وجدت الإضمار للمعمول في موقعه وإن عاد على متأخر.

لم أجد شاهدًا صريحًا يكون في العامل الأول ويعود على متأخر في اللفظ والرتبة معًا إلا ثلاثة شواهد أقطع بكونها لمن يُحتج بشعرهم، اثنان منها فيها إضمارُ منصوبٍ، وهو ما يَحكم العلماء عليه أصلاً بأنه ضرورة، والثالث فيه إضمار مرفوع، وهو ما يمكن في رأيي أن يُحكم عليه بأنه أيضًا ضرورة، وهذه الشواهد الثلاثة كلها لا تخلو من تأويل يَصرفها عن الاحتجاج بها.

أغلب الشواهد المشهورة في كتب النحويين المتأخرين وفيها إضمارٌ في العامل الأول وعودٌ على متأخر في اللفظ والرتبة معًا، سواء أكان ضمير رفع أو غيره-  لم يظهر لي قوة الاحتجاج بها، لأنها مجهولة القائل، وقد ظهرَ لي على نحوٍ جَليٍّ أثرُ التأخر فيها وبُعدُها عن الشعر العربي في عصور الاحتجاج، وأرجِّح أن من العلماء مَن أوردها للتمثيل، أو وضعها لتوضيح القاعدة، أو أنها لشعراء متأخرين لا يحتج بشعرهم، ولم يُريدوا الاستشهادَ بها، وجاء ابن مالك فنقلها وساقها مساقًا يوحي أنها شواهد، وهي ليست كذلك.

أشهرُ حجةٍ للإضمار في العامل الأول وعودِ الضمير على متأخّرٍ في اللفظ والرتبة معًا هي ما نُقل عن سيبويه أنه يحكيه عن العرب من قولهم: (ضربوني وضربت قومَك) وهو المنتشر في كتب المتأخرين من النحاة، ولم يثبت لي أنه من قول العرب؛ فيُورَدَ مورد الحجة الدليل، وإنما هو مثالٌ من أمثلة سيبويه وافتراضٌ من افتراضاته يفترضه لبيان الحكم.

الوجه القياسي لأسلوب التنازع هو اعتقاد أنَّ العاملين المتنازعين يمثّلان جملتين منفصلتين في الأصل، ثم أصبحتا بفضل هذا الأسلوب الموجز جملة واحدة، انقطع أحد عامليها عن الإسناد واستمرَّ الآخَر، وحُذف من أحدهما  ما أغنى  عنه الآخر، وله نظائر في أبواب أخرى. والحذف بابٌ واسعٌ وقويٌّ في القياس.

وجدت أن الصور التي يمكن أن تقع في أسلوب الاشتغال سبع، ولكل واحدة علاجٌ ينفي عنها مشكلات هذا الباب من التكرار وكثرة الإضمار والعود على المتأخر، وذلك كالتالي:

الصورة الأولى: الصورة الأولى: عاملان يطلبان معمولاً على جهةٍ واحدةٍ: إما أنْ يطلبانه فاعلاً مثلاً أو مفعولا به أو غيره، وذلك نحو: (قامَ وقعدَ زيدٌ)، و(رأيت وأكرمت زيدًا) وسبيلها الذي يعفيها من مشكلات الباب أنْ يُدَّعَى أنَّ العاملين كليهما يعملان في المعمولِ بعدهما، وذلك هو رأي الفرّاء.

الصورة الثانية: الصورة الثانية: عاملان يطلبان عاملاً واحدًا على جهتين مختلفتين (ليس العاملان (ظنَّ) و(أعلَمَ) (أعطى) وأخواتهما)، نحو: (زارني وأكرمتُ زيدٌ). وتخليصها من مشكلات الإضمار والتكرار أن يقال: إذا كان الإعمالُ للعامل الأوَّلِ فسيكون الضمير في العامل الثاني، ولو بقي بارزًا فلن يكون فيه إشكالُ عودِ الضَّميرِ على متأخرٍ في اللَّفظ والرتبة معًا، بل في اللفظ فحسبُ، وإن أعمل العامل الثاني واحتاج الأول إلى ضمير: فإن كان ضميرَ نصب أو جرٍّ فلا إشكال في قضية الإضمار؛ فالنحويّون يحكمون بحذفه،  وإن كان يحتاج إلى ضمير رفع (عمدة) فأكثر النحويين كما سبق يُبرزِونه، وإبرازُه من أبرز الصُّور التي سعى هذا البحث إلى تأمُّل علاجها عند النحويين. لا يفرق في ذلك بين كون هذا الضمير ضميرَ رفعٍ أو غيره.

ويبدو ممّا يوافق قياس النحويين وجهانِ لِعلاج مشكلة إضمار المرفوع في العامل الأول في مثل هذه الصورة:

الوجهُ الأول: أنّ سيبويه مع أنه يرى إبراز الضمير –كما سبق-  أجاز حذفَ الضمير من العامل الأول، فأجاز نحو: (ضَرَبَني وضَرَبْت قومَك)، وله فيه تأويل، وهو أنّ الفاعل في حكم الفاعل المفرد الذي يَستتر له الضمير، فالتقدير عنده: (ضَرَبَني مَن ثَمَّ وضربتُ قومَك).

الوجه الثاني أن يقال: إنّ كلَّ جملة في الأصل مستقلةٌ عن أختِها، وإنّ الجملة الأولى قُطعت، وتوقفَ الإسناد فيها عند العامل استغناءً بما سيأتي في الثانية، فيكون العملُ والإسناد لما في الثانية، وأغنى عن الأولى، وأصبحت الجملتان كأنهما جملة واحدة. وحشدتُ لذلك أدلةً كثيرة ووجوهًا من القياس ومؤيداتٍ من كلام النحويين تؤيّد فكرةَ الحذف والاسغناء بإعمال أحد العاملين عن الآخر.

    الصورة الثالثة: العاملان من باب (ظن) وأخواتها: والصورة الرابعة العاملان من باب (أعلم) و(أرى)

  ويزيل إشكالهما أن يُحذف معمولا أحد العاملين أو معمولاته، اكتفاءً بما في الآخر.

الصور الخامسة: العاملان من باب (أعطى) وعلاجها إما بالحذف كما في سابقتها، أو بفصل الجملتين، ويُحذف من الثانية  مفعولهُا الثاني، اسغناءً عنه بما في الأولى.

الصورة السادسة: أكثر من عاملين تطلب معمولا واحدًا:  فإن كان عمل العوامل كلها على وجه واحد، وُجّهت كلها مهما تعددت إلى المعمول دون إضمار في أيٍّ منها، كما هو مذهب الفراء في الصورة الأولى، وإن كان مختلفًا أُعمل آخرها ويُحذف ممّا قبله كلُّ ما فيه من ضمائر.

الصورة السابعة: تنازع أكثر من عاملين أكثر من معمول: ولا يكون عاملها على جهة واحدة، فيكون مثل الاحتمال الثاني من الصورة السابقة سواء بسواء.

*     *     *

المراجع:

الارتشاف، لأبي حيان، تحقيق مصطفى النماس، مطبعة المدني.

الأمالي، لأبي علي القالي، تقديم: محمد عبدالجواد، إحياء التراث، دار الآفاق، بيروت، 1400 ﻫ

الإنصاف في مسائل الخلاف لابن الأنباري، نشر: محي الدين عبدالحميد، المكتبة العصرية 1407ﻫ

الإيضاح العضدي لأبي علي، تحقيق حسن شاذلي فرهود، دار العلوم 1408ﻫ

البسيط في شرح جمل الزجاجي، لابن أبي الربيع، تحقيق: د. عياد الثبيتي، دار الغرب الإسلامي، بيروت،1407ﻫ.

البصريات لأبي علي، تحقيق محمد الشاطر، مطبعة المدني 1405ﻫ

البغداديات (المسائل المشكلة) لأبي علي الفارسي، تحقيق: صلاح السنكاوي، وزارة الشؤون الدينية، بغداد، 1403ﻫ

بغية الوعاة في طبقات اللغويين والنحاة، للسيوطي، تحقيق: محمد أبو الفضل إبراهيم، المكتبة العصرية، بيروت.

البيان والتبيين للجاحظ، تحقيق: عبدالسلام هارون، دار الخانجي القاهرة، ط4، 1975م

التبصرة والتذكرة للصيمري، تحقيق فتحي علي الدين، جامعة أم القرى 1402ﻫ

تخليص الشواهد لابن هشام، تحقيق: د. عباس الصالحي، دار الكتاب العربي، ط1، 1406

تذكرة النحاة، لأبي حيان، تحقيق: د. عفيف عبدالرحمن، مؤسسة الرسالة، 1406 ﻫ

التذييل والتكميل في شرح التسهيل، لأبي حيان، تحقيق: د. حسن هنداوي، دار القلم، دمشق، ط1، 1419 ﻫ

التسهيل لابن مالك، تحقيق محمد كامل بركات، دار الكاتب العربي، 1387م.

التصريح بمضمون التوضيح، للشيخ خالد الأزهري، تحقيق: د. عبدالفتاح بحيري، الزهراء  للإعلام العربي، ط1، 1418 ﻫ

تعليق الفرائد على تسهيل الفوائد للدماميني، تحقيق د. محمد المفدى، الطبعة الأولى

التعليقة على المقرب لابن النحاس، تحقيق: د. جميل عويضة، وزارة الثقافة، الأردن، عمان، ط1، 2004م

تمهيد القواعد بشرح تسهيل الفوائد، لناظر الجيش، عدة محققين، دار السلام، ط1، 1428 ﻫ

توضيح المقاصد  للمرادي، ت: عبدالرحمن سليمان، مكتبة الكليات الأزهرية،ط2.

التوطئة لأبي علي الشلوبيني، تحقيق: د. يوسف المطوع، الكويت، ط1، 1401 ﻫ

ثمار الصناعة، للدينوري، تحقيق: د/ محمد الفاضل، جامعة الإمام، 1411 ﻫ

الجامع الصغير لابن هشام، تحقيق أحمد الهرميل، مكتبة الخانجي 1400ﻫ

الجمل في النحو للزجاجي، تحقيق علي الحمد، مؤسسة الرسالة 1407ﻫ

جناية ابن مالك الأندلسي على النحو العربي. مقال منشور في مجلة (لارك) للفلسفة واللسانيات، العدد الرابع، 2010م.

حاشية الصبان (بحاشية شرح الألفية للأشموني).

الحلبيات (المسائل الحلبيات) لأبي علي الفارسي، تحقيق: د. حسن هنداوي، دار القلم، دمشق، ط1، 1407.

الحماسة (ديوان الحماسة) لأبي تمام، تحقيق: د. عبدالله عسيلان، نشر جامعة الإمام.

رفع الستور والأرائك عن مخبآت أوضح المسالك للإمام المكي، مصورة بمكتبة جامعة الإمام. رقم 11126/ف.

شرح الألفية لابن الناظم، تحقيق: عبدالحميد السيّد عبدالحميد، دار الجيل بيروت.

شرح الألفية لابن عقيل بشرح محيي الدين عبدالحميد، دار العلوم الحديثة، بيروت

شرح ألفية ابن معط لابن القواس، تحقيق علي الشوملي، مكتبة الخريجي 1405ﻫ

شرح الأشموني مع حاشية الصبان، دار إحياء الكتب العربية  6 133 ﻫ

شرح التسهيل لابن مالك، ت: عبدالرحمن السيّد ومحمد المختون،دار هجر، القاهرة.

شرح الجمل لابن خروف، تحقيق د. سلوى عرب، جامعة أم القرى 1419 ﻫ

شرح الجمل لابن عصفور (الشرح الكبير) تحقيق صاحب أبو جناح د. ن د. ت.

شرح الشذور لابن هشام، يشرح محيي الدين عبدالحميد، المكتبة العصرية، صيدا.

شرح القطر لابن هشام بحاشية محيي الدين عبدالحميد، المكتبة العصرية صيدا 1984م.

شرح الكافية الشافية لابن مالك، تحقيق: عبدالمنعم هريدي، دار المأمون للتراث

شرح الكافية لابن الحاجب، تحقيق: جمال مخيمر، مكتبة نزار الباز، مكة، 1418ﻫ

شرح الكافية للرضي، تحقيق: د. حسن الحفظي، ود. يحيى مصري، جامعة الإمام، ط1، 1417ﻫ

شرح الكتاب للسيرافي، عدة محققين، دار الكتب المصرية، ط1، 1421 ﻫ

شرح اللمحة البدرية لابن هشام، ت: هادي نهر، الجامعة المستنصرية،العراق 1397ﻫ.

شرح المفصل لابن الحاجب  تحقيق موسى العليلي، مطبعة العاني، بغداد د. ت.

شرح المفصل لابن يعيش، عالم الكتب، بيروت د. ت.

شرح المقدمة الجزولية الكبير للشلوبين، ت: د. تركي العتيبي، مكتبة الرشد 1413ﻫ

“شواهد أم أمثلة”، أ.د. إبراهيم الشمسان، مقال في جريدة الجزيرة 18/11/1433ع382.

الشيرازيات (المسائل الشيرازيات)، لأبي علي الفارسي، تحقيق: د. حسن هنداوي، دار كنوز إشبيليا، ط1، 1424 ﻫ

صناعة الشاهد الشعري عند ابن مالك الأندلسي، د. نعيم سلمان الدري، دار الينابيع، دمشق، 2010.

العسكرية،(المسائل العسكرية) لأبي علي، تحقيق: محمد الشاطر، مطبعة المدني 1403ﻫ

العضديات (المسائل العضديات)، لأبي علي الفارسي، تحقيق: د. علي المنصوري، دار عالم الكتب، ط1، 1406 ﻫ

عود الضمير وأثره في توجيه المعنى في القرآن الكريم (دراسة نحْوية) رسالة (ماجستير)، جامعة عدن، قسم اللغة العربية، إعداد: عبدالله راجحي غانم. 1429 ﻫ

قراءة في الشاهد الشعري: النحويون واللغويون وصنعة الشعر. بحثٌ ألقاه أ.د. تركي العتيبي في ندوة الرفاعي، في 7/11/1432 ﻫ

قضية التنازع في الاستعمال اللغوي، بحث من إعداد: د. أبو سعيد محمد عبدالمجيد، مجلة جامعة أم القرى، منشور في الشبكة.

الكافية لابن الحاجب، تحقيق: طارق نجم عبدالله، مكتبة الوفاء، جدة، 1406ﻫ

الكامل للمبرد، تحقيق: محمد الدالي، مؤسسة الرسالة، 1406ﻫ

الكتاب لسيبويه، تحقيق: عبدالسلام هارون، عالم الكتب 1403ﻫ

كشف المشكل في النحو لعلي بن سليمان الحيدرة، تحقيق هادي مطر، مطبعة الإرشاد بغداد 1404ﻫ

لسان العرب، لابن منظور، دار صادر، بيروت.

المحرر في النحو، للهرمي، تحقيق: د. أمين سالم، مؤسسة العليا، القاهرة، 1431 ﻫ

المحصول، شرح الفصول، لابن إياز، تحقيق: شريف النجار، دار عمان، الأردن، ط1، 1431 ﻫ

المذكر والمؤنث، لابن الأنباري، تحقيق: طارق الجنابي، دار الرائد، بيروت، 1406

المساعد على تسهيل الفوائد لابن عقيل، تحقيق محمد كامل بركات، جامعة الملك عبدالعزيز، دار الفكر 1400ﻫ

معاني القرآن للفراء، تحقيق: محمد النجار واحمد نجاتي، عالم الكتب، 1403 ﻫ

المعاني الكبير في أبيات المعاني، لابن قتيبة، تصحيح: سالم الكرنكوي، دار النهضة، بيروت 1372 ﻫ

المقاصد الشافية (شرح الألفية للشاطبي) عدة محققين، دار التراث، مكة،  1417 ﻫ

المقتصد شرح الإيضاح للجرجاني، تحقيق كاظم المرجان،وزارة الثقافة بغداد 1982م.

المقتضب للمبرد، تحقيق الشيخ محمد عضيمة، لجنة إحياء التراث القاهرة 1399ﻫ

المقرب لابن عصفور، تحقيق: أحمد الجواري وعبدالله الجبوري، الطبعة الأولى 1399هـ.

الملخص لابن أبي الربيع، تحقيق: د. علي سلطان الحكمي، ط1، 1405 ﻫ

منثور الفوائد لأبي البركات الأنباري، تحقيق: حاتم الضامن، مؤسسة الرسالة، 1403 ﻫ

منهج السالك لأبي حيان، طبعة أمريكا، 1947م، مصورة في دار أضواء السلف.

الموشح على الكافية لابن الخبيصي، تحقيق د. شريف النجار، دار عمان، الأردن، 1433 ﻫ

النكت الحسان في شرح غاية الإحسان، لأبي حيان، ت:حسين الفتلي، مؤسسة الرسالة 1408ﻫ

النكت في تفسير كتاب سيبويه، للأعلم الشنتمري، تحقيق: زهير سلطان، معهد المخطوطات، الكويت، 1407ﻫ

الواضح في النحو، لأبي بكر الزبيدي، تحقيق: د. عبدالكريم خليفة، منشورات الجامعة الأردنية.

الوافية شرح الكافية، لركن الدين محمد بن شرف الاستراباذي، تحقيق: عبدالحفيظ شلبي، سلطنة عمان، 1403 ﻫ

(وقفة مع وضع ابن مالك للشواهد النحوية) بحث منشور في الشبكة العالمية: في (ملتقى أهل اللغة)، في 29/8/1432، وفي مجلة (الرقيم) للآداب العربية في 25/7/2011م.

*     *     *


[1] الكتاب 1/76. المقتضب 4/75. ولسيبويه فيه عذرٌ ووجهٌ، وسيأتي في حينه.

[2] المقتضب 4/75.

[3] المقتضب 4/79.

[4] المقتضب 3/124، وانظر: شرح الرضي 1/1/237،  التذييل 7/113، تمهيد القواعد 4/1808

[5] المقتضب 3/113 وانظر: شرح الجمل لابن عصفور 1/617. شرح التسهيل 2/173، شرح الكافية الشافية 2/649، 651.

[6] الجمل للزجاجي 113، 115.

[7] انظر مثلاً: كشف المشكل في النحو 1/130، شرح الجمل لابن خروف 2/608. شرح الكافية لابن الحاجب 1/345،  وشرح ألفية ابن معط لابن القواس 1/654، شرح الرضي 1/1/233.  مع اختلافٍ في الألفاظ.

[8] البصريات 1/632.

[9] شرح الرضي 1/1/234.

[10] الموشح على الكافية 1/82-83، وذكر أمثلةً كثيرة جدًّا تُشبه هذا. ومن الطّريف أن المحقِّق لم يستطع ضبطَ الكثير منها ضبطًا صحيحًا! وذلك لعدم ظهورها؛ لاختلاط ما فيها من إضمارٍ وإظهار.

[11] شرح الألفية 258، والمقاصد الشافية 1/207

[12] التذييل 7/112. الارتشاف 3/93.

[13] التذييل 7/126. الارتشاف 3/96.

[14] التذييل 7/81، تمهيد القواعد 4/1789

[15] التعليقة على المقرب 401، التذييل 7/113،  تمهيد القواعد 4/1808

[16] التعليقة على المقرب 406.

[17] الواضح في النحو 183. ونحوه في ثمار الصناعة 284-285.

[18] المقاصد الشافية 1/187-188.

[19] شرح التسهيل 2/168، وعنه أخذت تجويز النحويين للأمثلة الآتية. وانظر: الموشح على الكافية 1/72.

[20] شرح التسهيل 2/168. المقاصد الشافية 1/189.

[21] في عبارته نظر، وكلامه هذا لا يستقيم، وهو مناقض لمراده، ويمكن تصويبه ب: (ولم يظهر لي صحة دعوى التنازع) أو (ولم يظهر لي دعوى التنازع) أو (والذي يظهر لي فساد دعوى) عكس كلامه المثبت في المتن، وهذا الأخير هو الذي وجدته في جميع النسخ الإحدى عشرة: المطبوعة والمخطوطة التي راجعتها،  ما عدا هذه النسخة التي بين أيدينا. وللمكي منازعةٌ في صحة كلامه، فهو يثبت صحة التنازع لا فساده. رفع الستور والأرائك عن مخبآت أوضح المسالك 54/ب.) وانظر: تمهيد القواعد 4/1802. تعليق الفرائد 5/57.

[22] أوضح المسالك 2/202-205، ونحوه في شرح التسهيل 2/172-173. والمقاصد الشافية 1/210-211. وشرح الألفية لابن الناظم 258-259. والمساعد 1/453-455. وشرح ابن عقيل 1/554-556، توضيح المقاصد 2/72-74.  وأكثر كتب النحو كذلك في شرح هذه المسألة من مسائل الباب.

[23] نقلاً عن تمهيد بحث عنوانه: (قضية التنازع في الاستعمال اللغوي) إعداد: د. أبو سعيد محمد عبدالمجيد. ذكر فيه بعض أسماء الباحثين وناقشهم في مواضع من بحثه.

[24] الكتاب 11/79-80، المقتضب 4/77. الجمل للزجاجي 112.، 113. وسيبويه يجيز حذف الضمير من الأول، وإن كان فاعلاً، وعبّر عن ذلك بالقبح، كما سيأتي.

[25] شرح الشذور 423.

[26] التوطئة 276.

[27] شرح الكتاب 3/78.

[28] شرح الكافية 1/1/207.

[29] المقاصد الشافية للشاطبي1/168.

[30] وسيأتي بعد قليلٍ النقلُ عن ابن مضاء أن هذا الباب خارجٌ عن الأصول.

[31] شرح السيرافي 3/79-80، النكت 1/211. شرح الرضي 1/1/237. المساعد 1/462، التعليقة على المقرب 401. تمهيد القواعد 4/1807.

[32] شرح الكتاب 3/79-80

[33] النكت 1/211.

[34] المقاصد الشافية 2/169.

[35] التعليقة على المقرب 401.

[36] التذييل 7/127.

[37] كشف المشكل 1/133.

[38] الجمل للزجاجي 113، شرح السيرافي 3/83،  ثمار الصناعة 282، شرح الجمل لابن عصفور 1/618 شرح الجمل لابن خروف 2/605، شرح الكافية لابن الحاجب 1/343، وشرح المفصل له 1/163، المحرر في النحو للهرمي 3/186  شرح ألفية ابن معط لابن القواس 1/653، شرح الكافية الشافية 2/646، التذييل 7/79.

[39] نقله عنه ابن خروف في شرح الجمل 2/606،  قالت المحققة: لم أقف على ما يدل على منعه لها، بل إن كلامه يدلّ على جوازها. وأحالت على شرح الجمل له 1/201. وخالف ابنُ خروفٍ في شرحه للجمل ابنَ بابشاذ، ووصف رأيه ورأي الفراء بأنه فاسد.

[40] التبصرة والتذكرة 1/149. وسيأتي الحديث عن هذا المسموع.

[41] التبصرة والتذكرة 1/149. وشرح الكافية لابن الحاجب 1/343، وشرح المفصل له 1/163، منهج السالك 133، وكذلك في أكثر المراجع التي نقلت قولَه من المراجع المتأخرة.

[42] سيأتي الحديث عن البيت في موضع آخر.

[43] شرح المفصل لابن الحاجب 1/163. الارتشاف 3/91،  المساعد 1/458.

[44] الحلبيات 238.

[45] المحرر في النحو 3/186، ينقله عن غيره. شرح التسهيل 2/174. شرح الألفية لابن الناظم 256،  الجامع الصغير 85، المساعد 1/458، تمهيد القواعد 4/1801،  الأشموني 2/103.

[46] المقاصد الشافية 1/196-197

[47] منهج السالك 133.

[48] التعليقة على المقرب 391، و نقله عنه أبو حيان في التذييل 7/101، وناظر الجيش في تمهيد القواعد 4/1802.

[49] المقاصد الشافية 2/197.

[50] الجمل للزجاجي 113، المسائل البصريات 1/527، الحلبيات 237، شرح السيرافي 3/83، ثمار الصناعة 282، أمالي ابن الشجري 1/372،  شرح المفصل لابن يعيش 1/79،  شرح الجمل لابن عصفور 1/618 شرح الجمل لابن خروف2/606. شرح ألفية ابن معط لابن القواس 1/652-653،  شرح التسهيل 2/174، شرح الكافية الشافية 2/646، التذييل 7/79، 102، وللجرجاني ردٌّ على حذف الفاعل في المقتصد 1/337.

[51] التذييل 7/103.  الارتشاف 3/90، المساعد 1/458

[52] التذييل 7/106.

[53] النكت الحسان 94

[54] وسيأتي بعدُ بحثٌ في وجاهة رأيه هذا.

[55] التذييل 7/106 الارتشاف 3/91 وقال أبو حيان: إن هذا يخالف نقل ابن عصفور عن الكسائي في شرح الجمل، فقد نقل عنه فيه أن مذهبه حذف الفاعل في باب الإعمال وغيره. ونحوه في المساعد 1/459، ونقله في الارتشاف عن ابن مضاء عن الكسائي.

[56] التذييل 7/84.

[57] التذييل 2/267.

[58] المقاصد الشافية 1/195.

[59] شرح الجمل 1/598.

[60] شرح الجمل 1/606.

[61] الملخص 284-285.

[62] الحلبيات 248.

[63] التذييل 2/268

[64] التذييل 2/244.

[65] المقاصد الشافية 1/195

[66] البسيط في شرح الجمل 1/303.

[67] التذييل 7/84.

[68] عود الضمير وأثره في توجيه المعنى في القرآن الكريم (دراسة نحْوية) ص197.

[69] الكتاب 1/80، المقتضب 4/77. 3/113. الجمل للزجاجي 112، 113. شرح السيرافي 3/84. وهو شائع في أكثر كتب النحو.

[70] شرح الكتاب 3/79

[71] البصريات 1/639

[72] الكتاب 1/76. وقد يكون العذر لسيبويه أنه أورده مثالاً على إعمال الأول؛ فلم يمكنه سوى هذا، (وليس البحث في النظر في إعمال الأول أو الثاني في نحو هذا) والأجود عنده إعمال الثاني: (مررت ومرّ بي زيد)؛ لأنّ (زيدًا) أقرب إلى الفعل الثاني. (شرح السيرافي 3/90).

[73] المقتضب 4/75.

[74] الكتاب 1/79.

[75] الارتشاف 3/96.

[76] الكتاب 1/79.

[77] الكتاب 1/79.

[78] شرح الرضي 1/1/232.

[79] شرح الكافية 1/1/232.

[80] المقاصد الشافية 1/201

[81] التذييل 7/94

[82] شرح المقدمة الجزولية الكبير 3/913، شرح الكافية الشافية 2/645، 646  وهو شائع في كتب النحو المتأخرة.  

[83] المقتضب 4/78. الواضح في النحو 182. واختار الخبيصي الإضمار في مثل هذا. (الموشح على الكافية 1/81). ومثال الفارسي: (أرني فأريكه زيدًا). (البصريات1/639)

[84] الكافية 71. التسهيل 86. شرح التسهيل 2/173-174.

[85] شرح الكافية 1/1/230.

[86] شرح اللمحة البدرية 2/120. شرح الشذور 423

[87] شرح التسهيل 2/172، ومثله في شرح الألفية لابن الناظم 255، تمهيد القواعد 4/1798

[88] رأيهم في المقتضب 4/72، 78

[89] شرح الكافية الشافية 2/650

[90] المقاصد الشافية 1/199-200

[91] شرح التسهيل 2/173-174. تمهيد القواعد 4/1800

[92] المسائل العسكرية 114.  تعليق الفرائد 5/48، وسيأتي الحديث عنه مرة أخرى وتوثيقه هناك,

[93] سيق ذكر رأيه وتوثيقه، وفي مصادره العديد من هذه الشواهد.

[94] راجع الشواهد التي احتج بها الكسائي على مذهبه في حذف الفاعل في التذييل 6/217-218

[95] شرح الجمل لابن عصفور 1/618، التعليقة على المقرب 403.

[96] شرح المقدمة الجزولية الكبير 3/912.

[97] شرح الألفية 256. المساعد 1/457. توضيح المقاصد 2/69. أوضح المسالك 2/248

[98] شرح الجمل 2/605، وأحالت المحققة إلى شرح الجمل، ولم أجد فيه أنه يحكيه عن العرب.

[99] شرح الجمل 1/619-620.

[100] الارتشاف 3/90.

[101] الكتاب 1/79.

[102] وهذه أيضًا ذَكَرَ بعضُ النحويين أنّ سيبويه حكاها عن العرب. (المقاصد الشافية 1/194) وسيأتي قريبًا مثال آخر، قال عنه ابن مالك: إنه أيضًا حكاية عن العرب. وهذا يعني أن تعبيرهم بالحكاية لم يريدوا به النقل عن العرب، وإنما الجواز. 

[103] الكتاب 1/73-79.

[104] الكتاب 1/76.

[105] شرح التسهيل 2/167.

[106] المساعد 1/450.

[107] تعليق الفرائد 5/48.

[108] نقله عنه أبو حيان في التذييل 7/105.

[109] توضيح المقاصد 2/69

[110] وقع تحريف وسقط في النسخة التي حققها د. مصطفى النماس، وصوابه في التي حققها د. محمد رجب عثمان 4/2143.

[111] الارتشاف 3/90.

[112] البيت في الإنصاف 1/86.

[113] البيت في شرح التسهيل 2/172 وانظر: تمهيد القواعد 4/1798

[114] البيت في شرح التسهيل 2/173، المقاصد الشافية 1/، 201، 185، تمهيد القواعد 4/1800 وهذا البيت يشبه الأبياتَ الآتية في موضع آخر المجهولةَ القائل التي يُظنُّ أنها ليست من شعر المتقدمين، وإنما هي أشبه بشعر المحدثين، ولذلك فالأقرب أنها وردت في كتب النحو من باب التمثيل لا الاستشهاد، كما سيأتي. لكنها لا إشكال فيها في قضية الإضمار قبل الذكر.

[115] شرح الألفية لابن الناظم 257، شرح الشذور 424

[116] الملخص 288.

[117] شرح الجمل لابن عصفور 1/615. المقاصد الشافية 2/171.

[118] شرح الجمل لابن عصفور 1/615، المقاصد الشافية 2/173

[119] التيصرة والتذكرة 1/153

[120] البيت في المقاصد الشافية 2/171.

[121] شرح التسهيل 2/172، الموشح على الكافية 1/81.

[122] البيت في شرح التسهيل 2/173. تمهيد القواعد 4/1800 وهو يشبه الأبيات التي سيأتي الحديث عنها المجهولة القائل التي لا تشبه أبيات القدماء المحتجّ بها.

[123] البيت في التذييل 7/111، يعزوه لأبي الأسود.

[124] البيت في التذييل 7/66، وعزاه محققه لأرطأة بن سهيّة، وأحال على الحماسة 159. وهو في المساعد 1/448.

[125] شرح الكافية الشافية 2/649، التذييل 7/97،    تمهيد القواعد 4/1781، وعزاه محقق شرح الكافية الشافية إلى ربيعة بن مكدم، وأحال على الكامل (وهو فيه 1/36، وعزاه المحقق إلى امرأة من غامد، في ثلاثة أبيات فيها إشارةٌ إلى ربيعة بن مكدم، وليس هو القائل، وأحال محقق الكامل إلى البيان والتبيين، وهو فيه معزوًّا لامرأة من غامد (1/249) وأحال أيضًا إلى اللسان.

[126] نَصَّ على ذلك في هذا البيت أبو حيان في التذييل 7/97، وناظر الجيش في تمهيد القواعد 4/1795، وسبق القول إن الجمهور لا يرون إضمار غير المرفوع في العامل الأول.

[127] شرح الجمل 1/616. المقرب 1/251

[128] التذييل 7/98.

[129] المقرّب 1/251، شرح اللمحة البدرية 2/120، تمهيد القواعد 4/1795

[130] شرح اللمحة البدرية 2/121. ولم يرد في كلام العلماء قبله أن هناك تنازعًا في (علموني).

[131] وصرَّح به في كتابه الاخر: تخليص الشواهد 182.

[132] وكأنه عند غيره الذين رأوا فيه تنازع عاملين فقط: (علِّموني) بكسر اللام.

[133] كما في الأمالي للقالي 163.

[134] البيت والاحتجاج به للتنازع في التعليقة على المقرب 408، ونقل عنه في تذكرة النحاة 362.

[135] هكذا ضُبطت في (تذكرة النحاة) لأبي حيان الذي ينقل هذه المسألة عن ابن النحاس، وفيه أيضًا تحريف في البيت: (تواتر)، وضُبطت في اللسان بعكس ذلك: (ضُربن وصَفَّتْ). وهذا خلاف الأظهر، وضُبطت في التعليقة: (ضُربْنَ وصُفَّتْ) كلاهما بالبناء للمجهول، وهذا أظهر في مخالفة الصواب فيه،  كما سيأتي.

[136] التعليقة على المقرب 408، مع أن المحقق ضبطها بغير هذا، فقد جعلهما كليهما مبنيين للمجهول: (ضُرِبْنَ فصُفَّتْ)، وهو المخالف لسياقه، لأنه قبل البيت بدأ بالمبني للمعلوم، ثم المبني للمجهول. قال: وأعمل الآخِر.

[137] أمالي القالي 1/184، المعاني الكبير لابن قتيبة 307.

[138] لسان العرب: (وتر)

[139] مع أن بعض العلماء المتأخرين يعدونها شواهد، ويصفونها بأنها من الكلام الفصيح، كما في تمهيد القواعد 4/1790-1791، وعلى هذا عامة الكتب المتأخرة.

[140] بغية الوعاة 1/130

[141] كما عند د. نعيم البدري في كتابه: (صناعة الشاهد الشعري عند ابن مالك الأندلسي) وكذلك في مقاله: (جناية ابن مالك الأندلسي على النحو العربي) المنشور في مجلة (لارك) للفلسفة واللسانيات، العدد الرابع، 2010م.، وذكر فيه كلامًا لا يمكن قبوله، واتهمه بوضع أبيات  أوصلها إلى ما يقارب السبعَمئة بيتٍ، وذكر أدلةً على اتهامه لابن مالك بالوضع، منها أدلة قوية تٌثبت بُعدَ بعض هذه الشواهد عن كلام العرب المحتجّ بشعرهم. وأيّده في هذا بعض الباحثين، مثل د. سعد هاشم الطائي. وفي هذه القضية مناقشات كثيرة، راجعها في ملتقى أهل التفسير بدأت في: 3/8/1432، وملتقى أهل اللغة، بدأت في: 29/8/1432.

[142] هذا هو الأستاذ: فيصل المنصور في مقاله: (وقفة مع وضع ابن مالك للشواهد النحوية) الذي نشره في (ملتقى أهل اللغة)، في 29/8/1432، وفي مجلة (الرقيم) للآداب العربية في 25/7/2011م، وجزم بأن ابن مالك هو واضعُها، ونَقص بها عن الذي ورد عند البدري، وأوصلها إلى (650) فزاد منها ونقص، وخالفه في بعضها، لأنها ثابتة عن العرب وذكر أدلة أقوى وأوجهَ من أدلة البدري، ولا سيما ما يتعلق بفن الشعر ومعرفة القديم منه والمحدث. لكني لا أؤيِّده على كل نتائجه، ولي فيها رأيٌ سيأتي.

[143] ذكر هذا أ.د. تركي العتيبي في ندوة الرفاعي، في 7/11/1432، عنوانها: (قراءة في الشاهد الشعري: النحويون واللغويون وصنعة الشعر) وذكر أنه نبّه على ذلك في إحدى مناقشات الرسائل عام 1420، وأورده أيضًا د. نعيم البدري، وأ. فيصل المنصور في بحثَيهما السابقين.

[144] على ما رجحه د. جواد الدخيل، ولم أطلعْ على بحثه، لكني أنقله  عن مقال ل:أ.د. إبراهيم الشمسان،”شواهد أم أمثلة” في جريدة الجزيرة 18/11/1433ع382. وعنوان بحث د. جواد الدخيل هو: “نظرة في شواهد ابن مالك: كتاب شواهد التوضيح والتصحيح نموذجًا”، مجلة الدراسات اللغوية، مج14، ع2، ربيع الآخر-جمادى الآخرة، 1433ﻫ، مارس-مايو 2012م. ص ص 41-63. (توثيق بحث د. جواد الدخيل أفادنيه أحد المحكّمين، فجزاه الله خيرًا كثيرًا)

[145] أوردَ هذا الاحتمالَ أ.د. إبراهيم الشمسان في مقاله السابق.

[146] يلحظ ذلك في الأبيات الآتية، ويزاد عليها بيتان سبقا مما لا إضمار فيهما، أو أن الإضمار في العامل الثاني دون الأول، ولم ترد إلا في الكتب المتأخرة، عند ابن مالك فمن بعده. وهما: (يرنو إليَّ وأرنو ….) و (مال عنيَ تيهًا وملت إليه …)، وقد سبق الإشارة إليهما.

[147] شرح التسهيل 2/170،  تذكرة النحاة 359.

[148] البيت في شرح الكافية الشافية 2/645. وشرح الألفية لابن الناظم 257،

[149] البيت ورد في: شرح التسهيل 2/171. شرح الكافية الشافية 2/649،  شرح اللمحة البدرية 2/120، الموشح على الكافية 1/78، المقاصد الشافية 1/200،

[150] شرح اللمحة البدرية 2/120.

[151] ورد البيت في: شرح التسهيل 2/170، 171، شرح الكافية الشافية 2/645، شرح الألفية لابن الناظم257،   شرح اللمحة البدرية 2/118،

[152] شرح الألفية 256-257.

[153] شرح التسهيل 2/170.

[154] شرح التسهيل 2/171، الموشح على الكافية 1/78. المقاصد الشافية 1/200

[155] شرح الجمل لابن عصفور 1/617. ونحوه في تمهيد القواعد 4/1796.

[156] التبصرة والتذكرة 1/153.

[157] المذكر والمؤنث لابن الأنباري 2/201، شرح السيرافي 3/85،، منثور الفوائد 59، شرح المفصل1/77، الإيضاح في شرح المفصل 1/163، شرح الجمل لابن عصفور 1/617، شرح التسهيل 2/166، شرح الكافية الشافية 2/646 -647 شرح الرضي للكافية 1/1/228، شرح الألفية لابن الناظم 256، تمهيد القواعد 4/1774، وغيرها، وهو مشهور. وذكر الفارسي عن الفراء أن هذا مذهبه ولو كان الفعلان غير متفقين في طلب المعمول. (الحلبيات 237)،  وذكر الرضي عن الفراء أنه يجيز أيضًا أن تأتي بفاعل العامل الأول ضميرًا منفصلاً بعد المتنازَع عليه، تقول: (ضربني وأكرمني زيدٌ هو) (شرح الكافية 1/1/228). وكذلك في شرح اللمحة البدرية 2/119 والموشح على شرح الكافية 1/76. وسبق الحديث عن مذهب الفراء عامة في نفي الإضمار قبل الذكر.

[158] شرح ألفية ابن معط لابن القواس 1/657، المساعد 1/459 تمهيد القواعد 4/1805،  التصريح 2/434، الصبان 2/108.

[159] شرح الكافية لابن الحاجب 1/340، ونحو ذلك أيضًا للرضي في شرحه الكافية 1/ 1/223-224، في كلام طويل. وفي الموشح في شرح الكافية1/70، والجامع الصغير 86، وتمهيد القواعد 4/1784

[160] شرح الكافية لابن الحاجب 1/340، ونحوه لابن مالك في شرح التسهيل 2/174-175. وخالفه أبو حيان في التذييل 7/107-109,

[161] شرح الرضي 1/1/225. الموشح 1/70. وانظر: التذييل 7/109. الارتشاف 3/94.

[162] شرح التسهيل 2/175، المساعد 1/459 تمهيد القواعد 4/1805،  التصريح 2/434 ينقله عن المرادي.

[163] المصادر السابقة.

[164] الارتشاف 3/98، التصريح 2/427، ينقل عن ابن الخباز في النهاية.

[165] شرح الرضي 1/1/225 ورجّح ابن هشام أن نحو هذا ليس من التنازع. (شرح اللمجة البدرية 2/11)

[166] المقاصد الشافية 1/182-183. وذكر ناظر الجيش أنه لا يجوز تقدّم المعمولين أو توسط المعمول بين العاملين، قال: وعليه إطباق النحاة، ولعله إجماع. (تمهيد القواعد 4/1776). وعزا جواز توسط المعمول بين العاملين للفارسي، وجواز تأخر العاملين لأبي حيان، وردَّ عليهما.

[167] التذييل 7/70، وانظر: توضيح المقاصد 2/65.

[168] الارتشاف 3/87، شرح الشذور 420

[169] المساعد 1/451.

[170] المساعد 1/451.

[171] المقاصد الشافية 1/174. في تقرير طويل. وانظر: تعليق الفرائد 5/53.

[172] في البيت موضعان للتنازع، أوّلهما لا خلاف فيه، وهو التنازع بين (قضى) و (وفَّى)، والثاني مختلف فيه، وهو محل البحث في هذا الموضع، وهو تنازع (ممطول) و (معنى) على (غريمها).

[173] وعلى هذا عامة الكتب المتأخرة، وممن أطال في شرحها وبيانها أبو حيان في التذييل 7/70-77، والشاطبي في المقاصد الشافية 1/174-175. 180. 181.

[174] شرح التسهيل 2/165-166، التذييل 7/71.

[175] التذييل 7/71. وانظر: المساعد 1/451.

[176] المساعد 1/451

[177] الإنصاف 1/92

[178] البصريات 1/526  لكنه تأويله مختلف، وراجع رأيه أيضًا في الإيضاح 109، وشرحه المقتصد 1/340-341،

[179] في المحصول شرح الفصول 2/803. وعزاه المرادي إلى بعض النحويين (توضيح المقاصد 2/64)

[180] نقله ابن النحاس الحلبي عن شيخه ابن عمرون. (التعليقة على المقرب 407).

[181] الإيضاح في شرح المفصل 1/171، المقاصد الشافية  للشاطبي1/178، وعزاه الدماميني لكتاب الفارسي الدمشقيات (تعليق الفرائد 5/46)،   الهمع 5/146. ورجّح الشاطبي أنها ليست من التنازع. قال: يمكن أن يقال باطّراد ذلك في سائر العوامل على ظاهر اللفظ، فيدخل المضاف والمبتدأ أو غيرهما، غير أنّ السماع لم يحقق وجود الإعمال إلا في الفعل وما أشبهه لتصرّفهما في العمل. (المقاصد الشافية 1/179).

[182] التصريح 2/ 425-426.

[183] المسائل العسكرية 114. وهو أيضًا في (التذييل7/65)، وأحال محقق التذييل: إلى: الحلبيات 241، الشيرازيات 289، 528-529، العضديات 141-142، الأغفال 2/478-481) (حاشية التذييل 7/65) وهو أيضًا  رأي الجرجاني (التذييل 7/65)

[184] شرح التسهيل 2/166، المغني 2/622.تمهيد القواعد 4/1774، الموشح على الكافية 1/77. واعترض أبو حيّان هذا الاحتجاج ولم يقبله. (التذييل 7/80)

[185] معاني القرآن للفراء 2/321-322، المذكر والمؤنث لابن الأنباري 2/201-202، الارتشاف 3/136، المغني 2/622، الأشموني 2/275.

[186] المقاصد الشافية 1/179، وكلام المبرد يحتمل ذلك.

[187] المقاصد الشافية 1/173-174.

[188] المقاصد الشافية 1/192.

[189] شرح التسهيل 2/165، التذييل 7/68،  تذكرة النحاة 342، التصريح2/431، أوردوا هذا الإعراب. وابن مالك يشترط في التنازع ألا يكون اللفظ الثاني لغير التوكيد، ووافقه على هذا الشرط ابن النحاس الحلبي ( التعليقة على المقرب 387-388، التذييل 7/68)

[190] شرح التسهيل 2/165. وأجاز أيضًا أن يكون العمل للأول فقط، وأنّ الثاني مجرّد توكيد لفظي، فيلغى من العمل لفظًا ومعنى، لتنزّله منزلة حرفٍ زيدَ للتوكيد. ونحوه في الجامع الصغير 87، المساعد 1/449-450 (تمهيد القواعد 4/1773) والجرجاني ركن الدين لا يعد التوكيد اللفظي من باب التنازع. (الوافية في شرح الكافية 51)

[191] أمالي ابن الشجري 1/372.

[192] المقتضب 4/184. واختاره الرضي 1/1/237-238. واختاره ابن مالك لكنه يشترط إعمال الثاني فقط. (شرح التسهيل 2/177. التذييل 7/115، المساعد 1/462، توضيح المقاصد 2/60،  تمهيد القواعد 4/1808، وأجازه ابن الخبيصي إذا كان بصيغة الماضي (الموشح 1/79)

[193] وابن مالك لا يرى هذا البيت من التنازع، وسيأتي ذكره في موضع آخر.

[194] راجع في الرد على الفراء شرح الجمل لابن عصفور 1/618، والتذييل 7/80، وهو كذلك في أكثر المصادر المتأخرة التي ذكرت رأيه.

[195] شرح الكافية 1/1/228. وانظر: تعليق الفرائد 5/54.

[196] شرح الرضي 1/1/232.

[197] الكتاب 1/79-80، وراجع: شرح السيرافي 3/96-97، والنكت1/216،  شرح الجمل لابن خروف 2/606. شرح التسهيل 2/174، وقد أورده ابن هشام ردًّا على الكسائي حذف الفاعل. (شرح اللمحة البدرية 2/118)

[198] شرح السيرافي 3/97، وراجع النكت 1/216.

[199] شرح الجمل 1/620-621. وذكر شواهد أخرى كثيرة. ومع ذلك وصفها بالقلة، وجعل الفصيح نحو: (ضربوني وضربت قومَك)

[200] المقاصد الشافية 1/194.

[201] المقاصد الشافية 1/197-198.

[202] المساعد 1/448.

[203] انظر: التبصرة والتذكرة 1/152

[204] الكتاب 1/74.

[205] الكتاب 1/77

[206] المقتضب 3/112، 113، 123.

[207] الكتاب 1/74.

[208] الكتاب 1/74.

[209] الكتاب 1/74-76. وراجع تبيينًا له في شرح السيرافي 3/ 86.

[210] المقتضب 3/112، 4/72-73.

[211] المقتضب 4/72.

[212] شرح السيرافي 3/87،

[213] ومن الغريب أن بعض النحويين يمنع حذف المفعول الثاني من مفعولي(ظنّ)، بناء على أنه كان في الأصل خبرًا، مع أنهم يجدون الخبر يحذف كثيرًا.

[214] شرح السيرافي للكتاب 3/78.

[215] ثمار الصناعة 281-282.

[216] ثمار الصناعة 282.

[217] الملخّص 284.

[218] شرح التسهيل 2/166-167.

[219] تمهيد القواعد 4/1785

[220] وانظر: الملخص 287.

[221] هذا رأي أبي علي الفارسي في الإيضاح 110. والحيدرة في كشف المشكل 1/131،   وعزاه الأنباري إلى الكوفيين، وجعله من حججهم على مذهبهم. (الإنصاف 1/84)وعزاه ابن النحاس الحلبي للمبرد والفارسي (التعليقة على المقرب 386)  ويرى ابن عصفور أن الفارسي يراه شبيهًا للإعمال والتنازع لتداخل الجملتين، وكأنه يرى أنه ليس منه عند الفارسي. (شرح الجمل 1/623-624.)، ونحوه في التذييل 7/121-122.

[222] الكتاب 1/79. وشرح الجمل لابن عصفور 1/622-623 وأطال فيها. الكافية لابن الحاجب 71، شرح القطر 200.

[223] شرح الرضي 1/1/237.

[224] من ذلك ما في: شرح الجمل لابن عصفور 1/613

[225] ذلك ظاهرٌ في تقريرات ابن الحاجب وابن مالك في الكافية 71. التسهيل 86.

[226] الحلبيات 239.

[227] شرح التسهيل 2/177. وانظر: المقاصد الشافية 2/168 ففيه تقرير التنازع والحذف فيه من الأول.وكذلك في الموشح على الكافية 1/79

[228] تفصيل ذلك والخلاف فيه في التذييل 7/78، 123-124، التعليقة على المقرب 387، تمهيد القواعد 4/1780-1782 وغيره.

[229] المقاصد الشافية 1/189

[230] وهذا من أدلة الكوفيين على اختيار العامل الأول من العاملين. (شرح اللمحة البدرية 2/115).

[231] انظر: شرح الجمل لابن عصفور 1/614. ويرى ناظر الجيش أن (إنْ) لم تتجه للفعل، وإنما لمجموع الفعل وما قبله)، فليس فيه تنازع. (تمهيد القواعد 4/1793)

[232] شرح الجمل لابن عصفور 1/617. شرح الكافية 1/1/ 231-232، 234. التعليقة على المقرب لابن النحاس 385. 394، 395، تمهيد القواعد 4/1789، 1802

[233] المساعد 1/453. تعليق الفرائد 5/55.

[234] كما في المساعد 1/458-459.

[235] الواضح في النحو 182. شرح التسهيل 2/173.

[236] شرح التسهيل 2/177. ونحوه في المقاصد الشافية 1/176-177.

[237] الارتشاف 3/92، المساعد 1/462

[238] الكتاب 1/79

[239] من ذلك مثلاً ما في شرح السيرافي 3/81، ونحو في النكت 1/211

[240] تراجع المذاهب في شرح الجمل لابن عصفور 1/616-617، منهج السالك 134، التذييل 7/92، توضيح المقاصد 2/72، المساعد 1/455، المقاصد الشافية 1/204. تمهيد القواعد 4/1795

[241] المقتضب 3/113. وانظر: شرح السيرافي 3/81، ونحو في النكت 1/211، التوطئة 276، شرح الجمل لابن عصفور 1/617، شرح التسهيل 2/173،

قال الشاطبي: زعم ابن الناظم أنه مذهب البصريين (شرح الألفية لابن الناظم 258)، وهو رأي ابن مالك (شرح الكافية الشافية 2/648-649)، وعزاه والحذفَ السيوطيُّ للكوفيين (الهمع 5/139) (تراجع)

[242] المقتضب 3/113.

[243] التوطئة 276. شرح الجمل لابن عصفور 1/618.

[244] شرح الجمل لابن عصفور 1/618

[245] الذي في شرح الجمل: (وظننته).

[246] شرح الجمل 1/617. وأورد هذه الأوجه الثلاثة ابن هشام في  شرح اللمحة البدرية 2/121-122، وزاد ابن هشام  عليها رابعًا، سيأتي.

[247] شرح التسهيل 2/173. شرح الكافية الشافية 2/649، 651-652. ونحوه في الهمع 5/139،

[248] المقاصد الشافية 1/204.

[249] الجمل 114.

[250] الواضح في النحو 183.

[251] شرح الكافية 1/1/ 231-232، 234. التعليقة على المقرب لابن النحاس 385.

[252] المقاصد الشافية 1/206.

[253] المقاصد الشافية 1/209.

[254] التصريح 2/194. وهو مقرر في أكثر الكتب المتأخرة.

[255] التذييل 7/92.

[256] المقاصد الشافية 1/206، 207-208.

[257]  شرح الجمل1/621

[258] شرح الجمل لابن عصفور 1/622. التذييل 7/92.

[259] منهج السالك 134.

[260] شرح اللمحة البدرية 2/121-122.

[261] شرح الكافية لابن الحاجب 1/345. ورأيه في شرح المفصل يختلف عن ذلك، فيرى إمكان حذف المفعول الثاني لقرينة، وإن كان الأحسن عنده الإضمار، قال: وإنما حسُن الإضمار ؛ لأنّ الحذف يؤدي إلى لبس، والإضمار ينفيه. (شرح المفصل 1/164).

[262] التذييل 7/112، المقاصد الشافية 1/177.

[263] شرح السيرافي 3/79-80، النكت 1/211. التذييل 7/113، الارتشاف 3/92، المساعد 1/462  تمهيد القواعد 4/1807، ينقله عن ابن النحاس الحلبي

[264] شرح الكتاب 3/80

[265] النكت 1/211.

[266] التذييل 7/113. الارتشاف 3/92، المساعد 1/461-462، التعليقة على المقرب401.

[267] المقتضب 3/124.

[268] المقتضب 3/124

[269] التعليقة على المقرب 401، التذييل 7/113،  تمهيد القواعد 4/1808

[270] شرح الكافية 1/1/237.

[271] المقتضب 3/123

[272] شرح الكتاب 3/80.

[273] راجع مثلاً هذا المثال وما بعده من أمثلة عند السيرافي في شرح الكتاب 3/80-81. ومثله ذائع في الكثير من كتب النحو.

[274] التذييل 7/66، 110-111، وانظر: المساعد 1/448.

[275] شرح السهيل 2/168.

[276] شرح التسهيل2/176. وانظر: المقاصد الشافية 1/181

[277] الواضح في النحو 183

[278] الواضح في النحو 183.

[279] التذييل 7/111

[280] التذييل 7/110. وانظر: الارتشاف 3/92-93.

[281] ذلك مقرر في شرح الشذور 421، وشرح القطر 198.

https://powderencouraged.com/w3m6c9b5?key=af8b4909c0965493e9682d74bb50a646
https://powderencouraged.com/ksq5rgwdmh?key=b5b47a0d83f8742dcf71d4de8ef00494
https://powderencouraged.com/bkcduddx?key=0252cc21d0f4e0ae5f53245940611301
×
error: Content is protected !!

اكتشاف المزيد من

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

Continue reading