في ضوء المادة 192 من المدونة العامة للضرائب
ذ. عزيز الواج
طالب باحث بسلك الدكتوراه
جامعة ابن زهر- أكادير
تعد الجرائم الضريبية الواقعة على العقود احدى أخطر الجرائم التي انبرت الدول الى محاربتها بالنظر الى الخسائر التي تتكبدها ماليتها عبر اعمال مجموعة من النصوص التي تجرم الأفعال والتروك الماسة باقتصادها والتصدي لها بوسائل الوقاية والعقاب[1] بحثا عن الطمأنينة الاقتصادية والاستقرار الاجتماعي، ورتبت على اتيانها مجموعة من الجزاءات عبر تبني مبدأ الشرعية الجنائية في الميدان الضريبي[2]؛ تنوعت حدتها بتنوع التشريعات بين مشدد ومعتدل ومتراخ.
وقد عرفت المملكة المغربية أولى النقاشات حول الجريمة الضريبية ومحاولة تجريم مجموعة من الأفعال التي تعتبرها كذلك من خلال مشروع قانون الإطار لسنة 1984 في فصله السابع والعشرين، والذي تم بموجبه اقتراح عقوبة الحبس لأول مرة، إلا أن لجنة المالية المكلفة بدراسة هذا المشروع قررت بالإجماع حذف هذا الفصل، و صدر القانون الإطار بدون عقوبة الحبس مع إلغاء الفصل 27[3].
وعلى عكس مشروع القانون الإطار لسنة 1984 والذي لم يخرج بالعقوبات البدنية إلى حيز الوجود، فقد حمل مشروع قانون المالية لسنة 1996-1997[4] مجموعة من المستجدات لينص على الأفعال المشكلة للجريمة الضريبية والعقوبة المرصودة كجزاء لها والمتمثلة في كل من الغرامات المالية والعقوبات الحبسية، رغم أن المناقشات بمجلس النواب اعتبرت أن معاقبة المجرمين الضريبيين يجب أن تكون منسجمة مع محيط المقاولة المغربية، قبل أن تعزز تلك الجزاءات بقانون المالية لسنة 2007 والذي تضمن تطورات مهمة بصدور المدونة العامة للضرائب[5] والتي جمعت الجزاءات الضريبية وخصصت لها الجزء الثالث من الكتاب الأول.
وبعد تنصيص المشرع المغربي على الجزاءات الجنائية التي يمكن أن يصل إلى حد الحبس، و ذلك في حالة إثبات وقوع جريمة ضريبية تستلزم توقيع هذا الجزاء نظير مخالفة حكم وضعه القانون؛ سواء بإتيان فعل معين أو النهي عن القيام بآخر، فيستحق الجاني العقاب على جريمته بصورتها الايجابية أو السلبية، حيث عمل المشرع المغربي من خلال المدونة العامة للضرائب على تجريم هذه السلوكات التي تؤدي إلى ارتكاب الجرائم الضريبية من خلال المادة 192[6]من هذا القانون وخصص جزاءات عن مخالفة الالتزامات الضريبية.
وتبرز أهمية دراسة هذا الموضوع من خلال تسليط الضوء على إحدى أهم الجرائم التقنية[7] المنتشرة بكثرة في المجتمعات المعاصرة، والتي تؤثر مباشرة على الحياة العامة للمواطنين من خلال ضرب التوازنات الاقتصادية للخزينة العامة والإضرار بسياسة الدولة في تدبير شؤونها بالاعتماد على المداخيل الضريبية كأساس لتمويل الميزانية، والبحث في الآليات التي اعتمدها المشرع المغربي للوقاية من هذه الجرائم اقتضاء لمبدأ العدالة في شموليته.
ومن أجل دراسة هذا الموضوع والإحاطة بأهم محاوره، ارتأينا تقسيمه كالتالي:
المحور الأول: الأحكام العامة للجريمة الضريبية
المحور الثاني: العقوبة في الجريمة الضريبية
الفقرة الأولى: الأحكام العامة لقيام الجريمة الضريبية
إن تناول موضوع الجريمة الضريبية في العقد يستوجب منا القيام بالبحث عن ماهية هذه الجريمة الماسة بمصالح الخزينة العامة من خلال التملص الكلي أو الجزئي من أداء الواجب الضريبي عن طريق محاولة تعريفها (أولا)، ثم تناول الأركان الضرورية لقيامها (ثانيا).
تعرف الجريمة بوجه عام بكونها كل فعل أو امتناع مخالف للقانون الجنائي ومعاقب عليه بمقتضاه[8]، والعلة في اعتبار العمل أو الترك مجرما هو ما يحدثه هذا الفعل أو الترك من اضطراب اجتماعي، أي أن المشرع لا يجرم الأفعال سواء كانت سلبية أو ايجابية إلا إذا كانت مضرة بالمجتمع، وبالتالي فان أساس التوجه المتحكم في ضوابط التجريم والعقاب هو مدى إضرار هذه التصرفات والأفعال بالمجتمع.
وإذا كانت الجريمة بمفهومها العام تمس المجتمع من جهة وحقوق الأفراد من جهة ثانية، فإن الجريمة الضريبية تتميز عن غيرها من الجرائم بكونها اعتداء على مصلحة عامة وهي مصلحة الخزينة العامة، إضافة إلى خرق أحد أهم القواعد الأساسية لفرض الضريبة[9]، ألا وهي قاعدة المساواة أمام الضريبة[10]، كما أن تعريف الجريمة الضريبية لا يمكن أن يقتصر على الأفعال التي تتعلق بالإخلال بالنصوص التي تحمي المصلحة الضريبية فقط، بل بما قرره لها القانون كعقاب جنائي[11].
ولم يقم المشرع المغربي بتعريف الجريمة الضريبية، ولكنه حدد الأفعال التي تنبني عليها وتتدخل في تشكيلها[12]، فاتحا بذلك المجال أمام الفقه الذي اهتم بهذا الجانب وعرفها بكونها تلك المخالفات التي ترتكب عند تهرب المطالب بالأداء من دفع الضريبة أو في حالة قيامه بالغش، والتي تكون من اختصاص القاضي الزجري الذي تمثله المحاكم الزجرية[13].
كما عرفها جانب آخر من الفقه بكونها كل عمل أو امتناع يترتب عليه الإخلال بمصلحة ضريبية يقرر القانون على ارتكابها عقابا[14]، أي أنه لا يكفي لتعريف الجريمة الضريبية أن تتعلق بالإخلال بالنصوص التي تحمي المصلحة الضريبية، بل يجب أن يقرر القانون عقابا جنائيا لها، فيما اعتبر البعض الآخر أن ما يميز الجريمة الضريبية عن غيرها هو كونها تتضمن اعتداء على مصلحة الخزينة العامة[15]، وعرفها أنور العمروسي بأنها كل مخالفة للالتزام الضريبي الذي يقع على عاتق المكلف بهذا الالتزام، ويخاطب به للقيام بعمل أو الامتناع عن عمل، وبمخالفته تقع الجريمة الضريبية، فالالتزام بأداء الضريبة وان كان مصدره القانون إلا أنه لا ينشأ إلا بحصول الواقعة المنشأة لها[16].
وتبعا لما جاء في التعاريف الفقهية المشار إليها أعلاه، فيمكننا أن نعرف الجريمة الضريبية بكونها الجريمة التي حدد لها المشرع الجبائي جزاءات جنائية والتي تتمثل في كل من عقوبة الغرامة أو الحبس أو كلاهما، وأسند إعمالها إلى القضاء الزجري؛ والتي يستهدف من خلال ارتكاب أفعالها الإفلات من الخضوع للضريبة أو التملص من دفعها أو الحصول على خصم منها أو استرجاع مبالغ بغير حق عن طريق استعمال إحدى الوسائل المنصوص عليها في المادة 192 م ع ض، في حين أن المخالفات الضريبية التي رتب عليها القانون الضريبي عقوبة الغرامة فقط، وأوكل للإدارة الضريبية صلاحية تطبيقها فإنها لا توصف بكونها جريمة ضريبية[17].
كما أن الأهمية البارزة التي تحضى بها التشريعات الجنائية بوجه عام، قد جعل التوجه الفقهي يعمد إلى إخضاعها لمبدأ الشرعية، إذ لا جريمة ولا عقوبة إلا بنص[18]، ورتب كجزاء على ارتكاب أفعاله الإجرامية إيقاع عقوبة تلائم وخطورة الفعل المرتكب، بغض النظر عما إذا كانت تلك العقوبة تحقق للمجتمع نفعاً من عدمه، وذلك قبل بروز مبدأ النفعية أو المنفعة الاجتماعية؛ حيث أنه كلما كان النفع الذي يعود على المجتمع من وراء عدم توقيع العقوبة أكبر من الفائدة التي يحققها هذا الأخير من تنفيذها –خصوصا في المجال المالي-، يتعين استبعاد العقوبة مع عدم إهدار فكرة الردع كلما أمكن ذلك.
ورغبة من المشرع المغربي في حماية موارد الخزينة العامة ومن خلالها السياسة الاقتصادية والأمن الاقتصادي العام؛ فقد أخد بتجريم مجموعة من الأفعال حماية للمداخيل الضريبية، وهو ما أضفى عديد الخصائص على الجريمة الضريبية تتفرّد بها عن جريمة الحق العام، كما أنه وضمانا لنجاعة قواعد التجريم في هذه الجريمة قد اضطر معه المشرع المغربي إلى ملائمة المبادئ الأصولية التي ظل تاريخيا يعتد بها في إطار القانون الجنائي العام، مع الوظائف والمجالات الاقتصادية الجديدة كنتيجة للبحث عن الفاعلية المرجوة من هذه القواعد القانونية والتنظيمية الخاصة بالبحث في الجريمة الضريبية المتسم بالتقنيصنف المشرع المغربي قواعد التجريم ضمن القواعد الجزائية الموضوعية التي تهتم بوصف ماديات السلوك الإجرامي الذي لا يجب إتيانه من طرف الملزم بالضريبة، مع ما يستشف منها من أركان للجريمة الضريبية والتي تتمثل في كل من الركن القانوني (أ) والمادي(ب) والمعنوي(ج).
أ. الركن القانوني
يقصد بالركن القانوني أو الركن الشرعي ضرورة وجود نص قانوني[19] سابق يحدد نوع الأفعال التي يعتبرها جريمة و ينص على العقوبة المطبقة عليها، شريطة أن يكون هذا النص نافذ المفعول وقت ارتكاب الجريمة، وساريا على مكان وقوعه وعلى شخص مرتكبه[20].
ونستشف الركن القانوني في الجريمة الضريبية من خلال المادة 192 م ع ض[21] حيث يهدف المشرع من خلال هذا المقتضى في شموليته كمقتضى عام حماية الأفراد وحقوقهم الدستورية، والحد من سلطة القضاء، والحيلولة دون تمكينه من تجريم أفعال لم يجرمها القانون، ولا الحكم بعقوبات لم يحددها القانون، وذلك من خلال تحديد الأفعال التي يعتبرها جرائم والعقوبات المقررة لها، كما رفع بذلك ظلم السلطة التنفيذية على الأفراد، والتي لا يمكنها أن تعاقب عن أي فعل كان إلا بالعقوبة المحددة وبالضمانات التي قررها القانون، وهي نفس الغاية التي استهدفها المشرع من خلال تضييق نطاق هذا الركن أثناء التنصيص ليشمل الجريمة الضريبية؛ انطلاقا من تحديد الأفعال المشكلة لها وحصرها لحماية الملزمين من سلطة الإدارة في التعسف في استعمال السلطة في فرض واستخلاص الواجبات الضريبية[22]؛ فيكون بذلك الفرد على بينة من التصرفات التي يعاقب عليها القانون فيسلم بها ليسلم من العقاب، وهو ما يظهر الغاية من هذا المبدأ.
ولهذه الغاية عمل المشرع المغربي من خلال المادة 192 م ع ض على تحديد الأفعال التي تدخل في نطاق الجريمة الضريبية وأشار إليها على سبيل الحصر لا المثال لسد المجال أمام أي تأويل أو جدل فقهي في اعتبار فعل ما صادر من الملزم عملا إجراميا من عدمه، بحيث أنه لو كان هناك أكثر من فعل يشترك في الوصف فإن مبدأ التشريع أو الشرعية يحسم هذا الشك.
ب. الركن المادي
نقصد بالركن المادي ذلك السلوك الغير قانوني الذي يرتكبه الجاني في شكله الايجابي أو السلبي[23]، والذي يتمثل في الجريمة الضريبية في الاعتداء على المصلحة الضريبية، بمخالفة الإلتزام الضريبي الذي يفرضه القانون على الملزم بالضريبة في إطار المادة 192 م ع ض خروجا عن علاقة الثقة والشفافية التي ينبغي لها أن تسود بين هذا الأخير وبين الدولة[24] ممثلة في الخزينة العامة.
وسوف نتناول عناصر الركن المادي للجريمة الضريبية في ثلاث عناصر تتجلى في كل من السلوك الإجرامي(1)، والنتيجة الإجرامية(2)، ثم العلاقة السببية بينهما(3).
1 ـ السلوك الإجرامي :
يتجلى السلوك الإجرامي للجريمة الضريبية في مخالفة الملزم الضريبي للالتزامات الضريبية المنصوص عليها في المادة 192 م ع ض، وبمعنى آخر استعمال طرق احتيالية للتملص من الضريبة والتخلص من أداء ما يستوجب أداؤه قانونا لفائدة الخزينة العامة للمملكة؛ مما يشكل اعتداء مباشرا على هذه الأخيرة، وذلك عن طريق الأفعال والتروك المضمنة في المادة 192 م ع ض على سبيل الحصر دون إمكانية القياس عليها أو التوسع في تفسيرها[25].
2 – النتيجة الإجرامية
ويقصد به ذلك التأثير أو التغيير الذي تحدثه الجريمة الضريبية في العالم الخارجي الذي يشمل الواقع المادي والواقع المعنوي النفسي، كما تشكل النتيجة الإجرامية عنصرا آخر من الركن المادي للجريمة الضريبية، والتي تترتب عليها آثارا قانونية مهمة.
كما تجدر الإشارة أن الطرق الإحتيالية بالنسبة للجريمة الضريبية لا يشترط فيها أن تؤدي فعلا إلى تحقق النتيجة الإجرامية والمتمثلة في التملص الضريبي، بل إن مجرد المحاولة تكفي لقيامها[26].
3 ـ العلاقة السببية
تشكل العلاقة السببية العنصر الثالث والأخير من عناصر الركن المادي للجريمة، ويقصد بالرابطة السببية ضرورة توافر رابطة بين سلوك الجاني و النتيجة الإجرامية بحيث يمكن القول أن النتيجة الإجرامية حدثت بسبب السلوك الجرمي للملزم لا غيره، حيث يتعين لقيام الجريمة الضريبية أن يتم الشروع في التملص من الضريبة بطرق احتيالية و القيام بالأفعال المنصوص عليها حصرا في المادة 192 من المدونة العامة للضرائب، إذ لا يمكن تصور نتيجة إجرامية دون تواجد علاقة سببية بين سلوك الجاني و النتيجة الإجرامية، رغم أن بعض النظريات الفقهية تذهب إلى أن العلاقة السببية لا يمكن تصورها إلا في الجرائم العادية[27]دون سواها من الجرائم الغير عمدية حيث يتحقق الرابط بين الأثر أي النتيجة التي تحققت وبين سلوك الجاني.
ج. الركن المعنوي
لا يكفي لتقرير المسؤولية الجنائية أن يصدر سلوك إجرامي عن الجاني في مظهر مادي فقط؛ بل من الضروري توافر الركن المعنوي المتميز بكونه عبارة عن نية داخلية يضمرها الجاني في نفسه بنية التضليل لتحقيق هدف غير مشروع وهو التخلص من الضريبة أو جزء منها بالطرق الواردة في المادة 192 م ع ض من طرف الملزم الخاضع للضريبة بإرادته الحرة المخالفة للقانون الجبائي بعد إثبات سوء نيته بالوسائل المتوفرة للإدارة الضريبية[28]؛ ومن هنا يمكن القول ان الركن المعنوي يعد بمثابة روح الجريمة والوسيلة التي توصل إلى تحديد المسؤول عنها[29]، و بالتالي لا يمكن تصور اكتمال الوجود القانوني للجريمة الضريبية إلا باقتران ركنها المادي بالمعنوي الذي قوامه الإرادة المجرمة المتجهة نحو الفعل الجرمي مما ينتج عنه تحقيق النتيجة الإجرامية.
وتتميز الجريمة الضريبية عن غيرها من الجرائم كونها من الجرائم العمدية التي تتطلب توفر القصد الجنائي لكونها تتطلب توجيه الإرادة فعلا إلى تحقيق الوقائع الإجرامية المنصوص في المادة 192 من المدونة العامة للضرائب مع العلم بحقيقة تلك الوقائع و بكونها وقائع مجرمة.
المحور الثاني: العقوبة في الجريمة الضريبية
يعتبر الجزاء ذلك الأثر أو النتيجة المترتبة عن مخالفة القواعد القانونية، وصورة من صور العقوبة [30]، وتتميز الجريمة الضريبية بمجموعة من الخصائص لعل من أبرزها خصوصية العقوبة والجزاء، حيث أفرد المشرع المغربي طبقا للمادة 192 م ع ض الغرامة كعقوبة أصلية، فيما لم ينص على الحبس إلا في حالة العود داخل أجل خمس سنوات، وبذلك سنتناول الغرامة كجزاء أصلي عن هذه الجريمة (أولا )، على أن نتناول عقوبة الحبس كجزاء تبعي في حالة العود (ثانيا).
أولا: الغرامة كعقوبة أصلية
تعد الغرامة في الجريمة الضريبية أحد أهم المواضيع المهمة التي أنتجت نقاشا سواء على مستوى التعريف والتأصيل، أو على مستوى تحديد طبيعتها القانونية.
ولم يعرف المشرع المغربي الغرامة الضريبية، وهو ما تكفل به الفقه حيث عرفها بكونها ذلك المبلغ المالي المفروض على الشخص الذي يخالف الأنظمة والقوانين الضريبية المعمول بها كعقاب له؛ والتي تؤول إلى خزينة الدولة[31]، وهي غرامة مالية تختلف عن كل من الغرامات المدنية والجبائية[32]، وكذا الغرامة الجنائية طبقا للقواعد العامة[33].
وما يثير الاهتمام بخصوص العقوبات التي أقرها المشرع الجبائي عن إتيان الأفعال المشكلة للجرائم الضريبية هو كون الغرامة عقوبة أصلية لا يسوغ للقضاء الحكم بغيرها الا في حالة العود، وقد حددها المشرع من 5000 درهم إلى 50.000 درهم، وهو ما يرده البعض إلى أن غاية المشرع هي تحصيل الإيرادات المالية لتمويل الخزينة العامة، وأن الحبس لا يمكن أن يفيد الخزينة العامة في شيء، إلا أن ما يلاحظ في قيمة المبالغ التي أوردها المشرع كجزاءات مادية نتيجة القيام بالأفعال المجرمة في إطار المادة 192 م ع ض هو أنها غرامات جد هزيلة لا ترقى لدرجة الأفعال المرتكبة ونتائجها الماسة بالخزينة العامة.
وانطلاقا من محدودية الدور الرادع المأمول من هذه العقوبات المالية فإننا نرى أنها لا تعدو أن تكون حافزا على تشجيع رجال الأعمال وأصحاب رأس المال على الإضرار بحق الدولة من الضرائب عن طريق القيام بأفعال وممارسات تشكل جرائما ضريبية خصوصا بالنسبة للشركات التي تفوق نسبة الضرائب التي تدين بها لفائدة إدارة الضرائب كل سنة مالية قيمة الغرامة القصوى التي حددها المشرع الضريبي، مما يطرح معه التساؤل حول جدية المشرع الضريبي المغربي في محاربة الجرائم الضريبية بكل موضوعية خدمة للمصلحة العامة بعيدا عن منطق المحاباة ومهادنة رأس المال.
وهو ما يستوجب القطع معه بإصدار نصوص تشريعية تحفظ للخزينة العامة حقها عن طريق الرفع من قيمة الغرامات الى الحد الذي تغطي معه حجم الخسائر التي تكبدتها الخزينة العامة نتيجة القيام بالأفعال المشكلة للجرائم الضريبية مما يمكن معه بالفعل القيام بالتعويض عن هذه الأضرار.
ويطرح تكييف هذه الغرامة نقاشا فقهيا كبير بين قائل بأن الغرامة الضريبية ليست الا تعويضا مدنيا للخزينة العامة لما لحقها من ضرر[34]، وقائل بأنها عقوبة جنائية بحتة معززين رأيهم بكون القضاء المختص بتطبيق الغرامة في إطار الجريمة الضريبية هو القضاء الزجري، وهو نفس التوجه الذي تبناه المشرع المغربي من خلال العنوان الذي أصبغ به المادة 192 م ع ض والتي عنونها ب “الجزاءات الجنائية”، فيما ذهب طرف ثالث الى اعتبارها ذو طابع مختلط[35]، في الوقت الذي نعتقد فيه أن الأقرب إلى الصواب والمنطق والواقع هو الطابع المختلط للغرامة الضريبية وازدواج مهامها، بحيث تؤدي دورا تعويضيا وعقابيا في نفس الوقت.
ثانيا- العقوبة الحبسية في الجريمة الضريبية
لقد صنف المشرع المغربي الحبس كعقوبة جنحية أصلية، وحدد أقل مدة لها في شهر واحد وأقصاها خمس سنوات طبقا للفصل 17 من القانون الجنائي باستثناء حالات العود أوغيرها حيث يحدد القانون مددا أخرى[36]، فيما عمد المشرع الضريبي طبقا للمادة 192 م ع ض، إلى الاحتفاظ بالمدة الأقل فيما يخص عقوبة الحبس عن الجرائم الضريبية[37] الممثلة في شهر واحد وخفض العقوبة القصوى عن ما أخد به المشرع الجنائي إلى ثلاثة أشهر.
ولم ينص المشرع المغربي على الحبس في هذه الجريمة إلا في حالة العود إلى المخالفة قبل مضي خمس سنوات على الحكم بالغرامة المنصوص عليها في المادة أعلاه من 5000 درهم إلى 50.000 درهم.
وتجدر الإشارة إلى أن المشرع المغربي قد أخد بالأفعال التي تشكل الجرائم الضريبية وصنفها في نطاق الجنح رغم استعماله لعبارة “المخالفة”[38] لوصف هذه الجرائم، وبذلك فإن المشرع عند استعماله لعبارة ” المخالفة” في وصف الجريمة الضريبية لم يقصد معنى المخالفة كإحدى أصناف الجرائم[39]، وإنما قصد منها الأفعال المخالفة للقانون.
ورغم أن فكرة العقوبة الحبسية لا تحقق أي مصلحة للخزينة العامة من حيث تحصيل الأموال التي سبق فقدانها بناء على الجرائم الضريبية، إلا أن اعتمادها جاء من أجل ردع الجناة من المتملصين والمتهربين وإصلاحهم في ذات الوقت، حيث يظهر أن الهدف من عدم الأخد بها كعقوبة أصلية في الجريمة الضريبية هو تفادي زيادة الآثار السلبية التي تنعكس على مالية الدولة جراء حبس الأشخاص المثبتة في حقهم هذه الجرائم نتيجة غل اليد الناتج عن الحبس عن ممارسة النشاط المدر للدخل مما يمكنه أن يضيع مداخيل أخرى محتملة لفائدة الخزينة.
ومن وجهة نظرنا فبالرغم من بعض الآثار السلبية للعقوبة الحبسية فيما يخص الجريمة الضريبية، إلا أنها تبقى هي الضمان الرادع ضد ارتكاب الجرائم الضريبية في ظل هزالة قيمة الغرامة المرصودة لهذا النوع من الجرائم، مقابل إمكانية الاغتناء السريع لمرتكبيها على حساب المالية العامة.
بل وقد كان من الأجدر على المشرع الضريبي المغربي التشديد والرفع من مدة الحبس للحيلولة دون الاتيان على الحقوق الضريبية وردع الجناة الضريبيين الذين لن يتأثروا بالعقوبات المفروضة على الجريمة الضريبية في ظل هزالتها مقارنة مع مجموعة من التشريعات الأخرى سواء منها الأوربية[40]أو العربية[41]، والتي شددت من العقوبات التي شرعتها واعتمدتها كجزاءات عن الجرائم الضريبية
خـــــــاتمة
بالرغم من أهمية محاربة الجريمة الضريبية لما لها من سلبيات على الاقتصاد الوطني عن طريق الإضرار بمختلف المجالات المكونة له، ورغم تنصيص المشرع المغربي على الجزاءات الجنائية في حق القائمين على الأفعال التي اعتبرها جرائم ضريبية، إلا أن الملاحظ هو أن المشرع المغربي لم يشرع في تغيير أو حتى تعديل تلك المقتضيات والجزاءات التي تضمنتها سواء فيما يخص الجزاءات المالية أو البدنية أو حتى تغيير التراتبية بين الغرامة والحبس قبل حالة العود، ليبقى النص الأصلي للجريمة الضريبية انطلاقا من قانون المالية لسنة 1996-1997 هو المعمول به لحد الآن حتى بعد مرور أزيد من 21 سنة دون تغيير.
وأن الأفعال التي تشكل موضوع الجريمة الضريبية لا تشمل سوى ثلاث ضرائب من مجموع النظام الجبائي الوطني والضرائب والرسوم المحلية دون غيرها من الضرائب الأخرى، أما فيما يخص الضرائب المباشرة؛ فإنها لم تهم سوى الضريبة على الشركات والضريبة العامة على الدخل والضريبة على القيمة المضافة دون أن تمتد لغيرها من الضرائب المباشرة بالرغم أن بعض الأفعال تتساوي في نسبة الإضرار بالمصالح المالية الضريبية مع الأفعال التي وقع إيرادها ضمن الجرائم الضريبية المذكورة في المادة 192 م ع ض دون أن يتم تجريمها، مما يظهر وبجلاء “تراخي” المشرع الضريبي المغربي في حصر الجريمة الضريبية من خلال خصوصية الجزاء الذي يتميز بأقصى درجات التسامح، وعدم الحزم في تبني ترسانة قانونية زجرية صارمة تؤدي دورها في ترويض المجرمين الضريبيين وحصر امتداد الجرائم الضريبية مناشدة لعدالة جبائية حقيقية، وخدمة للمصالح الاقتصادية للمملكة.
[1]صخر عبد الله الجنيدي، نحو قانون عقوبات ضريبي يواجه تحديات العصر، دار الثقافة للنشر والتوزيع، عمان –الأردن-، ط 2004.، ص: 10.
[2]محمد بوزكني، الحماية الجنائية لقواعد القانون الجبائي، أطروحة لنيل الدكتوراه في الحقوق، جامعة الحسن الثاني عين الشق، الدار البيضاء، السنة الجامعية 2004-2005، ص: 02.
[3]للمزيد من المعلومات راجع قانون المالية لسنة 1984 الصادر بتنفيذه الظهير الشريف رقم 1.84.54 بتاريخ 25 من رجب 1404 (27 أبريل 1984)، المنشور بالجريدة الرسمية تحت عدد 3730 مكرر بتاريخ 27/04/1984.
[4]القانون رقم 8.96 بمثابة القانون المالي لسنة 1996-1997 الصادر بتنفيذه الظهير الشريف رقم 77-96-1 الصادر في 12 من صفر 1417 (29 يونيو 1996)، المنشور بالجريدة الرسمية عدد 4391 بتاريخ 01/07/1996 الصفحة 1198.
[5]المدونة العامة للضرائب المحدثة بموجب المادة 5 من قانون المالية رقم 43-06 لسنة 2007، الصادر بتنفيذه الظهير الشريف رقم 232-06-1 بتاريخ 10 ذي الحجة 1427 الموافق ل 31 ديسمبر 2006.
[6]تنص المادة 192 م ع ض على ما يلي: “بصرف النظر عن الجزاءات الضريبية المنصوص عليها في هذه المدونة، يتعرض لغرامة من خمسة آلاف (5.000) الى خمسين ألف (50.000)درهم كل شخص تبث في حقه قصد الإفلات من إخضاعه للضريبة أو التملص من دفعها أو الحصول على خصم منها أو استرجاع مبالغ بغير حق، استعمال إحدى الوسائل التالية :
– تسليم أو تقديم فاتورات صورية.
– تقديم تقييدات محاسبية مزيفة أو صورية.
– بيع بدون فاتورات بصفة متكررة.
– إخفاء أو إتلاف وثائق المحاسبة المطلوبة قانونا.
– اختلاس مجموع أو بعض أصول الشركة أو الزيادة بصورة تدليسية في خصومها قصد افتعال إعسارها”.
[7]إبراهيم أحطاب، مسطرة تصحيح الثمن في العقود –ضريبة التسجيل نموذجا-، مطبعة النجاح الجديدة الدار البيضاء، 2014، توزيع مكتبة الرشاد، سطات، ص: 222.
[8]تنص المادة 110 من القانون الجنائي المغربي الصادر بتنفيذه الظهير الشريف رقم 1.59.413 الصادر في 28 جمادى الثانية 1382 (26 نونبر 1962)، المنشور بالجريدة الرسمية عدد 2640 مكرر، بتاريخ 12 محرم 1383 (5 يونيو 1963)، ص 1253، على ما يلي: “الجريمة هي عمل أو امتناع مخالف للقانون الجنائي ومعاقب عليه بمقتضاه”
[9]يونس أحمد البطريق، عبد الكريم صادق بركات وحامد عبد المجيد دراز، النظم الضريبية، د ذ م،1987،ص:35-36.
[10]ينص الفصل 39 من الدستور المغربي لسنة 2011 على ما يلي: “على الجميع أن يتحمل، كل على قدر استطاعته، التكاليف العمومية، التي للقانون وحده إحداثها وتوزيعها، وفق الإجراءات المنصوص عليها في هذا الدستور”.
[11]صخر عبد الله الجنيدي، نحو قانون عقوبات ضريبي يواجه تحديات العصر،ط1، دار العلم والثقافة، عمان الأردن، 2005، ص:16.
[12]أنظر المادة 192 من المدونة العامة للضرائب.
[13]مصطفى بن جعفر، القانون الجزائي العام، دار النشر غ.م، تونس 2009، ص41.
[14]أحمد فتحي سرور، قانون العقوبات الخاص في الجرائم الضريبية والنقدية، الطبعة الأولى، مكتبة النهضة المصرية 1960، ص 05.
[15]محمد مصباح القاضي، جرائم الممول المضرة بالخزينة العامة، دار النهضة العربية 1996، ص 05.
[16] انور العمروسي، شرح قوانين الجمارك والاستيراد والتصدير والنقد، ط1، دار الكتب الجامعية، القاهرة، 1972، ص: 223.
[17]ومثال هذه المخالفات عدم إيداع التصريح بالدخل، أو وضع تصريح ناقص، أو عدم دفع المبالغ المستحقة في أجلها…
[18]ترجع هذه القاعدة في أصولها الى الثورة الفرنسية، والتي كانت من أفكار فلاسفة القرن الثامن عشر، وتعتبر سياجا للحريات الشخصية حيث تنحصر في فعل ما يبيحه القانون لا في فعل ما يريده الفرد، وقد وردت لأول مرة ضمن ما جاءت به الثورة الفرنسية من حقوق للأفراد، وثم التنصيص عليها في المادة الرابعة من قانون العقوبات الفرنسي الصادر سنة 1810.
وينص الفصل3 من مجموعة القانون الجنائي المغربي على ما يلي: “لايسوغ مؤاخدة أحد على فعل لا يعد جريمة بصريح القانون ولا معاقبته بعقوبات لم يقررها القانون”.
[19]الفصل 3 من القانون الجنائي المغربي، الصادر بتنفيذه الظهير الشريف رقم 1.59.413 الصادر في 28 جمادى الثانية 1382(26 نونبر1962) بالمصادقة على القانون الجنائي.
[20]سامي النصراوي، النظرية العامة للقانون الجنائي المغربي في الجريمة والمسؤولية الجنائية، الجزء الأول، مطبعة المعارف الجديدة، ط1، ص:87.
[21] تجدر الإشارة إلى أن الأفعال المشكلة للجريمة الضريبية في المادة 192 م ع ض، والجزاءات المترتبة عنها، هي نفسها التي اعتمدها المشرع في المادة 138 من القانون رقم 47.06 المتعلق بجبايات الجماعات المحلية، الصادر بتنفيذه ظهير شريف رقم 1.07.195 صادر في 19 من ذي القعدة 1428 (30 نوفمبر 2007)، المنشور بالجريدة الرسمية عدد 5583 بتاريخ 22 ذو القعدة 1428 ( 03/12/2007).
والتي تنص على ما يلي:
“بصرف النظر عن الجزاءات الجبائية المنصوص عليها في هذا القانون، يتعرض لغرامة تتراوح بين خمسة آلاف (5000) وخمسين ألف (50.000) درهم، كل شخص ثبت في حقه قصد الإفلات من إخضاعه للرسم أو تملص من دفعه أو الحصول على خصم منه أو استرداد مبالغ بغير حق، استعمال إحدى الوسائل التالية :
– تسليم أو تقديم فاتورات صورية ؛
– تقديم تقييدات محاسبية مزيفة أو صورية ؛
– بيع بدون فاتورات بصفة متكررة ؛
– إخفاء أو إتلاف الوثائق المحاسبية المطلوبة قانونا؛
– اختلاس مجموع أو بعض أصول الشركة أو الزيادة بصورة تدليسية في خصومها قصد افتعال إعسارها.
وفي حالة العود إلى المخالفة قبل مضي خمس (5) سنوات على الحكم بالغرامة المذكورة الذي اكتسب قوة الشيء المقضي به، يعاقب مرتكب المخالفة زيادة على الغرامة المقررة أعلاه بالحبس من شهر واحد إلى ثلاثة (3) أشهر”.
[22]ينص الفصل 243 من القانون الجنائي على ما يلي: “يعد مرتكبا للغدر، ويعاقب بالحبس من سنتين إلى خمس وبغرامة من خمسة آلاف إلى مائة ألف درهم، كل قاض أو موظف عمومي طلب أو تلقى أو فرض أوامر بتحصيل ما يعلم أنه غير مستحق أو أنه يتجاوز المستحق، سواء للإدارة العامة أو الأفراد الذين يحصل لحسابهم أو لنفسه خاصة.
تضاعف العقوبة إذا كان المبلغ يفوق مائة ألف درهم”
كما ينص الفصل 244 من نفس القانون على أنه: “يعاقب بالعقوبات المقررة في الفصل السابق، كل ذي سلطة عامة أمر بتحصيل جبايات مباشرة أو غير مباشرة لم يقررها القانون وكذلك كل موظف عمومي أعد قوائم التحصيل أو باشر استخلاص تلك الجبايات.
وتطبق نفس العقوبات على ذوي السلطة العمومية أو الموظفين العموميين الذين يمنحون، بدون إذن من القانون بأي شكل ولأي سبب كان، إعفاء أو تجاوزا عن وجيبة أو ضريبة أو رسم عام أو يسلمون مجانا محصولات مؤسسات الدولة؛ أما المستفيد من ذلك فيعاقب كمشارك”.
[23]عبد الواحد العلمي، المبادئ العامة للقانون الجنائي المغربي، الجزء الثاني، مطبعة النجاح الجديدة، الدار البيضاء، 1995، ص: 176.
[24]نور الشرع، الجريمة الضريبية، الطبعة الأولى، دار وائل للنشر، الأردن، 2008، ص 55.
[25]طارق السلومي، تجريم الغش في المادة الضريبية، السلسلة الغربية للعلوم والتقنيات الضريبية، العدد السادس، مطبعة الأمنية، الرباط 2014، الصفحة 109.
[26]احمد فتحي سرور، م.س، ص 314.
[27]أحمد فتحي سرور، م.س، ص 120.
[28]منح المشرع الضريبي المغربي الإدارة الضريبية سلطات تقديرية واسعة لكشف مدى قيام الملزمين بالجرائم الضريبية سواء من خلال حق الإطلاع على وثائق الملزمين أو الوثائق الممسوكة لدى إدارات أخرى وكذا الوثائق المتحصلة من الملزمين المتعاملين مع المعنيين بالجرائم الضريبية، كما عهد إليها بصلاحيات مهمة من قبيل تحديد وتصحيح أساس الضريبة، أو الأثمان و التصاريح التقديرية ..(انظر المواد 213، 220 و 221 م ع ض).
[29]طالب نور الشرع، م.س، ص: 110.
[30]احمد الخمليشي، م س، ص: 295.
[31]عبد الله سليمان، شرح قانون العقوبات الجزائري –القسم العام-، الجزء الثاني، الجزاء الجنائي، الطبعة السادسة، ديوان المطبوعات الجامعية سنة 2008، الجزائر، ص: 463.
[32]تزخر المدونة العامة للضرائب بالعديد من المقتضيات المتعلقة بالجزاءات المالية وخاصة بفرض الغرامات المتعلقة بمخالفة أحكام الوعاء الضريبي أو مقتضيات التحصيل، فخصصت الجزء الثالث من الكتاب الأول (المادة 184 إلى 209 م ع ض) للجزاءات المالية على شكل غرامات.
[33]حسني محمود نجيب، شرح قانون العقوبات –القسم العام-، المجلد الثاني، الطبعة الثالثة، منشورات الحلبي الحقوقية، بيروث لبنان، دون دكر تاريخ النشر، صفحات: 1019 و1020.
[34] حسن صادق المرصفاوي، التجريم في تشريعات الضرائب، الطبعة الأولى، دار المعارف، مصر، 1979، ص:168
[35]طالب نور الشرع، الجريمة الضريبية، دار وائل للنشر والتوزيع، عمان، 2008، ص: 224.
[36]دليل المحاكم العادلة: منظمة العفو الدولية، مطبعة النجاح الجديدة، الدار البيضاء، ص: 122.
انظر الفصل 17 من القانون الجنائي المغربي.
[37] تجدر الإشارة إلى أن المشرع الفرنسي قد تبنى كذلك العقوبات الحبسية عن الجرائم الضريبية كما تنص على ذلك المادة 1741 من القانون العام للضرائب، إلا أن هذه العقوبة جاءت تم تبنيها كعقوبة أصلية تصل لخمس سنوات، وتصل إلى عشر سنوات.
Jacques grosclaude et philippe marchessou , procédures fisales, dalloz, 1998, p : 177.
[38]هذه العبارة منصوص عليها في الفقرة الأولى من المادة 192 من المدونة العامة للضرائب، حينما نصت في إحدى بنودها على : “في حالة العود إلى المخالفة…”.
[39]محمد بوزكني، الحماية الجنائية لقواعد القانون الجنائي، أطروحة لنيل الدكتوراه في الحقوق، وحدة قانون الأعمال، كلية الحقوق بالبيضاء، 2004-2005. ص 118.
[40]نلاحظ أن الدول اغلب الدول الأوربية قد شددت الجزاءات الخاصة بالجريمة الضريبية:
ففي فرنسا، فتصل العقوبات الجنائية المطبقة على الغش الضريبي بالحبس من سنتين إلى خمس سنوات، وبغرامة تتراوح ما بين 5 آلاف فرنك و500 ألف فرنك فرنسي، ويلاحظ هنا أن المشرع الفرنسي لم يشترط توافر حالة العود، لتوقيع العقوبة الحبسية كما هو الشأن بالنسبة للمشرع المغربي، بل إنه في حالة ثبوتها (أي حالة العود) داخل أجل خمس سنوات، تتم مضاعفة العقوبات، حيث يعاقب المكلف بحبس تتراوح مدته ما بين أربع وعشر سنوات وبغرامة تتراوح ما بين 15.000 فرنك و 700.000 فرنك بالإضافة إلى عقوبات تكميلية (كإشهار العقوبة والإقصاء من تنفيذ الصفقات العمومية…).
أما ألمانيا التي تعتبر عموما إحدى دول المجموعة الاقتصادية الأوروبية، حيث الضمير الجبائي يعد الأكثر تيقظا، فإنها تتوفر على نظام زجري في المجال الجبائي يظهر رادعا بجزاءاته الإدارية والجنائية، فبخصوص الجزاءات الجنائية فنجد أن الغش يعاقب بغرامة مبلغها القصوي يصل إلى 3.6 مليون دتش مارك وحبس من خمس سنوات إلى لأكثر، وقد تصل العقوبة الأخيرة إلى عشر سنوات، في ظروف تعتبر خطيرة كدرجة وأهمية المبالغ المتملص منها ورغبة الملزم في الإثراء عن طريق الغش، واستغلال المستفيد لانتمائه للوظيفة العمومية أو اللجوء إلى مشاركة موظف
[41]على غرار الدول الأوربية نجد بعض التشريعات العربية قد شددت العقوبات حول الجريمة الضريبية في تشريعاتها وضمنتها بعقوبات حبسية وغرامات مالية مهمة:
ففي التشريع التونسي: نجد أن الفصل 83 من مدونة الضرائب الصادرة بقانون 30-10-1989، ينص على غرامة مالية تتراوح ما بين 500 دينار و 10 آلاف دينار وعقوبة حبسية تتراوح ما بين 16 يوما و 5 سنوات، في حق الملزمين الخاضعين للضريبة على الدخل وفقا لنظام الربح الصافي أو للضريبة على الشركات أو شركائهم الذين استعملوا طرقا تدليسية ملحوظة بهدف التملص من الضريبة كليا أو جزئيا.
أما بخصوص التشريع الجزائري، فنجد أن المادة 362 من قانون الضرائب المباشرة والرسوم المماثلة، تنص على غرامة جزائية من 5000 دينار جزائري إلى 20.000 دينار، وبالحبس من سنة إلى 5 سنوات، أو إحدى هاتين العقوبتين فقط، في حق من ارتكب السلوكات المحظورة المنصوص عليها قانونا بصورة حصرية، كما أن العود في أجل خمس سنوات تنتج عنه بحكم القانون مضاعفة العقوبات سواء كانت جبائية أو جزائية، بالإضافة إلى عقوبات تكميلية كإغلاق المؤسسة…





