في الباب المتعلق بآثار الطلاق
ذ. شهبون محمد
محام بهيئة بني ملال
باحث جامعي بكلية الحقوق
السويسي ـ الرباط
مقدمة
إذا كانت مؤسسة الزواج رابطة سماها الحق سبحانه وتعالى الميثاق الغليظ([1]) وعرفتها مدونة الأسرة([2]) بأنها ترابط شرعي بين رجل وامرأة على وجه الدوام هدفه الإحصان والعفاف وبناء أسرة مستقرة تحت إشراف الزوجين.
فإن مؤسسة الطلاق تعد لغما بالنسبة للنظام الأسري والعائلي بصفة خاصة والنظام الاجتماعي بصفة عامة.
وبناء على ذلك فإن الفصل في المنازعات الأسرية، يعد من أكبر وأهم القضايا التي تعرض على قضاء الأسرة وخاصة النزاعات المتعلقة بالطلاق وآثاره.
ومن هذا المنطلق يندرج هذا الموضوع في إطار الطلاق الذي هو حل ميثاق الزوجية، وما كرسته مدونة الأسرة الجديدة من حماية قانونية وقضائية لمؤسسة الأسرة بمختلف مكوناتها وترسيخ قواعد مبنية على العدل، والإنصاف والمساواة ومدى انسجام قواعده مع الاتفاقية الدولية، والإشكالات المطروحة أمام القضاء الأسري بخصوص انحلال ميثاق الزوجية، والنتائج المترتبة عن ذلك على المستوى الأسري والعائلي.
ومنذ صدور مدونة الأحوال الشخصية ما بين 1957 و1958 ونصوصها وخاصة المتعلقة بآثار الطلاق، شكلت موضوع انتقاد من طرف جميع مكونات المجتمع وخاصة أن هذه النصوص لم تعد منسجمة مع طموحات الأسرة المغربية المعاصرة ومع متطلبات المجتمع المدني، مما أدى إلى تكثيف الجهود من طرف المنظمات والجمعيات النسائية وبعض الأحزاب الوطنية والسياسية، الشيء الذي جعل مسألة المطالبة بإصلاح نصوص المدونة مستمرة، وجاءت بعض تعديلات 1993 والتي كانت خطوة أولية نحو الإصلاح الشامل. ومع وصول حكومة التناوب سنة 1998 تضمن تصريحها المقدم أمام البرلمان بغرفيته مشروعا لخطة العمل الوطنية لإدماج المرأة في التنمية والذي تضمن تغييرا لبعض فصول مدونة الأحوال الشخصية ومنها المتعلقة بآثار الطلاق، ومع ذلك فهذا المشروع لم يكتب له النجاح في إبانه، وبعد هبوب رياح التغيير على بلادنا وبروز إرادة سياسية نحو مواكبة التطور والعصر وفتح أوراش الإصلاح على جميع المستويات. أصبح لزاما إخراج مدونة الأسرة إلى حيز الوجود والتي أصبحت سارية المفعول بتاريخ 05/02/04
إن هذه المدونة أتت بمستجدات على مستوى قواعد الطلاق وآثاره مقارنة مع مدونة الأحوال الشخصية، التي لم تكن تستحضر قواعد العدل والإنصاف والمساواة، التي تنص عليها المواثيق الدولية.
ولا ننسى أن بعض الدول المجاورة كانت سباقة في هذا المجال كتونس التي حاولت مسايرة مقتضيات الاتفاقيات الدولية وخاصة تلك المتعلقة بالقضاء على كافة أشكال التمييز ضد المرأة والتي تؤكد على ضرورة المساواة التامة بين الرجل والمرأة في الحق في الطلاق وآثاره وحماية حقوق الأطفال([3]).
ويكستى موضوع الطلاق، وآثاره أهمية بالغة من الناحية النظرية، من خلال الكتابات الفقهية التي تناولته نظرا لما تطرحه من إشكالات قانونية واجتماعية.
ومن الناحية العملية من خلال القضايا المعروضة على أنظار المحاكم بصفة عامة واجتهادات وقرارات المجلس الأعلى بصفة خاصة.
وتكمن أهمية الموضوع من الناحية الاجتماعية أيضا باعتبار آثار الطلاق لا ينعكس على الزوجين فقط بل على الأسرة عامة وعلى الأطفال بصفة خاصة([4]).
وبمصادقة المغرب على الاتفاقيات والمعاهدات الدولية، خاصة الاتفاقيات الدولية للقضاء على كافة أشكال التمييز ضد المرأة وكذا تلك المتعلقة بالطفل، التي تقوم على مبادئ العدل والمساواة والحرية، أصبح بذلك المغرب ملزم باحترامها وتطبيقها.
ومن ثم فالسؤال المطروح هو مدى تكريس المشرع لمبادئ العدل والإنصاف والحرية والمساواة ضمن مدونة الأسرة في الباب المتعلق بقواعد آثار الطلاق انسجاما مع مصادقته على الاتفاقيات الدولية المتعلقة بحقوق الإنسان وخاصة حقوق المرأة والطفل؟
هذا ما سنحاول الإجابة عنه من خلال دراسته في مبحثين: الأول سوف نخصصه لإبراز حقوق الزوجة المطلقة والمبحث الثاني نتطرق فيه إلى حقوق الطفل بعد الطلاق.
المبحث الأول: حقوق الزوجة المطلقة:
أقرت مدونة الأسرة عدة حقوق للمرأة بعد الطلاق، يمكن تقسيمها إلى حقوق مالية، وهو ما سنتناوله في المطلب الأول وحقوق معنوية وهو ما سنتطرق إليه في المطلب الثاني.
المطلب الاول: الحقوق المالية للمطلقة:
يتضح من خلال استقراء الفصل 84 من مدونة الأسرة، أن المشرع رتب على الطلاق عدة حقوق لفائدة الزوجة، عبر عنها بمستحقات بالإضافة إلى نصوص أخرى في المدونة وهي:
1) الصداق المؤخر، 2) المتعة، 3) نفقة العدة، 4) الشوار والجهاز ومتاع البيت، 5) الأموال المكتسبة، 6) الحق في الإرث والتعويض في حالة وفاة المطلق أثناء العدة والتعويض في التطليق للشقاق والتعويض في حالة التطليق للضرر.
الفقرة الأولى: الصداق المؤخر:
يتضح من خلال مقتضيات الفصل 84 من مدونة الأسرة، أن الزوجة المطلقة تستحق الصداق المؤخر إن وجد، ولا تأذن المحكمة بالطلاق إلا بعد إيداع مؤخر الصداق إلى جانب باقي المستحقات بصندوق المحكمة، والقضاء ملزم بالحكم به باعتباره دينا في ذمة الزوجة المطلق على وجه الحلول بعد البناء بها وإذا ادعى الزوج براءة ذمته من المؤخر وجب عليه إثبات ذلك طبقا للقواعد العامة، وبعد إجبار المطلق على إيداع مؤرخ الصداق إلى جانب باقي المستحقات، من أهم المستجدات التي أتت بها المدونة مقارنة مع مدونة الاحوال الشخصية.
الفقرة الثانية: المتعة:
المتعة هي المبلغ المالي المؤدي إلى المرأة بعد الطلاق في بعض حالاته.
ويتضح جليا بمقارنة مدونة الأحوال الشخصية([5]) ومدونة الاسرة بخصوص المتعة يتضح جليا أن المتعة لم تعد تعويضا عن الضرر اللاحق بالزوجة من جراء الطلاق، بل اصبح حقا ماليا للزوجة المطلقة باعتباره من آثار الطلاق، وباعتباره من ضمن المستحقات المالية للزوجة طبقا لأحكام الفصل 84 من مدونة الأسرة، وهكذا فالمتعة قد صارت في مدونة الأسرة حقا للزوجة المنفصلة عن زوجها بسبب الطلاق.
ويستفاد من المادة المذكورة أن المتعة الواجبة للزوجة تقدر بناء على أربعة معايير: تتجلى في فترة الزواج والوضعية المالية للزوج، واسباب الطلاق، ومدى تعسف الزوج في توقيعه، وبذلك فإن هذه المقتضيات تكرس مبادئ العدل والإنصاف المنصوص عليها في المواثيق الدولية.
وقد ذهبت بعض الدول العربية كالجزائر وتونس، إلى أبعد من ذلك، بحيث ميزت بين مبلغ المتعة الواجب على الرجل بعد الطلاق، ومبلغ التعويض عن الضرر اللاحق بالمرأة الذي يؤديه في حالة تعسفه في الطلاق([6]).
الفقرة الثالثة: نفقة العدة:
من بين آثار الطلاق، ما يتعلق بحق المطلقة في استمرار الزوج على الإنفاق عليها، وتحديد نفقتها من طرف المحكمة خلال مدة العدة، وذلك في الحالات التي تعتد فيها المرأة لأنها ما زالت زوجته في الطلاق الرجعي، والجديد في مدونة الأسرة أن المطلقة الحامل تستمر نفقتها إلى أن تضع حملها ولو كان طلاقا بائنا، طبقا للفصل 196 من مدونة الأسرة، وتفرض النفقة على المطلق من تاريخ الطلاق ويراعى في تحديدها الوضعية المالية للزوج.
وإن كان المشرع أشار إلى معايير تحديد النفقة، في الفصل 84 من المدونة فإن مبلغ النفقة المحدد من طرف القضاء لازال هزيلا كما أنه يختلف من محكمة إلى أخرى.
وإذا انتهت العدة فإن المطلقة ينتهي حقها في النفقة ولو قضت مع زوجها مدة لا يستهان بها وبذلك تصبح عرضة للعوز المالي وخاصة إذا لم يكن لها عائلة أخرى أو مورد رزق آخر مما يزيد من معاناة المطلقة في غياب الجهة الاحتياطية التي تتولى رعايتها بعد مضي مدة العدة، وإذا كانت أنظمة الضمان الاحتياطي تعتني بالأسرة جزئيا وتقدم خدماتها عادة بعد وفاة الزوج فإنها لا تهتم بالمرأة وهي مطلقة، وبذلك فإن تخلي المجتمع والدولة عن المرأة المطلقة بعد انقضاء عدتها من شأنه الإخلال بحقها في الحياة بجميع مظاهرها وهذا يقتضي تدخل المشرع لحماية المرأة المطلقة بعد انتهاء عدتها، وفرض جراية أو إيراد لها من صندوق الدولة كما هو معمول به في تونس.
ولذلك يتعين إخراج هذا الصندوق والمسمى صندوق التكافل العائلي إلى الوجود لحل مشكل نفقة المرأة المطلقة بعد انتهاء عدتها وكذا نفقة أبنائها في حالة امتناع المطلق عن الإنفاق أو عسره ويمكن الاستفادة في هذا الصدد من تجربة القانون التونسي الصادر في هذا الموضوع بتاريخ 5 يوليو 1993 بالمتعلق بإحداث صندوق ضمان النفقة وجراية الطلاق([7]).
الفقرة الرابعة: الشوار والجهاز ومتاع البيت:
تطرقت المدونة إلى حق المرأة المطلقة في أخذ متاعها من جهاز وشوار باعتباره ملكا لها أتت به أثناء إبرام عقد الزواج، ولا يمكن للزوج أن ينازعها في ملكيته، وإذا وقع نزاع حول الأمتعة الأخرى الموجودة داخل بيت الزوجية فإنه يرجع في ذلك إلى القواعد العامة في الإثبات طبقا للفصل 34 من مدونة الأسرة وفي حالة انعدام وسائل الإثبات من طرف الزوجين لإثبات ملكية المتنازع فيه تطبق قاعدة اليمين بالنسبة للزوج لأخذ ما هو معتاد للرجال ويمين المطلقة لأخذ ما هو معتاد للنساء وإذا كان المتنازع عليه معتاد للرجال والنساء يحلفان معا ويتقسمانه.
ومن القواعد التي قررها المجلس الأعلى([8]) في هذا الصدد، أن ما ضمن بعقد الزواج أنه متاع في ملكية الزوجة فهو لها يجب أن تسترده في حالة الطلاق.
الفقرة الخامسة: حق المرأة المطلقة في الأموال المكتسبة خلال الحياة الزوجية في حالة إثبات إبرام اتفاق بشأن ذلك:
يتضح من مقتضيات المادة 49 من مدونة الأسرة، أن لكل واحد من الزوجين ذمة مالية مستقلة عن الآخر يتصرف فيها كيف يشاء، وبذلك يجوز للزوجين أن يتفقا، في إطار تدبير الأموال التي ستكتسب خلال الحياة الزوجية، على استثمارها وتوزيعها، غير أن هذا الاتفاق يجب أن يكون مضمنا في وثيقة مستقلة عن عقد الزواج.
وعندما يثار النزاع بين الزوجين بعد انفصام العلاقة الزوجية، فإن الزوجة المطلقة يمكنها إثبات الاتفاق المتعلق بتدبير الأموال المكتسبة أثناء العلاقة الزوجية، لاستحقاقها لنصيبها في تلك الأموال التي تراكمت أثناء قيام العلاقة الزوجية ولكن السؤال الذي يثار هل تستحق المطلقة نصيبا من أموال الزواج إذا لم يمكن هناك اتفاق؟ للجواب على هذا السؤال فإن مقتضيات الفصل 49 من المدونة واضحة في هذا المجال لأنها تحيل على القواعد العامة في الإثبات مع مراعاة عمل كل واحد من الزوجين وما قدمه من مجهودات وما تحمله من أعباء لتنمية أموال الأسرة وهذا ما عبر عنه الفقه الإسلامي “بحق الكد والسعاية” الذي يتعين على المرأة إثباته طبقا لما ذهب إليه المجلس الأعلى في قراره قبل صدور المدونة “حق السعاية يجب إثباته والمحكمة غير ملزمة بأي إجراء من إجراءات التحقيق لأن ذلك يدخل في سلطتها التقديرية طالما أن الأمر بتكملة الحجج موكول للأطراف وحدهم”([9]).
وبناء على ذلك، فإن مقتضيات الفصل 49 من المدونة جاءت لمعالجة الوضع السائد قبل صدورها وذلك لدفع الظلم الذي كان يترتب عليه، والذي يمس الحقوق المالية للزوجة وبذلك أصبح الزوجان متساويان في إبرام عقد يبين كيفية تدبير الأموال المشتركة وفي هذه الحالة تطبق قاعدة العقد شريعة المتعاقدين.
الفقرة السادسة: حق الإرث والتعويض عن الضررين المادي والمعنوي في حالة وفاة الزوج قبل انتهاء العدة طبقا للفصل 329 من مدونة الأسرة والفصلين 1 و 11 من ظهير 02/10/1984
والتعويض في التطليق للشقاق إذا كان الزوج هو المتسبب في الفراق والتعويض في حالة التطليق للضرر
لقد اعتبرت مدونة الأسرة، المرأة المطلقة من طلاق رجعي لازالت على ذمة زوجها المطلق وخولها حق الإرث في حالة وفاته أثناء العدة كما تستحق تعويضا عن الضرر المادي والمعنوي في حالة وفاة المطلق قبل انتهاء العدة بسبب حادثة سير، طبقا لمقتضيات ظهير 2/10/1984 في فصله الرابع والحادي عشر([10]).
ومن ضمن المقتضيات ذات الدلالة على رغبة المشرع في رفع الحيف على المرأة استحقاقها للتعويض في حالة التطليق للشقاق، إذا كان الزوج هو المتسبب والمسؤول عن الفراق طبقا للفصل 97 من المدونة، وكذا تعويضا في حالة التطليق للضرر طبقا للفصل 101 من المدونة.
المطلب الثاني: الحقوق المعنوية للمرأة المطلقة
يترتب على انتهاء العلاقة الزوجية بالطلاق تمكين المرأة من حقوق معنوية تتجلى في العدة والسكن وحقها في رفض الرجعة واللجوء إلى الشقاق، وهو ما سنتناوله في ثلاث فقرات:
الفقرة الأولى: العدة:
تعتبر العدة حقا للمرأة المطلقة، لأنها الفترة الواجب عليها قضاءها بعد الطلاق، ويمنع خلالها الزواج برجل آخر، وقد وردت بشأنها عدة آيات قرآنية منها: الآية 1 من سورة الطلاق([11]) والآية 45 من سورة الأحزاب([12])، كما تطرقت إليها مدونة الأسرة في الفصول من 129 إلى 137، ومن حكمها التأكد من عدم الحمل لتفادي النزاعات بخصوص النسب، وهي فرصة للزوجين لمراجعة نفسهما لتقدير أهمية وجسامة ما حصل بينهما([13])، وتبتدئ مدتها من تاريخ الطلاق أو التطليق وتنتهي بالنسبة للمرأة الغير الحامل بثلاثة أطهار كاملة لذوات الحيض أو ثلاثة أشهر لمن لم تحض أصلا، أو التي يئست من المحيض فإن حاضت قبل انقضائها استأنفت العدة، في حين أن مدة العدة تسعة أشهر بالنسبة للمتربصة متأخرة الحيض أو التي لم تميزه عن غيره، أما بخصوص المرأة الحامل تمتد عدتها إلى حين وضع حملها والمتوفي عنها زوجها أثناء العدة تنتقل من عدة الطلاق إلى عدة المتوفي عنها غير الحامل، وهي أربعة أشهر وعشرة أيام كاملة.
والمستجد في مدونة الأسرة، أن المشرع حسم إشكالية بداية العدة بمقتضى الفصل 129 من مدونة الأسرة، الذي اعتبر بداية العدة من تاريخ الطلاق أو التطليق أو الوفاة أو الفسخ، مع ملاحظة أن عدة الطلاق الرجعي تبتدئ من تاريخ الإشهاد على الطلاق لدى العدلين وليس من تاريخ صدور الحكم بالطلاق.
وقد عالج القضاء المغربي عدة قضايا تهم فترة العدة، ففي قرار المجلس الأعلى بتاريخ 16 مارس 1981 “لا تهدف المرأة في جميع الأحوال في ادعائها انقضاء العدة بل إن ذلك مقيد بأن يكون الادعاء مشبها..
تصديق المرأة فيما يشتبه يدخل في باب السياسة الشرعية التي تحمل المطلق على الإسراع في استعمال حق الرجعة قبل أن تجد المرأة وسيلة للخلاص وللارتباط من جديد”([14]).
الفقرة الثانية: حق السكن:
أما فيما يتعلق بسكنى الزوجة المطلقة خلال فترة العدة فإن الأصل هو بقاؤها ببيت الزوجية، وفي حالة وجود ضرورة معينة تبرر عدم تواجد الزوجة المطلقة أثناء فترة العدة خارج بيت الزوجية، يتعين توفير سكن ملائم يراعى الوضعية المادية للزوج المطلق، فإن تعذر ذلك حددت المحكمة تكاليف السكن في مبلغ يودعه كذلك مع باقي المستحقات([15])، لكن الإشكالية التي تثار والتي لازال القضاء الأسري وكذلك المجلس الأعلى لم يحسم فيها وهي وضعية المطلقة بعد انتهاء العدة، وخاصة إذا كانت حامل أو حاضنة، وقد صدرت بعض القرارات المتضاربة عن المجلس الأعلى قبل صدور المدونة تارة تؤيد حق المطلقة الحاضنة في اعتمار السكنى ولو بعد انتهاء العدة الشرعية، كما هو الشأن بالنسبة للقرار عدد 1245 الصادر بتاريخ 4 ابريل 2002 الملف الشرعي 2039/3/2/2000 والمنشور بكتاب قرار المجلس الأعلى بغرفتين أو بجميع الغرف من إعداد إدريس بلمحجوب: “… الحاضنة المطلقة تمتد شرعية تواجدها ببيت مطلقها بعد انتهاء العدة من كونها حاضنة لأبنائها القاصرين من مطلقها.
القرار الذي اعتبر بأن المطلقة محتلة دون أن يتأكد من كون مطلقها قد هيأ لها ولمحضونيها بالتبعية مسكنا معينا أو مبلغا ماليا مناسبا لحالته المادية، يبقى تعليله تعليلا خاطئا ـ يوازي انعدامه ويعرض للنقض”.
وهناك بعض القرارات القضائية التي تعتبر المطلقة محتلة للسكن بدون سند بعد انتهاء العدة ولو حاضنة، كما هو الشأن بالنسبة للقرار عدد 3103 الصادر عن المجلس الأعلى في الملف عدد 103 الصادر بتاريخ 19/12/31 في الملف عدد 381/05 “لا حق للمطلقة في احتلال بيت الزوجية بعد انتهاء عدتها.
إذا كانت المطلقة حاضنة تستحق على المطلوب المطلق أجرة حضانتها ونفقة اولادها منه.. فلها أن تطلق ذلك بصفة قانونية لا أن تستمر في احتلال الدار بعد انتهاء العدة”.
ويرجع هذا التباين في العمل القضائي إلى وجود فراغ في مدونة الأحوال الشخصية بخصوص إشكالية سكنى المطلقة الحاضنة، وهو ما تنبهت إليه مدونة الأسرة التي أقرت من خلال الفصل 168 من مدونة الأسرة استقلالية واضحة بين مصاريف سكنى المحضون وبين أجرة النفقة، والحضانة وغيرها من التكاليف الأخرى، وفي حالة عدم تملك الأب لمسكن يتعين وجوبا أن يهيئ لهم سكنا يتناسب و وضعيتهم، وإلا فإنه ملزم بسداد المبلغ الذي تقدره المحمكة لكرائه.
ويتضح من خلال الفصل 168 من مدونة الأسرة أن المشرع بدأ يقتنع ولو ضمنيا بأن المطلقة تستمد شرعية تواجدها وحقها في السكنى بعد انتهاء العدة من محضونها، ولكن المشكل يثار إذا كانت المطلقة بدون أبناء أو سقطت أو انتهت حضانتها عن الأبناء لسبب من الأسباب المذكورة في المدونة هل تبقى معتمرة لمنزل مطلقها؟ أو يتعين عليها إفراغه؟
للجواب على هذا التساؤل فإن المشرع لازال لم يحسم بمقتضى النص صراحة، وضعية المطلقة بدون أبناء بعد انتهاء عدتها، أو التي سقطت حضانتها، ولذا فإن المعول عليه في هذا الصدد هو الاجتهاد القضائي لسد هذا الفراغ التشريعي.
ومن هذا المنطق فإن مقتضيات مدونة الأسرة بخصوص سكني المطلقة الحاضنة، أو التي أنتهت حضانتها لازالت بعيدة عن المواثيق الدولية التي صادق عليها المغرب والمتعلقة بحقوق الإنسان، واتفاقية القضاء على كافة اشكال التمييز ضد المرأة، وخاصة الفصل 2 من الاتفاقية التي تنص على اتخاذ جميع التدابير المناسبة لإلغاء القوانين والأعراف والأنظمة القائمة، التي تشكل تمييزا ضد المرأة، ولتبرير الحماية القانونية الكافية لتساوى الرجل والمرأة في الحقوق([16]).
الفقرة الثالثة: حق رفض الرجعة واللجوء إلى مسطرة التطليق للشقاق:
إذا كان الزوج من حقه أن يعيد مطلقته في الطلاق الرجعي ولو بغير رضاها أو علمها بذلك في ظل مدونة الأحوال الشخصية، فإن مدونة الأسرة في الفصل 124 أوجبت على العدلين إخبار القاضي بالرجعة الصادرة من الزوج، والقاضي ملزم بإخبار الزوجة بالرجعة قبل الخطاب على الوثيقة، وبالتالي من حق الزوجة رفض هذه الرجعة وسلوكها مسطرة تطليق للشقاق، يتضح من هذا أن مدونة الأسرة أقرت نوعا من المساواة بين الرجل والمرأة لممارسة حق الطلاق والرجعة وبذلك تكون المدونة قد كرست مبادئ المساواة المنصوص عليها في الاتفاقية الدولية وخاصة المتعلقة بالقضاء على كافة أشكال التمييز ضد المرأة.
المبحث الثاني: حقوق الطفل بعد الطلاق:
إن أهم التمظهرات الحضارية للأمم، تترجم ميدانيا، وتقاس في مدى اهتمام تلك الأمم بالجانب الطفولي في التركيبة البشرية لمنظومتها المجتمعية، ونظرا لما تكتسيه وضعية الطفل من أهمية وخاصة بعد الطلاق فإن المشرع حاول صياغة نصوص مدونة الأسرة إلى أبعد ما يسمح به الوضع، لملائمة نصوصها مع الاتفاقيات الدولية العامة التي تنظم مجال حقوق الإنسان ككل أو الخاصة التي تهدف إلى النهوض بأوضاع الطفل: وهو ما سنتناوله في هذا المبحث لبيان الحد الذي بلغه المشرع في ملائمة نصوص المدونة مع الاتفاقيات المشار إليها أعلاه لحماية الأطفال من آثار الطلاق. وهو ما سنتطرق إليه في مطلبين: الأول سنعالج فيه حقوق الطفل في إطار الفصل 54 من مدونة الأسرة، والمطلب الثاني سنخصصه لمظاهر تلائم نصوص مدونة الأسرة مع مقتضيات الاتفاقيات الدولية المتعلقة بحقوق الطفل بعد انتهاء العلاقة الزوجية بالطلاق.
المطلب الأول: حقوق الطفل في إطار الفصل54
من مدونة الأسرة:
لقد تناولت مدونة الأسرة في الفصل 54 حقوقا يتمتع به الطفل سواء أثناء قيام العلاقة الزوجية أو بعد حل ميثاق الزوجية بالطلاق.
تجدر الإشارة قبل التطرق لما تضمنته المادة 54 من مدونة الأسرة، أن الفقرة الثالثة من المادة 51 تنص على المسؤولية المشتركة لكل من الزوجين في تسيير ورعاية البيت والأطفال وذلك انسجاما مع ما تضمنته المادة 18 من اتفاقيات حقوق الطفل التي تنص على: “تبذل الدول الأطراف قصارى جهدها لضمان الاعتراف بالمبدأ القائل إن كلا الوالدين يتحملان مسؤوليات مشتركة عن تربية الطفل ونموه…”.
إن الفصل 54 من مدونة الأسرة، أقر مجموعة من الحقوق التي تؤكد الاتجاه الفعلي للمدونة في الاهتمام برعاية الطفل، وفي تبنى الاتفاقيات الدولية كمرجعية لهذه الحقوق.
ومن ثم سنحاول رصد مختلفة هذه الحقوق بنفس الترتيب الذي جاء في هذه المادة في أربع فقرات.
الفقرة الأولى: حق الطفل في الحياة:
وقد أقرت مدونة الأسرة حماية حق الطفل في حياته وصحته منذ الحمل إلى حين بلوغه سن الرشد، وذلك توافقا مع ما نصت عليه المادة 6 من اتفاقية حقوق الطفل بالنسبة للحق في الحياة، التي توجب على الدول الاعتراف بأن لكل طفل حق في الحياة، وتكفل الدول الأطراف الى أقصى حد ممكن بقاء الطفل ونموه. أما بالنسبة للحق في الصحة فقد نصت المادة 24 من الاتفاقية على أن الدول الأطراف تعترف بحق الطفل في التمتع بأقصى مستوى صحي، وتبذل قصارى جهدها لتضمن ألا يحرم أي طفل من حقه في الحصول على خدمات الرعاية الصحية، وفي نفس هذه السياق نصت الفقرة 5 من مدونة الأسرة على ضرورة اتخاذ كل التدابير الممكنة للنمو الطبيعي للأطفال بالحفاظ على سلامتهم الجسدية والنفسية والعناية بصحتهم وقاية وعلاجا.
الفقرة الثانية: الحق في الهوية والجنسية:
لقد أكدت مدونة الأسرة العمل على تثبيت هوية الطفل والحفاظ عليها خاصة بالنسبة للاسم والجنسية والتسجيل في الحالة المدنية وهذه هي العناصر الأساسية المكونة للشخصية القانونية للطفل وهويته، لذلك فالطفل من حقه أن يحصل على اسم شخصي وعائلي وحقه في التسجيل في دفتر الحالة المدنية، بالتصريح بالولادة لدى ضابط الحالة المدنية ولو كان الطفل مجهول الأبوين أو متخلي عنه، ويقع التصريح وفق ما تنص عليه المادة 16 وما بعدها من القانون المتعلق بالحالة المدنية، وبذلك فإن هذه المقتضيات تتوافق مع ما جاء في المادة 7 من الاتفاقية الدولية لحقوق الطفل والتي تنص في فقرتها على أنه: “يسجل الطفل بعد ولادته فورا ويكون له الحق منذ ولادته في اسم، والحق في اكتسابه الجنسية…” وكذلك ما نصت عليه المادة 8 من الاتفاقية الدولية المشار إليها أعلاه.
الفقرة الثالثة: الحق في التوجيه الديني
قد أشارت المدونة إلى حق التوجيه الديني والتربية على السلوك القديم، وقيم النبل المؤدية إلى الصدق في القول والعمل، واجتناب العنف المفضي إلى الإضرار الجسدي والمعنوي، والحرص على الوقاية من كل استغلال يضر بمصالح الطفل، وتجدر الإشارة بخصوص هذه الفقرة من المادة 54 أنها تتلاءم في جانب فقط منها مع الاتفاقية الدولية لحقوق الطفل وهو الجانب المتعلق بحماية الطفل من الاستغلال والعنف، والذي يتلاءم مع المواد 32 و33 و34 و36 من الاتفاقية، ويبقى الجانب الآخر المتعلق بالتوجيه الديني غير متوافق مع هذه الاتفاقية الدولية التي تنص في المادة 14 على أنه: “تحترم الدول الأطراف حق الطفل في حرية الفكر والوجدان والدين”، وذلك اعتبارا أن المغرب دولة إسلامية ينص دستورها على أن دين الدولة هو الإسلام، لذلك لا تعطي الحرية للأطفال في تبنى دين آخر، وقد تحفظ المغرب على مسألة التوجيه الديني، وجاء التحفظ بالصيغة التالية: “إن حكومة المملكة المغربية التي يضمن دستورها لكل واحد حرية ممارسة شؤونه الدينية تتحفظ على أحكام المادة 14 التي تعترف للطفل بالحق في حرية الدين نظرا لأن الإسلام هو دين الدولة”.
الفقرة الرابعة: الحق في التعليم والتأهيل للحياة العملية:
من حق الطفل على أبويه طبقا للفصل 54 من المدونة حقه في التعليم والتأهيل الذي يؤهله للحياة العملية وللعضوية النافعة في المجتمع، على الآباء أن يهيئوا لأولادهم قدر المستطاع الظروف الملائمة لمتابعة دراستهم حسب استعدادهم الفكري والبدني، وبذلك فإن هذه المقتضيات تتلاءم مع المادة 28 من اتفاقية حقوق الطفل.
إلى جانب حقوق الطفل السليم أقرت مدونة الأسرة في المادة 54 برعاية خاصة للطفل المعاق، لا سيما التعليم والتأهيل المناسبان لإعاقته، قصد تسهيل إدماجه في المجتمع، وذلك تماشيا مع ما نصت عليه المادة 23 من الاتفاقية الدولية لحقوق الطفل، التي أكدت على ضرورة تمتع الطفل المعاق عقليا أو جسديا بحياة كاملة كريمة، في ظروف تكفل له كرامته وتعزز اعتماده على النفس، وتيسر مشاركته الفعلية في المجتمع، وأخيرا فإن من أهم ما جاءت به هذه المادة هو تحميل الدولة جزءا من المسؤولية والنيابة العامة توافقا مع الاتفاقية الدولية.
المطلب الثاني: مظاهر تلاءم نصوص مدونة الأسرة مع مقتضيات الاتفاقيات الدولية لحقوق الطفل بعد انتهاء العلاقة الزوجية بالطلاق:
تتجلى مظاهر تلائم نصوص مدونة الأسرة مع مقتضيات الاتفاقيات الدولية على عدة مستويات، وذلك على مستوى المسطرة القضائية، وعلى مستوى النفقة والسكن، وعلى مستوى حضانة الطفل ونسبة وهو ما سنتناوله في أربع فقرات:
الفقرة الأولى: المسطرة القضائية:
إن المشرع حماية منه لأطفال الطلاق أخضع الطلاق للمسطرة القضائية، وأوكل للقضاة مهمة حماية الطفل مراعيا في ذلك مصلحتهم الفضلى، وخص هذه المصلحة بمجموعة من المقتضيات التي تضمن حماية الطفل، فألزم القضاء على تكرار محاولة الصلح بين الزوجين في حالة وجود أطفال طبقا للمادة 82 من المدونة، كما يجب أن يتضمن طلب الإذن بالإشهاد على الطلاق، عدد الأطفال إن وجدوا وسنهم ووضعهم الصحي والدراسي، طبقا للمادة 80 من المدونة. كما منع الخلع بشيء تعلق به حق الأطفال طبقا للمادة 119 من المدونة كما منح المحكمة في المادة 121 سلطة اتخاذ التدابير المؤقتة التي تراها مناسبة للزوجة والأطفال تلقائيا، أو بناء على طلب، وتنسجم هذه المقتضيات مع ما نصت عليه الكثير من مواد الاتفاقيات الدولية لحقوق الطفل، التي تؤكد ضرورة استحضار المصلحة الفضلى للطفل واتخاذ التدابير اللازمة لحمايته، خاصة ما نصت عليه الفقرة الأولى من المادة 3 من اتفاقية حقوق الطفل: “في جميع الإجراءات التي تتعلق بالأطفال سواء قامت بها مؤسسات الرعاية الاجتماعية العامة أو الخاصة، أو المحاكم أو السلطات الإدارية أو الهيئات التشريعية، يولي الاعتبار الأول لمصالح الطفل الفضلى” ويبقى هذا المجال واسعا للقضاء المغربي لكي يقوم بدوره الكامل في تفعيل هذه المقتضيات لحماية أطفال الطلاق مستحضرا في ذلك مصلحتهم الفضلى.
الفقرة الثانية: النفقة والسكن:
تعتبر النفقة حقا أساسيا للطفل نظرا لطابعها المعيشي والاجتماعي، وحاجة الطفل إليها لتحقيق ضرورياته، لذلك فقد نصت مدونة الأسرة على مجموعة من المقتضيات التي تعزز اكتساب الطفل لحقه هذا، فعلى مستوى المكلف بالإنفاق، فإن الأب مكلف بالإنفاق على أولاده حسب ما نصت عليه المادة 198 من مدونة الأسرة، وأهم ما جاءت به في هذا الأمر إلزام الأب بالنفقة على الأولاد عند عجز الأب عن الإنفاق كليا أو جزئيا على أولاده طبقا للمادة 193 من المدونة، وعلى مستوى مشمولات النفقة فقد نصت المدونة على حق الطفل في السكنى مستقلا عن النفقة حتى تضمن للطفل حقه هذا وتحميه من التشرد، وتكون بذلك قد صححت الوضع الذي كان يطرح عدة إشكالات في إطار مدونة الأحوال الشخصية، حيث كانت النفقة التي يحكم بها غالبا هزيلة لا تكفي لتوفير ضروريات الحياة ومنها السكن، لذلك ألزمت الأب بأن يهيئ مسكنا ملائما لأبنائه، ولا يفرغ المحضون، وعليه أن يؤدي المبلغ الذي تقدره المحكمة لكرائه كما على المحكمة أن تحدد في حكمها الإجراءات الكفيلة بضمان استمرار الأب في تنفيذ المحكوم به عليه مع اعتبار تكاليف سكني المحضون مستقلة في تقدرها عن النفقة وأجرة الحضانة وغيرها طبقا للفصل 168 من المدونة.
وعلى مستوى مسطرة الحكم بالنفقة فإن المحكمة تبت في مستحقات الأطفال المحددة في المادتين 84 و86 في نفس الوقت الذي تبت فيه دعاوى التطليق طبقا للمادة 113، كما نصت المادة 45 على أجل قصير لإيداع المبلغ المقابل لحقوق المطلقة والأولاد وهو 7 أيام، كما أن المادة 171 من مدونة الأسرة حصرت أجل البت في القضايا المتعلقة بالنفقة، في شهر واحد، بعد أن كان أمد الدعوى يمتد لشهور عديدة، كما أن تحديد مستحقات الأطفال يكون على أساس مراعاة الوضعية المعيشية والتعليمية التي تكون أو كانوا عليها قبل وقوع الطلاق طبقا للمادة 85 من مدونة الأسرة، وبهذا تكون مدونة الأسرة قد حققت حماية لنفقة الطفل وسكنه، تتلاءم والمقتضيات المقررة في اتفاقية حقوق الطفل خاصة ما تضمنته المادة 27 التي تلزم الدول الأطراف والأبوين بتحقيق مستوى معيشي ملائم لنمو الطفل البدني والعقلي والروحي والمعنوي والاجتماعي، ولاتخاذ التدابير المناسبة لكفالة تحصيل نفقة الطفل من الوالدين أو من الأشخاص الآخرين المسؤولين ماليا على الطفل.
الفقرة الثالثة: الحضانة:
تعتبر الحضانة من أهم آثار الطلاق، وهي تمارس من طرف الأبوين معا أثناء قيام العلاقة الزوجية، غير أن أغلب مشاكلها لا تثار إلا بعد انفصام العلاقة الزوجية بالطلاق، وأصل تلك المشاكل ناتج عن إسناد الحضانة لأحد الأبوين دون الآخر، وقد نظم المشرع المغربي أحكام الحضانة في المواد من 163 إلى 186 في القسم الثاني، من الكتاب الثالث لمدونة الأسرة، ومن هذا يتبين الاهتمام الفائق للمشرع بموضوع حق الطفل بالحضانة، لذلك فقد حظي بمجموعة من الضمانات التي تخول له استيفاء كامل حقه والتي تتوافق مع ما جاء في الاتفاقيات الدولية لحقوق الطفل، ومن ذلك: توحيد سن اختيار المحضون لحاضنة طبقا للفصل 166 من المدونة وذلك انسجاما مع المادة 2 من الاتفاقية الدولية لحقوق الطفل التي تمنع التمييز بين الأطفال لأي سبب كان. كما أن من أهم ما جاءت به المدونة في هذا المجال هو ما نص عليه الفصل 186 من المدونة من مراعاة مصلحة المحضون في تطبيق المواد المتعلقة بالحضانة، وبذلك تكون قد وسعت من صلاحيات القضاء في اتخاذ ما يراه مناسبا في أحكام الحضانة، لا تقيده في ذلك إلا مصلحة المحضون، ومن بين أهم المواضيع التي تتدخل فيها المحكمة: حل الخلاف الذي يمكن أن يحصل بين النائب الشرعي والحاضنة طبقا للمادة 164 من المدونة، وكذلك تنظيم حق الزيارة الذي تنظمه المواد من 180 إلى 185، لتضمن بهذا حق اتصال الطفل بأبويه، والتمتع برعايتهما المشتركة وبمقارنة ما أقرت به مدونة الأسرة في موضوع الحضانة مع ما تقتضيه نصوص الاتفاقية الدولية لحقوق الطفل خاصة منها المادة 20 التي تؤكد على ضرورة ضمان الدول الأطراف وفق القوانين الوطنية رعاية بديلة للطفل المحروم بصفة مؤقتة أو دائمة من بيئته العائلية، ومن بين أشكال الرعاية ما نصت عليه المادة 9 من الاتفاقية التي تلزم الدول باحترام حق الطفل المنفصل عن والديه أو احدهما في الاحتفاظ بصورة منتظمة بعلاقات شخصية واتصالات مباشرة بكلا والديه إلا إذا تعارض ذلك مع مصالح الطفل الفضلى، وبذلك نلاحظ أن المدونة قد أقرت نظاما حمائيا للمحضون يتلاءم ومبادئ هذه الاتفاقية.
الفقرة الرابعة: النسب
تنص المادة 8 من اتفاقية حقوق الطفل: “تتعهد الدول الأطراف باحترام حق الطفل في الحفاظ على هويته، بما في ذلك جنسيته واسمه وصلاته العائلية على النحو الذي يقره القانون…” والحفاظ على صلات الطفل العائلية تقضي اتخاذ كل التدابير لإقرار حق الطفل في نسبه إلى أبويه. وقد جاءت مدونة الأسرة بكثير من المقتضيات التي تعزز اكتساب الطفل لحقه في النسب، خاصة أن هذا الحق تترتب عليه حقوق كثيرة أخرى، فبه يثبت له حق الإرث أو به تثبت حقوق وواجبات الأبوة والبنوة طبقا للمادة 145 من المدونة وكذلك حقه في الرعاية والتربية والنفقة، وبذلك فإن مدونة الأسرة في الفصل 151 من المدونة: “يثبت النسب بالظن ولا ينتفي إلا بحكم قضائي” ومفاد هذه القاعدة أن إثبات النسب لا يحتاج في تأكيده عادة إلى حكم يصدر عن القضاء اللهم إذا نازع فيه صاحب مصلحة، وتماشيا مع هذا فإن نفي النسب ليس سهلا، إنما لا ينتفي إلا بواسطة حكم يصدر عن المحكمة المختصة، إضافة إلى ذلك تم التوسيع من دائرة إثبات النسب بالنص على الخبرة الطبية كوسيلة شرعية للإثبات طبقا للمادة 158 من المدونة وكذلك السماح بلحوق النسب في بعض الظروف الاستئنائية، فبالنص على الخبرة الطبية كوسيلة شرعية للإثبات يكون المشرع قد حل إشكالية عويصة جدا كانت مطروحة في إطار مدونة الأحوال الشخصية، حيث غالبا ما كان يرفض القضاء المغربي الإثبات عن طريق الخبرة الطبية أو بتعبير أدق “البصمة الوراثية” على اعتبار أنها ليست من الوسائل المقررة شرعا لإثبات النسب، ولقد كان هذا الاجتهاد الذي تواتر عليه القضاء المغربي منتقدا بشدة، ولا يخدم المصلحة الفضلى للطفل، لذلك كان أغلب الفقه يدعو القضاء المغربي الى ضرورة الأخذ بنتائج البحث العلمي في مجال الخبرة الطبية لإثبات النسب أو نفيه، فهي نتائج أبحاث علمية لفكر إنساني، تخدم العدالة وتخدم مصالح الطفل بالأساس، وقد استجاب المشرع الغربي لنداء الفقه في أول فرصة سنحت له للتعديل وأصلح الوضع الذي كان قائما بالنص ـ كما قلنا ـ على اعتبار الخبرة الطبية وسيلة من الوسائل الشرعية لإثبات النسب، بالإضافة الى ذلك فقد سمح المشرع بإثبات النسب ولحوقه في بعض الحالات الاستثنائية كما في حالة إلحاق ابن المخطوبة بنسب أبيه إذا توفرت مجموعة من الشروط التي تم النص عليها في المادة 156 من مدونة الأسرة، كما تم التوسيع من دائرة إثبات الزوجية اعتمادا على سائر وسائل الإثبات وكذا “الخبرة” وتراعى المحكمة في ذلك وجود أطفال أو حمل ناتج عن العلاقة الزوجية طبقا للمادة 16 من المدونة، وكذلك التنصيص على قرار ثبوت البنوة بالنسبة للأم واعتبارها شرعية بإقرارها، أي في حالة الشبهة والاغتصاب طبقا للمادة 147 من المدونة، وعموما فإننا نلتمس من خلال أحكام النسب اتجاه المشرع إلى تدعيم مجال حقوق الطفل وملائمة نصوص المدونة مع الاتفاقيات الدولية التي صادق عليها، ويبقى على القضاء المغربي الاتجاه في سبيل تكريس هذه الحقوق حتى لا تفقد النصوص معناها.
خاتمة
إن مصادقة المغرب على المعاهدات الدولية المشار إليها أعلاه، جاء ليكرس حماية حقوق المرأة من الظلم والاضطهاد، وكذا حماية حقوق الطفل، وخاصة بعد انتهاء العلاقة الزوجية بالطلاق.
إن قبول المغرب المصادقة على هذه المعاهدات لم يأت بالصدفة ولكن كان نتاج نضالات الحركات النسائية وفعاليات المجتمع المدني، وضغوط المنظمات الدولية، وهو الذي ترتب عنه تكريس مجموعة من القواعد والمبادئ التي تتعلق بالعدل والإنصاف والمساواة وإقرار مجموعة من الحقوق والضمانات لفائدة كيان الأسرة، وخاصة بعد الطلاق الذي يعد زعزعة لاستقرار الزواج، وما يتركه من آثار سلبية على المطلقين وعلى أولادهم وعلى المجتمع بأسره.
وإذا كنا قد تطرقنا إلى آثار الطلاق على المرأة والأطفال فهذا لا يعني أن الزوج المطلق لا يترتب عن طلاقه آثار لفائدته، بل هو من حقه زيارة الأبناء ومن حقه مراقبة أحوال المحضون والمطالبة بإسقاط حضانة الحاضنة في بعض الحالات كما أن الطلاق يوجب على المطلقة الانفاق على الأبناء إذا كانت موسر، وكان الزوج المطلق معسرا.
إن النصوص القانونية على أهميتها لا تنشئ لوحدها إصلاحا، لأن قضية الإصلاح في هذا المجال قضية مركبة، تتداخل فيها أبعاد قانونية ومؤسساتية وثقافية تربوية، لذا فتفعيل نص المدونة وإنتاجه للثمار المرجوة غير ممكن ما لم يتم إعداد قضاة متخصصين أكفاء، بما يجعلهم قادرين على تجسيد أبعاد النص وترجمته على أرض الواقع، والأهم من ذلك العمل على رفع المستوى الثقافي والتربوي للمواطن لتمكينه من عقلية مواطنة متفتحة ومتنورة لاستيعاب النص بروحه وأبعاده ودلالاته.
إن الحقوق الأساسية المترتبة على الطلاق لفائدة المطلقة والطفل لا يكفي الإعلان عنها أو إقرارها، بل يجب تحديد وتفعيل الإجراءات العملية لكيفية الحصول عليها، وهذا لا يتأتى إلا بتضافر جهود كل القطاعات المعنية من سلطات إدارية وقضائية وجمعيات المجتمع المدني.
إن مشرع مدونة الأسرة لم يستحضر قواعد القانون الدولي الخاص المتعارف عليها، وفق المعايير الدولية، بالنسبة لآثار الطلاق، مع العلم أنه بقى متمسكا من حيث المبدأ بالقانون الشخصي وفقا للقاعدة العامة الواردة في تنازع القوانين المغاربية والتي تقضي بخضوع الأحوال الشخصية للأجانب لقانونهم الوطني، ولذلك فإنا لمشرع مدعو للانفتاح على المفاهيم الوضعية المعمول بها في القانون الدولي الخاص، واتباع قاعدة التحليل التنازعي حينما يعرض نزاع يتعلق بآثار الطلاق، وذلك في اتجاه الاقتراب من النموذج الأممي المتعلق بقواعد تنازع القوانين.
قائمة المراجع
أولاً: المراجع العامة:
- خالد برجاوي: إشكالية الأصالة والمعاصرة في تقنين الأحوال الشخصية بالمغرب ـ وضعية المرأة نموذجا ـ الطبعة الأولى، دار القلم للطباعة، الرباط، 2003.
- خالد برجاوي: قانون الطلاق بالمغرب بين المدونة والجدول حول التغيير، سلسلة “دليل قانون الأسرة بالمغرب، العدد الثالث، دار القلم للطباعة والنشر والتوزيع، الطبعة الثانية 2001.
- خالد برجاوي: مدى استجابة مدونة الأسرة الجديدة لمطالب المجتمع المدني والسياسي المغربي، سلسلة “دليل قانون الأسرة بالمغرب”، العدد الرابع، دار القلم للطباعة والنشر بالرباط.
- محمد الكشبور: شرح مدونة الأسرة، الجزء الثاني، انحلال ميثاق الزوجية، الطبعة الأولى، 2006، مطبعة الصباح، الدار البيضاء.
ثانياً: المراجع الخاصة:
ـ يوسف بنباصر: مدونة الأسرة، المسار والتطلعات، السنة الثالثة، العدد الثامن، دار القلم، الرباط.
ثالثاً: المجلات
- الواحة القانونية: الموسوعة القانونية للقاضي يوسف بنباصر، العدد 2، مطبعة بن سي الداخلة، سنة 2006.
- المنتدى: مدونة الأسرة تقييم ومعالجة، مجلة دورية يصدرها منتدى البحث القانوني، مراكش، العدد الخامس، جمادي الأولى 1426 ـ نونبر 2005.
رابع: الرسائل:
ـ الشمانتي الهواري عبد السلام: الحقوق المالية للمرأة المتزوجة”، رسالة لنيل دبلوم الدراسات العليا، قانون خاص، كلية الحقوق، الرباط، 1989.
[1]الآيتان 20 و21 من سورة النساء.
[2] الفصل 1 من قانون 03-07 بمثابة مدونة الأسرة الصادر تنفيذا للظهير الشريف رقم 22.04.01 في 12 ذي الحجة 1424 (3 فبراير 2004) الجريدة الرسمية عدد 5184 بتاريخ 14 ذي الحجة 1424 (5 فبراير 2004).
[3]انظر في هذا الصدد خالد برجاوي: قانون الطلاق بالمغرب بين مدونة الأحوال الشخصية والجدل حول التغيير، سلسلة قانون الأسرة بالمغرب، الجزء الثالث، الطبعة الأولى 2000، ص 26، مطبعة دار القلم.
[4] انظر في هذا الصدد خالد برجاوي: قانون الطلاق بالمغرب بين مدونة الأحوال الشخصية والجدل حول التغيير، سلسلة دليل قانون الأسرة، الجزء الثالث، الطبعة الأولى 2000، ص 26، مطبعة دار القلم، نفس المرجع السابق، ص 21.
[5] الفصل 52 من مدونة الأحوال الشخصية الذي حل محله الفصل 60 من ظهير 10-09-1993: “يلزم كل مطلق بتمتيع مطلقته إذا كان الطلاق من جانبه بقدر يسره وحالها، إلا التي سمى لها الصداق وطلقت قبل الدخول إذا ثبت للقاضي أن الزوج طلق بدون مبرر مقبول تعين عليه أن يراعى عند تقدير المتعة ما يمكن أن يلحق الزوج من أضرار”.
[6]انظر في هذا الصدد: خالد برجاوي، اشكالية الأصالة والمعاصرة في تقنين الأحوال الشخصية بالمغرب ـ وضعية المرأة نموذجا ـ المطبعة دار القلم، الرباط 2003، ص 190 و191.
[7]انظر في هذا الصدد: خالد برجاوي: المرجع السابق، ص 191 و192.
[8] قرار المجلس الأعلى الصادر بتاريخ 29-09-1987 منشور بمجلة قضاء المجلس الأعلى عدد 41 ص 139.
[9] القرار رقم 1520 في الملف المدني عدد 2267/97 الصادر بتاريخ 5 مارس 1998، منشور بمجلة قضاء المجلس الأعلى، العدد 52، ص 329.
[10]ظهير شريف رقم 1.84.77 الصادر في محرم 1405 (2 أكتوبر 1984) معتبر بمثابة قانون يتعلق بتعويض المصابين في حوادث تسببت فيها عربات ذات محرك الجريدة الرسمية عدد 3753 بتاريخ 1984.10.03.
[11]يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ وأَحْصُوا العِدَّةَ.
[12]يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إذَا نَكَحْتُمُ المُؤْمِنَاتِ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِن قَبْلِ أَن تَمَسُّوهُنَّ فَمَا لَكُمْ عَلَيْهِنَّ مِن عِدَّةٍ تَعْتَدُّونَهَا.
[13] انظر بهذا الصدد:/ خالد برجاوي سلسلة “دليل قانون الأسرة بالمغرب” قانون الطلاق بالمغرب بين مدونة الأحوال الشخصية والجدل حول التغيير الطبعة الثانية 2001، دار القلم، ص 55 و 56.
[14] قرار رقم 7 ملف اجتماعي رقم 35687 مجلة قضاء المجلس الأعلى عدد 25 ص 192.
[15]الفقرة الأخيرة من الفصل 84 من المدونة.
[16]انظر في هذا الصدد اتفاقية القضاء على جميع اشكال الميز ضد المرأة المنشورة بالجريدة الرسمية رقم 4866 بتاريخ 18/10/2001.


