في السياسة الخارجية : قراءة في الدواعي والعوائق
يوسف عنتار [·]
باحث في العلاقات الدولية–المغرب.
مقدمة
إن من أبرز ملامح العلاقات الدولية المعاصرة نمو دور مؤسسات غير حكومية، ونشوء شبكة من هذه المؤسسات التي أصبح لها موقع بالغ التأثير في الحياة السياسية والاقتصادية، وبفعلها لم تعد السياسة الخارجية حكراً على الأجهزة الرسمية وغير الرسمية التقليدية.
وتعتبر مؤسسات الفكر والرأي ([1]) من أهم هذه الأجهزة غير الرسمية، ومن بين المؤثرات العديدة في صياغة السياسة العامة للدول، ومن أبرز المؤسسات التي تؤدي دوراً واضحاً في صناعة السياسة الخارجية في الدول المتقدمة على العموم، وفي الولايات المتحدة على وجه الخصوص. وهي بمثابة مراكز أبحاث سياسية مستقلة، وظاهرة أمريكية مميزة، وكونها تؤدي مهامها بعيداً عن أضواء وسائل الإعلام فهي تحظى باهتمام اقل مما تحظى به المصادر غير الرسمية الأخرى لسياسة الدولة كمجموعات المصالح وجماعات الضغط والأحزاب السياسية والرأي العام ووسائل الإعلام.
ورغم الدور الخطير الذي تلعبه مراكز الفكر والرأي فإن المغرب يعرف غياب/ قلة مراكز وأجهزة وطنية مهيكلة منصبة على البحث في السياسة الخارجية والعلاقات الدولية تتفاعل وتتحاور في داخلها كل الأطراف المعنية بقضايا السياسة الخارجية، من باحثين وممارسين على اختلاف مشاربهم، اعتباراً بأن السياسة الخارجية تعد مجالاً لا ينحصر في الهواجس الكلاسيكية المرتبطة بالدفاع والجيوسياسة، بل أنها توسعت لتشمل قضايا متنوعة مرتبطة بالاقتصاد والثقافة والبيئة..، مما يجعل انعكاساتها على الوضعية الداخلية للدولة ومستقبلها أمراً لا يحتاج إلى مناقشة كبيرة ([2]).
وقبل التطرق إلى العوامل التي تصعب قيام/ انتشار مراكز الدراسات والأبحاث في المغرب، نستهل الحديث عن الأسباب التي تدعو إلى التفكير في أهمية وجود مثل هذه المراكز.
أولاً : دواعي حاجة المغرب إلى مراكز الفكر والرأي
في ظل قلة مراكز وطنية تتولى البحث في السياسة الخارجية، وأمام الدور الخطير والإيجابي الذي تؤديه هذه المراكز في الارتقاء بالسياسة الخارجية وإنتاج معارف مستقلة تخدم المصالح الوطنية وبالتالي راب المسافة الفاصلة بين رجل العلم من جهة ورجل السلطة من جهة ثانية، فإنه كان لزاماً التفكير في قيام هذه المراكز في المغرب وتأمين استمراريتها.
ومن هذه الزاوية فإن الاهتمام سينصب على إيراد أهم الأدوار والمهام التي تؤديها هذه المراكز في تطوير أداء السياسة الخارجية، على أن نلقي نظرة على واقع بعض مراكز الدراسات القائمة.
- دور ومهام مراكز الفكر والرأي
تتعدد الوظائف والمهام التي تضطلع بها مراكز الرأي والفكر في رسم السياسة العامة للدول، وفي صناعة السياسة الخارجية بالخصوص.
- صناعة الأفكار الجديدة وتحديد الأهداف الفعّالة في السياسة الخارجية
تعتبر مؤسسات الفكر والرأي بمثابة علبة أفكار ومركز لإنتاج وتوفير البدائل باعتبارها مؤسسات مستقلة أنشئت خصيصاً لإجراء البحوث، وصناعة أفكار متصلة بالسياسة الخارجية، آنية، قابلة للفهم، موثوقة، سهلة المنال، ومفيدة ([3])، وتقوم بدراسة كافة المستجدات الدولية لمعرفة أثرها في مصالح الدولة، وإعداد السبل لتحقيق أهمها واختيار أفضل وسائل التطبيق.
إن مراكز الفكر والرأي تقوم بكسر الحواجز بين العمل الأكاديمي النظري في الجامعات والعمل السياسي التطبيقي لصناع القرار وتغيير الطريقة التي ينظرون بها إلى العالم وترتيب الأولويات وتوفير خرائط العمل وحشد التحالفات السياسية والبيروقراطية ([4]).
في السنوات الأخيرة أصبحت أهمية مراكز الفكر تنبع من كونها أشبه بالظاهرة العالمية، بل بدا أن ثمة ما هو أشبه بعملية تصنيع لتلك المراكز التي بدأت تفرخ في دول عدة متخذة من النموذج الأمريكي المثال الأبرز.
لقد بدأت تلك المراكز كظاهرة أمريكية بامتياز، وبالتالي فثمة فاصل يميز مراكز الفكر الأمريكية من مثيلاتها في الدول الأخرى، وهو قدرة هذه المراكز في الولايات المتحدة على المشاركة بشكل مباشر وغير مباشر في عملية رسم السياسات، ليس هذا فحسب وإنما- وفق قول أحد الأكاديميين الكنديين([5]) -هناك استعداد شبه فطري من قبل صانعي القرار للجوء إلى تلك المراكز من أجل الحصول على النصائح والاستشارة حول موضوعات السياسة الخارجية والمحلية. وتكمن المهمة الأولى والأساسية لتلك المراكز إذن في صناعة الأفكار والعمل على ترويجها على مستوى صانع القرار والرأي العام، وتمارس نفوذها عبر عدة استراتيجيات مثل:
- تشجيع الباحثين المرتبطين بهذه المعاهد على تقديم محاضرات في الجامعات.
- تقديم شهادات أمام اللجان التشريعية.
- تكثيف الظهور الإعلامي لهم من خلال وسائل الإعلام الأمريكية، ومن خلال كتابة مقالات في الصحف الأمريكية ذات الانتشار الواسع والعمل على نشر أبحاثهم وفتح مواقع إلكترونية على شبكة الإنترنت.
ويكشف آبلسون عن أن هؤلاء الخبراء يحرصون على أن يكونوا أكثر انخراطاً في العملية السياسية والسياسة الخارجية الأمريكية، وذلك من خلال قبولهم لمناصب حكومية في الوزارة أو الحكومة الفدرالية، وحتى بعد أن تنتهي مهمتهم في الحكومة، يعود الكثير منهم مرة أخرى إلى مراكز الفكر تلك، ويقدم خدماته كمستشار، خلال لحظات معينة من قبيل الانتخابات الرئاسية والمجالس الاستشارية في الكونغرس. وتحرص المراكز أيضا على دعوة صانعي القرار، في وزارات الدفاع والخارجية ومجلس الأمن القومي والمخابرات المركزية وغيرها من وكالات المخابرات، إلى المشاركة في ندوات خاصة ومغلقة، وتزويدهم بملخصات سياسية ودراسات حول موضوعات السياسة الخارجية الحالية.
في المقابل لا تكتفي مراكز الفكر والرأي الأمريكية بصناعة الاستراتيجيات، بل تتجه نحو صياغة العقول في الخارج عبر الهيمنة على الإعلام من خلال شركات ومؤسسات إعلامية عملاقة تملك قدرة إعلامية عابرة للقارات تروج لأيديولوجية “المربع الذهبي”، “الإنجيليون الجدد” و”المحافظون الجدد” و”التحالف الصناعي العسكري” و”الإعلام المعولم” ([6]) وتمرير سياسته في المناطق التي تتمركز فيها مصالحه بالسيطرة على مصادر الطاقة وبيع الأسلحة بشتى أنواعها.
- إمداد الحكومة بالأطر وبالخبراء المتخصصين
إلى جانب تقديم الأفكار الجديدة والخيارات المبتكرة لكبار المسؤولين الحكوميين، تعمل مراكز الفكر والرأي على توفير دعم بشري مؤهل للإدارات الحاكمة فور توليها السلطة ([7])، أي إمداد الإدارة بالموظفين اللائقين علمياً وعملياً لتطبيق السياسة الخارجية، ويعد هذا من التأثير المباشر لها، فأفرادها والعاملون فيها يقومون بالعمل التطبيقي للسياسة الخارجية في الإدارات المنتخبة، لذلك نجد أن كثيراً من موظفي الإدارة في البيت الأبيض ووزارتي الدفاع والخارجية هم في الأساس باحثون ([8]). ويذهب البعض إلى القول إن بعض تلك المراكز يشكل خطوطاً خلفية للبيت الأبيض أو وزارة الدفاع ([9])، بل، أكثر من ذلك، أصبحت في حد ذاتها “حكومة الظل” في أمريكا وتؤكد أنها الحكومة الخفية الحقيقية التي تصوغ القرار السياسي الخارجي وتكتبه، ثم تترك مهمة التوقيع عليه للرئيس ومعاونيه الكبار في الإدارة.
بالإضافة إلى ذلك تؤمن مؤسسات الرأي والفكر للرسميين المغادرين (مناصبهم في الحكومة) مواقع مؤسساتية يستطيعون فيها اقتسام ما اكتسبوه من خبرة وتبصر خلال خدمتهم في الحكومة، والاستمرار في لعب دور مؤثر في النقاش المملح حول السياسة الخارجية، وتشكيل نوع من مؤسسة ظل غير رسمية للشؤون الخارجية. وتنفرد الولايات المتحدة دون سواها بهذا “الباب الدوار” ([10]) وهو من مصادر قوتها. ففي معظم البلدان الأخرى يجد المرء فصلاً حاداً بين الرسميين الحكوميين المحترفين والمحللين الخارجيين، ولكن الأمر مختلف في الولايات المتحدة ([11]).
وتعتبر الوظيفة التي تؤديها المراكز البحثية بالغة الأهمية في النظام السياسي الأمريكي، حيث أن انتقال السلطة في الولايات المتحدة يؤدي إلى استبدال مئات الموظفين من الدرجة المتوسطة، أو من كبار الموظفين في السلطة التنفيذية، وتساعد مراكز الأبحاث والرأي الرؤساء والوزراء على سد الفراغ الذي قد يعانيه الجهاز التنفيذي. فقد قام على سبيل المثال الرئيس الأمريكي جيمي كارتر بعد انتخابه في عام 1976 بتعيين الكثير من خبراء مؤسسة بروكنغز ومجلس العلاقات الخارجية في حكومته. وبعدها بأربع سنوات توجه رونالد ريغان إلى مؤسسات أخرى لتشكيل هيئة مستشاريه، كما استعان خلال فترتيه الرئاسيتين بـــــ 150 شخصاً من مؤسسة هيرتيج ومؤسسة هوفر ومعهد إنتربرايز الأمريكي، واتبع الرئيس الأمريكي الحالي (بوش الابن) النمط نفسه في تعيين الخبراء والمستشارين في حكومته السابقة والحالية.
- توفير إطار للنقاش بين الخبراء على مستوى رفيع
لا يمكن لأي مبادرة كبرى في السياسة الخارجية من الاستمرار ما لم تتمتع بقاعدة من التأييد الحاسم في أوساط جماعة المهتمين بالسياسة الخارجية، وتؤمن مؤسسات الفكر والرأي هذه القاعدة والحيز الذي يتم فيه التوصل إلى تفاهم مشترك أن لم يكن إلى إجماع حول الخيارات السياسية بين صانعي الرأي العام ([12]).
وتلعب مؤسسات الفكر والرأي دوراً بارزاً في تسهيل بلورة تشكيلة منوعة من اللاعبين السياسيين الذين يجتمعون على أساس مؤقت حول قضية سياسية أو مشكلة معينة، عن طريق عقد اجتماعات بين ممثلي الإدارة وأعضاء المراكز وأصحاب الشركات الكبرى وكبار الأكاديميين من أجل معرفة أثر السياسة الخارجية في مصالح الدولة ومدى فعاليتها. وفي حالة فعاليتها تقوم المراكز بحشد الدعم لتلك السياسة بين مختلف المؤسسات أو معارضة تلك السياسة في حالة إضرارها بمصالح الدولة ([13]).
- تطوير الحياة المعرفية في الوسط العام
بما أن مراكز الفكر والرأي عادة ما تستقطب أصحاب الاهتمام والخبرة، لذلك فإن لهذه المراكز الدور الأساسي في تطوير وإغناء الحياة المعرفية والفكرية والعلمية في الوسط العام، عن طريق أنشطتها الثقافية والعلمية ومنابرها الإعلامية المختلفة. ولذلك نجد في كثير من الدول أن وراء تقدم وتطور الحياة الثقافية والعلمية، مؤسسات ومعاهد ومراكز للبحوث والدراسات في مختلف الحقول والاختصاصات، حيث تقوم هذه المراكز برفد الساحة بالمعلومة الجديدة الموثوقة، والتحليل العلمي الرصين، وبلورة آفاق المستقبل، وتوضيح المدلهمات من القضايا والأزمات.
مما لا شك فيه أن للمراكز البحثية في الولايات المتحدة تأثيراً غير مباشر من خلال نشر الوعي الثقافي بين أفراد المجتمع بأهم القضايا التي تواجه الولايات المتحدة وكيفية مساندة أو اعتراض تلك السياسات. ويتم ذلك عن طريق كتابة مقالات ودراسات في الصحف الكبرى وإصدار الكتب والدوريات والظهور في وسائل الإعلام المرئية والمسموعة لخبراء المراكز. وقد زاد تسارع حدة العولمة من أهمية وظيفة التواصل مع الجمهور أكثر من أي وقت مضى، فمع ازدياد درجة اندماج المجتمع باتت الأحداث والقوى العالمية تطال حياة المواطن الأمريكي العادي وتؤثر فيه، ولهذا أصبح للمواطن الأمريكي العادي دور متنام في السياسة سواء كانت الداخلية أو الخارجية. فقد أصبح للمواطن الأمريكي حصة متناميةً في السياسة الخارجية، سواء كانت القضية تتعلق بتأمين الأسواق الخارجية للصادرات الزراعية، أو بمكافحة انتشار الأمراض المعدية، أو بحماية برامج الكمبيوتر الإلكترونية الأمريكية ضد القرصنة في الخارج، أو بتأمين سلامة السياح الأمريكيين في الخارج، أو بتأمين الحماية لمرافئها ضد تسلل الإرهابيين.
- أداة مكملة للمساعي الحكومية للتوسط وإدارة الأزمات
تتدخل مراكز الفكر والرأي تدخلاً مباشراً في بعض القضايا الدولية كمؤسسة فاعلة تهدف إلى تحقيق بعض النتائج بالتنسيق مع الأجهزة الحكومية. وفي الولايات المتحدة تستطيع مراكز البحث لعب دور نشيط في السياسة الخارجية عن طريق رعايتها للمفاوضات الحساسة وتأمين وساطة فريق ثالث بين الأطراف المتنازعة، ومن أبرز هذه الأدوار ما قام به المركز الأمريكي للسلام (American Peace Institution) من إجراء مفاوضات غير رسمية بين الفلسطينيين والإسرائيليين كجزء من المهمة التي عُهد بها إليه من الكونغرس.
إلى جانب لعب دور الوساطة، تتولى مراكز البحث مهمة تدريب الموظفين الرسميين على تقنيات وآليات الوساطة بصورة نشيطة في إطار الدبلوماسية الوقائية وإدارة الأزمات وحلها. وقد شرعت مؤسسة كارنيغي الوقفية، في الولايات المتحدة، منذ أواسط الثمانينيات من القرن الماضي، باستضافة سلسلة من الاجتماعات في واشنطن، جمعت بين القادة السياسيين ورجال الدين ورجال الأعمال وممثلي العمال والأكاديميين في جنوب أفريقيا ووجوه المعارضة لنظام الحكم العنصري في جنوب أفريقيا في المنفى، وكذلك أعضاء من الكونغرس ومسؤولين في الحكومة الأمريكية، وساعدت هذه الاجتماعات على إقامة أول حوار وعلى إيجاد أول تفاهم حول مستقبل جنوب أفريقيا خلال فترة انتقالية دقيقة ([14]). ولذلك تبقى مراكز الفكر والرأي في الولايات المتحدة وسيلة مكملة لجهودها الحكومية، أو كبديل لها متى كان وجودها الرسمي مستحيلاً أو غير مرغوب فيه.
لا يقتصر دور مراكز الفكر والرأي على الجوانب السابقة، بل يتعداها إلى العمل على إظهار صورة الدولة بمظهر مقبول على الصعيد الخارجي وتلميع هذه الصورة وترميم الآثار غير المقبولة التي تخلقها سياستها وقراراتها، وهو ما يصدق على حالة الولايات المتحدة التي تحاول بعض مراكز الدراسات والبحوث التابعة لها تحسين صورتها في العالم بعد احتلالها العراق، ووضع طلاء جديد على وجه سياستها “الإمبريالية” في العديد من المناطق في العالم.
أما الحالة الثانية فتظهر جلياً في علاقة اللوبي الصهيوني بهذه المراكز، التي تشهد تغلغلاً للقوى الموالية لإسرائيل في كافة مناحي مؤسسات ومعاهد الدراسات والبحوث والتخطيط الاستراتيجي والفكري في الولايات المتحدة والهيمنة عليها. ولا يخفى أن هذه المراكز والمحافل الفكرية تلعب دوراً مهماً في صياغة الجدل العام ومساراته في المنابر العلمية، إضافة إلى ما تقوم به من دور خطير في صياغة السياسة الحقيقية. وقد بادر اللوبي الصهيوني إلى إنشاء ترساناته الفكرية في عام 1985، عندما ساعد مارتن إنديك في تأسيس” معهد واشنطن لسياسة الشرق الأدنى”. ورغم أن المعهد يقلل من أهمية الصلات التي تربطه بإسرائيل، ويزعم بدلاً من ذلك أنه يقدم رؤية “متوازنة وواقعية” حول قضايا الشرق الأوسط، إلا أن واقع الحال يناقض هذا الادعاء. وفي الحقيقة فإن المعهد المذكور يديره ويموله أناس منغمسون من مفرق رأسهم وحتى أخمص أقدامهم في نصرة أجندة العمل الإسرائيلي وخدمة أهداف إسرائيل ([15])، على حساب حقوق الشعب الفلسطيني.
ويتجاوز نفوذ وتأثير هذا اللوبي في عالم بؤر الدراسات الاستراتيجية هذه نطاق معهد واشنطن ويتعداه بكثير. وعلى امتداد ربع القرن الذي انصرم أسست القوى الموالية والمناصرة لإسرائيل لحضور طاغ في معهد المشروع الأمريكي، وفي معهد بروكينغز، ومركز السياسة الأمنية، ومعهد بحوث السياسة الخارجية ومؤسسة التراث، ومعهد هدسون، ومعهد تحليل السياسة الخارجية، والمعهد اليهودي لشؤون الأمن القومي (جيشا). ومراكز الدراسات وصياغة الفكر والرأي العام هذه مناصرة لإسرائيل يقيناً، وهي أن ضمت فلا تضم سوى حفنة ضئيلة ممن ينتقدون سياسة الولايات المتحدة الداعمة للدولة اليهودية ([16]).
- نظرة على بعض مراكز الدراسات الاستراتيجية في المغرب
يعرف المغرب وجود بعض مراكز الدراسات والأبحاث، إلا أنه مع ذلك يشكو عدم التخصص في الدراسات الاستراتيجية والأمنية. وهو في حاجة ماسة إلى مؤسسة وطنية مركزية تعنى بهذا المجال ([17])، على خلاف بعض البلدان العربية مثل مركز الأهرام في مصر الذي له تاريخ عريق ويحتل مرتبة جد متقدمة عالمياً، وكذلك مركز الإمارات للدراسات الاستراتيجية في أبو ظبي التابع لوزارة الدفاع وهيئة الأركان، ويحتل مرتبة عالية، وهو مركز نموذجي في هيكلته واستفاد من تجربة مركز الأهرام والمعهد الدولي للدراسات الاستراتيجية في لندن، بالإضافة إلى مركز الدراسات الأمنية في السعودية ومركز الدراسات الاستراتيجية في لبنان ومركز الدراسات الاستراتيجية في السودان.
ومن بين أهم مراكز الدراسات المغربية التي تعنى بالدراسات والأبحاث ذات العلاقة بالشأن الخارجي:
- المركز المغربي للدراسات والأبحاث الديمقراطية والاستراتيجية الذي تأسس في الرباط في الرابع من كانون الثاني/ يناير 2005، وهو مؤسسة مستقلة وحرة تهتم بالنقاش والتناظر في قضايا الفكر الديمقراطي والاستراتيجي، وإنجاز الدراسات والأبحاث في حقلي الديمقراطية والاستراتيجية، ويتكون من باحثين في علوم السياسة والقانون وعلم الاجتماع والأنثروبولوجيا والتاريخ، ويهدف بالأساس إلى تنمية وتطوير البحث والدراسات في قضايا الديمقراطية والفكر الاستراتيجي، كما يسعى إلى تمتين أواصر التعاون العلمي مع مؤسسات مغربية وعربية ودولية في شأن توسيع دوائر النقاش المعرفي حول مختلف الرهانات الديمقراطية والاستراتيجية.
- المعهد المغربي للعلاقات الدولية (IMRI): تأسس على شكل جمعية لا تتوخى الربح في الرباط سنة 2003 ويرأسه السيد جواد الكردودي، هدفه دراسة وتحليل مواضيع تخص حقل العلاقات الدولية، والمساهمة في التنمية السياسية والاقتصادية والاجتماعية للمغرب وتلميع صورته في الخارج. وتتجسد أنشطة المعهد في الملتقيات والندوات والدراسات والأبحاث والتقارير التي يسهر أعضاؤه على إعدادها في مواضيع سياسية واجتماعية واقتصادية، والتي لها ارتباط بالعلاقات الدولية. ولإثراء جوانب اهتماماته، تجمعه علاقات متميزة بمراكز ومعاهد في مختلف مناطق العالم، في أفريقيا وأمريكا وآسيا وأوروبا.
ومنذ تأسيس المعهد أثير العديد من المواضيع من طرف مؤسسيه أو من طرف الباحثين المشاركين في المؤتمرات والندوات التي ينظمها، وهي لا تخص فقط المغرب في محيطه الجهوي والعالمي ([18])، بل تمس قضايا متشعبة تجمع السياسي والاقتصادي والاجتماعي وتنسحب على مجموعة من مناطق العالم، من قبيل سياسة الجوار للاتحاد الأوروبي والانتخابات الرئاسية الأمريكية واتحاد المغرب العربي في مفترق الطرق والأمن المتوسطي وتركيا والاتحاد الأوروبي والخليج العربي الفارسي…
- مركز الدراسات الدولية (CEI): تأسس في الرباط سنة 2004، وهو مؤسسة مستقلة غير ربحية تحصل على مواردها من منح الخواص ومساهمات أعضائها. ويهتم المركز بمعالجة القضايا الدولية ذات البعد الاستراتيجي، ومن أهم المواضيع التي سبق له إثارتها، توسيع الاتحاد الأوروبي وتأثيره في الضفة الجنوبية للمتوسط، والعولمة وتأثيراتها في المستوى الثقافي والاقتصادي والسياسي، وتحديات القرن الواحد والعشرين.
- المركز المغربي للدبلوماسية الموازية وحوار الحضارات: يرأسه السيد عبد الفتاح البلعمشي، تميزت أنشطته بتنظيم العديد من الندوات، كان آخرها الندوة التي نظمها بتعاون مع جريدة المغرب الدبلوماسي يوم 17 آب/ أغسطس 2007 حول انتخابات 7 أيلول/ سبتمبر وسؤال السياسة الخارجية، كما يعمل منذ تأسيسه على إصدار تقارير سنوية كان آخرها تقرير 2006 تحت عنوان مستقبل التنمية البشرية في إطار السياسة الخارجية.
والملاحظ أن هذه المراكز حديثة النشأة، وبالتالي لا تتوفر على تراكم في مجال الدراسات الاستراتيجية، وتخلو عضويتها من شخصيات دبلوماسية بإمكانها إثراء المواضيع المثارة من طرف هذه المراكز بتجربتها الواقعية والغنية.
ولن نبالغ إذا اعتبرنا أنه بالرغم من أهمية الدراسات والتقارير التي تعرضها وحجم المجهود الذي يبذل لإيصالها إلى صناع القرار، فإن اغلبها يظل حبيس الرفوف وغرف المحفوظات، ومن النادر جداً أن يقلَّد عضو من أعضاء تلك المراكز مسؤولية داخل الأجهزة التي تعنى بالشؤون الخارجية، أو أن يعين في إحدى التمثيليات الخارجية.
وكما هو متعارف عليه في اغلب دول العالم الثالث، فمن النادر أن تتاح للمراكز العاملة في المغرب فرصة الاطلاع على الوثائق الرسمية التي تحتاجها في إعداد التقارير وإنجاز الدراسات بطريقة علمية وموضوعية، نظراً إلى السرية التي تحاط بتلك الوثائق، وهو ما يؤدي إلى وضع حاجز بين البحث الأكاديمي وصانع القرار، ونشوء تأثيرات سلبية في بعض المصالح الحيوية للمغرب نتيجة استئثار جهة معينة ببعض القضايا الخارجية الحساسة بدعوى مبدأ السرية.
ثانياً : مبررات عدم قيام / انتشار مؤسسات الفكر والرأي في المغرب
من المؤكد أن الأدوار التي توفرها مؤسسات الفكر والرأي تدفع صانع القرار في المغرب إلى إيجاد السبل القانونية والمالية لإقامة هذه المؤسسات وتشجيع انتشارها، إلا أنه مع ذلك لا يمكن إغفال تداخل بعض العوامل التي تقف في وجه قيامها أو تبليغ أهدافها لصانع القرار في المجال الخارجي.
- طبيعة النظام السياسي
إن عملية صناعة السياسة الخارجية تختلف من دولة إلى أخرى حسب تركيبة النظام السياسي للدولة، وتبعاً له تختلف درجة مساهمة وتأثير الأجهزة الرسمية وغير الرسمية في صياغة القرار الخارجي.
وإذا كان طابع اللامركزية في النظام السياسي الأمريكي يتيح لمراكز الفكر والرأي الفرصة والقنوات الشرعية للمشاركة في صنع وتطبيق السياسة الخارجية بطرق مباشرة وغير مباشرة وبما لا تصبح السياسة الخارجية فيه حكراً على مؤسسة دون أخرى، فإن هذا الدور لن يكون متاحاً، بالحدة والتأثير نفسهما، لمثل هذه المراكز البحثية في نظام كالنظام المغربي الذي يتميز بوجود مؤسسة ملكية قوية دستورياً وسياسياً- وبقطبية الملك داخله- تجعل نفسها محور كل العمليات السياسية، مؤكدة طابعها القدسي باعتبارها مؤسسة المؤسسات.
على غرار مؤسسة رئاسة الدولة في باقي دول العالم الثالث، ظلت المؤسسة الملكية في المغرب المحور والمركز الذي تدور حوله جميع أجهزة السلطة في الدولة طوال التاريخ المغربي القديم والحديث متسلحة بأسباب دستورية وواقعية وذاتية ([19]). واستمرت في تصدر الأحداث والقضايا الكبرى باعتبارها المسؤولة الوحيدة عن كل الحياة العامة في المغرب ([20])، وهذا ما انعكس على الدبلوماسية المغربية التي تظهر دائماً كعمل رئيس الدولة، حيث يبقى الملك محتكراً صياغة القرارات الحاسمة والمصيرية أو ما اسماه البعض “القرار الاستراتيجي” ([21])، جاعلاً من باقي الأجهزة الرسمية (الحكومة والبرلمان) مجرد أجهزة ثانوية، ناهيك عن المؤسسات غير الرسمية (الأحزاب السياسية وجماعات الضغط والرأي العام) وبالخصوص المراكز البحثية، التي رغم سعيها إلى أن تكون مؤثرة في هذا الإطار، إلا أنها ما تزال تعاني قلة انفتاح الفاعل الرسمي على مقترحاتها ([22]).
إلا أنه مع افتراض أن عملية صنع القرار الخارجي في المغرب تتمركز في يد الملك، فإن هذا الأخير يبقى محكوماً ببيئته الموضوعية الداخلية والخارجية التي يجب أن يستحضرها كلما اقدم على صياغة أي قرار في مجال السياسة الخارجية، لا سيما إذا كان هذا القرار له انعكاسات على امن واستقرار البلاد، اضف إلى هذا أن تعقد القضايا الدولية وتشعبها واتساع مجالات الشؤون الخارجية، يدفع- في غالب الأحيان- الملك إلى صياغة التوجهات العامة للدبلوماسية المغربية اعتماداً على المؤسسات الأخرى، الشيء الذي يسمح لنا بالقول بأهمية قيام- الدبلوماسية الموازية- وبالخصوص المراكز البحثية، وإيجاد موقع مؤثر لها بين باقي الفاعلين، وخصوصاً الملك، في ظل غياب اطر مؤهلة داخل باقي المؤسسات الرسمية وغير الرسمية.
من الأكيد- كما سلف- أن النظام السياسي يؤثر بممارساته تأثيراً بالغاً في المناخ الفكري وفي طبيعة وقيمة الإنتاج العلمي. فالبحث العلمي يتطلب ممارسة الحرية الأكاديمية والفكرية في أجلي صورها، وإمكانية التعبير عن الاختلاف حتى مع ممثلي السلطة السياسية، وهو ما يوفر البيئة المناسبة لقيام مؤسسات الفكر والرأي، ويشجع الباحثين على إنتاج الأفكار وإعداد البدائل والأهداف والوصول إلى المعلومة بكل حرية وموضوعية وحياد دون قيود سياسية أو فكرية. ولن نبالغ إذا قلنا أن المغرب يعرف حالياً بيئة ملائمة، في ظل المرحلة الانتقالية التي انخرط فيها النسق السياسي المغربي بعد تسلم الملك محمد السادس دفة تسيير وتوجيه النظام السياسي، التي تشجع على توسيع الحريات العامة في حدود تسمح لها السلطة المركزية بالتأثير في القرار السياسي، وكذا ظهور فاعلين سياسيين مستقلين، وبالتالي انفتاح الفاعل الرسمي على هذه المؤسسات لمساعدة الدولة في بلوغ أهداف السياسة الخارجية على اعتبار أن ذلك هو المسلك الوحيد لتكامل الدبلوماسية المغربية بشقيها الرسمي والموازي ([23]).
- اعتماد الملك على مستشاريه المقرّبين
يشير ميكيافللي في كتابه الأمير إلى “إن القاعدة الأساسية في كل حكم هي أن يلجأ الأمير إلى طلب الاستشارة من أي جهة كانت حتى يضمن لقراراته أن تكون صائبة وحتى يظهر دائماً أميراً حكيماً”، ويظهر التاريخ السياسي أن الملوك ورؤساء الدول يختارون مستشارين يستشيرونهم عندما تقتضي الحاجة ذلك. وبالرغم من أن الدستور لا يشير إلى موقعهم على اعتبار انهم مجرد موظفين تسند إليهم مهام بجانب مؤسسة رئاسة الدولة، إلا إن العديد منهم لعب دوراً بارزاً في صناعة بعض القرارات، والسمة الأساسية التي تطبع مستشاري الملوك ورؤساء الدول إلى جانب الكفاءة والخبرة، هي ابتعادهم عن الأضواء، لكون عملهم يكون تحت أجنحة من يقدمون إليهم المشورة. ولهذا نجد أن العديد من رؤساء الدول يحرصون على عدم ظهور مستشاريهم في الحياة السياسية وفي الإعلام خصوصاً. فالمستشار ينحصر عمله في تقديم المشورة حينما تطلب منه أو يبادر هو بإسدائها، ويتميز عمله بالسرية اعتباراً لحساسية القضايا المعروضة على ديوان رئيس الدولة، ودوره يكمن في رسم القرارات التي تحدد السياسة العامة للدولة. ويكون هذا المستشار متسلحاً في وظيفته بعاملين أساسيين هما مؤهلاته المعرفية وخبرته التقنية والثقة التي يحظى بها من طرف الملك أو رئيس الدولة. وفي الوقت الحالي انتقل المستشار من كونه مجرد فرد إلى أن يصبح مؤسسة.
وفي المغرب يمثل مستشارو الملك، الذين يعملون داخل الديوان الملكي، أحد أهم القنوات التي يعتمد عليها الملك المغربي في تدبير القضايا السياسية ذات العلاقة بالشأن العام، وأهم الأجهزة التي تعمل على اتخاذ القرارات السياسية الكبرى، وبالخصوص ما تعلق منها بالسياسة الخارجية، والذي يعذ، أيضاً، من أسباب تراجع فرص قيام المؤسسات البحثية والتقليل من أهمية دورها في صياغة القرار الخارجي.
إن المكانة البارزة الممنوحة من طرف الملك لمستشاريه في بلورة بعض القرارات الهامة، جعل البعض يتحدث عن تراجع واضح لــ “الحكومة الدستورية” لفائدة مستشاري الملك أو من يطلق عليهم “الحكومة البلاطية” ([24]) وبهيمنتها على مختلف الملفات الهامة، مما زاد في تكريس الفراغ السياسي نتيجة إضعاف الأحزاب السياسية من جهة، وإفراغها من حيث استقطاب أطرها وإدماجها في مقاربة الدولة.
وفي هذا الإطار نشير إلى الدور الذي لعبه مستشار الملك الراحل الحسن الثاني، وهو الراحل احمد رضا كديرة، في قضايا السياسة الخارجية المغربية ([25])، حيث كان أول من يطلع على القرارات الملكية المتصلة بالسياسة الخارجية لما كان يحظى به من ثقة الملك الراحل الحسن الثاني. وإلى جانب احمد رضا كديرة فقد لعب احمد بن سودة دوراً هاماً في بلورة وتنفيذ بعض جوانب السياسة الخارجية، لا سيما ما تعلق منها بالشؤون العربية ([26])، إذ قام بدور كبير في اتخاذ قرار المشاركة في الحرب ضد إسرائيل عام 1967، كما ساهم بشكل بارز في حل مشكلة اليمن عام 1967 في إطار اللجنة الثلاثية التي ضمت كلاً من العراق ممثلاً المصالح المصرية، والمغرب ممثلاً المصالح السعودية، والسودان كحكم ([27]).
فالنظام السياسي المغربي من منظور المؤسسة الملكية يقوم في أسسه على منطق الاستشارة، ولقد ساد هذا المنطق في عهد الملك الراحل محمد الخامس ([28])، وفي عهد الملك الراحل الحسن الثاني، واعتمد المنطق نفسه في عهد خلفهما الملك محمد السادس.
علاوة على اعتماد المؤسسة الملكية على نخبة من المستشارين في معالجتها لبعض القضايا الخارجية المهمة، فهي تعتمد أسلوباً آخر يقوم في أساسه على إنشاء لجان أو مجالس ملكية تحمل طابعاً استشارياً يستأثر الملك باختيار النخب المؤهلة لتشكلها، واقتراح التصورات والبدائل التي ستتقيد بها. وفي هذا الإطار نشير إلى أهمية تشكيل المجلس الاستشاري الملكي لشؤون الصحراء المعين من طرف الملك محمد السادس، الذي اضطلع بدور مساعد لبلوغ أهداف السياسة الخارجية، خاصة في جانب الترويج لمقترح الحكم الذاتي والتأثير في مجريات الأحداث على الساحة الدولية.
- ضعف التمويل وفقدان الاستقلال المالي
تتفاوت قدرة تأثير مؤسسات الفكر والرأي في مسار السياسة الخارجية للدولة، وتتوقف هذه القدرة على عدة عوامل، من أبرزها التمويل وقوة العلاقات الشخصية التي تربط المؤسسة والعاملين فيها بأهم صانعي القرار. ويعتبر عامل التمويل وإمكانية الحصول على الأموال أحد معايير نجاح أي من مراكز البحث، حيث يُعذ التمويل المالي التحدي الأكبر لمعظم هذه المراكز، وتمثل رسوم العضوية ومحصلة بيع المطبوعات التي تصدرها من أهم مصادر تمويلها.
يغدق العديد من أثرياء المجتمعات السياسية والمؤسسات المالية الخيرية في الولايات المتحدة ([29]) وبعض الدول الأوروبية، إلى جانب كبريات الشركات، الأموال على مراكز البحث من أجل ضمان خروج دراسات وتوصيات وتقارير لصناع القرار بما يخدم مصالحهم ([30]). ومن هذه الشركات العملاقة الممولة لمراكز الدراسات والأبحاث الاستراتيجية في الولايات المتحدة، التي يقارب إنتاجها ما يساوي 25 بالمئة من الإنتاج العالمي، نذكر على سبيل المثال: جنرال موتورز ووال مارت واكسون موبيل وفورد، وهذا ما دفع محمد حسنين هيكل إلى اعتبار هذه المراكز لبنة التحالف الرأسمالي الصناعي-العسكري ([31]).
إن ما يمكن أن يقال عن موضوع تمويل البحث العلمي في المغرب يصدق على موضوع تمويل مراكز الأبحاث والدراسات، الذي يتصف بانخفاض حجم الإنفاق، حيث يتدنى حجم الإنفاق على البحث العلمي والتطوير دون الحد المعقول عالمياً (1 بالمئة) من الدخل القومي. ولا تزال جهود البحث العلمي في المغرب ضئيلة جداً، كما أن هذه الجهود ما زالت محصورة إلى درجة كبيرة في مراكز الأبحاث الحكومية (الجامعات والبحث العلمي)، مقابل انعدام شبه كامل لجهود البحث والتطوير في المؤسسات البحثية المستقلة. وهذا يؤدي إلى عدم توفر البنية التحتية اللازمة للبحث، وانخفاض الإنتاجية العلمية، نتيجة عدم الإقبال على البحث والاجتهاد والابتكار وتصاعد عدد الأدمغة المهاجرة نحو الدول المتقدمة التي توفر الظروف والإمكانيات والوسائل الجذابة.
ومن السلبيات التي تتصف بها، أيضاً، المراكز البحثية القائمة في المغرب فقدانها للاستقلال المالي، لأنها لا تبنى لا على أوقاف ولا على مؤسسات تمويل مستقلة، ومن ثم تكون خاضعة لعلاقات تبعية حزبية أو جهوية ([32])، وكثيراً ما تؤثر الجهات المانحة في توجهات هذه المراكز من خلال موافقة متطلبات الممول في طرح الموضوع وفي ترتيب أولويته وفي كيفية التعاطي معه، مما يفقدها المصداقية والموضوعية.
ومشكلة تمويل مؤسسات البحث مشكلة متعددة الأبعاد، فحين يغيب التمويل المحايد الذي يأتي من الدولة، تقع هذه المؤسسات فريسة التمويل الأجنبي بكل أشكاله أو أن عليها مواجهة شبح الإغلاق، خاصة إذا علمنا أن التمويل هو مدخل السيطرة على صناعة القرار ووضع الأولويات، وهنا يكمن خطر التمويل الأجنبي الذي يهدف دائماً إلى التأثير في مجريات التغيير في المجتمعات التي يمول مؤسسات البحث فيها.
والتمويل الأجنبي، كما يرى جواد الحمد مدير مركز دراسات الشرق الأوسط في عمان، لا يخضع لقاعدة التمويل الخيري أو لنظرية البراءة، وبالتالي فهو يحمل في طياته إمكانات التأثير السلبي في توجهات هذه المراكز وفي اهتماماتها وأولوياتها.
وعلى خلاف الدول المتقدمة التي يضطلع فيها القطاع الخاص بمعظم عمليات البحث والتطوير، يلاحظ في المغرب- كباقي الدول النامية- غياب دور القطاع الخاص في عمليات البحث وعدم مشاركته في إنشاء المراكز البحثية وعدم مساعدة الموجود منها مالياً، على خلاف الولايات المتحدة التي يمول فيها القطاع الخاص نحو 60 بالمئة من إجمالي أنشطة البحوث والتطوير الأمريكية ([33]).
- أزمة البحث العلمي
إن تخلف الدول النامية، والمغرب من بينها، قد انعكس على تخلف الناحية العلمية بسبب تدني مؤشرات البحث العلمي بشقيها الكمي والنوعي مقارنة بالمؤشرات في الدول المتقدمة. فالبحث العلمي في الجامعات المغربية، سواء في مجال العلوم الإنسانية والاجتماعية والتطبيقية، لا يحظى بالعناية الكافية من حيث الميزانيات المخصصة له أو من حيث التنظيم أو من حيث مستلزمات البحث والعناية بالعقول والإبداع. وانعكس هذا على التفكير في أهمية وأبعاد إنشاء مراكز الدراسات والأبحاث ودورها في تحقيق أهداف التنمية الشاملة.
ولقد امتدت آثار هذا التخلف إلى محدودية وتخلف مراكز الدراسات والبحوث، فضلاً عن انخفاض أعداد هذه المراكز. وبذلك فإن ميد أن عملها بقي محدوداً، واقتصرت دراساتها على الجوانب الوصفية والعامة غالباً، بعيداً عن صناعة الحدث، والاكتفاء بإصدار أعمال عبارة عن ردود على صناع الحدث الآخرين. فالموجود منها هو عبارة عن مراكز أشخاص، حيث يحمل رؤية وأفكار وكلمات صاحبها، فضلاً عن أن إنتاجاتها قد تجد طريقها إلى رفوف المكتبات والخزانات دون أن تتاح الفرص الملائمة لاستثمارها. كما أن اغلب هذه المراكز مكررة لما هو موجود في الغرب أو لما هو قائم في الدول النامية، وأصبح طلب النظريات والمناهج الغربية، غالباً، هو المطلب الوحيد لمؤسسيها، مما جعل هذه المراكز اقل فعالية لعدم تفاعلها مع محيطها وابتعادها عن المشاكل التي تحيط بها، وبقيت مجرد هياكل معزولة عن بيئاتها وغابت بذلك مساهمتها في إيجاد الحلول المناسبة للمعضلات التي تعانيها الدول التي تحتضنها.
وإذا كان المغرب يشهد غياباً لتأثير مراكز الدراسات في صناعة الأحداث، فإنه يلاحظ في بعض الدول النامية تنامي دور المجتمع المدني ووسائل الإعلام (القنوات الفضائية والصحف والدوريات…) بديلاً من هذه المراكز، من خلال الدراسات والتقارير والحوارات التي تقدمها، والتي تنصب على تحليل الواقع وتقديم رؤى مستقبلية من أجل النهوض بواقع حالي أو تطوير الواقع الحالي وفق معطيات أكاديمية واستراتيجية ([34]).
خاتمة
أمام تواضع مستوى الأداء الدبلوماسي المغربي، بالرغم من انتشار التمثيليات الدبلوماسية بين مختلف دول العالم، وضعف أداء الدبلوماسية الموازية بسبب ارتباط اغلب المنظمات غير الحكومية وجمعيات ومكونات المجتمع المدني بالعالم الغربي، ونظراً إلى شيوع حقول الدبلوماسية العالمية بظهور الدبلوماسية الاقتصادية والتنموية والإعلامية وغيرها من الحقول التي تلتقي عليها العلاقات الخارجية، أصبح من الضروري بمكان، بل من الملح أيضاً، التفكير في وضع سياسة واضحة ترمي إلى إقامة مراكز للدراسات الدبلوماسية والاستراتيجية تبحث في مسألة إعادة الانتشار الدبلوماسي وفق منطلقات جديدة تراعي الجانب المالي والاقتصادي ضمن المصالح الحيوية للمغرب، وذلك بوضع دراسات وتقارير، تسعى إلى تجاوز هشاشة المغرب الجيوسياسية والإطار الجغرافي المحدود بسبب اعتماده بالدرجة الأولى على الاتحاد الأوروبي والمشرق العربي، والبحث عن فضاءات وتحالفات أوسع (الدول الإسلامية والدول الآسيوية ودول أمريكا اللاتينية ودول القوقاز…).
ومن أجل استشراف المستقبل على أسس علمية ووضع استراتيجيات فعالة تروم الحفاظ على المصالح الحيوية للمغرب في علاقاته مع العالم الخارجي، في ظل المتغيرات المتسارعة وظهور تكتلات اقتصادية كبيرة والتطور الكبير في مجال التكنولوجيا وثورة المعلومات والعولمة في مستويات عديدة، يتوجب:
- إنشاء وزارة مستقلة للبحث العلمي تكون الجهة المسؤولة عن توفير الدعم المالي والمعنوي لمؤسسات الدراسات الحكومية وغير الحكومية.
- تشكيل رابطة لمراكز البحوث على المستوى المحلي والجهوي.
- إقامة مؤسسات ومراكز علمية للبحث في السياسة الخارجية والدبلوماسية على مستوى الجامعات المغربية ([35]).
- إنشاء معاهد للتكوين الدبلوماسي والاستراتيجي لإعداد أطر بشرية مؤهلة لتمثيل مصالح المغرب في الخارج.
- توفير الوسائل الكفيلة بنسج صلة واضحة بين محللي السياسات وصانعي القرار.
- تزويد مراكز الدراسات والبحث بوسائل الاتصال السريعة ووسائل المعلومات المتطورة من أجل إيصال الفكرة بالسرعة المطلوبة وفي الوقت المناسب.
- ضرورة ربط الدراسات والبحوث المنجزة بخطط التنمية الشاملة، علماً بأن تطوير أداء السياسة الخارجية يساهم في التنمية الداخلية.
- توفير البيئة السياسية المناسبة وحرية العمل البحثي لإقامة هذه المراكز ومنحها الفرص الملائمة لاشتغالها ■
[·] البريد الإلكتروني:
antaaar@hotmail.com
[1] رغم الإشكاليات التي طرحت بخصوص تحديد تعريف دقيق لهذه المراكز، فإنها تعرف على أنها أي منظمة تقوم بأنشطة بحثية سياسية تحت مظلة تثقيف وتنوير المجتمع المدني بشكل عام، وتقديم النصيحة لصناع القرار بشكل خاص. وتتواجد بأسماء مختلفة: مؤسسة أو معهد أو صندوق أو وقف. وتعتمد في التأثير على صناع القرار الدراسات والأبحاث والوثائق والدوريات المتخصصة والتقارير والمقالات والاستشارات والندوات التي تنظمها. ولمزيد من المعلومات، انظر:
John C. Goodman, “what is a Think Tank,” National Center for Policy Analysis (NCPA), 20 December 2005, <http:ncpa.org/pub/special/2005 1220-sp.html >.
[2] الحسان بوقنطار، السياسة الخارجية المغربية: الفاعلون والتفاعلات، تقديم عبد الهادي بوطالب (الرباط: شركة بابل للطباعة والنشر والتوزيع، 2002).
[3] للمزيد من المعلومات حول هذه الدور، انظر:
JamesG. McGann, “Think Tank and the Transationalization of Foreign Policy,” 16 December 2002, <http://usinfo.statc.gov/journals/itps/ 1102/ijpc/pj73mcgann.htm >.
[4] للمزيد من التفاصيل، انظر: ريتشارد ن. هاس، “مؤسسات الفكر والرأي وسياسة الولايات المتحدة الخارجية: وجهة نظر أحد صانعي السياسة، “.
<http://usinfo.state.gov/journals/itps/1102/ijpa/haass.htm >.
[5] دونالد أ. آبلسون، “مؤسسات الفكر والرأي وسياسة الولايات المتحدة الخارجية: نطرة تاريخية،”
< http:/ /usinfo.state.gov/journals/itps/1102/ijpa/abelson.htm >
[6] عبد الغني عماد، “دبابات الفكر الجديدة: صانعو القرار والحكومة الخفية في اميركا،) 25 كانون الثاني/ يناير 2004،
<http://www.kefaya.org/Translations/0402emad.htm >
[7] عزت إبراهيم، “العالم الخفي لمراكز البحوث الكبرى في الولايات المتحدة،” الأهرام، 12/ 13/ 2003.
[8] Xavier Caipcnticr-Tanguy, «lnflucnces ct innovations politiques: Les Think tanks (perspective historique), 30 mars 2006, <http://www.cees-europe.fr/fr/etudes/revuc9/r9al2.pdf>.
[9] ورد في: جواد الحمد، “برامج وأجندات مراكز الأبحاث العربية وعلاقاتها بقضايا الوطن العربي،” 15 تموز/ يوليو 2007.
[10] هاس، “مؤسسات الفكر والرأي وسياسة الولايات المتحدة الخارجية: وجهة نطر أحد صانعي السياسة”.
[11] Carpentier-Tanguy, “Influences et innovations politiques: Les Think tanks (perspective historique)”.
[12] جيمس ماكفان، “مؤسسات الفكر والرأي وتخطي السياسة الخارجية لحدود الأوطان،”
<http://www.aljazeera.net>.
[13] كريم القاضي، (مراكز الدراسات” المؤثرة على السياسة الخارجية الأمريكية،)
<http://acpss.ahram.org.eg/ahram/2001/l/l/FllE24.HTM>.
[14] هاس، “مؤسسات الفكر والرأي وسياسة الولايات المتحدة الخارجية: وجهة نظر أحد صانعي السياسة”.
[15] “اللوبي الإسرائيلي والسياسة الخارجية الأمريكية- دراسة،” مركز الإمارات للدراسات والإعلام، 28 نيسان/ إبريل 2006،
http://www.emasc.com/content.asp?contentid=1688
[16] المصدر نفسه.
[17] في هذا الإطار كان الملك محمد السادس قد أعلن في خطاب 20 آب/ أغسطس 2003 بمناسبة احتفال المملكة بثورة الملك والشعب عن تأسيس “المعهد الملكي للدراسات الاستراتيجية”، ويعمل فريق على إخراجه إلى حيز الوجود.
[18] من بين المواضيع التي أثيرت من طرف المعهد منذ تأسيسه ولها علاقة بالمغرب نذكر: اتفاقية التبادل الحر بين المغرب وأمريكا والعلاقات المغربية اليابانية والشراكة بين المغرب والاتحاد الأوروبي والاقتصاد المغربي في الميزان وعلاقة المغرب ببولونيا وكان آخر هذه المواضيع الانتخابات التشريعية في المغرب.
[19] الحسان بوقنطار، السياسة العربية للمملكة المغربية (باريس: مركز الدراسات العربي الأوروبي، 1997).
[20] محمد أزواغ، “اختصاصات رئيس الدول في النظام الدستوري المغربي،” (رسالة لنيل دبلوم الدراسات العليا في القانون العام، جامعة محمد الخامس، الرباط، 1987).
[21] محمد ضريف، النسق السياسي المغربي المعاصر: مقاربة سوسيو- سياسية (الدار البيضاء: أفريقيا الشرق، 1991).
[22] عبد الفتاح البلعمشي، “التقرير السنوي 06 20 للمركز المغربي للدبلوماسية الموازية وحوار الحضارات،”
[23] المصدر نفسه.
[24] مصطفى عنترة، “مستشارو الملك محمد السادس وسؤال حدود الاختصاص،”
<http://www.rezgar.com/ debat/ print.art.asp?aid=12981& ac=1>.
[25] للوقوف على دور احمد رضا كديرة في مجال السياسة الخارجية، انظر:
Mustapha Sehimi, Guedira: Fidélité et engagement (Paris: Publisud, 1996).
[26] محمد السماك، التحولات المشرقية في السياسة المغربية (بيروت: دار النفائس، 1996).
[27] المصدر نفسه.
[28] في عهد الراحل محمد الخامس فقد كان مجال الاستشارة الملكية ضيق جدا لأن المغرب كان في مرحلة التأسيس وقد كان الراحل الحسن الثاني في مرتبة مستشاره، فضلا عن بعض الوجوه كإدريس المحمدي وامبارك البكاي…
[29] حول مصادر تمويل المؤسسات البحثية، انظر:
Gaël Moullec, «Penser et orienter la société: Les Think Tanks dans le débat public aux Etats-Unis,» 10 septembre 2001, <http://www.robert-schuman.org/ question_europe.php?num=sy-14>.
[30] تقرير واشنطن، نقلا عن: شبكة النبأ المعلوماتية…<http://www.annabaa.org >
[31] محمد حسنين هيكل، “صناعة القرار الأمريكي الآن،” السفير، 1/ 7/ 2003.
[32] عباس بوغالم، “مراكز الأبحاث بين صناعة الأفكار وترشيد السياسات،” إسلام أون لاين، 12/7/ 2005،
< http:/ / http://www.islamonline.net/ arabic/ arts/ 2005/ 07/ articleO3a.shtm >
[33] آدم سيجال، “هل بدأت أمريكا تفقد تفوقها التكنولوجي،” ترجمة محمد علي ثابت، الثقافة العالمية (الكويت)، السنة 24، العدد 130 (آيار/ مايو-حزيران/ يونيو 2005).
[34] نسوق على سبيل المثال قناتي الجزيرة والعربية.
[35] في هذا الإطار تأتي مبادرة العاهل المغربي محمد السادس الرامية إلى إنشاء معهد الدراسات الدبلوماسية داخل أروقة جامعة الأخوين بمدينة إيفران.


