يونس سلامي
باحث في الشفافية الإدارية
تقديم
تحولت المجتمعات الحديثة تدريجيا إلى مجتمعات للمعرفة تحتل المعلومة موقعا محوريا داخلها، حيث إن تأثير التطور المتسارع لتكنولوجيا المعلومات والاتصال وتنامي حاجة الأفراد والجماعات إلى الشفافية وإلى الاضطلاع بدور أكبر في تدبير شؤونهم العامة ومراقبة المسؤولين عن هذا التدبير، إلى جانب انعكاسات العولمة الحقوقية وتأثيراتها على النظم القانونية الوطنية، قد ساهم في ارتفاع عدد الدول التي اعتمدت تشريعات تنظم الحق في الحصول على المعلومات والوثائق العامة.
وإذا كان الكشف عن المعلومات العامة يشكل أداة للشفافية والانفتاح، فإنه يعد أيضا عاملا مهما لتحقيق التنمية الاقتصادية والاجتماعية، فاستغلال المعلومات العامة وتوظيفها يؤدي إلى توليد المعرفة وخلق أنماط جديدة من المعلومات القابلة للاستعمال الاجتماعي والاستغلال العلمي والتجاري.
لقد أصبحت إعادة استعمال المعلومات المتأتية من القطاع العام موضوع اهتمام متجدد، وصل إلى درجة صياغة خطاب مؤيد لفتح الرصيد المعلوماتي للقطاع العام، مصدر هذا الخطاب هم المستعملون أنفسهم والجمعيات والصحفيون وعمالقة الأنترنت والإعلاميات المدافعون عن المعطيات المفتوحة[1]. فالنقاش العمومي اليوم هو وليد معرفة وفحص وتفسير معطيات وبيانات تحتفظ بها الإدارات العمومية وحدها دون غيرها[2].
وفي المغرب، لم تطرح إشكالية إعادة استعمال المعلومات إلا مع تأثير مدّ حركة المعطيات المفتوحة التي جعلت الحكومة المغربية تتنبّه إلى أهمية استغلال القيمة الاقتصادية والاجتماعية للمعلومات، فبادرت إلى إحداث أول بوابة وطنية للمعطيات المفتوحة هادفة بذلك إلى تشجيع عملية تحرير المعطيات العمومية، كما سعت إلى التأطير القانوني لإعادة استعمال المعلومات عبر إدراج بعض الأحكام المنظمة لها في القانون رقم 31.13[3] المتعلق بالحق في الحصول على المعلومات.
ويثير موضوع إعادة استعمال المعلومات العامة مجموعة من الإشكالات القانونية والعملية، الأمر الذي يستلزم إحاطته بالدراسة والتدقيق على ضوء ما هو معمول به في بعض التجارب الدولية. وعليه، سوف نتناول بالبحث مفهوم إعادة استعمال المعلومات والمبادئ التي تحكمه (الفرع الأول)، ثم سنتناول شروط وحدود إعادة الاستعمال (الفرع الثاني).
الفرع الأول: استعمال المعلومات بين الترخيص والتقييد
إن الأهمية التي صار موضوع إعادة استعمال المعلومات يحظى بها، والتي تُرجمت عبر تنظيم هذا الحق بموجب كثير من قوانين حرية المعلومات، تستدعي منا منهجيا تحديد مفهوم إعادة استعمال المعلومات (الفقرة الأولى)، ثم دراسة بعض المقتضيات القانونية والتطبيقات العملية لهذا المفهوم في المغرب وبعض التجارب الدولية (الفقرة الثانية).
الفقرة الأولى: مفهوم إعادة استعمال المعلومات وأهميته
لم يتعرّض المشرع المغربي إلى تحديد مفهومي استعمال وإعادة استعمال المعلومات العامة، بيد أننا نجد أن القانون الفرنسي قد ميّز في هذا الإطار بين عملية استعمال المعطيات العامة من طرف الهيئات العامة في إطار مهام المرفق العام التي تضطلع بها باعتبارها الغاية الأولى المتوخّاة من الوثائق والمعلومات العامة، وبين عملية إعادة استعمال هاته المعطيات والتي عرّفها المشرع الفرنسي بكونها استخدام المعطيات من قبل أشخاص آخرين غير الفاعلين العموميين، ولأغراض أخرى غير تلك المتعلقة بمهام المرفق العام.
تأسيسا على هذا التعريف، لا يعتبر تبادل المعلومات بين الفاعلين العموميين إعادة استعمال لها بالمعنى المقصود في القانون الفرنسي. فعلى سبيل المثال، لا يشكل استغلال المعطيات المتعلقة بالنقل العمومي (المواقيت، المسارات، التوقفات… الخ) إعادة استعمال لها سوى إذا تم هذا الاستغلال من قبل خواص[4].
ولا تأخذ عملية إعادة استعمال المعلومات شكلا واحدا، وإنما قد تكتسي صورا تختلف باختلاف العمليات التي يمكن أن تخضع لها البيانات والمعطيات العمومية، ويمكن تجميع هذه العمليات حسب التصنيف التالي[5]:
الاطـلاع: هو أبسط طرق الاستعمـــال، ويتمثل في الولوج المباشر إلى المعلومة بهـــدف الاطلاع أو بغاية إنارة السبيل أمام قرار أو خيار يتخذه مواطن أو مستهلك.
الوساطة: تتمثل في تيسير ولوج شرائح عريضة من المجتمع إلى المعطيات والبيانات عبر تبسيط شكلها ومحتواها.
الاستغلال بواسطة تطبيق رقمي: يمكن أن تشكل المعطيات العمومية بيانات أولية يوظّفها المطوّرون في إنشاء تطبيقات رقمية موجّهة لعرض خدمات على المستعملين (مواطنين ومستهلكين ومقاولات وإدارات).
إعادة الاستعمال المهنية: أي اعتبار المعطيات العمومية مادة خام يمكن أن تستعمل في مسلسل عمل المقاولة.
هذا التعدد في صور الاستعمال، يوازيه تعدد في المجالات التي تكتسي فيها إعادة استعمال المعلومات العامة أهمية كبرى بالنسبة للفاعلين الخواص، حيث غالبا ما ينصبّ اهتمام هؤلاء على المعطيات المتعلقة بالمجالات التالية[6]:
- مجال المعلومة الجغرافية وخاصة المعلومة الخرائطية؛
- مجال المعلومة القانونية التي تغذي سوق النشر القانوني؛
- مجال المعلومات عن الشركات وخاصة المعطيات المتعلقة بتحديد المقاولات والمسؤولين عنها والمعطيات الاقتصادية والمالية؛
- مجال معلومات الأرصاد الجوية؛
- مجال المعلومات المتعلقة بالملكية الصناعية وخاصة ما يتعلق ببراءات الاختراع والعلامات التجارية والرسومات والنماذج.
وإذا كان أول قانون في العالم ينظم الحصول على الوثائق العامة يعود إلى أواسط القرن الثامن عشر، فإن إشكالية إعادة استعمال المعطيات المتضمنة في هذه الوثائق لم تظهر إلا خلال سنوات التسعينيات مع انتشار الأنترنت، إذ غالبا ما كانت تتم معالجة مسألتي الحصول على المعطيات وإعادة استعمالها بشكل منفصل على الرغم من الترابط الكبير بين المفهومين، حيث إنه يصعب تصور إعادة استعمال البيانات والمعطيات في غياب قوانين الحصول على المعلومات العامة. ورغم وجود هذا التداخل إلا أن ا


