| الأستاذ المساعد الدكتوركفاية عبد الله العلي | الأستاذ الدكتورمحمد رمضان محمد |
جامعة البصرة – كلية التربية للعلوم الإنسانية
الخلاصة:
تشهد المناطق الريفية في قضاء أبي الخصيب تطوراً كبيراً وسريعاً خلال العقود الأربعة الأخيرة في عملية بناء المساكن من حيث التصميم ومواد البناء بحيث أصبحت تقترب في هذه الخصائص من المساكن في المدن أو تماثلها في كثير من الحالات. إلا أن الجانب الكمي بقي دون الإيفاء بحاجة جميع الأسر. تتجلى الصورة أكثر وضوحاً داخل القرى بسبب عدم تكافؤ بين ما متوفر من مساكن والحاجة إليها. وعلى الرغم من التوجه للسكن في الأراضي الزراعية لم يقلل من حدة أزمة السكن في قرى القضاء لعدم قدرة معظم أسرها المستحدثة من الحصول على قطعة أرض تقيم عليها مسكناً جديداً. من هنا جاءت هذه الدراسة لتسلط الضوء على أزمة السكن في المناطق الريفية في قضاء أبي الخصيب من خلال إبراز الأبعاد الكمية والنوعية لمشكلة العجز السكني في قرى قضاء أبي الخصيب وأثره في مستقبل الأراضي الزراعية.
المقدمة:
يعد السكن مطلباً أساسياً وحق من حقوق الإنسان معترف به دولياً. فقد نصت المادة 25 من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان على أن (كل إنسان الحق في مستوى من المعيشة كاف للحفاظ على صحته ورفاهيته هو وأسرته ويشمل الغذاء والملبس والمسكن والرعاية الطبية).(1) ويأتي في مقدمة وحدات القياس الكمية والنوعية لتقدم الشعوب ورفاهها الاقتصادي.(2) من هنا جاء ترتيبه في المرتبة الخامسة من بين المتغيرات العشرة التي يعتمدها الجغرافيين متغيرات أساسية يقيسون من خلالها نوعية الحياة الإنسانية.(3) وعلى الرغم من تلك الأهمية تمثل أزمة السكن اليوم مشكلة تعاني منها مختلف دول العالم على اختلاف نظمها ومستوياتها الاقتصادية والاجتماعية. وتكمن المشكلة في أن العرض السكني دون مستوى الطلب عليه، فيصبح ليس بمقدور العديد من المواطنين خاصة ذوي الدخل المحدود الحصول على مساكن لهم تملكاً أو إيجاراً.
مشكلة البحث
تمحورت مشكلة البحث في الأسئلة التالية:
1-ما هو الواقع السكني في قرى قضاء أبي الخصيب؟
2-هل تعاني قرى قضاء أبي الخصيب من عجز سكني؟ وما هو حجمه؟
3-هل ساهم التوسع السكني على حساب الأراضي الزراعية في القضاء من معالجة مشكلة العجز السكني في القرى أو التخفيف من حدتها؟
فرضية البحث:
حددت فرضية البحث بما يلي:
1-أن العرض السكني في قرى قضاء أبي الخصيب قاصراً عن تلبية الطلب عليه، وأن الفجوة بين الاثنين تتسع سنة بعد الأخرى بسبب عدم مسايرة النمو في بناء المساكن النمو السكاني والأسري.
2-تشهد المناطق الريفية في قضاء أبي الخصيب حركة عمرانية واسعة من حيث عدد المساكن ونوعيتها إلا أن معظم ذلك يحدث خارج القرى.
3-أن مساهمة التوسع السكني على حساب الأراضي الزراعية المحيطة بالقرى في معالجة مشكلة العجز السكني في القرى أو التخفيض من حدتها محدودة.
هدف البحث:
تسعى هذه الدراسة إلى تحليل الواقع السكني في قرى قضاء أبي الخصيب، وتحديد حجم العجز السكني فيها، والتعرف على مدى مساهمة التوسع السكني على حساب الأراضي الزراعية المحيطة بتلك القرى في معالجة مشكلة العجز السكني فيها أو التخفيف من حدتها.
الحدود المكانية والزمانية:
1-الحدود المكانية: تتمثل الحدود المكانية للبحث بقضاء أبي الخصيب الذي يحتل القسم الجنوب الشرقي من محافظة البصرة، وينحصر بين دائرتي عرض 15′ 30º – 30′ 30º شمالاً وقوسي طول 45 47 – 22 48 شرقاً يحده قضاء البصرة من الشمال وقضاء الفاو من الجنوب ويشكل مجرى شط العرب حدوده الشرقية في حين يحده قضاء الزبير من الغرب. خارطة (1) تبلغ مساحة القضاء (1152)كم2، وتشكل (6.041%) من مساحة محافظة البصرة البالغة (19070)كم2.(4) وتتوزع هذه المساحة على (81) مقاطعة يقع منها (62) مقاطعة ضمن مركز القضاء و(19) مقاطعة ضمن ناحية السيبة (الملغاة). جدول (1)، خريطة (2).
2-الحدود الزمانية: عدت الدراسة سنتي 1970-2012 حدوداً زمانية
استند البحث في استقصاء الحقائق على المعلومات والبيانات التي جمعت من الدراسة الميدانية التي شملت على توزيع (1727) استمارة استبانة، يمثل هذا العدد مجموع الآسر في (10) مقاطعات، تمثل (16.13%) من مجموع المقاطعات التي يتكون منها مركز القضاء البالغة (62) مقاطعة، روعي في اختيارها موقعها وهي جيكور، باب طويل، نهر خوز، العوجة، السبيليات الشرقية، يوسفان، الجديدة وحمدان المعاريف، فجة النعمة، خريبط وكوت النصار، السراجي، أم النعاج. خارطة (2). والمقابلات مع العديد من أبناء المناطق الريفية، إضافة إلى المعلومات والبيانات من الدوائر ذات العلاقة.
واقع السكن الريفي في قضاء أبي الخصيب
يغلب على قضاء أبي الخصيب الطابع الريفي، إذ يضم القضاء مركزاً حضرياً وحداً يتمثل بمدينة أبي الخصيب التي لا تتجاوز مساحتها (3.27)كم2(5) (1308) دونم، تمثل (0.28%) من مجموع مساحة القضاء البالغة (1152)كم2، أما المساحة الباقية يمكن توزيعها على منطقتين هما:-
1-نطاق النخيل الذي ينحصر بين مجرى شط العرب وطريق بصرة – فاو وبعرض يتراوح (3.5 – 6)كم وبمساحة (169.73)كم2.(6) ويضم جميع المستوطنات الريفية في القضاء.
2-منطقة السباخ تحتل القسم الغربي من القضاء، وتنحصر بين طريق بصرة – فاو، وشط البصرة الذي يمثل الحدود الغربية للقضاء. وتستأثر بالجزء الأعظم من مساحته، حيث تبلغ (979)كم2.(7) تمثل (84.98%) من مساحة القضاء. وعلى الرغم من سعة مساحة هذه المنطقة إلا أنها تخلو من أية مستوطنة.
وبهدف الوقوف على واقع السكن الريفي في القضاء وبما يتعلق بموضوع هذه الدراسة فقد تم دراسة هذه الفقرة على محورين تضمن الأول دراسة أنماط السكن الريفي في القضاء وخصص الثاني لدراسة العجز السكني في القرى.
أنماط السكن الريفي
يتخذ السكن الريفي في قضاء أبي الخصيب نمطين هما:
1- السكن الريفي المنعزل (المبعثر):
يمكن أن نميز نوعين من السكن الريفي المبعثر في القضاء هما:-
أ-المساكن المنتشرة في بساتين النخيل المحيطة بالقرى وتشكل هذه المساكن (49.57%) من مجموع المساكن الريفية في المقاطعات المشمولة بالعينة. وسوف نتعرض لهذا النوع من السكن بشيء من التفصيل لاحقاً.
ب-المساكن المنتشرة على الأطراف الغربية لنطاق النخيل وعلى مقربة من طريق بصرة – فاو. فهي تظهر في عدة مقاطعات أهمها بلد محزم والجديدة وحمدان المعاريف، والعوجة، وغيرها.
ويظهر هذا النوع من السكن إما على شكل مساكن منفردة أو على شكل تجمعات صغيرة لا يتجاوز عددها عن (5-6) مساكن، ومعظم ساكنيها من المهاجرين الذين قدموا محافظة البصرة من محافظة ذي قار خلال النصف الأول من القرن الماضي واستقروا في هذه الأماكن. وتشكل مساكن هذا النوع (4.62%) من مجموع المساكن الريفية في القضاء.
1- السكن الريفي المتجمع:
هذا ما يعبر عنه بالقرية، وهنا ينبغي التفريق بين القرية والمقاطعة. إذ تمثل أراضي القرية جزءاً من أراضي المقاطعة وهو الجزء المبني منها، وقد تشمل المقاطعة قرية واحدة أو أكثر تحيط بها الأراضي الزراعية المتمثلة ببساتين النخيل.
وتبدو المساكن في القرى بشكل متجمع بل تلتصق كل مجموعة منها مع بعضها تاركة بينها مسالك ضيقة لا يصلح بعضها إلا لمرور المشاة.
يضم القضاء (77) قرية، ينتشر هذا العدد ضمن نطاق النخيل المار الذكر، ولما كانت مساحة هذا النطاق لا تتجاوز (173)كم2، فإن ذلك يجعل كثافة الاستيطان فيه (44.51)قرية/100كم2.(8)
وتدرج جميع القرى في القضاء ضمن القرى التقليدية، وهذا النوع من القرى نشأ ونما بشكل عشوائي بعيداً عن التخطيط المسبق له من قبل جهة تخطيطية مسؤولة، وإنما بفعل عوامل ودوافع طبيعية وبشرية أعطت لهذا المكان الذي نشأت عليه تلك القرى صلاحية أكثر من غيره لاستقرار الإنسان فيه.(9)
إن نمط الزراعة السائد في القضاء المتمثل بزراعة محاصيل البستنة خاصة زراعة النخيل وإنتاج التمور أثر في تحديد شكل القرى المنتشرة فيه، إذ فرض هذا النمط بناء القرية بشكل متجمع وسط البساتين حتى يمكن الوصول إليها بسهولة، لهذا اتخذت القرى أشكال متعددة منها المربع والمستطيل والشريطي أو الخطي ويتجلى الشكل الأخير واضحاً في القرى الواقعة على جانبي الطريق الذي يربط مركز القضاء بمدينة البصرة مثل قرى السراجي، وعويسيان، وعبد إليان، والمحيلة، وأبو مغيرة، ونهر خوز.
تميزت خريطة استعمالات الأرض في قرى القضاء بالتغير المستمر ارتبط هذا التغير بالظروف السياسية والاقتصادية والاجتماعية التي مر بها القطر خلال العقود الأربعة الأخيرة. إلا أنه بقي الاستعمال السكني يستأثر بالجزء الأعظم من مساحة الرقعة المبنية في تلك القرى حيث يصل معدلها في القرى المشمولة بالعينة (73.57%)، وتتفاوت هذه النسبة بين قرية وأخرى تبعاً لموقعها وحجمها وتأثيرها في القرى الأخرى لوقوع بعض المؤسسات الخدمية فيها كالمدارس، والمراكز الصحية ودوائر البريد مثل قرى حمدان البلد، وأبو مغيرة، ومهجران وغيرها، إذ تمثل الأولى مركزاً خدمياً للعديد للقرى المجاورة.
العجز السكني في القرى:
يراد بالعجز السكني عدم التكافؤ بين عدد الأسر والوحدات السكنية التي تشغلها للسكن في مدة زمنية محدودة.(10) وهي مشكلة متعددة الجوانب لكونها تتعلق بقضايا اقتصادية واجتماعية وتشريعية وإدارية.(11) ويصنف العجز السكني إلى نوعين هما:
أولاً: العجز السكني النوعي
يشمل جميع المساكن غير الصالحة للسكن وقد شهد هذا النوع من العجز في المناطق الريفية في القضاء انخفاضاً واضحاً حيث انخفض من (263) مسكناً عام 1970 إلى (33) مسكناً عام 2012 في القرى المشمولة بالعينة، وبمعدل نمو سالب مقداره (-4.8%). جدول (2)
جاء هذا الانخفاض نتيجة رغبة العديد من أبناء الريف في القضاء تحسين مساكنهم. واتخذت عملية تحسين المسكن شكلين:
1-تغيير مادة البناء من الطين أو القصب إلى البلوك أو الطابوق أو الثرمستون مع الاحتفاظ بطراز المسكن وفي الغالب أن تصاميم تلك المساكن عشوائية مختلفة حيث لا يوجد طراز خاص موحد لجميع المساكن في القرية. وعادة ما تكون هذه العملية على عدة مراحل إذ لا يشترط هدم البيت بالكامل وإعادة بنائه.
2-بناء مساكن جديدة على الطراز الحديث (الغربي) التي أخذت تنتشر في ريف القضاء منذ بداية النصف الثاني من عقد السبعينيات من القرن الماضي. ويمتاز هذا النوع من المساكن بإمكانية استفادة أصحابه من السطح في بناء طابق ثاني لاستيعاب النمو الأسري في العائلة. تشكل المساكن التي تعود لهذا الصنف (23.683%) من مجموع المساكن في القرى المشمولة بالعينة.
لعبت عوامل عديدة في نشاط حركة البناء التي شهدتها المناطق الريفية خاصة خلال عقد السبعينيات من القرن الماضي منها تحسن المستوى المعيشي لمعظم سكان الريف، قد ارتفع متوسط دخل الفرد في العراق من (80.5) ديناراً عام 1964.(12) إلى (530.5) ديناراً عام 1978(13) قيام المصرف العقاري خلال المدة 1975-1983 بتقديم القروض إلى المواطنين خاصة أصحاب الدخل المحدودة مما شجعهم على الإقبال على بناء المساكن، أو إدخال تحسينات على المساكن القديمة. فقد بلغ عدد المستفيدين من قروض المصرف في قرى المعاريف والجديدة والسراجي 4,6,13 لكل منها على التوالي. وشجع على ذلك توفر مواد البناء مثل السمنت والجص والطابوق.
جدول (2)
مؤشرات العجز السكني في قرى قضاء أبي الخصيب (عينة مختارة) للمدة 1970 – 2012
| السنة | عدد السكان | عدد الأسر | عدد السكان | معدلات النمو | العجز السكني | ||||||||||
| غير صالحة* | صالحة | المجموع | % من المجموع | المساكن غير الصالحة | المساكن الصالحة | مجموع المساكن | عدد الأسر | عدد السكان | العجز النوعي | العجز العددي | العجز الكلي | نسبة العجز** | |||
| 1970 | 263 | 54 | 317 | 73.55 | 441 | 1599 | -4.8 | +5.1 | +0.9 | +16 | +14 | 263 | 124 | 387 | 28.12 |
| 2012 | 33 | 443 | 476 | 45.81 | 860 | 2861 | 33 | 384 | 417 | 440651 | |||||
المصدر: الدراسة الميدانية
* عدت هذه الدراسة مساكن الطين والصرائف وخيم الشعر مساكن غير صالحة حسب المقاييس العالمية الصحية.
انظر: نجلاء عبد الله، مشكلة السكن في العراق واقعها وسبل معالجتها، رسالة ماجستير، جامعة بغداد، 1980، ص6هـ.
** نسبة العجز، هي الفرق بين عدد الأسر وعدد الوحدات السكنية في مدة معينة مقسوماً على عدد الأسر مضروباً في 100.
انظر: خليل إسماعيل محمد، أنماط الاستيطان الريفي في العراق، بغداد، مطبعة الحوادث، 1982، ص315.
ثانياً: العجز السكني العددي:
يعتبر هذا النوع من العجز السكني أساس وجوهر المشكلة السكنية في العراق. ويحدث عندما يكون التزايد في أعداد السكان والأسر بمعدل أكبر من عدد المساكن. فينتج عنه عدم تكافؤ بين ما متوفر من مساكن والحاجة إليها وبالتالي ليس بمقدور جميع الراغبين للحصول على سكن خاصة ذوي الدخول المحدودة الحصول عليه بما يتناسب ودخلهم.
تشير بيانات الجدول (2) إلى تفوق معدلا النمو السكاني والأسري على معدل النمو في عدد المساكن في القرى المشمولة بالعينة خلال المدة 1970-2012، إذ بلغ الأول (1.4%) وهذا يعكس أن سكان القرى قد ازداد بمقدار (1.8) مرة خلال المدة أعلاه. جاءت هذه الزيادة من عاملي الزيادة الطبيعية والهجرة. فقد تعرضت المناطق الريفية في القضاء إلى الهجرة من مناطق مختلفة من المحافظة. إذا استقبلت هذه المناطق أعداد كبيرة من سكان قضاء الفاو والمناطق الجنوبية من قضاء شط العرب على أثر خضوع مناطق سكناهم للعمليات العسكرية أثناء الحرب العراقية – الإيرانية (1980-1988) وعلى الرغم من الإفراغ القسري لسكان القضاء بسبب احتلال إيران الأجزاء الجنوبية من قضاء شط العرب في 17/1/1987 ووقوع مساحات واسعة من الأراضي المحافظة ضمن حدود المدفعية الإيرانية، إلا أنه سرعان ما عاد السكان إلى مناطق سكناهم بعد زوال تلك الظروف بل استقبلت أراضي القضاء مهاجرين جدد قدموا إليها من مناطق أخرى من المحافظة. وقد شكل هؤلاء جزءاً لا يستهان به من سكان القرى التي استقروا فيها.
رافق الزيادة في أعداد السكان زيادة في أعداد الأسر حيث ازداد عددها من (441) أسرة عام 1970 إلى (860) أسرة عام 2012. بزيادة مطلقة قدرها (419) أسرة وبمعدل نمو سنوي قدره (1.6%) وجاءت هذه الزيادة من عاملين هما الهجرة والزواج إذ ساهم العامل الأول بـ(39.22%) من مجموع الزيادة في أعداد الأسر خلال المدة 1970-2012، والعامل الثاني بـ(60.78%) منها.
أما عدد المساكن فقد ازداد من (317) مسكن عام 1970 إلى (476) مسكن عام 2012 بزيادة مطلقة قدرها (159) مسكن، وبمعدل نمو سوي قدره (0.9%).
يظهر مما تقدم أن الزيادة في أعداد السكان والأسر لا تصاحبها زيادة متكافئة في عدد المساكن خلال المدة 1970-2012 وتبعاً لذلك ارتفع العجز السكني العددي من (124) مسكن بنسبة عجز (28.12%) في العام الأول إلى (384) مسكن وبنسبة عجز (44.65%) في العام الثاني وبمعدل نمو سنوي قدره (2.7%).
إن هذا يرتبط ببعض عناصر مورفولوجية تلك القرى حيث تصنف قرى القضاء بأنها من القرى المدمجة حيث تلتصق المساكن أو كل مجموعة منها مع بعضها. أن السكن الملاصق لا يتيح التوسع المستقبلي للسكن سواء بإقامة مساكن جديدة أو توسيع المسكن القديم إذا رغب أحد الأبناء الانفصال عن العائلة. وإذا كانت هناك ثمة مساحات فارغة في بعض القرى فإن وجودها لا يعني أنها فائضة عن حاجة السكان وإنما يرجع إلى مشكلات تتعلق بملكيتها. كما تمثل البساتين المحيطة بالقرى عوارض أو حواجز تمنع توسعها لذلك عندما تتحدد تلك القرى في توسعها تبدأ بالنمو من الداخل بحيث تشغل المساكن الفضاءات المتواجدة بين المساكن القديمة. إن كل ذلك يعمل على ارتفاع الكثافة السكنية (مسكن/هكتار) في مثل تلك القرى، حيث يتراوح معدلها (35-40) مسكن/هكتار. وتكاد تكون هذه الكثافة متقاربة في جميع القرى وهو معدل عالي. هذا يرتبط بمساحة القطع التي تشغلها المساكن فهي ليست كبيرة ومتقاربة إذ تتراوح بين (150-250)م2.
لقد ترتب على عدم التكافؤ بين معدل النمو السكاني والأسري من جهة ومعدل النمو في المساكن من جهة أخرى، زيادة الكثافة السكنية بأنواعها المختلفة والتي يمكن التعبير عنها بمقاييس عديدة يمكن تقسيمها إلى نوعين هما:
1-مقايس الكثافة السكنية خارج الوحدة السكنية، كعدد الأشخاص أو الوحدات السكنية في وحدة مساحية معينة (الهكتار) وقد تمت الإشارة إلى هذا النوع في الصفحات السابقة.
2-مقايس الكثافة السكنية داخل الوحدة السكنية وتقسم بدورها إلى:
أ-الكثافة السكنية (فرد/مسكن).
ب-الكثافة السكنية (فرد/غرفة).
ج-الكثافة السكنية (أسرة/مسكن).
يعبر النوع الأول عن حجم العائلة، حيث ارتفع معدل حجم العائلة في القرى المشمولة بالعينة من (5.04) فرد/عائلة عام 1970 إلى (6.01) فرد/عائلة عام 2012. جدول (3) وقد تجاوزت أكثر من (83%) من مجموع العوائل الممسوحة هذا المعدل ليصل في بعضها إلى أكثر من (10) فرد/عائلة، وهو معدل عالي يعكس حجم الصعوبات التي تواجه أفراد تلك العوائل في الحصول على مساكن مستقلة على الرغم من توفر الرغبة.
جدول (3)
معدل الكثافة السكنية في المناطق الريفية في قضاء أبي الخصيب عامي 1970، 2011
| السنة | الكثافة السكنية | ||
| فرد/مسكن | فرد/غرفة | أسرة/مسكن | |
| 1970 | 5.04 | 2.09 | 1.39 |
| 2012 | 6.01 | 3.38 | 1.81 |
المصدر: الدراسة الميدانية
إن زيادة حجم العائلة له تأثير على الطاقة السكنية وهذا ما يعبر عنه بمعدل الأشغال (فرد/غرفة) ويسمى أيضاً بكثافة الأسرة Household Density أو بالكثافة الاجتماعية Social Density وهو دليل مهم لتحديد درجة الاكتضاض داخل الوحدة السكنية.(14) فقد ازداد هذا المعدل من (2.09) فرد/غرفة عام 1970 إلى (3.38) فرد/غرفة عام 2012 جدول (3).
إن استيعاب الزيادة في عدد الأسر كان من خلال سكن أكثر من أسرة في مسكن واحد. وتعكس بيانات الجدول (4) هذه الحقيقة.
جدول (4)
توزيع المساكن في قرى قضاء أبي الخصيب (عينة مختارة) حسب عدد العوائل التي تشغلها لعامي 1970 و2012
| السنة | عدد المساكن | عائلة واحدة | عائلتان | ثلاث عوائل فأكثر | |||
| العدد | % | العدد | % | العدد | % | ||
| 1970 | 317 | 235 | 74.13 | 79 | 24.92 | 3 | 0.95 |
| 2012 | 476 | 196 | 41.18 | 168 | 35.29 | 112 | 23.53 |
المصدر: الدراسة الميدانية
ويلاحظ من الجدول (4) أن (64.71%) من مجموع المساكن في القرى المشمولة بالعينة مشغولة بأكثر من أسرة في عام 2012 بينما لم تزد هذه النسبة في عام 1970 عن (25.87%) وهذا يعني أن هناك تزايد مستمر في إعداد الأسر في القرى التي لا تتوفر لها مساكن مستقلة فقد ازدادت نسبتها من (21.08%) في عام 1970 إلى (46.88) في عام 2012. أن اشتراك أكثر من أسرة في مسكن واحد قد زاد من الكثافة السكنية للأسرة التي ارتفع معدلها من (1.39) أسرة/مسكن عام 1970 إلى (1.81) أسرة/مسكن عام 2012. وتتجاوز في بعض المساكن هذا المعدل لتصل إلى (3-4) أسرة/مسكن، أن سكن أكثر من أسرة في مسكن واحد ظاهرة شائعة في المناطق الريفية في القضاء على الرغم من وجود النزعة الاستقلالية لدى المتزوجين الجدد. ولم يكن هناك سبب واحد لهذه الظاهرة بل أسباب عديدة، يقف في مقدمتها عدم قدرة أفراد الأسر المستحدثة في العائلة الحصول على مسكن مستقل سواء تملك أو إيجار لارتفاع أسعار الأراضي والإيجارات ومواد البناء مقارنة بالدخل.
التأثير العجز السكني في القرى على الأراضي الزراعية
يتوزع السكن في المناطق الريفية في القضاء بين القرى والأراضي الزراعية المحيطة بها. وقد استأثرت الأولى بـ(70-80%) من مجموع المساكن في تلك المناطق في بداية عقد السبعينيات من القرن الماضي. إن ارتفاع هذه النسب دليل رغبة الإنسان في الريف العيش مع الجماعة والاستفادة من ظروف التعاون في جميع مجالات الحياة، إلا أن عدم قدرة القرى على استيعاب الزيادة في الأسر سواء الناتجة من النمو السكاني والأسري في المناطق الريفية نفسها أو القادمة إليها، دفع ذلك التوجه نحو السكن في الأراضي الزراعية وساعد على ذلك إمكانية الحصول على خدمات الماء والكهرباء في مواقع سكناهم الجديدة، إضافة إلى سهولة التنقل لتحسن العديد من الطرق الريفية من جهة وحوزة نسبة ليست بالقليلة من تلك الأسر لوسائط نقل.
يلاحظ من الجدول (5) زيادة أعداد المساكن في الأراضي الزراعية خلال المدة (1970-2012) حيث ازدادت من (114) مسكناً في العام الأول إلى (831) مسكناً في العام الثاني، وبعدل نمو سنوي (4.8). وتوزعت هذه الزيادة على نوعين من السكن هما:-
جدول (5): تطور أعداد المساكن في الأراضي الزراعية في قضاء أبي الخصيب (مقاطعات مختارة) لعامي 1970-2012
| السنة | نمط السكن | عدد المساكن | % من المجموع | معدل النمو |
| 1970 | سكن منفرد | 114 | 100 | 4.8 |
| تجمعات سكنية | – | – | ||
| المجموع | 114 | 100 | ||
| 2012 | سكن منفرد | 423 | 50.90 | |
| تجمعات سكنية | 408 | 49.10 | ||
| المجموع | 831 | 100 |
المصدر استمارة الاستبيان
أولاً: السكن المنفرد
إن ظاهرة السكن في الأراضي الزراعية (البساتين) المحيطة بالقرى في قضاء أبي الخصيب ليست حديثة عهد بل هي قديمة ربما ارتبطت بتاريخ الاستيطان الريفي فيه وكان يتمثل بسكن العائلة الحائزة للبستان أو إحدى الأسر التابعة لها. وعادة ما كان تحدد المساحة التي يقام عليها المسكن داخل البستان عرفاً أو قانوناً.
حققت أعداد مساكن هذا النوع زيادة واضحة خلال المدة 1970-2012 حيث ازدادت من (114) مسكن في العام الأول إلى (423) مسكن في العام الثاني في المقاطعات المشمولة بالعينة، وبمعدل نمو قدره (3.2). رافق الزيادة في أعداد المساكن في البساتين، تغير الأهمية النسبية لها، فبعد أن كانت لا تتجاوز (26.45) في بداية المدة (1970-2012)، ارتفعت إلى (32.36) في نهايتها جدول (5). وتشير تلك النسب إلى اقتراب عدد المساكن في البساتين من مثيلتها في القرى في بعض المقاطعات، ويعكس ذلك الزيادة المطردة في النمو الأسري وحجم الطلب على السكن، جاءت الزيادة في عدد المساكن في البساتين من:
1-عجز المساكن في القرى من استيعاب الزيادة في الأسر الأمر الذي دفع بعض العوائل التي بحوزتها أراضي زراعية ضمن حدود المقاطعة أو في مقاطعات أخرى في القضاء أفرادها إلى السكن في تلك الأراضي. وشكلت مساكن هؤلاء (9.09%) من مجموع الزيادة المتحققة في عدد المساكن في البساتين.
2-انتقال حيازة بعض الأراضي الزراعية عبر عملية الشراء إلى بعض العوائل. فعلى أثر التدهور الذي أصاب قطاع زراعة النخيل وإنتاج التمور في جميع مناطقه في العراق ومنها منطقة الدراسة.(15) منذ بداية عقد السبعينيات من القرن الماضي والظروف السياسية والاقتصادية التي يمر بها القطر خاصة خلال العقدين الأخيرين، جعلت بعض ملاك البساتين وأصحابها يفكروا ببيع الأراضي الزراعية التي بحوزتهم أو جزء منها، وشجعهم على ذلك توفر الرغبة لدى بعض الأفراد من ذوي الدخول المرتفعة من استثمار جزء من أموالهم في شراء البساتين، توزعت هذه الأراضي على مجموعتين من العوائل تمثلت الأولى بالعوائل التي تسكن في قرى القضاء والتي سمحت لها إمكاناتها المالية شراء بعض الأراضي الزراعية وتشكل هذه الأراضي (1.07%) من مجموع الأراضي التي انتقلت حيازتها خلال المدة (1970-2012) مقابل (98.93%) للمجموعة الثانية من العوائل التي قمت من خارج حدود القضاء. والتي تقسم بدورها إلى قسمين هما:-
أ-العوائل التي فضلت السكن في البساتين التي حازتها لذلك قامت ببناء مساكن لها فيها. وتشكل هذه المساكن (67.74%) من مجموع الزيادة المتحققة في عدد المساكن في البساتين.
ب-العوائل التي بقيت في مناطق سكناها الأولى واتخذت من البساتين التي آلت إليها عبر عملية الشراء أماكن للترفيه والنزهة يرتادونها أيام العطل والمناسبات لذلك حرص أصحابها على اختيار الأماكن والمواقع التي تحقق هذا الفرض ويعكس التوزيع الجغرافي لهذه البساتين هذه الحقيقة، إذ يظهر أكثر تركز لها في القسم الأوسط والشمالي من القضاء كما في مقاطعات حمدان ومهيجران ويوسفان وفجة النعمة ومحولة الزهير.
ثانياً: التجمعات السكنية
على الرغم من القوانين التي تمنع التجاوز على الأراضي الزراعية لصالح الاستعمالات الأخرى السكنية، التجارية، الصناعية، الخدمية، تتعرض الأراضي الزراعية في قضاء أبي الخصيب منذ عام 2003 لأكبر عملية زحف عمراني، فقد أزيلت أشجار النخيل من مساحات ليست بالصغيرة وطمرت القنوات الإروائية التي ترويها، ومن ثم تقسيمها إلى قطع مختلفة المساحة لإقامة التجمعات السكنية عليها. وقد شجع نظام حيازة الأرض الزراعية السائد في القضاء، جدول (6) على هذه الظاهرة. إذ يتبين منه أن أراضي الملك الصرف – الملكيات الخاصة، أراضي القاصرين، الأموال المجمدة – تستأثر بـ(78.36%) من مجموعة مساحة الرقعة الزراعية في القضاء البالغة (48193) دونم والذي زاد من ذلك أن (53.61%) من مجموع ملاك تلك الأراضي غائبون عن أراضيهم (ملاك غائبون) منهم أو من آلت إليهم الأراضي من ورثتهم سكن في المراكز الحضرية القريبة وآخرون وجدوا ضالتهم خارج القطر خاصة في بعض الدول المجاورة مثل الكويت والسعودية وتركوا أمر متابعة استغلال بساتينهم إلى بعض الأشخاص (الوكلاء) وقد وجد أن (41.31%) من مجموع البساتين التي تتعرض لتلك الظاهرة تعود إلى الصنف الثاني.
جدول (6) أصناف ومساحة الأراضي الزراعية في قضاء أبي الخصيب
| صنف الأرض | المساحة (دونم) | % من المجموع |
| الملكيات الخاصة | 37001 | 76.77 |
| أراضي الإصلاح الزراعي الموزعة | 5831 | 12.10 |
| أراضي الإصلاح الزراعي المؤجرة | 1595 | 3.31 |
| أراضي الأوقاف | 3001 | 6.23 |
| أراضي القاصرين | 365 | 0.76 |
| الأموال المجمدة | 400 | 0.83 |
| المجموع | 48193 | 100 |
المصدر: محمد رمضان محمد، التحليل الجغرافي لمشكلات الزراعة في قضاء أبي الخصيب، أطروحة دكتوراه، جامعة البصرة، 2003، ص124.
لقد تبين من الدراسة الميدانية أن غالبية إن لم نقل جميع المقاطعات ضمن حدود مركز القضاء البالغة (62) مقاطعة تعرضت بعض أراضيها الزراعية إلى عملية التجاوز من قبل الاستعمال السكني سواء أقيمت عليها التجمعات السكنية أو هيأت لهذا الغرض ويبدو أن المقاطعات الوسطى مثل المعاريف والجديدة وحمدان البلد والرومية وبلد نجدي وبعض المقاطعات الشمالية مثل مناوي لجم والمطيحة وأم النعاج كانت أكثر من غيرها تعرضاً لهذه الظاهرة.
لقد ساهمت التجمعات السكنية المقامة على الأراضي الزراعية بمقدار (57.70%) من مجموع الزيادة المتحققة في عدد المساكن في الأراضي الزراعية خلال المدة 1970-2012 ولكن الأهم من ذلك هو مقدار مساهمة التوسع السكني على حساب الأراضي الزراعية بنوعية السكن المنفرد أو التجمعات السكنية في معالجة مشكلة العجز السكني التي تعاني منها القرى والتي تبينت أبعادها سابقاً أو التخفيف من حدتها. وهذا يفرض معرفة الجهات التي قدمت منها الأسر الحائزة لتلك الأراضي والتي كانت على النحو التالي:
1-مساكن الأسر المستحدثة من انشطار العوائل التي كانت تسكن في البساتين. وشكلت (9.07%) من مجموع الزيادة المتحققة في عدد المساكن في الأراضي الزراعية.
2-مساكن الأسر القادمة من القرى المجاورة ولا تتجاوز نسبتها أكثر من (2.36%).
3-مساكن الأسر القادمة من خارج حدود المناطق الريفية في القضاء، خاصة من مدن البصرة وأبي الخصيب، والزبير، وشط العرب. حيث دفعت هذه المدن وخاصة الأولى منها العديد من أسرها الباحثة عن سكن يتناسب ودخولها باتجاه تلك الأراضي. وشكلت مساكن هؤلاء (88.57%) من مجموع الزيادة المتحققة.
إن انخفاض نسبة مساكن الصنف الأول كان بسبب:
1-انخفاض نسبة العوائل في القرى الحائزة على أراضي زراعية وتتباين هذه النسبة بين القرى فهي تنخفض بشكل واضح في القرى التي تقع في القسم الشرقي من نطاق النخيل أي المحصورة بين طريق بصرة – أبي الخصيب الداخلي ومجرى شط العرب مثل فريج الصخر وكوت الضاحي ومحولة الزهير وفجة النعمة ويوسفان والسبيليات الشرقية وكوت الفداغ وغيرها، حيث تتراوح بين (9.06-15.84%) من مجموع العوائل في تلك القرى، وتزيد قليلاً في بقية المقاطعات فيتراوح معدلها بين (16.67 – 23.31) ويرتبط هذا الانخفاض بنظام ملكية الأراضي الزراعية في القضاء حيث آلت معظم الأراضي الزراعية فيه منذ أواخر العهد العثماني وحتى تشريع قانون الإصلاح الزراعي رقم 30 لسنة 1958 إلى بعض الأفراد والجهات عبر طرق مختلفة، وشكل هؤلاء بدورهم طبقة الملاك، وكان معظم هؤلاء يعيشون بعيداً عن أراضيهم أن سوء توزيع الملكية هذا حرم العديد من الأسر الريفية من الأراضي الزراعية، إلا بعض الأسر التي تمكنت فيما بعد من وضع أيديها على بعض الأراضي عبر عدة طرق منها الشراء أو التعاقد أو المغارسة.(16)
2-عدم التكافؤ بين مستوى الدخل لدى غالبية الأسر في القرى وأسعار الأراضي المحيطة بها. إن الحصول على قطعة أرض هي أول متطلبات إقامة الوحدة السكنية إلا أن هذا المطلب ليس سهل المنال خاصة للأسر ذات الدخل المحدود بسبب الارتفاع المتواصل في أسعار الأراضي على أثر الطلب المتزايد عليها. فقد ارتفع معدل سعر المتر المربع الواحد من الأراضي الزراعية في القضاء من (15000) ديناراً عام 2003 إلى (150000) ديناراً عام 2011 بمعدل سنوي قدره (33.3%) ولما كانت الأرض كأية سلعة تعرض في السوق فهي عرضة لقوى العرض والطلب وهذا يفسر لنا ارتفاع أسعارها. ففي المقاطعات التي تمثل مناطق جذب للأسر الباحثة عن سكن أكثر من غيرها مثل البراضعية ومناوي لجم ويوسفان وحمدان ومهيجران ونهر خوز وغيرها. حيث بلغ معدل سعر المتر المربع الواحد فيها (500)، (300)، (230)، (210)، (200)، (175) ديناراً لكل منها على التوالي. وتسجل أقل سعر لها في المقاطعات الواقعة في القسم الغربي من نطاق النخيل مثل العوجة، اللقطة، خريبط وكوت النصار، حيث تراوح معدل سعر المتر المربع الواحد فيها بين (25000 – 75000) ديناراً. وتسجل الأراضي في المقاطعات الأخرى أسعاراً بين هذه وتلك. ويبدو من العرض السابق أن قيمة الأراضي في المناطق الريفية لا ترتبط فقط بالبعد عن المدن والمتمثلة هنا بمدينتي البصرة وأبي الخصيب وإنما تتأثر بطبيعة المكان نفسه من كونه مركز جذب للاستقرار البشري.
إن الزيادة المستمرة في سعر الأرض لم يقابلها بنفس المستوى زيادة في دخول معظم الأسر في القرى، فقد تبين أن أكثر من (65.70%) من مجموع تلك الأسر لا يتجاوز معدل دخلها الشهري عن (300000) ديناراً. يوجه معظم هذا الدخل إن لم نقل جميعه لتأمين الاحتياجات الضرورية لتلك الأسر مما لا يتيح فرصة لها للادخار لتهيئة المبلغ اللازم لإقامة الوحدة السكنية. لذلك تسعى تلك الأسر إلى التكدس في مساكن مزدحمة لعدم قدرتها الحصول على مسكن إيجار أو تملك أو قطعة أرض تقيم عليها مسكن جديد.
النتائج
في ختام هذه الدراسة يمكن التوصل إلى ما يلي:
1-تشهد المناطق الريفية في قضاء أبي الخصيب تطوراً كبيراً وسريعاً في السنوات الأخيرة في عملية بناء المساكن من حيث العدد والتصميم ومواد البناء بحيث أصبحت تقترب في خصائصها من المساكن في المدن أو تماثلها في كثير من الحالات. ومع ذلك بقي الجانب الكمي دون الإيفاء بحاجة جميع الأسر الريفية. وتتجلى الصورة أكثر وضوحاً داخل القرى التي تعاني من أزمة سكن حادة لأن الزيادة في الأسر فيها لم يرافقها زيادة في المساكن بنفس المستوى وأخذت الفجوة بين الاثنين تتسع سنة بعد أخرى ليصل معدل النمو في المساكن المطلوبة خلال المدة (1970-2012) (1.7%) وهو معدل عالي وخطير كان من نتائج ذلك:
أ-عدم قدرة أعداد كبيرة من الأسر المستحدثة والراغبة بالحصول على السكن أن تحصل عليه.
ب-ارتفاع الكثافة السكنية بأنواعها (6.01فرد/مسكن)، (3.38فرد/غرفة)، (1.81أسرة/مسكن).
2-إن أغلب الاستثمارات السكنية التي تمت خلال السنوات الأخيرة في المناطق الريفية كانت خارج نطاق القرى ومن قبل المهاجرين من المراكز الحضرية، خاصة مدينة البصرة والتي مكنتهم إمكاناتهم المادية شراء العديد من البساتين وأقام البعض منهم فيها مساكن فخمة. في حين ظل غالبية سكان الريف بعيداً عن تلك العملية. ولم يقتصر التوسع السكني على حساب الأراضي الزراعية بالشكل أعلاه بل أقيمت التجمعات السكنية على مساحات واسعة من تلك الأراضي بعد أن تم إزالة نخيلها. ومازالت هذه العملية مستمرة حتى إعداد هذه الدراسة. وعلى الرغم من التوسع السكني على حساب الأراضي الزراعية فإن مساهمته محدودة في معالجة أو التخفيف من مشكلة العجز السكني التي تعاني منها القرى.
3-فرض نمط الزراعة السائدة في قضاء أبي الخصيب المتمثل بزراعة محاصيل البستنة خاصة زراعة النخيل وإنتاج التمور بناء القرى بشكل مجمع وسط البساتين وأخذت الأخيرة تشكل عوارض أو حواجز تمنع توسع القرى لأن القوانين تمنع التجاوز على الأراضي الزراعية لصالح الاستعمالات الأخرى. لذلك عندما تتحدد القرى في توسعها تبدأ بالنمو من الداخل بحيث تشغل المساكن الفضاءات المتواجدة بين المساكن القديمة فتعمل بذلك على زيادة الكثافة السكانية والتي وصل معدلها (35-40) مسكن/هكتار.
4-إن تفاقم أزمة السكن في محافظة البصرة وفي كلا البيئتين الحضرية والريفية، كان مدعاة للتوسع على حساب الأراضي الزراعية. والذي ساعد على ذلك رغبة العديد من ملاك تلك الأراضي أو ورثتهم بين أراضيهم أو جزء منها بسبب التدهور الذي أصاب قطاع زراعة النخيل وإنتاج التمور في العراق ومنها منطقة الدراسة. ولسنا هنا بصدد بيان أسباب ذلك فمنذ عام 2003 تتعرض العديد من البساتين لعملية إزالة نخيلها لإقامة التجمعات السكنية أو تهيئتها لهذا الغرض. إن استمرار ظاهرة التوسع السكني على حساب الأراضي الزراعية المشغولة بالنخيل في جميع مناطقه في المحافظة بالشكل الذي عليه الآن مع ما يواجه هذا القطاع من مشكلات يعني زوال النخيل من معظم مناطقه مما يجعل إنتاجها من التمور عاجزاً عن تلبية احتياجات السوق المحلية وتعكس لنا كميات التمور الواردة إلى أسواق المحافظة من خارجها سواء من المحافظات الأخرى أو من خارج القطر هذه الحقيق.
ABSTRACT
In the rural areas of Qadha hosing sector has greatly developed for the last four decades, in designs and materials. These developments have made housing characters in rurals areas are similar to those in urban areas. Nevertheless, the total number of housing unites is less than population demands, particularly, with in villages, despite, housing has increased surrounding villages. Most of households are unable to obtain parcels for new house.
So, this study aims to deal with effects of housing shortage on agricultural lands future in Abu Alkasib Qadha.
هوامش البحث
1-برنامج الأمم المتحدة، ترجمة عبد السلام رضوان، حاجات الإنسان الأساسية في الوطن العربي، عالم المعرفة، الكويت، مطابع السياسة، 1990، ص275.
2-نجم عبد الله أحمد الدوري وحازم جاسم محمد، العجز السكني المتوقع في محافظة صلاح الدين عام 2020، جامعة تكريت، كلية الإدارة والاقتصاد، وقائع المؤتمر العلمي الأول للفترة 15-16 نيسان 2009، الموصل، مكتب الشمس للطباعة والنشر، 2009، ص117.
3-سعدي محمد صالح السعدي، وآخرون، جغرافية الإسكان، مطبعة دار الحكمة، بغداد، 1990، ص269.
4-وزارة التخطيط والتعاون الإنمائي، الجهاز المركزي للإحصاء وتكنولوجيا المعلومات، المجموعة الإحصائية السنوية لعام 2007، ص23 و24.
5-مديرية بلدية أبي الخصيب، الشعبة الفنية، بيانات غير منشورة.
6-استخرجت من قبل الباحثين بالاعتماد على خريطة (2).
7-المصدر نفسه.
8-استخرجت كثافة الاستيطان وفق الصيغة التالية:
| كثافة الاستيطان = | عدد المستوطنات في أي وحدة مساحية * 100 |
| مساحة تلك الوحدة |
انظر:
مشعل محمود فياض، مراكز الاستيطان الريفي الحدودية في العراق، ميسان، واسط، ديالي، رسالة ماجستير، جامعة بغداد، 1985، ص45.
9-دحام حنوش حمد الدليمي، الاستيطان الريفي في محافظة الأنبار، رسالة ماجستير، جامعة بغداد، 1986، ص191.
10-وزارة التخطيط، هيئة التخطيط الإقليمي، أساليب تقدير الطلب على السكن في المحافظات، بغداد، 1988، ص19.
11-نجلاء عبد الله، مشكلة السكن في العراق، واقعها وسبل معالجتها، رسالة ماجستير، جامعة بغداد، 1980، ص6.
12-وزارة التخطيط، الجهاز المركزي للإحصاء، المجموعة الإحصائية السنوية لعام 1966، ص46.
13-وزارة التخطيط، الجهاز المركزي للإحصاء، المجموعة الإحصائية السنوية لعام1979، ص84.
14-يكون المعدل مناسباً عند (شخص/غرفة) ويصبح مكتضاً عند (1.3 شخص/غرفة)، ومفرط الاكتظاظ بين(1.5-2 شخص/غرفة).
انظر: فاضل عبد اللطيف علي المالح، الكثافة والاكتظاظ في المناطق السكنية، رسالة ماجستير، مركز التخطيط الحضري والإقليمي، جامعة بغداد، 1999، ص418.
15-للوقوف على تدهور زراعة النخيل وإنتاج التمور في قضاء أبي الخصيب. انظر:
أ-جواد صندل جازع البدران، زراعة النخيل وإنتاج التمور في محافظة البصرة للفترة من 1950-1980، رسالة ماجستير، جامعة البصرة، 1988.
ب-محمد رمضان محمد، التحليل الجغرافي لمشكلات الزراعة في قضاء أبي الخصيب، أطروحة دكتوراه، جامعة البصرة، 2003.
16-المغارسة (تعرف في البصرة بالتعبة) وهي شركة تؤسس على كون الأرض من طرف والعمل من طرف آخر، ويشترك الطرفان في حصة معينة.
انظر: حامد البازي، البصرة في الفترة المظلمة، بغداد، مطبعة دار البصري، 1970، ص48.
قائمة المصادر والمراجع
1-برنامج الأمم المتحدة، ترجمة عبد السلام رضوان، حاجات الإنسان الأساسية في الوطن العربي، عالم المعرفة، الكويت، مطابع السياسة، 1990.
2-جواد صندل جارع البدران، زراعة النخيل وإنتاج التمور في محافظة البصرة للفترة من 1950-1980، رسالة ماجستير، جامعة البصرة، 1988.
3-حامد البازي، البصرة في الفترة المظلمة، بغداد، مطبعة دار البصري، 1970.
4-دحام حنوش حمد الدليمي، الاستيطان الريفي في محافظة الأنبار، رسالة ماجستير، جامعة بغداد، 1986.
5-سعدي محمد صالح السعدي، محمد خالص رؤوف حسن، مضر خليل العمر، جغرافية الإسكان، مطبعة دار الحكمة، بغداد، 1990.
6-فاضل عبد اللطيف علي المالح، الكثافة والاكتظاظ في المناطق السكنية، رسالة ماجستير، مركز التخطيط الحضري والإقليمي، جامعة بغداد، 1999.
7-محمد رمضان محمد، التحليل الجغرافي لمشكلات الزراعة في قضاء أبي الخصيب، أطروحة دكتوراه، جامعة البصرة، 2003.
8-مشعل محمود فياض، مراكز الاستيطان الريفي الحدودية في العراق، ميسان، واسط، ديالي، رسالة ماجستير، جامعة بغداد، 1985.
9-نجلاء عبد الله، مشكلة السكن في العراق، واقعها وسبل معالجتها، رسالة ماجستير، جامعة بغداد، 1980.
10-نجم عبد الله أحمد الدوري وحازم جاسم، العجز السكني المتوقع في محافظة صلاح الدين عام 2020، جامعة تكريت، كلية الإدارة والاقتصاد، وقائع المؤتمر العلمي الأول للفترة 15-16 نيسان 2009، الموصل، مكتب الشمس للطباعة والنشر، 2009.
11-وزارة التخطيط، الجهاز المركزي للإحصاء، المجموعة الإحصائية السنوية لعام 1966.
12-وزارة التخطيط، الجهاز المركز للإحصاء، المجموعة الإحصائية السنوية لعام 1979.
13-وزارة التخطيط، هيئة التخطيط الإقليم، أساليب تقدير الطلب على السكن في المحافظات، بغداد، 1988.
14-وزارة التخطيط والتعاون الإنمائي، الجهاز المركزي للإحصاء وتكنولوجيا المعلومات، المجموعة الإحصائية السنوية لعام 2007.


